الفعل الاقتصادي والبنية الاجتماعية: مشكلة الاكتناف
Economic Action and Social Structure: The Problem of Embeddedness
الملخّص
تُعدّ الكيفية التي تؤثّر بها العلاقات الاجتماعية في السلوك والمؤسسات أحد الأسئلة الكلاسيكية في النظرية الاجتماعية. وهذه الدراسة تُعنى بمدى اكتناف الفعل الاقتصادي في بنى العلاقات الاجتماعية في المجتمع الصناعي الحديث. ففي حين تُقدّم الروايات النيوكلاسيكية المعتادة تفسيرًا لهذا الفعل "يقلّل من شأن التأثير المجتمعي" أو "يذرّر الفاعل"، نجد أنّ الاقتصاديين الإصلاحيين الذين يحاولون استعادة أثر البنية الاجتماعية يفعلون ذلك على نحوٍ "يُفرط في شأن التأثير المجتمعي"، وهذا الأمر انتقده دينيس رونغ. والمفارقة أنّ التفسيرات التي تقلّل من شأن التأثير المجتمعي والتفسيرات الأخرى التي تُفرط في شأنه تتشابه في إهمالها بنى العلاقات الاجتماعية القائمة؛ إذ لا بدّ لأيّ تفسير مُتقَن للفعل الاقتصادي من أن يأخذ في الحسبان اكتنافه في مثل هذه البنى. وهذا ما أُوضحه من خلال نقد برنامج أوليفر وليامسون البحثي "الأسواق والتراتبيات".
Abstract
Abstract: How behaviour and institutions are affected by social relations is one of the classic questions of social theory. This paper concerns the extent to which economic action is embedded in structures of social relations, in modern industrial society. Although the usual neoclasical accounts provide an "undersocialized" or atomized–actor explanation of such action, reformist economists who attempt to bring social structure back in do so in the "oversocialized" way criticized by Dennis Wrong. Under–and oversocialized accounts are paradoxically similar in their neglect of ongoing structures of social relations, and a sophisticated account of economic action must consider its embeddedness in such structures. The argument in illustrated by a critique of Oliver Williamsonʼs "markets and hierarchies" research program.
- الاقتصاد
- العلاقات الاجتماعية
- الفعل الاقتصادي
- الأسواق
- التراتبية
- Economy
- Social Relations
- Economic Action
- Markets
- Hierarchy
ملخص: تُعدّ الكيفية التي تؤثّر بها العلاقات الاجتماعية في السلوك والمؤسسات أحد الأسئلة
الكلاسيكية في النظرية الاجتماعية. وهذه الدراسة تُعنى بمدى اكتناف الفعل الاقتصادي في بنى
العلاقات الاجتماعية في المجتمع الصناعي الحديث. ففي حين تُقدّم الروايات النيوكلاسيكية
المعتادة تفسيرًا لهذا الفعل "يقلّل من شأن التأثير المجتمعي" أو "يذرّر الفاعل"، نجد أنّ الاقتصاديين
الإصلاحيين الذين يحاولون استعادة أثر البنية الاجتماعية يفعلون ذلك على نحوٍ "يُفرط في شأن
التأثير المجتمعي"، وهذا الأمر انتقده دينيس رونغ. والمفارقة أنّ التفسيرات التي تقلّل من شأن التأثير
المجتمعي والتفسيرات الأخرى التي تُفرط في شأنه تتشابه في إهمالها بنى العلاقات الاجتماعية
القائمة؛ إذ لا بدّ لأيّ تفسير مُتقَن للفعل الاقتصادي من أن يأخذ في الحسبان اكتنافه في مثل هذه
البنى. وهذا ما أُوضحه من خلال نقد برنامج أوليفر وليامسون البحثي "الأسواق والتراتبيات."
Abstract: How behaviour and institutions are affected by social relations is one of the classic questions of social theory. This paper concerns the extent to which economic action is embedded in structures of social relations, in modern industrial society. Although the usual neoclasical accounts provide an "undersocialized" or atomized–actor explanation of such action, reformist economists who attempt to bring social structure back in do so in the "oversocialized" way criticized by Dennis Wrong. Under–and oversocialized accounts are paradoxically similar in their neglect of ongoing structures of social relations, and a sophisticated account of economic action must consider its embeddedness in such structures. The argument in illustrated by a critique of Oliver Williamsonʼs "markets and hierarchies" research program.
Professor of Sociology at the State University of New York.
Syrian Translator and Writer. Email: thaer.deeb@dohainstitute.org
American Journal of Sociology , vol. 91, no. 3 (1985), pp. 481–510.
مدخل: مشكلة الاكتناف
تُعدّ الكيفية التي تؤثّر بها العلاقات الاجتماعية في السلوك والمؤسسات أحد الأسئلة الكلاسيكية في النظرية الاجتماعية. ونظرًا إلى أنّ هذه العلاقات دائمة الحضور، فإنه
لا يمكن تخيّل الوضع الذي قد ينشأ في غيابها إلا من خلال تجربة ذهنية مثل "الحالة الطبيعية" لدى
توماس هوبز Thomas Hobbes، أو "الوضع الأصلي" Original Position لدى جون رولز John Rawls. ويفترض قدر كبير من التقليد النفعي، بما فيه الاقتصاد الكلاسيكي والنيوكلاسيكي، سلوكًا عقلانيًا مصلحيًا لا يتأثر بالعلاقات الاجتماعية إّلا في الحدّ الأدنى؛ ما يُشير إلى حالة مثالية لا تختلف
كثيرًا عن تلك التجارب الذهنية. أمّا في الطرف المقابل، فيكمن القول ب "الاكتناف" في فكرة مفادها
أنّ السلوك والمؤسسات التي نحللها مقيدة إلى حدّ بعيد بالعلاقات الاجتماعية القائمة، إلى حدّ أّن تفسيرها بأنّها مستقلة يُعدّ سوءَ فهمٍ جسيمًا. تُعنى هذه الدراسة باكتناف السلوك الاقتصادي. وإذا كانت النظرة السائدة بين علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلماء السياسة والمؤرخين أنّ مثل هذا السلوك كان مكتنفًا بشدّة بالعلاقات الاجتماعية في مجتمعات ما قبل السوق، فإنّه أصبح أكثر استقلالًا مع التحديث. وترى هذه النظرة أّن الاقتصاد صار مج لًا منفصلًا ومتمايزًا على نحو متزايد في المجتمع الحديث، حيث لم تعد التعاملات الاقتصادية تتحدد بالتزامات المتعاملين الاجتماعية أو القرابية، بل من خلال حسابات عقلانية للمكاسب الفردية، ثمّ إنّه يُرى في بعض الأحيان أنّ الوضع التقليدي قد انعكس؛ فبدلًا من أن تكون الحياة الاقتصادية منغمسة في العلاقات الاجتماعية، أصبحت هذه العلاقات ظاهرة ثانوية من ظواهر السوق فحسب. وترتبط أطروحة الاكتناف بالمدرسة "الجوهرية" Substantivist في الأنثروبولوجيا، المرتبطة ارتباطًا خاصًا بكارل بولاني، وبفكرة "الاقتصاد الأخلاقي" Moral Economy في التاريخ والعلوم السياسية. وإضافة إلى ذلك، فإن لها علاقة واضحة بالفكر الماركسي. غير أنّ قلّة من الاقتصاديين فحسب هي التي قبلت تصوّر الانقطاع بين الاكتناف والتحديث؛ إذ يؤكد
معظمهم، بدلًا من ذلك، أن الاكتناف في المجتمعات السابقة لم يتخَّطَ كثيرًا مستواه المنخفض الذي
نجده في الأسواق الحديثة. ومن أطلق هذا التوجّه هو آدم سميث؛ إذ افترض وجود "ميل معين
في الطبيعة البشرية [...] إلى التداول والمقايضة وتبادل الأشياء"، وافترض أنّه ما دام العمل هو عامل الإنتاج الوحيد في المجتمع البدائي، فلا بدّ من أن يجري تبادل السلع بما يتناسب مع تكاليف عملها، كما هو الحال في النظرية الكلاسيكية العامة للتبادل. ومنذ عشرينيات القرن العشرين، اتّخذ
(1) Karl Polanyi, The Great Transformation (New York: Holt, Rinehart, 1944); Karl Polanyi, Conrad M. Arensberg & Harry W. Pearson (eds.), Trade and Market in the Early Empires (New York: Free Press, 1957). (2) Edward P. Thompson, "The Moral Economy of the English Crowd in the Eighteenth Century," Past and Present , vol. 50, no. 1 (February 1971), pp. 76–136; James Scott, The Moral Economy of the Peasant (New Haven: Yale University Press, 1976). (3) Adam Smith, The Wealth of Nations , Andrew Skinner (ed.) (Baltimore: Penguin, 1979 [1776]), Book 1, chap. 1. (4) Ibid., Book 1, chap. 6.
بعض الأنثروبولوجيين موقفًا مشابهًا، عُرف بالموقف "الشكلاني" Formalist، الذي يرى أنّ السلوك الاقتصادي، حتى في المجتمعات القبَلية، كان مستقلًا عن العلاقات الاجتماعية على نحو يكفي
ليكون التحليل النيوكلاسيكي التقليدي مفيدًا. وقد حظي هذا الموقف مؤخرًا بزخم جديد؛ إذ طوّر
اقتصاديون ونظراء لهم في التاريخ والعلوم السياسية اهتمامًا جديدًا بالتحليل الاقتصادي للمؤسسات الاجتماعية، يندرج جزء كبير منه في ما يُسمّى "الاقتصاد المؤسسي الجديد" Neo–Institutional، ورأوا أنّ السلوك والمؤسسات التي سبق تفسيرها سابقًا على أنّها مُكتَنفَة في المجتمعات السابقة، وكذلك في مجتمعاتنا، يمكن فهم كلّ منها على نحو أفضل بوصفه نتيجة سعي أفراد عقلانيين، مذرّرين إلى هذا الحدّ أو ذاك، من أجل المصلحة الذاتية. تختلف وجهة نظري عن المدرستين الفكريتين كلتيهما. فأنا أؤكد أن مستوى اكتناف السلوك الاقتصادي في المجتمعات غير السوقية أقل مما يدّعيه أصحاب النظرية الجوهرية ومنظّرو التنمية، وأنه لم يتغيّر مع "التحديث" بالقدر الذي يعتقدونه، لكنني أرى أيضًا أن هذا المستوى كان، ولا يزال،
أكثر جوهرية مما يقرّه الشكلانيون والاقتصاديون. وأنا لا أحاول هنا معالجة القضايا التي تطرحها
المجتمعات غير السوقية، بل أمضي بدلًا من ذلك في إحكامٍ نظري لمفهوم الاكتناف، لُأ بيّن قيمتهُ
من خلال مشكلةٍ من المجتمع الحديث، وهي مشكلة تحظى بأهمية راهنة في الاقتصاد المؤسسي الجديد: ما التعاملات في المجتمع الرأسمالي الحديث التي تجري في السوق؟ وما التعاملات التي تُستوعب ضمن الشركات ذات التنظيم التراتبي؟ وقد برز هذان السؤالان إلى الصدارة من خلال البرنامج البحثي "الأسواق والتراتبيات" الذي أطلقه أوليفر وليامسون.
أولا: التصورات التي تُفرط في شأن التأثير المجتمعي في الفعل الإنساني والتصورات الأخرى التي تقلّل من شأنه في علمَي الاجتماع والاقتصاد
أبدأ باستحضار تأفّف دينيس رونغ من "تصور في علم الاجتماع الحديث يُفرط في شأن التأثير المجتمعي في الإنسان"، وهو تصور يرى أنّ البشر شديدو الحساسية تجاه آراء الآخرين؛ ما يجعلهم يطيعون إملاءات أنظمة المعايير والقيم المجمَع عليها، والمستبطنة من خلال التنشئة الاجتماعية، فلا يُنظر إلى الطاعة على أنّها عبء. وبالقدر الذي كان فيه هذا التصور بارزًا في عام 1961، نجم الجزء الأكبر من هذا البروز عن إدراك تالكوت بارسونز مشكلة النظام كما طرحها توماس هوبز،
(5) Harold Schneider, Economic Man: The Anthropology of Economics (New York: Free Press, 1974). (6) Douglass C. North & Robert Paul Thomas, The Rise of the Western World (Cambridge: Cambridge University Press, 1973); Oliver Williamson, Markets and Hierarchies (New York: Free Press, 1975); Samuel Popkin, The Rational Peasant (Berkeley/ Los Angeles: University of California Press, 1979). (7) Williamson, Markets and Hierarchies. (8) Dennis Wrong, "The Oversocialized Conception of Man in Modern Sociology," American Sociological Review , vol. 26, no. 2 (1961), pp. 183–193.
ومحاولته حلّها بتجاوز التصور الذرّي الذي يقلّل من شأن التأثير المجتمعيفي الإنسان بالنسبة إلى التقليد النفعي الذي كان هوبز جزءًا منه. وقد استحسن رونغ القطيعة مع النفعية الذرّية، وتأكيد
اكتناف الفاعلين في السياق الاجتماعي، وهو العامل الحاسم الغائب عن تفكير هوبز، لكنه حذّر في الوقت ذاته من المبالغة في درجة هذا الاكتناف ومدى قدرته على إلغاء الصراع: كثيرًا ما تكون مهمة عالم الاجتماع لفت الانتباه إلى شدة رغبة البشر في حسن ظنّ زملائهم
المباشرين وسعيهم لتحقيق ذلك في مواقف متنوعة، لا سيّما المواقف التي تبالغ فيها
النظريات أو الأيديولوجيات السائدة في تأكيد دوافع أخرى [...] هكذا، بيّن علماء الاجتماع
أنّ عمّال المصانع أكثر حساسية تجاه مواقف زملائهم في العمل قياسًا بالحوافز الاقتصادية
البحتة [...] من الأكيد أنّه ليس في نيتي أن أوجّه النقد إلى نتائج مثل هذه الدراسات.
اعتراضي هو أنّه [...] على الرغم من أنّ علماء الاجتماع قد انتقدوا الجهود السابقة التي سعت لعزل دافع أساسي واحد في السلوك البشري، فإن الرغبة في إحراز صورة ذاتية محببة بنيل استحسان الآخرين كثيرًا ما تحتل مثل هذا الموقع في تفكيرهم. على النقيض من ذلك، يعمل الاقتصاد الكلاسيكي والنيوكلاسيكي بتصور ذرّي، يقلّل من شأن
التأثير المجتمعيفي الفعل الإنساني، مواصلًا نهج التقليد النفعي؛ إذ تُنكر النقاشات النظرية في افتراضاتها أيّ تأثير للبنية الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية في الإنتاج أو التوزيع أو الاستهلاك. ففي
الأسواق التنافسية، لا يؤثر أيّ منتِج أو مستهلِك على نحو ملحوظ في العرض أو الطلب الكلَّيَين،
أو في الأسعار أو شروط التبادل التجاري الأخرى بعد ذلك. وكما لاحظ ألبرت هيرشمان، فإنّ هذه الأسواق المثالية، بما تنطوي عليه من "أعداد كبيرة من المشترين والبائعين المجهولين الذين يقبلون بالأسعار كما هي، والمزودين بمعلومات كاملة [...] تعمل من دون أيّ اتصال إنساني أو اجتماعي ممتد بين الأطراف. ففي ظل المنافسة الكاملة، لا مجال للمساومة، أو التفاوض، أو الاعتراض، أو التكيف المتبادل، ولا يحتاج مختلف المتعاملين الذين يبرمون العقود معًا إلى إقامة علاقات متكررة أو متواصلة يتعرّفون من خلالها إلى بعضهم بصورة حسنة". لطالما كان ثمة إدراك مفاده أنّ الأسواق المثالية القائمة على المنافسة الكاملة قد صمدت تجاه الهجوم الفكري، وهذا الأمر يعود في جزء منه إلى الجاذبية السياسية التي تتمتع بها البنى الاقتصادية الذاتية التنظيم لدى كثيرين. أمّا السبب الآخر الأقل وضوحًا لهذا الصمود، فهو أنّ استبعاد العلاقات
الاجتماعية من التحليل الاقتصادي يُزيل مشكلة النظام من الأجندة الفكرية، على الأقلّ في المجال الاقتصادي. ففي رأي هوبز، ينشأ الاضطراب لأنّ التعاملات الاجتماعية والاقتصادية الخالية من الصراع تعتمد على الثقة وغياب إساءة الثقة. لكن هذا لا يصير محتملًا عندما يُنظر إلى الأفراد على
(9) Talcott Parsons, The Structure of Social Action (New York: Macmillan, 1937), pp. 89–94. (10) Wrong, pp. 188–189. (11) Albert Hirschman, "Rival Interpretations of Market Society: Civilizing, Destructive or Feeble?" Journal of Economic Literature , vol. 20, no. 4 (1982), p. 1473.
أنهم بلا علاقات اجتماعية ولا سياق مؤسسي، كما هو الحال في "الحالة الطبيعية". ويعالج هوبز هذه المعضلة بفرض بنية سلطة أوتوقراطية. أمّا حلّ الليبرالية الكلاسيكية، ومن ثم الاقتصاد الكلاسيكي، فهو نقيض ذلك؛ إذ إن الأسواق التنافسية، التي تجعل القوة أو الاحتيال غير مُجديَين، تجعل البنى السياسية القمعية غير ضرورية. وتُحِدِّد المنافسة شروط التجارة بطريقة لا يستطيع التجار الأفراد التلاعب بها. وإذا ما واجه التجار علاقات معقدة أو صعبة تتسم بعدم الثقة أو إساءة الثقة، فإنهم يستطيعون الانتقال ببساطة إلى مجموعة من التجار الآخرين الراغبين في القيام بأعمال تجارية بشروط السوق؛ وبذلك تغدو العلاقات الاجتماعية وتفاصيلها مسائل احتكاك. لذلك، جرى التعامل، في الاقتصادين الكلاسيكي والنيوكلاسيكي، مع واقعة أنّ الفاعلين قد تربطهم علاقات اجتماعية، إذا ما جرى ذلك، على أنّها عائق احتكاكي يعوق الأسواق التنافسية. وقد تأفّف آدم سميث، في جملة كثيرًا ما يُستشهد بها، من أنّ: "أصحاب التجارة الواحدة قلّما يجتمعون، ولو
للتسلية والترفيه، من دون أن ينتهي الحديث إلى مؤامرة ضد العامة، أو حيلة لرفع الأسعار". ولم تُتِح سياساته القائمة على مبدأ الحرية الاقتصادية وعدم التدخل حلولًا كثيرة لهذه المشكلة، لكنه اقترح إلغاء الأحكام التي تُلزم جميع من ينتمون إلى المهنة ذاتها بالتوقيع على سجل عام؛ فالوجود العلني لهذه المعلومات "يربط أفرادًا لعلّهم ما كانوا بغير ذلك ليعرف بعضُهم بعضَهم الآخر على الإطلاق، ويمنح كلّ صاحب تجارة وجهةً يعثر فيها على كل صاحب آخر من أصحابها". والمهمّ هنا ليس
الوصفة السياسية التي تبدو ضعيفةً نوعًا ما، بل إدراك أّن التذرر Atomization الاجتماعي شرط مسبق للمنافسة الكاملة. ترى الشروح الأحدث لعلماء الاقتصاد أنّ "التأثيرات الاجتماعية" هي عمليات يكتسب من خلالها
الفاعلون عاداتٍ أو أعرافًا أو معاييرَ تُتبع على نحو آلي وتلقائي، بغضّ النظر عن علاقتها بالاختيار
العقلاني. وينعكس هذا الرأي، القريب من تصوّر رونغ الذي "يُفرط في شأن التأثير المجتمعي"، في
طُرفة جيمس دوسنبيري التي تقول: "يدور الاقتصاد حول كيفية اتخاذ البشر خياراتهم؛ في حين يدور علم الاجتماع حول غياب أيّ خيارات يتخذونها". كما تتجلى في وصف إرنست هنري فيلبس براون ل "مقاربة علماء الاجتماع مسألة تحديد الأجور" باعتبارها تنطلق من افتراض مفاده أنّ البشر يتصرفون "بطرائق معينة لأنّ ذلك أمرٌ معتاد، أو واجب، أو 'شيء طبيعي يجب القيام به'، أو صائب
ولائق، أو عادلٌ ومنصف". وعلى الرغم من التباين الواضح بين وجهة النظر التي تقلل من شأن التأثير المجتمعي ووجهة النظر التي تُفرط فيه، فإنه لا بد من أن نلحظ مفارقة ذات أهمية نظرية كبيرة؛ فكلتاهما تتقاسم تصوّرًا للفعل والقرار
(12) Smith, pp. 232–233. (13) James Duesenberry, "Comment on 'An Economic Analysis of Fertility'," in: The Universities–National Bureau Committee for Economic Research (ed.), Demographic and Economic Change in Developed Countries (Princeton: Princeton University Press, 1960), p. 233. (14) Ernest Henry Phelps Brown, The Inequality of Pay (Berkeley: University of California Press, 1977), p. 17.
يتخذه الفاعلون المذررون. وفي التفسير الذي يقلل من شأن التأثير المجتمعي، ينجم التذرر عن السعي النفعي الضيق من أجل المصلحة الذاتية، أما في التفسير الذي يُفرط في شأن التأثير المجتمعي فينجم عن واقعة استدخال أنماط سلوكية بحيث لا يعود للعلاقات الاجتماعية القائمة سوى آثار هامشية فحسب في السلوك. وكون قواعد السلوك المستدخَلة اجتماعيةً، في أصلها، لا يميّز هذا الحجاج على نحو حاسم
من الحجاج النفعي الذي يبقى فيه مصدر دوال المنفعة مفتوحًا، يترك مج لًا لسلوك موَّجَه كلًّيًا بمعايير
وقيم محددة بالتوافق كما هو الحال في وجهة النظر التي تُفرط في شأن التأثير المجتمعي. وهكذا، تلتقي حلول مشكلة النظام التي تقلل من شأن التأثير المجتمعي، وتلك التي تُفرط فيه، في تذريرها الفاعلين وفصلهم عن السياق الاجتماعي المباشر. ويتضح هذا الالتقاء المنطوي على مفارقة في الليفياثانلهوبز؛ فأهل "الحالة الطبيعية" التعساء الذين سحقهم الاضطراب الناجم عن تذررهم، يتنازلون فرحين عن جميع حقوقهم لقوة سلطوية، ثم يتصرّفون بطريقة وديعة ومحترمة؛ وينتقلون مباشرة، بفضل حيلة العقد
الاجتماعي، من حالة تقلل من شأن التأثير المجتمعي إلى حالة تُفرط فيه. عندما يحاول الاقتصاديون المحدثون أخذ التأثيرات الاجتماعية في الاعتبار، فإنهم عادةً ما يصِّوِرونها
بالطريقة التي تُفرط في شأن التأثير المجتمعي، على نحو ما ظهر في الاقتباسات السابقة. وهم بهذا يعكسون الحكم القائل إنّ التأثيرات الاجتماعية هي عوائق احتكاكية Frictional، لكنهم يُبقون على التصور الخاص بكيفية عمل هذه التأثيرات. ففي نظرية أسواق العمل المجَّزَأة Segmented، على سبيل المثال، رأى مايكل بيوري أنّ أعضاء كلّ جزء من سوق العمل يتّسمون بأساليب مختلفة من صنع القرار، وأنّ اتخاذ القرارات بالاختيار العقلاني أو العرف أو الفَرْض في أسواق العمل
الأولية العليا والأولية الدنيا والثانوية، على التوالي، يتوافق مع أصول العمال في الثقافات الطبقية الفرعية المتوسطة والعاملة والدنيا. وعلى غرار ذلك، يرى صمويل بولز وهربرت غينتيس، في تناولهما عواقب التعليم الأميركي، أنّ الطبقات الاجتماعية المختلفة تُظهر سيرورات معرفية مختلفة نتيجةً لاختلاف نوع التعليم المقَّدَم إلى كٍّلٍ منها، "حيث يُدَّرّب أولئك المُقَّدّر لهم العمل في وظائف
دنيا على أن يكونوا ملتزمين بالقواعد وموثوقين، بينما يلتحق أولئك الذين سيسَّلَمون مناصب النخبة ب "كليات النخبة ذات الأربع سنوات" التي "تُؤِّكّد على العلاقات الاجتماعية المتوافقة مع المستويات العليا في التسلسل الهرمي للإنتاج [...] وعندما 'يُتقنون' نوعًا واحدًا من التنظيم السلوكي، يُسمح لهم بالتقدم إلى المستوى التالي أو بالتوجّه إلى المستوى المُوافق في التسلسل الهرمي للإنتاج". لكنّ هذه التصورات التي تُفرط في شأن التأثير المجتمعي في السلوك الفردي تبدو آليّة نوعًا ما؛ فما إن
نعرف الطبقة الاجتماعية للفرد أو قطاع سوق العمل الذي ينتمي إليه حتى يصبح كل ما تبقى من سلوكه تلقائيًا، لأنّه نشأ اجتماعيًا على هذا النحو. والتأثير الاجتماعي هنا هو قوة خارجية، مثل إله الربوبيين،
يُطلق حركة الأشياء ثم لا يكون له أيّ أثر آخر؛ فهو قوة تتسلل إلى عقول الأفراد وأجسادهم (كما في
(15) Michael Piore, "Notes for a Theory of Labor Market Stratification," in: Richard C. Edwards, Michael Reich & David M. Gordon (eds.), Labor Market Segmentation (Lexington: Heath, 1975), pp. 125–150. (16) Samuel Bowles & Herbert Gintis, Schooling in Capitalist America (New York: Basic Books, 1975), p. 132.
فيلم "غزو نبّاشي القبور") فتُغيّر طريقتهم في اتخاذ القرارات. وما إن نعلم الكيفية التي تأثر بها فرد من
الأفراد حتى تصبح العلاقات والبنى الاجتماعية القائمة غير ذات صلة. فالتأثيرات الاجتماعية محتواة جميعها داخل رأس الفرد، بحيث يمكن، في مواقف اتخاذ القرار الفعلية، تذريره مثل أيّ إنسان
اقتصادي Homo economicus، ولو بقواعد مختلفة ربما لاتخاذ القرارات. أمّا تحليلات التأثيرات
الثقافية الأكثر إتقانًا (والأقل إفراطًا، إذًا، في شأن التأثير المجتمعي)، فتوضح أنّ الثقافة ليست تأثيرًا يحدث مرة واحدة ثمّ يتواصل إلى الأبد، بل سيرورة جارية، تُبنى ويُعاد بناؤها باستمرار في أثناء
التفاعل. وهي لا تُشكّل أعضاءها فحسب، بل تتشَّكَل أيضًا من خلال هذه الأعضاء، وهو أمر يعود، في جزء منه، إلى دوافع استراتيجية. وحتى حين يأخذ الاقتصاديون العلاقات الاجتماعية على محمل الجد، كما يفعل العديدون من أمثال هارفي ليبنشتاين وغاري بيكر، فإنّهم عادةً ما يجرّدون العلاقات من تاريخها وموقعها بالنسبة
إلى العلاقات الأخرى؛ أي مما يمكن تسميته الاكتناف التاريخي والبنيوي للعلاقات. فالروابط التي تصفها أطروحاتهم بين الأشخاص شديدة "التنميط" Typical، خالية من أيّ محتوى أو تاريخ
أو موقع بنيوي نوعي. وينشأ سلوك الفاعلين من مواقع أدوارهم ومجموعاتها المسمّاة؛ وبذلك
نكون إزاء نقاشات حول الكيفية التي يتفاعل بها العمال والمشرفون، أو الأزواج والزوجات، أو المجرمون ومنفّذو القانون مع بعضهم، ولكن من دون افتراض أن يكون لهذه العلاقات محتوى فردي يتجاوز ما تُعطيه الأدوار المُسمّاة. وهذا الإجراء هو تحديدًا ما انتقده علماء الاجتماع البنيويون في
علم الاجتماع البارسوني (نسبةً إلى تالكوت بارسونز)؛ أي تهميش خصوصيات العلاقات الفردية وحصرها في دور ثانوي داخل الإطار المفهومي العام، واعتبارها ظواهر ثانوية مقارنةً بالبنى الدائمة لتوصيفات الأدوار المعيارية المستمدة من التوجهات القيمية النهائية. وفي النماذج الاقتصادية، يكون لمعالجة العلاقات الاجتماعية هذه تأثير متناقض يتمثل في الإبقاء على عملية صنع القرار ذرّيةً حتى حين يُنظر إلى القرارات على أنها تشمل أكثر من فرد واحد؛ وذلك لأنّ مجموعة الأفراد التي يجري
تحليلها – وهي ثنائيات في العادة، ومجموعات أكبر أحيانًا – مجردة من سياقها الاجتماعي، ومذرّرة
في سلوكها عن سلوك المجموعات الأخرى وعن تاريخ علاقاتها. وبذلك، لا يُتخَّلّص من التذرير،
بل يُنقل إلى المستوى الثنائي أو الأعلى من التحليل فحسب. لاِح ظ استخدام التصوّر الذي يُفرط في
شأن التأثير المجتمعي – حيث يتصرف الفاعلون وفقًا لأدوارهم المحددة على وجه الحصر – لإنفاذ وجهة نظر ذرّية تقلل من شأن التأثير المجتمعي. يقتضي التحليل المثمر للفعل البشري أن نتجنب التذرير الذي ينطوي عليه التطرف النظري في التصور الذي يُفرط في شأن التأثير المجتمعي كما هو الشأن في التصوّر الذي يقلل من شأنه. فالفاعلون
(17) Gary Fine & Sherryl Kleinman, "Rethinking Subculture: An Interactionist Analysis," American Journal of Sociology , vol. 85, no. 1 (July 1979), pp. 1–20; Robert Cole, Work, Mobility and Participation: A Comparative Study of American and Japanese Industry (Berkeley/ Los Angeles: University of California Press, 1979), chap. 1. (18) Harvey Leibenstein, Beyond Economic Man (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1976). (19) Gary Becker, The Economic Approach to Human Behavior (Chicago: University of Chicago Press, 1976).
لا يتصرفون ولا يتخذون قراراتهم كما لو كانوا ذرّات خارج كلّ سياق اجتماعي، ولا يلتزمون التزامًا
أعمى بنصٍ أملاه عليهم تقاطع الفئات الاجتماعية التي يصادف انتماؤهم إليها، بل إنّ محاولاتهم القيام بأفعال هادفة هي، بدلًا من ذلك، مُكتَنفَة في أنظمة علاقات اجتماعية ملموسة وجارية. وسوف أوضح، في الجزء المتبقي من هذه الدراسة، كيف تُغيّر هذه النظرة إلى الاكتناف مقاربتنا النظرية
والتجريبية لدراسة السلوك الاقتصادي. وسُأ ركّز أولًا على مسألة الثقة وإساءة الثقة في الحياةُ الاقتصادية، ثم أستخدم إشكالية "الأسواق والتراتبيات" كي أوضح استخدام أفكار الاكتناف في تحليل هذه المسألة.
ثانيًا: الاكتناف والثقة وإساءة الثقة في الحياة الاقتصادية
منذ نحو عام 1970، برز بين الاقتصاديين اهتمام متزايد بقضايا الثقة وإساءة الثقة التي أ هملت فيُ السابق. وأشار وليامسون إلى أنّ الفاعلين الاقتصاديين الحقيقيين لا ينخرطون في الحرص على المصلحة الذاتية فحسب، بل في "الانتهازية" أيضًا؛ أي في "الحرص على المصلحة الذاتية بمكر؛ ذلك أنّ السماسرة الماهرين في التلاعب يُحققون فوائد ومزايا في التعاملات. ولذلك، فإّن "الإنسان الاقتصادي [...] مخلوق أكثر دهاءً ومكرًا مما يُظهره عليه افتراض السعي المعتاد لطلب
المصلحة الذاتية". لكن هذا يُشير إلى افتراضٍ غريب في النظرية الاقتصادية الحديثة، مؤداه أنّ المرء لا يسعى لمصلحته الاقتصادية إّلا بوسائل نبيلة نسبيًا. ويتمحّل هذا المفهوم السؤالَ الهوبزي الذي مفاده ما يلي: كيف
، يُمكن أصلًا أّلا يلجأ من يسعون لتحقيق مصالحهم الذاتية إلى القوة والاحتيال؟ ومن ثمّ، فإنّه كما رأى هوبز بوضوح، ليس في المعنى الجوهري ل "المصلحة الذاتية" أيّ شيء يستبعد القوة أو الاحتيال. ويعود استمرار هذا الافتراض جزئيًا إلى أنّه يُمكن تصوّر القوى التنافسية، في سوق ذاتية
(((2 توجد أوجه تشابه عديدة بين ما يُشار إليه في هذا السياق بوجهتَي النظر التي تُفرط في شأن التأثير المجتمعي في الفعل والتي
تقلل من شأنه من جهة، وما يُطلق عليه رونالد بيرت اسم المقاربتين "الذرّية" و"المعيارية" من جهة أخرى. ينظر:
Ronald Burt, Toward a Structural Theory of Action (New York: Academic Press, 1982), chap. 9;
وعلى غرار ذلك، فإنّ مقاربة الاكتناف المقترحة هنا حّلًا وسطًا بين المقاربة التي تُفرط في شأن التأثير المجتمعي والمقاربة التي
تقلل من شأنه تُشبه، على نحو واضح، مقاربة بيرت "البنيوية" للفعل. وتختلف تمييزاتي ومقاربتي عن مقاربة بيرت في نواحٍ عديدة
لا يُمكن تلخيصها بسرعة؛ ويمكن استيعاب هذه الفروق على أفضل وجه بمقارنة هذه الدراسة بملخصه المفيد وبالنماذج الشكلية
التي تجسّد تصوّره. ينظر: (New York: Academic Press, 1983) Corporate Profits and Cooptation Ibid.; Ronald Burt,؛ وثمة
مقاربة أخرى تشبه مقاربتي في تأكيدها الكيفية التي تؤثّر بها الروابط الاجتماعية في الفعل الهادف، هي توسيع بيتر مارسدن لنظريات جيمس كولمان في الفعل واتخاذ القرار الجمعيَين لتشمل المواقف التي تعدل فيها هذه الروابط النتائج التي كانت ستحدث في
موقف ذرّي بحت. ينظر:
Peter Marsden, "Introducing Influence Processes into a System of Collective Decisions," American Journal of Sociology , vol. 86, no. 6 (May 1981), pp. 1203–1235; Peter Marsden, "Restricted Access in Networks and Models of Power," American Journal of Sociology , vol. 88, no. 4 (1983), pp. 686–717.
(((2 سوف يلاحظ طلاب علم اجتماع الرياضة أن هذا الطرح سبق أن قدّمه، على نحو مختلف قليلًا، ليو دوروشر Leo Durocher.
(22) Williamson, Markets and Hierarchies , p. 255.
التنظيم، على أنها قادرة على قمع القوة والاحتيال. لكنّ هذه الفكرة يكتنفها أيضًا التاريخ الفكري لهذا الفرع المعرفي. ويُظهر ألبرت هيرشمان، في كتابه الأهواء والمصالح، أنّ مسارًا مهًّمًا من التاريخ الفكري، من عصر الليفياثانإلى عصر ثروة الأمم، انطوى على التخفيف من حدّة مشكلة النظام عند هوبز، بالقول إنّ دوافع بشرية معيّنة تُبقي دوافع أخرى تحت السيطرة، وإنّ السعي لتحقيق المصلحة
الاقتصادية الذاتية، على وجه الخصوص، لم يكن في العادة "هوى" جامحًا، بل كان نشاطًا متحضرًا
ولطيفًا. ويُعدّ القبول الواسع، وإن كان ضمنيًا، بهذه الفكرة مث لًا قويًا على الكيفية التي يتكامل
بها التصور الذي يقلل من شأن التأثير المجتمعي، والذي يُفرط فيه أحدهما مع الآخر؛ إذ يستدخل الفاعلون المُذررون في الأسواق التنافسية هذه المعايير السلوكية القارّة بطريقة كاملة تضمن قيام تعاملات منظمة. ما قوّض هذا اليقين في السنوات الأخيرة هو تزايد الاهتمام بتفاصيل دقيقة متعلقة بالأسواق غير
التنافسية كلًّيًا، وهي أسواق تتصف بقلّة عدد المشاركين وتكاليفها الباهظة واستثماراتها في "رأس مال
بشري محدد". ففي مثل هذه الحالات، لا يمكن الاستناد إلى انضباط الأسواق التنافسية المزعوم في الحدّ من الخداع، ولذلك عادت إلى الظهور تلك المشكلة التقليدية المتمثلة في كيفية تجنّب انعدام الثقة وإساءة الثقة بالحياة الاقتصادية اليومية. ما أراه هو أنّه توجد، في الأدبيات الاقتصادية، إجابتان أساسيتان عن هذه المشكلة، وأنّ إحداهما مرتبطة بالتصور الذي يقلل من شأن التأثير المجتمعي في الفعل الإنساني، والأخرى مرتبطة بالتصور الذي يُفرط فيه. ويتجلى التفسير الذي يقلل من شأن التأثير المجتمعي على نحو رئيس في الاقتصاد المؤسسي الجديد، وهو اتحاد مهلهل الحدود من الاقتصاديين المهتمين بتفسير المؤسسات الاجتماعية من منظور نيوكلاسيكي. ومفاد الحكاية العامة التي يحكيها أعضاء هذه المدرسة هو أنّ المؤسسات والترتيبات الاجتماعية، التي كان يُعتقد سابقًا أنّها نتيجة عرضية لقوى قانونية، أو تاريخية، أو اجتماعية، أو سياسية، من الأفضل أن تُرى على أنّها الحلّ الفعال لمشاكل اقتصادية معينة. وهذه نبرة مشابهة لنبرة علم الاجتماع البنيوي الوظيفي الذي ساد من أربعينيات القرن العشرين
(23) Albert Hirschman, The Passions and the Interests (Princeton: Princeton University Press, 1977).
(((2 ينظر على سبيل المثال:
Eirik Furubotn & Svetozar Pejovich, "Property Rights and Economic Theory: A Survey of Recent Literature," Journal of Economic Literature , vol. 10, no. 3 (1972), pp. 1137–1162; Armen Alchian & Harold Demsetz, "The Property Rights Paradigm," Journal of Economic History , vol. 33, no. 1 (March 1973), pp. 16–27; Edward Lazear, "Why is there Mandatory Retirement?" Journal of Political Economy , vol. 87, no. 6 (1979), pp. 1261–1284; Sherwin Rosen, "Authority, Control and the Distribution of Earnings," Bell Journal of Economics , vol. 13, no. 2 (1982), pp. 311–323; Williamson, Markets and Hierarchies ; Oliver Williamson, "Transaction–Cost Economics: The Governance of Contractual Relations," Journal of Law and Economics , vol. 22, no. 2 (1979), pp. 233–261; Oliver Williamson, "The Economics of Organization: The Transaction Cost Approach," American Journal of Sociology , vol. 87, no. 3 (November 1981), pp. 548–577; Oliver Williamson & William Ouchi, "The Markets and Hierarchies and Visible Hand Perspectives," in: Andrew Van de Ven & William Joyce (eds.), Perspectives on Organizational Design and Behavior (New York: Wiley, 1981), pp. 347–370.
إلى ستينياته، ويفشل كثير من جداله في اجتياز الاختبارات الأولية للتفسير الوظيفي السليم الذي وضعه روبرت ميرتون. فلنأخذ، على سبيل المثال، وجهة نظر أندرو شوتر القائلة إنّ فهم أّي مؤسسة اقتصادية ملحوظة لا يتطلب سوى أن "نستخلص المشكلة التطورية التي لا بدّ من أنّها وُجدت كي تتطور المؤسسة على النحو الذي نراه. فكلّ مشكلة اقتصادية تطورية تتطلب مؤسسة اجتماعية لحلّها". يُرى هنا أنّ إساءة الثقة تُدرَأ، لأنّ الترتيبات المؤسسية الذكية تجعل التورّط فيها مكلفًا جدًا، وهذه الترتيبات – التي كان يعتقد كثيرون في السابق أنها لا تؤدي أيّ وظيفة اقتصادية – يُرى الآن أنّها
تطورت لردع إساءة الثقة. لكن ينبغي أن نلاحظ أنّها لا تُولّد الثقة، بل تُعد بديلًا وظيفيًا منها. وتتمثل
أهم هذه الترتيبات في العقود الصريحة والضمنية المُحكمَة، بما في ذلك خطط التعويض
المؤَّجَل والتقاعد الإلزامي، التي يُنظر إليها على أنها تُقلّل حوافز "التملّص" من العمل أو الفرار بالأسرار التجارية، وبنى السلطة التي تُحِيِّد الانتهازية عن طريق اتخاذ قرارات مُلزمة قد تكون
خلافية. وهذه التصورات تقلل من شأن التأثير المجتمعي، لأنها لا تُراعي مدى تأثير العلاقات الشخصية الملموسة وما تنطوي عليه من التزامات في ردع إساءة الثقة، بصرف النظر تمامًا عن
الترتيبات المؤسسية. ويؤدي استبدالهذه الترتيبات بالثقة في الواقع إلى وضع هوبزي، حيث يكون أيّ فرد عقلاني مدفوعًا إلى تطوير طرائق ذكية للتهرب منها؛ ومن الصعب عندئذ أن نتخيل أنّ الحياة الاقتصادية اليومية لن تُسَمَّم بمحاولات للخداع تزداد براعة. أقرّ اقتصاديون آخرون ضرورة افتراض أنّ درجة معيّنة من الثقة تعمل، لأنّ الترتيبات المؤسسية وحدها
لا يمكنها أن تكبح القوة أو الاحتيال تمامًا. لكن يبقى أن نُفِسِّر مصدر هذه الثقة، وغالبًا ما يُنشَد ذلك
في وجود "أخلاق عامة". على سبيل المثال، يشير كينيث أرو إلى أنّ المجتمعات "في تطورها، طورت اتفاقات ضمنية على أنواع معيّنة من مراعاة الآخرين، وهي اتفاقات أساسية لبقاء المجتمع، أو تساهم
في كفاءة عمله مساهمة كبيرة على الأقل". حاليًا، يكاد لا يوجد مجال للشك في وجود مثل هذه الأخلاق العامة؛ فمن دونها، سوف تخشى
إعطاء عامل محطة الوقود ورقة نقدية من فئة 20 دولارًا، حين تشتري وقودًا بقيمة خمسة دولارات
(25) "Manifest and Latent Functions," in: Robert Merton, Social Theory and Social Structure (New York: Free Press, 1947), pp. 19–84. (26) Andrew Schotter, The Economic Theory of Social Institutions (New York: Cambridge University Press, 1981), p. 2. (27) Arthur Okun, Prices and Quantities (Washington, DC: Brookings, 1981). (28) Lazear; Ariel Pakes & Shmuel Nitzan, "Optimum Contracts for Research Personnel, Research Employment and the Establishment of 'Rival' Enterprises," NBER Working Paper , no. 871, National Bureau of Economic Research, 1982. (29) Williamson, Markets and Hierarchies. (30) Kenneth Arrow, The Limits of Organization (New York: Norton, 1974), p. 26;
ينظر أيضًا حول أصول "الأمانة" Honesty:
George Akerlof, "Loyalty Filters," American Economic Review , vol. 73, no. 1 (1983), pp. 54–63.
فقط. لكنّ هذا التصوّر يتسم بأنّه يُفرط في شأن التأثير المجتمعي؛ إذ يستدعي استجابةً عامة وتلقائية، مع أنّ الفعل الأخلاقي في الحياة الاقتصادية ليس تلقائيًا أو شاملًا (كما هو معروف جيدًا في محطات الوقود التي تطالب بدفع المبلغ المحدد بدقّة بعد حلول الظلام.) لننظر في حالة تبدو فيها الأخلاق العامة كأنها تعمل بالفعل: الاقتصادي الأسطوري (أتردد في أن أصفه بالمختلَق) الذي يخالف كلّ عقلانية اقتصادية، فيترك إكراميةً في مطعم على جانب الطريق بعيدًا عن منزله. لاحظ أن لهذا التعامل ثلاث سمات تجعله غير عادي نوعًا ما: 1. المتعاملون لم يسبق لهم التعارف، 2. من غير المرجح أن يتعاملوا مرة أخرى، 3. من غير المرجح أن تصل المعلومات المتعلقة بتصرفات أٍّيٍ منهم إلى الآخرين الذين قد يتعاملون معهم في المستقبل. أ جادل بأنّه في مثل هذهُ الحالات، فحسب، يمكن تفسير غياب القوة والخداع أساسًا بالأخلاق العامة. وحتى في هذه الحالة، قد يتساءل المرء عن مدى فاعلية هذه الأخلاق إذا كانت تكاليفها باهظة. تشدد فكرة الاكتناف بدلًا من ذلك على دور العلاقات الشخصية الملموسة وبنى (أو "شبكات)" هذه العلاقات في توليد الثقة وردع إساءة الثقة. وما ينطوي عليه التفضيل الشائع للتعامل مع أفراد ذوي سمعة معروفة هو أنّ قلةً فحسب هي التي تكتفي فعليًا بالاعتماد على الأخلاق العامة أو الترتيبات المؤسسية لاتقاء المشاكل. وقد أشار اقتصاديون إلى أنّ أحد حوافز عدم الغش هو التكلفة التي قد تترتّب على الإضرار بسمعة المرء؛ لكن هذا التصوّر للسمعة يقلل من شأن التأثير المجتمعي باعتبارها سلعة معممة، تُقاس بنسبة الغش إلى الفرص المتاحة لارتكابه. ونحن نلجأ إلى مثل هذه المعلومات المعممة، في الممارسة العملية، حين لا يتوافر ما هو أفضل، لكننا عادةً ما نبحث عن معلومات أفضل. فالأفضل من القول إنّ شخصًا ما معروف بأنّه أهل للثقة هو معلومات من مخبر موثوق تعامل مع هذا الفرد ووجده كذلك. والأفضل بعدُ هو معلومات مستمدة من تجاربنا الشخصية السابقة مع ذلك الشخص. وتُعد هذه المعلومات أفضل لأربعة أسباب: 1. هي رخيصة التكلفة، 2. يثق الإنسان بمعلوماته الخاصة أكثر من غيرها؛ فهي أغنى وأكثر تفصيلًا ومضمونة الدقة، 3. الأفراد الذين تربط المرء بهم علاقة مستمرة لديهم دافع اقتصادي ليكونوا جديرين بالثقة، كي لا يثبطوا التعاملات المستقبلية. 4. بعيدًا عن الدوافع الاقتصادية الصرف، غالبًا ما تكتسب العلاقات الاقتصادية المستمرة محتوى اجتماعيًا يشتمل على توقعات قوية بشأن الثقة والابتعاد عن الانتهازية. لن يخطر ببالنا أبدًا أن نشك في هذه النقطة الأخيرة المرتبطة بالعلاقات الأكثر حميمية التي تجعل السلوك أكثر قابلية للتنبؤ، وبذلك تُبدّد بعض المخاوف التي تخلق مصاعب بين الغرباء. فلنأخذ، على سبيل المثال، سبب ذعر الأفراد في مسرح يحترق وتَدافعهم نحو الباب، ما يؤدي إلى نتائج مأساوية. لطالما اعتبر محللو السلوك الجمعي هذا الأمر نموذجًا أوليًا للسلوك غير العقلاني، لكن روجر براون
يُشير إلى أن الوضع في جوهره هو معضلة سجينينمتعددة الأطراف: كلّ متدافع يكون في الواقع عقلانيًا تمامًا نظرًا إلى عدم وجود ضمانة بأنّ أيّ واحد من الآخرين سوف يغادر بهدوء، على الرغم
من أنّ الجميع سوف يكونون أفضل ح لًا لو فعلوا ذلك. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أننا في حالة المنازل المحترقة التي ظهرت في أخبار الساعة 11:00 مساءً، لم نسمع البتة عن تدافع جميع أفراد
الأسرة وخروجهم وبعضُهم يطأ بعضَهم الآخر. ففي الأسرة، لا توجد معضلة سجينين، لأنّ كلّ فرد فيها واثق بأنه يمكنه الاعتماد على الآخرين. في العلاقات التجارية، لا بد من أن تكون درجة الثقة أكثر تنوّعًا، ومع ذلك غالبًا ما تُزال معضلات
السجينين بقوة العلاقات الشخصية، وهذه القوة ليست خاصية للمتعاملين، بل لعلاقاتهم الملموسة. ويتجاهل التحليل الاقتصادي التقليدي هوية المتعاملين الأفراد وعلاقاتهم السابقة، لكنّ الأفراد العقلانيين أحسن إدراكًا، من خلال الاعتماد على معرفتهم بهذه العلاقات. وهم أقلّ اهتمامًا بالسمعة
العامة من اهتمامهم بما إذا كان من المتوقع أن يتعامل آخر معيّن معهم بأمانة، الأمر الذي يتوقف
أساسًا على ما إذا كانت لديهم، أو لدى معارفهم، تعاملات سابقة مُرضية مع ذلك الآخر. ويلاحظ
المرء هذا النمط حتى في مواقف تبدو، أول وهلة، كأنها تقترب من المناورة الكلاسيكية في السوق التنافسية، كما هو الحال في "البازار" المغربي الذي حلله كليفورد غيرتز. وصولًا إلى هذه النقطة، رأيت أنّ العلاقات الاجتماعية، أكثر من الترتيبات المؤسسية أو الأخلاق العامة، هي المسؤولة أساسًا عن إنتاج الثقة في الحياة الاقتصادية. لكنني بذلك أجازف برفض نوع
من الوظيفية المتفائلة لمصلحة نوع آخر، حيث تكون شبكات العلاقات، لا الأخلاق أو الترتيبات، هي البنية التي تقوم بوظيفة الحفاظ على النظام. وثمة طريقتان للحدّ من هذا الخطر. الأولى، إدراك أن وضعية الاكتناف، بوصفها حّلًا لمشكلة النظام، أقل شمولًا من أيّ من الطرحين البديلين، لأن شبكات
العلاقات الاجتماعية تتغلغل على نحو غير منتظم وبدرجات متفاوتة في مختلف قطاعات الحياة الاقتصادية، وهو ما يفسح مج لًا لما نعرفه مسبقًا من أن انعدام الثقة والانتهازية والفوضى ليست غائبة بأيّ حال من الأحوال. والثانية، التأكيد أنّ العلاقات الاجتماعية، وإن كانت في كثير من الأحيان
شرطًا ضروريًا للثقة والسلوك الجدير بالثقة، فإنها لا تكفي لضمانهما، بل قد تُهيّئ الظروف والوسائل
لإساءة الثقة والصراع على نطاق أوسع مما كان عليه الحال بغيابها. وتوجد ثلاثة أسباب لذلك. أولًا، توفّر الثقة التي تولّدها العلاقات الشخصية، بمجرّد وجودها، فرصةً أكبر لإساءة الثقة. فمن
المعروف في العلاقات الشخصية أنك "عادةً ما تؤذي من تُحب"؛ فثقة هذا الشخص بك تجعله في وضعٍ أشدّ هشاشة كثيرًا مما لو كان غريبًا (في معضلة السجينين، إدراك الشخص أنّ شريكه في المؤامرة
سينكر الجريمة حتمًا هو دافع عقلاني للاعتراف، وقد تكون العلاقات الشخصية التي تُزيل هذه
المعضلة أقلّ تناظرًا مما يعتقده الطرف المخدوع). هذه الحقيقة الأساسية في الحياة الاجتماعية هي
أساس عمليات الاحتيال التي تستغل "الثقة" وتُحاكي علاقاتٍ معيّنة، فتراتٍ طويلةً أحيانًا، لأغراضٍ
خفية. وفي عالم الأعمال، تكون بعض الجرائم، مثل الاختلاس، مستحيلةً كلًّّيًا على من لم يكوّن
(31) Roger Brown, Social Psychology (New York: Free Press, 1965), chap. 14. (32) Clifford Geertz, "Suq: The Bazaar Economy in Sefrou," in: Clifford Geertz, Hildred Geertz & Lawrence Rosen (eds.), Meaning and Order in Moroccan Society (New York: Cambridge University Press, 1979), pp. 123–225.
علاقات ثقة تُتيح له فرصة التلاعب بالحسابات. وكلما زادت الثقة، زادت المكاسب المحتملة من إساءة الثقة نفسها. وعلى الرغم من أن حدوث مثل هذه الحالات نادر إحصائيًا، ما يُعدّ شهادةً على قوة
العلاقات الشخصية والسمعة، فإنّ حدوثها بانتظام، ولو على نحو غير متكرر، يُظهر حدود هذه القوة. ثانيًا، تكون القوة والاحتيال أشد فاعلية إذا ما مارستها فرق، وتتطلب بنية هذه الفرق مستوى من
الثقة الداخلية – "الشرف بين اللصوص" – عادةً ما يتبع خطوط علاقات قائمة مسبقًا. فالمخططات المُحكمة الخاصة بالرشى، أو التلاعب بالمناقصات، على سبيل المثال، يكاد يستحيل تنفيذها على
أفراد يعملون بمفردهم، وعندما يُكشف عن مثل هذه الأنشطة غالبًا ما يكون من اللافت للانتباه كيف
أنه أمكن الحفاظ على سريتها على الرغم من الأعداد الكبيرة المتورطة فيها. وتتمثل جهود إنفاذ القانون في العثور على مدخل إلى شبكة الاحتيال؛ أي على فرد يُورّط باعترافه آخرين، يُفصحون عن
غيرهم، على طريقة كرة الثلج، إلى أن يتضح الأمر كلّه. إذًا، يمكن أن تنشأ من العلاقات الشخصية ثقة هائلة، كما يمكن أن تنشأ منها إساءة ثقة هائلة. ويشدد يورام بن بوراث، بالأسلوب الوظيفي للاقتصاد المؤسسي الجديد، على الجانب الإيجابي، مشيرًا إلى
أن "استمرار العلاقات يمكن أن يولّد سلوكًا لدى أفراد أذكياء، أنانيين، أو حتى عديمي الضمير، كان من الممكن أن يُفَسَّر لولا ذلك على أنّه سلوك أحمق أو إيثاري محض. إن الألماس الثمين يُتداول
في بورصة الألماس، وتُعقَد الصفقات هناك بالمصافحة". ولعلّي أضيف، مُواصلًا هذا النهج
الإيجابي، أنّ هذا التعامل مُمكن في جزء منه لأنّه ليس منفصلًا عن تعاملات أخرى، بل تكتنفه جماعة
مترابطة من تجّار الألماس الذين يراقب بعضهم، عن كثب، سلوك بعضهم الآخر. وهذه الجماعة، مثل
غيرها من شبكات الفاعلين المتينة الروابط، تُولّد معايير سلوكية محددة بوضوح، يسهل ضبطها من خلال الانتشار السريع للمعلومات عن حالات إساءة الثقة. لكنّ الإغراءات التي يطرحها هذا المستوى من الثقة تبقى كبيرة، وقد شهدت تجارة الألماس أيضًا سرقات عديدة "من الداخل" حظيت بتغطية إعلامية واسعة، إضافة إلى جرائم "سي بي إس" CBS Murders الشهيرة في نيسان/ أبريل 1982. ففي تلك القضية، احتال مالك شركة ألماس على شركة وساطة مالية عبر تقديم فواتير لمبيعات وهمية. واقتضت الخطة تعاون كادر المحاسبة لديه، واتصل المحققون بواحدة منهم، وأصبحت شاهدًا في
صفّ الدولة. ثم تعاقد المالك على قتل الموظفة الخائنة ومساعِدتها، وقُتل أيضًا ثلاثة فنيين من سي بي إس عندما هرعوا لنجدة الضحيتين. ثالثًا، تتوقف درجة الفوضى الناجمة عن القوة والاحتيال إلى حدّ بعيد على كيفية بناء شبكة العلاقات الاجتماعية. فقد بالغ هوبز في تصوير حجم الفوضى المحتملة في حالته الطبيعية المذرّرة، بغياب علاقات اجتماعية مستدامة، حيث لا يمكن أن نتوقع سوى صراعات ثنائية متقطعة. أما الفوضى الأوسع نطاقًا والأكبر حجمًا فتنتج من تحالفات المتقاتلين، وهو أمر مستحيل من دون وجود علاقات
(33) Yoram Ben–Porath, "The F–Connection: Families, Friends and Firms in the Organization of Exchange," Population and Development Review , vol. 6, no. 1 (1980), p. 6. (34) Philip Shenon, "Margolies Is Found Guilty of Murdering Two Women," The New York Times , 1/6/1984.
سابقة. فنحن لا نتحدث عادةً عن "حرب" إلا عندما يرتّب الفاعلون أنفسهم في معسكرين، باعتبار ذلك نتيجة نهائية لتحالفات مختلفة. ولا يحدث هذا إلا إذا كانت الروابط المتقاطعة غير كافية؛ أي تلك التي يمسك بها فاعلون لديهم صلات قوية بالطرفين المحتملين للصراع، بما يمنحهم مصلحة قوية في منع اندلاعه. وينطبق الأمر نفسه على عالم الأعمال؛ إذ تكون النزاعات هادئة نسبيًا ما لم
يتمكن كلّ طرف من التصعيد من خلال الاستعانة بأعداد كبيرة من الحلفاء في شركات أخرى، كما يحدث أحيانًا في محاولات تنفيذ عمليات الاستحواذ أو إحباطها. بطبيعة الحال، تحدث الفوضى وإساءة الثقة أيضًا عند غياب العلاقات الاجتماعية. وقد سبق أن ذكرتُ هذا الاحتمال في قولي إنّ وجود مثل هذه العلاقات يحول دون إساءة الثقة. لكن مستوى إساءة الثقة المتاح في وضع اجتماعي مذرّر حقّا يكون منخفضًا نسبيًا؛ إذ لا يمكن أن تكون الحالات
إلا عرضية وغير مترابطة، وضيّقة النطاق. فالمشكلة الهوبزية مشكلة حقيقية، لكننا بتجاوزها عبر أثر
البنية الاجتماعية الملطّف، نُدخل أيضًا إمكانية حدوث اضطرابات على نطاق أوسع من تلك التي يمكن أن تقع في "الحالة الطبيعية." إذًا، تشقّ المقاربة الاكتنافية لمشكلة الثقة والنظام في الحياة الاقتصادية طريقها بين المقاربة التي تُفرط في شأن التأثير المجتمعي القائم على الأخلاق العامة، والمقاربة التي تُقلل من شأن التأثير المجتمعي القائم على الترتيبات المؤسسية المتعدية لما هو شخصي، وذلك بتتبّع أنساق العلاقات
الاجتماعية الملموسة وتحليلها. وبخلاف أٍّيّ من البديلين، أو الموقف الهوبزي، فإنها لا تُطلق تنبؤات
شاملة (وغير محتملة) عن نظام شامل أو فوضى شاملة، بل تفترض بدلًا من ذلك أن تفاصيل البنية الاجتماعية هي التي سوف تحدد أيّهما سيتحقق.
ثالثًا: مشكلة الأسواق والتراتبيات
في تطبيق ملموس متعلق بالمقاربة الاكتنافية للحياة الاقتصادية، أقدم نقدًا لرأي وليامسون النافذ الذي طرحه في كتابه الأسواق والتراتبياتوفي دراسات لاحقة. فقد تساءل وليامسون عن الظروف التي تُؤدى فيها الوظائف الاقتصادية ضمن حدود الشركات التراتبية، بدلًا من عمليات السوق التي تتخطى هذه الحدود. وكانت إجابته، المنسجمة مع التوكيد العام للاقتصاد المؤسسي الجديد، أنّ الشكل التنظيمي الملحوظ في أيّ موقف هو ذاك الذي يتعامل بأكبر قدر من الكفاءة مع تكلفة التعاملات
الاقتصادية. فالتعاملات غير المؤكّدة نتائجها، والتي تتكرر كثيرًا، وتتطلب "استثمارات خاصة
بالتعاملات" كبيرة – مثل المال أو الوقت أو الطاقة التي لا يمكن تحويلها بسهولة إلى تفاعل مع الآخرين في مسائل مختلفة – من المرجح أن تجري داخل الشركات المنظمة تراتبيًا. أمّا التعاملات
المباشرة، وغير المتكررة، والتي لا تتطلب استثمارًا خاصًا بالتعاملات – مثل عملية شراء معدات قياسية مرةً واحدة – فمن المرجح أن تجري بين الشركات؛ أي عبر واجهة السوق.
(35) Williamson, Markets and Hierarchies ; Williamson, "Transaction–Cost Economics"; Williamson, "The Economics of Organization"; Williamson & Ouchi.
في هذا الطرح، يجري استدخال المجموعة الأولى من التعاملات داخل التراتبيات لسببين. الأول، هو "العقلانية المحدودة" Bounded Rationality؛ أي عدم قدرة الفاعلين الاقتصاديين على التنبؤ بدقة بسلسلة الاحتمالات المعقدة التي قد تكون ذات صلة بعقود طويلة الأجل. فعندما تُستدخَل التعاملات، لا يكون من الضروري توقّع جميع هذه الاحتمالات؛ إذ يمكن التعامل معها ضمن "بنية الحوكمة" الخاصة بالشركة بدلًا من أن تؤدي إلى مفاوضات معقدة. أمّا السبب الثاني فهو "الانتهازية"؛ أي السعي العقلاني من جانب الفاعلين الاقتصاديين لتحقيق مصالحهم الخاصة، مستخدمين جميع الوسائل المتاحة لهم، بما في ذلك المكر والخداع. ويجري التخفيف من الانتهازية وضبطها بعلاقات السلطة، وكذلك بمستوى أعلى من التماهي مع شركاء التعامل الذي يُفترض وجوده عندما يكون الطرفان ضمن كيان مؤسسي واحد، مقارنةً بما لو كانا يتواجهان عبر هوّة تفصل بينهما على حدود السوق.، يُشكّل اللجوء إلى علاقات السلطة، لكبح جماح الانتهازية، نوعًا من إعادة اكتشاف للتحليل الهوبزي وإن كان يقتصر هنا على المجال الاقتصادي. وتُستشفّ النكهة الهوبزية لرأي وليامسون من عبارات مثل: "لا يُواجه التنظيم الداخلي الصعوبات ذاتها التي يواجهها التعاقد المستقل [بين شركات مستقلة] عند نشوء نزاعات بين الأطراف. وعلى الرغم من أن النزاعات بين الشركات غالبًا ما تُسوّى خارج
المحكمة [...] فإنّ هذا الحلّ يكون صعبًا أحيانًا، وغالبًا ما تتوتر العلاقات بين الشركات. ولا مفر
أحيانًا من التقاضي المُكلف. أمّا التنظيم الداخلي، في المقابل [...] فهو قادر على تسوية كثير من هذه النزاعات باللجوء إلى الفرض المباشر؛ وهي طريقة فعّالة جدًا في تسوية الخلافات العملية". ويُشير وليامسون إلى أن التعاملات المعقدة والمتكررة تتطلب علاقات طويلة الأمد بين أفراد متماهين، لكنّ الانتهازية تُعرّض هذه العلاقات للخطر. فالتكيفات المطلوبة مع الظروف المتغيرة للسوق على
امتداد علاقة من العلاقات معقدة جدًا وغير قابلة للتنبؤ؛ بحيث لا يمكن أن تستوعبها أيّ صلة أولية، كما أن الوعود بحسن النية غير قابلة للتنفيذ في غياب سلطة عليا شاملة: في غياب الانتهازية، يفي بالغرض بندٌ عام [...] مفاده: "سوف أتصرف بمسؤولية ولن أسعى من أجل منفعة شخصية حين تسنح الفرصة للتكيّف". ولكن، نظرًا إلى أنّ البنود العامة
لا تقبل التنفيذ، وميل الفاعلين البشر إلى الإدلاء بتصريحات كاذبة ومضللة (متهافتة)[...]، يكون البائع والمشتري في وضع استراتيجي يسمح لهما بالمساومة على توزيع أيّ مكسب إضافي كلما قدّم الطرف الآخر اقتراحًا بالتكيّف [...]. ونتيجة لذلك، فإن التكيّفات الفاعلة
التي كان يمكن إنجازها تُفضي إلى مساومات مُكلفة أو تمضي من دون أن يُشار إليها أصل، خشية أن تتبدّد المكاسب في ملاحقة أهداف فرعية مُكلفة. من الواضح أن هناك حاجة إلى بنى حوكمة تُخفّف من الانتهازية وتبثّ الثقة من ناحية أخرى.
(36) Williamson, Markets and Hierarchies , p. 30. (37) Williamson, "Transaction–Cost Economics," pp. 241–242. التشديد مُضاف)(
يستلزم هذا التحليل مزيجًا من الافتراضات التي تُفرط في شأن التأثير المجتمعي الموجودة في كتاب الليفياثان؛ إذ يُبالغ في تقدير فاعلية السلطة التراتبية داخل الشركة، كما هو الحال مع الدولة السيادية التي تُفرط في شأن التأثير المجتمعي عند هوبز. يُشبه "السوق" حالة الطبيعة عند هوبز. إنّه السوق المُذَرَّرة والغُفل في الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، من دون الانضباط الذي تُوفره الظروف التنافسية الكاملة؛ وهو تصور يقلل من شأن التأثير المجتمعي مهملًا دور العلاقات الاجتماعية بين الأفراد في مختلف الشركات في تنظيم الحياة الاقتصادية. يُقرّ وليامسون بأنّ صورة السوق هذه ليست مناسبة دائمًا: "تمتد معايير السلوك الجدير بالثقة أحيانًا إلى الأسواق، وتُفرض، إلى حٍّدّ ما، من خلال ضغوط
جماعية [...] فالصلات الشخصية المتكررة عبر الحدود التنظيمية تدعم حًّدًا أدنى من المجاملة والاعتبار بين الأطراف. وعلاوةً على ذلك، تكبح توقعات تكرار التعامل محاولات السعي لمكسب محدود في تعامل بعينه [...] في حين يكبح احتمال النبذ بين أنداد، سواء في الظروف التجارية أو الاجتماعية، العدوانية الفردية. وتُعدّ سمعة الشركة في الإنصاف أيضًا من الأصول التجارية التي ينبغي عدم تبديدها". يُفتح هنا مجال لتحليل التأثيرات البنيوية الاجتماعية في سلوك السوق. لكنّ وليامسون يتعامل مع هذه الأمثلة على أنها استثناءات، ويخفق أيضًا في تقدير مدى اكتناف العلاقات الثنائية التي يصفها في أنظمة أوسع من العلاقات الاجتماعية. وما أراه هو أنّ السوق الغُفل في النماذج النيوكلاسيكية تكاد أّلا يكون لها وجود في الحياة الاقتصادية، وأنّ التعاملات من كل نوع تزخر بالروابط الاجتماعية الموصوفة. ليس هذا بالضرورة الحال في التعاملات بين الشركات أكثر منها في داخلها – بل يبدو من المعقول، على العكس من ذلك، أن تكون شبكة العلاقات الاجتماعية داخل الشركة أكثر كثافةً واستمرارًا في المتوسط من تلك القائمة بين الشركات – لكنّ ما أحتاج إلى إظهاره هنا، لتفنيد الادعاء الذي مفاده أّن تعاملات السوق المعقدة تُقارب حالةً طبيعيةً هوبزية لا يمكن حلّها إلا من خلال الاستدخال داخل
بنية تراتبية، هو وجود تراكب اجتماعي كافٍ في التعاملات الاقتصادية بين الشركات. عمومًا، ثمّة أدلة كثيرة حولنا تشير إلى مدى اختلاط العلاقات التجارية بالعلاقات الاجتماعية. ولا تزال الروابط التجارية التي استنكرها آدم سميث تحظى بأهمية بالغة. ومن المعروف أنّ كثيرًا من الشركات، صغيرها وكبيرها، مرتبط عبر تشابك مجالس الإدارة، ما يجعل العلاقات بين مديري الشركات كثيرة وكثيفة الترابط. وامتداد العلاقات التجارية إلى الجوانب الاجتماعية وبالعكس،
(((3 ثقة وليامسون بفاعلية التراتبية تسوقه، عند مناقشة "منطقة اللامبالاة" التي طرحها تشيستر برنارد – ذلك المجال الذي يطيع فيه الموظفون الأوامر لمجرد عدم اكتراثهم بتنفيذ ما أمروا به أو عدم تنفيذه – إلى الكلام بدلًا من ذلك على "منطقة القبول"، ما يقوّض
تأكيد برنارد على الطبيعة الإشكالية للطاعة. ينظر: , p. 77 Markets and Hierarchies Williamson,؛ ويبدو أنّ هذا التحول في
استخدام برنارد قد بدأ مع هربرت سيمون الذي لا يبرره، بل يكتفي بالإشارة إلى أنه "يُفضل مصطلح 'القبول'". ينظر:
Herbert Simon, Administrative Behavior (Glencoe: Free Press, 1957), p. 12. (39) Williamson, Markets and Hierarchies , pp. 106–108.
(((4 أي في "السوق"، كي أستخدم تعبير وليامسون.
لا سيما بين نخب الأعمال، هو من أكثر الوقائع توثيقًا في الدراسات الاجتماعية للأعمال. ويلاحظ ستيوارت ماكولي، في دراسته حجم استخدام التقاضي لتسوية النزاعات بين الشركات، أّن النزاعات "كثيرًا ما تُسوّى من دون الرجوع إلى العقد أو العقوبات القانونية المحتملة أو الفعلية. وهناك
تردد في الحديث عن الحقوق القانونية أو التهديد باستخدامها في هذه المفاوضات [...] أو كما قال أحد رجال الأعمال: 'يمكنك تسوية أيّ نزاع إذا أبعدت المحامين والمحاسبين عنه. إنهم ببساطة
لا يفهمون مبدأ خذ وأعطِ اللازم في عالم الأعمال' [...] يبدو أنّ الدعاوى القضائية المتعلقة بخرق العقد نادرة". وهو يواصل شرحه قائل: إنّ كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركتين قد يعرفون بعضهم بعضًا. وقد يجتمعون في لجان حكومية أو تجارية. وقد يعرف بعضهم الآخر اجتماعيًا، بل ينتمون إلى النادي نفسه[...]
وحتى في الحالات التي يمكن التوصل فيها إلى اتفاق في مرحلة التفاوض، فإنّ الترتيبات المخطط لها بعناية قد تخلق علاقات تبادل غير مرغوب فيها بين وحدات العمل. ويعترض بعض رجال الأعمال قائلين إنه في مثل هذه العلاقة المحكمة بعناية، لا يكون أداء المرء إلا وفقًا لحرفية العقد. ومثل هذا التخطيط يشير إلى انعدام الثقة ويُضعف متطلبات الصداقة،
مُحِّوّالًا مشروعًا تعاونيًا إلى مقايضة عدائية [...] قد لا يُكِّلّف التهديد بتوكيل محامٍ أكثر من
ثمن طابع أو مكالمة هاتفية؛ لكنّ قلة هم من يُجيدون توجيه مثل هذا التهديد بحيث لا يؤدي
إلى تدهور العلاقة بين الشركتين. لا تقتصر شبكات العلاقات الشخصية على المستويات العليا للشركات، بل إنها تشمل جميع المستويات التي يجب أن تجري فيها التعاملات. فعلى سبيل المثال، من الشائع في الأدبيات المتعلقة بالشراء الصناعي أن علاقات البيع والشراء نادرًا ما تقترب من نموذج السوق الفورية الموجود في النظرية الكلاسيكية. ويبيّن أحد المصادر أنّ "الأدلة تشير باستمرار إلى أن الأمر يتطلب نوعًا من 'الصدمة' لإخراج الشراء
التنظيمي من نمط تقديم طلبات متكررة إلى مُوِرِّد مفضّل أو لتوسيع نطاق مجموعة المورّدين الذين
يمكن التعامل معهم. وعند التأمّل قليلًا في الأمر، نجد عدة أسباب لهذا السلوك، من بينها التكاليف
المرتبطة بالبحث عن مورّدين جدد وبإقامة علاقات جديدة، وميول المستخدمين إلى تفضيل المصادر
المألوفة، وانخفاض مستوى المخاطرة عند التعامل مع مورّدين معروفين، إضافةً إلى احتمال أن يكون المشتري قد كوّن علاقات شخصية يقدّرها مع ممثّلي شركة التوريد".
((4(ينظر مثل:
G. William Domhoff, The Higher Circles (New York: Random House, 1971); Michael Useem, "The Social Organization of the American Business Elite and Participation of Corporation Directors in the Governance of American Institutions," American Sociological Review , vol. 44 (1979), pp. 553–572. (42) Stewart Macaulay, "Non–Contractual Relations in Business: A Preliminary Study," American Sociological Review , vol. 28, no. 1 (1963), p. 61. (43) Ibid., pp. 63–64. (44) Frederick Webster & Yoram Wind, Organizational Buying Behavior (Englewood Cliffs: Prentice–Hall, 1972), p. 15.
في سياق مماثل، يشير ماكولي إلى أن مندوبي المبيعات "غالبًا ما يعرفون وكلاء الشراء جيدًا. ومن
المحتمل أن يكون شخصان قد تعامل أحدهما مع الآخر مدةً تراوح بين خمسة أعوام وخمسة وعشرين عامًا. وكل منهما لديه ما يقدّمه إلى الآخر. ويثرثر مندوبو المبيعات عن المنافسين ونقص السلع وارتفاع
الأسعار لوكلاء الشراء الذين يعاملونهم جيدًا". أمّا البائعون الذين لا يُرضون زبائنهم، ف "يصبحون
موضوعًا للنقاش في الأحاديث المتبادلة بين وكلاء الشراء والبائعين، في اجتماعات جمعيات وكلاء الشراء والجمعيات التجارية، أو حتى في النوادي الريفية أو التجمعات الاجتماعية". ويُسهّل هذا
النوع من اكتناف العلاقات الاجتماعية للأعمال تسوية النزاعات: "حتى حين يكون لدى الطرفين اتفاق مُفصّل ومُخطط له بعناية، يُبيّن ما يجب أن يحدث، مثلًا، في حال تخَّلَف البائع عن التسليم
في الموعد المحدد، فإنهما لا يعودان إلى الاتفاق غالبًا، بل يفاوضان على حلّ عند ظهور المشكلة
كما لو أنه ليس هنالك أيّ عقد أصلي". وقد عبّر أحد وكلاء الشراء عن موقف شائع في عالم الأعمال
عندما قال: "إذا طرأ أيّ طارئ، اتصل بالطرف الآخر هاتفيًا وحلّ المشكلة. لا تُناقش بنود العقد
القانونية إذا رغبت في معاودة العمل. لا يلجأ المرء إلى المحامين إذا أراد الاستمرار في العمل، لأن عليه التصرف بلباقة". قد يكون من الأسهل ملاحظة مثل هذه الأنماط في بلدان أخرى؛ إذ يُفترض أنها تُفَسَّر من خلال
الخصوصيات "الثقافية". هكذا، أكّد أحد الصحافيين مؤخرًا: تؤثّر الصداقات والروابط الشخصية الطويلة الأمد في العلاقات التجارية في كلّ مكان. لكن ذلك يبدو صحيحًا على وجه خاص في اليابان [...] فالجلسات المسائية في الحانات
والنوادي الليلية هي المكان الذي تُبنى فيه الصلات الشخصية الحيوية وتُنمّى تدريجيًا. وما إن
تقوم هذه الروابط، حتى يصعب تفكيكها [...] ولطالما كان الترابط المتين الناتج من ذلك في مجتمع الأعمال الياباني مصدر إحباط للشركات الأجنبية التي تحاول بيع منتجاتها في اليابان [...] يعتقد تشالمرز جونسون، الأستاذ في جامعة بيركلي، أنّ [...] التعامل الحصري داخل المجموعات الصناعية اليابانية، والشراء والبيع في ما بينها بناءً على علاقات راسخة
منذ عقود، وليس التنافس الاقتصادي [...] هو [...] ما يُمثّل حاجزًا حقيقيًا غير جمركي [أمام
التجارة بين الولايات المتحدة الأميركية واليابان]. يتيح الاستخدام الواسع للتعاقد من الباطن في العديد من الصناعات فرصًا لبناء علاقات مستدامة
بين الشركات غير المنَّظّمة تراتبيًا ضمن وحدة مؤسسية واحدة. فعلى سبيل المثال، يورد روبرت
إيكليس أدلّة من دول عديدة على أنّه في قطاع الإنشاءات، "عندما لا تكون المشاريع خاضعة للوائح مؤسسية تفرض مناقصات تنافسية بين المقاول العام ومقاوليه من الباطن [...] تكون العلاقات
(45) Macaulay, p. 63. (46) Ibid., p. 64. (47) Ibid., p. 61. (48) Steve Lohr, "When Money Doesn’t Matter in Japan," The New York Times , 30/12/1982.
مستقرة ومتواصلة فترات طويلة نسبيًا، ولا تنشأ من خلال مناقصات تنافسية إّلا نادرًا. وهذا النوع
من 'شبه التكامل' يُنتج ما أسميه 'شبه الشركة'. وهو أسلوب مفَّضّل مقارنةً بمعاملات السوق الصرف
أو التكامل الرأسي الرسمي". ويصف إيكليس هذا الترتيب، "شبه الشركة"، للعلاقات الواسعة والطويلة الأمد بين مقاولَين أو ثلاثة مقاولين من الباطن بأنه شكل تنظيمي يتوسط منطقيًا بين السوق
الصرف والشركة المتكاملة رأسيًا. لكنني أرى أنه ليس وسيطًا بالمعنى التجريبي، نظرًا إلى ندرة
وجود الوضع الأول. وتُعتبر حالة الإنشاءات أقرب إلى التكامل الرأسي من بعض الحالات الأخرى التي تتفاعل فيها الشركات، مثل علاقات البيع والشراء؛ إذ يوجد مقاولو الباطن في المكان نفسه مع المقاول ويخضعون لإشرافه العام. علاوة على ذلك، في ظل العقود الثابتة السعر المعتادة، توجد "حوافز واضحة للتقاعس عن تلبية متطلبات الأداء". غير أنّه لا تنشأ بنية تراتبية مرتبطة بالشركة المتكاملة رأسيًا لمعالجة هذه "المشكلة". وأرى أنّ السبب
في ذلك يعود إلى أنّ العلاقات الطويلة الأمد بين المقاولين والمقاولين من الباطن، واكتناف جماعة عمال البناء تلك العلاقات، يولّدان معايير سلوك متوقع لا تُلغي الحاجة إلى علاقات السلطة البحتة فحسب، بل تتفوق عليها في تثبيط ممارسات إساءة الثقة. وتُظهر دراسة إيكليس التجريبية للعمل الإنشائي السكني في ماساتشوستس أنّ علاقات التعاقد من الباطن طويلةُ الأمد بطبيعتها، وأنه من النادر جدًا أن يوظّف المقاول العام أكثر من مقاولَين أو ثلاثة مقاولين من الباطن في مهنة معيّنة، مهما كان
عدد المشاريع التي ينجزها خلال عام واحد. وهذا صحيح على الرغم من توافر أعداد كبيرة من مقاولي الباطن البدلاء. ويمكن تفسير هذه الظاهرة جزئيًا من منظور استثماري، من خلال "الارتباط
المستمر الذي يمكن أن يستمده الطرفان من الاستثمار الخاص بتعلّم العمل معًا"، لكنها يجب أن تُربط أيضًا برغبة الأفراد في استمداد المتعة من التفاعل الاجتماعي المصاحب لعملهم اليومي، وهي متعة كان من شأنها أن تتقلص إلى حد بعيد في حال فُرضت إجراءات السوق الفورية التي تتطلب شركاء عمل جددًا وغرباء كل يوم. وكما هو الحال في مجالات أخرى من الحياة الاقتصادية، فإن التداخل بين العلاقات الاجتماعية والتعاملات الاقتصادية البحتة في بداياتها يؤدّي دورًا حاسمًا. من المهم أن نشير أيضًا إلى بعض الملاحظات المتعلقة بأسواق العمل. فمن بين المزايا التي يشدّد عليها وليامسون في المؤسسات ذات البنية التراتبية، مقارنةً بتعاملات السوق، قدرتها على نقل معلومات دقيقة عن الموظفين. وهو يرى أنّ "العائق الأساسي الذي يحول دون فاعلية تقييم الخبرات بين الشركات هو عائق في التواصل. فمقارنةً بالشركة، تفتقر الأسواق إلى لغة تقييم غنية ومشتركة. وتزداد حدة مشكلة اللغة على نحو خاص عندما تكون الأحكام المطلوب إصدارها ذاتية جدًا. وتكون مزايا التراتبية في هذه الظروف عظيمة لا سيما إذا كان الأشخاص الأكثر إلمامًا بخصائص
(49) Robert Eccles, "The Quasifirm in the Construction Industry," Journal of Economic Behavior and Organization , vol. 2, no. 4 (December 1981), pp. 339–340. (50) Ibid., p. 340. (51) Ibid., pp. 349–351. (52) Ibid., p. 340.
العامل – المشرفون المباشرون في العادة – هم أنفسهم الذين يجرون عملية التقييم". غير أّن الفكرة القائلة إنّ المعلومات الجيدة حول خصائص موظف لا يمكن أن تُنقل إّلا داخل الشركات وليس بينها، لا يمكن الدفاع عنها إلا بتجاهل شبكة التفاعل الاجتماعية الواسعة التنوع التي تمتد عبر الشركات. ولا تنتقل المعلومات المتعلقة بالموظفين بين الشركات بسبب وجود علاقات شخصية بين أولئك الذين يتعاملون تجاريًا مع بعضهم البعض في كل شركة فحسب، بل أيضًا، كما أوضحُت
بالتفصيل، لأنّ المستويات المرتفعة نسبيًا من التنقل بين الشركات في الولايات المتحدة تضمن
أن يكون كثير من الموظفين معروفين جيدًا بالنسبة إلى موظفي العديد من الشركات الأخرى التي قد تحتاج إلى خدماتهم أو تطلبها. وعلاوة على ذلك، فإنّ الفكرة القائلة إنّ المعلومات الداخلية دقيقة بالضرورة، ويجري التعامل معها بموضوعية من خلال إجراءات الترقية المرتبطة بها، تبدو ساذجة. فالقول، كما يفعل وليامسون، إن الاعتماد "على الترقية الداخلية له خصائص تحفيزية إيجابية، لأن العمّال يمكنهم أن يتوقّعوا أن المواهب المتمايزة ودرجات التعاون المختلفة ستُكافأ"، يستدعي
نوعًا مثاليًا من الترقية مكافأةً على الإنجاز، يمكن بسهولة إثبات أنه لا يتوافق إلا على نحو محدود مع
أسواق العمالة الداخلية القائمة. يتمثّل الجانب الآخر من نقدي في القول إنّ وليامسون يبالغ كثيرًا في تقدير فاعلية السلطة التراتبية
("الأمر المباشر" وفق مصطلحه) داخل المؤسسات. فهو يؤكد، على سبيل المثال، أنّ للمؤسسات الداخلية ميزة خاصة في مجال التدقيق؛ "إذ يقتصر المدقّق الخارجي عادةً على مراجعة السجلات المكتوبة [...] في حين يتمتع المدقّق الداخلي بحرّية حركة أكبر […] وبينما لا يكون المدقّق الداخلي
طرفًا منحازًا، بل ينظر إلى نفسه وينظر إليه الآخرون على أنّه أداة وظيفية في الأساس، فإن المدقّق الخارجي يرتبط ب 'الطرف الآخر' ويُنظر إلى دوافعه بعين الريبة. ومن ثمّ يختلف مستوى التعاون
الذي يتلقاه المدقّق من الجهة الخاضعة للتدقيق وفقًا لذلك. فالمدقّق الخارجي لا يمكنه أن يتوقع سوى تعاون شكلي". وتُعدّ الأدبيات المتعلقة بعمليات التدقيق داخل الشركة شحيحة، لكن أحد التقارير الشاملة يتمثل في ما قدّمه دالتون في كتابه الرجال الذين يديرون بشأن مصنع كيميائيات كبير؛ إذ كان من المفترض أن يقوم المكتب المركزي بعمليات تدقيق فجائية على أقسام المصنع، ولكن
عادةً ما كان يجري التحذير خفيةً. ويُشير الوصف التالي إلى مستوى التعاون المرتفع الذي أ ظهرُ
في هذه التدقيقات الداخلية: "أثارت ملاحظة بدء الجرد في الأقسام حركة محمومة بين المديرين لإخفاء بعض القطع والمعدات [...] فكانت المواد غير المراد عدّها تُنقل إلى: 1. أماكن غير معروفة
(53) Williamson, Markets and Hierarchies , p. 78. (54) Mark Granovetter, Getting a Job: A Study of Contacts and Careers (Cambridge, MA: Harvard University Press,
(55) Williamson, Markets and Hierarchies , p. 78.
(((5 لتحليل موسّع ينظر:
Mark Granovetter, "Labor Mobility, Internal Markets and Job–Matching: A Comparison of the Sociological and Economic Approaches," Mimeographed (1983), pp. 40–51. (57) Williamson, Markets and Hierarchies , pp. 29–30.
ويصعب الوصول إليها، 2. الأقبية والحفر المتسخة التي من غير المرجح تفتيشها، 3. الأقسام التي جرى تفتيشها بالفعل ويمكن الوصول إليها من طرق أخرى بينما كان القائمون على العدّ في طريقهم إليها بين مناطق التخزين الرسمية، 4. أماكن يمكن أن تُستخدم المواد واللوازم فيها تمويهًا [...] ومع تطوّر هذه الممارسة، أصبح التعاون بين رؤساء الأقسام لاستخدام مناطق التخزين والحُفر الخاصة
ببعضهم تجاه بعضهم الآخر منظمًا جيدًا ويعمل بسلاسة". يُظهر عمل دالتون ببراعة أنّ محاسبة التكاليف بجميع أنواعها عملية اعتباطية إلى حدّ بعيد، ومن ثم يسهل تسييسها، وأنها ليست إجراءً فنيًا يُقَرَّر بناءً على الكفاءة. وهو يُفصّل ذلك على نحو خاص بالعلاقة بين
قسم الصيانة وأقسام الإنتاج المختلفة في المصنع الكيميائي؛ فالقسم الذي تُحَمَّل عليه تكاليف أعمال
الصيانة أقلّ ارتباطًا بأيّ حساب صارم للوقت من ارتباطه بالمكانة السياسية والاجتماعية النسبية لمديري الأقسام في علاقتهم بكادر الصيانة. وعلاوة على ذلك، كان رؤساء الأقسام الأكثر عدائية يسرّعون أعمال
الصيانة لديهم "باستخدام الصداقات، والتنمر، والتهديدات الضمنية. ونظرًا إلى أنّ جميع الرؤساء كانوا
من المرتبة الرسمية نفسها، يمكن القول إنّه توجد علاقة عكسية بين النفوذ الشخصي لمسؤول معيّن
وحجم الإصلاحات غير المكتملة لديه". وعندما سُئل أحد مصادر المعلومات عن كيفية إفلات هذه الممارسات من انتباه المدققين، قال لدالتون: "حين يبدأ قسم التدقيق في التجسّس، ما الذي يمكن أن يكتشفه، بحق الجحيم؟ وحتى لو اكتشف شيئًا، فإنهم يعرفون تمامًا أنه من الأفضل لهم أّلا يقولوا شيئًا عنه [...] فجميع هؤلاء الرجال [رؤساء الأقسام] لهم خطوط مباشرة مع قسم محاسبة التكاليف. كل ذلك الكلام عن استقلالية التدقيق ليس سوى هراء كبير". إنّ حسابات مفصلة ودقيقة مثل تلك الحسابات التي قدّمها دالتون تظلّ، للأسف، نادرة بالنسبة إلى عينة تمثيلية من الشركات، وهي من ثم تبقى عرضة للقول إنها حالات استثنائية. لكن يمكن طرح مسائل مماثلة في ما يتعلق بمشكلة التسعير المنقول؛ أي تحديد أسعار المنتجات المتداولة بين أقسام الشركة الواحدة. يقول وليامسون إنه على الرغم من أن الأقسام المتعاملة "قد تركّز على الربح، فإّن هذا التركيز يُمارس بطريقة مقيّدة [...] فقواعد تسعير التكلفة إضافة إلى الربح، ومتغيراتها، تمنع أقسام
التوريد من السعي للحصول على أسعار احتكارية كان في وسعها بلوغها كونها المصدر الوحيد للتوريد. إضافةً إلى ذلك، تكون إدارات الأقسام المتعاملة أكثر عرضة لدعوات التعاون". بيد أنّ إيكليس، خلص في دراسة تجريبية مكثفة لممارسات التسعير المنقول، بعد إجراء مقابلات مع ما يقرب من 150 مديرًا في 13 شركة، إلى أنه لا يمكن تنفيذ أيّ أسلوب يعتمد على التكلفة بطريقة محايدة من الناحية
الفنية، نظرًا إلى غياب "معيار عالمي لماهية التكلفة [...] وغالبًا ما توجد مشاكل مع الأساليب القائمة
على التكلفة عندما لا يتمكن قسم الشراء من الوصول إلى المعلومات التي يجري من خلالها توليد
(58) Melville Dalton, Men Who Manage (New York: Wiley, 1959), pp. 48–49. (59) Ibid., p. 34. (60) Ibid., p. 32. (61) Williamson, Markets and Hierarchies , p. 29.
التكاليف [...] يصعب تحديد أسعار السوق على نحو خاص عندما يكون الشراء الداخلي إلزاميًا،
ولا تُجرى أيّ عمليات شراء خارجية للسلعة الوسيطة [...] ولا توجد إجابة واضحة بخصوص ما يشكّل هامش الربح". والعنصر السياسي في صراعات التسعير المنقول يؤثر بشدة في التعريف المقبول ل "التكلفة": "عمومًا، عندما يُنظر إلى ممارسات التسعير المنقول على أنها تعزز سلطة الشخص ومكانته، يُنظر إليها بإيجابية. أما عندما لا تفعل ذلك، فسوف يوجد عدد لا يحصى من الأسباب الاستراتيجية وغيرها من الأسباب التجارية الوجيهة للتشكيك في عدم كفايتها". ويشير إيكليس إلى "حقيقة تنطوي على مفارقة، إلى حد ما، وهي أنّ العديد من المديرين يعتبرون التعاملات الداخلية أكثر صعوبة من التعاملات الخارجية، على الرغم من السعي للتكامل الرأسي من أجل تحقيق المزايا المفترضة". هكذا، نجد أنّ النظرة التي تُفرط في شأن التأثير المجتمعي وترى أنّ الأوامر داخل تراتبية من التراتبيات تولّد الطاعة بسهولة، وأنّ الموظفين يستدخلون مصالح الشركة، ويُسقطون أيّ تعارض مع مصالحهم الخاصة، لا تصمد في حال تدقيق هذه الدراسات التجريبية (أو، في هذا الصدد، تجاه تجارب كثير منّا في منظمات فعلية). وُيلُاحظ أيضًا، كما تبيّن بوضوح دراسة دالتون الإثنوغرافية المُفصلة، أنّ مقاومة
تعِّدِي مصالح المنظمة على المصالح الشخصية أو القطاعية تتطلب شبكة واسعة من التحالفات. وتمثّل هذه التحالفات، من وجهة نظر الإدارة، إساءة للثقة تُولّدها فرق؛ ولا يُمكن أن يديرها على الإطلاق أفراد مذرّرون، بل إنّ دالتون يؤكد أنّ مستوى التعاون الذي يُحققه رؤساء الأقسام في التهرب من عمليات التدقيق المركزية ينطوي على عمل مشترك "من نوع يندر أن يظهر، إذا ما ظهر، في تنفيذ أنشطة رسمية". إضافةً إلى ذلك، فإن انخفاض معدلات دوران الموظفين، الذي تتميز به عمومًا الشركات التراتبية الكبرى، بأسواق عملها الداخلية الواضحة المعالم وسلالم ترقّيها المحكمة، قد يجعل مثل هذا التعاون على التهرّب أكثر احتم لًا. فعندما تكون فترات خدمة كثير من الموظفين طويلة، تتوافر الشروط اللازمة لبناء شبكة كثيفة ومستقرة من العلاقات، والتفاهمات المشتركة، والتحالفات السياسية.
(62) Robert Eccles, A Synopsis of Transfer Pricing: An Analysis and Action Plan (Cambridge, MA: Harvard Business School, 1982), p. 21. (63) Ibid.;
ينظر أيضًا:
Robert Eccles, "Transfer Pricing, Fairness and Control," Working Paper , no. HBS 83–167, Harvard Business School, 1983, pp. 26–32. (64) Ibid., p. 28. (65) Dalton, p. 49.
(((6 لنقاشات ذات صلة بعلم النفس الاجتماعي، ينظر:
George Homans, The Human Group (New York: Harcourt Brace & Co, 1950); George Homans, Social Behavior (New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1974);
ولمعالجة ل "ديموغرافيا المنظمات"، ينظر:
Jeffrey Pfeffer, "Organizational Demography," in: Larry L. Cummings & Barry M. Staw (eds.), Research in Organizational Behavior , vol. 5 (Greenwich: JAI, 1983).
ويلاحظ جيمس لينكولن، في هذا السياق، أنّه في البيروقراطية الفيبرية المثالية، تُصَمَّم المنظمات ل "العمل على نحو مستقل عن الأفعال الجمعية التي يمكن حشدها من خلال شبكات العلاقات [الداخلية] بين الأشخاص. وتقضي البيروقراطية بقيام علاقات ثابتة بين المناصب يتنقل من خلالها شاغلو هذه المناصب، من دون أن يؤثّر ذلك، نظريًا، في العمليات التنظيمية". لكنّ لينكولن يتابع ليلخص الدراسات التي تُظهر أنه "عندما يكون معدل دوران العمالة منخفضًا، فإن العلاقات تكتسب مضامين إضافية ذات طابع تعبيري وشخصي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى تحويل الشبكة وتغيير اتجاهات المنظمة". رأيتُ إلى حدّ الآن أنّ العلاقات الاجتماعية بين الشركات أكثر أهمية، وأنّ السلطة داخل الشركات أقل أهمية، في تنظيم الحياة الاقتصادية مما يفترضه خط التفكير المنصرف إلى الأسواق والتراتبيات. غير أنّ نقاشًا متوازنًا ومتناظرًا يتطلب اهتمامًا بالسلطة في علاقات "السوق" والروابط الاجتماعية داخل الشركات. فإيلاء الاهتمام لعلاقات السلطة ضروري حتى لا يدفعني تركيزي على الدور التوفيقي للعلاقات الاجتماعية في السوق إلى إهمال دور هذه العلاقات في ممارسة الصراع؛ إذ إنّ الصراع واقع جليّ، يراوح بين الدعاوى القضائية المشهورة بين الشركات، والحالات العرضية من "المنافسة
الشرسة" التي تُغطيها الصحافة الاقتصادية بحماسة. وبما أن الممارسة الفعالة للسلطة بين الشركات تحول دون المعارك العلنية الدامية، فإنه يُمكن أن نفترض أنّ مثل هذه المعارك لا تُمثل سوى نسبة ضئيلة من تضارب المصالح الفعلي. والمرجّح أّلا تغدو الصراعات علنية إّلا حين يكون الطرفان مُتكافئين إلى حٍّدّ ما؛ ولنتذكر أنّ هذا التكافؤ الصعب على وجه التحديد كان إحدى حجج هوبز في "حرب الجميع ضد الجميع" المحتملة في "حالة الطبيعة". أمّا حين تكون إحدى الشركتين من القوة على نحو يجعل سيطرتها واضحةً، فإن الأخرى تميل إلى الاستسلام مبكرًا لتقليل خسائرها. وقد لا يتطلب هذا الاستسلام مواجهة صريحة، بل فهمًا واضحًا لمتطلبات الطرف الآخر. على الرغم من أن المدى الدقيق لسيطرة بعض الشركات على غيرها قد يكون موضع نقاش، فإن الأدبيات الكثيرة حول تشابك مجالس الإدارة، ودور المؤسسات المالية قبالة الشركات الصناعية، وموضوع الاقتصاد المزدوج، يوفر كل منها أدلة كافية لاستنتاج أنه لا يمكن إغفال علاقات القوة. وهذا يقدّم سببًا إضافيًا للشك في أنّ التعقيدات التي تنشأ عندما يتفاوض وكلاء متساوون رسميًا
مع بعضهم لا يمكن حلّها إلا بإخضاع جميع الأطراف لتراتبية واحدة؛ فالواقع هو أن كثيرًا من هذه
التعقيدات يُحسم من خلال علاقات قوة ضمنية أو صريحة بينالشركات.
(67) James Lincoln, "Intra–(and Inter–) Organizational Networks," in: Samuel Bacharach (ed.), Research in the Sociology of Organizations , vol. 1 (Greenwich: JAI, 1982), p. 26. (68) Ibid.
(((6 كما في الأدبيات الماركسية الحديثة حول "الهيمنة" Hegemony في عالم الأعمال. ينظر على سبيل المثال:
Beth Mintz & Michael Schwartz, The Power Structure of American Business (Chicago: University of Chicago Press,
أخيرًا، تجدر الإشارة، بإيجاز، إلى شبكات العلاقات الاجتماعية التي نعرف من خلال علم الاجتماع
الصناعي والتنظيمي أنها بالغة الأهمية داخل الشركات. فالتمييز بين "التنظيم الرسمي" و"التنظيم غير الرسمي" للشركة من أقدم الموضوعات في الأدبيات، ولا حاجة إلى تكرار القول إنّ المراقبين الذين يفترضون أن الشركات تُبنى في الواقع وفقًا للمخطط التنظيمي الرسمي هم في الواقع مبتدئون في علم الاجتماع. أمّا صلة ذلك بالنقاش الحالي فهي أنه بمقدار ما يؤدي الاستدخال ضمن الشركات
إلى معالجة أفضل للتعاملات المعقدة والفريدة، فإنّه ليس من الواضح بأيّ حال من الأحوال أن
التنظيم التراتبي هو التفسير الأمثل لذلك، بل قد يتمثل تأثير الاستدخال في توفير بؤرة لشبكة من العلاقات الاجتماعية أكثر كثافة مما كان قائمًا بين كيانات السوق المستقلة في السابق. ولعّل
هذه الشبكة من التفاعلات هي ما يفسّر في المقام الأول مستوى الكفاءة، ارتفاعًا وانخفاضًا، للشكل
التنظيمي الجديد. من المفيد الآن أن نلخّص أوجه الاختلاف في التفسير والتنبؤ بين مقاربة وليامسون للأسواق والتراتبيات ووجهة نظر الاكتناف المطروحة هنا. يفسّر وليامسون كبح "الانتهازية" أو إساءة الثقة
في الحياة الاقتصادية، والوجود العام للتعاون والنظام، من خلال إدراج النشاط الاقتصادي المعقد في شركات متكاملة على نحو تراتبي. وتُظهر الأدلة التجريبية التي أستدُّلُ بها أنّه حتى في حال
التعاملات المعقدة، فإنه غالبًا ما يمكن العثور على مستوى عالٍ من النظام في "السوق" – أي عبر
حدود الشركة – ومستوى عالٍمماثل من الفوضى داخل الشركة. ويتوقف حدوث هذه الأمور، بعيدًا عمّا يتوقعه وليامسون، على طبيعة العلاقات الشخصية وشبكات العلاقات بين الشركات وداخلها.
وأزعم أنّ كلًا من النظام الفوضى، والأمانة و و إساءة الثقة، يرتبطان ببنى هذه العلاقات أكثر من ارتباطهما بالشكل التنظيمي. ثمّة بعض التبعات التي تترتب على الظروف التي يُتوقع فيها رؤية تكامل رأسي بدلًا من التعاملات بين
الشركات في السوق. وفي حال تساوي العوامل الأخرى، على سبيل المثال، ينبغي أن نتوقع ضغوطًا تجاه التكامل الرأسي في سوق تفتقر فيه الشركات المتعاملة إلى شبكة علاقات شخصية تربطها، أو حين تقع مثل هذه الشبكة في صراع، أو اضطراب، أو انتهازية، أو إساءة ثقة. من ناحية أخرى، عندما تتوسط شبكة علاقات مستقرة تعاملات معقدة وتولد معايير للسلوك بين الشركات، فإن مثل هذه الضغوط لا بدّ من أن تغيب. أستخدم كلمة "ضغوط" بدلًا من التنبؤ بأنّ التكامل الرأسي سيتبع دائمًا النمط الموصوف، كي أتجنب
الوظيفية التي ينطوي عليها افتراض وليامسون أنّ أيّ شكل تنظيمي أكثر كفاءة سيكون هو الشكل
الملاحظ. فقبل أن نتمكن من تبنّي هذا الافتراض، يجب استيفاء شرطين آخرين: 1. يجب أن تكون هناك ضغوط انتقائية واضحة وقوية لتحقيق الكفاءة، 2. يجب أن يمتلك بعض الفاعلين القدرة والموارد اللازمة ل "حلّ" مشكلة الكفاءة من خلال بناء شركة متكاملة رأسيًا.
(70) Scott Feld, "The Focused Organization of Social Ties," American Journal of Sociology , vol. 86, no. 5 (1981), pp. 1015–1035.
لم يصف وليامسون بوضوح في أيّ مكان الضغوط الانتقائية التي تضمن تنظيمًا فع لًا للتعاملات. وكما هو الحال في كثير من الاقتصاديات المؤسسية الجديدة، تُلغى الحاجة إلى توضيح هذه الأمور بحجة داروينية ضمنية مفادها أن الحلول الفعالة، مهما كان منشؤها، تتمتع بقوة بقاء تشبه تلك التي يفرضها الاصطفاء الطبيعي في العالم البيولوجي. وهكذا، يُسلّم بأنّه ليس كلّ المديرين التنفيذيين في الشركات "يدركون فرص أعمالهم بدقة ويستجيبون لها بلا أخطاء. ولكن خطوات التكامل [الرأسي] التي تتمتع بخصائص عقلانية أفضل (من حيث تكلفة التعاملات واقتصاد الحجم) تميل، بمرور الوقت، إلى امتلاك خصائص بقاء أفضل". لكنّ الحجج الداروينية، المُستخدَمة بهذه الطريقة المتعالية، تميل إلى رؤية مفرطة التفاؤل لأيّ مؤسسة يجري تحليلها. وليست عملية الضغوط الاصطفائية المزعومة هنا موضوعًا للدراسة، ولا حتى اقتراحًا قابلًا للدحض، بل هي بالأحرى مسألة إيمان. حتى لو أمكننا توثيق الضغوط الانتقائية التي زادت من احتمال بقاء بعض الأشكال التنظيمية، فإنه ينبغي لنا أن نوضح إمكانات تطبيقها. فالتعامل معها ضمنيًا على أنها طفرات، على غرار التطور
البيولوجي، ليس سوى تهرّب من المسألة. وكما هو الحال في التفسيرات الوظيفية الأخرى، لا يمكن
أن نفترض تلقائيًا أنّ حلّ مشكلة ما سانح وميسور. فمن بين الموارد اللازمة لتطبيق التكامل الرأسي،
قد يكون هناك مقدار من القوة السوقية، والنفاذ إلى رأس المال من خلال الأرباح المحتجزة أو أسواق رأس المال، وصلات مناسبة مع السلطات القانونية أو التنظيمية. عندما تكون الضغوط الانتقائية ضعيفة (لا سيما في الأسواق غير الكاملة التي يزعم وليامسون أنها تُنتج تكاملًا رأسيًا) وتكون الموارد إشكالية، فإن التكوينات الاجتماعية البنيوية التي أشرتُ إليها تبقى
مرتبطة بكفاءة تكاليف التعاملات، لكن لا يمكننا أن نضمن وجود حلّ فعّال. قد تُصبح دوافع التكامل غير المرتبطة بالكفاءة، مثل التعظيم الشخصي للرؤساء التنفيذيين في الشركات المستحوذة، أمرًا مهمًا
في مثل هذه الأوضاع. ما تقتضيه وجهة النظر المقترحة، في هذا السياق، هو أن تُولي البحوث المستقبلية المتعلقة بمسألة التراتبيات الأسواق اهتمامًا دقيقًا ومنهجيًا بالأنماط الفعلية للعلاقات الشخصية التي تُجرى من خلالها
التعاملات الاقتصادية. ولن يُساهم هذا الاهتمام في تحديد دوافع التكامل الرأسي فحسب، بل سيُسهّل
أيضًا فهم الأشكال الوسيطة المعقدة المختلفة بين الأسواق المُذرّرة المثالية والشركات المتكاملة
تمامًا، مثل شبه الشركة التي ناقشناها سابقًا في قطاع البناء. وترتبط مثل هذه الأشكال الوسيطة ارتباطًا وثيقًا بشبكات العلاقات الشخصية، إلى حدّ أن أيّ منظور يَعُدّ هذه العلاقات هامشية سيعجز عن
رؤية "الشكل التنظيمي" المتأثر رؤيةً واضحة. ولا تُولي الدراسات التجريبية الحالية للتنظيم الصناعي اهتمامًا يُذكر لأنماط العلاقات، ويعود ذلك جزئيًا إلى صعوبة الحصول على البيانات ذات الصلة
(71) Williamson & Ouchi, p. 389;. Williamson, "The Economics of Organization," pp. 573–574 ينظر أيضًا:
مقارنةً بتلك المتعلقة بالتكنولوجيا وبنية السوق، ويعود أيضًا إلى أن الإطار الاقتصادي السائد يبقى إطار فاعلين مُذرّرين، لذلك تُعتبر العلاقات الشخصية احتكاكية في تأثيرها.
مناقشة
رأيتُ، في هذه الدراسة، أنّ معظم السلوك مكتنَف بعمق في شبكات العلاقات الشخصية، وأن مثل هذا الرأي يتجنب تطُّرُف وجهتَي النظر؛ تلك التي تُفرط في شأن التأثير الاجتماعي في الفعل
البشري، وتلك التي تقلل من شأنه. ومع أنني أعتقد أن هذا الأمر ينطبق على كلّ سلوك، فإنني أ ركزُ
هنا على السلوك الاقتصادي لسببين: 1. لأنه حالة نمطية للسلوك الذي يُفَّسّر تفسيرًا غير كافٍ، لأّن
من يدرسونه من المتخصّصين ملتزمون بشدة بنظريات الفعل الذرّية، 2. لأنّ علماء الاجتماع، ما عدا استثناءات قليلة، أحجموا عن الدراسة الجادة لأيّ موضوع تبنّاه الاقتصاد النيوكلاسيكي. وقبلوا ضمنيًا افتراض الاقتصاديين أنّ "عمليات السوق" ليست موضوعات مناسبة للدراسة الاجتماعية، لأن
العلاقات الاجتماعية تؤدي دورًا احتكاكيًا ومعطّلًا فحسب، ولا يؤدي دورًا محوريًا، في المجتمعات
الحديثة. وفي تلك الحالات التي يدرس فيها علماء الاجتماع العمليات التي تكون فيها الأسواق أساسية، فإنهم عادةً ما يتجنبون تحليلها. فعلى سبيل المثال، صيغت الأدبيات الاجتماعية الواسعة حول الأجور، حتى وقت قريب، من منظور "تحصيل الدخل"؛ ما حجب سياق سوق العمل الذي تُحدد فيه الأجور، وركّز بدلًا من ذلك على خلفيات الأفراد وإنجازاتهم. وقد افترضت الأدبيات المتعلقة بمن يُسيطر على الشركات ضمنيًا، كما أشارت ليندا ستيرنز، أنّ التحليل يجب أن يكون على
مستوى العلاقات السياسية والافتراضات الواسعة حول طبيعة الرأسمالية. وعلى الرغم من الاعتراف الواسع بأن كيفية اكتساب الشركات لرأس المال تُمثّل مُحِدِّدًا رئيسًا من محددات السيطرة، فإنّ معظم
الأبحاث ذات الصلة "منذ مطلع القرن العشرين، استبعدت سوق رأس المال موضوعًا للبحث". وحتى في نظرية التنظيم، حيث تهتم أدبيات كثيرة بالقيود المفروضة على القرارات الاقتصادية بسبب التعقيد البنيوي الاجتماعي، لم يُبذل جهد كبير لإظهار تبعات ذلك على النظرية النيوكلاسيكية حول الشركة، أو على الفهم العام للإنتاج، أو نتائج الاقتصاد الكلي مثل النمو والتضخم والبطالة. في محاولتي إيضاح أنّ جميع عمليات السوق قابلة للتحليل الاجتماعي، وأن هذا التحليل يكشف عن سمات مركزية، لا هامشية، لهذه العمليات، حصرتُ نطاق تركيزي في مشاكل الثقة وإساءة الثقة.
(((7 الاستثناءات الحديثة هي:
Wayne Baker, "Floor Trading and Crowd Dynamics," in: Patricia Adler & Peter Adler (eds.), Social Dynamics of Financial Markets (Greenwich: JAI, 1983), pp. 107–128; Burt, Corporate Profits and Cooptation ; Harrison C. White, "Where do Markets Come From?" American Journal of Sociology , vol. 87, no. 3 (November 1981), pp. 517–547.
(((7 ينظر النقد المُوسّع في:
Mark Granovetter, "Toward a Sociological Theory of Income Differences," in: Ivar Berg (ed.), Sociological Perspectives on Labor Markets (New York: Academic Press, 1981), pp. 11–47. (74) Linda Stearns, "Corporate Dependency and the Structure of the Capital Market: 1880–1980," PhD Dissertation, State University of New York at Stony Brook, 1982, pp. 5–6.
كما استخدمتُ مناقشة وليامسون موضوع "السوق والتراتبيات" مث لًا على الكيفية التي يُولّد بها منظور
الاكتناف أفهامًا وتنبؤات مختلفة عمّا يقدّمه الاقتصاديون. ومنظور وليامسون هو ذاته "تصحيحي"
Revisionist في علم الاقتصاد؛ إذ إنه لا يهمل اعتبار المؤسسات والتعاملات، وهو ما يميّز العمل
النيوكلاسيكي. وبهذا المعنى، قد يبدو أقرب إلى المنظور الاجتماعي أكثر من كونه على مقربة من الحجاجات الاقتصادية المعتادة. لكن الهدف الرئيس ل "خبراء الاقتصاد المؤسسي الجدد" هو تحويل تحليل المؤسسات بعيدًا عن الحجاج الاجتماعي والتاريخي والقانوني، وإظهار أنها تُمثّل الحل الأمثل للمشاكل الاقتصادية، بدلًا من ذلك. وتعمل هذه المهمة، ومعها الوظيفية الشاملة التي تنطوي عليها، على تثبيط التحليل التفصيلي للبنية الاجتماعية الذي أرى في هذا السياق أنّه المفتاح لفهم الكيفية التي وصلت بها المؤسسات القائمة إلى حالتها الراهنة. وبمقدار ما تُفهم فيه حجاجات الاختيار العقلاني فهمًا ضيقًا على أنّها تشير إلى أفراد مُذرّرين وأهداف
اقتصادية، فإنها تتعارض مع منظور الاكتناف الذي أطرحه هنا. غير أننا نجد، في صياغة أوسع للاختيار العقلاني، أنّ بين الرؤيتين قدرًا كبيرًا من القواسم المشتركة. فكثير من العمل التصحيحي الذي قام به
اقتصاديون، وانتقدته سابقًا في مناقشتي التصورين اللذين يفرط أحدهما ويقلل الآخر من شأن التأثير المجتمعي في الفعل، يستند إلى استراتيجية يمكن وصفها ب "التصحيحية النفسية" Psychological Revisionism، وهي محاولة لإصلاح النظرية الاقتصادية بالتخلي عن الافتراض المطلق لوجود القرارات العقلانية. وقد أفضت هذه الاستراتيجية، على سبيل المثال، إلى مفهوم ليبنشتاين عن "العقلانية الانتقائية" في أثناء تناوله "عدم الكفاءة X "، وأفضت أيضًا إلى أطروحات منظّري سوق العمل المجزّأة الذين يؤكدون أنّ العمال في قطاعات السوق المختلفة يخضعون لقواعد مختلفة في اتخاذ القرار، وأن الاختيار العقلاني يقتصر في الغالب على العاملين في "القطاع الأولي الأعلى" (أي الفئات الاختصاصية والإدارية والتقنية). أقترح، في المقابل، أنّه على الرغم من أنّ افتراض الفعل العقلاني يظل دائمًا إشكاليًا، فإنه يبقى
فرضية عملية جيدة لا ينبغي التخلي عنها بسهولة. فما يبدو للمحلل سلوكًا غير عقلاني، قد يكون منطقيًا تمامًا عندما نأخذ في الحسبان القيود الظرفية، لا سيما ما يتعلق من ذلك بالاكتناف. فعند
تحليل الوضع الاجتماعي للعاملين في أسواق العمل غير المهنية تحليلًا كاملًا، فإن سلوكهم يبدو أقرب إلى الاستجابة المنطقية لوضعهم الراهن، من أن يكون تطبيقًا آليًا لقواعد "ثقافية". والمديرون
الذين يتهربون من عمليات التدقيق ويخوضون نزاعات حول التسعير المنقول قد يُنظر إليهم بالمعنى
الاقتصادي الصارم على أنهم يتصرفون على نحو لاعقلاني من حيث تعظيم أرباح الشركة؛ أمّا حين
تُحلل مواقعهم وطموحاتهم داخل الشبكات الداخلية للشركة وتحالفاتها السياسية، فيصبح سلوكهم قابلًا للتفسير بسهولة.
(75) Leibenstein. (76) Michael Piore (ed.), Unemployment and Inflation (White Plains: Sharpe, 1979).. Elliot Liebow, Tally’s Corner (Boston: Little, Brown, 1966): كما في مناقشة إليوت ليبو مثل ((7(
وعلاوةً على ذلك، يتضح أكثر فأكثر أنّ هذا السلوك عقلاني أو نفعي إذا لاحظنا أنه لا يهدف إلى تحقيق أهداف اقتصادية فحسب، بل إلى تحقيق القبول الاجتماعي، والاستحسان، والمكانة، والسلطة أيضًا. ونادرًا ما يرى الاقتصاديون أنّ هذه الأهداف عقلانية، ويعود ذلك جزئيًا إلى الفصل
التعسفي الذي نشأ تاريخيًا، بحسب ألبرت هيرشمان، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، بين
"الأهواء" و"المصالح"؛ إذ لا تشير الأخيرة إلا إلى الدوافع الاقتصادية. وقد دفعت هذه الطريقة في طرح المسألة الاقتصاديين إلى التخصص في تحليل السلوك الذي تحرّكه "المصلحة" وحدها،
وافتراض وجود دوافع أخرى تقع في مجالات منفصلة وغير منظمة عقلانيًا؛ ومن هنا جاء تعليق بول
سامويلسون الشائع المتمثل في أن "كثيرًا من الاقتصاديين يفصلون الاقتصاد عن علم الاجتماع على
أساس السلوك العقلاني أو غير العقلاني". وكان للفكرة التي مفادها أنّ التأثيرات الاجتماعية تُِخ ل بالاختيار العقلاني أن تُثبّط وقتًا طويلًا التحليل الاجتماعي المفصّل للحياة الاقتصادية، وأن تدفع
الاقتصاديين التنقيحيين إلى إصلاح النظرية الاقتصادية بالتركيز على سيكولوجيتها الساذجة. وأزعم في هذا السياق أنه مهما بلغت هذه السيكولوجيا من السذاجة، فإن الصعوبة الرئيسة لا تكمن فيها، بل في إهمال البنية الاجتماعية. أخيرًا، يجب أن أضيف أن مستوى التحليل السببي المعتمد في فكرة الاكتناف هو مستوى تقريبي إلى
حٍّدّ ما. ولم يكن لديّ الكثير لأقوله بشأن الظروف التاريخية أو البنيوية الكلية الواسعة التي أدت إلى
إظهار الأنظمة الخصائص الاجتماعية البنيوية التي تمتلكها؛ لذلك لا أدّعي أن هذا التحليل سيجيب عن أسئلة كبيرة حول طبيعة المجتمع الحديث، أو مصادر التغيير الاقتصادي والسياسي. لكنّ التركيز
على الأسباب القريبة مقصود، لأنه لا يمكن معالجة تلك الأسئلة الأوسع على نحو مُرضٍ من دون
فهمٍ أكثر تفصيلًا للآليات التي يُحدث بها التغيير الشامل آثارَه. وما أؤكده هو أن إحدى أهم هذه
الآليات وأقلها تحليلًا هي تأثير هذا التغيير في العلاقات الاجتماعية التي تكتنف الحياة الاقتصادية. وإذا ما كان الأمر كذلك، فإنّه لا يمكن إقامة صلة كافية بين النظريات على المستوى الكلي والجزئي من دون فهم أشمل كثيرًا لهذه العلاقات. يتضح استخدام تحليل الاكتناف في تفسير الأسباب القريبة لأنماط المصلحة على المستوى الكلي جليًا من خلال مسألة الأسواق والتراتبيات. فليست درجة التكامل الرأسي وأسباب استمرار الشركات
الصغيرة العاملة من خلال السوق مجرد اهتمامات ضيقة للتنظيم الصناعي، بل هي موضع اهتمام جميع دارسي مؤسسات الرأسمالية المتقدمة. وثمة قضايا مماثلة تُطرح في تحليل "الاقتصاد الثنائي"، والتنمية التابعة، وطبيعة النخب المؤسسية الحديثة. لكنّ تحليل إذا ما كانت الشركات الصغيرة قد تراجعت فعلًا أمام الشركات العملاقة عادةً ما يجري من منظور سياسي أو اقتصادي كلي شامل
وواسع، مع إهمالٍللأسباب البنيوية الاجتماعية المباشرة.
(78) Hirschman, The Passions and the Interests. (79) Paul Samuelson, Foundations of Economic Analysis (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1947), p. 90.
كثيرًا ما أشار محللو الاقتصاد الثنائي، على سبيل المثال، إلى أنّ استمرار وجود أعداد كبيرة من
الشركات الصغيرة في "الأطراف" يُفَسَّر بحاجة الشركات الكبرى إلى إبعاد مخاطر التقلبات الدورية
في الطلب، أو أنشطة البحث والتطوير غير المؤكدة؛ إذ إن فشل هذه الوحدات الصغيرة لن يؤثر سلبيًا في أرباح الشركات الكبرى. وما أقترحه هنا هو أنّ بقاء الشركات الصغيرة في وضع السوق قد
يُعزى، بدلًا من ذلك، إلى وجود شبكة كثيفة من العلاقات الاجتماعية تتداخل مع العلاقات التجارية
التي تربط هذه الشركات وتقلل من ضغوط التكامل. وهذا لا يُلغي صلاحية تفسير "إبعاد المخاطر"
الذي يتسم بدرجة من المعقولية. لكنّ الاكتناف قد يكون أكثر فائدة في تفسير ذلك العدد الكبير من المنشآت الصغيرة التي لا تتّصف بوضعها التابع أو الطرفي. وهذا التفسير يقتصر على الأسباب القريبة؛ فهو يقود منطقيًا إلى أسئلة، منها مثلًا: لماذا يُظهر السوق أنواعًا مختلفة من البنية الاجتماعية؟
ومتى؟ وفي أيّ قطاعات؟ لكنه لا يُجيب عنها. وما كان لهذه الأسئلة، التي ترتبط بمستوى تحليلي
أكثر شمولًا، أن تُطرح أصلًا لولا وجود تقدير مسبق لأهمية البنية الاجتماعية في السوق..يُقَدَّم تحليل الأسواق والتراتبيات، على أهميته، في هذا الصدد، أساسًا، بوصفه مث لًا توضيحيًا
واعتقادي أن لفكرة الاكتناف قابلية عامة للتطبيق، بما يُبرز أنّ لعلماء الاجتماع مكانة، لا في دراسة
الحياة الاقتصادية فحسب، بل بما يجعل منظورهم مطلوبًا بشدة هناك. وبتجُّنّب علماء الاجتماع
تحليل الظواهر التي تُشِّكّل جوهر النظرية الاقتصادية القياسية، فإنهم عزلوا أنفسهم من غير ضرورة عن جانب كبير ومهم من جوانب الحياة الاجتماعية، وعن التقليد الأوروبي – النابع من ماكس فيبر على نحو خاص – الذي ينظر إلى الفعل الاقتصادي على أنه فئة خاصة، وإن كانت مهمة، من الفعل الاجتماعي. آمل أن أكون قد أوضحتُ هنا أن هذا المنهج الفيبري يتوافق مع بعض تبصّرات علم
الاجتماع البنيوي الحديث ويتعزز بها.
المراجع
References Adler, Patricia & Peter Adler (eds.). Social Dynamics of Financial Markets. Greenwich: JAI, 1983. Akerlof, George. "Loyalty Filters." American Economic Review. vol. 73, no. 1 (1983). Alchian, Armen & Harold Demsetz. "The Property Rights Paradigm." Journal of Economic History. vol. 33, no. 1 (March 1973). Arrow, Kenneth. The Limits of Organization. New York: Norton, 1974. Bacharach, Samuel (ed.). Research in the Sociology of Organizations. Greenwich: JAI,
Becker, Gary. The Economic Approach to Human Behavior. Chicago: University of Chicago Press, 1976.
(((8 للاطلاع على مناقشة لحجم العمالة المدهش في المنشآت الصغيرة، ينظر:
Mark Granovetter, "Small Is Bountiful: Labor Markets and Establishment Size," American Sociological Review , vol. 49, no. 3 (1984), pp. 323–334.
Ben–Porath, Yoram. "The F–Connection: Families, Friends and Firms in the Organization of Exchange." Population and Development Review. vol. 6, no. 1 (1980). Berg, Ivar (ed.). Sociological Perspectives on Labor Markets. New York: Academic Press, 1981. Bowles, Samuel & Herbert Gintis. Schooling in Capitalist America. New York: Basic Books, 1975. Brown, Ernest Henry Phelps. The Inequality of Pay. Berkeley: University of California Press, 1977. Brown, Roger. Social Psychology. New York: Free Press, 1965. Burt, Ronald. Toward a Structural Theory of Action. New York: Academic Press, 1982. ________. Corporate Profits and Cooptation. New York: Academic Press, 1983. Cole, Robert. Work, Mobility and Participation: A Comparative Study of American and Japanese Industry. Berkeley/ Los Angeles: University of California Press, 1979. Cummings, Larry L. & Barry M. Staw (eds.). Research in Organizational Behavior. Greenwich: JAI, 1983. Dalton, Melville. Men Who Manage. New York: Wiley, 1959. Domhoff, G. William. The Higher Circles. New York: Random House, 1971. Eccles, Robert. "The Quasifirm in the Construction Industry." Journal of Economic Behavior and Organization. vol. 2, no. 4 (December 1981). ________. A Synopsis of Transfer Pricing: An Analysis and Action Plan. Cambridge, MA: Harvard Business School, 1982. ________. "Transfer Pricing, Fairness and Control." Working Paper. no. HBS 83–167. Harvard Business School. 1983. Edwards, Richard C., Michael Reich & David M. Gordon (eds.). Labor Market Segmentation. Lexington: Heath, 1975. Feld, Scott. "The Focused Organization of Social Ties." American Journal of Sociology. vol. 86, no. 5 (1981). Fine, Gary & Sherryl Kleinman. "Rethinking Subculture: An Interactionist Analysis." American Journal of Sociology. vol. 85, no. 1 (July 1979). Furubotn, Eirik & Svetozar Pejovich. "Property Rights and Economic Theory: A Survey of Recent Literature." Journal of Economic Literature. vol. 10, no. 3 (1972). Geertz, Clifford, Hildred Geertz & Lawrence Rosen (eds.). Meaning and Order in Moroccan Society. New York: Cambridge University Press, 1979. Granovetter, Mark. Getting a Job: A Study of Contacts and Careers. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1974. ________. "Labor Mobility, Internal Markets and Job–Matching: A Comparison of the Sociological and Economic Approaches." Mimeographed (1983).
________. "Small is Bountiful: Labor Markets and Establishment Size." American Sociological Review. vol. 49, no. 3 (1984). Hirschman, Albert. The Passions and the Interests. Princeton: Princeton University Press, 1977. ________. "Rival Interpretations of Market Society: Civilizing, Destructive or Feeble?" Journal of Economic Literature. vol. 20, no. 4 (1982). Homans, George. The Human Group. New York: Harcourt Brace & Co, 1950. ________. Social Behavior. New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1974. Lazear, Edward. "Why is there Mandatory Retirement?" Journal of Political Economy. vol. 87, no. 6 (1979). Leibenstein, Harvey. Beyond Economic Man. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1976. Liebow, Elliot. Tally’s Corner. Boston: Little, Brown, 1966. Macaulay, Stewart. "Non–Contractual Relations in Business: A Preliminary Study." American Sociological Review. vol. 28, no. 1 (1963). Marsden, Peter. "Introducing Influence Processes into a System of Collective Decisions." American Journal of Sociology. vol. 86, no. 6 (May 1981). ________. "Restricted Access in Networks and Models of Power." American Journal of Sociology. vol. 88, no. 4 (1983). Merton, Robert. Social Theory and Social Structure. New York: Free Press, 1947. Mintz, Beth & Michael Schwartz. The Power Structure of American Business. Chicago: University of Chicago Press, 1985. North, Douglass C. & Robert Paul Thomas. The Rise of the Western World. Cambridge: Cambridge University Press, 1973. Okun, Arthur. Prices and Quantities. Washington, DC: Brookings, 1981. Pakes, Ariel & Shmuel Nitzan. "Optimum Contracts for Research Personnel, Research Employment and the Establishment of 'Rival' Enterprises." NBER Working Paper. no. 871. National Bureau of Economic Research (1982). Parsons, Talcott. The Structure of Social Action. New York: Macmillan, 1937. Piore, Michael (ed.). Unemployment and Inflation. White Plains: Sharpe, 1979. Polanyi, Karl. The Great Transformation. New York: Holt, Rinehart, 1944. Polanyi, Karl, Conrad M. Arensberg & Harry W. Pearson (eds.). Trade and Market in the Early Empires. New York: Free Press, 1957. Popkin, Samuel. The Rational Peasant. Berkeley/ Los Angeles: University of California Press, 1979. Rosen, Sherwin. "Authority, Control and the Distribution of Earnings." Bell Journal of Economics. vol. 13, no. 2 (1982).
Samuelson, Paul. Foundations of Economic Analysis. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1947. Schneider, Harold. Economic Man: The Anthropology of Economics. New York: Free Press, 1974. Schotter, Andrew. The Economic Theory of Social Institutions. New York: Cambridge University Press, 1981. Scott, James. The Moral Economy of the Peasant. New Haven: Yale University Press,
Simon, Herbert. Administrative Behavior. Glencoe: Free Press, 1957. Smith, Adam. The Wealth of Nations. Andrew Skinner (ed.). Baltimore: Penguin, 1979
Stearns, Linda. "Corporate Dependency and the Structure of the Capital Market: 1880– 1980." PhD Dissertation. State University of New York at Stony Brook. 1982. The Universities–National Bureau Committee for Economic Research (ed.). Demographic and Economic Change in Developed Countries. Princeton: Princeton University Press, 1960. Thompson, Edward P. "The Moral Economy of the English Crowd in the Eighteenth Century." Past and Present. vol. 50, no. 1 (February 1971). Useem, Michael. "The Social Organization of the American Business Elite and Participation of Corporation Directors in the Governance of American Institutions." American Sociological Review. vol. 44 (1979). Van de Ven, Andrew & William Joyce (eds.). Perspectives on Organizational Design and Behavior. New York: Wiley, 1981. Webster, Frederick & Yoram Wind. Organizational Buying Behavior. Englewood Cliffs: Prentice–Hall, 1972. White, Harrison C. "Where do Markets Come From?" American Journal of Sociology. vol. 87, no. 3 (November 1981). Williamson, Oliver. Markets and Hierarchies. New York: Free Press, 1975. ________. "Transaction–Cost Economics: The Governance of Contractual Relations." Journal of Law and Economics. vol. 22, no. 2 (1979). ________. "The Economics of Organization: The Transaction Cost Approach." American Journal of Sociology. vol. 87, no. 3 (November 1981). Wrong, Dennis. "The Oversocialized Conception of Man in Modern Sociology." American Sociological Review. vol. 26, no. 2 (1961).