Return to Article Details الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها

الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها

عبد اللطيف الحنّاشي *

الملخّص

* أستاذ التاريخ المعاصر والرّاهن، كلّية الآداب والفنون والإنسانيّات، جامعة منّوبة -تونس.

الكلمات المفتاحية:
  • الثورة التونسية
  • الاستبداد
  • السياسات الافتصادية النيوليبرالية

الكاتب: عزمي بشارة مكان النشر: الدّوحة/بيروت الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تاريخ النشر عدد الصّفحات 496:

لا تكمُن فرادة الانتفاضة في تونس لصفتها الثوريّة، باعتبارها أطاحت برمز القهر والاستبداد، الرّئيس المخلوع بن علي وحسب، بل أيضًا لخصوصيّة مجالها الاجتماعي والجغرافي، ولوسائل نضالها " الجديدة "، وعفويّتها لطابعها " السّلمي "، وإلى أشكال تطوّرها، أيضًا، من احتجاجات اجتماعيّة ضدّ الفقر والبطالة والتّهميش الاجتماعي والاقتصادي إلى انتفاضةٍ شعبيّة عمّت أغلب مناطق البلاد التونسيّة، ثم إلى ثورة سياسيّة بشعارات استهدفت خيارات النّظام السّياسي القائم ورموزه البشريّة والمادّية.

بنية ثورة وصيرورتُها من خلال يوميّاتها

ويظهر أنّ فرادة ثورة القرن الواحد والعشرين الأولى التي انطلقت من بلدٍعربي دفعت الكثيرين، من عرب وأجانبَ، إلى الاهتمام بها درسًا وتمحيصًا من زوايا وحقول معرفيّة متعدّدة. غير أنّ ما كُتب إلى الآن، بحسب اط لاعنا، كان محدودًا، سواء من حيث القضايا والإشكاليّات التي تمّت معالجتها، أم من حيث التناول الذي كان في الأغلب منحصرًا في حقل معرفي دون سواه. ويأتي كتاب المُفكّر العربي الفلسطيني الدّكتور عزمي بشارة عن الثّورة التونسيّة المجيدة: بنية

ثورة وصيرورهتُا من خلال يوميّاتها، ليسدّ بعضًا من هذه الثّغرات، ويقدّم رؤية تحليليّة دقيقة وشاملة لخلفيّات الثورة التونسيّة ومسارها وخصوصيّاتها وأبعادها، مستندًا في ذلك إلى ترسانةٍ من المصادر والمراجع التونسيّة والعربيّة والأجنبيّة، وإلى عدد مهمّ من شهادات لشباب تونسييّن فاعلين ومشاركين في الثّورة في مناطق اندلاعها (سيدي بوزيد وتالة والقصرين... إلخ)، إضافةً إلى وثائقَ أصليّة ذات علاقة مباشرة بالثّورة ومسارها. يحوي الكتاب تمهيدًا وستّة فصول وخاتمة وعددًا مه من الملاحق والجداول والفهارس والرّسوم البيانيّة، إضافةً إلى مجموعة من شهادات ومقابلات لعددٍ مهمٍّ من شباب الثّورة. وانطلاقًا من قراءةٍ تأليفيّة مركّزة للتاريخ السّياسي العربي المعاصر، وصوالإلى الرّاهن، يتساءل الكاتب في الفصل الأوّل (بدالً من المقدّمة... العربي والتونسي في الثورة التونسيّة:) " هل نبدأ حقبة جديدة تبدأ تاريخًا جديدًا، أم ندخل في مرحلةٍ ثالثة في إطار التّاريخ نفسه؟ ". كان الكاتب حذرًا في معالجة هذه الإشكاليّة الدّقيقة، إذ إنّ ظاهرة الثورات العربيّة تحتاج إلى سنوات أو عقود لتظهر نتائجها وتتّضح بنيتُها، على الرّغم من قيام مجموعة دول عربيّة ديمقراطيّة، الأمر الذي يسمح بالقول إنّ ذلك يؤّ فعالً إلى بداية تحقيب جديد من تاريخ الوطن العربي. ويبُرِز الكاتب المشتركَ بين حالات الاستبداد العربيّة، خصوصًا في " الجمهوريّات " التي عرفت الثّورة، لكنّه في المقابل لا يستثني احتمال اندلاع ثورات في أنظمةٍ ملكيّة، باعتبار أنّ مصدر الشرعيّة لا يُمثّل العامل الوحيد لاندلاع الثورات. فعلى الرّغم من اختلاف مصادر شرعيّة تلك الأنظمة، لكنّها تتشابه مع " الجمهوريّات " في سطوة الجهاز الأمني، وغياب الفصل بين العامّ والخاصّ... أَوملَ تندلع الثّورات في أوروبا في التاريخ الحديث ضدّ الأنظمة الملكيّة والإمبراطوريّات؟ لا يتردّد المؤلّف في الدّفاع عن عفويّة الثّورة التونسيّة، على عكس الكثيرين من الكتّاب العرب والغربييّن، وهو لا يرى تلك الصّفة " نقيصة "، بل هي إحدى ميزات هذه الثورة. ولتأكيد ذلك يستنجد بتاريخ الثورات العالميّة التي غ ت وجه التاريخ الإنساني، على الرّغم من عفويّتها، مثل الثورة الأميركيّة التي بدأت عفويّة، وقادت إلى ثورة ديمقراطيّة. والثورة الفرنسيّة التي انتقلت من احتجاجات إلى تمرّد، وصوال إلى الثورة، وهو أمر ينطبق جزئيًّا على حركة بعض الشّعوب في أواخر القرن الماضي (الفيليبين وإندونيسيا.) وحيُلّل بشارة بُعدًا آخرَ من أبعاد الثورة التونسيّة، والذي ظلّ غائبًا عن التّناول في أغلب الكتابات التي تناولت الثورة التونسيّة بالدّرس، ونعني بذلك " هُويّة الثورة "، التي يصفها الكاتب بأ ا " ثورة ديمقراطيّة شعبيّة ذات عمق عربي إسلامي ". فعلى الرّغم ا أحدثه النظام البورقيبي من تشوّهات مختلفة على البنية الثقافيّة العربيّة الإسلاميّة التونسيّة، وانحياز سافر إلى الغرب سياسيًّا وثقافيًّا، غير أنّ الشّعب التونسي ظل متمسّكًا بهويّته التي تحوّلت إلى إحدى أدوات الاحتجاج ومضامينه في مناسبات قوميّة عدّة (التظاهر لمساندة فلسطين والعراق وغيرهما من القضايا العربيّة). ومثّل هذا المخزون الثقافي والرّصيد النّضالي مضمونًا مه، بل تمرينًا فاعالً تأكّدت نجاعته في أثناء الثورة... وفي سياق ذلك، أو استنتاجًا من ذلك، يؤكّد الكاتب مسألتين غاية في الأهمّية: • تتمثّل الأولى في قدرة تحوّل الهُويّات الوطنيّة إلى جزءٍمن هُويّة عربيّة في

خضمّ الّاع. • أمّا الثانية فتتمثّل في قدرة الدولة الوطنيّة (القطرية) القويّة، وقابليّتها لتأطير الصراعات من داخلها بما حيُيّد الدولة عن صراع الشعب مع النظام، الأمر الذي يمنع التدخّل الأجنبي. وقد أثبتت التّجربتان المصريّة والتونسيّة هذا الأمر، وذلك نتيجة عراقة مؤسّسة الدولة المدنيّة بأجهزتها ومؤسّساتها المختلفة، على عكس ليبيا التي تفتقد عراقة الدولة بتقاليدها الصّلبة ومتانة أجهزتها ومؤسّساتها. ضمالفصل الثاني (ما قبل الثّورة)، ثلاثة عناصر. اهتمّ العنصر الأوّل بما أطلق عليه المؤلّف " خصوصيّة الاستبداد " في التجربة التونسيّة التي تتجسّد فيها السِمّات العامّة المشتركة بين مختلف أنظمة الحكم العربيّة. ويبُرز المؤلّف بعضًا من خصوصيّة هذا الاستبداد الذي ميّز النّظام السّياسي في تونس التي لم تنشأ فيها سلطويّة رثّة، كحال مصر في عهد الرئيس حسني مبارك والسّادات، بل سلطويّة منظّمة، تبدو كأ ا شموليّة من حيث المظهر، لكنّها لا تحمل أيديولوجيا شمولية في الضّبط والسّيطرة، ثم حيُاول المؤلّف المقابلة بين بورقيبة وكمال أتاتورك، مُبيّنًا أنّ بورقيبة كان قد مارَس القيم الفرنسيّة الحداثيّة المستندة إلى مسار التنوير والعقلانيّة بفهم تسلّطي للعلمانيّة، الأمر الذي أسقطت منه مسألة الديمقراطيّة لصالح مسألة الحداثة بمعناها الضيّق. وفي العنصر الثانيمن هذا الفصل، أبرز المؤلّف خلفيّات الثورة الاجتماعية والاقتصادية وحلّلها، موغالً في التّجربة " التنمويّة " التونسية وتحولّاتها المختلفة (ليبراليّة اشتراكيّة دستوريّة، الانفتاح والخصخصة طوال خمس وخمسين سنة)، بالتركيز على إخفاقاتها ونجاحاتها المحدودة، وارتباطها بالمركز الماليّ العالميّ... مُعرّجًا على أبرز النّضالات الاجتماعية التي قادها الاتحّاد العامّ التونسي للشّغل بمواجهة هذه السّياسات، وذلك منذ عام.1978 أمّا العنصر الثالثمن هذا الفصل فيخصّصه المؤلّف لرصد ظاهرة الفقر وتحليلها استنادًا إلى مُعطيات دقيقة تهمّ تونس بعامّة، والمناطق التي اندلعت فيها الثورة بخاصّة. ومع إقراره بأن الفقر لا يولّد بالّورة الشّعور بالغبن، إلا أنّه يُب، وفي حالات معيّنة، وجود فئات واعية سياسيًّا من بين القطاعات الفقيرة نفسها، أو من خارجها، تعمل على تعبئة الفقراء على مستوى الهُويّة، أو على مستوى الوعي الطّبقي، مُوظّفة طاقةَ الاحتجاج عند تلك الفئات في تنظيم عمل سياسيّ مثابر. ويرصد المؤلّف وحيُلّل ببراعة، تبدو غير مسبوقة، مسألة دور الأطراف المُهمّشة التي توجد جغرافيًّا بعيدة عن المركز السياسي (بخصائص سوسيولوجية وثقافيّة متميّزة عن مهمشّي المركز)، ودورها في الثورة، وهي الحال التي تنطبق على مناطق سيدي بوزيد الطرفيّة، إذ انساق المركز (الجهوي) إلى أطرافه الأكثر تهميشًا، ثمّ امتدّت إلى المُدن المجاورة، وصوالً إلى العاصمة تونس. واتّساقًا مع ما ذكره المؤل، ف نقول إنّ للأطراف والهوامش الجغرافية التونسيّة تاريخًا مجيدًا في الثورات، إذ كانت أوّل انتفاضة في العصور الحديثة ضدّ سلطة البايات قد انطلقت من الأطراف، أي وسط البلاد (ثورة علي بن غذاهم في عام 1864). والأطراف من دون المُدن هي التي قاومت الاستعمار عندما تقدّمت جيوشه من الحدود الجزائريّة. وحتّى في

مرحلة التحرّر الوطني، كان لتلك المناطق أدوار متعدّدة في التمرّد والعصيان والمقاومة، وإن تحوّل الأمر إلى المُدن منذ أواسط ثلاثينيّات القرن العشرين، بنشوء الأحزاب المدنيّة الحديثة، فإنّ ذلك لم يمنع الهوامش من أن تؤدّي دورًا رئيسًا في المقاومة، كما أدّى أبناؤها النّازحون في المُدن (تونس وصفاقس) دورًا مميّزًا في النّضال الوطني والاجتماعي...وتواصل هذا الدّور حتّى بعد الاستقلال. اهتم الفصل الثالث (تاريخ من الانتفاضات)، برصد الانتفاضات المختلفة التي عرفتها البلاد منذ الاستقلال وتحليلها، مركّزًا بخاصّة على الانتفاضات القريبة " الصغرى "، أو المُمهّدة للانتفاضة الكُبرى من خلال مقابلة دقيقة بينها: " أحداث " الحوض المنجمي في عام 2008، والأحداث التي تفجّرت في الجنوب الشرقي للبلاد، وتحديدًا في مدينة بن قردان الحدوديّة، فهي إذًا انتفاضات الأطراف التي تتميّز أيضًا بدور ما يُطلق عليه الكاتب مُصطلح " الجماعة الأهليّة "، أو صلة القرابة التي متُثّل ملجأً للفرد، ودور تلك الجماعة في تعبئة التّضامن الاجتماعي الأهلي (حالة عرش البوعزيزي الممتدّ والعائلة)، وفي الحفاظ على استمراريّة الغضب الشعبي لرفض المذلّة (الحُقْرة.) وفي الجزء الثالث من هذا الفصل يرصد المؤلّف عمليّات القمع التي لحقت بالصحُفييّن والإعلامييّن بعامّة، ثمّ يبرز دور الإعلام في الثورات (دور الترانزستور في نشر أفكار ثورة يوليو 1952 ودور الكاسيت في الثورة الإيرانية)، وبخاصّة دور الوسائط الحديثة، ومنها تحديدًا شبكات التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت، التي تتميّز من ناحية بإمكانيّة تحوّل المستخدم إلى صحُفي خاصّ، ومن ناحيةٍ أخرى بعدم قدرة جهاز الرقابة الأمني على التحكّم فيها. ويرى المؤلّف ضرورة إدخال هذا المُعطى الجديد " كمركب في نظريّة تفسير التحوّل الاجتماعي، ومن ضمنها التحولّات الديمقراطية... نشير هنا إلى أنّ سلطة السابع من نوفمبر، وفي إطار سعيها إلى توزيع الغنائم على أفراد العائلة، كان نصيب إحدى بنات بن علي احتكار قطاع توزيع الإنترنت وأجهزة الإعلاميّة. وفي الوقت الذي قرّر النظام تعميم أجهزة الإعلاميّة (الحواسيب) في المجتمع (جهاز لكلّ عائلة، خدمةً لأفراد العائلة الذين يحتكرون هذا القطاع)، كان لا بد أيضًا من تعميم الإنترنت (للغرض نفسه)، فكان أن وصلت هذه الوسائط الحديثة إلى الهوامش أيضًا، وبشكل مكثّف، واستعملتها فئة الشباب بشكل واسع أيضًا، وكانت إحدى أهمّ الوسائل التي ساعدت على إنجاح الانتفاضة، وتحولّها إلى ثورة، إنّه مكر التاريخ، على حدّ قول هيغل. وهذه الوسائط الحديثة لم تكن متوافرة عند أحداث الحوض المنجمي التي على الرّغم من استمرارها لنحو أربعة أشهر، غير أ ا لم تجد من تعاطف الأطراف القريبة إ النزر القليل. اهتمالفصل الرّابعمن الكتاب بالخريطة الحزبيّة في تونس عند نشوب الثورة. وفيه يصنّف المؤل ف هذه الأحزاب إلى ثلاثة أصناف، استنادًا إلى علاقتها بالسلطة: أحزاب ممُثَّلة في البرلمان، شديدة الارتباط بالسلطة، وتوصف بأ ا أحزاب الواجهة. إضافةً إلى حزب التجديد (الشيوعي سابقًا الذي على الرّغم من تمثيله في البرلمان غير أنّ علاقته بالسلطة كانت نقديّة...)؛ وأحزاب مرخّص لها، لكنّها غير ممُثّلة في البرلمان (حزبان)؛ وأحزاب محظورة (3 أحزاب). وعلى هذا الأساس أدّت الأحزاب غير المُمثّلة في البرلمان والأحزاب

المحظورة التي تميّزت بنشاطها وفاعليّتها، دورًا عشيّة الثورة. ثمّ يبُرِز المؤل ف تاريخ المنظّمات غير الحكومية ودورها في عملية إنضاج الثورة، ومنها بخاصّة الاتحاد العامّ التونسي للشغل؛ والرابطة التونسيّة لحقوق الإنسان. أمّا الفصل الخامس (يوميات: من انتفاضة سيدي بوزيد إلى الثورة التونسية)، فكان أطول الفصول من حيث الحجم (ص 191 - 316)، إذ لم يكتف المؤلّف فيه بسرد الأحداث كرونولوجيًّا، بل نراه يُعيد تركيب الأحداث، ويصنّفها ليعطيها أبعادًا ذات دلالات عميقة بأسلوب فلسفي تاريخي علمي موشّح أحيانًا بلغة وجمل أدبيّة وشاعرية، يقول: " يقع الانتحار على الحدّ الفاصل بين المعنى واللامعنى، فهو يصرخ صرخة ذات معنى في عالم من اللامبالاة، ولكنه يحتاج إلى الموت لكي يوقظ المعنى، وليثير اكتراث أولئك الأحياء الموتى. يبحث الانتحار عن المعنى في الموت. أمّا الثورة فتُعطي جوابًا للباحثين عن المعنى في الحياة. الانتحار هو نفي للواقع القائم، بما فيه اللامبالاة والحياة ذاتها، أمّا الثورة فترفض الواقع، ولكنّها كنفْي جدليّ للانتحار وللوضع القائم، فهي تعود للحياة ". هذه الجدليّة الكامنة بين الموت (حرق البوعزيزي نفسه) والثورة، بمعنى رفض واقع اليأس واللامبالاة، ورفض الرتابة والعجز، هي المُقدّمة الحقيقية لحياةٍ أجمل، وذات معنى إنساني عميق. ولتتبّع يوميات الثورة يستند المؤلّف في هذا الفصل، وبكثافة، إلى شهادات بعض الشبّان الفاعلين من سيدي بوزيد، وإلى بيانات الأحزاب والمنظّمات الوطنية، من أوّل يوم للانتفاضة، التي تُؤرَّخ بإضرام الشابّ محمد بوعزيزي النار في جسده، إلى المرحلة الثانية (بداية من اليوم الثامن)، حين انتقلت الأحداث مجاليًّا، وتحوّلت إلى انتفاضة شعبيّة، وانخراط النقابييّن والحزبييّن في الأحداث و " تأطيرها "، ومواجهة السلطة العنيفة لها، وصوالً إلى المرحلة الثالثة، حين انتقلت الانتفاضة إلى المدن وإلى العاصمة (وإن جزئيًّا)، وتحوّلت إلى ثورة شعبية لإسقاط النظام (2011/1/8)، وأكملت الثورة دائرتها الشعبية والنقابيّة والحزبية، وصوال إلى المرحلة الرابعة التي تميّزت بتحرّك أكبر الأحياء الشعبية في تونس، والإضراب العامّ في صفاقس، ثاني أكبر المدن التونسية، وصوال إلى الخطاب الأخير لرئيس الدولة (زين العابدين بن علي)، ومغادرته البلاد ليبدأ فصلٌ جديد من الثورة التي استمرّت، وتتواصل، بأشكال وشعارات تتماشى والواقع الجديد. خيُصّص المؤلّف الفصل السادسوالأخير من الكتاب لرصد المواقف الدولية من الثورة التونسية وتحليلها، بدءًا من موقف الولايات المتحدة الأميركية إلى الاتحاد الأوروبي وبعض الدول الأخرى ذات العلاقة " التاريخية " بالبلاد التونسية، وتحديدًا فرنسا وألمانيا. ويصل المؤل ف إلى نتيجة أساسية، هي أنّ تلك الدول لم تبلور موقفًا في زمن الثورة التونسية من " الربيع العربي " إ بعد الثورة المصرية، وذلك عندما اتّضح أنّ هناك نزعةً عربيةً شاملةً للتغيير. في الخاتمة يبُرز المؤلّف ردود الفعل العربية ويحلّلها، مبرّرًا اختياره هذا انطلاقًا من كون تلك الردود العربية الرسميّة تجاه الثورة التونسية " تُعطي مؤًّا للمستقبل، وبذلك تكتسب بداية الكتاب معنى آخرَ في النهاية ". المهمّ أنّ المؤل ف يؤكّد التزام أغلبية الدول العربية الصّمت حذرًا وترقّبًا باستثناء معمّر القذّافي الذي صرّح علنًا بمعارضته للثورة في رسالةٍ وجّهها مباشرةً إلى الشعب التونسي. وفي الأخير يورد

المؤلّف فكرتين أساسيّتين. تتعلّق الأولى بدور الثورة التونسية التي أعادت الاعتبار إلى لفظ ثورة باعتباره مصطلحًا، بعد أن " انتُهك " منذ أن ترادفت تلك الكلمة مع الانقلابات العسكرية التي عرفتها دول عربيّة عديدة. وتتمثّل الفكرة الثانية باعتبار عمليّة التحوّل الديمقراطي، التي تشهدها تونس، حالةً متطوّرة مقارنة ببقيّة الدول العربية، كما يُشير إلى أنّ الاستفادة لن تكون من الثورة فقط، بل أيضًا من عملية التحوّل الديمقراطي، باعتبار أنّ تونس هي حالة متطوّرة وناضجة. كثيرةٌ هي القضايا التي طرحها هذا الكتاب الذي يؤرّخ بامتياز لأوّل ثورة عربية تحمل مواصفات مميّزة، غير أنّ ذلك لا يمنع من سَوق بعض الملاحظات المعرفية والمنهجية، منها: • لا شكّ في أنّ الكتابة في التاريخ الراهن، أو المباشر، كما قال المؤل ف نفسه، تحمل العديد من المخاطر، وتدفع الباحث إلى الحذر الشديد، ومن هذه الزاوية نعتقد أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي بذله المؤلّف (عزمي بشارة)، وغيره من الباحثين، إلا أنّ هناك الكثير من تفاصيل الأحداث المفصلية بين يومي 8 و 14 جانفي (كانون الثاني / يناير) هي تحت دائرة الغموض والالتباس ما لم يتمكّن الباحث من الاطّلاع على وثائق وزارة الداخلية ووزارة الدفاع والرئاسة لتحديد دور تلك المؤسّسات في ما جرى، والتساؤل عن أسباب ذلك، وعن قدرتها في ا اذ قرارات مصيرية من دون" استشارة " أطراف خارجية يهمّها مصير تونس. • هناك مسألة تبدو مهمّة في نظرنا، تتعلّق بطبيعة الاختلاف بين بورقيبة وجماعته من جهة، والشيخ عبد العزيز الثعالبي وحزبه من جهةٍ أخرى. إذ يقول المؤلّف: إنّ بورقيبة وجماعته " تمايزت... عن النخبة السابقة بموقفها العلمانيّ الراديكالي الذي يتخطّى حدود الفصل بين الدين والدولة إلى موقف فكري مضادّ للدين في حد ذاته، وحصره على غرار المفهوم الفرنسي " ال ئكي " في الشأن الشخصي البحت، إذ كانت هذه النخبة " غربيّة الثقافة وعلمانيّة المنهج "، بالمعنى الفرنسي ال " لائكي " للعلمانية " ص (158)، غير أنّ طبيعة الصراع، أو الخلاف، في الواقع تبدو غير ما ذكر الكاتب. فأصل الخلاف بين الحزبين (حزب الثعالبي، وليس الثعالبي شخصيًّا، لأنّه كان خارج البلاد، ولم يرجع إ في عام 1937، في حين أنّ الانشقاق حصل في عام 1934)، وحزب بورقيبة، تمحور حول الاختلاف في طرق النضال وأساليبه التي على الحزب اعتمادها. إذ كانت النخبة الجديدة المُنْضمّة إلى الحزب، والقادمة لتوّها من باريس، ترى ضرورة الاعتماد فعليًّا على القوى الشعبية لمقاومة الاستعمار، عوض الاكتفاء بالتلويح بها (كما كان يطرح قُدماء الحزب)، ولأسباب أخرى أيضًا تهمّ شخصية بورقيبة بالأساس. لذلك يمكن القول إنّه لا علاقةَ للانشقاق بالمرجعيات الفكرية، وما يشير إلى ذلك هو أنّ مضمون أوّل مقالة كتبها بورقيبة، بعد حلوله بالبلاد قادمًا من فرنسا، هو دعوة المرأة التونسية إلى عدم ترك حجابها، وذلك ردًّا على إحدى السيّدات التونسيات (المنشاري:

اشتراكية ديمقراطية) التي دعت النساء إلى السفور. ورأى بورقيبة أنّ الحجاب (الخ مار) جزء من شخصية التونسيات. كما أنّ أوّل تحرّكٍ ميداني قام به بورقيبة كان ذا طابع ديني، إذ شارك السك ان وحرّضهم على التظاهر (في بلدته المنستير)، ضد دفن المتجنّسين التونسيين (أي الذين تركوا الجنسية التونسية وتجنّسوا بالجنسية الفرنسية) في مقابرَ إسلامية، على الرغم من احتفاظهم بدينهم الإسلامي. ولم تصدر من بورقيبة طوال مراحل التحرّر الوطني أيّ مواقف تشير إلى علمانيّته، بل العكس هو الصحيح، إذ وظّف بورقيبة الدين والتراث العربي الإسلامي توظيفًا واسعًا في خطابه السياسي، وفي ممارسته النضاليّة. • يبدو لنا أنه كان من الأفضل منهجيًّا ومعرفيًّا لو دمجَ المؤلّف " العنصر الأوّل " من الفصل الثاني، الذي جاء تحت عنوان " الفقر والنيوليبرالية في ظلّ السلطة " في الفصل الثاني من الكتاب الذي حمل عنوان " خلفيات اجتماعية واقتصادية "، أو ضمن العنصر الثالث من الفصل نفسه الذي حمل عنوان " عن الفقر "، باعتبار أنّه يتحدّث عن قضايا اجتماعية واقتصادية: الفقر والبطالة في ظلّ اقتصاد نيوليبرالي. • النقطة الأخيرة التي يمكن نقاشها تتعلّق بمسألة تأريخ الثورة، إذ لم يحسم المؤل ف بدقّة تحديد تاريخها. فهو يقول: " وتبقى انتفاضة 17 كانون الأوّل / ديسمبر 2010 هي التي أشعلت الثورة. ومن تلك النقطة يجب أن يؤرّخ لها. ومن غرائب الحالة التونسية أنّ تسمية الثورة ارتبطت بتاريخ نجاحها، وليس بتاريخ اندلاعها " (22 ص)، ثمّ يستدرك الأمر قائالً: " وقد يكون هذا صحيحًا، لكن ربمّا يصحّ أيضًا أنّ اليوم التاريخيّ المتمثّل في سقوط أوّل رئيس عربي وهروبه، وهو ما بهر الناس وجعلهم ينحتونه في الذاكرة الجمعية كتسمية للثورة، وأنّ الموقف الذي يشدّد على البداية ليس صحيحًا دائامً.. " (22 ص). والواقع أنّ مسألة تأريخ الثورة نالت اهتمام الكثيرين في تونس، غير أنّ النقاشات في الأغلب حادت عن الطّابع المعرفي والعلمي، وتداخلت فيها عوامل عدّة وحسابات... ومهما كان الأمر نقول إنّ الثورات يؤرّخ لها عادةً بنهاياتها، أو خواتمها وليس ببدايتها، وهذا ما حصل بالنسبة إلى الثورة الفرنسية التي أُرّخَ لها بيوم 14 جويلية (تموز / يوليو) 1789، تاريخ احتلال رمز من رموز الاستبداد، وهو سجن الباستيل، وفي تونس ا هت الجماهير يوم 14 جانفي (كانون الثاني / يناير) إلى وزارة الداخلية التي ترمز للقمع والاضطهاد والتعسّف.... ونادت بصوت واحد برحيل بن علي. وفي روسيا انطلقت الثورة في مدينة سانت بتسبورغ يوم 23 فيفري (شباط / فبراير)، ولم يتمّ السيطرة على السلطة إ ليلة 26/25 تشرين الأوّل / أكتوبر 1917، ثمّ الإعلان عن الهجوم على القصر الشتوي للقيصر وقيام السلطة الجديدة، وهي المحاولة نفسها التي عزم الشبّان على القيام بها في تونس، أي الرّغبة في الذهاب إلى قصر قرطاج، بل هناك من ذهب فعالً.

وعلى الرغم من هذه الملاحظات الجزئيّة التي لا تمسّ في شيء متانة سرديّات الكتاب وتحليلاته العميقة لأسباب الثورة ومسارها، يبقى أنّ ما ميّز هذا الكتاب أكثر من أيّ شيء آخر، مسألتان تبدوان غايةً في التميّز والفرادة معرفيًّا ومنهجيًّا: • على المستوى المعرفي: شروع المفك ر العربي عزمي بشارة في " نثر " بذور " صلبة "لبناء نظرية علميّة، انطلاقًا ا عرفَته وتعرفه البلدان العربيّة من تحولّات اجتماعية وسياسيّة كبُرى، بدأت ملامحُها تتبلور بقوّة، وتجد في بعض الثورات والحركات الاحتجاجيّة أهمّ تظاهراتها وأشكالها ومفاصلها.... • أمّا على المستوى المنهجي: فعلى الرغم من صعوبة الكتابة في " التاريخ الراهن المجهري "، بالتركيز على يوميّات أحداث الثورة التونسية بتفاصيلها

1  نسبة إلى بذور القمح الجيّدة، ذات المردودية الفائقة. 2  بإمكاننا اعتبار كتاب عزمي بشارة: في الثورة والقابلية للثورة (الدوحة/بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، جزءًا من هذا المشروع.

• وأبعادها المختلفة، تجلّت مثابرة المؤلّف وريادته منهجيًّا عبر نحت مقاربة للتاريخ المباشر " الرّاهن "، جديدة، وروح التاريخ بأدوات طويل المدى الذي يُكثّف الخلُاصات الدالّة على ذلك التاريخ في لحظة مباشرة. أخيرًا، تبدو قراءة هذا الكتاب ممُتعة ومفيدة نظرًا إلى غزارة المعلومات ودقّتها وعمق تحليل الظواهر. إذ نجح المؤلّف، بمنهجية المؤرّخ الصارم (على الرغم من عدم تخصّصه في حقل التاريخ)، وبعين الفيلسوف الثاقبة، في تناول قضايا تاريخية وفكريّة، الأمر الذي يذكّرنا بحفريّات ميشال فوكو الفيلسوف الذي ساهم إلى حدٍّ بعيد في" تثوير " علم التاريخ منهجًا ومعرفة.ً