حكم الخبراء: مصر، التكنو-سياسة، الحداثة
الملخّص
الكاتب: تيموثي ميتشل ترجمة: بشير السباعي وشريف يونس مكان النشر: الدّوحة/بيروت الناشر: المركز القومي للترجمة تاريخ النشر: 2010 عدد الصفحات: 523
- التكنو-سياسة
- التابعون
- الحداثة
- النخبة السياسية
الكاتب
: تيموثي ميتشل ترجمة
: بشير السباعي وشريف يونس مكان النشر
: الدّوحة/بيروت الناشر
: المركز القومي لل جمة تاريخ النشر عدد الصّفحات 523:
لا حيُسب لهذا الكتاب اطّلاعه الواسع على
التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والسّياسي
المصري فحسب، بل أيضًا متابعته الحثيثة للتخيّل
الاستعماري الغربي لها، وعلى الرّغم من أنَّ المؤلَِّف،
كما يصفُ نفسه، هو " واحدٌ من إنجلترا " (ص. 292)،
إلا أنَّ قراءته للصيّرورة الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي
أسّست لمصر المعاصرة، تضعُه على قائمة أهمّ المؤرّخين
المُساهمين في إعادة كتابة التّاريخ المصري الحديث. يندرج هذا العمل في ما بات يُعرف بدراسات
ما بعد الاستعمار وتفكيك خطابه عن الآخر.
ويستثمر ميتشيل في تفكيك الخطاب المصري الاستعماري، وكشف نوياته المعرفيّة والوظيفيّة
المتمركزة حول الذّات، مقاربات المنهج التكاملي العابر للاختصاصات في قراءته الأبعاد المختلفة في هذا التّاريخ، إذ يجمع ما بين المقاربات الاقتصاديّة
والاجتماعيّة والسياسيّة والتاريخيّة والمؤسسيّة
والسيميوتيقية والأنثروبولوجيّة على نحو مركّب.
ويبرزُ ذلك أكثر ما يبرز لدى ميتشيل، في أنّه يأخذُ على عاتقه بمنهج التاريخ الجديد استعادة أصوات المفقودين؛ صانعي التّاريخ الحقيقييّن، الذين فرضَت
عليهم سياساتُ السّلطةِ الصّمتَ، بحيث أصبحت
الكتابةُ عنهم شبهَ مستحيلة (ص. 245)، وسوف
حتُسب نقطة القوّة في مسعاه هذا نقطةَ ضعف، وهو
ما سنتطرّق له في نهاية هذه المُراجعة. هل الناموسةُ تتكلّم؟ بهذا السّؤال اختار ميتشل أن
يُعنون أوّل فصل من فصول كتابه التي كُتبت على
تواريخَ متفرّقة، والحال أنّه، ومع الصّفحات القليلة
الأولى، يكشفُ المؤل ف عن توجّهه المنهجي الناقد
للحداثة الغربيّة ولمقولة العقل، معتبرًا أنَّ المشاريع
الكُبرى في تاريخ الإنسانيّة لم تكن نتاج العقل وحده،
بل نتيجة مزيج من العوامل البشريّة، وغير البشريّة،
وأنّ من يقومون بتشغيل عمليّات عقليّة إنمّا يدخلون
في شراكةٍ مع عمليّات لا يسيطرون بالكامل على
مصيرها، وسيظلّ هناك دائامً ما يسمّيه لاتور " مفاجأة
الفعل الصّغيرة "، وهي ميلُ الفاعل البشري لأن
يتجاوزه الفعل قليالً (ص. 480) هكذا يكشفُ ميتشل النّقابَ عن مشروعين مُهميّن،
تزامَنا مع الحرب العالميّة الثّانية، وسامهَ ا في إنتاج
هويّة مصر الحديثة، الأوّلكان وباء الملاريا الذي
نقلته بعوضةٌ أفريقيّة هي الأنوفيليس جامبي، وقد
استفادت الجرثومة من مواصلات الحرب، ومن
طرق الريّ الجديدة والقديمة للانتشار، وحصدت
أرواح ملايين المصرييّن (ص. 45)، وبشكل لم يدوّنه
أحدٌ، حملت ال كات الأميركيّة كلَّ خبرتها التقنية
لتحارب البعوض، ومن فشل إلى آخر، أسّست
معرفةً جديدةً خاصّة بعلوم عقاقير الإبادة، في حين
استخدمت تقارير هذه الّكات في الّاع السياسي
والاجتماعي الدّائر بين القوى الاجتماعيّة المصريّة. أمّا المشروع الثانيفقد كان بناء سدِّ أسوان، الذي
تطلّب أيضًا قدوم التقنييّن الأميركييّن الذين خاضوا
تجاربَ فاشلة، سببها اعتمادهم على تفوّقهم التقني
من دون معاينة ودراسة الطّبيعة الجغرافية ونوع التربة
وتدفّق مياه نهر النّيل، وأخيرًا لجأوا إلى الاستسلام
للمعرفة العمليّة المحلّية التي طوّرها الف حون
المصريّون على مدار آلاف السّنين، من دون أن يعترفوا
صيف 2012
بذلك، فلم يكن أداء ال كات في نهاية المطاف سِوى
إعادة تنظيم وتركيز للمعرفة أكثر منها خبرة لم تكن
موجودةً من قبل، والتي أصبحت بعد ذلك علومًا
مبثوثة في المج ت العلميّة والجامعات الأميركيّة
(ص 63 وما بعدها.) إذن، يريدُ الكاتبُ القول، إنَّ جزءًا مه من المعرفة
العلميّة والتقنية التي طالما تفاخرت بها المركزيّة
الغربيّة، لم تَكن لتوجد لولا اكتشاف المستعم رين لها
في البلاد المستعمرة، بل إ ا معرفةٌ هجينةٌ أدّت في
تشكيلها الصُّدفة والتجربة والمعرفة المحليّة، وعوامل
غير بشريّة، ضرب عليه مثاال البعوضة التي، ولسوء
الحظّ، لا تنطقُ لكي تحدّثنا عن دورها الحاسم. ومع ذلك فقد ادّعى الخطاب الاستعماري كلّ مرّة أن
معرفتَه خارجيّةٌ، بمعنى أ ا منفصلةٌ عن الط بيعة وعن
مجتمع المصرييّن، وسوّقها على أ ا مصدرٌ للتفوّق،
وتلقّفته بالفعل النّخبةُ المصريّة التي أصبحت كلّ مرّة
طنوْعًا منها، أو إكراهًا تعيدُ استدعاءها، وهكذا يتبيُّ
جذر خطاب التّنمية الاستعماري الذي سيعود بشكل
جديد في عهد السّادات وما بعده. بالطّبع، لن يستنتج قارئٌ من ذلك أنَّ تقدّم الغربِ
هو خرافة، بل يُفهم منه أوّلبيان محدوديّة مقولة
العقل والاستنارة بوصفها سببًا أوحدَ للتقدّم، وهو
ما يُدحضُ بالكشف عن العوامل غير البشريّة التي
ساهمت في خلقه، كما يُفهم منه ثانيًا أنَّ أحد المصادر
الأساسيّة للمعرفة العلميّة الغربيّة، كان هندسة
المُستعمرات على شكلِ مختبرات واستخلاص النّتائج
لخدمة المركز الأم.ّ ولا يتوانى ميتشل عن وضع استخلاصاته التاريخيّة
في سياق جذور المشاريع الأوروبيّة الكُبرى، كما
ساهم في تبيينها روّاد دراسات التابع(Subaltern
Studies)، فميلاد الاقتصاد بوصفه حقالً تجريديًّا
للدّراسة والتحليل، كان في الهند، والحال أنَّ
شخصيّات مؤسّسة في علم الاقتصاد السياسي،
كما يورد ميتشل، مثل جون كينز، وجيمس ميل،
وروبرت مالثوس، وجون ستيوارت ميل، كانوا
مرتبطين أو موظّفين في شركة الهند الشرقيّة
الاستعمارية (ص. 152)، فنظامُ الإمبراطوريّات لم
يعرف مبادلات وإحصاءات ماليّة قائمة على إقليم
جغرافيٍّمحدّد (ص 137)، ومثل ذلك كانت الدولة
القوميّة هي الأخرى منتجًا من منتجات المُستعمرات
في جدلها، ضدًّا لل كات الاستعماريّة اللاسوقيّة
واسعة النطاق، وبالتالي هي آليّةٌ للحدّ من عمل
السوق اللامحدودة، ولا عجب أن يكتب آدم سميث،
بحسب ميتشل، كتابه المعنون ب ثروة الأمم، باعتباره
هجومًا على الّكات الكبرى ليصوغ فكرة التّبادل
الفردي في السّوق كبرنامج بديل منها (ص 474). بعد أن يستند ميتشل إلى بعوضة الملاريا ليُقدّم أساسًا
نظريًّا حول الخطاب الاستعماري المقنّع بقناع التنمية،
يُفرد فصلين يُلقي عبرهما النظر على القانون والخريطة
في جدليّة قيام مصر الحديثة، وبالمنطق نفسه جاءت
لجنة الدَّين البريطانية، بعد أزمة ديون الخديوي
إسماعيل باشا، بخرائط لإعادة صياغة نظام الملكيّة في
مصر، ومع أنَّ القائمين على إعادة التّنظيم والجدولة،
زعموا أ م قد أتوا بخبرةٍ مستمدّةٍ من " مبادئ صالحة
لكلِّ البلدان "، إلا أ م في نهاية المطاف لم يقوموا إلّا
بإعادة تعميم نظام " العزبة " وتركيزه، بما يحمل ه من
ظلم وإكراه، " وبدالً من أن يُنهي النّظام القانوني
الجديد أشكال السّيطرة الاستثنائيّة، خلق ألف قوّةٍ
اعتباطيّة " (ص. 121) بهذا الشّكل كان الإنجاز الأساسي " للخبرة التقنية "
الإنكليزية، هو قيامُها بخلق " الطبيعة الموضوعاتيّة
للمكان الحديث "، أي جعل الط بيعة بما يتخلّلها
من جغرافية طبيعيّة واجتماعيّة موضوعًا لذات
(ص. 122)، وهذه بالط بع سِمةٌ أساسيّة لديناميّة
التركيز والتّفكيك لرأس المال. ومن هنا أصبح
للقوّةِالسياسيةِشكلٌجديد: " معرفة المكان
وقيادته " (ص. 145) إذًا، إلى جانب الآلة العسكريّة التي اجتاحت مصر
عام 1882 بعد ثورة عرابي باشا، لم يكن هنالك أكثر
فاعليّة من الآلة الحاسبة التي عمدت أواّلً إلى تبسيط
الطّبيعة المصريّة وادّعاء امتلاكها عبر الخرائط وأجهزة
الإحصاء، وقد أتاح دوران تقارير الخبرة التقنية والإحصاءات عبر الصّحافة والنّقاش السّياسي -
الاجتماعي المح، أن تتّخذ ثقافةً موضوعيّة وتفرز
العالم إلى عالمين، أحدهما يحيلُ إلى من يملك الأرقام
والحقائق والا اهات، بينما يحيل الآخر إلى عالمِ من
يبدو استثناءً وشاذًّا، ولا بدّ من امتلاكه (ص. 161) لم يكن خطاب التقنية سيقتحمُ المجال السّياسي
والثقافي المصري لولا مرافقته لخطاب عنصريّ أُعيد
عبره اختراع الرّيف والف ح المصري، في حقل واسع
من البحوث الاستقصائيّة، بدأ منذ مطلع القرن
العشرين، ثمّ بعد الحرب العالميّة الثانية، أخذ عنوان
" الدّراسات الفلاحيّة "، ليصوّر الف حين المصرييّن
على أ م جمعٌ سلبيّ يتأثّرُ بسياسات السلطة المركزية،
وغير مؤثّر باعتباره قوّةً محلّية (ص 195 وما بعدها)،
ومع أنَّ هذا الشّكل من الدراسات بدأه مستشرقون
مرتبطون بأجهزة المخابرات الأميركيّة، إلا أنّ ميتشل
يحاول في فصل تال، إلقاء الضّوء على دراسات محلّيةٍ
حكوميّة في العهد النّاصري، ابتلعت المأثورات
الاستشراقيّة، ومارست هي الأخرى إسكاتًا للقوى
المحليّة الصّغيرة، مستسهلةً تقديم نفسها كخبرة تقنية
من الخارج، لكن وعند التدقيق سنجدُ أنّ منطق
التّنمية لم يكن ابن خطّةٍ عامّةٍ صادرة عن المركز،
بقدرِ ما كان ردّ فعل على " اّيلأزمات في البناء المحل
للسلطة "، ليتمَّ لاحقًا إضفاء هالة من السرّد تحت
عناوين " التّغيير " و " الاستجابة " (ص. 265) يعودُ ميتشل بعد ذلك، في الفصول الأخيرة، ليرصد
الممارسة نفسها التي قامت بها الوكالة الأميركية
الدولية للتنمية (USAID)، حين ركّزت تقاريرها وأبحاثها الخاصّة بمشاكل مصر التنمويّة على
الجغرافية والديمغرافية، متقصّدةً هذه المرّة، إخفاء
السّياسات الاقتصاديّة للنظام الدولي في خلق
مشاكل وادي النّيل وضرب اقتصاده، أمّا العادة
التي توارثتها هذه التقارير عمّن سبقتها فهي إسكات
صوت القوى المحليّة مرّةً أخرى، وغضّ النّظر
عن المسارات الاقتصاديّة " اللا - سوقية " البديلة،
والخارجة عن تخطيط العقل الاقتصادي التي يصنعها
المحلّيون، وبدال من اعتبار ممارسات الناس " مقاومة
منسّقة " تصنع " تاريخًا بديل "، كان من الأسهل إحالة
النّكسة إلى الفشل في تطبيق السّياسات النيوليبراليّة
(ص. 431) لا شكّ في أنّ تتبّعَ ميتشل سياسات المعرفة الكولونياليّة
في مصر المعاصرة منذ منتصف القرن التاسع عشر
ولغاية اليوم، مهمٌّ لفهم تطوّر الخطاب التّنموي،
لكنَّ الكتاب، وإذ يركّز على الآلة الحاسبة بوصفها
سلاحًا يثير عددًا من الاستفهامات النقديّة، فالنقد
الذي يوجّهه الكاتب إلى الخطاب التحديثي الغربي
إزاء مصر ينسحب أيضًا على " الأمّة المصريّة "، وهو
يع عن ذلك صراحة:ً " كانت الأمّة تبزغُ بوصفِها
هذا الفضاء، هذا الامتداد الماديّ/البنيويّ، الذي
يمكن داخله تنظيم واحتواء القرى والأشخاص
والالتزامات والتبادلات " (ص. 145) وليس هنالك من شكّ في أنّ المنهج المستخدم
والمستند أساسًا إلى تراث ميشيل فوكوه (المعرفة =
سلطة)، والبناء على نتائج " استشراق " إدوارد سعيد
قد وُظّفت بنجاعة في التقّ التاريخي، لكنّها سكتت
عن النتيجة الأهمّ: على الرّغم من التراث القمعي
المتراكم من الإكراهات والظّلم وإعادة تعريف
الطّبيعة والجغرافيا المصريّة، إلا أنَّ الحركة الوطنيّة
المصريّة استطاعت أن تحصد هذا الإرث المعرفي
والمؤسّساتي الاستعماري، وتنتج أمّةً مصريّة ذات
هويّةٍ متماسكة. ويسكت ميتشل، وهو المتأثّر أيضًا بهومي بابا، عن
كون هذا الأخير قد سبق ولاحظ ميكانيزمات
المراوغة لدى المُستعمَرين، وقدرة هؤلاء على
استغلال التناقض في خطاب الآخر وكسر الهيمنة
بمحاكاة الهيمنة ذاتها، أي باختطاف خطاب العقلنة
والخبرة نفسه، وهو ما حصل في العهد الناصري،
صيف 2012
الذي بالكاد كتب عنه إشارات مقتضبة، ثمّ يتجاهل
أنَّ فكرة تصوّر العالم على أنّه موضوع بالنسبة إلى
المجتمع المصري هي بحدّ ذاتها بوّابة الانتقال إلى مصر
الحديثة، ويبدو أنّه لا بدّ لنا من الاعتراف بأنّه ما كان
بالإمكان شيوعها كثقافة من دون الاتّصال بالغرب،
حتّى لو كانت الّكات الاستعماريّة إحدى الطّرق
إلى ذلك. لمٌ تكن مصر هي الوحيدة التي ساهمت فيها أوبئة
قاتلةٌ في إعادة صياغة هويّة أمّةٍ ما، والمشرق العربي
زاخرٌ بحشرات قتلت معظمَ سكّان منطقةٍ ما، كما
حدث في سورية الكبرى مثالً، حين أبادت مجاعة عام
الجراد ما يقاربُ نصفَ عدد السكّان في الحرب
العالميّة الأولى، ولم يكن الأهالي، ولا الحركات القوميّة
الفتيّة، حينها قد احتاجت إلى تقارير الآلة الحاسبة
الاستعماريّة لاستحضار هذه الكارثة لتفتيت ما بقي
من هويّةٍ عثمانيّة، بل إنَّ معنى الثقافة لدى جمهرةٍ من
الأنثروبولوجيين لا يقفزُ عن كونه إعادة إنتاج المعنى
من الرّموز والوقائع التي يواجهها شعبٌ ما، ومن
بَديهِالقول إنَّ الرموز تشملُ ما هو بشريٌّ، وما هو
غير بشريٍّ، وليس سدّ أسوان، ولا بعوضة الملاريا،
أكبر أو أصغر من طاعون غربِ أوروبا في القرون
الوسطى. واستنادًا إلى مقولةِ" لا أوروبا بعد أوروبا "، فإنّه في
دول الأطراف يصعبُ الحديث عن إصلاح سياسي
واقتصاديٍّ على مستوى بناء الأمّة من دون اختلاطه
بالتدخّل الأجنبي والأجندة الاستعماريّة، والنقطة
الحاسمة دومًا هي في قدرة حركةٍ وطنيّةٍ على قطفِ
ثمار الحداثة وفرضِ الاستقلال، وبالط بع لا يكون
ذلك بنقد الحداثة، وإنمّا باختطافها وتبنّيها. إنَّ تنقّل ميتشل بين ثنائيّة الذّات والموضوع، أو الواقع
والمثال، في مختلف فصولِالكتاب؛ أي كشف المفارقة
بين النّموذج النظري المبسّط والواقع المركّب والزّاخر
بالتوتّرات والقوى المحلّية يمكن تلافيه بالتّمييز
انلهيغلي بين الماهيّة والوجود، فالوجودُ هو المتعي
الموجود فعالً، بينما تحيلُ الماهيّة إلى الممكن، ولا شكّ
في أنّ الإمكانيّة تحملُ في جوهرها إعادة الالتحاق
دومًا بالموجود، وصحيح أنَّ نقدًا ثقيال دشّنته مدرسة
فرانكفورت حول تشيُّؤ الأداة النظرية وتج ها
بالواقع، بل وذهبت إلى اعتبار العقلنة بوصفها
تشيّؤًا، إلا أنَّ هذا النّقد في نهاية المطاف يصبّ في
صُلبِ نظريّة المعرفة، ويصلح لأيّ عُدّةٍ نظريّة سواء
أكانت استعماريّة أم لم تكن. سيكون من المفيد في هذه الحالة موضَعة مُساهمة
ميتشل في سياق نقدِ الحداثة من داخلها، وبخصوص
مدرسة ما بعد الاستعمار، فإنَّنا غالبًا ما نكتشف أن
البدائل التي يقدّمها تلاميذها إلى القوميّة ونموذج
الأمّة - الدولة هي الأخرى إستراتيجيّاتٌ استعماريّة،
فقد عوّل تشاترجي، الذي قرأ تجربة الهند، على
التراث، لأنّه برأيه " غير قابل للاستعمار "، أي لم
تصله بعد أيادي الإمبرياليّة، لكنّنا في الفضاء العربي
سنجدُ أنّ الحداثةَ الأوروبيّةَ المفروضةَ من الخارج،
أصابت بلوثتها كلّ التراث بمعانيه الضيّقة، وغ ت
معانيه ووظائفه، فالاستعمار الأوروبي منذ فترةٍ
مبكرة اخترق، واستعمل، ال اث وتجلّياته من طائفة
وعشيرة ومذهب. تتقصّدُ مثلُ هذه الكتابات الهربَ من الحكاية
الكبرى، ومحاولة الانفلات - على حدّ تعبير فرانسوا
ليوتار- من الثّمن الباهظ؛ الرّعب الرّهيب، الذي
يُدفع مقابل " الحنين إلى الكلّ وإلى الواحد "، وكأن
الواحدَ أوحد لا متعدّد، وكأنّ الحكايةَ الكبرى
حكايةٌ واحدةٌ لا حكايات، وكأنّ الثمن الذي دفعه
العرب للهروب من " نزوات الخيال " و " ما يمكن
الشّعور به "، كان أقلّ هوالً ورعبًا. هكذا إذًا، فإنّ إشكاليّة الكتاب بما يحويه من
طروحات نظريّةٍ مهمّة، هي ازدواجيّة تفكيكيّته،
فهو من جهةٍ يفكّك استعمار مصر، ومن جهةٍ أخرى
يفكّك الطّريق الوحيدة لمقارعة الاستعمار: الأمّة
وبناء الدولة المصريّة، ولا يقلّل هذا من قيمة الكتاب
إذا تمّت قراءته في إطار هموم الكاتب، لا في إطار هم
المجتمعات العربيّة. خلاصة القول، لا بدَّ من الاعتراف بأنَّ نصًّا واحدًا
لُا يمكن له الإحاطة بمساهمة الكاتب التي تُعد
- بلا مبالغةٍ- سَبقًا في إعادةِ قراءة جدليّة المُستعمِر
والمُستعمَر في مصر الحديثة، وإح اللمفهوم
التواريخ بدالً من مفهوم التاريخ الأوحد، وتفكيكًا
مه لخطابات الهيمنة، وتشخيصًا لمقولة سلطةِ
المعرفة والتّعريف والتّصنيف في التاريخ المصري
المعاصر والحديث.
الهوامش
1 كان جهد " مدرسة التّابع " منصبًّا على نقد الكتابات القومية
الحديثة في الهند، التي " تصف الأمّة بأ ا فاعل تاريخي يتوصّل إلى
إدراك ذاته في العصر الحديث، وتستعير نظرةً غربيّة إلى الحداثة
والتقدّم والذاتية والامتلاك التدريجي للعقلانية والعقل من جانب
شعب من الشعوب. ويجري بالتالي فهم التاريخ بوصفه سيرورة
عالميّة لتحقّق مبدأ العقل هذا ". راجع: تيموثي ميتشل، " مدرسة
دراسات التابع ومسألة الحداثة "، ترجمة بشير السّباعي، عن مجلّة:
Alif: Journal of Comparative Poetics , "Post-Colonial Discourse in South Asia", No. 18 (1998), pp. 100 - 121.
2 مع أنَّ بندكت أندرسون ا ذ مسارًا مشابهًا حين رصد نشوء
القوميّة كجماعة متخيّلة نتجت أساسًا من رأسمالية الطّباعة
وأجهزة التعليم في مجتمعات مستوطنين أميركا اللاتينية، إلا أنّه لم
يستنتج أنّ القوميّة هي منتج استعماري. انظر: بندكت أندرسون،
الجماعات المتخيّلة: تأملّات في أصل القوميّة وانتشارها، ترجمة
ثائر ديب، تقديم عزمي بشارة (بيروت - دمشق: دار قدمس،
200993)، ص -.104
والحال أنّه من الممكن أن يُستنتج من كلتا الأطروحتين أنَّ الحالة
القوميّة بنشوئها مبكّرًا خارج المركز، أ ا ظاهرةٌ غير استعماريّة
وليست سرديّة متمركزة أوروبيّا.
3 رأى هنري لوفيفر أنَّ الرأسماليّة لم تقم إ بقدرتها على اختراع
الفضاء، أي بتحويله إلى موضوع يدخل في سيرورة التّبادل في
رأس المال، بل إنّه يذهب إلى وصف هذه الخاصية بأيديولوجية
رأس المال وقوّته، انظر:
Henri Lefebvre, The Production of Space , Translated by Donald Nicholson-Smith (UK/USA: Blackwell, 1991), pp. 53-59, 95.
ويمكن اعتبار عمل ميتشل في هذه النقطة امتدادًا لعمل لوفيفر،
أكثر من كونه امتدادًا لعمل هومي بابا، لكنَّ ميتشل يصبّ جهده
على التّفرقة بين امتلاك المكان في سياق تطوّر الحداثة الغربيّة، وبين
امتلاكه في السّياق الاستعماري. انظر:
Timothy Mitchell, "Stage of Modernity", In: Timothy Mitchell (ed.), Questions Of Modernity (Minneapolis: University of Minnesota Press, 2000), pp.1-34, 17.
صيف 2012
4 يتابع ميتشل هنا ما كان قد بدأه في كتابه الأوّل، ليكشف أنَّه
ما كان بالإمكان قيام مصر الحديثة من دون حملة التحديث الغربي
التي أشرف عليها خبراء فرنسيّون، والتي رافقت عملية رسملة
المجتمع في عهد محمد علي باشا، وليتمّ تدشين مؤسسات تعليمية
وأنظمة مؤسساتية غ ت المعرفة التقليدية، وبدّلت شكل النخب
حتّى أنتجت موقفًا مثل موقف محمد عبده الذي بحث في لحظةٍ
ما عن نقاط التقاء مع الكولونيالية الإنكليزية. راجع: تيموثي
ميتشل، استعمار مصر (القاهرة: سينا للنشر،.)1990 5 يقول مارتن هيدغر: " إنّ العمليّة الأساسيّة للعصور الحديثة
هي غزو العالم من حيث هو صورة متمثّلة. ففي العصر الإغريقي
العظيم، بل وفي العالم الوسطوي المسيحي نفسه، كان من المستحيل
قيام شيء مثل تصوّر العالم. أمّا الحداثة فلم تقم كما هي إلا عندما
أصبح الإنسان ذاتا، والعالم صورة متمثّلة ".
Martin Heidegger, The Question Concerning Technology and Other Essays, Translated By William Lovit (NY & London: Garland Publishing, 1977), p. 137.
6 سليم تماري، عام الجراد: الحرب العظمى ومحو الماضي العثماني
من فلسطين (بيروت: مؤسّسة الدّراسات الفلسطينيّة؛ ورام الله:
مؤسّسة الدّراسات المقدسيّة،.)2008 7 عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدّمة لبيان ديمقراطي
عربي، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)،
ص 128 -.129 8 المرجع نفسه، ص 20،.66 9 حول تلخيص ممتاز لنقد مدرسة فرانكفورت، انظر: آلن هاو،
النّظريّة النّقديّة: مدرسة فرانكفورت، ترجمة ثائر ديب (القاهرة:
المركز القومي لل، 2010.137-101)، ص جمة
Partha Chatterjee, The Nation and Its Fragments: Colonial and Postcolonial Histories (Princeton: Princeton University Press, 1993), pp. 40-42.