العودة إلى تفاصيل المؤلَّف ما خطب النظرية الاجتماعية؟

ما خطب النظرية الاجتماعية؟

What is Wrong with Social Theory?

هيربرت بلومر| Herbert Blumer *

** Translated by Hassane Hjij ترجمة حسن احجيج|

الملخّص

يؤكد هيربرت بلومر أنّ تكوين المفهوم له أهمية بالغة في التوصل إلى نتائج بحثية صادقة تعكس الواقع المدروس. وتُعدّ العلاقة بين المفهوم والواقع الاجتماعي الإمبريقي مشكلة منهجية شائعة في البحث الاجتماعي. ويعالج بلومر في هذه الورقة البحثية، التي قُدِّمَت في آب/ أغسطس 1953 في الاجتماع السنوي للجمعية الأميركية لعلم الاجتماع، هذه العلاقة بين النظريات (المفاهيم) والبيانات (الواقع الإمبريقي)، ويشرح مشكلة "الطبيعة الغامضة للمفاهيم" في النظرية الاجتماعية ويقدم اقتراحات للتغلب عليها. من بين هذه الاقتراحات الاعتماد على المفاهيم التحسيسية بدلًا من المفاهيم النهائية، نظرًا إلى أن المفاهيم التحسيسية تكتسب فائدتها وأهميتها من العلاقات النمطية وليس من الارتباطات القابلة للقياس الكمي.

Abstract

Abstract: Herbert Blumer asserts that concept formation is of paramount importance for arriving at valid research results that reflect the reality under study. However, the relationship between the concept and the empirical social reality is a common methodological problem in social research. In this paper, presented in August 1953 at the annual meeting of the American Sociological Association, Blumer addresses this relationship between theories (concepts) and data (the empirical reality), and explains the problem of the "ambiguous nature of concepts" in social theory, and offers suggestions for overcoming it. Among these suggestions is the reliance on sensitizing rather than definitive concepts, since sensitizing concepts gain their usefulness and importance from typical relationships rather than from quantifiable associations.

الكلمات المفتاحية:
  • النظرية الاجتماعية
  • الطبيعة الغامضة للمفاهيم
  • المفاهيم التحسيسية
  • المفاهيم النهائية
  • المحتوى الإمبريقي
Keywords:
  • Social Theory
  • Ambiguous Nature of Concepts
  • Sensitizing Concepts
  • Definitive Concepts
  • Empirical Content

ملخص: يؤكد هيربرت بلومر أنّ تكوين المفهوم له أهمية بالغة في التوصل إلى نتائج بحثية صادقة تعكس الواقع المدروس. وتُعدّ العلاقة بين المفهوم والواقع الاجتماعي الإمبريقي

مشكلة منهجية شائعة في البحث الاجتماعي. ويعالج بلومر في هذه الورقة البحثية، التي

قُِّدِمَت في آب/ أغسطس 1953 في الاجتماع السنوي للجمعية الأميركية لعلم الاجتماع، هذه

العلاقة بين النظريات (المفاهيم) والبيانات (الواقع الإمبريقي)، ويشرح مشكلة "الطبيعة الغامضة للمفاهيم" في النظرية الاجتماعية ويقدم اقتراحات للتغلب عليها. من بين هذه

الاقتراحات الاعتماد على المفاهيم التحسيسية بدلًا من المفاهيم النهائية، نظرًا إلى أن

المفاهيم التحسيسية تكتسب فائدتها وأهميتها من العلاقات النمطية وليس من الارتباطات القابلة للقياس الكمي ****.

Abstract: Herbert Blumer asserts that concept formation is of paramount importance for arriving at valid research results that reflect the reality under study. However, the relationship between the concept and the empirical social reality is a common methodological problem in social research. In this paper, presented in August 1953 at the annual meeting of the American Sociological Association, Blumer addresses this relationship between theories (concepts) and data (the empirical reality), and explains the problem of the "ambiguous nature of concepts" in social theory, and offers suggestions for overcoming it. Among these suggestions is the reliance on sensitizing rather than definitive concepts, since sensitizing concepts gain their usefulness and importance from typical relationships rather than from quantifiable associations.

American Sociologist (1900–1987). Moroccan Sociologist and Translator. Email: hassane.hjij@gmail.com

الإنكليزية للنسخة المنشورة في:

American Sociological Review , vol. 19, no. 1 (February 1954), pp. 3–10.

يقتصر اهتمامي على ذلك الشكل من النظرية الاجتماعية الذي يمثل جزءًا من العلم

الإمبريقي أو يفترض أنه كذلك. تهدف النظرية في العلوم الإمبريقية إلى تطوير خطاطات تحليلية للعالم الإمبريقي الذي يهتم به علم معيّن. ويجري تطوير تلك الخطاطات بتصور العالم على نحو تجريدي، أي من حيث فئات الأشياء

والعلاقات بينها. إن الخطاطات النظرية بالأساس مقترحات عن طبيعة هذه الفئات والعلاقات القائمة بينها عندما تكون هذه الطبيعة إشكاليةً أو مجهولةً. وتصبح هذه المقترحات دلائل توجه البحث لمعرفة إذا ما كانت هذه المقترحات أو آثارها صحيحة. هكذا، تمارس النظريةُ تأثيرًا قوًّيًا في مشاكل

وضعية البحث، حيث تحدد المواضيعَ وتوجه البحثَ نحو العلاقات القائمة. وتقوم النتائج الإمبريقية باختبار النظريات، ويمثل اقتراحها مواضيع جديدة دعوة إلى صياغة مقترحات جديدة. وتتشابك النظرية Theory والبحث Inquiry والواقعات الإمبريقية Empirical facts في نسيج إجرائي: النظرية توجه البحث، والبحث يفتش عن الواقعات ويعزلها، والواقعات تؤثر في النظرية. وتفاعلها الخصب هو الوسيلة التي يتطور بها علم إمبريقي. عندما يُنظَر إلى النظرية الاجتماعية عمومًا في ضوء هذا العرض الموجز للنظرية في العلوم الإمبريقية،

يتضح أنها تعاني عيوبًا خطيرة. وانفصالها عن العالم الإمبريقي واضح للعيان. إنها منعزلة إلى حد بعيد

في عالم خاص بها، تتغذى فيه من ذاتها. إذ إننا نعثر عليها عادة في دروس ومجالات منفصلة. ولها في أغلب الأحوال أدبياتها الخاصة. ويتلخص شريانها بالأساس في التفسير Exegesis: الفحص النقدي للخطاطات النظرية السابقة، وتركيب أجزاء من هذه الأخيرة في ترتيبات جديدة، وترجمة الأفكار القديمة إلى مفردات جديدة، والإضافة من حين إلى آخر لفكرة جديدة ناتجة من التفكر في نظريات أخرى. إنها مستعدة، على نحو ملحوظ، لاستيراد خطاطات من خارج مجالها الإمبريقي، كما هو الحال في القياس العضوي، والمذهب التطوري، والمذهب الفيزيائي، ومذهب الغريزة، والسلوكية، والتحليل النفسي، ومذهب الانعكاس الشرطي. علاوة على ذلك، عندما تُطَبَّق النظرية الاجتماعية

(((يوجد نوعان آخران مشروعان ومهمان من النظرية الاجتماعية لا أعتزم تقييمهما هنا. أحدهما يسعى إلى تطوير تأويل داٍّلٍ للعالم الاجتماعي أو لجزء مهم منه. لا يهدف هذا النوع إلى صياغة فرضيات علمية، بل إلى تعريف وضعيات حياتية وتوضيحها حتى يتسنى للناس التوصل إلى فهم أوضح لعالمهم، وإمكانات تطوره، والاتجاهات التي يمكن أن يسير فيها. توجد في كل مجتمع، خاصة في المجتمع المتغير، حاجة إلى توضيح دالّ للقيم الاجتماعية الأساس والمؤسسات الاجتماعية وأنماط المعيشة والعلاقات الاجتماعية. لا يمكن تلبية هذه الحاجة بالعلم الإمبريقي، وإن كان في إمكان التحليل الذي يقوم به العلم الإمبريقي أن يقدم بعض المساعدة. ويتطلب التحقيق الفعال لهذه الحاجة حساسيةً للاستعدادات الجديدة وتقديرًا للاتجاهات الجديدة التي يمكن الحياة

الاجتماعية أن تتشكل وفقًا لها. إن معظم النظريات الاجتماعية في الماضي وكثيرًا منها في الوقت الحاضر ينتمي عن قصد أو عن

غير قصد إلى هذا النوع التأويلي. وهذا النوع من النظرية الاجتماعية مهم وله قيمة في ذاته. والنوع الثاني من النظريات يمكن أن نطلق عليه نظرية "السياسات". ويهتم بتحليل وضعية اجتماعية معينة، أو بنية اجتماعية، أو نشاط اجتماعي باعتباره أساسًا لسياسة

عامة أو تدخل. قد تكون هذه النظرية تحليلًا للاستراتيجية والتكتيكات الشيوعية، أو للظروف التي تدعم التمييز العنصري في مدينة

أميركية، أو للعبة القوة في علاقات العمل في المصانع الضخمة، أو الإمكانات المعنوية لدولة معادية. إن مثل هذا التحليل النظري لا يتم لفائدة العلم الإمبريقي. وهو ليس مجرد تطبيق للمعرفة العلمية. ولا هو بحث يتوافق مع قواعد العلم الإمبريقي. إن عناصر تحليله والعلاقات القائمة بين هذه العناصر لها طبيعة تحددها الوضعية الملموسة وليس مناهج العلم الإمبريقي أو مفاهيمه المجردة. ولهذا الشكل من النظرية الاجتماعية أهمية واضحة.

على العالم الإمبريقي، فإنها تكون بالأساس تأويلًا يصوغ العالمَ في قالبه الخاص، ولا تكون دراسة

متعمقة للواقعات الإمبريقية لمعرفة إذا ما كانت النظرية مناسبة. وفيما يتعلق بالأصل والاستخدام، يبدو أن النظرية الاجتماعية على العموم غير متكيفة مع عالمها الإمبريقي. من الواضح أن النظرية الاجتماعية قاصرة على توجيه الاستقصاء البحثي. فهي قلّما تُصاغ بطريقة تُسِهِّل أو تتيح البحث الموجّه إلى معرفة إذا ما كانت هذه النظرية أو نتائجها صحيحة. فهي إذًا

قاصرة في تحديد مشاكل البحث، وفي اقتراح أنواع البيانات الإمبريقية التي ينبغي البحث عنها، وفي ربط هذه البيانات بعضها ببعض. ليس انفصالها عن الاستقصاء البحثي أقل من انفصالها عن عالمها الإمبريقي. وأخيرًا، لا تستفيد كثيرًا من التراكم الهائل والمتنامي ل "الواقعات" التي تصدر من الملاحظة الإمبريقية

والاستقصاء البحثي. ورغم أن هذا قد يكون راجعًا إلى أن هذه الواقعات غير صالحة بطبيعتها لأغراض نظرية، وربما يرجع أيضًا إلى عيب في النظرية. تقترح هذه الأنواع الثلاثة من القصور في النظرية الاجتماعية أن كل ما هو مطلوب هو تصحيح الانشغالات غير المناسبة وممارسات العمل السيئة في النظرية. إننا نسمع مرارًا وتكرارًا توصيات

وتحذيرات بهذا الشأن. ادعوا المنظرين الاجتماعيين إلى التقليل من انشغالهم بأدبيات النظرية الاجتماعية، وإلى الارتباط بدلًا من ذلك بالعالم الاجتماعي الإمبريقي. دعوهم يتخلّوا عن ممارستهم المتمثلة في استخدام غسيل الآخرين والاشتغال بدلًا من ذلك بالبيانات الإمبريقية. ودعوهم يطوروا رأس مالهم المفهومي الخاص بالاشتغال على حقلهم الإمبريقي الخاص بدلًا من استيراد عملة مزيفة من عوالم غريبة. وحثّوهم على التخلي عن ممارسة مجرد تأويل الأشياء لتتناسب مع نظرياتهم والتركيز بدلًا من ذلك على اختبارها. وادعوهم إلى صياغة نظرياتهم في أشكال قابلة للاختبار. واطلبوا منهم أن يوجهوا نظرياتهم إلى المتون الضخمة من النتائج البحثية المتراكمة، ويطوروا النظرية في ضوء هذه النتائج. إنها وصايا جميلة نقرّ بها جميعًا. ولها بالتأكيد عدد من المزايا. لكنها لا تعزل مشكلة ما يعيب

النظرية الاجتماعية من حيث الأساس، ولا تقدم لنا الوسائل اللازمة لتصحيح الصعوبات. فالمشكلة

لا تزال قائمة رغم الدراسات التي أجريت في احترام لهذه الوصايا. لقد وُِجُِدَ دائمًا ولا يزال يوجد

في حقلنا وحده العديد من الأشخاص الأكفاء والواعين الذين سعوا ولا يزالون يسعون إلى تطوير النظرية الاجتماعية بالانشغال المتأني والدقيق أحيانًا بالبيانات الإمبريقية، أمثال روبرت بارك Robert Park، ووليام توماس William Thomas، وفلوريان زنانيكي Florian Znaniecki، وإدوين ساذرلاند

Edwin Sutherland، وستيوارت دود Stewart Dodd، وإرنست بيرجيس Ernest Burgess،

وصامويل ستوفر Samuel Stouffer، وبول لازارسفيلد Paul Lazarsfeld، وروبرت ميرتون Robert Merton، ولويس ويرث Lewis Wirth، وروبن ويليامز Roben Williams، وروبرت بيلز Robert Bales، وعشرات غيرهم ممن يستحقون الذكر على قدم المساواة. لكل هؤلاء الأشخاص عقلية

إمبريقية. وقد سعى كل منهم بطريقته الخاصة إلى توجيه البحث بالنظرية وتقييم قضاياه النظرية في ضوء البيانات الإمبريقية. هؤلاء الناس جميعًا تقريبًا على دراية بقواعد البحث الإمبريقي المتضمنة في

الكتب الدراسية. لن نكون محقّين في اتهامهم بتجاهل العالم الإمبريقي، أو بالسذاجة الإجرائية، أو بعدم الكفاءة المهنية. لكنهم شككوا في نظريات بعضهم بعضًا وأعمالهم ورأوا أنها ضعيفة. والواقع أن الانتقادات والانتقادات المضادة التي وُجّهت إلى أعمالهم عنيفة وتسير عكس البوصلة. لذلك،

يتضح أننا ملزمون باستكشاف ما هو أعمق من مستوى الوصايا المذكورة سابقًا. أعتقد أن سبيل البحث المناسب يتعلق بالمفهوم. لا يكون للنظرية في العلوم الإمبريقية قيمة إلا عندما تكون مرتبطةً على نحو مثمر بالعالم الإمبريقي. والمفاهيم هي الوسيلة الوحيدة لإقامة هذا الارتباط، لأن المفهوم هو الذي يشير إلى الحالات الإمبريقية التي صيغت بشأنها قضيةٌ نظرية. وإذا كان المفهوم واضحًا فيما يتعلق بما يشير إليه، فيمكن بالتأكيد تحديد الحالات الإمبريقية. ويمكّن

تحديدها من دراستها بعناية، واستخدامها لاختبار القضايا النظرية، واستغلالها في اقتراح قضايا جديدة. هكذا، فإن مفاهيمَ واضحةً تمكّن من ربط المنطوقات النظرية بالعالم الإمبريقي بعلاقات

وثيقة وذاتية التصحيح. وعلى العكس من ذلك، تحول المفاهيم الغامضة دون تحديد الحالات الإمبريقية المناسبة، وتعوق اكتشاف العناصر ذات الصلة في الحالات الإمبريقية المختارة. ومن ثم، فإنها تمنع النظرية من أن ترتبط بعالمها الإمبريقي وتمنع التفاعل الفعّال بينهما. لا يعني الاعتراف بالمكانة الحاسمة للمفاهيم في النظرية في العلوم الإمبريقية أن العناصر الأخرى ليست مهمة. فمن الواضح أنه ليست هناك ضرورة لإبراز أهمية القدرات الفكرية في النظرية، مثل الأصالة والخيال المنضبط. وبالمثل، لتقنيات الدراسة أهمية واضحة. كما أن متون الواقعات ضرورية. ومع ذلك، يظل الفكر العميق والوقّاد، وترسانة من أكثر الأدوات دقة وإبداعًا، ومجموعة واسعة من

الواقعات، بلا معنى في العلوم الإمبريقية في غياب الوجاهة الإمبريقية والتوجيه والنظام التحليليَين،

وهي أمور لا يمكن أن تتوافر إلا بفضل المفاهيم. وبما أن كل شيء في العلوم الإمبريقية يتوقف على كيفية تشابك التفكير على نحو مثمر وأمين مع العالم الإمبريقي المدروس، وبما أن المفاهيم هي المدخل إلى ذلك العالم، فإن الأداء الفعال للمفاهيم مسألة ذات أهمية حاسمة. والآن، من الواضح أن المفاهيم في النظرية الاجتماعية شديدة الغموض. إن مصطلحاتٍ تمثيليةً مثل العادات، والمؤسسات الاجتماعية، والاتجاهات، والطبقة الاجتماعية، والقيمة، والمعيار الثقافي، والشخصية، والجماعة المرجعية، والبنية الاجتماعية، والجماعة الأولية، والعملية الاجتماعية، والنظام الاجتماعي، والتمدين، والتكيف، والتمييز التفاضلي، والضبط الاجتماعي، لا تميز بوضوح حالاتها الإمبريقية. فهي لا تسمح في أفضل الأحوال إّلا بتعريف تقريبي، ولا تمكّن من تحديد العناصر المُعَرَّفة على نحو تقريبي التي يشملها المفهوم أو لا يشملها. إن التعريفات التي تُقَدَّمُ لهذه

المصطلحات لا تكون عادة أوضح من المفاهيم التي تسعى إلى تعريفها. ويجبرنا التدقيق المتأني في مفاهيمنا على الاعتراف بأنها تستند إلى معنى غامض وليس إلى تحديد دقيق للخصائص. ونعاين هذا الأمر في خبرتنا المشتركة المتعلقة بشرح المفاهيم لطلابنا أو لأشخاص غير أكاديميين؛ إذ إننا نلاحظ

أن التعريفات الصورية لا تفيدنا كثيرًا في ذلك. بل إذا كنّا مدرّسين جيدين، فإننا نسعى إلى إسناد

معنى إلى المفهوم باستخدام بعض الأمثلة التوضيحية المناسبة. ويترسخ هذا المعنى الأوّلي مع مرور

الوقت بفضل الخبرة المتمثلة في اقتسام عالم دلالي مشترك. وتصبح مفاهيمنا بديهية على أساس هذا المعنى. ويرشدنا هذا المعنى، وليس المواصفات الدقيقة، في تخصصنا المعرفي إلى كيفية التعامل مع عالمنا الإمبريقي. إن هذه الطبيعة الغامضة للمفاهيم هي العيب الأساس في النظرية الاجتماعية. فهي تمنعنا من فهم عالمنا الإمبريقي؛ وذلك لأننا لا ندري ما الذي ينبغي لنا أن نتمسك به. ويمنعنا عدم اليقين الذي ينتابنا بشأن ما نشير إليه من طرح الأسئلة الوجيهة وتحديد مشكلات البحث. ويُضعف المعنى الغامض

إدراكنا، ومن ثم، يفسد الملاحظة الإمبريقية الموجهة. إنه يُعِرِّض تفكيرنا في العلاقات المحتملة بين

المفاهيم لأخطاء كثيرة. ويشجع تنظيراتنا على التطور في عالم منفصل لا تربطه بالعالم الإمبريقي سوى صلة ضعيفة. ويحدّ بشدة من الوضوح والتطور اللذَين يمكن أن تستمدهما المفاهيم من نتائج البحث. ويؤدي إلى التنظير غير المنضبط الذي هو تنظير رديء. إن كان العيب الأساس في النظرية الاجتماعية، وفي مجالنا العلمي، هو الطبيعة الغامضة لمفاهيمنا، فلماذا لا نشرع في توضيح هذه المفاهيم وتحديدها؟ هذا هو لبّ المشكلة. والسؤال هو: كيف نفعل

ذلك؟ يمكن أن نقلص كثيرًا من الإجابات الممكنة بالاعتراف بأن قدرًا كبيرًا من الجهد، الذي قد

يكون واعيًا وحماسًّيًا، لا يلامس المشكلة. لا يتحقق توضيح المفاهيم بإدخال مفردات اصطلاحية

جديدة أو استبدال مصطلحات، بمعنى أن المهمة ليست معجمية. ولا يتحقق ذلك بالتفكير العميق في النظريات لإظهار نقاط ضعفها وفخاخها المنطقية. ولا يتسنى بابتكار نظريات جديدة أو استيرادها، أو باختراع أدوات تقنية جديدة أو تحسين موثوقية التقنيات القديمة؛ فمثل هذه الأدوات والتقنيات محايدة بالنسبة إلى المفاهيم التي ربما تُستخدَم باسمها. ولا يتحقق توضيح المفاهيم بتكديس أكوام

من نتائج الأبحاث. ومن الأمثلة على ذلك مئات الدراسات التي أُجريت عن الاتجاهات Attitudes وآلاف العناصر التي أنتجتها؛ ولم تساهم هذه الآلاف من العناصر في توضيح مفهوم الاتجاهات ولو بقدر ضئيل. وبالمثل، إن مجرد توسيع نطاق البحث واتجاهه لا يضمن وحده توضيح المفاهيم. ولا تحلّ هذه الأشكال المتنوعة من الجهود مشكلة المفهوم الغامض، كما تشهد على ذلك النتائج ذاتها. تكتسي أكثر المحاولات جدية في حقلنا لمعالجة هذه المشكلة شكل تطوير إجراءات ثابتة وخاصة

مصممة لعزل محتوى إمبريقي مستقر ونهائي، حيث يشكل هذا المحتوى تعريفَ المفهومِأو مرجعَه.

وأشهر هذه المحاولات هي صياغة تعريفات إجرائية، والبناء التجريبي للمفاهيم، والتحليل العاملي، وتشكيل أنظمة رياضية استنباطية، وبناء مؤشرات كمية موثوقة رغم أنها مختلفة قليلًا. ورغم أن هذه المحاولات تختلف من حيث نوع الإجراء الخاص المستخدم، فإنها تتشابه في كون الإجراء مصممًا لإنتاج نتيجة مستقرة ونهائية عندما يُطَبَّق على نحو متكرر. ويمثّل تعريفُ الذكاء بمعدلّ الذكاء

مث لًا توضيحًّيًا ملائمًا لما هو مشترك بين هذه المقاربات. إنّ معدّل الذكاء نتيجةٌ مستقرة وتمييزية

يمكن التحقق منها بتكرار إجراءات محددة بوضوح. إذا تجاهلنا اختلاف الجدارة واختلاف مستوى الاختراق بين هذه المقاربات، فقد يبدو أن تقديم هذه الأخيرة لمحتوى محَّدَد وتمييزي يجعل منها الحَّلَ لمشكلة المفهوم الغامض في النظرية الاجتماعية. ويعتقد كثيرون أن الاستخدام الحازم لهذا المنهج أو ذاك سينتج مفاهيم نهائية Definitive concepts، ومن ثم يمكن تطبيق النظرية بطريقة حاسمة على العالم الإمبريقي، واختبارها بفاعلية في الاستقصاء البحثي. حتى الآن، لم تتجاوز قدرة هذه المساعي الدقيقة على حِّلِ مشكلة المفهوم الغامض مجال الادعاء والوعد. إنها تواجه ثلاث صعوبات واضحة في سعيها إلى إنتاج مفاهيم حقيقية تتعلق بعالمنا الإمبريقي. أولًا، عندما يُنظر إلى المحتوى الإمبريقي النهائي المعزول على أنه يشكل في ذاته المفهومَ (كما في

العبارة التي تقول " X هو معدل الذكاء")، فإنه يفتقر إلى الإمكانات النظرية ولا يمكن ادعاء أنه ينتج مفهومًا حقيقًّيًا. ليست له الطبيعة المجردة للفئة التي لها صفات قابلة للتحديد. ما هو "معدل الذكاء"

بما هو فئة؟ وما خصائصه؟ إذا كان من الممكن القول إن "معدل الذكاء" فئة مكونة من سلسلة من معدلات ذكاء خاصة، فهل يمكن أو يجب الإشارة إلى السمات المشتركة لهذه السلسلة، السمات التي من شأنها بالطبع أن تميز الفئة؟ لا يمكن أن يتشكل مفهومٌ ذو طبيعة نظرية طالما أن الحالات

الإمبريقية الخاصة التي يتم عزلها بواسطة إجراء معيّن لم تُجمَع في فئةٍ لها سماتٌ ممِّيِزة مشتركة.

ولا يمكن تقديم مقترحات بشأن الفئة أو البناء المجرد أو ربطهما ببناءات مجردة أخرى. ثانيًا، ما دام يُعتقَد أن المحتوى الإمبريقي النهائي المعزول يصف شيئًا يتجاوز ذاته (كما في عبارة

"الذكاء هو معدل الذكاء" حيث يُعتقَدُ أن الذكاء الآن يشمل مجموعةً متنوعةً من الأفكار المرجعية

الشائعة، مثل القدرة على حل المشاكل التجارية، وتخطيط الحملات، والاختراع، وممارسة الإبداع الدبلوماسي، إلخ)، فإن المفهوم يتكون من هذا الشيء الذي يتجاوز المحتوى الإمبريقي النهائي.

وبما أن هذا "الشيء الذي يتجاوز" لا تتم معاملته بالإجراء الذي يُنتِج المحتوى الإمبريقي النهائي،

فإن المفهوم يظل في وضعية الغموض التي خلقت المشكلة في الأصل. بعبارة أخرى، يظل المفهوم مكَّوَنًا من معارف أو تصورات عامة وليس من عناصر محددة بدقة. ثالثًا، يجب طرح السؤال الوجيه المتعلق بعلاقة المحتوى الإمبريقي النهائي المعزول بالعالَم الإمبريقي الذي يمثّل مجال اهتمام التخصص. ويجب أن يكون ممكنًا تحديد مكان المحتوى الخاص ودوره في العالَم الإمبريقي حتى يتسنى للمحتوى الإمبريقي الدخول في النظرية المتعلقة بالعالم. ويمكن أن ينتج إجراء معيّن نتيجةً مستقرةً، ويكون ذلك ضرورًّيًا أحيانًا بسبب الآليات الداخلية للإجراء. ولن

يكون لهذه النتيجة أيّ قيمة بالنسبة إلى النظرية ما لم نُثبِت أن لها مكانة وجيهة في العالم الإمبريقي

قيد الدراسة. ويمثل إظهارُ هذه الوجاهة صعوبةً بالغةً تواجه الجهود الرامية إلى بناء مفاهيم نهائية من

خلال عزل محتويات إمبريقية مستقرة بواسطة إجراءات دقيقة. وجدير بالذكر أن إرساء هذه الوجاهة لا يتحقق بالارتباطات Correlations. فرغم أن فئات الأشياء أو العناصر التي تغطيها المفاهيم يمكن

أن تكون مترابطة، فإن مجرد إقامة الارتباطات بين العناصر لا يُنتِج مفاهيم، أو بعبارة أخرى لا يجعل

من عنصرٍ حالةً لفئة أو مكان أو وظيفة. فاضلًا عن ذلك، إن وجاهة محتوى إمبريقي معزول بالنسبة إلى العالم الإمبريقي لا تتحقق بمجرد استخدام المفهوم لتسمية أحداث معينة في ذلك العالم الإمبريقي. ويتعلق الأمر بحفرة دلالية يقع فيها عشرات الباحثين، خاصة أولئك الذين يشتغلون على تعريفات إجرائية للمفاهيم أو على البناء التجريبي للمفاهيم. على سبيل المثال، إن دراسةً متأنيةً ل "الروح

المعنوية" أجِرُِيت في إطار تجربة مقَّيَدة يمكن أن تؤدي إلى نتيجة مستقرة. وكوننا نطلق عادةً مصطلحَ

"الروح المعنوية" على العديد من الحالات في عالمنا الإمبريقي لا يضمن إطلاقًا أن هذا المفهوم التجريبي ل "الروح المعنوية" يناسب تلك الحالات؛ لذلك، ينبغي لهذه العلاقة أن تكون مثبَتةً وليس

مفترضة فقط. ربما وُجدَت حلولٌ ناجحة لهذه الصعوبات الثلاث التي ذكرتها، بحيث إن مفاهيم نهائية حقيقية لها

فائدة نظرية يمكن صياغتها انطلاقًا من نوع الجهود التي ذكرتها. وما زال يوجد ما أجد نفسي مضطرًا

إلى الاعتراف بأنه أهم سؤال على الإطلاق، ألا وهو إذا ما كانت المفاهيم النهائية مناسبةً لدراسة عالمنا الاجتماعي الإمبريقي. يبدو أن طرح هذا السؤال في هذه المرحلة يتحرك في اتجاه معاكس، ويتناقض مع كل ما قلته سابقًا عن الحاجة المنطقية إلى المفاهيم النهائية للتغلب على المصدر الأساس لعيوب النظرية الاجتماعية. رغم أن السؤال هرطقي، فإنني لا أرى كيف يمكن تجنّبه. وأود

أن أوضح أن هذا السؤال مناسب للغاية. أعتقد أن دراسةً معمقةً تثبت إثباتًا قاطعًا أن مفاهيمَ تخصصنا المعرفي أدواتٌ تحسيسية في الأساس.

ومن هنا، فإنني أسميها "مفاهيم تحسيسية" Sensitizing concepts وأضعها في تعارض مع المفاهيم النهائية التي أشرت إليها في المناقشة السابقة. ويشير المفهوم النهائي، على وجه التحديد، إلى ما هو مشترك في فئة من الأشياء، بمساعدة تعريف واضح من حيث السمات أو المعايير المرجعية. ويُستخدَم

هذا التعريف، أو المعايير المرجعية، وسيلةً لتحديدٍ واضح للحالة الفردية للفئة وتكوين تلك الحالة التي يغطيها المفهوم. ولا يتضمن المفهوم التحسيسي تحديد السمات أو المعايير المرجعية، ومن ثم،

فإنه لا يمكّن المستخدِمَ من الانتقال مباشرة إلى الحالة ومحتواها ذي الصلة، بل يمنحه إحساسًا عامّا

بالمرجع ويوجهه في التعامل مع الحالات الإمبريقية. بينما تقدّم المفاهيم النهائية وصفات لما يجب رؤيته، فإن المفاهيم التحسسية تقترح فقط الاتجاهات التي يجب النظر إليها. إن المئات من المفاهيم التي نستخدمها، مثل الثقافة والمؤسسات والبنية الاجتماعية والعادات والشخصية، ليست مفاهيم نهائية بل مفاهيم تحسيسية بطبيعتها. فهي تفتقر إلى مرجع دقيق وليست لها معايير مرجعية تسمح

بتحديدٍ واضحٍلحالة معينة ومحتواها. إنها تستند بالأحرى إلى إحساس عام بما هو وجيه وذو صلة. ولا يمكن أن يوجد أيّ خلاف بشأن هذا التوصيف. الآن، لا ينبغي لنا أن نفترض بسهولة أن مفاهيمنا تحسيسية وغير نهائية لمجرد افتقارها إلى النضج والتطور العلمي. وينبغي لنا أن نتساءل إذا كانت توجد أسباب أخرى لهذه الوضعية، وبالأخص إذا كان ذلك يرجع إلى طبيعة العالم الإمبريقي الذي نسعى إلى دراسته وتحليله.

أتصور أن العالم الإمبريقي لتخصصنا هو العالم الاجتماعي الطبيعي للخبرة اليومية. إن لكل موضوع نفكر فيه في هذا العالم الطبيعي، سواء أكان شخصًا أم جماعة أم مؤسسة أم ممارسة أم أي شيء آخر،

طابعًا ممِّيِزًا أو خاًّصًا أو فريدًا، ويقع في سياقٍله طابعٌ ممِّيِز مطابق. أعتقد أن هذه الطبيعة الممِّيِزة للحالة

الإمبريقية ولوضعيتها هي التي تفسر لماذا تكون مفاهيمنا تحسيسية وليست نهائية. عندما نتعامل مع حالة إمبريقية لمفهومٍ ما بغرض الدراسة أو التحليل، فإننا لا نحصر تفكيرنا، ويبدو أننا لن نستطيع

حصره، في ما يغطيه المرجع المجرد للمفهوم؛ إذ إننا لا نستبعد ما يعطي كَّلَ حالةٍ طبيعتَها الخاصةَ لنقتصر على ما تقتسمه مع الحالات الأخرى في الفئة التي يغطيها المفهوم. بل يبدو على العكس أننا سنتوصل بالضرورة إلى المشترك من خلال قبول ما يميز الحالة الإمبريقية المعطاة واستخدامه. بعبارة أخرى، إن المشترك (أي ما يشير إليه المفهوم) يُعَبَّر عنه بطريقة خاصة في كل حالة إمبريقية، ولا يمكن

الوصول إليه إلا بقبول التعبير الخاص والاشتغال به. ندرك جميعًا ذلك عندما نتساءل مثلًا عن الشكل

الذي تأخذه البنية الاجتماعية في جماعة مُزارِعة صينية أو في نقابة عمالية أميركية، أو كيفية حدوث

اندماج حاخام يهودي بولندي أو فلاح مكسيكي. أعتقد أنك ستجد هذا صحيحًا عند تطبيق أٍّيٍ من

مفاهيمنا على عالمنا الإمبريقي الطبيعي، مثل البنية الاجتماعية، أو الاندماج، أو العادة، أو المؤسسة، أو اللامعيارية، أو القيمة، أو الدور، أو التقسيم الطبقي، أو أي من مئات المفاهيم الأخرى. إننا نعلم أن ما نشير إليه بمفهوم معين يأخذ في كل حالة إمبريقية شكلًا مختلفًا. ويتعين أن نقبل التعبير الخاص ونطوره ونستخدمه من أجل اكتشاف المشترك ودراسته. إن هذه الحاجة الواضحة إلى دراسة ما يشير إليه المفهوم، بالاشتغال بالطبيعة الخاصة أو الفريدة

للحالة الإمبريقية بدلًا من إهمالها، تستلزم على ما يبدو بالضرورة مفهومًا تحسيسًّيًا. وبما أن بياناتِ

الملاحظةِ الفورية التي تأخذ شكل التعبير الخاص في الحالات المنفصلة بياناتٌ مختلفة، لا يمكن الاستناد إلى معايير مرجعية أو سمات تعبير ثابتة وموضوعية لدراسة الحالات الإمبريقية. بالأحرى،

يجب على المفهوم أن يرشدنا في بناء صورةٍ للتعبير الخاص، كما هو الحال في دراسة اندماج الحاخام اليهودي. ويجري الانتقال من المفهوم إلى الخصوصية الملموسة للحالة بدلًا من تقييد الحالة في الإطار المجرد للمفهوم. يتعلق الأمر بملء وضعية جديدة أو شق الطريق في أرض مجهولة. ويجعلنا المفهوم حساسين لهذه المهمة، ويوفر لنا مؤشرات واقتراحات. إذا كان عالمنا الإمبريقي يقدم نفسه في شكل أحداث أو وضعيات مميزة وفريدة، وإذا أردنا إقامة فئات أشياء وعلاقات بين هذه الفئات بالدراسة المباشرة لهذا العالم، سنكون في اعتقادي مجبرين على العمل بمفاهيم تحسيسية. يمكن أن نطرح النقطة التي أتناولها هنا بطريقة أخرى، وذلك بالتأكيد على أنه يتعين علينا أن نستنتج أن أي حالة معطاة في عالمنا الإمبريقي الطبيعي ومحتواها يندرجان في أحد مفاهيمنا. ويتعين علينا أن نستنتج انطلاقًا من التعبير الملموس للحالة. بالنظر إلى الطبيعة المتغيرة للتعبير الملموس من حالة إلى أخرى، يجب على ما يبدو أن نعتمد على دلائل توجيهية عامة وليس على سمات موضوعية ثابتة أو أنماط تعبيرية. بعبارة عكسية، بما أن ما نستنتجه لا يعبّر عن نفسه بالطريقة الثابتة نفسها، فإننا

لا نستطيع أن نعتمد على تعبيرات موضوعية ثابتة لممارسة الاستنتاج.

بالنظر إلى الأنماط الفكرية السائدة حاليًا، سيرفض أغلب الناس في حقلنا فورًا الادعاء القائل إن مفاهيم

النظرية الاجتماعية تحسيسية بطبيعتها وليست نهائية، وسيعدّون هذا الادعاء محض هراء. كما أن آخرين، من سيتوقفون لتأمل هذا الاستنتاج، يمكن أن ينزعجوا عن حق مما ينطوي عليه. فهل يعني هذا أن حقلنا سيظل إلى الأبد غارقًا في وضع الغموض الحالي ويتخلى عن إمكانات تحسين مفاهيمه وفرضياته ونظريته ومعارفه؟ ليس هذا هو المقصود. إن المفاهيم التحسيسية تقبل الاختبار والتحسين والصقل. ويمكن اختبار صحتها بالدراسة الدقيقة للحالات الإمبريقية التي يُفترض أنها تغطيها. والسمات ذات الصلة بهذه

الحالات، التي لا يغطيها محتوى المفهوم بما يكفي، تصبح وسيلة لمراجعة المفهوم. والحقيقة أن هذه المراجعة أصعب مع المفاهيم التحسيسية مقارنة بالمفاهيم النهائية؛ لأننا سنتعامل مع أشكال تعبير متغيرة لا ثابتة. ولا تمنعنا هذه الصعوبة الكأداء من التحسين التدريجي للمفاهيم التحسيسية بالدراسة الدقيقة والمبتكرة للعالَم العنيد الذي تتوجه إليه هذه المفاهيم. على سبيل المثال، اكتسبت مفاهيم الاندماج والتفكك الاجتماعي تجريدًا أكثر ملاءمة وتمييزًا أكثر حدة بفضل دراسات ثاقبة وواقعية، مثل تلك

التي أجراها وليام توماس وروبرت بارك. في الواقع، ما أقصده هنا هو أن الدراسة الدقيقة والمتعمقة للأحداث في عالمنا الاجتماعي الطبيعي توفر الوسائل اللازمة لجعل المفاهيم التحسيسية أكثر انسجامًا

مع ما تكشفه هذه الدراسة. وباختصار، لا يتضمن تصحيح المفاهيم التحسيسية وتنقيتها في ضوء النتائج الإمبريقية العنيدة أَّيَ شيء صوفيّ أو غير عاديّ. جدير بالذكر أيضًا أن المفاهيم التحسيسية، حتى وإن كانت مبنية على الحس وليس على سمات موضوعية ظاهرة، يمكن صياغتها وإبلاغها. ولا يتم ذلك بالتعريف الصوري، وبالتأكيد ليس بوضع معايير مرجعية، بل يتحقق بالأحرى بالعرض الذي ينتج صورة ذات معنى، بمساعدة توضيحات مناسبة تمكّن الباحث من فهم المرجع استنادًا إلى خبرته الشخصية. بهذه الطريقة نتوصل إلى رؤية معاني مفاهيمنا ودلالاتها. وينبغي لنا أن نضيف أن هذا العرض يمكن أن يكون جيدًا أو رديئًا، ومن

الممكن أيضًا تحسينه. ليس قصور المفاهيم التحسيسية أمرًا حتمًّيًا ومتعذر العلاج. والواقع أن القصور المعترف به في مفاهيمنا،

التي تُستخدم بكل تأكيد هذه الأيام مفاهيمَ تحسيسية، يرجع إلى عدم كفاية دراسة الحالات الإمبريقية

التي تشير إليها، وطريقة عرضها غير المناسبة. فعدم كفاية الدراسة وسوء العرض متلازمان عادة. والعيب الأعظم والأكثر انتشارًا في استخدام المفاهيم التحسيسية هو عَُّدُها أشياء بديهية، والاكتفاء بأيّ واحد من

عناصر المعقولية التي تمتلكها. ويكتسي المفهوم في هذه الظروف شكل صورة نمطية غامضة ويصبح مجرد أداة لترتيب الحالات الإمبريقية. وعلى هذا النحو، لا يُختبَرُ أو يُقَّيَمُ في ضوء الحالات الإمبريقية،

ويفقد بذلك الوسيلة الوحيدة لتحسينه باعتباره أداة تحليلية. ويشير هذا فقط إلى عمل غير كافٍ أو مهمل أو كسول، وليس من الضروري أن يكون كذلك. إذا جرى اختيار حالات إمبريقية متنوعة للدراسة، وإذا كانت هذه الدراسة دقيقة وعميقة ومبتكرة، مع الانتباه دائمًا إلى إذا ما كان المفهوم مناسبًا وإلى أي حدّ،

فستتوافر كل الوسائل للتحسين التدريجي للمفاهيم التحسيسية. قيل الكثير عن العيوب التي تشوب النظرية الاجتماعية. لقد تجاهلتُ مجموعة من العيوب البسيطة أو ناقشتها بطريقة سطحية. وسعيت إلى تحديد المصدر الأساس لهذه العيوب، الذي يتمثل في صعوبة

إقامة علاقة وثيقة ذاتية التصحيح بين النظرية الاجتماعية وعالمها الإمبريقي، بحيث يمكن اختبار فرضياتها بشأن هذا العالم وصقلها وإثراؤها ببيانات هذا العالم. وتتركز هذه الصعوبة في مفاهيم النظرية، بما أن المفهوم هو المحور المرجعي لهذا العالم أو المدخل إليه. ويمنع غموض المفاهيم الاتصال بالعالم الإمبريقي أو يحبطه، ويُبقي النظريةَ منفصلةً في عالم غير واقعي مقابل. ويبدو أن هذه الحالة من الغموض تنطبق بصورة عامة على مفاهيم النظرية الاجتماعية. إن كيفية تصحيح هذه الوضعية هي أهم مشكلة في تخصصنا ما دمنا نريد أن نجعل منه علمًا إمبريقيّا.

والواقع أن جزءًا كبيرًا، إن لم يكن أكبر جزء، مما نقوم به هذه الأيام لا يلامس هذه المشكلة. فالتفكير

الانعكاسي في النظرية الموجودة، وصياغة نظرية جديدة، وتنفيذ أبحاث من دون توجيه مفهومي أو أبحاث تقبل المفاهيم من دون نقد، وتكديس كميات كبيرة من النتائج المتباينة، وتصميم أدوات تقنية جديدة واستخدامها، كل هذه الممارسات تحول دون حل المشكلة. ويبدو واضحًا أن هناك طريقتين أساسيتين لمعالجة المشكلة. تسعى الطريقة الأولى إلى تطوير

إجراءات دقيقة وثابتة ستنتج محتوى إمبريقيّا مستقرًا ونهائيّا. وتعتمد هذه الطريقة على تقنيات متقنة

وموحدة، وترتيبات تجريبية، وفئات رياضية. ليس عالم البيانات الفوري الخاص بهذه الطريقة هو العالم الاجتماعي الطبيعي الذي نختبره، بل هو تجريدات متخصصة مستمدة منه أو تحلّ محلّه. والهدف هو العودة إلى العالم الاجتماعي الطبيعي بمفاهيم نهائية تستند إلى إجراءات محددة بدقة. رغم أن هذه الإجراءات قد تكون مفيدة وقيّمة من نواحٍكثيرة، فإن قدرتها على إرساء مفاهيم حقيقية

مرتبطة بالعالم الطبيعي تواجه ثلاث صعوبات خطيرة لم يتم التغلب عليها بنجاح حتى الآن. إن طريقة المعالجة الأخرى تقبل الفكرة التي مفادها أن مفاهيمَنا تحسيسيةٌ بطبيعتها وليست نهائية.

وهي بذلك تتجنب الصعوبات المنطقية التي تواجه طريقة المعالجة الأولى، على حساب التخلي عن تحقيق مفاهيم نهائية بمعايير مرجعية موضوعية محددة. إنها تسعى إلى تحسين المفاهيم بالبحث الطبيعاني، أي بالدراسة المباشرة لعالمنا الاجتماعي الطبيعي التي تُقبَلُ فيها الحالات الإمبريقية في

شكلها الملموس والخاص. وتتوقف على وصف تقريري أمين للحالات وتحليل عميق لطبيعتها. لذلك، فإن إجراءاتها تختلف اختلافًا ملحوظًا عن الإجراءات المستخدمة لتطوير المفاهيم النهائية.

ويتوقف نجاحها على الدراسة المثابِرة والحذرة والمبتكرة للحياة، وليس على طرق مختصرة سريعة أو أدوات تقنية. ورغم أن تقدمها قد يكون بطيئًا وشاقّا، فإن لها مزية الحفاظ على صلات وثيقة ومستمرة بالعالم الاجتماعي الطبيعي. أرى أن التعارض الذي لخصته بين هذين النمطين من المعالجة يطرح مشكلة كيفية معالجة القصور الرئيس في النظرية الاجتماعية. وأعتقد أن هذا يمثّل أيضًا السؤال الأساس الذي يُطرَح على تخصصنا

فيما يتعلق بتحوّله إلى علم إمبريقي لعالمنا الاجتماعي الطبيعي.

(2(لم أسع في هذه الورقة إلى تناول منطق البحث الطبيعاني.