وسائط التواصل الاجتماعي وإشكالية المراقبة: دراسة أنثروبولوجية في سير حياتية رقمية مغربية
Social Media and Surveillance: An Anthropological Study of Moroccan Digital Lives
الملخّص
تُسلّّط الدراسة الضوء على مفهوم المراقبة الرقمية في علاقته بمفهومَي الحرية الرقمية والحق في الخصوصية. وتكشف عن أبعاد جديدة للمراقبة الرقمية، وذلك عند تحوُّلها إلى فعلٍ مرغوبٍ، أو صدّق عليه مستخدمو وسائط التواصل الاجتماعي في إطار بحثهم عن الاعتراف. تعتمد الدراسة لأجل ذلك مقاربة أنثروبولوجية، تقوم على دراسة تحليلية - تأويلية لسِيَر الحياة الرقمية لعيّنة من مستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي المغاربة. وتنتهي إلى تأكيد نتيجة، مفادها أنه كلما ازدادت أنشطة الفرد الرقمية، تقلصت مساحة خصوصيته، وتَغيَر تمثله للحرية الرقمية من جراء القيود الإيتيقية المرتبطة باستخدام الفضاءات الرقمية. وتفضي السيرورة المستمرة لرقمنة الفضاءات العمومية والخاصة إلى استدماج الأفراد لفكرة المراقبة الرقمية، وتحوُّلها إلى آلية لممارسة الرقابة الذاتية.
Abstract
Abstract: This article explores the concept of digital surveillance in the context of digital freedom and the right to privacy. It uncovers new dimensions of digital surveillance sanctioned by social media users in their search for recognition. The article adopts an anthropological approach, conducting an analytical-interpretive study of the digital lives of a sample of Moroccan social media users. It finds that the more an individual engages in digital activities, the tighter their space for privacy becomes and the more their perception of digital freedom changes in light of the ethical constraints associated with the use of digital spaces. The ongoing digitization of public and private spaces leads individuals to internalize the concept of digital surveillance, which becomes a mechanism for self- censorship.
- الأنثروبولوجيا الرقمية
- الاعتراف
- وسائل التواصل الاجتماعي
- الحرية
- المراقبة الرقمية
- Digital Anthropology
- Recognition
- Social Media
- Freedom
- Surveillance
ملخص: تُسلّط الدراسة الضوء على مفهوم المراقبة الرقمية في علاقته بمفهومَي الحرية الرقمية
والحق في الخصوصية. وتكشف عن أبعاد جديدة للمراقبة الرقمية، وذلك عند تحوُلها إلى فعلٍ
مرغوبٍ، أو صدّق عليه مستخدمو وسائط التواصل الاجتماعي في إطار بحثهم عن الاعتراف.
تعتمد الدراسة لأجل ذلك مقاربة أنثروبولوجية، تقوم على دراسة تحليلية - تأويلية لسِيَر الحياة
الرقمية لعيّنة من مستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي المغاربة. وتنتهي إلى تأكيد نتيجة،
مفادها أنه كلما ازدادت أنشطة الفرد الرقمية، تقلصت مساحة خصوصيته، وتَغيَر تمثُله للحرية
الرقمية من جراء القيود الإيتيقية المرتبطة باستخدام الفضاءات الرقمية. وتفضي السيرورة
المستمرة لرقمنة الفضاءات العمومية والخاصة إلى استدماج الأفراد لفكرة المراقبة الرقمية،
وتحوُلها إلى آلية لممارسة الرقابة الذاتية.
المراقبة.
Abstract: This article explores the concept of digital surveillance in the context of digital freedom and the right to privacy. It uncovers new dimensions of digital surveillance sanctioned by social media users in their search for recognition. The article adopts an anthropological approach, conducting an analytical-interpretive study of the digital lives of a sample of Moroccan social media users. It finds that the more an individual engages in digital activities, the tighter their space for privacy becomes and the more their perception of digital freedom changes in light of the ethical constraints associated with the use of digital spaces. The ongoing digitization of public and private spaces leads individuals to internalize the concept of digital surveillance, which becomes a mechanism for self- censorship.
Research Professor of Sociology at the Regional Centre for Education and Training Professions (CRMEF), Kenitra, Morocco. Email: hajibakaoukaou@gmail.com
أعلن جون بيري بارلاو، في 8 شباط/ فبراير 1996، استقلالية الفضاءات الشبكية الرقمية، مقدّمًا إيّاها على أنها فضاءات مفتوحة، بلا قيود ولا حدود ولا إكراهات تحصرها.
وعزّز مانويل كاستلز لاحقًا ذاك التصوّر، في كتابه الصادر سنة 2001، الذي وصف فيه الإنترنت
بأنها "تكنولوجيا الحرية". وما يبرر ذلك الوصف هو خصوصية المجتمع الرقمي، بما هو فضاء لا يفترض الحضور المادي للأفراد، ولا حتى الظهور بهوياتهم الفعلية، إنْ هم اختاروا ذلك. ولقد سمح هذا الوضع بالقول بتوسّع هوامش الحرية الممنوحة للأفراد، وبأنها تتعزّز أكثر بفضل "ألعاب
الهوية" التي تتيحها الفضاءات الرقمية لمرتاديها؛ فتسمح لهم بأن يغيّروا هوياتهم الرقمية، وبأن
يعبّروا كما شاؤوا، مع احتفاظهم بالحق في مجهولية الهوية، ومع سيادة الاعتقاد، غالبًا، بأنهم
بعيدون عن المراقبة المجتمعية. وما يسِمُ هذه السيرورة هو التدفقات المعلوماتية التي ينتجها مستخدمو وسائط التواصل الاجتماعي، والتي تشكّل مادةً لإعادة الإنتاج، سواء بعلم الأشخاص أو من دون علمهم، بإذنهم أو من غير إذنهم. ولقد أضحى هذا النوع من الاستعمال يطرح عددًا من الإشكالات حول حدود الحرية الرقمية؛ بل أصبح الحديث عن حرية رقمية، بوصفها ممارسة، يبدو أمرًا مفارقًا؛ لأنها بقدر ما تقوم على مبدأ تمكين الأفراد من مساحات أوسع للتعبير،
تبرز المراقبة الرقمية بوصفها وضعية ملازمة لها، تتمظهر هي الأخرى عبر أشكالٍومستويات متعددة. وتفيد هذه القوة التي أصبحت تحضر، وتمارس بها المراقبة الرقمية، أنّ إنتاج المعطيات الضخمة واستعمالها ليسا مجرد مراكمة وتجميع لأرقام بهدف الرصد والحساب، بل عبارة عن سيرورات ثقافية واجتماعية وسياسية؛ حيث "لا ينبغي النظر إلى النتائج المحصل عليها من محركات البحث على أنها مجرد معلومات، بل هي معطيات اجتماعية تعكس علاقات السلطة". وتبرز هنا مسألة تدبير المعطيات الرقمية، بوصفها قضية تطرح أسئلة معقدة، ذات طبيعة اجتماعية وقانونية وإتيقية؛ وهي أسئلة ترتد إلى طبيعة مفهوم المراقبة الرقمية، وممارساته المعاصرة، وذلك في علاقتها بمفهومَي
الحرية والحق في الخصوصية. ويمكن صياغتها كما يلي: كيف يمكن أن نفهم ونؤوّل، أنثروبولوجيًا، المراقبة الرقمية بوصفها معيشًا إنسانيًا؟ أتتحدّد بوصفها
نقيضًا للحرية الرقمية وللحق في الخصوصية، وبوصفها سيرورة لبَنْينة الخوف المعلوماتي، أم أن
خصوصية الممارسات المندرجة ضمنها قد تجعلها هي نفسها أحد تمظهرات تلك الحرية؟
(1) John Perry Barlow, "A Declaration of the Independence of Cyberspace," EFF , 8/2/1996, accessed on 26/6/2025, at: https://tinyurl.com/yc8n8pu6 (2) Manuel Castells, La société en réseaux: L’ère de l’information (Paris: Fayard, 2001), pp. 18, 173, 333. (3) Christine M. Hine, Virtual Ethnography (Newcastle: Sage Publications, 2000), pp. 66–71. (4) Deborah Lupton, Digital Sociology (London: Routledge, 2015), pp. 101–102. (5) Shaul A. Duke, "AI and the Industrialization of Surveillance," Surveillance & Society , vol. 21, no. 3 (2023), pp. 282–286.
تسعى الدراسة لمقاربة هذه الإشكالية، انطلاقًا من أطروحة أساسية مفادها أن الفاعلية الرقمية كلّما امتدت زمنيًا وتكثّفت، ورافقتها قوة في رأس المال السوسيومهني والرقمي، استتبعها تقليص
لمساحة الخصوصية، وتغيّر على مستوى تمثّل الأفراد للحرية الرقمية، ووعي بحدودها؛ بما يفضي
إلى استدماج فكرة المراقبة الرقمية وتحوّلها تدريجيًا إلى آلية لممارسة الرقابة الذاتية القبْلية. وهو
تحوّل يمكن أن نسمّيه بَنْينة الخوف المعلوماتي. تقترح الدراسة، في سياق معالجة هذه الإشكالية، استخدام مفاهيم جديدة في تصوّر المراقبة الرقمية،
منها المراقبة الرقمية الأفقية المرغوبة، والمراقبة الرقمية التعاقدية، والتي إمّا يفعّلها الإنسان – الأثر
في إطار منظومة اقتصاد الهِبة الرقمي، غداة بحثه عن الاعتراف الرقمي، وإما أن تُفرض عليه، ويترتّب عليها خلق شبكة من الإلزامات الرقمية التي تتحوّل إلى سلطة اجتماعية تمارس قهريّتها
على مستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي، وتؤدي في الكثير من الأحيان إلى إضعاف الروابط الاجتماعية والمهنية، أو تفكيكها.
أوّﻻ: ﻧﺤﻮ ﻣﻔﻬﻮم إﺟﺮاﺋﻲ ﻟﻠﻤﺮاﻗﺒﺔ اﻟﺮﻗﻤﻴﺔ
ماذا أقصد أولّا عندما أتحدث هنا عن مفهوم المراقبة الرقمية من منظورٍ اجتماعي؟ يعني ذلك عمومًا
تعريف الإنسان بوصفه أثرًا رقميًا، والتعرّف إليه على أنه وثيقة؛ أي من خلال المعطيات الرقمية
التي يمكن أن تُجمَع حوله عبر الوسائط التكنولوجية التي توظّف في تلك المراقبة، بصفة مباشرة
أو غير مباشرة. ويَفترض نظام المراقبة هذا تغييرًا في منظورنا لهوية الشخص، والعمل على مقاربتها
بإضافة بُعد آخر إليها؛ أي بوصفها جُماع الآثار أو "الرواسب الرقمية" التي يتركها المستخدم في
المواقع الإلكترونية التي يمرّ بها خلال إبحاره داخل الفضاءات الرقمية، أو خلال استعماله لمختلف
أنواع الأجهزة الذكية. وبناء عليه، فأنْ نجعل الشخص موضوع مراقبة رقمية معناه تعقّب أثره الرقمي، باعتباره إشارةً أو علامةً دالة على صاحبه، بغرض رصد وضعياته التي يظهر عليها، أو تتبّع أنشطته
وتحركاته. وذلك إما عبر التقاط الأثر الرقمي وتسجيله وتجميعه في آنه لحظة إنتاجه أو بعدها، أو عبر الاكتفاء بالتتبّع من دون جمع للمعطيات، كما هو الحال مع معظم جموع المراقبين من عامة الناس
الذين يكتفون غالبًا بالمراقبة الصامتة أو بالمراقبة الفاعلة، لكن من دون أن يلزم عنهما، بالضرورة،
جمعٌ للبيانات الرقمية حول الشخص المعنيّ بها. ويفترض نظام المراقبة الرقمية تغييرًا في البردايم
الذي ينظر من خلاله الباحث إلى مفهوم الأثر، عندما يقاربه من زاوية مقولة الرقمنة، وذلك عبر
(6) Béatrice Galinon–Mélénec & Zlitni Sami (dirs.), "L’Homme–trace, producteur de traces numériques," in: Béatrice Galinon–Mélénec & Zlitni Sami (eds.), Traces numériques: De la production à l’interprétation (Paris: CNRS, 2013), pp. 7–19.
7)(محجوبة قاوقو، "المجتمع الافتراضي وإشكالية تجديد منهج البحث السوسيولوجي: نحو بناء نموذج لدراسة التفاعلات
الإلكترونية بواسطة الحاسوب"، عمران، مج 8، العدد 29 (صيف 2019.91)، ص 8)(طلبًا للاقتصاد في العبارة، سأعمل في الصفحات الموالية من هذه الدراسة على توظيف تسمية "مستخدم" User مُفردة،
اختصارًا لتسمية "مستخدم وسائط التواصل الاجتماعي."
استيعاب خصوصيته بوصفه أثرًا رقميًا، وتجنّب محاولة فهمه اعتمادًا على منهج المماثلة القائم على
إسقاط خصوصيات الأثر المادي عليه. وثمة مداخل متعددة، يمكن أن يقارب منها مفهوم المراقبة الرقمية، وعلى رأسها المقاربة السياسية – القانونية، وهو المدخل الدارج في تناول هذا الموضوع، لأنه يشكّل البعد الأساسي الذي يُطرح أمامنا عندما نستحضر هذا المفهوم. لكنني اخترتُ في هذه الدراسة أن أقارب المراقبة
الرقمية من مدخلٍ قلّما يتم استحضاره، عندما يُفتح النقاش حولها؛ وهو المدخل الاجتماعي، في
بعده الميكروسوسيولوجي، والذي يتحدد على مستوى الوحدات الاجتماعية الصغرى (الأسرة، جماعة العمل، جماعة الأصدقاء)، لا في بعده الماكرو الذي يتحدد على مستوى الدولة أو المجتمع ككل. ويعني ذلك أنني أستهدف تناول المراقبة الرقمية بوصفها معيشًا إنسانيًا، له تمظهراته في
الحياة اليومية للأفراد، وله آثاره وتداعياته في محيطهم الاجتماعي (الأسري، المهني... إلخ). وإنّني في مسلكي هذا أستوحي التصوّر النظري للتأويلية الرمزية، كما صاغه الأنثروبولوجي
الأميركي كليفورد غيرتز، والقائم على التركيز على "أنساق الدلالة المنتجة اجتماعيًا"، وعلى
"تصوّر الثقافة الإنسانية باعتبارها أشكال التأويلات التي يضفيها أفراد المجتمع على تجاربهم".
ويفيد استلهام هذا التصوّر أنني سأتعامل مع الإنتاجات الرقمية، وتعبيراتها وأشكال التفاعل
المرتبطة بها، على أنها رموز ثقافية. وسأتعامل مع تأويل الأفراد لأساليب استخدامهم لوسائط التواصل الاجتماعي، وطريقة فهمهم وتأويلهم للمراقبة الرقمية، باعتبارها تمثلّا، ورؤيةً للعالم الرقمي، تعكس تجربةً معيشة خاصة من منظور الفاعل الرقمي المنفعل، في الوقت نفسه، بأثر إنتاجات الثقافة الرقمية. بناءً على ما سبق، يقوم التأويل الثقافي للتجربة الرقمية، كما أقترحه في هذه الدراسة، في المستوى
الأول، على الانطلاق من تأويلات الأفراد أساليب استخدامهم لوسائط التواصل الاجتماعي وللمراقبة الرقمية؛ وهذا هو المستوى الذي سأنقل فيه تصريحات شركاء البحث، كما هي بالأشكال التي عبّروا
بها عنها. أما المستوى الثاني من التأويل، فهو الذي ستترجمه البناءات المفاهيمية التي سأعمل على صياغتها، اعتمادًا على تلك التأويلات المتجذّرة ميدانيًا. وهذا ما يفسر اختياري عدم تخصيص مساحة
مستقلة من هذه الدراسة للتعريف بمختلف المفاهيم الموظفة داخلها (باستثناء مفهوم المراقبة الرقمية لكونه المفهوم المحوري في الدراسة)، لأن التوجّه المنهجي الذي سيحكمني، في انسجامٍ مع هذه
المقاربة التأويلية المختارة، لا يقوم على أساس إسقاط مفاهيم جاهزة على الموضوع المدروس، بل على انبثاق المفهوم وتولُده من داخل المتن، خلال سيرورة تحليل المعطيات، وعبر تكثيف الدلالات المستوحاة من تصريحات شركاء البحث، واختزالها في مفهومٍ تركيبي جامع. ويعني ذلك أن تُبنى المفاهيم تدريجيًا، من خلال عملية تجريد ارتقائية، تنطلق من التجارب الحسّية المباشرة لشركاء
البحث، فتقوم عليها في بناء معناها، واستنادًا إلى الدلالات التي ينتجونها بوصفهم فاعلين اجتماعيين
(9) Clifford Geertz, Islam Observed, Religious Development in Morocco and Indonesia (Chicago: Phoenix Edition, 1968), pp. 91, 95.
يؤولون بأنفسهم تجاربهم الرقمية الخاصة مع المراقبة الرقمية، كما عاشوها، وكما يتمثّلونها، بحيث تكون مادة للتأويل الأنثروبولوجي.
ﺛﺎﻧﻴًﺎ: ﻣﻨﻬﺞ ﺳﻴﺮة اﻟﺤﻴﺎة اﻟﺮﻗﻤﻴﺔ اﻻﻧﻌﻜﺎﺳﻴﺔ واﻻﻧﺘﻘﺎل ﻣﻦ ﺷﺒﻜﺔ ا ﻧﺘﺮﻧﺖ إﻟﻰ ﺷﺒﻜﺔ اﻟﻌﻤﻞ
سأعتمد في تناولي موضوع الدراسة على مقاربة كيفية – جيليّة، تقوم على بحثٍ في السِير الحياتية
الرقمية لعيّنة مختارة من مستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي المغاربة، بجهة الرباط سلا القنيطرة،
تضمّ عشرة أفراد، نصفهم ذكور ونصفهم إناث، من خلفيات اجتماعية وثقافية وسوسيومهنية مختلفة، وينتمون إلى أجيال متباينة، بدءًا من جيل خمسينيات القرن العشرين، وصولا إلى جيل الألفية الثالثة. ولقد راعيت هذا الاختلاف في تركيب العيّنة على مستوى الجنس والسن والوضعية الثقافية
والسوسيومهنية، قصد معرفة إلى أيّ حدّ قد تتدخل هذه المحددات في تشكيل آراء الأفراد وتمثلّاتهم لمسألة المراقبة الرقمية، وفي فهم الكيفية التي يدبرون بها إشكالاتها، وكيفية تأثيرها في حياتهم اليومية وفي أشكال استخدامهم لوسائط التواصل الاجتماعي. وأودّ التنبيه هنا إلى أن عيّنة البحث جرى
تقسيمها إلى صنفين: العيّنة الرئيسة، وهي العيّنة المشار إليها سلفًا، والتي تضمّ عشرة أفراد شكّلوا
المصادر المباشرة للمعطيات؛ وعيّنة ثانوية استعنتُ بها، لضرورات منهجية، ارتباطًا بمقتضيات تقاطع
السِير؛ ذلك لأنني وجدتُني مدعوة، بين الفينة والأخرى، إلى الرجوع إلى أشخاص – مصادر من أقرباء أفراد العيّنة الرئيسة، من أجل الحصول على إضاءات بخصوص بعض المعطيات، أو دعمها
وتكثيفها؛ لكون سير العيّنة الرئيسة تقاطعت معهم. ويتعلق الأمر بثلاثة أفراد، كلهم إناث. وسأحيل
إليهن في الهامش باسم "مصدر داعم للعيّنة الرئيسة". وأودّ أن أشير إلى أنه، باستثناء فرد واحد في
العيّنة (رجاء)، فإن بقية الأفراد يشكّلون وحدات، أي عائلات، عددها أربع. ويبرر هذا التقاطعات
القائمة بين سيَرهم، والتي فرضت هذه البنية التي تبدو عليها العيّنة، والتي سيقف عليها القارئ داخل
المتن.
1. ﻣﻨﻬﺞ ﺳِﻴَﺮ اﻟﺤﻴﺎة اﻟﺮﻗﻤﻴﺔ اﻻﻧﻌﻜﺎﺳﻴﺔ: ﻧﺤﻮ ﺑﻨﺎء ﻣﻔﻬﻮﻣﻲ
تتمثّل قيمة هذه الدراسة في خصوصية المقاربة المنهجية المقترحة فيها، والقائمة على اعتماد منهج ناشئ، هو منهج سيرة الحياة الرقمية الانعكاسية؛ وأعتبره تكييفًا لمنهج سيرة الحياة المتجذّرة رقميًا.
يتحدد منهج سِيَر الحياة الرقمية، عمومًا، بوصفه منهجًا يقوم على دراسة سِيَر يجري سردها وعرضها
اعتمادًا على وسائط رقمية من قبيل التطبيقات والمنصات الرقمية. ويعود هذا المنهج في أصله إلى تقنية السرد القصصي الرقمي التي تطورت في تسعينيات القرن الماضي بالولايات المتحدة
(10) Silvia Rossi et al., "Digital Life Stories of People with Cancer: Impacts on Research," International Journal of Qualitative Methods , vol. 23 (2024), pp. 1–12.
الأميركية، ولكنه لم يلج الحقل الأكاديمي إلا مع بداية العقد الأول من هذه الألفية، حيث برزت إشاراته الأولى سنة 2001 في الأبحاث السوسيولوجية لكلٍ من كين بلومر، وبرايان روبرتز.
وبقدر ما شكّل هذا النمط الجديد من سِيَر الحياة فرصة بالنسبة إلى البحث الأكاديمي، نظرًا إلى
تعدد أدواته وتنوعها، ومساهمته في تغيير الصورة النمطية السائدة حول مؤلِف السيرة، فإنه طَرح عددًا من الإشكالات المنهجية والإتيقية مثل الإشكال المرتبط باختيار أفراد عيّنة البحث وحصرها، ومدى
أصالة سيرة الحياة الرقمية وصدقيتها، وغيرهما من الإشكالات الأخرى التي ترتبط بنظام اشتغال الفضاء الرقمي، وخصوصية الهويات الرقمية. وتكشف لنا الأدبيات التي تناولت سيرة الحياة الرقمية، إجمالا، أنّ الباحثين قد تناولوها بوصفها قصة حياتية تُروى على لسان صاحبها، وتُمرَر وتُنشر عبر وسيط رقمي متعدد الأدوات. لكنّ المنظور
الذي سأقدّم به سيرة الحياة الرقمية ينطلق من النظر إليها على أنها سيرورة ثنائية، يمتزج فيها الداخل بالخارج. فهي تقوم على مَوْضعة شريك البحث لتجربته الرقمية المعيشة قبْليًا، وأخذه مسافة منها، ثم
إعادة سردها وتقييمها. وبناءً عليه، فإنّني أعرّف إجرائيًا منهج السيرة الحياتية الرقمية – الانعكاسية،
بوصفه منهجًا يقوم على إلقاء الضوء، من الخارج، على تلك التجربة المعيشة رقميًا؛ وذلك عبر
النظر إليها على أنها سيرورة زمنية ممتدة، تتخللها منعطفات وقطائع ولحظات مدٍ وجَزْر، تساهم في
تشكيل تمثلّات الفرد حول التكنولوجيا العالية الدقة وإعادة تشكيلها، كما تؤدي إلى إعادة صياغة رؤيته للعالم، وذلك عبر إعادة ترتيب العلاقة التي يقيمها بين الفضاءين الافتراضي (الرقمي) والمادي (الفيزيقي). ولا أتناول الانعكاسية، في هذا المستوى من البحث، بوصفها سيرورة تقوم على "تضمين الباحث لسيرته الذاتية داخل البحث"، بل بوصفها سيرورة تقوم على تضمين شريك البحث لتجربته الرقمية في روايةٍ شفوية يتقاسمها مع الباحث بصفة مباشرة، من دون وسيط رقمي. ويعني ذلك أنّني أنظر إلى السيرة الحياتية الرقمية – الانعكاسية على أنها سيرة ذاتية حول السيرة المتجذِرة رقميًا؛ أي
أنّ الأولى لاحقة للثانية وتُبنى عليها، وتعيد إنتاجها من خلال عملية التّبئير السّردي. هذا مع إمكانية
توظيف "السيَر الذاتية المتقاطعة"، التي قد يستحضرها الراوي خلال السرد، فينفتح عليها الباحث،
لتعميق معطياته وتكثيفها.
(11) Aline Gubrium, "Digital Storytelling: An Emergent Method for Health Promotion Research and Practice," Health Promotion Practice , vol. 10, no. 2 (2009), pp. 186–191. (12) Louise Culot, "Le récit de vie numérique: Un outil pour l’alpha?" Journal de l’Alpha , no. 218 (2020), pp. 63–75. (13) Kin Plummer, Documents of Life 2: An Invitation to a Critical Humanism (London: Sage, 2001), pp. 97–99. (14) Brian Roberts, Biographical Research (London: Open University Press, 2001), p. 174. (15) Michael Hardey, "Digital Life Stories: Auto/ Biography in the Information Age," Auto/ Biography , vol. 12, no. 3 (2004), p. 201.
16) (أنتوني غيدنز وفيليب صاتن، مفاهيم أساسية في علم الاجتماع، ترجمة محمود الذوادي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018.69)، ص 17) (فضيل دليو، "المنهج البيوغرافي: استعمال السير الذاتية والحياتية في علم الاجتماع"، مجلة العلوم الاجتماعية، مج 27، العدد 2 (صيف 1999.167–141)، ص
وتبرّر هذا الاختيار تجربتي السابقة في الاشتغال بالفضاء الرقمي قرابة عقد ونصف العقد من
الزمن، حيث قاربْتُ قضاياه، كيفيًا وكميًا من زوايا مختلفة. لكن الحلقة التي ظلت مفقودة
بالنسبة إليَ هي السيرورة الفردية الممتدة، أي ذلك المسار الذي يقطعه كل شخص ضمن تجربته
الشمولية في الفضاء الرقمي كما عاشها وخبِرها بعمقها وكثافتها، وكما يحكيها ويعيد صياغتها باستمرار، في إطار نوعٍ من التأمل الانعكاسي، بعد أن يقيم معها مسافة تفكير موضعيّة لحظة سرده
وتقييمه لها من الخارج. وإنّني لأعتقد أنّ هذا النوع من السرد، الحميمي والمباشر، هو الذي في إمكانه أن يسمح بفهم ممارسة وجودية معقّدة تتمثّل في تجربة الحرية الرقمية وما تتضمّنه من
حدود وإشكالات. ويقتضي فهم هذه الممارسة بكل خصوصياتها أن يلج الباحث إلى عمق تجربة شريك البحث بكل تفاصيلها الصغيرة وحميميتها. وهذا النوع من الانفتاح الفهمي هو الذي يحققه منهج سيرة الحياة الرقمية الانعكاسية. لا بد من أن أشير هنا إلى أنّ الأمر لا يتعلق في هذه الدراسة بكتابة قصة حياة شخصٍ ما، من بدايتها إلى نهايتها، كما هو الحال في كتب السيرة المألوفة، والتي تظل جنسًا أدبيًا قائمًا بذاته، له خصوصياته
ومقامه الخاص الذي يحرص فيه المؤلف على تتبّع سيرة حياة الراوي لحظة بلحظة، وإعادة نقلها
كما هي. ليس هذا هو غرض هذه الدراسة. لأن ما أقصده هو التعامل مع سيرة الحياة الرقمية، باعتبارها "سيرورةً ومنتجًا في الآن نفسه". ويعني ذلك التعامل معها، بوصفها عُدّة بحثية ثلاثية الأبعاد: تقدّم
للباحث إطارًا منهجيًا لمقاربة موضوع المراقبة الرقمية، وتمكّنه من تقنيةٍ لجمع المعطيات الميدانية،
وتوفّر له مادةً أولية يعيد الاشتغال بها، قصد رصد المحطات الكبرى في سيَر الرّواة على اختلافها،
والوقوف عند المنعطفات والقطائع التي ميزت حياتهم. ويقوم هذا الاشتغال، في مرحلة التحليل وبَنْينة النص، على إعادة التوليف بين مختلف السِيَر الرقمية المحكية في نصٍ واحد تركيبي، يركّز على
الترابطات القائمة بين عناصر السِيَر المُشتَغل بها والتقاطعات القائمة بينها، كما يُبرز نقاط الاختلاف؛
عبر مقارنةٍ بين السير المحكية في تعدّديتها، واستجماعٍ انتقائي للعناصر المشتتة داخلها، وإعادة ترتيبها
داخل بنية واحدة، على نحوٍ متّسق ودالّ. وهذا النوع من العمل التركيبي، هو ما ستسمح به مقولة الجيل بوصفها مقولة تصنيفية، تتيح ذلك التوليف، عبر استنباط الخصائص المشتركة بين أفراد كل جيل، وتحديد ما يميزهم من أفراد بقية الأجيال الأخرى في تعاملهم مع وسائط التواصل الاجتماعي، وفي تمثّلهم لموضوع المراقبة الرقمية.
2. ﻧﻈﺮﻳﺔ اﻟﻔﺎﻋﻞ-اﻟﺸﺒﻜﺔ
أنطلق في منهج الاشتغال الذي أقترحه من عُدّة تقنية للعمل، مستوحاة من نظرية "الفاعل – الشبكة" بالمعنى الذي يعرّفها به صاحبها برونو لاتور؛ أي بوصفها نظرية لا تخبرك هي نفسها إن كانت توجد
18)(ينظر: محجوبة قاوقو، "النِتْنُوغرافيا منهجًا للبحث السوسيولوجي والأنثربولوجي: من الملاحظة الإلكترونية إلى إعادة كتابة
الأثر الرقمي"، المجلة الأفريقية للعلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد، ص 5 (2023.34–33)
(19) Carolyn Ellis, Tony E. Adams & Arthur P. Bochner, "Autoethnography: An Overview," Historical Social Research , vol. 36, no. 4 (2011), pp. 273–290.
ترابطات ما داخل خطاب الفاعلين، ولا حتى إن كانت ثمة ترابطات شبكية أو غير شبكية بينهم، بل "تقول لك، فقط، كيف تترك للفاعلين مجالا للتعبير عن أنفسهم"؛ ثم تعمل بنفسك – أنت الباحث – على كشف تلك الترابطات عبر الوصف الدقيق والمكثّف، وعبر تحويل النص ذاته إلى مختبر تجريبي للبحث والبناء. وعندما أربط منهج سيرة الحياة الرقمية بنظرية الفاعل – الشبكة، فإنني أجمع بين المعنيَين اللذين يفصل
لاتور بينهما عندما يحاول شرح نظريته، فيميز فيها بين الشبكة التي يكشف عنها الوصف والشبكة التي تشكّل موضوعًا للوصف. ويفيد ذلك أن منهج سيرة الحياة الرقمية، كما أوظّفه هنا، يشكّل انفتاحًا
في مستواه الأول على موضوع استخدام الفاعلين لشبكة الإنترنت، وانفتاحًا في المستوى الثاني على
السير المحكية بخصوص تمثلات الأفراد لذلك الاستخدام؛ أي الترابطات التي يقيمونها بين مختلف العناصر التي يستحضرونها في حكْيِهم، بشريةً أكانت أم غير بشرية. وهذا التحليل لطبيعة المنهج البحثي الذي سأعتمده هو الذي يبرر حديثي في عنوان هذا المحور عن الانتقال من شبكة الإنترنت Network إلى شبكة العمل Work–net بوصفها منهجًا في التحليل؛ وذلك بالمعنى الذي يحيل إليه
لاتور في تمييزه بين هذين المفهومين. وأشير هنا إلى أنني، من أجل تفعيل منهج الدراسة، اخترتُ الاشتغال بعيّنة أفرادها معروفون لديّ
مسبقًا (أقارب، أصدقاء، جيران)، وتجمعني بهم ألفة؛ وذلك لتحقيق غرضين: الأول حتى تتاح لي معاينة مساراتهم عن قرب، والثاني هو التلاؤم مع خصوصية البحث في مفهوم المراقبة الرقمية، والذي يطرح كثيرًا من التوجّس والحيطة والحذر لدى الأشخاص؛ وهو الأمر الذي قد يصبح معه
الباحث نفسه موضوع شك وريبة، مما يقلص من فرص بوح شركاء البحث بما يفيده في بحثه. وعلى ذلك، فقد اعتمدتُ في تتبّع السِيَر الحياتية الرقمية للأفراد على تقنية الملاحظة بالمشاركة القائمة على
الانغماس التام في محيط شركاء البحث، على امتداد ما يقارب السنة (بداية تشرين الأول/ أكتوبر 2023–بداية آب/ أغسطس 2024)، مدعومة بتقنية المقابلة شبه الموجَهة، لتعميق القول في بعض
عناصر الملاحظة التي بدت لي في حاجة إلى المزيد من التوضيح؛ مع الحرص فيها على فتح المجال للرّاوي كي يتحدث بكل حرية عن تجربته المعيشة. وهو ما يعني أن المقابلات، وإنْ كانت تبدأ
مُوجَهة فإنها كانت تنحو، في نمط إدارتها، لتتخذ شكل "مقابلات سردية"، تتناسب وخصوصية
المنهج المعتمد في الدارسة والبردايم العام الموجّه لها. تفيد مختلف خصوصيات المنهج المقترح في هذه الدراسة بأنّها تندرج ضمن حقل الأنثروبولوجيا الرقمية القائمة على منهج الإثنوغرافيا الذاتية، التي يشكّل فيها الباحث طرفًا في مجتمع البحث، وجزءًا
(20) Bruno Latour, Reassembling the Social: An Introduction to Actor–Network–Theory (Oxford: Oxford University Press, 2007), pp. 142–156. (21) Ibid., pp. 12–156.
22) (لمزيد من التوسع بهذا الخصوص، ينظر: حسن احجيج، البحث السردي في العلوم الاجتماعية: نظريات وتطبيقات، سلسلة التجديد في البحث الاجتماعي، 1 (مراكش: مؤسسة آفاق، 2023.64–47) ص
من الأحداث. وبالفعل، لقد كنتُ مواكبة لمعظم الوقائع التي يسردها أفراد عيّنة البحث، وشاهدة
عليها. ولكنني، في عرضي لما يهمّ البحث من حصيلة معايشتي لهم، سأحرص على نقل تجاربهم
في احترام تامّ لإتيقا البحث، محافِظة على المسافة اللازمة في نقل خطاباتهم بلغتهم، وعلى سرّية
هوياتهم، وحريصة على عدم الكشف عن أسمائهم الحقيقية، وعلى تفادي التصريح "الفجّ" بمعطيات حسّاسة قد تؤدّي إلى الإضرار بهم أو بالغير. ولم تقم منهجية البحث التي سلكتها في اشتغالي ميدانيًا على لقاء شركاء البحث مرة واحدة مفردة بحيث ينتهي الاتصال البحثي معهم بنهاية اللقاء، بل قامت على أساس التتبع الميداني لمساراتهم عن قرب في فترة زمنية ممتدة، من موقع الملاحِظة – المشارِكة، تتبّعًا شكّل جزءًا من تلك
المسارات ذاتها، باعتباري عنصرًا منخرطًا فيها. لذلك سيلمس القارئ، خلال عرض مقتطفات من
تلك السير، ذلك التداخل القائم بين الباحثة وشركاء البحث، بما يكشف عن لحظاتِ بوحٍ خاصة وحميمية تقاسمتها معهم، وسأنقلها داخل النص بإذن صريح ومستنير منهم. وليس في ذلك خرق لأخلاقيات البحث، بل هو جزء لا يتجزأ من الممارسة الإثنوغرافية الذاتية، كما وضع أسسها ومارسها منظّروها والباحثون المتخصصون فيها، والتي تقتضي أولّا، بوصفها منهجًا كيفيًا، الغوصَ في عمق تجارب شركاء البحث، وحثّهم على البوح. وتقتضي، ثانيًا: بروز ذات الباحث
داخل المتن على نحوٍ واضح وصريح، من دون مواربة؛ والتصريح بالأثر الذي يُحدثه وجوده في مجتمع البحث، والكشف عن عواطفه وانطباعاته؛ عوض تجاهلها، أو التعامل معها كما لو كانت غير موجودة، كما جرت العادة في الإثنوغرافيا الموضوعية. ويعني ذلك أن الباحث، وهو ينقل سِيَر الأشخاص، يتصرّف كما لو كان يحكي مقطعًا من سيرته هو الخاصة، لا البحثية فحسب،
وعلى نحوٍ يتقاطع فيه الذاتي بالموضوعي، من دون أن يأتي أيٌ منهما على حساب الآخر فيُلغِيَه.
وعلى ذلك، تكون إعادة الحكي مُوجَهة نظريًا ومنهجيًا، توظّف استراتيجيات أسلوبية – إستطيقية في الكتابة، تسمح بجعل القارئ "يجرِب التجربة"، بأن يصير جزءًا من المشهد، كما لو كان
يعاين سيرورة تولُد الأفكار، والمشاعر، والأفعال، في لحظات التفاعل بين الباحث وشريك البحث. لا يتعلق الأمر إذًا بحَكْي أجزاء مما قيل فحسب، بل بإعادة تشخيصها ومسرحتها عبر فعل الكتابة.
23)(أشير إلى أن شركاء البحث استعملوا خلال المقابلات لغتهم اليومية أي الدّارجة المغربية، لكنني في الاقتباس سأنقل
تصريحاتهم باللغة العربية الفصحى (من دون أي تغيير في المعنى) كي تكون مفهومة لجميع القراء. 24)(ينظر بهذا الخصوص على سبيل المثال:
Victor Witter Turner & Edward M. Bruner, The Anthropology of Experience (Urbana/ Chicago: University of Illinois Press, 1986); Carolyn Ellis, The Ethnographic I: A Methodological Novel About Autoethno–graphy (Walnut Creek: Altamira Press, 2004), p. 711; Ellis, Adams & Bochner, pp. 273–290. (25) Ellis, Adams & Bochner. (26) Ellis, p. 711. (27) Ibid., p. 142.
ﺛﺎﻟﺜ ﺎ: ﻣﻦ اﻟﺒﺎﻧﻮﺑﺘﻴﻜﻮن اﻟﺮﻗﻤﻲ إﻟﻰ ﺟﻴﻨﻴﺎﻟﻮﺟﻴﺎ اﻟﺬﻛﺎء اﻻﺻﻄﻨﺎﻋﻲ
يُعدّ كتاب رول جيمس الصادر في بداية سبعينيات القرن العشرين أول كتاب قارب مفهوم المراقبة
ارتباطًا بمجال الرقميات. وعلى الرغم من أن دراسته اتخذت طابعًا إمبريقيًا وأكدت نفسها بوصفها
الدراسة الأولى المرجعية في هذا الباب، فقد لزم انتظار صدور كتاب ميشيل فوكو حول المراقبة والعقاب، ليتشكّل تيارٌ من المنظّرين السوسيولوجيين الذين تعاملوا مع موضوع المراقبة على نحوٍ
جاد. وإن ما يلاحظه المراجع للأدبيات المتراكمة، حول موضوع المراقبة عمومًا، هو أنّ كتاب
فوكو غالبًا ما يشكّل الأرضية النظرية التي يتمّ الانطلاق منها، خاصة استعارة البانوبتيكون Panopticon
المستوحاة من جيرمي بنثام Jeremy Bentham، والتي ألقى من خلالها فوكو الضوء على مظاهر المراقبة، وقعّد بذلك للإطار النظري الذي يسمح بفهم طرائق اشتغال أنظمتها في المجتمعات الحديثة والمعاصرة، في علاقتها بمفهوم السلطة.وما لبث الباحثون في العلوم الاجتماعية أن شرعوا في استثمار هذا الإرث الفلسفي في دراسة مفهوم المراقبة، ارتباطًا بالتحولات التكنولوجية الجديدة. فقد بدأ الحديث، منذ منتصف الثمانينيات، عن مفهوم البانوبتيكون الإلكتروني Electronic Panopticon وبَعدها مفهوم "السوبربانوبتيكون " Superpanopticon في التسعينياتو"الأوليغوبتيكون"
Oligopticon خلال الألفية الجديدة، وغيرها من المفاهيم الأخرى التي أصبحت تنضوي ضمن الدراسات ما بعد البانوبتيكونية. ويندرج كتاب العين الإلكترونية في هذا الإطار؛ حيث سعى من خلاله دافيد ليون لموقعة المراقبة الإلكترونية داخل سياق تاريخي واجتماعي شمولي، يتجاوز حدود الإطار الاستخباراتي والأمني الضيّق، محاولا إبراز كيفية تشكّلها، والتساؤل عن الجديد فيها ومستقبلها وتداعياتها. يؤكد ليون
أن المراقبة الاجتماعية ليست بالأمر الجديد؛ فحتى وإن لم تتمّ صياغة مفهوم مجتمع المراقبة إلاّ في
(28) James B. Rule, Private Lives and Public Surveillance: Social Control in the Computer Age (New York: Schocken Books, 1974). (29) Michel Foucault, Surveiller et punir: Naissance de la prison (Paris: Édition Gallimard, 1975). (30) David Lyon, The Electronic Eye: The Rise of Surveillance Society (Minneapolis/ London: University of Minnesota Press, 1994), pp. 6–7. (31) Thomas Mathiesen, "The Viewer Society: Michel Foucault’s 'Panopticon' Revisited," Theoretical Criminology , vol. 1, no. 2 (1997), pp. 215–234; Diana R. Gordon, "The Electronic Panopticon: A Case Study of the Development of the National Criminal Records System," Politics & Society , vol. 15, no. 4, (1987), pp. 483–511; Tom Brignall, "The New Panopticon: The Internet Viewed as a Structure of Social Control," Theory & Science , vol. 3, no. 1 (2002), pp. 1527–1558. (32) Gordon, pp. 483–511. (33) Mark Poster, The Mode of Information (Chicago/ London: University of Chicago Press, 1990), p. 93. (34) Latour, p. 179.
35)(توخيًا للأمانة العلمية في نقل المفهوم، أستخدم هنا تعبير "المراقبة الإلكترونية" ترجمةً ل Surveillance" Electronic "، وهو
المفهوم الذي استخدمه دافيد ليون في كتابه. مع الإشارة إلى أن توصيف "إلكتروني" يتناسب مع مستوى تطور تكنولوجيا الإنترنت في حقبة التسعينيات.
(36) Lyon, p. 4.
سنة 1985، فإن تاريخ المراقبة نفسها، منظورًا إليها بوصفها ممارسة اجتماعية، طويل. ثمّ إنّ البعد
الإلكتروني فيها ليس بالأمر الطارئ ولا المستجد هو أيضًا؛ إذ إنه شكّل مكوّنًا أساسًا في عمليات
الاستخبارات والتجسس على امتداد عدة عقود. ولكن الجديد الذي سعى ليون لإبرازه، هو الحد غير المسبوق الذي بلغته ممارستها على الأشخاص العاديين الذين أضحوا، وهُم منغمسون في سياق حياتهم اليومية، يجدون أنفسهم مندرجين داخلها؛ بحيث إنّ ما كان يشكّل استثناء أمسى هو القاعدة. إن فكرة البانوبتيكون الكلاسيكية لبِنثام، منظورًا إليه على أنه فضاء مخصوص للسجناء، ثم فكرة الأجساد البشرية المُنتزعة جغرافيًا، والتي تتحول إلى "ذوات تراكمية تُبنى عبر استثمار المعطيات
المضاعفة" لتتحول بعد ذلك إلى موضوع للمراقبة، هما اللتان تُرجمتا لاحقًا على نحو تركيبي وفعلي، من خلال الموقع الإلكتروني "البانوبتيكون الرقمي" الذي شكّل موضوع دراسة بيري غودفري سنة 2022. ويمكن اعتبار هذا التوجه البحثي امتدادًا للدعوى التي سبق أن أطلقها دافيد ليون سنة 2002 في مقالته الافتتاحية للعدد الأول من مجلة المجتمع والمراقبة؛ ذلك أنّ الأبحاث التاريخية، ضمن الدراسات حول المراقبة، ظلّت إلى حدود نهاية العقد الأول من هذا القرن مهملة. تلك هي الملاحظة التي أوردها ليون في افتتاحيته التي أكد فيها أن بردايمات المراقبة ونماذجها، التي كانت صالحة في وقت محدد من الماضي، لم تعد صالحة اليوم. لذلك، فإن المنهج المفتاحي للإجابة عن الأسئلة التي أصبحت تطرحها المراقبة هو، في نظره، المقاربة التاريخية والمقارِنة التي من شأنها السماح بمعرفة أصل الممارسات المراقباتية التي أضحت شائعة اليوم، والبحث إن كانت موجودة في الماضي وفهم الأسباب الكامنة وراء التغير الذي حدث. وتشكّل فكرة البانوبتيكون الرقمي، التي استثمرها غودفري بحثيًا، أحد التمظهرات الإجرائية لهذا
المنهج التاريخي، الذي دعا إليه ليون، لكن عبر ترجمته بصيغة مختلفة، تقوم على التنقيب في جماع الهويات الرقمية للسجناء، وإعادة تشكيلها من خلال التراكم التدريجي للمعطيات المستقاة من البحث في سِيَر أصحابها، لتتحوّل تدريجيًا إلى أرشيف رقمي، يصبح هو ذاته مادة للمراقبة، والتتبّع،
والتحليل، والمقارنة. ولقد سمحت هذه المادة المجمَعة ببروز ما يسمّيه غودفري "البروزوبوغرافيا
(37) Ibid. (38) Ibid. (39) Poster, p. 97. (40) Barry Godfrey, "The Digital Panopticon: Contemporary Investigative Methods in Historical Research," in: Michael Mair, Robert Meckin & Mark Elliot (eds.), Investigative Methods: An NCRM Innovation Collection (Southampton: National Centre for Research Methods, 2022), pp. 66–74. (41) Josh Lauer, "Surveillance History and the History of New Media: An Evidential Paradigm," New Media & Society , vol. 14, no. 4 (2012), pp. 566–582. (42) David Lyon, "Surveillance Studies: Understanding Visibility, Mobility and the Phenetic Fix," Surveillance & Society , vol. 1, no. 1 (2002), pp. 1–7. (43) Ibid. (44) Godfrey, pp. 66–74.
التراكمية" Aggregated Prosopography أو بروزوبوغرافيا المعطيات الضخمة التي تقوم على
البحث عن الأنماط والتقاطعات داخل سِيَر مئات أو آلاف الأفراد، ودراستها بصفة دقيقة، عبر استثمار
المعطيات الكمية المتوافرة حولهم. ولئن كان الذكاء الاصطناعي يُقدَم اليوم، بوصفه الصيغة الأكثر جِدَة وتطورًا في أنظمة المراقبة بما يجعلنا
نتحدث عن ظهور بردايم جديد فيها، فإن الدراسات الأكثر جدة في هذا الخصوص، تَعتبر هي أيضًا أنه لا ينبغي تناول هذه التكنولوجيا بمعزل عن المقاربة التاريخية. ويعرض آيرون غلاك–تالر هذا التصوّر
في مقالته الصادرة سنة 2023، والتي ينطلق فيها من استحضار الدعوى التي أطلقها ليون، من أجل صياغة ما اعتبره جينيالوجيا مختصرة ومركزة للذكاء الاصطناعي، عبر التأصيل له داخل الإرث التاريخي للمراقبة، مؤكدًا أن هذا النوع من الدراسة التقاطعية من شأنه أن يمكّن الباحثين من إعادة التقييم النقدي
للصيغ التي فُهم بها ذلك التقاطع ما بين السِيَر، وما ترتّب عليه من نتائج. ويفسر غلاك–تالر توجُهَه
البحثي بالرغبة في استجلاء الأخطار المحتملة، التي قد تنجم عن اعتماد دراسة لاتاريخية، وادعاء جدّة الممارسات المراقباتية أو كونيّتها التاريخية؛ ويحصر هذه الأخطار في خطرَين مركزيَين هما: النزعة
اللاتاريخية التي قد تسقِط صاحبها في خطر تقديم أشكال من الفهم المتجاوزة حول المراقبة على أنها ممارسات جديدة؛ ثم النزعة الآنية التي قد تؤدي إلى تجاهل مختلف المصادر التاريخية التي يفترض أن تكون الممارسات المراقباتية الجديدة قد نشأت عنها. وبناء عليه، ولتفادي ترويج هذا الخطاب غير النقدي، ينبغي إيلاء الإرث التاريخي للمراقبة القائمة على الذكاء الاصطناعي اهتمامًا خاصًا. تضعنا دراسة غلاك–تالر أمام مفهوم أساسي، يعتبره حلقة الوصل المركزية التي تتقاطع عندها ممارسات المراقبة مع الذكاء الاصطناعي، هو "تَعرُف الأنماط" Patterns Recognition. ذلك أنّ جينيالوجيا
تقنيات الذكاء الاصطناعي تفيد اليوم أن نشأة هذه التقنيات ارتبطت تاريخيًا بتحوّل إبستيمي في مفهوم
الأنماط الذي خرج في أصله من صُلب الدراسات المبكرة حول الثقافة في حقل الأنثروبولوجيا،
وكذا الدراسات السيكولوجية، وأدمج في الحقل التقني خلال منتصف الخمسينيات عبر صيغة جديدة هي تَعرُف الأنماط؛ وهو الاقتراض المفهومي الذي سمح بتحوّل المفهوم إلى موضوع تقني للمعرفة
العلمية. فكما أنّ لمجال الإنسانيات أنماطه الثقافية، فللفضاء الرقمي كذلك أنماطٌ يمكن تعرُفها. ولئن تحوّل العالَم المرئي إلى "أنماط مبنية على المعطيات، جاهزة للتصنيف"، فإن ما تفيده
الدراسة الجينيالوجية للذكاء الاصطناعي، هو أن الحقل التقني المخصَص لذلك مرتبط أشد الارتباط
بأولويات المراقبة الدولتية؛ إذ يكشف تاريخ تعرُف الأنماط أن عددًا من تحيّزات أنظمة المراقبة
المعتمِدة على الذكاء الاصطناعي متجذر في تاريخ طويل من التصنيف. وعلى ذلك، فالقول إن
(45) Ibid. (46) Aaron Gluck–Thaler, "Surveillance Studies and the History of Artificial Intelligence: A Missed Opportunity?" Surveillance & Society , vol. 21, no. 3, (2023), pp. 259–268. (47) Ibid., p. 260. (48) Ibid., p. 261. (49) Ibid., p. 263.
ابتكار أنظمة الذكاء الاصطناعي، هو الأساس في بروز إمكانات جديدة للمراقبة، يندرج بالنسبة إلى غلاك–تالر ضمن سرديات الحتمية التاريخية؛ إذ إن العلماء، حتى قبل اختراع الذكاء الاصطناعي، استخدموا مفاهيم ونماذج جديدة للجمع بين المراقبة وتقنيات التصنيف المُؤتْمَتة. وكانت تلك،
هي البدايات الأولى لخلق "مجتمع المراقبة الرقمي"، كما نعرفه اليوم. وقد استلهمَت بعض الأبحاث العربية العُدّة المفاهيمية السابقة، وشرعَت خلال السنوات الأخيرة
في تطبيقها، وإنْ على نطاقٍ ضيّق، على بعض مجتمعات بلدان شمال أفريقيا، كما هو الشأن مع
دراسة أسماء حمايدية حول موضوع "المراقبة ما بعد البانوبتيك للدول العربية على مواقع التواصل الاجتماعي"، والتي حاولت من خلالها إلقاء الضوء على الممارسات الأمنية الجديدة للدول العربية تجاه مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة في الحالة المصرية، عبر استثمار العدّة المفاهيمية للتيار ما بعد البنيوي، ممَثّلة في إسهامات ميشيل فوكو وجيل دولوز. ويمكن اعتبار هذه الدارسة أقرب
ما تكون إلى قراءة في الأدبيات؛ على اعتبار أن المعطيات الضئيلة جدًا التي قُدّمت فيها بشأن الحالة المصرية لم تَقُم على دراسة ميدانية، بل على استقراء معطيات عامة جدًا استندت فيها الباحثة إلى بعض الكتابات السابقة حول هذا الموضوع. ويندرج أيضًا في هذا السياق مقال عيدة بلعابد، الذي قدمت فيه مقاربة قانونية مقتضبة لموضوع المراقبة "الإلكترونية" في المجتمع الجزائري. وقد سعت لإبراز الكيفية التي "وازن بها المشرع الجزائري بين حتمية الوقاية من الجرائم المتصلة بالتكنولوجيات الحديثة وبين ضمان الحق في الخصوصية المكفول للأفراد دستورًا وقانونًا". وتنطبق على هذا المقال الملاحظة
السابقة نفسها؛ أي إنه لم يقم على دراسة ميدانية، بل جاء تركيبًا مقتضبًا لبعض الأدبيات الخاصة
بمفهوم المراقبة الإلكترونية، مع محاولة رصد بعض آثارها على الحق في الخصوصية. إن ما يمكن قوله، إجمالا، هو أن القاسم المشترك بين الأدبيات التي عرضناها، وإن كانت تعالج بصفة مباشرة الموضوع الذي نستكمل الخوض فيه في بقية هذه الدراسة، هو أنها تناولت المراقبة الرقمية من زوايا معرفية مختلفة، ولكنها ظلت بعيدة عن التناول الأنثروبولوجي؛ حيث اختار أصحاب تلك الدراسات مداخل أخرى لمقاربة الإشكالات التي طرحوها، تتماشى وطبيعة مجالاتهم التخصصية، أو اختياراتهم المعرفية والمنهجية. فقد عالجت بعض الدراسات الفرنكفونية والأنكلوساكسونية، التي أشرنا إليها، موضوع المراقبة الرقمية من زاوية تاريخية (غودفري بيري)، بينما قُوربت، في الغالب الأعم، داخل بقية الدراسات، من داخل حقل السوسيولوجيا. ولئن ظلت هذه الفئة الثانية قريبة من التناول الأنثروبولوجي، على اعتبار القرابة المعرفية القائمة بين الحقلين، فإن مقاربتَي الدراستين
العربيتين اللتين أشرتُ إليهما آنفًا، وإن كان يُحسب لهما سبقهما في تناول الموضوع في بعض بلدان
(50) Ibid., p. 264. (51) Tim Bartley, "The Digital Surveillance Society," Contemporary Sociology , vol. 48, no. 6 (2019), pp. 622–627.
52) (أسماء حمايدية، "المراقبة ما بعد البانوبتيك للدول العربية على مواقع التواصل الاجتماعي: مقاربة ما بعد بنيوية"، المجلة
الجزائرية للأمن والتنمية، مج 10، العدد 3 (2021.976–965)، ص 53) (عيدة بلعابد، "المراقبة الإلكترونية وأثرها على خصوصية الأفراد"، المجلة الشاملة للحقوق، مج 3، العدد 2 (أيلول/ سبتمبر، ص 2022.130–118)
شمال أفريقيا، فإنهما لا تندرجان ضمن أيٍ من هذين الحقلين؛ أي الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا.
وهما الحقلان اللذان سيشكل أحدهما مدخلنا لمقاربة هذا الموضوع، أي المدخل الأنثروبولوجي.
راﺑﻌًﺎ: اﻟﻤﺮاﻗﺒﺔ اﻟﺮﻗﻤﻴﺔ واﻟﻤﺤﺪد اﻟﺠﻴﻠﻲ
يتأسس تقسيم الأجيال الرباعي الذي اعتمدتُه في بناء عيّنة البحث، كما سأعرضه في المحاور اللاحقة،
على التصوّر الحسابي الذي صاغة وليام ستروس لتصنيف الأجيال إلى أربعة. وقياسًا عليه، وُزِع أفراد
العيّنة الرئيسة ((10 وفق تقسيم رباعي يتموقع بموجبه أفراد الجيل الأول، بحسب سنة الميلاد، بين
سنتَي 1946 و 1964، وهو يضمّ وحدتين من وحدات العيّنة. أما أفراد الجيل الثاني فيتموقعون بين
سنتَي 1965 و 1980، ويضمّ ثلاث وحدات من العيّنة. ويتموقع أفراد الجيل الثالث بين سنتَي 1981
و 1999، ويضمّ هو الآخر ثلاث وحدات. أما الجيل الرابع فيتموقع أفراده بين سنتَي 2000 و 2018
وما بعدها، ويضمّ وحدتين.
1. اﻟﺒﺪاﻳﺎت: ﻣﻦ اﻟﺪﻫﺸﺔ إﻟﻰ اﻟﻨّﻀﺞ اﻟﺮﻗﻤﻲ
"متى كان أول لقاء لك مع الإنترنت ومع وسائط التواصل الاجتماعي؟" كان هذا هو السؤال الذي كنت أستهل به لقاءاتي مع أفراد عيّنة البحث، من أجل الانخراط مبدئيًا في موضوع اللقاء، وجعلهم
يتموقعون في النقطة الأولى التي بدأتْ منها سِيَرهم الرقمية. وكانت نقطة البداية الأولى تختلف من
سارد إلى آخر تبعًا للوضعية السوسيومهنية، والجيل الذي ينتمي إليه. ذلك أن ولوج الإنترنت في
بداية العقد الأول من هذه الألفية كان في المغرب نوعًا من التّرف الذي لا يحصّله إلا من توافرت
لهم الظروف المادية للتردد على مقاهي الإنترنت، والمهارات التقنية اللازمة لاستخدام الحاسوب أولا، والإنترنت ثانيًا. ويرجع أول لقاء بشبكة الإنترنت تمّت الإحالة إليه من أفراد عيّنة البحث
إلى سنة 2001 (فرد واحد/ الجيل الثاني). وحدّد البعض الآخر ذلك التاريخ في سنة 2006 (فرد واحد/ الجيل الثاني)، بينما حدده عدد مهمّ من أفراد العيّنة (خمسة أفراد من الأجيال الثلاثة الأولى)
في بداية العقد الثاني من هذه الألفية، أي ابتداء من سنة 2010، وهو التاريخ الذي يحمل رمزيّةً كبيرة
في تاريخ المغرب المعاصر بحكم ارتباطه بما أطلق عليه وقتها "ثورات الربيع العربي". أما بقية أفراد العيّنة (ثلاثة أفراد/ واحدة من الجيل الأول واثنتان من الجيل الرابع)، فلم يشرعوا في استخدام شبكة
الإنترنت إلا في النصف الثاني من العقد الماضي. ولقد جاءت هذه النتيجة التي تفيدها الدراسة الحالية مماثلة للنتيجة التي سبق أن أكدتها دراسة سوسيولوجية أجريتُها سنة 2021، شملت عيّنة مكوّنة من 750 فردًا، وأفادت أن معظم المغاربة
54)(لا بد من التذكير هنا بأن هذا العدد (10) لا يشمل الأفراد الثلاثة الذين شكّلوا العينة الداعمة، أو الثانوية. 55)(جرى إنجاز هذه الدراسة السوسيولوجية في إطار برنامج الزمالة بالمجلس العربي للعلوم الاجتماعية (2022–2021) في موضوع "السلطة الدينية الرقمية: دراسة في أثر المحتوى الديني الرقمي على الهويات الدينية لمستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي بالمغرب"، وقد نُشر جزء من نتائجها في عدد من المقالات، نذكر من منها: محجوبة قاوقو، "الباترياركيّة الرقمية
واستراتيجيّات المقاومة الجندريّة الناعمة: دراسة سوسيولوجيّة"، أوراق العمل، ورقة عمل رقم 28، المجلس العربي للعلوم
الاجتماعية، 2023/11/30، ص.46–1
ملحوظ جدًا خلال سنة 2010، وتسجيل نسَب دالة أيضًا ما بين سنتَيِ 2011 و.2014
إشكالية الحرية والمراقبة الرقميتين.
بمحدّدَي النوع الاجتماعي والوضعية السوسيومهنية للراوي.
من مستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي بدأ استخدامهم الأول لها مع بداية الاحتجاجات في بعض بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وبالضبط سنة 2010. فمعطيات تلك الدراسة تكشف، كما سنوضح، أن معظم التواريخ المحدِدة لبداية أوّل استخدام للإنترنت من أفراد عيّنة البحث يتموقع
قبَيْل الفترة التي انطلقت فيها الانتفاضات، وخلالها، وبعدها، أي بدءًا من سنة 2009، مع ارتفاعٍ
شكل يوضح توزيع استخدام المغاربة لشبكة الإنترنت تبعًا للمؤشر الزمني المتعلق بأول استخدام
المصدر: دراسة ميدانية وطنية أجرتها الباحثة بالمغرب في الفترة 2022–2021 في إطار مشروع الزمالة بالمجلس العربي للعلوم الاجتماعية. وتجدر الإشارة إلى أنّ المعطيات الواردة في هذا الشكل لم يسبق نشرها؛ إذ إنها جزء من المعطيات التي لم أستثمرها بعد.
كان السؤال التمهيدي الأول الذي كنت أطرحه حول استخدامات الإنترنت، يعقبه سؤال آخر شكّل منطلقًا أساسيًا لرصد المحطات الكبرى في سِيَر الحياة الرقمية لأفراد العيّنة، ونقطة التحوّل في مسار
كل منهم؛ والسؤال هو: هل غيّر شريك البحث حسابه الشخصي على الوسيط أو الوسائط الرقمية
التي يستخدمها؟ وفي كل المقابلات، كان هذا السؤال يشكّل منعطفًا في لحظة الحكي؛ لأن الإجابة عنه كانت تأخذني إلى نقطة التحول في السيرة الرقمية للراوي. وهنا بالذات حيث كانت تبرز، تلقائيًا،
لقد أفادت الدراسة في هذا السياق أن جميع أفراد العيّنة يؤكدون أنهم اضطروا إلى تغيير حساباتهم
على فيسبوك، وواتساب تحديدًا، بمعدل مرتين (ثلاثة أفراد) إلى ثلاث مرات (أربعة أفراد) كحد أدنى. ومنهم من لا يذكر بالمرّة عدد المرات التي غيّر فيها حساب واتساب (ثلاثة أفراد)، نظرًا إلى
كثرتها. وأوظّف هنا كلمة "اضطرار"، لأن الأمر لم يكن محض اختيار؛ ذلك أنّ كلّ فردٍ من الرواة وجد نفسه مجبَرًا على ذلك، من جراء أسبابٍ وقصص – وإن تعددت تفاصيلها وشخوصها والفاعلون
داخلها، فإنها ظلت كلها تلتقي عند نقطة واحدة هي تفطّنهم لانتهاك خصوصياتهم ولتعرّضهم
للمراقبة الرقمية – كانت تتعدد تمظهراتهما تبعًا لعدة محددات، وعلى رأسها محدد الجيل، في علاقته
ويفيد تتبّع السير الرقمية لأفراد عيّنة البحث وجود اختلاف في نوع الوسائط الرقمية التي يوظّفها كل
واحد منهم، تبعًا للجيل الذي ينتمي إليه. فقد تبيّن أنّ الحالتين اللتين تنتميان إلى الجيل الأول يقتصر
استخدامهما على واتساب بالدرجة الأولى (كلا الحالتين)، ثم فيسبوك بدرجة أقل (حالة واحدة). ويتوزّع الاستخدام عند الحالات الستّ المدروسة، من الجيلَين الثاني والثالث، بين فيسبوك أولّا يليه واتساب ثم إنستغرام، وأخيرًا تيك توك. أما الحالتان اللتان تنتميان إلى الجيل الرّابع، فيأتي إنستغرام
أولّا بالنسبة إليهما، وبعده تيك توك ثم فيسبوك، وأخيرًا واتساب. وإذا ما تأمّلنا معطيات السِيَر الرقمية
المحكية في شموليتها، ورصدنا مراحلها الكبرى، فإنه يمكننا التمييز إجمالا في استخدام أفراد عيّنة
البحث للوسائط بين ثلاث مراحل أساسية هي: مرحلة الدهشة والاكتشاف الأول، ومرحلة الألفة التي يميزها التمرّس بالأداة، ثم مرحلة النضج الرقمي المتّسمة بالتأمل الانعكاسي في التجربة الذاتية،
وطرح أسئلة الجدوى، والأثر. لكنّ ما يلاحَظ بهذا الخصوص هو أن الدهشة أمام التكنولوجيا الرقمية تختلف هي ذاتها من جيل إلى آخر ضمن الأجيال الأربعة؛ ذلك أن تجربة الجيل الأول بالذات تختلف عن تجربة الجيلَين الثاني والثالث. لقد عاش أفراد الجيل الأول قدرًا غير يسير من أعمارهم، في زمن لم تكن فيه التكنولوجيا العالية الدقة قد وُجدت أصلا، أو أنها لم تكن قد وجدت بعد طريقها إلى الانتشار. وحتى حينما وصلت بلادهم، كانت تعوزهم، وقتها، إما المعرفة والدّراية، وإما الإمكانات المادية اللازمة للتعامل معها؛ وظلوا، لأجل ذلك كلّه، بعيدين عنها، لم يقربوها عقودًا طويلة من الزمن. أما الجيلان الثاني والثالث، فقد أمضى أفرادهما نصف أعمارهم أو أكثر معاصرين لهذه الأنظمة التكنولوجية، وشهدوا على كل مراحل ظهورها وتطورها، وانخرطوا فيها منذ البدء. وتختلف تجربة أفراد هذه الأجيال الثلاثة عن نظيرتها في الجيل الرابع، أي "الجيل الرقمي"، الذي نشأ وتربّى في ألفة تامّة مع التكنولوجيا الرقمية وأدواتها. وتختلف أيضًا مرحلة النضج الرقمي اختلافًا جذريًا بين الأجيال الأربعة. لأنها، لئن كانت حاصلة ومتحققة لدى الأجيال الثلاثة الأولى، تكاد تكون غائبة لدى الجيل الرابع بحكم حداثة سنّه. لكن سيَرهم الحياتية الرقمية، على قصر تاريخهم الحياتي العام، تبدو في كثير من الأحيان أغنى وأطول
زمنيًا مقارنة بنظرائهم في بقية الأجيال؛ وذلك بحكم أن أفرادها أدركوا العالم، منذ نشأتهم الأولى
بصيغة رقمية، إلى الحد الذي يتعذر معه التمييز في هذه السِيَر بين الحياة قبل وسائط التواصل
الاجتماعي وبعدها. إنّسِيَرهم الرقمية متجذرة في مراحل طفولتهم المبكرة، على خلاف الأجيال
السابقة التي لا يبدأ التأريخ فيها لتلك السِيَر، إلا مع سنوات الشباب المتقدمة، أو مع مرحلة الكهولة،
أو حتى مع مرحلة الشيخوخة أحيانًا؛ بما يسمح بالتمييز بوضوح بين سيرةٍ حياتية رقمية وسيرة حياتية لارقمية صرفة.
(56) John Palfrey & Urs Gasser, Born Digital: Understanding the First Generation of Digital Natives (New York: Basic Books, 2010).
2. اﻟﻤﺮاﻗﺒﺔ اﻟﺮﻗﻤﻴﺔ واﻟﺨﻮف اﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎﺗﻲ
تفيد سِيَر الحياة الرقمية لأفراد الأجيال الثلاثة الأولى أنّ استخدامهم للإنترنت يختلف، كمًا وكيفًا،
تبعًا للمراحل الثلاث المشار إليها سابقًا. حيث بدأ ضعيفًا في السنوات الأولى من الاستخدام، ثم شرع يتزايد مع الوقت، لكنه بدأ في التراجع نوعًا ما مع الدخول فيما أسميته مرحلة النضج الرقمي،
التي تتّسم باعتماد مستخدِم وسائط التواصل الاجتماعي سياسةً ذاتية لتقنين هذا الاستخدام وعقلنته؛ وذلك نتيجة الوعي بوجود المراقبة الرقمية وأخطارها، وتداعياتها المستقبلية. لقد كانت الملاحظة الأساسية التي عاينتها، خلال لقاءاتي مع أفراد عيّنة البحث، هي أن الوعي بدرجة
المراقبة الرقمية الممارَسة على الأفراد يختلف كثيرًا بين الأجيال الأربعة. فلدى أفراد الجيل الأول
وعيٌ حاصل بتلك المراقبة، ولكنه وعي غامض وملتبس، وكأنّ الأمر يتعلق بقوى خفيّة ومخيفة،
لا يمكن إدراكها ولا السيطرة عليها أو مقاومتها بأيِ شكل كان، خاصة إذا ما انعدم أيّ مستوى تعليمي
لدى صاحب السيرة الرقمية المعنيّة. فحينما كانت تُستدعَى كلمة مراقبة، وإمكانية إعادة استخدام
المعطيات الشخصية من الآخر على نحوٍ فيه إضرار بمُنتجيها، كانت تبدو علاماتُ خوفٍِ وتوجّس
على أوجه شركاء البحث من الجيل الأول. إنه خوفٌ سببه أنّ سياق الحكي يذكّر الراوي بأحداث مؤلمة، يستعيد معها خوفًا قديمًا، في حين يتولّد، في الوقت نفسه، خوفٌ جديد من المجهول، ومن
إمكانية حدوثٍ متجدد لما كان قد وقع، وإعادة اختبار التجربة ذاتها من جديد، في وقت غير متوقّع. تفيد سيرة أمينة – وهي سيدة غير متعلمة في أواخر الستينيات من العمر – أنّها حالما أدركت موضوع المراقبة فجأة في سياق تجربة شخصية، غيّرت سلوكها في التعامل مع الوسيط التواصلي
الرقمي. فقد واجهت مشكلات عائلية، بسبب تسريب محتوى مكالمة هاتفية، وإعادة تقاسم رسائل صوتية على واتساب لعدد من أفراد الأسرة من دون علمهم، وكان من تداعيات ذلك حصول تفكك في الروابط الأسرية وإضعاف بعضها. ومنذ ذلك الحين، عزفت أمينة عن استعمال ذلك الوسيط التواصلي مدة طويلة، ولم تعد تعمد إلى إرسال رسائل صوتية على واتساب، حتى مع أفراد العائلة المقرَبين، إلا للضرورة القصوى، ومع تحفّظ كبير في الكلام الذي ترسله؛ وذلك خوفًا من أن
يُعاد استخدام تلك الرسائل لاحقًا بطريقة يكون فيها إضرار بها، أو بأحد أفراد أسرتها. وأصبحت
مكالماتها محدودة جدًا، تغلب عليها الرسمية والحذر والتوجس. شيءٌ ما في مفهوم الثقة
بالآخر قد تهدَم. أخبرتني ابنتها الكبرى (أسماء) في أحد اللقاءات، هامِسةً في أذني بكثير من الخوف، أن هذا السلوك الوَجِس من والدتها سببه أنها أصبحت تخشى وجود أجهزة خفية للتنصت
مثبتة على هاتفها؛ ومردُ ذلك أنها لم تستوعب استيعابًا كاملا كيفية عمل أنظمة الهواتف الذكية،
حتى تسمح بهذا القدر من التسريب لمعطيات يُفترض أنها حميمية وخاصة. بدا لها الأمر غامضًا
ومريبًا وغير مفهوم على نحوٍ كلّي.
57)(أمينة، ربة بيت، 68 عامًا، مقابلة شخصية، الصخيرات–تمارة،.2024/6/18 58)(أسماء (مصدر داعم للعيّنة الرئيسة)، ربة بيت، 49 عامًا، مقابلة شخصية، الصخيرات–تمارة،.2024/6/18
وكان الأمر المثير للانتباه مع حسن، خلال لقائي به، أنه لم يكن يحمل هاتفًا ذكيًا، بل كان يستخدم
هاتفًا بسيطًا وقديمًا جدًا، ثمنه زهيد، لا يتعدى مئتَي درهم بالعملة المغربية (قرابة 20 دولارًا)، يسمّى
بالدارجة، على سبيل التندّر، "لَعْظَمْ"، وذلك في دلالة استعارية على صلابته وعدم قابليته للكسر، وفي
دلالةٍ أيضًا على طابعه الصّلد والصّموت، الذي لا يكشف أيّ شيء. أخبرني حسن في أحد اللقاءات،
مشيرًا إلى هاتفه بكل زهو وثقة: ليس هناك أفضل من هذا الهاتف تستعملينه إن أردت أن تنامي قريرة العين، وتطمئنّي إلى أن هاتفك
غير قابل للاختراق، وأنه من غير الممكن التجسس على مكالماتك. صحيح أنه رخيص وبسيط، لكنه فعّال جدًا وآمن للغاية. في إمكاني أن أشتري آخر إصدار من الهواتف الذكية، لكنني لا أرغب في
ذلك.
يوازي هذا الانتقال من حالة الاطمئنان التامّ في التعامل مع الوسيط التواصلي الرقمي إلى حالة الحذر
"الملغز" المطبوع بالحيرة والتوجس الدائم، كما تعكسه الحالتان المدروستان من الجيل الأول، انتقال مشابه لدى الجيل الثاني والثالث، لكن مع اختلاف ملحوظ في خصوصية المحطتين اللتين تم الانتقال بينهما؛ ذلك أن أفراد هذين الجيلين تشكّلت سيرهم الرقمية على نحو تدريجي وتصاعدي. كانت مطبوعة بالانخراط المحدود في البداية، لكنها سرعان ما دخلت مرحلة الاستخدام المكثف الذي كان يرافقه نوع من التفاؤل والثقة بوعد الحرية المفتوح الذي سبق أن بشّر به جون بيري بارلاو؛ وفي غياب أيّ استحضارٍ لعنصر المراقبة، ولا الحدود المحتملة للحرية وعقباتها، بالمعنى السارتري للكلمة. لقد
كانوا وقتها مقتنعين تمامًا بأنهم ولجوا فضاء مشابهًا لذلك الذي يصفه كاستلز، لا قيود تحدُ من حرية
الفاعلين داخله، ولا "عين إلكترونية" تلازمهم في حركاتهم وسكناتهم. لكن واقع الفاعليّة الرقمية
المكثفة، والممتدة زمنيًا على مسار طويل، كشف لهم العكس. كل شيءٍ تسيّس. لقد كنتُ منخرطة منذ سنوات في مجموعة فيسبوكية، تضمّ أجانب، كانت تجربة
رائعة في البداية، كنا نتواصل في جوٍ ثقافي ودّي، لكن فيما بعد تمّ إخراج الأمور عن مسارها.
أصبحت أتعرّض للعديد من المضايقات التي كان أصحابها يحاولون إخراسي ومنعي من التعبير عن
رأيي ارتباطًا ببعض القضايا التي اتّخذت بعدًا سياسيًا، وأصبحت تخلق حساسية كبيرة في النقاش.
اضطررت في النهاية إلى الانسحاب كليًا من المجموعة. لقد أثّر هذا الأمر لاحقًا في صداقتي
الفيسبوكية، ولحق ذلك التأثير حتى علاقتي مع مجموعة من الأشخاص في الواقع. هكذا لخصت رجاء المنعطف الأساسي الذي غيّر من طبيعة التصوّر الذي كانت تحمله حول وسائط
التواصل الاجتماعي، وانعكس على فاعليتها الرقمية التي أصبحت تتجه منذ ذلك الحين إلى اعتماد منهج "التقليليّة الرقمية" Digital Minimalism، وعقلنة الاستخدام.
59)(حسن، موظف، 57 عامًا، مقابلة شخصية، القنيطرة،.2024/3/14 60)(رجاء، أستاذة، 46 عامًا، مقابلة شخصية، القنيطرة،.2024/8/31
(61) Cal Newport, Digital Minimalism: Choosing a Focused Life in a Noisy World (New York: Portfolio/ Penguin, 2019), pp. 28–46.
ويكشف تمحيص المعطيات الخاصة بسِيَر أفراد الجيلين الثاني والثالث وعيًا بطبيعة المراقبة الرقمية
ومستوياتها وخصوصياتها. تحيل رجاء في حديثها إلى مراقبة أفقية أو "المراقبة من أسفل" الفاعلون فيها أصدقاء فيسبوكيون – بعضهم بهويات رقمية معلومة، وآخرون بهويات رقمية مستعارة – يتابعون ما يُنشر وقد يتفاعلون معه بتعليق إلكتروني أو بنقرة إعجاب، وقد يمرّون عليه في صمت من دون
تفاعل يُذكر. وعندما يتفاعلون، قد يكون تفاعلهم منضبطًا لأخلاقيات النقاش، وقد يحيد عنها ليندرج في خانة العنف المادي أو الرمزي، فيراوح بين السبّ والشتم، أو القذف والتخوين والتكفير، أو بين التشهير والتنمر الرقميين، وغيرها من أشكال العنف الرقمي. أما عندما تتم الإحالة إلى تسييس القضايا، أو هاجس الخوف الغامض من المراقبة الأمنية الاستخباراتية، فذلك يعني استحضار المراقبة العمودية، أو "المراقبة من أعلى"، وهو نمط المراقبة الثاني الذي وإن كان مصرَحًا به لدى أفراد
الجيلَين الثاني والثالث، فإن الإشارة إليه كانت إيحائية لدى أفراد الجيل الأول. وفي تجربة حسن على وجه الخصوص، أسرّت لي زوجته (راضية) ذات يوم أنّ فكرة المراقبة الاستخباراتية الرقمية تسيطر
عليه هاجسًا دائمًا وتشكّل سببًا رئيسًا لاتّباعه النهج الحياتي الذي يعتمده في تدبير علاقته بالهاتف المحمول. وتشير مريم هي أيضًا إلى هذا النوع من المراقبة الرقمية العمودية، في حديثها عن قصتها مع إحدى صديقاتها التي لم تكن تستخدم مطلقًا أسماء الأشخاص أثناء المكالمات التي كانت تجريها معها عبر الهاتف أو واتساب، ولم تكن تذكُرهم إلاّ رمزًا وإيحاءً، حتى وإن كانوا أشخاصًا عاديّين. كانت تعتقد،
يقينًا، أنّ هناك دائمًا طرفًا ثالثًا يتجسس على المكالمات. ولقد كانت في سَلْكها ذاك النهج تطبّق
سياسة احترازية وقائية لمواجهة الرقابة الرقمية المحتملة، عملا بنصيحة توجيهية من قريب لها يعمل في الأجهزة الأمنية. لذلك، ولكثرة تخوّفها وإصرارها المستمر على استعمال الإيحاءات والأسماء المستعارة خلال المحادثات، فإنهما (مريم وصديقتها)، على امتداد أعوام، انتهتا تلقائيًا، وعلى نحو طريف، إلى تطوير نظام من الرموز أشبه بشفرات الأجهزة الاستخباراتية، تستخدمانه أثناء المكالمات الهاتفية، وفي الدردشة الإلكترونية.
3. اﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ اﻻﻋﺘﺮاف اﻟﺮﻗﻤﻲ واﻟﻤﺮاﻗﺒﺔ اﻟﺮﻗﻤﻴﺔ اﻟﻤﺮﻏﻮﺑﺔ
تبدو الأمور مع أفراد الجيل الرابع مختلفة تمامًا عن أفراد الأجيال الثلاثة السابقة. وما من شيء يعكّر صفو المستخدم وهو ينقّب في هاتفه الذكي أو وهو ينتج المحتوى ويتهيّأ لنشره. كانت ريم
(62) Lupton, p. 36. (63) Steve Mann & Joseph Ferenbok, "New Media and the Power Politics of Sousveillance in a Surveillance–dominated World," Surveillance & Society , vol. 11, no. 1–2, (2013), pp. 18–34.
64)(راضية (مصدر داعم للعيّنة الرئيسة)، ربة بيت، 42 عامًا، القنيطرة،.2024/3/14 65)(مريم، أستاذة، 43 عامًا، مقابلة شخصية، الصخيرات–تمارة،.2024/6/18 66)(ريم، تلميذة، 16 عامًا، مقابلة شخصية، الصخيرات–تمارة،.2024/4/12
وهناء، وهما شابتان في مقتبل العمر، تتصرفان مع الهاتف الذكي كأنه امتداد لجسدَيْهما، وكأنه
جزءٌ من العناصر المندرجة في حميميّة المكان. كانتا تأخذان كامل حريتهما لحظة استخدامه، بحيث
تتحركان بكل أريحية وألْفة عندما تصوِران مقاطع الفيديو المقتضبة التي تنشرانها على صفحتَيهما على
إنستغرام. ومع أنهما تعرفان أنّ المحتوى الذي تصنعانه موجّه إلى الآخرين، فإنهما لم تكونا
تستحضران احتمالات أن يستغلها طرف ما في الإضرار بهما. المهم هو الظهور ومتعة أن تشاهَد، وأن تكافَأ بعلامات الإعجاب وكرَم التقاسم وسخاء التعليق. المهم هو أن تحظى بالاعتراف الرقمي،
بغض النظر عن التكلفة. لذلك لم يكن حديثهما عن علاقتهما بوسائط التواصل الاجتماعي ونمط استخدامهما لها يوحي بأيّ قدر من التخوّف من احتمال التعرّض لمراقبة غير مرغوبة. لأن المراقبة
الأفقية، في تصورهما، لها مقابل مادي ورمزي، يؤدَى لناشر المحتوى على شكل هِبات رقمية، تمثّل نوعًا من الاعتراف المأمول. وهذا هو الأهم ضمن منطق ألعاب الهوية الرقمية المحسوبة والمقصودة. وفي إحدى الجلسات مع فاطمة الزهراء، والدة ريم، وبينما كنا نناقش، بحضور ابنتها وصديقتها هناء، مسألة استغلال الآخر للمعطيات الرقمية الخاصة، بدأت الأم تسوّق بعض الأمثلة على ذلك،
وكنتُ بين الفينة والأخرى أسترق النظر، عمدًا، إلى الشابتَين حتى أرى أثرَ ما يُقال فيهما، ورَدّ
فعلهما حياله، فإذا بي أعاين لحظتها علامات خوف ترتسم على وجهيهما فجأة. كانتا تنصتان بتركيز واهتمام بالغَين، وبعينين وَجِستَين، محدِقتين في اندهاش، وكأنهما تكتشفان أوّل مرّة أشياء جديدة لم
تكن في الحسبان. لم تغادرا كليًا مكان الجلسة التي دامت ساعات. ظلَتا مسمّرتين في وضعية واحدة،
ولم تنطقا بأيّ كلمة. ما زلت أذكر جيّدًا التعابير التي ارتسمت على وجه هناء، والتي ظلت واجمةً مدة
طويلة، بوجه شاحب. كانت تبدو كأنها في سيرورةِ تذكرٍ سريعة لأشياءَ تستعيدها بشعورٍ من الضيق
البالغ، وكأنها في لحظة تقييمٍ خاطفة، أو في حالة من اليقظة الرقمية المفاجئة. إن المفارقة التي تثيرها هذه الوضعية، وشبيهاتها، هي أن المحتوى الرقمي يُصنع من أجل الآخر،
وعندما ينشره منتجُه على حسابه، يكون على علم، مسبقًا، أنه سيصبح موضوعَ مشاهدة، ومادةً لإعادة
النشر والتقاسم، بل إعادة الإنتاج بصيغ أخرى. ويعني ذلك أن مستخدم الوسيط الرقمي/ صانع المحتوى يعي قبْليًا وجود مراقبة، لكنه مع ذلك يرغب في أن يجعل من نفسه موضوعًا لها، إمّا في
بعدها المادي (الجسد)، أو في بعدها اللامادي (الأفكار والمشاعر)، وإما عبر الصورة والصوت، أو عبر فعل الكتابة والتدوين واستخدام الرموز الأيقونية. وهذا النوع من عرض الذات، هو الذي سبق أن اختزلتُه في مفهوم الإنسان الأثر، أو ما تسميه ديبورا ليبتون "إنسان–المعطيات". إن المراقبة في
هذه الحالة مطلوبة ومرغوبة، وتشكّل هدفًا في حدّ ذاتها، لأنها بوصفها تَتبُعًا مستهدَفًا ومبحوثًا عنه،
67)(هناء، تلميذة، 16 عامًا، مقابلة شخصية، الصخيرات–تمارة،.2024/4/12 68)(فاطمة الزهراء (مصدر داعم للعيّنة الرئيسة)، ربة بيت، 55 عامًا، مقابلة شخصية، الصخيرات–تمارة، 2024/4/12. يتعلق الأمر
هنا بجلسة عفوية، على هامش إحدى زياراتي لمنزل عائلة ريم وهناء، اللتين تجمعهما قرابة عائلية وصداقة وثيقة. كان هدفي الأساس من هذه الجلسة ليس هو معرفة ما ستقوله فاطمة الزهراء، بل هو اختبار رد فعل ريم وهناء على ما سيقال، بعدما عاينتُ
تحفظهما في الإجابة والتفاعل مع الأسئلة في لقاءات سابقة.
(69) Lupton, pp. 102–103.
تشكّل الطريق الوحيدة المفضية إلى الاعتراف الرقمي؛ فأنْ تكتسب الشهرة الرقمية، وأن يُعترف بك،
يقتضي أن تكون حاضرًا رقميًا، وأن تكون فاعلا ومرئيًا. لكن هذه المراقبة الرقمية المرغوبة تظل،
في الوقت نفسه، متحكَمًا فيها، لأن الشخص يحدّد مكانها وزمانها ودرجتها، عبر انتقاء العناصر
التي ستشكّل موضوعًا لها والعناصر التي سوف تُستثنى منها. ويكون الأمر هنا شبيهًا بالوضعيات
الطبيعية – اليومية التي ينخرط فيها الفرد في الحياة العامة بهويته الشخصية، لحظة وجوده في الفضاءات العمومية؛ حيث يكون التفاعل الاجتماعي سيرورة مستمرة لعرض الذات، بالمعنى الذي يحيل إليه إرفينغ غوفمان. أن تكون المراقبة الرقمية مؤطَرة ضمن أفعال القصدية والرغبة، فهذا معناه أن الفرد في هذه الحالة هو من يقرّر أن يحوّل الخاص إلى عام، وأن يجعل من خصوصيته موضوعًا للنشر والتقاسم، بحثًا
عن الاعتراف الرقمي والتصديق الاجتماعي. لكن، لئن بدت المراقبة الرقمية، في علاقتها بعرْض
الذات، على أنها مجرد استمرارٍ وتمظهرٍ لأنشطة تفاعلية اجتماعية، مبرمجة ومتحكَم في عناصرها
قبْليًا، وتندرج في إطار ما يمكن أنْ نسمّيه اقتصاد الهِبة الرقمي القائم على تبادل المعطيات بوصفها
عطايا رقمية والذي يظل موجّهًا بالرغبة في الظهور والبحث عن تحصيل الاعتراف، فإن السؤال
الذي يُطرح هنا هو: متى تتخذ هذه المراقبة بُعدًا إشكاليًا وتتحول إلى سلطة قهرية، ونوع من انتهاك
الخصوصية؟ وكيف يعيشها ويختبرها الفرد في هذه الحالة؟ وكيف يمكنها أن تتحول إلى تهديد للتماسك الاجتماعي والأمن النفسي؟ وهل يمكن أن يفضي الوعي بآثارها بالمرء إلى التنازل عن رغبته، أو بالأحرى عن حقه، في المرئية الرقمية؟
ﺧﺎﻣﺴًﺎ: اﻟﺤﻴﺎة اﻟﻴﻮﻣﻴﺔ ﺗﺤﺖ اﻟﻤﺮاﻗﺒﺔ اﻟﺮﻗﻤﻴﺔ
إنهم يراقبون كل شيء، ويعرفون عنّا كل شيء. ألا تلاحظين كيف أنه حالما تبحثين عن شيء ما على الإنترنت، أو تتحدثين عنه في واتساب أو غيره من الوسائط الرقمية، فجأة وفي رمْشَة
عيْن، تبدأ الإعلانات والإشهارات بالتهاطل عليك من كل حدب وصوب؟ الآن، كل شيء
مراقب، كل شيء. هكذا نقل عبد الرحيم تجربته مع الهاتف الذكي، حين كان يسرد سيرته الرقمية، ويجرد الأسباب التي جعلته، في السنوات الأخيرة، يراجع أسلوب تعامله مع وسائط التواصل الاجتماعي. حكى لي كيف أنه حين كان هو وأصدقاؤه في المقهى يناقشون فكرة المراقبة الرقمية، وأنها تشمل حتى الحوارات والأحاديث اليومية التي تدور بين الأفراد خارج الفضاء الرقمي، قرّروا الدخول في رهانٍ لأجل التأكّد
من مدى صحة هذا الاعتقاد، فانخرطوا على إثر ذلك في حديث مصطنع حول أحد المواضيع التي اختاروها للتجريب، وما إن ذكروا بعض المنتجات التي يرغبون في ابتياعها، حتى بدأت، مباشرة،
(70) Erving Goffman, "Presentation of Self in Everyday Life," American Journal of Sociology , vol. 55, no. 1 (1949) pp. 6–7.
71)(عبد الرحيم، عامل، 44 عامًا، مقابلة شخصية، الصخيرات–تمارة،.2024/6/19
إعلانات حولها تَظهر على المواقع التي يبحرون عليها داخل شبكة الإنترنت. "ما دمتَ مرتبطًا،
بالويفي Wifi، وتَستخدم الإنترنت، فاعلم أنك تحت المراقبة". هكذا جزم عبد الرحيم بلغة حاسمة
وقطعية، لا يداخلها أيّ قدرٍ من الشك. إنه اختصار متجذر ميدانيًا تطابق دلالتُه عبارة ليون: "أن تشارك
اليوم في المجتمع الحديث معناه أن تندرج تحت المراقبة الإلكترونية". يفتح تتبّع السِيَر الرقمية المدروسة، مهما اختلفت تفاصيلها، ومستوى وعي أفرادها بالمراقبة الرقمية،
وعينا بصفة متكررة على فكرة مجتمع المراقبة الممتدة والعابرة للفضاءات. كانت عبارة "كل شيء مراقب" تتردد في جميع السير الخاصة بالأجيال الثلاثة الأولى. ولم يكن قائلوها يحصرون بموجبها ممارسة المراقبة في الحواسيب والهواتف الذكية، بل كانوا يقدّمون فهمًا عامًا للمراقبة المعاصرة التي
تقوم على توزيع الكاميرات الرقمية، المرتبطة بالحواسيب والهواتف الذكية، ونَشْرها في مختلف
الأماكن العمومية: في المؤسسات والشركات والإدارات، في المقاهي والفنادق والمحالّ التجارية الكبرى والصغرى، في المحطات والشوارع والأزقة وأماكن الترفيه، في بوابات العمارات ومرائبها وأروقتها، في المصاعد وفوق أبواب المنازل. لا مكان مستثنى منها، إلى الحد الذي أصبح معه من المتعذّر على المرء أن يمارس أنشطته اليومية خارج المنزل في غياب كاميرا قد ترصده في هذا المكان أو ذاك، وذلك إلى حدّ أضحى معه الأفراد يطوّرون سلوكًا اجتماعيًا جديدًا (أشارت إليه الإناث
خصوصًا داخل عيّنة الدراسة) يقوم على النظر إلى أعلى السقف، كلما ولجوا مكانًا ما، قصد التحقق
من عدم وجود كاميرات للمراقبة ترصد سلوكاتهم.
1. اﻟﻤﺮاﻗﺒﺔ اﻟﺮﻗﻤﻴﺔ اﻟﺘﻌﺎﻗﺪﻳﺔ واﻗﺘﺼﺎد اﻟﻬِﺒﺔ اﻟﺮﻗﻤﻲ
كان الحوار مع أفراد عيّنة البحث حول المراقبة الرقمية في مستواها الأول، أي العمودي، ينفتح في
كل مرة على مسألة كيفية التعامل مع أحكام الاستخدام وشروطه Terms and Conditions، والتي تشكل خطوة ضرورية ينبغي أن يمرّ منها كل مستخدم يودّ تحميل تطبيق معيّن على هاتفه أو حاسوبه
الشخصي؛ كما تُعدّ شرطًا لازمًا للاستفادة من خدمات عدد من المنصات والمواقع الإلكترونية. كانت
الأسئلة التي أطرحها على شريك البحث في هذه النقطة تتمحور حول الطريقة التي يسلك بها في هذه الحالة؛ وكيف يقرر الضغط على زر الموافقة على الشروط أو زر الرفض؛ وفيما إذا كان يقرأ القائمة الطويلة لتلك الشروط والتي تتضمن إفادة من ملُاّك التطبيقات والمواقع الإلكترونية أنّ معطيات
المستخدم سوف تتعرض للاستغلال لأغراضٍ محدّدة تُقدّم على العموم على أنها ذات طبيعة تجارية وتستهدف إعلام الزبون بالمستجدات والتحديثات، وأنّ هناك طرفًا ثالثًا مجهول الهوية قد تُحَوّل إليه
فيتمتع بأحقية استخدامها في ما يراه من أهداف خاصة. كانت إجابات جلّ أفراد العيّنة تفيد، في هذا
السياق، بأنهم يقبلون شروط الاستخدام من دون قراءتها، باستثناء عبد الرحيم الذي صرّح أنه ظل
سنوات لا يقرؤها، ومؤخّرًا، وبعدما أصبح يسمع ويشاهد الكثير من الوقائع حول قرصنة الحسابات
واستغلال المعطيات الشخصية للأفراد، فإنه أصبح يقرؤها.
72)(المرجع نفسه.
(73) Lyon, The Electronic Eye , p. 4.
تبدو المراقبة الرقمية العمودية في هذا السياق كأنها مراقبة تعاقدية يؤطرها عقد سوسيورقمي، يحدد للمستفيد شروط الاستخدام، ويترك له حرية الاختيار بين قبول شروط العقد أو رفضها. وإن الحديث هنا
عن مفهوم المراقبة الرقمية التعاقدية معناه أن المراقبة تتحوّل إلى فعل حريةٍ رقمية. لكنها حرية إشكالية
ومفارقة، لأنها تظلّ محكومة في أساسها بدكتاتورية ملُاَك البيانات، وتشكّل نوعًا من المقايضة المعلوماتية
المبهمة، لا يكون طرَفا العقد فيها في وضعية تكافؤ، لأن شروطها توضع من جانب واحد، ولا تكون
موجَهةً بمبدأ التفاوض، لا القَبْلي ولا البَعدي. ولذلك تكون "ضبابية" في الغالب الأعم، خاصة أنّ
المستخدم لا يقرأ غالبًا بنود العقد، وإن قرأها لا يفهم الكثير منها، لأنها تكون مكتوبة بلغة أجنبية لا يتقنها،
أو لأنها تكون مليئة بالتعابير التقنية غير المستأنسة وغير الواضحة بالنسبة إليه. وإذا ما تأملنا منطق اشتغال منظومة المراقبة الرقمية الأفقية، وجدناه هو أيضًا يتّخذ بعدًا تعاقديًا. ذلك
أنّ الشخص ما إن ينخرط في وسائط التواصل الاجتماعي، وخاصة عند استخدامه لهويته الحقيقية
ومع فاعلية رقمية مكثفة، حتّى يندرج ضمن اقتصاد الهِبة الرقمي بما يقتضيه من ردٍ للهبّة بما يماثلها،
أو بأفضل منها. فالتدوينة تقتضي تعليقًا أو إعجابًا أو تقاسمًا، والتعليق يستوجب تعليقًا أو إعجابًا على
الأقل، ومنشور النّعي يقتضي عزاءً، ومنشورات الأعياد والمناسبات والنجاحات تستلزم تهنئة، وصور
المآسي تقتضي مواساة وتضامنًا، والنكات والمقاطع الهزلية تقتضي أيقونات ضاحكة، واللائحة
تطول. أثرٌ رقمي في مقابل آخر، معطيات رقمية في مقابل أخرى. وكما أن لاقتصاد الهِبة الرقمي
عطاياه، فإنّ له أيضًا جزاءاته؛ فالمرور الصامت يقتضي مرورًا صامتًا، والحظر يقتضي حظرًا، والحذفُ
يوازيه حذفٌ مشابه، وغيرها من السلوكات الرقمية التي يستلزمها منطق السكن المشترك داخل الفضاء الرقمي ومنظومته الاجتماعية الرمزية. أخبرتني مريم، في عبارة قوية ومركّزة، ارتباطًا بهذا السياق، أنّ الإفراط في استخدام وسائط التواصل الاجتماعي قد يتحوّل إلى "استعباد". وأوضحت قائلة: في الماضي، حينما كنت مدمنةً للفيسبوك، كانت تأتي عليَ لحظات كنت أحسّ فيها كما لو أنه
يسلبني حريتي. لأنني حينما كنت أنشر شيئًا معيّنًا، أو أتفاعل مع منشور ما، كنت أظل أنتظر الرد
والتصديق على ما كتبت. بين اللحظة والأخرى، ألج لأتحقق من التفاعلات السوسيو–إلكترونية لأصدقائي على فيسبوك مع المنشور، وكأنني أتوسل إليهم وأنتظر تفاعلاتهم، وكأنني أستجديهم. كما كنت أجدني ملزمة بالتفاعل معهم، حتى عندما لا أرغب في ذلك. تصبح كأنك مجبر على التفاعل، في نوعٍ من المجاملة التي تتحول، مع الوقت، إلى مصدر للإزعاج، وتصير ثقلا على كاهل الفرد. يفيد هذا القول أنّ ما قد يبدو حرية رقمية قد يكون في حقيقته إجبارًا عليها، أو إلزامًا بالحرية؛ إذ إن
المرء يختار أن يدخل في شبكة من العلاقات الاجتماعية على شبكة الإنترنت، فتنتهي كلتاهما إلى تقييده بشروطهما الإتيكنولوجية.
مريم 74).(
أقترح هنا مفهوم "الإِتيكنولوجيا" Ethichnology، بوصفه مفهومًا جديدًا ضمن المعجم التكنولوجي،
أوظّفه للدلالة على هذه المنظومة الرمزية الرقمية الناشئة والمؤطِرة لاقتصاد الهِبة الرقمي؛ وهو يشكّل
صيغة مركبة جامعة بين الإتيقا والتكنولوجيا Ethic–Technology. ويحيل المفهوم، بعامةٍ، إلى مجال الإتيقا الرقمية بوصفها كليّة مندمجة تختزل منظومةَ الشروط والقواعد الإتيقية التي يُفترض أن تؤطّر
مختلف الوضعيات التفاعلية السوسيورقمية. فكما لوسائط التواصل الاجتماعي أخلاقياتها، الصريحة أو الضمنية، التي تحكم العلاقات، وتوجّه التفاعلات بين الأفراد من مستخدميها، فإنّ لشبكة الإنترنت
كذلك، في بعدها التقني المادي، العام والمُوَسّع، مجموعة من الشروط والأحكام الخاصة بها، تؤطّر
العلاقة بين المستخدِمين وملاّك الخوادم والتطبيقات، والتي تشكّل مواثيق تعاقدية رقمية يوقّعها الأفراد لحظة انخراطهم في وسائط التواصل الاجتماعي، أو لحظة إبحارهم في مختلف المواقع والمنصات الإلكترونية. وتندمج كل تلك القواعد والضوابط والأحكام مع بعضها لتشكّل منظومة متداخلة العناصر، تفرض سلطتها بأشكال متعددة ودرجات متباينة على مستخدمي تلك الوسائط الرقمية، ومستخدمي شبكة الإنترنت عمومًا. وما يُقال على شبكة فيسبوك يصدق كذلك على واتساب وإنستغرام وتيك توك، وغيرها من الوسائط
الأخرى التي تخضع للمنظومة الإتيكنولوجية الرمزية نفسها التي تؤطّر اقتصاد الهِبة الرقمي القائم على المجاملة، أو بالأحرى لزومية المجاملة الرقمية والبحث عن الاعتراف الرقمي. فحركية الفرد الرقمية تظلّ مراقبَةً ومرصودةً من "كتيبةٍ" من المراقبين الصامتين الذين لا يعرف متى سيتدخلون،
ولا كيف سيتدخلون. وإذا حصل أن تدخّلوا، يكون من اللازم عليه أن يتفاعل معهم في احترامٍ لضوابط هذه المنظومة وأخلاقياتها، كما يتصورونها، وكما يفهمونها؛ وكل خرقٍ لها يُواجَه بعقوبات
تتباين تبعًا لدرجة الخرق المرتكب وأثره، وتبعًا لطبيعة الشخص الذي كان موضوعًا له والمبادئ الأخلاقية التي تحكمه. حكى لي بعض أفراد عيّنة البحث (أحمد، ورجاء، ومريم، وعبد الرحيم) أن عددًا من معارفهم
(أقارب، وأصدقاء، وزملاء... إلخ) قطعوا صلتهم بهم، بسبب عدم احترام أحد الطرفين لمقتضيات وضوابط هذا النظام الرمزي الرقمي الذي يندرج المنتمون إليه داخل منظومة المراقبة الاجتماعية الرقمية المعمَمة والممتدة، تلك التي يراقب فيها الجميعُ الجميعَ، مع ما يرافق ذلك من إعمالٍ لمنطق
العقوبات التي تبدأ رقمية ولا تلبث أن تصبح فيزيقية يلحق تأثيرُها حياةَ الأفراد الفعلية. وقد يأتي
ذلك العقاب، غالبًا، في صورة قطْعٍ للرابط الاجتماعي، أو إضعافه، أو في صورة حرمانٍمن رأس
مالٍ مادي أو رمزي، قائم أو آتٍ؛ كما هو الشأن في العلاقات المهنية والأكاديمية (علاقات تراتبية: موظف/ مدير، أستاذ/ طالب، أو غير تراتبية مثل علاقات الزمالة). وفي هذا السياق، تكشف السير الرقمية لأفراد عيّنة البحث، من فئة الموظفين والأجراء، تشَكُلَ نمط
جديد من الإلزام هو الإلزام المهني الرقمي، الذي يصبح بموجبه الفرد مطالبًا بالاستخدام اليومي
75)(أحمد، تقني، 40 عامًا، مقابلة شخصية، الصخيرات–تمارة،.2024/4/13
للوسيط التواصلي الرقمي (واتساب مثلا) الذي تستخدمه مؤسسة الانتماء أو زملاء العمل، والانخراط رغمًا عنه في الجماعات المهنية الرقمية المُحدثة لأجل التواصل الإداري أو المهني، ومتابعتها، أو
التفاعل مع محتواها خارج أوقات العمل الرسمية؛ مع ما تطرحه هذه الجماعات الرقمية من مشكلات وضغوط نفسية ناجمة عن التداخل المستمر بين فضاء الشغل والفضاء المنزلي، بين وقت العمل ووقت الراحة، هذا فضلا عن المشكلات المرتبطة بأخلاقيات التواصل الرقمي وما تخلقه من صراعات ومشكلات بين الزملاء. وهكذا، فإن ما كان يُعتقد في البداية أنه فعل حريةٍِ رقميةٍ، قد يتحوّل مع الوقت إلى قيد اجتماعي،
وسلطة تمارس قهريَتها على الأفراد، عبر الإلزام بالتوافق والاندراج داخل المنظومة، وعبر البحث
المستمر عن الاعتراف والتصديق الرقميَين، أو اللجوء إلى خيار الإقصاء والتهميش؛ مع ما تفترضه
كلا الوضعيتين من ضغطٍ اجتماعي يومي يختبره الفرد تجربةً مؤلمةً، تؤثر في جودة حياته النفسية، بسبب ما يرافقها من تخوّفٍ من احتمال تأثير ذلك كلِه في حياته الاجتماعية، وتهديدها للتماسك
الاجتماعي (الروابط الأسرية، والعائلية) ولفُرَص النجاح والارتقاء المهني والأكاديمي.
2. اﻟﻤﻘﺎﻳﻀﺔ اﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎﺗﻴﺔ اﻟﺮﻗﻤﻴﺔ وﻓﻘﺪان اﻟﺨﺼﻮﺻﻴﺔ
تحيلنا السير الرقمية المدروسة إلى تغيّرٍ في مفهوم الخصوصية أو "البنى التحتية للخصوصية"؛
ذلك أنّ المقايضة المعلوماتية الرقمية التي تطرحها الخوادم على مستخدميها والقائمة على مبدأ:
أعطني بياناتك أعْطُِكَ بياناتي، والتي تكون خدمتها المعلوماتية مفتوحةً، لا يحدّها زمان تنتهي فيه، ولا مكان تقف عنده، تشكّل تنازلا طوعيًا عن الحق في الخصوصية الذي يتخلّى عنه الفرد بمحض
إرادته مقابل الاستفادة من تلك الخدمات. وبهذا فهو يندرج في منظومة المراقبة الرقمية المفتوحة، والدينامية، التي تتحرك معه حيثما تحرّك، لأنها تشكّل "امتدادًا لجسده" عبر الهاتف المحمول
الذي يحمله معه حتى في الأماكن الأكثر حميميّة. ويمكن أن ندرج هذا التحوّل ضمن "الأشكال
الجديدة للخصوصية". تقول رجاء واصفةً هذا النوع من التغيّر كما عاشته: لقد أصبحتِ الزنقة جزءًا من المنزل، وكأنّ الجميع جالس معك في قلب دارك يراقبك ليل
نهار، حتى وإن كنتَ بمفردك؛ وقد يتدخلون في أيّ لحظةٍ ليفسدوا عليك خلوتك، ولحظات
صفْوك. لقد أصبحتُ أحنّ إلى الماضي، إلى تلك الأيام التي كانت لنا فيها مذكراتٌ شخصية ندوّن فيها أشياءنا الخاصة والحميمة ونحتفظ بها لأنفسنا، لا يطّلع عليه أحد. اليوم، صار كل
(76) Susanna Paasonen, "Infrastructures of Intimacy," in: Rikke Andreassen et al. (eds.), Mediated Intimacies: Connectivities, Relationalities and Proximities (London: Routledge, 2017), pp. 103–116. (77) Lupton, p. 168. (78) Larissa Hjorth & Sarah Pink, "New Visualities and the Digital Wayfarer: Reconceptualizing Camera Phone Photography and Locative Media," Mobile Media & Communication , vol. 2, no. 1 (2024), pp. 40–57.
شيء مباحًا، ما هو حميمي وخاص صار يُدوّن في الصفحات العمومية ويتم تقاسمه مع الجميع، موثَقًا بالصوت والصورة. لا يطرح مفهوم الخصوصية في هذا المستوى الأول، أي بوصفه غير مانعٍ من الرغبة المقصودة في البوح والتقاسم، إشكالا كبيرًا، إذا ما قُورب من زاوية المراقبة الرقمية؛ لأنه يندرج في إطار نوعها المرغوب، والموجَه، لأن المعنيَ بها يمارس عملية انتقاء للمعطيات الشخصية المتعلقة بهويته قبل عرضها وتقاسمها، خاصة في الحالات التي يكون فيها العارض مندرجًا في خانة ما يسمّى المؤثرين، أو طامحًا إلى بناء شهرة رقمية مأمولة، أو واعيًا على الأقل بأن الأثر الرقمي يتّسم بالديمومة، وأنّ منتجه لا يملك سلطة مطلقة عليه. ففي هذه الحالات جميعها، يكون الفرد واعيًا بالمراقبة، ومقبلا على تدبير خصوصيته الرقمية بناء على ذلك الوعي الحاصل لديه عبر تبني استخدامٍ رقميٍ مستنير. لكنّ سؤال الخصوصية يبدو إشكاليًا في الحالة التي يغيب فيها الوعي الرقمي والاستخدام المستنير، وتتجاوز المراقبة حدود الفضاء الرقمي لتعبُر نحو الفضاء المنزلي أو الفضاءات الحميمية، لتصبح هي الأخرى جزءًا من مجتمع المراقبة. تقول رجاء معبِرةً عن هذا العبور بما يطرحه من إشكالات: لقد أصبح لديّ شعور دائم بأنني مراقبة، حتى وأنا في غرفة النوم، وفي غرفة الاستحمام، لقد تحوّل الأمر إلى ما يشبه الهوس. أحيانًا وأنا أغيّر ملابسي ألتفت يمينًا ويسارًا، أبحث عن المكان الذي يوجد فيه هاتفي، كي أبعده عني مخافة أن تكون الكاميرا مفتوحة، تصورني من غير علمي. لا أعرف، كل شيء ممكن. إن أساس الإشكال هنا يعود إلى سيرورة "تخصيص العمومي، وتعميم الخصوصي"، وما تُفضي إليه من تداخل الفضاءات بعضها مع بعض، مع ما يرافق ذلك من أخطارٍ قد تنجم عن قرصنة الحسابات، واستغلال المعطيات الشخصية. والسؤال الأساسي الذي يُطرح في هذا السياق يتعلق بتكلفة اختراق الخصوصية، أي: ما الذي سيخسره المرء إذا جرى اختراق فضائه الرّقمي، وأصبح فضاؤه الخاص مكشوفًا كليًا للغير، وبياناته في يد طرف ثالث؟ أثناء لقاءٍ لي مع كمال، وهو شاب في بداية الثلاثينيات، عاطل عن العمل وقت المقابلة، حينما وصل مسار الحديث معه إلى النقطة المتعلقة بتدبير الخصوصية الرقمية في علاقتها بالمراقبة الرقمية، أخبرني أن هذه المسألة لا تَطرح بالنسبة إليه مشكلةً كبيرة؛ لأنه لا يمتلك رأس مالٍ اجتماعيًا أو مهنيًا
79)(رجاء. 80)(المرجع نفسه.
(81) Max Van Manen, "The Pedagogy of Momus Technologies: Facebook, Privacy, and Online Intimacy," Qualitative Health Research , vol. 20, no. 8 (2010), pp. 1023–1032.
كبيرًا يخشى ضياعه (الملاحظة نفسها أدلى بها رضوان). يقول كمال معبّرًا عن ذلك: "ليس
لديّ ما أخسر؛ من يخاف المراقبة يكون لديه في الأصل ما يخاف عليه، منصبٌ سياسي، منصب
إداري، مكانة اجتماعية مرموقة، وغيره، أما نحن، فلسنا سوى أناس بسطاء (دْرَاوَش)، معطياتنا هي
مجرد صور عادية"؛ لكنه سرعان ما استدرك: "لديَ تخوّفٌ واحد فقط يتعلق باحتمال تعرّض بريدي
الإلكتروني الرسمي للاختراق، لأنه يتضمّن وثائق رسمية (جواز السفر، ومعطيات بنكية، وأوراق
تتعلق بالهجرة)، أرسلتها إلى بعض المؤسسات، سبق أن تعاملتُ معها". يكشف هذا التعليق عن محدّدَين أساسيَين، يتدخلان في تشكيل تمثلّات الأفراد للمراقبة الرقمية
وسؤال الخصوصية، وهما: النوع الاجتماعي، والوضع السوسيومهني. في هذا المستوى، كانت إحدى الملاحظات اللافتة التي خرجنا بها من الدراسة الميدانية تفيد أن سؤال الخصوصية الرقمية يبدو، إلى حدٍ بعيد، سؤالا جندريًا، وفئويًا/ طبقيًا. لقد كانت التجربة المعيشة، التي ينقلها لنا نص رجاء، متوافقة على نحو كلّي مع التجارب التي نقلَتْها لي بقية الإناث من الأجيال الثلاثة الأولى، واللواتي عبّرن عن قلقهن الدائم من اختراق خصوصيتهن،
خاصة في الجانب المتعلق باستغلال الصور والفيديوهات، أي ما يتعلق بأجسادهن بالدرجة الأولى، بوصفها أجسادًا أنثوية، وبالتمثلات الاجتماعية السائدة حولها. كان هاجس التصوير حاضرًا باستمرار
في كل النماذج المدروسة لعيّنة الإناث، وهو التخوّف الذي لم يستحضره أيٌ من الذكور الذين كان
تخوّفهم يرتبط بالأساس باحتمال استغلال بعض الوثائق المرقمنة، الرسمية، أو شبه الرسمية. كما برز المحدد السوسيومهني عنصرًا أساسًا، يفسّر التخوّف من مسألة اختراق الخصوصية لدى
كلا الجنسين؛ إذ إنّ معطيات الدراسة تكشف أنه كلما ارتفع منسوب رأس المال الاجتماعي والمهني لدى الفرد المعنيّ، ارتفعت معه درجة التخوّف من اختراق خصوصيته واستغلال معطياته الرقمية؛
وانعكس ذلك على تمثّله لمفهوم الحرية الرقمية، وشكل ممارسته لها. وقد يقوده هذا التخوّف إلى
اختيار التقليليّة الرقمية أو التعتيم الرقمي بديلا من المرئية الرقمية "المفرطة". ويعني ذلك أن هوامش
الحرية تضيق وتتسع تبعًا لحجم رأس المال الفيزيقي والرقمي، وتبعًا لتكلفة اختراق الخصوصية. فقد اعتبر معظم أفراد العيّنة أن حرية التعبير في بُعدها السياسي، بمعناها الموسَع، داخل الفضاءات الرقمية،
تظلّ ممارسة نخبوية تحوزها فئة معيّنة (صحافيون، ونقابيون، ونشطاء سياسيون، وحقوقيون... إلخ)،
وأنّ ما يحدّد هذه الحرية، وما يشجّع عليها، وما يكفل استمراريتها في الغالب، هو مكانة الفرد
الاجتماعية وحجم شبكة العلاقات التي يمتلكها؛ أي علاقته مثلا بسلطة نافذة في مركز القرار يمكن أن تحميه، وتدافع عنه، إذا ما تجاوز "الخط الأحمر" المحدّد لنهاية حرية التعبير، كما تسطِرها وتفهمها الدولة، وأجهزتها السياسية والأمنية.
82)(كمال، عاطل عن العمل، 32 عامًا، مقابلة شخصية، مدينة الصخيرات،.2024/6/19 83)(رضوان، عاطل عن العمل، 28 عامًا، مقابلة شخصية، الصخيرات–تمارة،.2024/4/13 84)(كمال.
فيمَ تفيدنا المقاربة الأنثروبولوجية لسؤال المراقبة الرقمية استنادًا إلى نظرية الفاعل – الشبكة؟ إنها
تسمح لنا بتغيير زاوية النظر، واستكشاف أوجه جديدة للمراقبة عبر التركيز على التأويل الثقافي الذي يقدمه منتجو المعطيات الإنسانية – الرقمية الخام أنفسهم، عن أنفسهم، لا تأويلات محلِلي البيانات الضخمة من خبراء المناهج التكميميّة الصرفة الذين يختزلون التجارب الإنسانية في
أرقام وخوارزميات تُؤوَل بمعزل عن منتجيها، ومن دون استحضار للدلالات التي يمنحونها إيّاها،
والسياقات التي تُنتج داخلها، والترابطات التي يقيمونها بين ذكائهم وذكاء الآلة، عندما يُطرح سؤال
التعايش بينهما، وسؤال الهجانة بين الإنسان والآلة، في علاقته بسؤال الحرية الإنسانية والحق في الخصوصية. ويفيد مدخل الفاعل – الشبكة، كما تقدمه السِيَر الرقمية المدروسة، أنّ الفرد داخل المنظومة الرقمية
ليس شخصًا خاضعًا لأنظمة المراقبة، ومنفعلا بها فحسب، بل هو أيضًا فاعل داخلها، ومشارك
فيها، بقدْرٍ معيّن، بوصفها منظومة تجمع بين ما هو بشري وما هو غير بشري. صحيح أن المراقبة
الرقمية العمودية تتأسس على منطق تراتبي وسلطوي، وتتسم بقدر كبير من اللامرئية التي تُطرح معها إشكالات الحق في الخصوصية، إلا أنها تضعنا أيضًا أمام سؤال المسؤولية الأخلاقية والقانونية للمستخدم تجاه بياناته. وبناء عليه، فإننا حينما استحضرنا مفاهيم، من قبيل المراقبة الرقمية التعاقدية في البحث، بدت لنا كما لو كانت مراقبة تواطئية، يفترضها اقتصاد الهِبة الرقمي ودافعُ البحث عن
الاعتراف، بناءً على منطق الهِبة الرقمية والهِبة المقابلة، بما يستلزمه ذلك من استثمارٍِ لرأس المال
الاجتماعي، الفيزيقي والرقمي، وإعادة استثمارهما؛ مع ترابط ذلك كلِه بأنظمة المكافأة والعقاب الرقميَين، وآثارهما في حياة الفرد عمومًا. ولا تشكّل المراقبة الرقمية الأفقية، التي تتّخذ شكلا
جُذْموريًا، استثناء داخل هذه المنظومة الرقمية؛ إذ تندرج هي الأخرى ضمن اقتصاد الهِبة الرقمي،
بما يفترضه من تواطؤ صريح أو ضمني بين الأطراف الباحثة عن المنفعة الرقمية المتبادلة، في شبه تعادل وتكافؤ. لكنّ المقاربة الأنثروبولوجية لسؤال المراقبة الرقمية لا تقتضي أحادية المنظور، ولا اختزال الإشكالات عبر استبعاد النقائض، بل ينبغي التفكير فيما بينهما. فإلى جانب هذا القدر من الفاعلية الرقمية التي تكشف عنها أنماط المراقبة الرقمية المرغوبة، تنكشف أنماط أخرى من المراقبة، تتأطر داخل الأوليغوبتيكون الرقمي المفتوح، الذي تتوزع فيه مواقع المراقبة بالتوازي بين العالميَن
الرقمي والمادي، على نحوٍ ممتد ومُستعرض، مكانيًا وزمانيًا. فقد سمح هذا الفضاء الوسيط ببروز
أنواع جديدة من المراقبة، غيَرت من مفهومَي العمل والخصوصية مثلا، وأصبحت تسائل من جديد
فهمنا للحرية، نظريةً وممارسة، فضلا عن ظهور مفاهيم جديدة مثل الاستلاب الرقمي، والاستعباد الرقمي.
85)(أستعير هنا مفهوم الأوليغوبتيكون من برونو لاتور، الذي يطرحه مقابلا لمفهوم البانوبتيكون. ينظر: Latour, p. 181.
ويفيد تأمّل الطريقة التي أصبح الأفراد يفكرون بها في موضوع الحق في الخصوصية، وكيف يختبرون
إشكالاتها اليومية، وكيف يدبرونها، أن سيرورة الرقمنة وما رافقها من تطويرٍ وإشاعةٍ لأنظمة المراقبة الرقمية في مختلف المواقع، الإلكترونية والفيزيقية – الفعلية، قد أفضت إلى خلق سيرورة موازية، تقوم على بَنْيَنة الخوف المعلوماتي، وذلك باستدماج مستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي لفكرة المراقبة
وتحويلهم إيّاها إلى نوع من الرقابة الرقمية الذاتية التي يفكر صاحبها من داخل مقولة الإنسان – الأثر؛
أي الإنسان الذي يخشى أثره الرقمي، فيستحضر خشيتَه قبْليًا، ليتحوّل الخوف المعلوماتي إلى آلية
للرقابة والضبط الذاتيَين. وإننا نعاين اليوم أن هذا الخوف، في بعض السياقات الاجتماعية، تحوّل
إلى بنية نفسية واجتماعية تؤطر العلاقات الإنسانية القائمة على وسائط التواصل الاجتماعي، وتهدد تماسكها عبر تفكيك مفهومَي الثقة والتواصل الاجتماعي الآمن. ولقد صارت الثورات غير المسبوقة
التي شهدتها ولا تزال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وتعاظم دورها في المراقبة وتجميع البيانات وتحليلها، كما صار الحديث عن تطوير وَعيٍ آلي ينافس الوعي الإنساني أو يتجاوزه، يستدعيان اليوم
من الباحثين تطوير عُدَتهم النظرية والمنهجية لأجل الانخراط في نقاشات أكاديمية جادة تقوم على الانفتاح والتكامل التخصُصي على طريق الإحاطة بالإشكالات المطروحة حاليًا بخصوص الآثار
المحتملة لهذه التكنولوجيا في نظرية المعرفة، وفي منظومة القيم الإنسانية، ومآلات سؤال المراقبة والعقاب في ظل مستقبل مبهم حول مفهوم المسؤولية الأخلاقية عن الفعل.
اﻟﻤﺮاﺟﻊ References
اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ
احجيج، حسن. البحث السردي في العلوم الاجتماعية: نظريات وتطبيقات. سلسلة التجديد في البحث الاجتماعي 1. مراكش: مؤسسة آفاق،.2023 بلعابد عيدة. "المراقبة الإلكترونية وأثرها على خصوصية الأفراد". المجلة الشاملة للحقوق. مج 3، العدد 2 (أيلول/ سبتمبر.(2022 حمايدية، أسماء. "المراقبة ما بعد البانوبتيك للدول العربية على مواقع التواصل الاجتماعي: مقاربة ما بعد بنيوية". المجلة الجزائرية للأمن والتنمية. مج 10، العدد 3 (.(2021 دليو، فضيل. "المنهج البيوغرافي: استعمال السير الذاتية والحياتية في علم الاجتماع". مجلة العلوم الاجتماعية. مج 27، العدد 2 (.(1999 غيدنز أنتوني وفيليب صاتن. مفاهيم أساسية في علم الاجتماع. ترجمة محمود الذوادي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 قاوقو، محجوبة. "المجتمع الافتراضي وإشكالية تجديد منهج البحث السوسيولوجي: نحو بناء نموذج لدراسة التفاعلات الإلكترونية بواسطة الحاسوب". عمران. مج 8، العدد 29 (صيف.(2019
_______. "النِتْنوغرافيا منهجًا للبحث السوسيولوجي والأنثربولوجي: من الملاحظة الإلكترونية إلى
إعادة كتابة الأثر الرقمي". المجلة الأفريقية للعلوم الإنسانية والاجتماعية. العدد (.2023(5 _______. "الباترياركيّة الرقمية واستراتيجيّات المقاومة الجندريّة الناعمة: دراسة سوسيولوجيّة".
سلسلة أوراق العمل. ورقة عمل رقم 28. منشورات المجلس العربي للعلوم الاجتماعية،.2023/11/30
ا ﺟﻨﺒﻴﺔ
Andreassen, Rikke, Michael Nebeling Petersen, Katherine Harrison & Tobias Raun (eds.). Mediated Intimacies: Connectivities, Relationalities and Proximities. London: Routledge, 2017. Bartley, Tim. "The Digital Surveillance Society." Contemporary Sociology. vol. 48, no. 6 (2019). Brignall, Tom. "The New Panopticon: The Internet Viewed as a Structure of Social Control." Theory & Science. vol. 3, no. 1 (2002). Castells, Manuel. La Société en réseaux: L’ère de l’information. Paris: Fayard, 2001. Culot, Louise. "Le récit de vie numérique: Un outil pour l’alpha?" Journal de l’Alpha. no. 218 (2020). Duke, Shaul A. "AI and the Industrialization of Surveillance." Surveillance & Society. vol. 21, no. 3 (2023). Ellis, Carolyn. The Ethnographic I: A Methodological Novel about Autoethno–graphy. Walnut Creek: Altamira Press, 2004. Ellis, Carolyn, Tony E. Adams & Arthur P. Bochner. "Autoethnography: An Overview." Historical Social Research. vol. 36, no. 4 (2011). Foucault, Michel. Surveiller et punir: Naissance de la prison. Paris: Édition Gallimard,
Galinnon–Mélénec, Béatrice & Sami Zlitni (dirs.). Traces numériques: De la production à l’interprétation. Paris: CNRS, 2013. Geertz, Clifford. Islam Observed, Religious Development in Morocco and Indonesia. Chicago: Phoenix Edition, 1968. Goffman, Erving. "Presentation of Self in Everyday Life." American Journal of Sociology. vol. 55, no. 1 (1949). Gordon, Diana R. "The Electronic Panopticon: A Case Study of the Development of the National Criminal Records System." Politics & Society. vol. 15, no. 4 (1987). Gubrium, Aline. "Digital Storytelling: An Emergent Method for Health Promotion Research and Practice." Health Promotion Practice. vol. 10, no. 2 (2009). Hardey, Michael. "Digital Life Stories: Auto/ Biography in the Information Age." Auto/ Biography. vol. 12, no. 3 (2004). Hine, Christine M. Virtual Ethnography. Newcastle: Sage Publications, 2000.
Hjorth, Larissa & Sarah Pink. "New Visualities and the Digital Wayfarer: Reconceptualizing Camera Phone Photography and Locative Media." Mobile Media & Communication. vol. 2, no. 1 (2024). Lauer, Josh. "Surveillance History and the History of New Media: An Evidential Paradigm." New Media & Society. vol. 14, no. 4 (2012). Latour, Bruno. Reassembling the Social: An Introduction to Actor–Network–Theory. Oxford: Oxford University Press, 2007. Lupton, Deborah. Digital Sociology. London: Routledge, 2015. Lyon, David. "Surveillance Studies: Understanding Visibility, Mobility and the Phenetic Fix." Surveillance & Society. vol. 1, no. 1 (2002). _______. The Electronic Eye: The Rise of Surveillance Society. Minneapolis/ London: University of Minnesota Press, 1994. Mair, Michael, Robert Meckin & Mark Elliot (eds.). Investigative Methods: An NCRM Innovation Collection. Southampton: National Centre for Research Methods, 2022. Mann, Steve & Joseph Ferenbok. "New Media and the Power Politics of Sousveillance in a Surveillance–dominated World." Surveillance & Society. vol. 11, no. 1/2 (2013). Manen, Max Van. "The Pedagogy of Momus Technologies: Facebook, Privacy, and Online Intimacy." Qualitative Health Research. vol. 20, no. 8 (2010). Mathiesen, Thomas. "The Viewer Society: Michel Foucault’s 'Panopticon' Revisited." Theoretical Criminology. vol. 1, no. 2 (1997). Newport, Cal. Digital Minimalism: Choosing a Focused Life in a Noisy World. New York: Portfolio /Penguin, 2019. Palfrey, John & Urs Gasser. Born Digital: Understanding the First Generation of Digital Natives. New York: Basic Books, 2010. Plummer, Ken. Documents of Life 2: An Invitation to A Critical Humanism. London: Sage, 2001. Poster, Mark. The Mode of Information. Chicago/ London: University of Chicago Press,
Roberts, Brian. Biographical Research. London: Open University Press, 2001. Rossi, Silvia et al. "Digital Life Stories of People with Cancer: Impacts on Research." International Journal of Qualitative Methods. vol. 23 (2024). Rule, James B. Private Lives and Public Surveillance: Social Control in the Computer Age. New York: Schocken Books, 1974. Thaler, Aaron Gluck–. "Surveillance Studies and the History of Artificial Intelligence: A Missed Opportunity?" Surveillance & Society. vol. 21, no. 3 (2023). Turner, Victor Witter & Edward M. Bruner. The Anthropology of Experience. Urbana/ Chicago: University of Illinois Press, 1986.