استطلاع مؤشّر الرّأي العام العربي 2011 – 2010: دراسة حالة لبنان
Arab Public Opinion’s Index 2010-2011: Lebanon Case Study
الملخّص
بين استقالة حكومة سعد الحريري وتأليف حكومة نجيب ميقاتي جرى استطلاع للرأي في لبنان في ي ربيع العام 2011 تناول جملة من الأمور المتّصلة بالمعيشة والأمن، ومدى الثقة بالمؤسسات الرسميّة الأمنيّة والسياسيّة، وطبيعة المشاركة في الحياة العامة، ومعنى التديّن ودور الدين في المجال العام، وخصوصيّة تصوّرات الطوائف بشأن القضايا العربيّة، ومصادر تهديد الأمن، ومدى الاستعداد للاعتراف بإسرائيل. جاءت المحصلة متفاوتة نسبيًا بين الطوائف والمناطق والفئات الاجتماعيّة في النظرة إلى مختلف يً الأمور المطروحة على ساحة قلقة في تعاملها اليومي والظرفي مع محيط غير مستقر وعلاقات داخليّة غير منضبطة في إطار دولة لا تمتلك رؤية رسميّة موحّدة لكلّ اللبنانيين.
Abstract
During the Spring 2011 period between the resignation of Saad Hariri’s government and the formation of Najib Mikati’s replacement, a public opinion poll was conducted. The poll centered on issues related to daily living. It included questions on matters of: security, extent of trust in official security and political institutions, ways of participation in public life, meaning of religiosity and the role of religion in public domain, how different sects perceive Arab issues, sources of perceived security threats and level of readiness to recognize Israel. Analysis of the poll revealed results that were largely uneven across sects, provinces, and social groups when it came to identifying major issues. Findings showed that there were varied understandings of the reasons underlying the uncertainty of daily dealings with an unstable surrounding environment, and unregulated internal relationships within a state that lacks a unifying, official vision inclusive of all Lebanese.
- المؤشر العربي
- الرأي العام العربي
- استطلاع الرأي
- الطائفية
- مؤسسات الدولة
- Public Opinion
- Lebanon
- Najib Mikati
- Saad Hariri
بين استقالة حكومة سعد الحريري وتأليف حكومة نجيب ميقاتي جرى استطلاع للرأي في لبنان في
ربيع العام 2011 تناول جملة من الأمور المتّصلة بالمعيشة والأمن، ومدى الثقة بالمؤسسات الرسميّة
الأمنيّة والسياسيّة، وطبيعة المشاركة في الحياة العامة، ومعنى التديّن ودور الدين في المجال العام،
وخصوصيّة تصوّرات الطوائف بشأن القضايا العربيّة، ومصادر تهديد الأمن، ومدى الاستعداد
للاعتراف بإسرائيل. جاءت المحصلة متفاوتة نسبيا بين الطوائف والمناطق والفئات الاجتماعيّة في النظرة إلى مختلف
الأمور المطروحة على ساحة قلقة في تعاملها اليومي والظرفي مع محيط غير مستقر وعلاقات داخليّة
غير منضبطة في إطار دولة لا تمتلك رؤية رسميّة موحّدة لكلّ اللبنانيين. جرى تنفيذ استطلاع الرّأي في لبنان بين النصف الثاني من شهر آذار / مارس وبداية شهر
نيسان / أبريل 2011، وهي فترة حسّاسة ومضطربة في الوضع السياسي والمؤسسّي في لبنان. وليست
هذه الفترة هي الأمثل من أجل تنفيذ استطلاعات الرّأي، لأ ا تتأثّر بالأمزجة الشخصيّة. لكن عدم الاستقرار
السياسي والمؤسسّي في لبنان حالة مزمنة، ولا يُتوقّع أن يكون هناك اختلافاتٌ جوهريّةٌ في ا اهات الرّأي العامّ
للّبنانييّن خلال السّنوات الأخيرة، باستثناء ما يتّصل بالموقف من الحكومة بشكل خاصّ. والسّبب في ذلك
هو أنّه في أثناء إجراء الاستطلاع لم تكن هناك حكومة قائمة، ما يخلق التباسات كبيرة بشأن الأسئلة الم تعلّقة
بالأداء الحكومي. استقالت حكومة الرّئيس سعد الحريري في 12 كانون الثاني / يناير 2011، وكانت حكومة وحدة وطنيّة
تألّفت بعد اتّفاق الدوحة في عام 2008. وتمَّ تكليف الرئيس الحالي نجيب ميقاتي في 25 كانون الثاني / يناير،
لكن الحكومة لم تتألّف حتّى شهر حزيران / يونيو من العام نفسه، أي إنّه لم تكن هناك حكومة لحظة إجراء
صيف 2012
الاستطلاع، وكان هناك ردُّ فعل قويّ على الاستقالة - التكليف عزَّزَ الانقسام السياسي القائم أصالً في البلاد
بين ائتلافين سياسييّن كبيرين، ائتلاف 8 آذار، وائتلاف 14 آذار، القائم منذ عام.2005 وبصفة عامّة، يتشك ل المناخ والإطار العامّ السياسيّان في مرحلةٍ واحدة بدأت ممهّداتها مع محاولة اغتيال النائب
والوزير السّابق مروان حماده في الأوّل من تشرين الأوّل / أكتوبر 2004، وارتسمت بوضوح مع اغتيال رئيس
الحكومة الرئيس رفيق الحريري في الرّابع عشر من شباط / فبراير 2005، وما تلاها من احتجاجات جماهيرية لم
يسبق لها مثيل في تاريخ لبنان من حيث نسبة المشاركة التي شملت في الجهتين المقابلتين ما يقارب نصف الشّعب
اللبناني الذي نزل إلى الشوارع للتعبير عن رأيه. وتشكّل في شهر آذار / مارس 2005 الائتلافان السياسيّان
اللذان لا يزالان حيُكمان السّيطرة على الحياة السياسية في لبنان، وهما ائتلاف الثامن من آذار الذي تكوّن إثر
مظاهرة حاشدة تمّت في ساحة رياض الصلح، تحت شعار شكرًا سورية، ثمّ تشك ل الائتلاف الثاني في الرابع
عشر من آذار الذي ظهر تحت هذا الاسم إثر مظاهرة حاشدة في ساحة الشهداء في بيروت - وهي الأكبر في
تاريخ لبنان - وكان الخلاص من الوصاية السوريّة والنظام الأمني اللبناني أبرز مضامينها. كانت أبرز الأحداث التي مهّدت لهذين التاريخين، موجة الاحتجاجات والاعتصامات التي تلت اغتيال الرئيس
الحريري وتشييعه الحاشد، ثمّ سقوط حكومة الرّئيس عمر كرامي في مجلس النوّاب على وقع الاعتصامات
الجماهيريّة المستمرّة في ساحة الشهداء. وقد تميّزت هذه الفترة بقرار القيادة السوريّة الانسحاب في لبنان الذي
ا ذته مطلع آذار / مارس، استجابةً لقرار مجلس الأمن رقم 1559، ثمّ انسحاب القوّات السورية في الخامس
والعشرين من شهر أيار / مايو من العام نفسه. تميّزت هذه الفترة أيضًا بموجةٍ من الاغتيالات التي طالت عددًا من القيادات السياسيّة والإعلامية، وبعددٍ
من التفجيرات المتنقّلة في بعض المناطق، ترافقت مع ا امات سياسية لجهات معيّنة بالوقوف وراءَها. وقد
دفعت الاغتيالات فريق الرابع عشر من آذار للدعوة إلى تشكيل محكمة دوليّة للتحقيق في اغتيال الرئيس
الحريري وموجة الاغتيالات التي تلت، ما أدّى إلى انقسام سياسي حادّ في اجتماع الحكومة الذي تلا اغتيال
الصّحفي جبران تويني في كانون الأوّل / ديسمبر 2005، أدّى إلى انسحاب وزراء حركة " أمل " و " حزب
الله " من الحكومة، ومعهم وزير مؤيّد لرئيس الجمهوريّة في حينه الرئيس إميل لحود. وعنى ذلك خروج
جميع الوزراء المنتمين إلى الطائفة الشيعيّة (جميعهم من حركة أمل وحزب الله)، ما اعتبر بنظر ائتلاف الثامن من
آذار خ الً ميثاقيًّا بخروج ممثلّي طائفة كاملة من الحكومة. وقد تمَّ تأليف المحكمة الدوليّة في الثلاثين من شهر
أيار / مايو.2007 جرت خلال هذه الفترة دورتان للانتخابات النيابيّة عامي 2005 و 2009، تمّت بشكل عامّ على أساس
الاستقطاب الثنائي بين الثامن والرابع عشر من آذار، خرقه ما عُرف بالائتلاف الرّباعي (أمل، حزب الله،
المستقبل، الاشتراكي) في بعض الدّوائر الانتخابيّة عام 2005. وقد أدّت الانتخابات إلى فوز ائتلاف الرّابع
عشر من آذار بأغلبيّة المقاعد، هي أغلبيّة غير كبيرة في كلّ حال. وقد تبدّلت الأكثريّة في عام 2011 عندما
انقسمت كتلة اللقاء الديمقراطي التي يرأسُها النّائب وليد جنبلاط، وقامت جبهة النّضال الوطني برئاسته، التي
انحازت إلى تكليف الرّئيس نجيب ميقاتي في كانون الثاني / يناير 2011، مرجّحة أغلبية طفيفة لصالح ائتلاف
الثامن من آذار، مع العلم أنّه اختار موقعًا سياسيًّا وسطيًّا ولم ينضمّ إلى الائتلاف. تشكّلت خمس حكومات منذ 2005، الأولى كانت حكومة انتقاليّة عابرة لأشهر عدّة بعد استقالة حكومة
استطلاع مؤشر الرأي العام العربي 2011-2010 - دراسة حالة لبنان
الرئيس عمر كرامي في عام 2005، وكُلّف برئاستها الرئيس نجيب ميقاتي بتوافق جميع القوى، وكانت مهمّتها
الإشراف على الانتخابات النيابية في عام 2005. وتمَّ ذلك. وتلاها تأليف حكومة الرئيس فؤاد السنيورة من
19 تمّوز / يوليو 2005 إلى 11 تمّوز / يوليو 2008، وكانت تضمّ خمسة وزراء لحركة أمل وحزب الله، وخمسة
وزراء من اختيار رئيس الجمهوريّة إميل لحود، و 15 وزيرًا لائتلاف الرابع عشر من آذار. وهذه التشكيلة محسوبة
بدقّة، حيث إنّ القرارات الحاسمة تتطلّبُ أكثر من ثلثي أصوات مجلس الوزراء (أي 16 صوتًا، وهو ما لا يملكه
ائتلاف الرابع عشر من آذار)، كما لا يملك ائتلاف الثامن من آذار إسقاط الحكومة الذي يتطلّب أكثر من الثّلث. انسحب وزراء أمل وحزب الله من الحكومة في تشرين الثاني / نوفمبر 2006، ومعهم وزير مؤيّد لرئيس
الجمهورية، ولم تسقط الحكومة، لكن حصل عطبٌ سياسي أدّى إلى تعطيل عملها فعليًّا، خصوصًا مع عدم
اعتراف رئيس المجلس النيابي بشرعيّتها، وتمَّ تعليق اجتماعات البرلمان منذ 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2006
حتّى 21 أيار / مايو 2008 بعد اتّفاق الدوحة. وخلال هذه الفترة كان العمل التشريعي معطاّل تمامًا، ومعها
جوانب أساسيّة من العمل الحكومي، لا سيمّا عدم قدرتها على إصدار الموازنات السنويّة التي تتطلّب موافقة
المجلس النّيابي. في تمّوز / يوليو 2006 شنّت إسرائيل حربها على لبنان التي استمرّت 33 يومًا، وخلّفت خسائرَ بشريّة ومادّية
كبيرة، انتهت بالاتّفاق على قرار وقف إطلاق النار رقم 1701، وإرسال قوّات دوليّة لحفظ السلام إلى الجنوب.
ولم تكد حرب تمّوز تنتهي في الرابع عشر من شهر آب / أغسطس 2006 حتّى تصاعد التوتّر السياسي مجدّدًا
على خلفيّة الاعتراض على شرعيّة حكومة الرئيس السنيورة والمطالبة باستقالتها، وبدأت المعارضة في حينه
اعتصامًا في وسط بيروت، وحاصرت مقرّ الحكومة ابتداءً من 30 تشرين الأوّل / أكتوبر 2006، واستمرّ هذا
الاعتصام حتّى اتّفاق الدوحة 21 أيار / مايو.2008 أدّى هذا العطل في الحياة الدستوريّة وتعليق جلسات مجلس النوّاب إلى تعطيل انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة،
وحصل فراغ رئاسي بين 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2007 و 25 أيار / مايو 2008، حين انتخب الرئيس الحالي ميشال سليمان بموجب تفاهم القوى في الدوحة. وكان هذا الاتّفاق قد تمَّ التوصّل إليه بعد بلوغ التوتّر السّياسي
أقصاه في شهر أيار / مايو 2008، عندما قرّرت الحكومة إقالة بعض المسؤولين الأمنييّن المحسوبين على ائتلاف
الثامن من آذار، فردَّت هذه القوى بالدّخول عسكريًّا إلى بيروت، ما اعتبرته قوى الرابع عشر من آذار اجتياحًا
واحت الً لبيروت من قبل حزب الله بشكل أساسي. وحصلت مواجهات مسلّحة أدّت إلى تدخّل عربي، فتمَّ جمع
القيادات السياسيّة في الدوحة، حيث تمَّ التوصّل في الحادي والعشرين من أيار / مايو إلى اتّفاق تضمّن إجراء
انتخابات رئاسة الجمهوريّة، وتأليف حكومة جديدة، يكون فيها لقوى الثّامن من آذار الثلث المعط ل / الضّامن
(11 وزيرًا من أصل 30)، كما توافقت على ملامح قانون الانتخابات النيابيّة. قامت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الثانية بين 11 تموز / يوليو 2008 إلى 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2009، وكانت حكومة وحدة وطنيّة، تمثّل فيها الائتلافان السياسيّان، واستمرّت حتّى إجراء الانتخابات النيابيّة في
حزيران / يونيو 2009، والتي فاز فيها أيضًا ائتلاف الرابع عشر من آذار. وأل ف بعدها الرئيس سعد الحريري
حكومته في 10 كانون الأوّل / ديسمبر 2009، التي تضمّنت 11 وزيرًا من مؤيّدي الثامن من آذار، ما مك نهم
من إسقاطها في 12 كانون الثاني / يناير 2011. وقامت حكومة الرئيس ميقاتي الحاليّة.
صيف 2012
ومن الأحداث المهمّة جدًّا التي ميّزت هذه المرحلة أيضًا حرب مخيّم نهر البارد (مخيّم ل جئين الفلسطينييّن في
شمال لبنان)، وهي حربٌ نشبت بين 20 أيار / مايو والثاني من أيلول / سبتمبر 2007 بين الجيش اللبناني
من جهة، وتنظيم " فتح الإسلام " الذي سيطر على المخيّم الفلسطيني. وأدّت هذه الحرب إلى خسائرَ كبيرة بين
صفوف الجيش اللبناني، وإلى تدمير كامل لأقسام كبيرة من المخيّم وتهجير كلّ أهله. وكان لهذه الحرب تداعيات
كبيرة، وظهرت مواقف الأطراف السياسيّة المختلفة إزاء المؤسّسات الأمنيّة، وتحديدًا تجاه الجيش اللبناني. هذه بعض المحطّات الأكثر أهمّية في الحياة السياسيّة والمؤسسيّة في لبنان، التي سبقت إجراء الاستطلاع وأحاطت
به. ويجب أن نُضيف أ ا كانت تجري على خلفيّة من السِّجالات السياسيّة المستمرّة التي لم تنقطع إطلاقًا طوال
هذه الفترة، وهو ما يجعل منها مرحلة متماسكة تتميّز بتغليب منطق الاستقطاب والسّجال والمواجهات ذات
النّكهة السياسية - الطائفيّة - المناطقية على منطق الحوار والتّوافق. وهذا ما سنرى تأثيراته في وجهات نظر
اللبنانييّن المستجيبين.
أولا: تقييم الأسر الذّ اتي لوضعها المعيشي
يحتلّ تقييم الأسرة لوضعها الاقتصادي مكانًا محوريًّا بالنسبة إلى الأسرة نفسها، كما بالنسبة إلى كلّ مناهج البحث
التقليدية. وفي الحالة اللبنانية فإنّ حوالى نصف الأسر (%49) هم غير راضين إلى حدٍّ ما، أو غير راضين إطلاقًا عن وضعهم الاقتصادي.
هل أنت راض عن الوضع الاقتصادي لأسرتك؟ (٪)
ما هو وضع موازنة أسرتك؟ (٪)
وإذا أردنا تحويل هذا التوزيع إلى توزيع ثلاثيّ بدالً من الرُّباعي، فإنّنا نعتقدُ أنّه يمكن جمع الفئتين في الوسط
في فئةٍ واحدة، هي فئة تُع عن رضى، أو عدم رضى جزئيّ، تشكّل معًا حوالى%54 من الأسر. وفائدة ذلك
هو بإمكانيّة مقارنة هذا التّوزيع وضعيّة موازنة الأسرة ذات الاحتمالات الثلّاثة: الوفر، والكفاية، والعجز،
التي بيّنت أنّ حوالى %15 فقط من الأسر ترى أنّ دخلها كافٍ لتلبية احتياجاتها، وتحقّق وفرًا، في حين أنّ%36
من الأسر تعاني عجزًا في موازنتها، والوسيلة الأساس لسدّ العجز هي الاستدانة (حوالى %46) يليها بالأهمّية
اللّجوء إلى عمل إضافيّبنسبة %15، و%31 تحويلات من خارج البلاد.
استطلاع مؤشر الرأي العام العربي 2011-2010 - دراسة حالة لبنان
ومن حيث المبدأ، فإنّ الأسر التي قالت إنّ وضعها غير مرض إطلاقًا يُفرتَض أن تكون أسرًا تعاني حالة الفقر
أو الحِرمان، وإنّ دخلها أقلّ من إنفاقها، لذلك فإنّ موازنتها هي على الأرجح في حالة عجز. وعلى الرغم من أنّ
هذه المفاهيم لا تتطابق تمامًا، إلا أ ا تشكّل مؤًّا عامًّا يُعطي فكرةً عن الصورة الإجماليّة. وفي الحالة اللبنانيّة،
فإنّ مقارنة هذه النّسب مع ما هو متوافر من تقييم لنسب الفقر أو الحرمان المعتمدة في لبنان، تُظهر تقاربًا بين
هذه النّسب، ما يُعطي مصداقيّة لنتائج استطلاع الرّأي. لكن عدم الرضّى يتفاوت بين مجال وآخر من مجالات المعيشة. وبشكل عامّ، اللبنانيون أقلّ رىضً عن وضعهم
الاقتصادي مقارنة بالمجالات الأخرى، بينما هم راضون عن صحّتهم، وعن أمانهم الشخصي في أماكن سكنهم،
وحتّى عن عملهم، وعن حياتهم بمجملها، إذ أنّ نسبة الذين يشعرون برىضً كامل عن هذه المجالات تتراوح
ما بين ضعفي وأربعة أضعاف من يشعرون بالرضّى عن وضعهم الاقتصادي، الذين لا تزيد نسبتهم على %13
(إجابة راضٍ جدًّا.)
رضى الأسرة عن مجالات المعيشة)%(
كما أنّ نسبة الرضى عن الوضع الاقتصادي المباشر للأسرة مختلفة بشكل كبير عن الرضّى عن الوضع الاقتصادي
العامّ في البلاد. إذ أنّ نسبة من يشعرون بالرضى التامّ أو الجزئي عن الوضع الاقتصادي العامّ في البلاد لا تزيد
على %10، في حين أن %89 هم غير راضين كلّيًّا أو جزئيًّا. وبالتالي فإنّ الارتباط الم باشر ضعيف بين تقييم الأسر
لوضعها الاقتصادي الخاصّ وللوضع الاقتصادي العامّ في لبنان، حيث هي أكثر تشاؤمًا بالنّسبة إلى هذا الأخير،
وترى فيه فرصًا كبيرة للتحسين، في حين أنّ نظرتها إلى وضعها الخاصّ أكثر واقعيّة وقبوال بما هو متاح، بحسب
ما يوحي به هذا التّفاوت. ويتميّز لبنان بوجود تفاوت مناطقي كبير في مؤّات التنمية الاجتماعية والاقتصاديّة خصوصًا، هو تفاوت
موروث منذ عقود كثيرة، ولم تنجح السياسات المعتمدة منذ الاستقلال وحتّى الوقت الرّاهن في إزالته، وإن
تغ ت خصائصه. وبشكل عامّ فإنّ المؤّات الاقتصادية (والتنمويّة العامّة) في بيروت وجبل لبنان هي أفضل
صيف 2012
ا هي عليه في المحافظات الأخرى التي غالبًا ما تُوصف بأ ا تمثّل لبنان الطرفي (مقابل لبنان المركزي.) وبيّنت نتائج الاستطلاع تفاوتًا أقلّ من المتوقّع في نسبة الأسر التي ترى أنّ وضعها الاقتصادي مرضٍ جدًّا،
تراوح بين حدّ أدنى هو %10 في محافظة البقاع، و%15 في محافظتي بيروت والشمال، و%14 في جبل لبنان. ولم
يشذّ عن ذلك سوى محافظة النبطيّة التي كانت هذه النسبة فيها %4 فقط. في المقابل، فإنّ نسبة الأسر التي رأت
أنّ وضعها الاقتصادي غير مرضٍ إطلاقًا سجّلت نسبًا مرتفعة ومتقاربة في بيروت وجبل لبنان والشمال، في حين
كانت النّسب أقلّ في البقاع والجنوب والنبطية، وسجّلت النسبة الأدنى في النبطيّة أيضًا، حيث إنّ نسبة الأسر
التي رأت أنّ وضعها الاقتصادي غير مرضٍ إطلاقًا هي%15، في حين أنّ هذه النسبة بلغت أعلى مستوى لها
في بيروت، وهو %40. وإذا اعتبرنا أنّ التقييم الذّاتي للأسرة مع عن وضعيّة الأسرة الاقتصادية من الناحية
الموضوعيّة أيضًا، فإنّ بيروت تضمُّ أعلى نسبة من الأسر المرفّهة والرّاضية عن وضعها %15، وأعلى نسبة من
الأسر التي ترى نفسها محرومة (%40). في المقابل فإنّ محافظة النبطيّة تضمّ أدنى نسبة من الأسر المرفّهة (%5)،
وأدنى نسبة من الأُسر التي تعدّ نفسها محرومة أيضًا (%15). وهذه النّتائج مخالفة للمتوقّع، ومخالفة للقياسات
الموضوعيّة المنفّذة في لبنان، ومخالفة للملاحظة العلميّة المباشرة. ومع ذلك فإنّ بعض جوانبها قابلة للتّفسير،
وهي مع ة عن واقع موضوعي من النّاحية النوعيّة على الأقلّ، وبغضّ النّظر عن الأرقام.
رضى الأسرة عن مجالات المعيشة)%(
تُشير النّسب المرتفعة للأسر التي تعدّ نفسها مرفّهة، والأسر التي تعدّ نفسها محرومة في بيروت إلى ثلاث نقاط: إنّ في بيروت تفاوتًا اجتماعيًّا مه، بحيث تضمّ من يعدّون أنفسهم أغنياء، ومن يعدّون أنفسهم فقراء،
في حين أنّ التّفاوت في محافظة النبطيّة أقلّ، وهو أمر يُمكن تفسيره بالهجرة الخارجيّة والداخليّة من هذه
المحافظة التي تعرّضت للاحتلال (وكذلك محافظة الجنوب) ولموجات نزوح متتالية إلى ضاحية بيروت
الجنوبيّة، وهو ما يُفسرّ تقارب المستوى الاجتماعي للسك ان المقيمين فيها، وهم جزء فقط من المواطنين
المسجّلين في هذه المحافظة، حيث نسبة كبيرة منهم مقيمة في ضواحي بيروت. إنّ كلفة المعيشة في بيروت أعلى منها في المناطق الأخرى، وهو ما يجعل التفاوت بين المداخيل والنفقات
في بيروت أكثر أهمّية منه في المناطق الأخرى، حيث الأسعار أقلّ، وكلفة المعيشة أكثر انخفاضًا، وفي
المناطق الريفيّة، حيث يمكن تدبُّر بعض تكاليف المعيشة من خلال الاستهلاك الذّاتي والتّعاون العائلي. إنّ توقّعات الناس تتفاوت بحسب المناطق، وبحسب الصّعوبات التي واجهتها، وبحسب نمط الحياة.
استطلاع مؤشر الرأي العام العربي 2011-2010 - دراسة حالة لبنان
ومن الطّبيعي أيضًا أن تكون التوقّعات في العاصمة أعلى ا هي عليه في المناطق الأخرى، في حين أنّ
المناطق التي عانت الحرمان المُزمن والاحتلال الطّويل والاعتداءات الإسرائيليّة، يكون النّاس فيها أكثر
قناعةً بما لديهم حاليًّا، مقارنةً بالوضع السّابق. هذا عدا عن مستوى الإحساس بالاندماج الاجتماعي
والتّمكين السياسي والنّفس - اجتماعي، وفاعليّة نُظم المساعدات غير الرسميّة خصوصًا، التي من
شأنها مجتمعة أن تؤثّر في الشّعور بالرضى أو عدمه.
رضى الأسر عن وضعها الاقتصادي بحسب المحافظات)%(
بيّنت النتائج أيضا أنّ الأمّيين أكثر رىضً عن وضعهم الاقتصادي ن هم أكثر تعليامً، وهذا أيضًا يتعلّق
بالتوقّعات، وبنمط العيش والحاجة إلى إنفاق أعلى لتلبية احتياجات أكثر ونوعيّة خدمات أعلى كلمّا ارتفع
المستوى التعليمي. ويشذ عن هذا الا اه الأشخاص من ذوي المستوى التعليمي دون الثانوي، إذ أنّ حصولهم
على مستوى من التعليم رفع توقّعاتهم، لكنّه لم يؤهّلهم بما يكفي لدخول سوق العمل وممارسة مهن متُك نهم فعليًّا
من الحصول على دخلٍ مرتفع. ولذلك كانت الفجوة بالنّسبة إلى هذه الفئة أكبر ا هي عليه بالنسبة إلى الفئات
الرضى عن الوضع الاقتصادي للأسرة بحسب المستوى التعليمي)%(
صيف 2012
الأخرى. مع ذلك فإنّ ما يلفت هو أنّ مستويات الرضّى متقاربة بين الأمّيين، وذوي مستويات التعليم المرتفعة،
وهي أفضل عند الأمييّن منها عند الجامعييّن. وهذا يثير التساؤل مهما كانت التفسيرات التي تعطى لذلك، ومهما
كان التّفاوت في الأمزجة والتوقّعات. بالنسبة إلى العمر، فإنّ نسبة الذين عدّوا الوضع الاقتصادي غير مرضٍ إطلاقًا ترتفع بشكل ملحوظ مع العمر،
خصوصًا بالنّسبة إلى من هم فوق ال 55 سنة، وتبلغ أقصاها %38، في حين أنّ النّسب متقاربةٌ بالنّسبة إلى من
يعدّون وضع أسرهم مرضيًّا جدًّا. ويتّفق ذلك مع نتائج الدّراسات السابقة التي بيّنت أنّ فئة المسنيّن هي من
الفئات الاجتماعيّة الأكثر حرمانًا في لبنان. وقد يخفِّفُ من ذلك نظام التّضامن العائلي، خصوصًا في البيئات
الريفيّة، أو حيث الترابط العائلي لا يزال قويًّا وفاعالً، إلا أنّ المشكلة قائمة على المستوى الوطني.
الرضى عن الوضع الاقتصادي للأسرة بحسب العمر)%(
الأمان الشّخصي والعامّ والسّياسة يشعر اللبنانيون بالرضّى عن مستوى أمانهم الشخصي بنسبةٍ أعلى من إحساسهم بالأمان العامّ في البلاد. وإذ
يرى %31 من المستجيبين أنّ الوضع الأمني في مناطق سكنهم غير مرضٍ إطلاقًا، أو غير مرضٍ جزئيًّا، فإنّ
هذه النسبة تصل إلى %76 عندما يتعلّق الأمر بالرضّى عن الأمان العامّ في البلاد. في حين أنّ للأمان الشخصي
في مكان السّكن طبيعةً مختلفةً، إذ يتعلّق بأمان الحيّ ونسبة الجرائم، أو السرّ قات وما شابه، أي ما له طابع
جنائي؛ فإنّ مفهوم الأمان على مستوى البلاد إنمّا يرتبط بالشعور بالاستقرار السياسي، أو الاستقرار الأمني
الذي له طبيعة سياسيّة، أو طبيعة أمنيّة مرتبطة إمّا باعتداءات محتملة (من قبل إسرائيل على سبيل المثال التي
يبقى خطر قيامها باعتداءات على لبنان قائامً)، وإمّا بإشكالات أمنيّة ناجمة عن نزاعات مسلّحة بين الأطراف
اللبنانيّة لأسباب لبنانيّة، أو امتدادات وارتدادات لصراعات إقليميّة على أرض لبنان. وهذا يعني باختصار أن
ثلاثة أرباع المستجيبين يعتقدون أنّ الوضع غير مستقرّ أمنيًّا في لبنان، وأنّ احتمال تفجيرات أمنيّة أو حروب أو
اعتداءات هو احتمال واردٌ بنسبةٍ كبيرة. ويتوافق هذا التقييم السّلبي للوضع الأمني العامّ في لبنان مع التقويم الأكثر سلبيّة للوضع السياسي، حيث تبلغ
نسبة عدم الرضّى الك أو الجزئي %90 من اللبنانييّن. وتجد هذه النسبة تفسيرها المباشر في الوضع السّياسي
- المؤسسّي في البلاد بتاريخ تنفيذ الاستطلاع (كانت حكومة الرّئيس سعد الحريري قد استقالت في كانون
استطلاع مؤشر الرأي العام العربي 2011-2010 - دراسة حالة لبنان
الثاني / يناير 2011، وتمَّ تكليف الرئيس ميقاتي بتأليف الحكومة في الأسبوع الأخير من الشّهر نفسه، لكنّه
لم يكن قد ألّف الحكومة بَعد، حين نُفّذ الاستطلاع)، حيث كانت البلاد من دون حكومة عمليًّا. هذا عدا عن
عدم الرضّى المُتراكم عن الوضع السّياسي في لبنان خلال السّنوات الثلاث التي سبقت الاستطلاع، لا بل عدم
الرضّى الممتدّ أبعد من هذه السّنوات الثلاث، كما بينّا في المقدّمة عن الوضع السياسي والمؤسسّي في لبنان خلال
السنوات الأخيرة، ولا سيمّا منذ عام 2005 على الأقلّ. أمّا بالنّسبة إلى التّفاوتات المناطقيّة، فإنّ محافظة الشمال هي التي سجّلت أعلى نسبة من الإجابات التي رأت أن
وضع الأمان في منطقة السكن مرضٍ جدًّا (%45)، والأدنى في النبطيّة (%7). في المقابل فإنّ محافظة الشمال
سجّلت أيضًا أعلى نسبة من الإجابات عن أنّ الأمان في مكان السّكن غير مرضٍ إطلاقًا (21 في المئة)، والنّسبة
الأدنى هي النبطيّة أيضًا (%12). وثمّة نمط من توزيع الإجابات هنا يتكرّر في أكثر من سؤال، إذ تبدو بعض
المناطق أكثر حدّة في التعبير عن الرضّى الشّديد، أو عدم الرضّى الشّديد (الشمّال فيه هذه الحالة)، في حين تبدو
محافظة النبطيّة المثال النّقيض، حيث يفضّل المستجيبون في هذه المحافظة عمومًا الإجابات التي تقع في الوسط
(رضى جزئيّ أو عدم رضى جزئيّ)، وهو ما يبدو لنا - بسبب تكراره - نوعًا من السّلوك النفس - اجتماعي
الذي يفضّله سكّان المناطق الوسطيّة وغير المحدّدة، أو غير المستقرّة في التّعبير عن الموقف. ولا تلاحظ تفاوتات
ذات دلالة قويّة بالنّسبة إلى هذا السّؤال بحسب العمر أو مستوى التّعليم. أمّا بالنسبة إلى الرضّى عن الوضع الأمني العامّ في البلاد، فإنّه منخفض عمومًا، كما سبق بيان ذلك. وتسجّل
أعلى نسبة في بيروت (%9)، وأدناها في البقاع (%1). في المقابل فإنّ أعلى نسب من عدم الرضى في محافظات
البقاع وجبل لبنان والشمال (حوالى %70)، في حين سُجّلت أدنى النّسب في النبطيّة والجنوب (%23 و%37)،
ونلاحظ هنا أيضًا السِّمة نفسها، وهي أنّ نسبَ غير الرّاضين إلى حدٍّ ما هي الأعلى في هاتين المحافظتين (%37
و%38)، في حين أ ا %14، أو %15 في المحافظات الأخرى. وهنا أيضًا يظهر هذا التّفاوت في التعبير الذي
سبقت الإشارة إليه. أمّا بالنسبة إلى التّفاوت بحسب العمر فلا دلالة قويّة للنتائج، في حين يبدو أنّ الأمّيين
والمُلميّن بالقراءة والكتابة هم أكثر رىضً عن الوضع الأمني العامّ في البلاد من الأكثر تعليامً، إذ تبلغ نسبة غير
الرّاضين إطلاقًا ضمن هذه الفئة %40، في حين أ ا تتراوح بين %56 و%61 للمستويات الأخرى من التعليم. الثّقة بمؤسّسات الدولة السياسيّة نذكر أنّ مستوى الرضّى عن الوضع السياسي في لبنان متدنٍّ، حيث أن %90 من المستجيبين ع وا عن عدم رضى
ك أو جزئي عن الوضع السياسي في لبنان أثناء إجراء الاستطلاع. وتتعلّق هذه الفقرة بمدى الثّقة بمؤسّسات
الدولة السياسيّة من خلال ثلاثة أسئلة عن مدى الثّقة بالقضاء، وبمجلس النوّاب، وبالحكومة. وبشكل عام،ّ
هناك تدرّج، مع ميل عامّ إلى عدم الثّقة. وبالمقارنة بين المؤسّسات الثلاث، فإنّ القضاء حظي بثقة تامّة أو جزئيّة
بنسبة %38 من المستجيبين، في حين حصل مجلس النوّاب على %30، والحكومة على %19 (للتذكير أنّه في أثناء
إجراء الاستطلاع لم تكن هناك حكومة قائمة، بل كان قد تمَّ تكليف الرّئيس نجيب ميقاتي بتشكيل الحكومة
بعد استقالة حكومة الرّئيس سعد الحريري، ولم تكن الحكومة قد تأل فت بعد. وهذا عنصر مباشر في التّأثير في
الثّقة بالحكومة، وإن كان الميل العامّ لعدم الثقة بمؤسّسات الدولة هو ميل غالب، بغضّ النظر عن النّسب
والظروف الط.) ارئة وتوزّعت نسب الإجابات على النّحو التالي:
صيف 2012
الثّقة بالمؤسسات السياسية)%(
بالنسبة إلى التفاوتات في الثّقة بالقضاء، يتب أنّ محافظة البقاع تمثّل أعلى نسبة مع عدم الثقة بالقضاء، إذ يثق
بالقضاء ثقة تامّة %5 فقط من المستجيبين، تليها محافظة النبطيّة مع نسبة %8 (في حين النسبة الأعلى هي الجنوب
%22). وكذلك تسجّل في البقاع النسبة الأعلى لمن لا يثقون إطلاقًا بالقضاء، وهي %58، في حين النّسبة الأدنى
هي محافظة النبطية (%21). وتسجّل محافظة النبطية نمط الإجابات نفسه الذي سبقت الإشارة إليه وهو الميل
إلى فئة الإجابات بالرضّى أو الثقة الجزئيّة، حيث إنّ النسبة الأعلى لمن لا يثقون إلى حدٍّ ما بالقضاء هي في محافظة
النبطية، وهي %49، وهي ضعف النّسب المقابلة في المحافظة الأخرى أو أكثر بقليل. من ناحية المستوى التعليمي، الأمّيون أكثر ثقة بالقضاء (%37 ثقة كبيرة، مقابل %10 للفئات الأخرى)، وكذلك
الشّباب أقلّ ثقة بالقضاء من الكهول (ثقة كبيرة %6 للفئة 18 - 24 مقابل %14 للفئة العمريّة 55 سنة فما فوق.) ويمكن تفسير نمط الإجابات في محافظة النبطيّة بالعوامل النفس - اجتماعية نفسها، كما بالنسبة إلى الإجابات
الأخرى، مع العلم أنّ سلطة الدولة الفعلية على الأرض في النبطيّة ضعيفة في ظلّ النّفوذ القويّ للأحزاب
السياسية (حزب الله خصوصًا)، وكذلك في ظلّ وجود القوّات الدولية والترتيبات الخاصّة ذات الطّابع
السياسي - العسكري في المناطق الحدوديّة، ما يقلّل من مرجعيّة القضاء (والدولة عمومًا) في هذه المنطقة. مع
العلم أنّ ثمّة اختلافًا مه بين إجابات المستجيبين في محافظة النبطيّة عن الإجابات في محافظة صور، وهو أمر
لا يمكن سوى تفسيره جزئيًّا بتمايزات في النّفوذ السياسي للأحزاب (وزن حركة أمل في صور، ووضع منطقة
صيدا وجزين المختلف سياسيًّا أيضًا)، وكذلك وجود مراكز مدينيّة وساحليّة (صيدا وصور). أمّا بالنّسبة إلى
البقاع، فإنّ النسبة الكبيرة من عدم الثّقة بالقضاء يمكن إعادتها إلى عاملنيْ مرجّحين، الأوّلهو البُنية العشائريّة
القويّة في البقاع، المعروفة بحلّ المشكلات والخلافات من خلال النّزاع أو الوفاق العشائري وقبل الوصول
إلى القضاء، والعامل الثانيهو مستوى مرتفع من الفلتان الأمني (على سبيل المثال عصابات سرقة السيّارات
المعروفة وشبه العلنيّة في البقاع، وكذلك شبكات زراعة وتصنيع وتجارة المخدّرات)، والفلتان السّياسي أيضًا
حيث تبدو محافظة البقاع من ناحية سلطة الدولة الأمنيّة والقضائيّة أقرب إلى كونها ضاحية لسورية من كونها
جزءًا من النظام اللّبناني المركزي. وذلك لأسباب سياسيّة وجغرافيّة مزمنة ومتداخلة. ومحصّلة كلّ ذلك هي
استطلاع مؤشر الرأي العام العربي 2011-2010 - دراسة حالة لبنان
ضعف الثّقة بالنظام القضائي بنسبةٍ أكبر من باقي المناطق، والنظام القضائي يجب النظر إليه هنا بصفته أحد تجلّيات سلطة الدولة المركزيّة تجاه الخارج، وتجاه القوى السياسيّة والحزبيّة وتجاه العشائر، وتجاه العصابات في الدّاخل.
نسبة عدم الثّقة إطلاقًا بمجلس النّواب والحكومة بحسب المحافظات)%(
نسبة الثّقة الكبيرة بمجلس النّواب والحكومة بحسب المحافظات)%(
أمّا لجهة الانتماء الطائفي فيبدو أن %49 من السُنّة لا يثقون إطلاقًا بالقضاء، مقابل ما يتراوح بين %30 و%35
للطّوائف الأخرى، والمسيحيّون هم الأكثر ثقة (نسبة %17 تثق ثقة كبيرة). لكن مرّة أخرى يبدو نمط التعبير
لدى المستجيبين الشّيعة مختلفًا بعض الشيّء، إذ يُفضّلون الإجابات الوسطيّة (كما بالنسبة إلى محافظتي النبطيّة
والجنوب في الفقرات السابقة هي محافظات ذات أغلبيّة شيعيّة، وخصوصًا محافظة النبطيّة). فإذا جمعنا نسبة
الذين لا يثقون إطلاقًا مع الذين لا يثقون إلى حدٍّ ما بالقضاء، فسوف تسجّل النسبة الأعلى لدى الط ائفة الشيعيّة
(%69)، مقابل %63 لدى السُنّة. لكن ثمّة ما يلفت في التفاوتات المناطقية بالنسبة إلى الثّقة بالمجلس النيابي والحكومة، وهي تفاوتات لها طابع
سياسي لافت. ففي محافظتي الجنوب، الثقة بالمجلس النيابي أعلى بشكل واضح من باقي المحافظات، في حين أن
صيف 2012
الثقة بالحكومة هي أعلى في محافظتي بيروت والشمال. إنّ التقييم الإجمالي لمجلس النوّاب هو أفضل على الصعيد الوطني من التقييم الإجمالي للحكومة مع كونهما
منخفضين جدًّا، إذ أنّ نسبة من لا يثقون إطلاقًا بالمجلس النيابي تبلغ %54 مقابل %64 للحكومة. ويمكن
تفسير هذا التّفاوت بحكم كون الحكومة مسؤولة مباشرة عن إدارة الحياة اليوميّة للمواطنين، وهي بالتالي موضع
محاسبة ومساءلة أكثر من المجلس النّيابي. وعلى هذا المستوى غير السّياسي، فإنّ المواطن العادي يميل إلى محاسبة
الحكومة أكثر من المجلس النيابي حتّى لو كان أداء هذا الأخير من منظور أداء دوره التشريعي والرّقابي متخلّفًا
أكثر من أداء الحكومة، لكن ليس هذا منظور العامّة بقدر ما هو منظور النّاشطين السياسييّن. من ناحية ثانية، فإن
وضع الحكومة ملتبس في أثناء إجراء الاستطلاع - كما سبقت الإشارة إلى ذلك - فإنّ عدم ثقة المستجيبين هنا
قد تعكس عدم ثقة بالحكومة المستقيلة حديثًا (حكومة الرّئيس سعد الحريري)، أو عدم الثقة بحكومة الرئيس
المُكلّف، نجيب ميقاتي، التي لم تؤلّف بعد. ولذلك يصعب إعطاء دلالة حاسمة لمثل هذا التّقييم.
من ناحيةٍ أخرى، فإنّ نسبة أعلى من مواطني محافظتَي الجنوب والنبطية يتماهون مع مجالس النوّاب بحكم الانتماء
السياسي والمناطقي لرئيس المجلس (الرئيس نبيه بري)، وهو رئيس " حركة أمل "، ومن الجنوب. وبالتالي فإن
نسبة الثقة الكبيرة بالمجلس النّيابي في هاتين المحافظتين هي تعبير عن الثّقة (التي يجب أن تُقرأ بصفتها تعبيرًا عن
الولاء السّياسي) لرئيس المجلس، أكثر منها ثقة بعمل المجلس التشريعي والرّقابي. ولذلك تعبيرات سياسيّة
ومناطقيّة مركّبة. وتبلغ نسبة الثّقة الكبيرة بالمجلس النيابي في هاتين المحافظتين أقصاها في محافظة الجنوب تحديدًا
(%25)، وهي المحافظة التي يبلغ النّفوذ الانتخابي لحركة أمل فيها أقصاه (أكثر من النبطية، حيث حضور " حركة
أمل " أقلّ لصالح " حزب الله "). في حين أنّ هذه النسبة أقلّ بشكل محسوس في المناطق الأخرى. واللافت أيضًا
أنّ هذه النسبة هي في أدنى مستوى لها في محافظة البقاع، على الرّغم من النفوذ الواسع لحركتَي أمل وحزب الله
فيها (وإن بنسبة أقلّ من الجنوب والنبطيّة)، وكذلك على الرّغم من الحضور الواسع للطّائفة الشيعيّة أيضًا في
هذه المحافظة. لكن يبدو أنّ العامل المناطقي مهمٌّ هنا، حيث إنّ رئيس المجلس من الجنوب وليس من البقاع،
وهناك إحساسٌ في البقاع بشيءٍ من الإهمال من قبل الدولة ومؤسّساتها، ما يُفس-ّر إلى جانب عوامل أخرى -
تقييم المستجيبين من محافظة البقاع لمؤسّسات الدولة عمومًا (بما فيها القضاء)، وهو شعور من يشعر أنّه خارج
الدّولة أصالً. مقابل التمّاهي بين مستجيبي الجنوب والنبطية مع شخص رئيس المجلس، فإنّ نسبة الثقة الكبيرة بالحكومة
هي في بيروت ومحافظة الشمال، حيث القاعدة الانتخابيّة ل " تيّار المستقبل " (الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة
المستقيلة، ورؤساء حكومات سابقون، الرئيس فؤاد السنيورة والرئيس الشهيد رفيق الحريري في فترة سابقة.)
وثمّة تصوّر شعبي أنّ الحكومة هي للزعيم السُنّي الأهمّ خلال العقدين الأخيرين ولتيّاره السياسي (المستقبل.)
وبهذا المعنى، وكما بالنسبة إلى التماهي مع شخص رئيس المجلس، قد يكون هناك تماهٍمماثل (وإن كان أقلّ أهمّية)
مع شخص رئيس الحكومة وتيّاره، أكثر ا هو ثقة سياسيّة بالحكومة بصفتها حكومة وبأدائها. مع العلم أنّ مثل
هذا التماهي هنا أقلّ أهمّية لسببين، الأوّلأنّ الحكومات ورئاستها غير مستقرّة خلافًا لرئاسة المجلس المستمرّة
منذ عام 1992. أمّا السبب الثانيفهو أنه لم يكن في أثناء إجراء الاستطلاع حكومة (كانت حكومة قيد التأليف
بعد إشكال سياسي كبير بين ائتلافي 8 و 14 آذار، وصفه الائتلاف الأخير بأنّه انقلاب على الأكثريّة النيابية التي
أفرزتها الانتخابات). لذلك فإنّ عدم الرضّى إطلاقًا عن الحكومة يع في جانب منه عن: موقف التيّارات السياسية التي لها خصومة مع" تيّار المستقبل "، أي هو عدم ثقة بالحكومات السّابقة
استطلاع مؤشر الرأي العام العربي 2011-2010 - دراسة حالة لبنان
التي ترأّسها " تيّار المستقبل " من الداخل بسبب الوزن المعطّل للمعارضة فيها.
على طريقة استقالة حكومة الرّئيس سعد الحريري. خارج المنظور السياسي.
الثقة الكليّة أو الجزئيّة بمجلس النواب والحكومة
بحسب الطائفة
عدم ثقة مؤيّدي " تيّار المستقبل " بنمط حكومات الوحدة الوطنيّة التي عدّوها غير فاعلة وقابلة للتّعطيل عدم ثقة مؤيّدي " تيّار المستقبل " أيضًا بالحكومة قيد التّأليف برئاسة الرّئيس نجيب ميقاتي، واعتراض أخيرًا، عدم رضى المواطن على أداء الحكومة بسبب فسادها وعدم فاعليّتها في خدمة مصالح المواطنين
الثقة الكليّة أو الجزئيّة بمجلس النواب والحكومة
بحسب الطائفة
وعلى هذا الأساس يمكن تفسير النسبة المرتفعة لمن لا يثقون إطلاقًا بالحكومة في البقاع (%81)، وهو ما يعود
إلى تراكم عوامل عدّة سبقت الإشارة إليها. وكذلك الارتفاع في نسبة عدم الثّقة إطلاقًا في جبل لبنان والشمّال
(الرئيس المكلّف من طرابلس في الشمال، حيث كانت ردود الفعل السلبيّة على هذا التكليف أشدّ ا هي عليه في
بيروت الأكثر تنوّعًا من الناحية السياسيّة، لذلك فإنّ نسبة عدم الثّقة إطلاقًا هي %56. إلا أنّ اللافت أيضًا هو
أنّ نسبة عدم الثّقة إطلاقًا بالحكومة هي الأدنى في النبطيّة (%41)، وهذا غير منطقي إلا إذا ربطناه مرّةً أخرى
بنمط الإجابات في هذه المحافظة، حيث تبتعد عن الإجابات المتطرّفة لصالح الإجابات الوسطيّة، إذ تبلغ نسبة
من لا يثقون إلى حدٍّ ما بالحكومة في محافظة النبطيّة %46، وهي تبلغ ثلاثة أضعاف النّسبة المقابلة في المحافظات
الأخرى. ويجب قراءتها باعتبارها تعبيرًا عن عدم الثّقة إطلاقًا بالحكومة، مع العلم أ ا قد تحمل أيضًا دلالة
جزئيّة إيجابيّة على تكليف الرئيس نجيب ميقاتي، الذي قدّم أمام الرّأي العامّ اللبناني أنّ تكليفه تمّ بدور حاسم
صيف 2012
لحزب الله في اختياره. أمّا على الصّعيد الطائفي، فنجد أيضًا تفاوتات تتقاطع في ا اهها العامّ مع الخصائص السياسيّة والمناطقيّة.
فسوف نجد أنّ نسبة الذين يثقون ثقةً كبيرة، أو إلى حدٍّ ما بالمجلس النّيابي تبلغ %50 لدى الشّيعة، وأدناها لدى
الدّروز والسُنّة. في المقابل فإنّ الثقة الكلّية أو الجزئيّة بالحكومة هي في أدنى مستوى لدى الشّيعة (%12)، وهي
متقاربة لدى الطّوائف الأخرى كلّها (%21 و%22). وسبقت الإشارة إلى أنّ الموقف من الحكومة هو أكثر
تعقيدًا، وبالتالي فإنّنا لا نجد تماهيًا لدى الط ائفة السُنّية، خصوصًا مع الحكومة بالمستوى نفسه الذي نرى فيه
التماهي مع رئاسة المجلس لدى أبناء الطّائفة الشيعيّة. أمّا لجهة الترابط مع المتغ ات الأخرى، فلا يوجد تفاوت كبير بين الذكور والإناث في الثقة بالمجلس النيابي أو
الحكومة. لكن الأسر القادرة على الادّخار أكثر ثقة بالمجلس النيابي والحكومة من الأسر الأخرى. الثّقة بالمؤسّسات الأمنيّة والعسكرية يثق اللبنانيون ثقة متوسّطة بالمؤسسات الأمنيّة من شرطة وأمن عامّ (مخابرات)، إذ أن %43 من المستجيبين
يثقون ثقة كبيرة، أو إلى حدٍّ ما بالشرطة. ولا نعتقد أنّ السّؤال عن الأمن العامّ أو المخابرات ملائم في ظروف
لبنان، حيث هناك تعدّد في الأجهزة الأمنيّة - المخابراتيّة (أمن عامّ، أمن دولة، مخابرات الجيش، شعبة المعلومات
في الأمن الداخلي)، ولا يمكن تحديد من هو المقصود في إجابات المواطنين المستجيبين. كما أنّ المخابرات ليست
حاضرة في الحياة اليوميّة للمواطن اللبناني على غرار بعض البلدان، حيث الطّابع الأمني- المخابراتيّ للعمل
السياسي والعمل الدولتيّ جليّ. ولذلك سنهمل الثقة بجهاز الأمن العامّ في التحليل، ونقتصر على تحليل
الإجابات المتعلّقة بالشرطة والجيش فقط.
الثّقة بالمؤسسات العسكريّة والأمنيّة)%(
يبدو جليًّا أنّ الثقة بمؤسّسة الجيش تتفوّق بشكل كبير على الثقة بجهاز الشرطة، على الرّغم من كونهما جهازين
تابعين لدولةٍ واحدة - من ناحية الشّكل والقانون على الأقلّ. لكن نظرة المواطن إلى هاتين المؤسّستين مختلفة
كثيرًا على ما يبدو بشكل جليّ، إذ في حين يثق %71 من المستجيبين ثقة كبيرة بالجيش، نجد أنّ هذه النسبة لا
تتجاوز %14 عندما يتعلّق الأمر بالشرطة. إنّ الدخول في تفاصيل التفاوتات في الموقف من هاتين المؤسّستين من شأنه أن يُساعد في تفسير هذه الظاهرة.
استطلاع مؤشر الرأي العام العربي 2011-2010 - دراسة حالة لبنان
بالنّسبة إلى الشرطة، أو قوى الأمن الداخلي، هناك إشكاليّة سياسيّة تحيط بهذه المؤسّسة، حيث إنّ هناك أطرافًا
سياسيّة جتُاهر باعتراضها عليها، وتعدّها مؤسّسة مؤيّدة ل " تيّار المستقبل "، وثمّة حملات تستهدف مباشرةً المدير
العامّ لهذه المؤسّسة، ولفرع المعلومات. وبحكم الثقافة السياسيّة ونمط المحاصصة في توزيع المناصب الحكوميّة
على التيّارات والطّوائف، لا يجري التمييز بين أداء المؤسّسة كلّها بصفتها مؤسّسة وبين مهامّ أحد فروعها وميول
مديرها. ولذلك ثمّة نكهة سياسيّة - طائفيّة تفسرّ جانبًا من عدم الثقة بالمؤسّسة عند بعض الفئات، وتفسرّ الثقة
عند الفئات الأخرى. من ناحية ثانية، فإنّ مستوى الرضّى عن الأمن في البلاد متدنٍّ، كما سبق بيان ذلك، وهذه
من مسؤوليّة الشرطة من الناحية التنفيذيّة، عدا عن الشّكوى اللبنانيّة الدائمة من ازدحام السيّر والفوضى في
الطّرقات والمساحات العامّة، وهذه كلّها عناصر تصبّ مجتمعة في جعل مستوى الثقة بالّطة متدنّيًا. أمّا البُعد السياسي لهذا الموقف، فنجده في التفاوت بالثقة بحسب المناطق وبحسب الط ائفة، حيث نسبة الثقة في
أدنى مستوى في محافظتَي الجنوب والنبطية (%7 فقط لديهم ثقة كبيرة بالشرطة)، وكذلك لدى الطائفة الشيعيّة،
حيث %4 فقط لديهم ثقة كبيرة بها. أمّا أعلى نسبة ثقة كبيرة بالشرطة فهي في محافظة الشمال (%24)، ثمّ لدى
الطّوائف المسيحيّة والدرزيّة والسُنّية، وإن كانت هي أدنى لدى السُنّة منها لدى المسيحييّن والدروز، كما يبدو
من الرّسم البياني أدناه. وقد يبدو ذلك مخالفًا للتوقّع، لكنّه يُفسرّ بالعوامل الأخرى غير السياسيّة، ومن ضمنها
السّكن في المدن أو الرّيف، ومستوى الأمن في المناطق المختلفة خارج الإطار السّياسي. وبهذا المعنى، فإنّ المدن
ذات الأغلبيّة السُنّية (طرابلس، صيدا...) تشكو من مشكلات أمنيّة، خصوصًا في الأحياء القديمة أو الفقيرة،
أو مناطق جوار المخيمّات، أو الضواحي التي يسكنها نازحون من مناطقَ مختلفة، أو من جنسيّات غير لبنانيّة،
وهو ما يجعل تماسك النّسيج الاجتماعي أقلّ ا هو في المناطق الأخرى، ويجعل من الأمن أكثر هشاشة.ً
الثقة بالجيش بحسب المحافظات)%(
أمّا عندما يتعلّق الأمر بالجيش، فالأمر مختلف لأكثر من سبب. فنسبة الثّقة بالجيش مرتفعة في كلّ المحافظات
من دون استثناء. لكن مرّة أخرى نجد أنّ نسبة من يثقون ثقة كبيرة بالجيش في محافظة النبطيّة هي الأدنى، وتبلغ
%42، ثمّ البقاع %59، والجنوب %62، مقابل نسب تتراوح بين %75 في الشمال، و%85 في جبل لبنان. وكما في
مجالات أخرى، نجد أنّ المستجيبين في النبطيّة يسجّلون أعلى نسبة من الذين يثقون إلى حدٍّ ما بالجيش، ونسبة من
لا يثقون إلى حدٍّ ما بالجيش. وهذا هو الموقف المتحفّظ نفسه الذي أشرنا إليه في فقرات سابقة.
صيف 2012
وكذلك بالنّسبة إلى الّطة، فإنّ نسبة الذين يثقون ثقةً كبيرة بالجيش هي في أدنى مستوى لدى المستجيبين
من الطّائفة الشيعيّة (%54)، وأقصاها لدى الطائفتين السُنّية (%70) والمسيحيّة (%71). وهناك نسبة مرتفعة
من الذين يثقون إلى حدٍّ ما بالجيش بين الشّيعة - وهذا متّسق مع النّسب في الجنوب والنبطيّة - وهو يع عن
تأييدٍ مشروط للمؤسّسة العسكريّة، وربمّا عن تأييد مستجدّ في السّنوات الأخيرة لاعتبارات سياسيّة في الدّرجة
الأولى. في حين أنّ عوامل التأييد مختلفة في المناطق - وائف الأخرى. ويمكن الإشارة إلى العوامل المشتركة الطّ
والمتمايزة التالية في الموقف من الجيش، التي تجعل منه مؤسّسة تنال ثقة أكبر من المؤسّسات الأمنيّة (الّطة)
والسياسيّة للدولة: العامل الأوّلهو موقف وطني عامّ ومشترك لدى الجميع، يرى أنّ الجيش من حيث هو مؤسّسة يمثّل
ص م أمان لوحدة لبنان واستقراره الأمني والسّياسي (على الرّغم من الهشاشة النسبيّة لهذا الاستقرار)،
وإنّه يحقّق نوعًا من التّوازن بين ائتلافي 8 و 14 آذار، وإنه قام بهذا الدّور في مناسبات عديدة. ونضيف أن
هذا الموقف من الجيش يع أيضًا عن رغبة في الحفاظ على ص م الأمان بما هو نوع من التأمين المستقبلي
لصالح البلاد كلّها. العامل الثانييتمثّل في أنّ الأطراف السياسيّة كلّها ترغب في الحفاظ على صورة الجيش هذه، وهي
تُساهم من خلال وسائل إعلامها الحزبيّة، كما من خلال النشاط الإعلامي للجيش نفسه والاحتفالات
والمناسبات، لل ويج لصورة مؤسّسة الجيش بصفتها توأمًا لصورة لبنان والاستقلال والوحدة الوطنيّة.
وهذه الحملة نجحت في التأثير في الرّأي العامّ، خصوصًا بمناسبة مواجهات نشأت بين الجيش وجيش
الاحتلال الإسرائيلي، وبين الجيش ومنظّمات إرهابيّة (فتح الإسلام) خلال السّنوات الماضية.
ينال الجيش تعاطفًا مشروطًا في الجنوب والنبطيّة -وهو تعاطف مشروط ومستجدّ نسبيًّا- بحكم
التعاون الذي نشأ بين الجيش والمقاومة في فترة الاحتلال الإسرائيلي في تسهيل العمل المقاوم والمساهمة
فيه، وبسبب دوره خلال حرب تمّوز / يوليو 2006. كما أنّ هيكلية مؤسّسة الجيش تطوّرت وأصبحت
تضمّ بين صفوفها ضبّاطًا من أوساطٍ مؤيّدة للمقاومة ولتيّارات سياسيّة نافذة في الجنوب، مع العلم أنّ
السّياسة ممنوعة في الجيش. لكن صورة الجيش تغ ت بعد اتّفاق الطّائف، وخصوصًا في سياق التّعاون
بين الجيش والمقاومة، لا بل إنّ الخطاب الرسمي ملِا بعد الطّائف هو أنّ عقيدة الجيش قد تغ ت،
وأصبحت " عقيدة وطنيّة مواجهة لإسرائيل "، وهذا يلقى تأييدًا في الجنوب والنبطية، لكنّه تأييد مشروط
فعليًّا بالموقف من المقاومة والتّعاون معها. ينال الجيش تعاطفًا سياسيًّا في بعض المناطق التي يسود فيها منطق بناء الدولة، ووحدانيّة مؤسّساتها
واحتكارها للسلّاح. وهي مناطق مشتركة في كلّ المحافظات، وبين تياّرات سياسيّة مختلفة. وبهذا المعنى
فإنّ سبب التأييد السياسي الرّئيس للجيش هنا هو اعتباره المؤسّسة القويّة التي سوف تدعم بناء الدّولة
القويّة يومًا ما. وسوف نجد هذا الموقف أيضًا لدى الط وائف المسيحيّة والسُنّة والدّروز، بما هو امتداد
لخيارات سياسيّة واسعة الانتشار بين هذه الطّوائف والمناطق التي تقيم فيها. يحصل الجيش على تعاطف وثقة أبناء المناطق التي يكثر المنتسبون إليه فيها. والتّعاطف هنا اجتماعي أكثر
ا هو سياسي. ويصحّ ذلك على منطقة عكار في الشمال، والضنية أيضًا، وعلى منطقة بعلبك والهرمل.
ويشمل ذلك قرى مسيحيّة طرفيّة في البقاع والشمال، وقرى ذات أغلبيّة سُنّية أيضًا في المناطق نفسها.
استطلاع مؤشر الرأي العام العربي 2011-2010 - دراسة حالة لبنان
نفسها الأحزاب المكوّنة للحكومة والبرلمان، ولا
يوجد تمييز كبير بين أداء المؤسّسات الحكوميّة
والأحزاب. وتبدو هذه الإجابات غير متناسبة تمامًا مع
ظاهرات أخرى في الحياة السياسية في لبنان،
سواء لجهة قدرة الأحزاب الرئيسة على التعبئة
والحشد الجماهيري الكبير الذي يتج خصوصًا
في المناسبات المهمّة، والذي يمكن أن يستخلص
منه أنّ هناك جمهورًا كبيرًا منتسبًا أو مؤيّدًا أو
متعاطفًا مع الأحزاب السياسيّة. ولا يتلاءم
ذلك أيضًا مع النتائج التي حتُقّقها الأحزاب في
الانتخابات. ويعود ذلك أيضًا إلى جملة عوامل،
من بينها عدم وضوح معنى الأحزاب في لبنان
بالنّسبة إلى المسيحييّن ثمّة عامل إضافي له طابع سياسي - طائفي يُساهم في زيادة الثّقة بالمؤسّسة
العسكريّة التي كانت تُعدّ تاريخيًّا مؤسّسة قويّة للمسيحييّن في النظام الطائفي قبل الحرب الأهليّة عام
1975. ولا يزال جزء من هذا الشّعور قائامً ويع عنه التمسّك ببقاء قائد الجيش مسيحيًّا، وكذلك
بالا اه العامّ لدى المسيحييّن (والدروز) لتأييد الدولة ومؤسّساتها. وهذا ما يرفع نسبة التأييد في جبل
لبنان على الرّغم من أنّ مسيحيّي جبل لبنان لا ينتسبون إلى الجيش خلافًا لمسيحيّي المناطق الطرفيّة.
الثقة بالجيش بحسب الطائفة)%(
ولكي تكتمل صورة الرضّى والثقة بالنظام السياسي بمكوّناته غير الحكومية، فإنّ وضع الأحزاب السياسيّة
ليس أفضل في نظر المستجيبين من وضع الحكومة والبرلمان والمؤسّسة الأمنيّة. فقط %8 من المستجيبين يثقون
بالأحزاب السياسيّة ثقة كبيرة، في حين أن %64 لا يثقون بها إطلاقًا. ومعلوم أنّ الأحزاب الرئيسة كلّها هي
الثقة بالأحزاب السياسية)%(
(كما في معظم البلدان النامية)، حيث الصِّيغ المؤسسيّة للحياة السياسية متخلّفة نسبيًّا. فالحزب السّياسي في لبنان
يختلط مع الولاء للزعيم، أو مع الإحساس القويّ بالانتماء الطائفي، أو مع الانتماء العائلي المناطقي، أو مزيج
صيف 2012
من هذه الانتماءات كلّها. وفي الفهم السياسي التقليدي فإنّ التنظيم الحزبي كان يُعدّ أمرًا غير مرغوب فيه في
النّسق السياسي التقليدي اللبناني الذي يقوم على مفهوم الولاء. ولذلك فإنّ الأحزاب الكبرى تتمتّع بهذه السِّمة
الشخصيّة المذهبية أو الطائفيّة، أكثر من كونها تنظيمات حزبيّة بالمعنى العصري للحياة السياسيّة. من ناحيةٍ أخرى، شاركت معظمُ الأحزاب في الحكم في دورات متعاقبة، ولذلك لا بدَّ من أن ينعكس ذلك في
فقدان الثقة بهذه الأحزاب بمعنى ما، طالما أنّ هناك عدم رضى عن الأداء الرسمي للدولة ومؤسّساتها. لكن يجب
عدم فهم ذلك بأنّه يعني تخ المواطنين عن هذه الأحزاب في أثناء العمليّة الانتخابيّة، ولا في المحط ات المهمّة التي
يتماهى فيها الانتماء الحزبي مع الهويّة المذهبيّة أو الدينيّة أو المناطقيّة، فيجعل من الالتفاف حول الحزب - الهويّة
أمرًا يتجاوز الانتماء التنظيمي إلى الحزب بالمعنى العصري المؤسسّي. وهذا البعد الأخير ليس غائبًا، لكنّه غالبًا
ما يكون قويًّا لدى النّخب التي هي في معظمها لا تثق كثيرًا بنمط الأحزاب السّائد في لبنان لكونها صيغًا فرديّة
وغير مؤسسيّة ومتخلّفة بالمعنى الحداثي والعصري. عن تقويم أداء مؤسّسات الدولة لأداء الحكومة وجهان؛ يتعلّق الأوّلبإدارة شؤون المواطنين وتوفير الخدمات، والثانيفي اعتماد السّياسات
والمواقف المُع ة عن المواطنين وميولهم. وبشكل عامّ بيّنت نتائج الاستطلاع عدم رضى أكبر في أداء
الحكومة السّياسي منها في توفير الخدمات. ويوجز الرسم البياني التالي نسب عدم الرضّى، بحسب الخدمات
والمجالات المختلفة:
الثّقة بالمؤسسات العسكريّة والأمنيّة)%(
يرى ما يقارب ال %90 من المستجيبين أنّ السياسة الخارجية والسياسة الاقتصادية الداخلية لا تع ان كلّيا
أو جزئيًّا عن رأي المواطنين في البلد (للتذكير فإن %90 من المستجيبين أفادوا بأ م غير راضين كلّيًا أو جزئيًّا
عن الوضع الاقتصادي والوضع السّياسي في البلاد أيضًا). فليس ما يفاج ئ هنا أيضًا سوى قدرة الأطراف
السياسيّة التي تتعاقب على السلطة في إعادة إنتاج نفسها على الرّغم من عدم الرضّى شبه المُعمّم هذا. والموقف
المع عنه في استطلاع الرّأي هنا ليس مرّة أخرى نتيجة اطّلاع على البرامج والخيارات السياسيّة والاقتصاديّة
استطلاع مؤشر الرأي العام العربي 2011-2010 - دراسة حالة لبنان
للأطراف المختلفة والمفاضلة في ما بينها وتقويمها، كما أنّ الحكومات المتعاقبة غالبًا ما كانت لا تتّبع سياسات
متّسقة وموحّدة في المجالات المختلفة، بل يكون الموقف في الوزارة المعنيّة مرتبط ا بهويّة الوزير السياسيّة أكثر من
ارتباطه بموقفٍ موحّد في الحكومة. من جهةٍ أخرى، يبدو عدم الرضّى عن الخدمات أقلّ ا هو متوقّع، نظرًا إلى ما هو معروف عن واقع الخدمات
في لبنان. فالكهرباء تعاني انقطاعات وأعطاال دائمة، ويعدّ قطاع الكهرباء أكبر مصدر للعجز المالي في الموازنة
العامّة، وهو المثال الأكثر بروزًا على فشل عمليّة إدارة مرفق عامّ منذ توقّف الحرب في عام 1990. مع ذلك
فإنّ عدم الرضى أقلّ ا هو متوقّع. ويعود ذلك في جانب منه إلى يأس اللبنانييّن من إمكانيّة إصلاح هذا المرفق،
إضافةً إلى كونهم وجدوا بدائلَ خاصّة لتوفير الكهرباء. وبالتالي فالجواب هنا يمزج بين عدم الرضّى على الخدمة
الكهربائيّة المخفّفة بالشعور بعدم الجدوى وبتوافر البدائل. ويصحّ الأمر نفسه على المياه والتّعليم، إذ أنّ مصدر
مياه الّب هو المياه المعبّأة بالنسبة إلى قسم كبير من اللبنانييّن، كما أنّ التعليم الحكومي يمثّل حوالى نصف
التعليم الجامعي، وثُلث التعليم ما قبل الجامعي فقط، والباقي يتو ه القطاع الخاصّ. في المقابل فإنّ98 - %99
من المستجيبين يرون أنّه يفترض على الدولة أن توفّر التعليم العامّ والجامعي مجانًا أو بأسعار رمزيّة للجميع. أمّا الارتفاع النسبي في عدم الرضى على الخدمات الصحيّة فيعود إلى كونها مصدر ضغط أساسي على موازنة
الأسرة، وإلى عدم شمول أكثر من نصف اللبنانييّن بتغطية المؤسّسات الضّامنة. وكذلك الأمر بالنّسبة إلى
المواصلات والطرق، حيث لا توجد بدائل وعوامل مخفّفة لعدم الرضى، لذلك بدت النّسب مرتفعة. وكما
بالنّسبة إلى التعليم يرى %99 من المتسجيبين أنّ على الدولة أن تؤمّن العلاج الصحّي للجميع مجانًا أو بأسعار
رمزيّة. وبالتالي، فإنّ نسب الرضى أو عدم الرضى لا تع عن فكرة إعفاء الدولة من مسؤوليّاتها الاجتماعيّة، بل
هي تع عن عواملَ أخرى، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
ثانيًا: الديمقراطيّة والمشاركة السياسيّة والمدنيّة
الديمقراطية مفهوم مركّب، ويمكن قراءته قراءات متعدّدة الا اهات والمستويات. وهذا الأمر يجعل من
تفسير استطلاعات الرّأي العامّة في موضوع الديمقراطيّة معقّدًا لأنه لا يمكن التكهّن دائامً بفهم المستجيب
للديمقراطية، وماذا يُقصد بالضّبط بجوابه. إلا أنّ تعدّد الأسئلة، وتناول موضوع الديمقراطيّة بحزمة من
الأسئلة المتنوّعة من شأنه أن يُساعد في توضيح القصد والصّورة، وإن بشكل نسبيّ. لدى سؤالهم عن الّط الذي يرَون توافره ضروريًّا لاعتبار ديمقراطي، يرى%41 من المستجيبين أنّ توافر
الحرّيات السياسيّة والمدنيّة هو الّط الأكثر أهمّية، يليه من حيث الأهمّية المساواة والعدل بين المواطنين
(%13)، فيما يربط %11 الديمقراطيّة بإلغاء الطائفيّة والطائفيّة السياسية. ورأى %4 فقط أنّ وجود نظام حكم
ديمقراطيّ هو الّط الأوّل. وتع هذه الإجابات عن اختلاط مفهومَي الحرّية والديمقراطيّة، إذ ليس ما
يُفسرّ هذا التّفاوت الكبير بين النّسبة التي حصل عليها الجواب المتعلّق بتوافر الحرّيات، أي عشرة أضعاف ما
حصل عليه شرط وجود نظام حكم ديمقراطي. ومن حيث المبدأ، وعندما نتحدّث عن الديمقراطيّة فهي تعني
بالتعريف الديمقراطيّة السياسيّة المتمثّلة بنظام حكم ديمقراطي يقوم على قواعدَ محدّدة (انتخابات حرّة، تداول
السّلطة...)، ومن ضمنها ضمان الحرّيات السياسيّة والمدنيّة. وهذا ما قصدناه بالقول إنّ المفهوم مركّب ومتعدّد
القراءات، لكن تؤ هذه النّسب بوضوح إلى قلق المستجيبين من انتهاك الحرّيات السياسيّة والمدنيّة (مع العلم
أنّ التمييز بين الحرّيات السياسيّة والمدنيّة قد لا يكون قائامً في ذهن المستجيب.) أمّا لجهة التّفاوتات المناطقيّة، فربط الديمقراطيّة
بالحريّات السياسيّة والمدنيّة يبلغ أقصاه في بيروت،
وأدناه في النبطيّة والجنوب. في حين يتميّز الجنوب
بنسبةٍ كبيرة تعدّ إلغاء الطائفيّة أكثر أهمّية (رئيس
مجلس النوّاب رفع أكثر من مرّة شعار إلغاء
الطائفيّة السياسية)، يليه الشمال، في حين أنّ أدنى
نسبة في البقاع. ثمّ ربط %11 و%10 في الشمّال
والبقاع، الديمقراطيّة بالأمن، مقابل %1 في
النبطيّة. وفي هذه المحافظة الأخيرة فإن %32 يرَوْن
أنّ الديمقراطيّة تعني تحسين الأوضاع الاقتصاديّة،
يليها البقاع في إعطاء أهمّية لهذا الجانب. من ناحية أخرى، لم يذكر الأمّيون إلغاء الطائفية
السياسيّة والحكم الديمقراطي إطلاقًا. كما أنّ نسبة
%27 منهم رأوا أنّ شرط الديمقراطيّة هو تحسين الأوضاع المعيشيّة، مقابل ما يتراوح بين %7 و%9 لمستويات
التعليم الأخرى.
شرط اعتبار البلد ديمقراطيًّا)%(
أمّا إلغاء الطائفيّة السياسية فهو أقلّ أهمّية عند الأسر التي تشكو من عجز في موازنتها %6، مقابل
%9 و %14 للأسر المكتفية، التي تحقّق وفرًا. كما أنّ %30 فقط من المستجيبين الشّيعة رأوا أنّ
الحريّات السياسيّة والمدنيّة هي شرط الديمقراطيّة مقابل ما يقارب%45 لدى الطّوائف الأخرى.
صيف 2012
شرط اعتبار البلد ديمقراطيًّا)%(
استطلاع مؤشر الرأي العام العربي 2011-2010 - دراسة حالة لبنان
تؤكّد هذه النّتائج صعوبة تقديم جواب له طابع نظري على شروط الديمقراطيّة. لذلك تضمّنت الاستمارة جملة
أسئلة لتقييم الديمقراطيّة في بلدانٍمختارة. تحصل إسرائيل على أدنى النّسب لجهة اعتبارها دولة ديمقراطيّة،
وهذا موقف سياسي باعتبار إسرائيل دولة عدوّة أكثر من كونه تقييامً لنظام الحكم نفسه بما هو آليّات داخليّة
لاشتغال النّظام ومؤسّساته. كما بيّنت الإجابات السّابقة أنّ المستجيبين لا يعلّقون أهمّية كبيرة على نظام الحكم
بقدر الأهمّية التي يعطونها للحرّيات السياسيّة والمدنيّة، وهناك انتهاكات شبه معمّمة لهذه الحريّات والحقوق
العائدة للفلسطينييّن. كما يُفسرّ فقدان الحريّات السياسيّة والمدنيّة في إيران التّقييم السّلبي للديمقراطيّة فيها
أيضًا. مقابل ذلك تحصل فرنسا على تقييم أكثر إيجابيّة من أميركا في نظر اللبنانييّن (ولا تخفى النّكهة السياسيّة هنا
أيضًا)، وكذلك تحصل تركيا على تقييم جيّد على الرغم من أن %23 لم يجيبوا عن السّؤال المتعلّق بتركيا، و%22
عن السّؤال المتعلّق بإسرائيل، وهذا تعبير عن أنّ ارتباك، أو تجنّب التعبير عن موقف يمكن أن يفسرّ بأنّه خروج
عن النّسق العامّ. أخيرًا فإنّ التّقييم العامّ للبنان هو إيجابي، إذ يميل %53 من المستجيبين إلى اعتباره ديمقراطيًّا،
مقابل 42 يغلّبون الطّابع غير الدّيمقراطي، ونسبة عدم الإجابة منخفضة، لا تتجاوز. %5
تقييم مستوى الديمقراطية في بلدان مختارة)%(
يتج وجهٌ آخر للطابع المركّب لمفهوم الديمقراطيّة في سلسلة الإجابات المتعلّقة بفاعليّة النّظام الديمقراطي.
إنّ أغلبيّة كبيرة (%82) يعتقدون أنّ للنّظام الديمقراطي مشاكله، مثل أيّ نظام آخر، لكنّه يبقى النظام الأمثل.
مع ذلك، ينقسم المستجيبون إلى نسب متساوية، أو متقاربة في ما يتعلّق بأوجه فاعليّة النظام. فنصفهم يجدونه
غير حاسم ومليء بالمشاحنات، وحوالى 4 من كلّ عشرة يرَونه غير فاعل في الأداء الاقتصادي، وفي الحفاظ
على الأمن. وهذه الآراء تشير إلى نظرة سلبيّة كبيرة إزاء النّظام الديمقراطي، تحصر تأييده بمسألة الحريّات
إلى حدٍّ كبير، هذا في حال اعتبرنا أنّ الإجابات واعية ومع ة بدقّة كافية عن وجهات النظر، وهي واضحة
القصد والمعنى. من ناحية أخرى، توجد تفاوتات مناطقيّة وطائفيّة في الموافقة الإجماليّة على تفضيل النظام الديمقراطي، وتبلغ
نسبة من يوافقون على ذلك الأدنى في النبطية والجنوب. ففي محافظة النبطية فقط %14 يوافقون بشدّة على اعتبار
النظام الديمقراطي أفضل من غيره، مقابل %79 في الشمال. وهذه النتيجة الأخيرة أيضًا تثير التساؤل لجهة هذا
الميل الديمقراطي القويّ جدًّا في محافظة الشمال الذي لا توجد مؤّات تسوّغه بشكل مقنع. أمّا لجهة الانتماء
صيف 2012
الطائفي فإنّ النّسب الأدنى ن يوافقون بشدّة على أفضليّة الديمقراطيّة هي بين المستجيبين الشّيعة %29، مقابل
%69 لدى السُنّة، و%73 لدى المسيحييّن. ويمكن تفسير ذلك جزئيًّا بالدّعاية السياسيّة للأحزاب والتيّارات
المختلفة التي هي أكثر نفوذًا في مناطقَ محدّدة، أو بين طوائفَ معيّنة، لكن ذلك لا يكفي لتفسير هذه التّفاوتات
الكبيرة. إنّ بعض الأحزاب والتيّارات تستخدم كثيرًا شعار الديمقراطيّة في خطابها السّياسي اليومي، في حين
أنّ بعض التيّارات الأخرى تحمل أيديولوجية متحفّظة على مفهوم الديمقراطيّة نفسها، باعتباره منتجًا غربيًّا
بالدرجة الأولى. والتفسير الحزبي غير كافٍ، نظرًا إلى أنّ أغلبية المستجيبين رأَوا أنّه لا يوجد حزب قريب من رأيهم (%44)، في
حين أنّ أقوى تيّارين في البلاد يع كلّ منهما عن %9 فقط من أفكار المواطنين.
أي حزب أو تيار أقرب إلى رأيك)%(
لكن، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فإنّ مجمل التقييم المتعلّق بالديمقراطية يبقى محفوفًا بالحذر، حتّى في الأمور
البسيطة نسبيًّا. ففي حين يرفض %93 من المستجيبين التّوريث السّياسي، وهذا جواب بديهي، إلا أنّه لا توجد
أييّ حركة اعتراض فعليّة على التوريث السياسي المعمّم في لبنان على المستوى الوطني، كما على المستوى المحل
(في لبنان التوريث هو بين عضويّة البرلمان، وفي رئاسة الأحزاب، والجمعيّات والمؤسّسات، في حين ليس هناك
توريث في رئاسة الجمهورية مثالً). لكن يتج عدم الاتّساق في المقابل في كون تفضيل الديمقراطيّة لم يمنع %60
من المستجيبين من عدم قبول أن يستلم الحكم حزبٌ سياسيٌّ لا يتّفق معه في وجهة النظر على الرّغم من حصوله
على الأغلبيّة، وترتفع هذه النسبة إلى %70 عندما يكون الحزب المعنيّ حزبًا دينيًّا. إذن يمكن أن تكون ديمقراطيا، لكنّك لا تقبل بنتائج الانتخابات. فهل هناك من شكّ في أنّ هذا المفهوم هو
أكثر المفاهيم تعقيدًا وعُمقًا؟!
استطلاع مؤشر الرأي العام العربي 2011-2010 - دراسة حالة لبنان
ثالثًا: دور الدّين في الحياة العامّة والسياسيّة
ثمّة خصائص لنظرة اللبنانييّن إلى الدين، وإلى دوره في الحياة العامّة، لا بدّ من أخذها بالحسبان. فلبنان هو الدولة
العربيّة التي يبلغ فيها التوازن العددي بين المسلمين والمسيحييّن أقصاه، مقارنة بالدّول الأخرى. وكان المسيحيّون
يمثّلون نصف السكّان على الأقلّ (وبحسب الإحصاءات الرسميّة السابقة كانت النسبة ستّة مسيحييّن إلى خمسة
عند إجراء الإحصاء السكّاني الأخير في لبنان عام 1936، وهي النسبة التي اعتُمدت في توزيع الحصص في
الدولة، ومؤسّسات الحكم في نظام لبنان الطائفي). وقد تمّ تعديل هذه القاعدة بموجب اتّفاق الط ائف في عام
1989 إلى قاعدة المناصفة بين المسلمين والمسيحييّن التي تمَّ النصّ عليها في الدستور اللبناني السّاري المفعول
حتّى الآن. كما يتمُّ توزيع الحصص الفرعيّة بين المذاهب - وائف الإسلاميّة والمسيحيّة وفق قاعدة دقيقة الطّ
تؤدّي في محصّلتها العامّة إلى ما يسمّى المثالثة ضمن المناصفة، أي بما يجعل حصص الط وائف الكبرى الثلّاث
(الموارنة والسُنّة والشّيعة) متساوية.
من ناحيةٍ ثانية، فإنّ النظام السياسي اللبناني طائفي من حيث هيكليّته، أي إنّ المناصب الحكوميّة والنيابيّة
والوظائف الإداريّة في الفئة الأولى بحسب الدستور، ومعظم الوظائف العامّة في الممارسة، موزّعة بين الط وائف
وفق القاعدة العدديّة المشار إليها. كما أنّ النظام الانتخابي طائفي، أي إنّ اللّوائح والتصويت يتمُّ لمرشّحين من
طوائفَ محدّدة مسبقًا في كلّ دائرة. إنّ الطوائف في لبنان هي فاعل سياسي معترف به رسميًّا في النظام السياسي
اللبناني، وهو ما يفسرّ التّداخل والتّدامج الكبير بين السّياسة والطّائفة والدّولة.
من ناحيةٍ أخرى، فإنّ المؤسّسات الطائفيّة، سواء الدينيّة المباشرة (الكنيسة، دور الإفتاء...)، أم المؤسّسات
الطائفية السياسية والحزبية (أي التابعة لزعماء سياسييّن أو أحزاب لها طابع طائفي أيضًا)، لديها مؤسّساتها
الصحّية والتعليميّة ومؤسّسات الرّعاية الخاصّة بها الموازية لمؤسّسات الدولة، وهي غالبًا أقوى منها. كما أنّ لدى
الطوائف المعترف بها محاكم شرعيّة خاصّة بها، وهي تتو الحكم في مسائل الأحوال الشخصيّة وفق 15 قانونًا
مختلفًا في مؤسّسات خاصّة بكلّ طائفة.
أخيرًا، لا بدّ من الإشارة إلى ظاهرة تطوّرت جدًّا خلال العقدين الأخيرين، وبلغت ذروتها خلال السّنوات
الأخيرة. فخلال السبعينيّات وما بعدها مباشرة، استطاعت المؤسّسات التعليميّة الحكوميّة والأحزاب السياسية
والنّقابات الع لية والمهنية وتجمّعات مدنيّة أخرى كثيرة، أن تخترق النّسيج الطائفي، وتتشّكل في تنظيمات عابرة
للطوائف ولها طابع مدني واضح. كما أنّ كلّ طائفة كانت تتميز بوجود تعدّد في القيادات الطائفيّة التقليديّة،
أو الحزبية، بحيث كان ال اع على الزعامة ضمن الطائفة بأهمية الّاع نفسه بين الطوائف، إن لم يكن أكثر
أهمّية. لكن المسار الذي سلكه لبنان خلال الحرب الأهليّة 1975 - 1990، وما بعده حتّى أيّامنا هذه، أدّى
إلى إضعافٍ تدريجي متصاعد للمؤسّسات المدنيّة الطّابع لصالح المؤسّسات والأفكار الدينيّة والطائفيّة. كما
أدّى المسار نفسه إلى بروز شبه احتكار للزّعامة ضمن الطائفة الواحدة التي تحلّق حول زعيم واحد (أو زعيمين
متحالفين)، يختصر الطائفة سياسيًّا في شخصه. تبقى نقطة أخيرة قبل الانتهاء من هذا التّوضيح الضروري، أنّ الزّعامة الطائفيّة الدينيّة تؤدّي دورًا متفاوت
الأهمّية بحسب المراحل، وبحسب قوّة الزعماء السياسييّن. وبشكل عامّ فإنّ الزعامة الفعليّة لكلٍّ من الشّيعة
والسُنّة والدّروز هي في يد الزعماء السياسييّن المدنييّن الحزبييّن ودور دار الإفتاء السُنّي، أو الجعفري، أو مشيخة
العقل هو دور ملحق إلى حدٍّ كبير بدور السياسييّن. ويشذّ عن هذا الأمر الوضع المسيحي بشكل عامّ، والماروني
صيف 2012
بشكل خاصّ، حيث للبطريرك الماروني (غالبًا ما يُكنّى ببكركي، أي مقرّ إقامة البطريرك) دور حاسم تفوّق
بشكل حاسم أيضًا على دور السياسييّن في بعض المراحل، لا سيمّا خلال مرحلة الوصاية السوريّة على لبنان التي
اعتبرت مرحلة إضعاف للقادة المسيحييّن الحزبييّن بين نفي وسجن، ما غلّب دور بكركي، ووسّع دورها الديني
إلى دور سياسي وجودي في نظر أوساطٍ واسعة من المسيحييّن. إنّ هذا التوضيح ضروري لكي نقدّم تفسيرًا موضوعيًّا لأرقام ودلالات الآراء، حيث إنّ التداخل بين الديني
والسّياسي والحزبي والاجتماعي - الثقافي، بين الدولة وأجهزتها والمجتمع المدني، وبما في ذلك تفسير بعض
جوانب عدم الاتّساق، أو غياب وحدة الموقف بين مؤسّسات الدّولة نفسها، ووزراء في الحكومة الواحدة، يعود
في جانب منه إلى هذا التّداخل وإلى بُنية النّظام السياسي وطبيعة الدولة " الغنائميّة " التي لها شكل طائفي، وما
يحمله ذلك من التباس ديني. هل يعدّ اللبنانيّون أنفسهم متديّنين؟ الجواب أن %29 منهم يعدّون أنفسهم متديّنين جدًّا، مقابل %58 يعدّون أنفسهم متديّنين إلى حدٍّ ما، و%13 غير
متديّنين. لكن هذه النّسب تتفاوت بحسب المحافظات بشكل لافت، إذ تبلغ هذه النسبة أدناها في محافظة البقاع
(%11 متديّنون جدًّا)، وأقصاها في جبل لبنان (%33)، لكنّها نسبة قريبة جدًّا من باقي المحافظات (الأدنى أيضًا
ضمن هذه المجموعة هي النبطية %27). إلا أنّ اللافت أيضًا أنّ نسبة غير المتديّنين هي الأدنى في بيروت %4
فقط، خلافًا للافتراض التقليدي عن خصائص العاصمة والمدينة الأكبر وذات الطابع العصري، في حين أن
أعلى نسبة من غير المتديّنين هي في البقاع (%23)، والنبطية (%22)، والجنوب.)%20(ويظهر توزّع الإجابات بحسب درجة التديّن وبحسب الطائفة بعض الخصائص اللافتة أيضًا، كما يوجز ذلك
الرّسم البياني التالي:
درجة التدين بحسب الطائفة)%(
إنّ المسيحييّن والسُنّة في لبنان هم الأكثر تديّنًا (%88، و%89 متديّنون جدًّا، أو إلى حدٍّ ما)، في حين أنّ الدروز
والشّيعة هم الأقلّ تديّنًا لا سيمّا الدروز الذين تبلغ نسبة غير المتديّنين عندهم %23، وهي %19 عند الشّيعة.
وعلينا أن نلحظ خصائص أجوبة المستجيبين الشّيعة، وكون " حزب الله " أقوى حزب بين الطائفة الشيعيّة، وهو
استطلاع مؤشر الرأي العام العربي 2011-2010 - دراسة حالة لبنان
حزب ديني بامتياز. ولذلك يجب التمعّن في المعاني المختلفة للتديّن، وكذلك في مدى تطابقه مع الولاء السّياسي
أو الطّائفي. من ناحيةٍ أخرى، يبدو أنّ النساء أكثر تديّنًا من الرجال (نسبة المتديّنين جدًّا %33 لدى النّساء، و%22 لدى
الرجال). كما أنّ النّسق العامّ لكلّ ما يتعلّق بالدّين يتميّز أيضًا بميل أكبر إلى التديّن لدى الأمّييّن (مقارنة بالأكثر
تعليامً)، ولدى الأقلّ دخال، ولدى الأكبر عمرًا. وهذه من خصائص التديّن الاجتماعي التقليدي، وهو خلاف
التديّن السّياسي المعاصر الأكثر انتشارًا بين صفوف فئة الشّباب بشكل خاصّ، والذي يتميز بالنشاطية العالية.
وهو ما ستبيّنه خصائص التديّن التي تناولها الاستطلاع، والتي سنعرضها تباعًا. ما هو التديّن؟ إنّ التديّن بالنسبة إلى اللبنانييّن هو بالدرجة الأولى حسن معاملة الآخرين (%77)، ثمّ هو إقامة الفرائض
والعبادات (%15)، ثمّ التّكافل الاجتماعي (%7). لكن ثمّة تفاوتات كبيرة بين المناطق والطّوائف في أهمّية كلّ
من هذه الإجابات.
تفسير معنى التّدين بحسب المحافظة)%(
إنّ طابع الدين الاجتماعي يبلغ أقصاه في البقاع، وجبل لبنان، وبيروت، حيث تتدنّى نسبة من يرون أنّ التديّن
هو إقامة الفرائض والعبادات لصالح حُسن المعاملة بالدّرجة الأولى. أمّا في النبطية والجنوب، فإنّ نسبة من
يعطون أهمّية لإقامة الفرائض والعبادات تبلغ %30، و%29، كما أنّ نسبة من يروْن أنّ التديّن يعني التّكافل
الاجتماعي هي أعلى من باقي المحافظات. وهاتان السِّمتان تحيلان إلى نمطٍ من التديّن الأقرب إلى السّياسة،
وإلى النشاطية السياسيّة والاجتماعيّة، حيث هناك موجبات عمليّة على المتديّن تجاه ربّه (فرائض العبادة) وتجاه
المجتمع (التّكافل الاجتماعي). في حين أنّ النّمط الاجتماعي من التديّن أكثر تساهال في المجالين، ويعطي
أهمّية أكبر للطّابع الخاصّ للدّين على حساب الطابع العامّ (يوافق%83 من المستجيبين بشدّة أو إلى حدٍّ ما، إن
الممارسات الدينية هي ممارسات خاصّة يجب فصلها عن الحياة السياسيّة والاجتماعيّة.)
وبالانتقال إلى الاختلافات على أساس الانتماء الطّائفي، تبلغ أهمّية الفرائض أقصاها لدى المستجيبين من
الطّائفة الشيعيّة (%25)، يليها لدى الطائفة السُنّية (%19)، في حين أنّ النّسبة متدنّية لدى المسيحييّن والدروز.
وهذه النتائج منسجمة مع النّتائج على أساس المحافظات، مع العلم أنّ البقاع يشك ل حالة أكثر تعقيدًا، حيث
صيف 2012
أثر التنوّع الطائفي والديني، وحيث التشكيلات العشائريّة لا تزال قويّة، ونمط العيش الزراعي، والامتداد
الجغرافي، إلى جانب ما سبقت الإشارة إليه من خصائصَ أخرى تتعلّق بالشعور بحضور الدولة أو غيابها. وخلال العام السّابق للاستطلاع، لم يشاهد %48 من المستجيبين أيّ برنامج ديني. لكن الذين شاهدوا برنامجًا
دينيًّا قاموا بذلك بشكل منتظم ومتكرّر، إذ أن %37 منهم شاهدوا برنامجًا دينيًّا بشكل يوميّ، و%31 شاهدوا
برنامجًا دينيًّا مرّات عدّة في الأسبوع. وتبلغ نسبة المشاهدة أقصاها في الشمّال (%69)، وأدناها في الجنوب والبقاع
(%35). كما أنّ أقصاها كان لدى المسيحييّن (%59)، وأدناها لدى الدروز (%27). وليس لذلك ارتباط بدرجة
التديّن أو الالتزام بالفرائض، بل بعناصرَ أخرى لها طابعٌ اجتماعي أيضًا، وكذلك بتوافر هذه البرامج. ومنها على
سبيل المثال أنّه لا توجد برامج دينيّة مخصّصة للطّائفة الدرزيّة في وسائل الإعلام الأكثر انتشارًا، ما يُشكّل سببًا
موضوعيًّا وإضافيًّا لعدم المتابعة. أخيرًا فإنّ النساء أكثر متابعةً للبرامج الدينيّة من الرّجال (%58 مقابل %44)،
وكذلك الأقلّ تعليامً والأكبر عمرًا. هذه المواقف تبقى في إطار الآراء الخاصّة ضمن الدائرة الشخصيّة إلى حدٍّ بعيد. لكن المعايير تتبدّل بعض الشيّ ء
عندما يتعلّق الأمر بالتوسّع إلى دائرةٍ أوسعَ من العلاقات الاجتماعيّة والأسريّة الأكثر حساسيّة. وقد تضمّنت
استمارة الاستطلاع أسئلة تتعلّق بالعوامل، أو ال وط، التي يمكن أن تسهل أو تُعيق القبول بزواج الأبناء أو
البنات أو الأقارب من شخص يتقدّم لطلب الزّواج منهم (وعلى الرّغم من أنّ الصّيغة عامّة وتشمل النساء
والرجال، إلا أنّ المعنى الضّمني هو للنّساء تحديدًا، حيث إنّه ليس من العادة أن تتقدّم النّساء بطلب الزواج من
الرجال، لكن ذلك أمر آخر هنا). وقد بيّنت الإجابات إعطاء أهمّية لأن يكون طالب الزّواج من المذهب نفسه،
حيث عدّ هذا العامل مه بالنسبة إلى %69 من المستجيبين متفوّقًا على التعليم (%66)، كما أنّه عندما طلب من
المستجيبين اختيار عامل واحد من بين مجموعة العوامل حصل هذا العامل على %31 مقابل %30 للتعليم أيضًا.
العوامل المهمة للموافقة على المتقدم
ما هو أهمّ عامل لإجازة الزواج من
للزواج من أبناءٍ أو أقارب)%(
أبناء أو أقارب)%(
وتب الإجابات أنّ اللبنانييّن يعطون أهمية أقلّ للنَّسب العائلي أو العشائري، أو أن يكون ذا مستوى اقتصادي
جيّد، فإذا اضطرّوا إلى الاختيار فهمْ يختارون مستوى التعليم، مع العلم أنّ المستوى التعليمي الجيّد يحمل معه
ضمنًا احتماالً عاليًا لضمان مستوى معيشة مقبول يقترن بثقافة عالية ومعاملة الزوجة باحترام. أمّا اللافت أيضًا
فهو إذا اضطرّ الشخص إلى الاختيار، فإن %31 يختارون الاشتراك في المذهب أو الطائفة، وهي النّسبة الأعلى،
استطلاع مؤشر الرأي العام العربي 2011-2010 - دراسة حالة لبنان
كما سبقت الإشارة إلى ذلك، مقابل %14 أعطوا الأهمّية الأولى إلى أن يكون الشّخص متديّنًا. وهذا يعني وجود
تمييز بين الدّين والطائفة أو المذهب، وإنّ لاشتراط تطابق المذهب أسبابًا مركّبة دينيّة واجتماعيّة وثقافيّة وعرفيّة،
وتجنّبًا لمشكلات قانونيّة ناجمة عن تعدّد القوانين والقضاء المذهبي في لبنان، وغياب قانون مدني موحّد للأحوال
الشخصيّة، وهو ما يؤدّي إلى مشكلات قانونيّة وتعقيدات كثيرة في المسائل المتّصلة بالأسرة والوصاية والإرث
والزّواج والطّلاق، وما إلى ذلك. وللأسف فإنّ الاستمارة لا تتضمّن سؤاالً عن القبول بالزواج بشخص من
دينٍمختلف، وذلك لمعرفة الأهمّية النسبيّة لاختلاف الدين، ومع اختلاف الطائفة أو المذهب في لبنان في السنوات
الأخيرة، ارتباطًا بالانقسام السياسي القائم في لبنان وطابعه الطائفي. أمّا بما هو أوسع من دائرة العائلة هذه، فلقد أجاب %80 من المستجيبين أنّه لا فرق عندهم بين أن يتعاملوا مع
شخص متديّن أو غير متديّن. فالأمر قليل الأهمّية من وجهة نظر الحياة العامّة والمعاملات اليوميّة. الدّين ورجال الدّين والسّياسة ليس هناك شكّ في أنّ الرّأي الغالب في لبنان هو في اعتبار الدين حيّزًا خاصًّا مستق عن الحيّز السياسي، وفي
رفض تدخّل رجال الدين تحديدًا في العمليّة السياسية، سواء أكان ذلك من خلال التأثير في تصويت الناخبين،
أم في قرارات الحكومة، أم من خلال التأييد ال يح لفصل الدين عن السياسة. ومرّةً أخرى لا ينسجم ذلك
مع الممارسة، حيث إنّ رجال الدين يمُارسون العمل السياسي، بل إنّ بعضهم يجمع في شخصه الموقع السياسي
الحزبي والموقع الديني في الوقت نفسه، ولا يؤثّر ذلك في شعبيّته.
الموقف من دور رجال الدين في الشأن العام)%(
مع ذلك، يمكن فهم هذا الا اه الغالب إلى تحييد السياسة عن المؤثّرات الدينية بصفته حاجة براغماتية ناجمة عن تعدّد الأديان والطّوائف والأحزاب والتيّارات في لبنان من ناحية أولى؛ كما أنّه تعبير عن قناعة وحاجة من ناحية
ثانية؛ وتعبير عن الط موح إلى دولة مدنيّة تُساعد في زيادة فاعليّة الدولة وأجهزتها في لبنان، التي تعيدها شريحة
كبيرة من اللبنانييّن إلى التداخل بين الديني - الطائفي والدّولة.
صيف 2012
رابعًا: اتّجاهات الرّأي العامّ نحو المحيط العربي وقضاياه
تصوّرات الرّأي العامّ حول العالم العربي ومصادر تهديد الأمن يرى حوالى %44 من المستجيبين أنّ الوصف الأقرب إلى رأيهم هو أنّ العرب أمّة واحدة، وإن تميّز كلّ شعب
من شعوبها بسِمات خاصّة مختلفة، في حين أتى ثانيًا الرّأي القائل إنّ العرب أمم وشعوب، بينها روابط ضعيفة
(%40)، وأتى في المرتبة الثالثة اعتبار أنّ العرب أمّة واحدة تفصل بينها حدود مصطنعة (14.5). ويشير ذلك
إلى تراجع فكرة القوميّة العربيّة في صيغتها الأصليّة الراديكاليّة، وإلى انشداد الرّأي العامّ أكثر إلى الواقع الحالي
للعلاقات بين الدول العربيّة ومستقبلها أكثر من انشداده إلى تاريخ نشوء هذه الدّول في مرحلة الاستقلال
والتحرّر من الاستعمار، حيث كان ينظر إلى تقسيم الدول العربية بصفته نتاج مؤامرة استعماريّة أدّت إلى حدودٍ
مصطنعة بين الدّول. ولا تلُاحظ تفاوتات كبيرة بين المحافظات في توزيع الأجوبة، ولا بحسب الط وائف في لبنان، حيث النّسب
متقاربة ما عدا بالنّسبة إلى الطّائفة الدرزيّة، حيث نسبة من يروْن أنّ العرب شعوبٌ وأمم بينها روابط ضعيفة
تبلغ %50 في حين هي تقلّ عن %40 بالنّسبة إلى السُنّة والشّيعة والمسيحييّن. ويمكن تفسير هذه النتيجة جزئيًّا
بأثر حجم العيّنة، إلى جانب عوامل أخرى، منها خصائص المجموعات المذهبيّة الصغيرة العدد التي تكون أكثر
حذرًا من الذّوبان في الأكثريّات. لكن لا يُعدّ ذلك انتقاصًا من فكرة التّضامن العربي بقدر ما هو تبدّل في النظرة إلى هذا التّضامن وجعلها أكثر قربًا
من الواقع السياسي منه إلى المشروع الوحدوي العقائدي. ويتج ذلك من خلال اعتبار أغلبية كبيرة أنّ قضيّة
فلسطين هي قضيّة جميع العرب (%77)، وكذلك ينطبق الأمر على قضيّتي العراق والسودان، وإن بنسبة.ٍأقل
الموقف القومي أو القطري من قضايا محدّدة)%(
وفي لبنان ثمّة تمايزات أيضًا في ما يتعلّق بالموقف من قضايا فلسطين والعراق والسّودان بحسب الا اهات
السياسيّة والانتماءات الطائفيّة، التي هي متداخلة مع التوزّع الجغرافي للمستجيبين أيضًا بحسب المحافظات. وبما
أنّ هذه القضيّة ليست ذات طابع سياسي بحت، بل هي مركّب سياسي - فكري - ثقافي ومرتبط أيضًا بالتّجربة
المعيشة، فإنّنا نعتقد أنّ الانتماء الطائفي هنا هو الأكثر دلالة على هذه العوامل المركّبة، مع العلم أنّ التفاوتات
استطلاع مؤشر الرأي العام العربي 2011-2010 - دراسة حالة لبنان
بحسب مؤّات الوضع المع شي والعمر والجنس قليلة الأهمّية بالنّسبة إلى هذه القضايا. يعرض الرّسم البياني التالي نسبة الإجابات التي رأت أنّ القضيّة المعنيّة هي قضيّة الشّعب في البلد المعنيّ نفسه،
وهو تعبير مباشر عن اعتقاد أنّ سياسة لبنان الخارجيّة (والداخلية)، ومواقف الأحزاب والتيّارات السياسية يجب
أن تبتعد عن الانخراط المباشر في عمل فعلي بالشأن الفلسطيني والعراقي والسوداني. وبشكل عامّ فإنّ النّسب
أعلى بالنّسبة إلى السودان والعراق منها بالنّسبة إلى فلسطين، وهذا أمرٌ مفهوم تمامًا. وفي الحالة اللبنانيّة قد تكون
الإجابات بالنّسبة إلى السودان أقلّ دلالة منها بالنّسبة إلى القضيّة الفلسطينية خصوصًا (نظرًا إلى تداخلها الشّديد
مع الوضع اللّبناني منذ عقود، لا سيمّا في حقبة الحرب الأهليّة وما قبلها)، وكذلك بالنّسبة إلى القضيّة العراقيّة
لعلاقتها أيضًا بالاستقطابات السياسيّة - الطائفيّة في لبنان بما هي اصطفافات داخليّة، أو امتدادات لنفوذ إقليمي. ونجد أنّ المسيحييّن يسجّلون النسبة الأعلى من الرّأي القائل بعدم وجود دور مباشر لبناني في القضايا الثلّاث،
تصل إلى %35 بالنّسبة إلى القضيّة الفلسطينيّة، وإلى %40 بالنسبة إلى العراق والسودان. ويلي ذلك موقف من هم
من الطائفة الدرزيّة، لكن مع قبول أكبر لديهم بدور عربي بالنسبة إلى القضيّة الفلسطينية. في حين أنّ النسبة الأدنى
تسجّل بين الطائفة الشيعيّة، مع العلم أنّه من المعروف أنّ الطائفة السُنّية هي الوسط الذي يسجّل فيه أوسع انتشار
للفكرة القوميّة وللتّعاطف والتّحالف العضوي مع القضيّة الفلسطينية، في حين لا يعرف عن انتشار هذه الأفكار
بالقوّة نفسها في الوسط الشّيعي، وهو في تعبيراته السياسيّة والفكرية السائدة حاليًّا أكثر تأثّرًا بالفكر الديني. وبهذا
المعنى فإنّ الموقف " القومي " الأكثر قوّةً في الوسط الشّيعي هو في جانب منه يع عن موقف وفاعليّة سياسيّة ذات
بعدٍ لبناني وإقليمي أكثر ا هو ذو بعد أيديولوجي وثقافي (في حين أنّ الموقف المسيحي والدّرزي له بعد ثقافي -
أيديولوجي، وبعد سياسي إضافي لدى الرّأي العامّ المسيحي هو من مخلّفات الحرب الأهليّة، حيث كان الفلسطينيّون
حلفاء مع الحركة الوطنيّة بمواجهة قوى سياسيّة حزبيّة ذات قاعدة مسيحية). ونعتقد أنه لو تضمّنت الاستمارة
احتمالات الإجابات لظهر تميّزٌ بين الخلفيّة القوميّة (العربيّة) والسياسيّة والدينيّة للتّضامن مع القضايا الثلاث،
ولتوزّعت الإجابات بطريقةٍ مختلفة، لا سيمّا إجابات المنتمين إلى الطّائفة الشيعيّة من المتأثّرين بالفكرة الدينيّة.
يرون أنهّا قضية شعب البلد المعني وحده)%(
وبشكل عامّ، فإنّ هذه الإجابات تعزّز إشارتنا السابقة إلى أنّ الإجابات تع فعليًّا في الحالة اللبنانيّة عن مستوى
التّضامن والتّعاطف، وعن مستوى الفاعليّة السياسيّة الحاليّة بما يربط هذه القضايا. ويدعم وجهة نظرنا هذه، الهوّة
صيف 2012
الكبيرة التي تفصل بين هذه المواقف الشديدة التّعاطف مع القضيّة الفلسطينيّة، وبين الوضع الرّديء الذي يعيش
في ظلّه اللاجئون الفلسطينيّون في لبنان من الناحية العمليّة والقانونية، وكذلك هو وضع اللاجئين العراقييّن،
خلافًا لكلّ ما تع عنه هذه الأرقام من التزام يتجاوز حدود التعاطف العام.ّ مصادر تهديد الأمن من ناحية مصادر تهديد الأمن القومي والوطني والشّخصي، المصادر الأكثر أهمّية مشتركة، لكن ثمّة تمايزات
أيضًا ليست قليلة الأهمّية بالنسبة إلى المصادر العربيّة والإقليميّة. وبشكل عامّ، فإنّ إسرائيل هي الأولى باعتبارها
مصدر تهديد في المستويات الثلاثة في لبنان، وبفارق كبير جدًّا عن المصادر الأخرى (ما يتراوح بين %61 و%70
من الإجابات)، أمّا المصادر الأخرى فتختلف، كما يوجز ذلك الرّسم البياني التالي:
مصادر تهديد الأمن الأكثر أهمية)%(
وكما سبقت الإشارة فإنّ إسرائيل هي مصدر التهديد الأوّل على كلّ المستويات. لكن في ما يختصّ بأمن الوطن
العربي مصدر التهديد الثاني من حيث الأهمّية هو الولايات المتّحدة الأميركية، يليها إيران. في حين ترد كلّ من
السعودية وسورية باعتبارهما مصدرًا ثانويًّا لتهديد الأمن العربي في لبنان بنسبة %1 (المصادر التي تقلّ عن %1
أهملت في هذا التحليل.) وبالانتقال إلى مصدر التهديد على لبنان تحديدًا، فإنّ إسرائيل هي برأي اللبنانييّن مصدر التهديد الأكبر، وبنسبة
تفوق التّهديد الذي تمثّله إسرائيل للوطن العربي. ويعود ذلك إلى كون لبنان قد عانى فعليًّا وعلى امتداد عقودٍ
من الاحتلال والاعتداءات، وواجه الاحتلال الإسرائيلي وقاومه بنجاح سياسيًّا وعسكريًّا وألحق به هزائم،
على الرغم من أنه لم يكن يُعدّ تقليديًّا من دول المواجهة. ولذلك يرى اللبنانيّون في إسرائيل عدوًّا لهم مباشرة
بنسبةٍ تفوق اعتقادهم إنّه عدوّ للوطن العربي. أمّا المصدر الثاني لتهديد أمن لبنان فهو إيران (%8)، وهذا
تعبير عن اعتبار قسم من اللبنانييّن أنّ لإيران مشروعًا إقليميًّا، وأ ا تتدخّل في شؤون لبنان الداخليّة من
خلال أطرافٍ محلّية لها حضور قويّ وتأثير في لبنان، وبالتالي هذا جزء من الانقسام السّياسي اللبناني الداخلي.
وتتساوى سورية مع الولايات المتّحدة الأميركية في نسبة اعتبارها مصدرًا للتهديد الأمني على لبنان بنسبة %5،
وسنجد أنّ الرّأي بهذا الصّدد منقسم بشكل حادّ (وكذلك بالنسبة إلى إيران والسعودية) وفق الخطوط نفسها
لانقسام التيّارات السياسيّة اللبنانيّة.
استطلاع مؤشر الرأي العام العربي 2011-2010 - دراسة حالة لبنان
أمّا بالنّسبة إلى تهديد الأمن الشخصي، أيضًا إسرائيل هي المصدر الأوّل، لكن تأتي سورية هذه المرّة في الترتيب
الثاني (%5)، ثمّ إيران (%4)، الولايات المتّحدة الأميركيّة (%3)، ويضاف إلى ذلك مصدر تهديد داخلي هو
لبنان بنسبة %2. وليس المقصود الدولة اللبنانيّة هنا، بقدر ما تُقصد أطرافٌ لبنانيّة سياسيّة أو حزبيّة. وعلى
الرّغم من أنّ العدد الإجمالي للّذين عَدّوا لبنان مصدر تهديد لأمنهم الشخصي بلغ 28 فقط، ما يجعل توزيعهم
على نسب مئويّة أمرًا محدود الدلّالة إحصائيًّا، إلا أنّ العدد الأكبر ن قالوا بهذا الرأي هم في الجنوب والبقاع
وجبل لبنان، وأكثر عددًا بين الشّيعة والمسيحييّن. ويجب التّعامل مع هذه الأرقام بتحفّظٍ شديد، نظرًا إلى أنّ
عدد المشاهدات قليلٌ للتوصّل إلى أيّ استنتاج قويّ في هذا الصّدد. بالنّسبة إلى إسرائيل، الجميع يراها أوّل مصدر للتّهديد وبفارق كبير عن المصادر الأخرى، لكن تسجّل نسبة
أعلى في محافظتَي النبطيّة والجنوب. في حين تسجّل النّسبة الأعلى لاعتبار أميركا مصدر التّهديد القومي
والوطني والشّخصي في جبل لبنان (%2 و%9 و%13 و%8 بالتّتابع)، وهي أعلى بشكل محسوس من المحافظات
الأخرى، وهو أمر غير مفهوم خصوصًا اعتبارها مصدرًا لتهديد الأمن الشخصي. أمّا بالنسبة إلى إيران فإن
التّباين حادّ جدًّا بين حدٍّ أقصى في محافظة الشمّال، حيث تبلغ النّسبة حدّها الأقصى (%26، %23، %17)،
وبين الجنوب والنبطية، حيث تتراوح نسبة من يعدّون إيران مصدرًا للخطر على الأمن بين %1 و%2 فقط. أمّا
بحسب الانتماء الطائفي، فإنّ نسبة من يعدّون إيران مصدرًا للتهديد الأمني تقترب من الصّفر بين المستجيبين
الشّيعة، في حين تبلغ أقصاها بين السُنّة، ويليهم المسيحيّون والدروز. وهذا مشابه للتوزّع السياسي الذي سبق
أن تناولناه بتفصيل أكبرَ في فقرات سابقة. وما تجدر الإشارة إليه هو أنّه عندما يرى بعض المستجيبين (في
شمال لبنان مثالً) أنّ إيران مصدر تهديد لأمنهم الشخصي، فإ م على الأغلب يقصدون التّنظيمات السياسيّة
والمجموعات المسلّحة المرتبطة بالسياسة الإيرانية والموجودة في مناطق إقامتهم. وهذا ما يجعل البُعديْن
الخارجي والدّاخلي متداخلين. وينطبق هذا الأمر نفسه على اعتبار سورية والسعوديّة مصدرًا للتّهديد.
في المقابل، فإن 58 شخصًا رأَوا أنّ سورية مصدر تهديد أمني للبنان، من أصلهم 27 في محافظة الشمال، و 19
في جبل لبنان في حين أنّ العدد شخص أو شخصان فقط في محافظتي النبطية والجنوب. وكذلك عندما ننظر
إلى التوزّع بحسب الطائفة، فإن 30 منهم مسيحيّون و 24 سُنّة. ونجد توزّعًا مشابهًا لمن يعدّون سورية مصدر
تهديدٍ لأمنهم الشّخصي (العدد الإجمالي.)60
هل العرب أمّة واحدة؟ تغلب بين اللبنانييّن وجهة النّظر التي ترى أنّ العرب يشكّلون أمّة واحدة، وإن اختلفتْ وجهة نظرهم في تحديد
مفهوم الأمّة. لكن نسبة كبيرة منهم أيضًا (%38) ترى أنّ العرب شعوبٌ مختلفة لا تربط بينها سوى روابط ضعيفة.
أمّا بين من يعدّون العرب " أمّة " ففي أغلبيّتهم يقرّون بوجود سِمات خاصّة بكلّ شعب من الشعوب العربيّة داخل
كلّ بلد مستقلّ، وهو ما يعني ضمنًا الاقتراب من صيغة اتحاديّة لا تلغي الخصوصيّات الوطنيّة، ويعني أيضًا عدم
وجود اقتناع واسع بفكرة وحدة اندماجيّة عربيّة، انطلاقًا من أنّ النسبة القليلة نسبيًّا، رأت أنّ الحدود بين الدول
العربيّة مصطنعة. ويعزّز تحليلنا هذا أنّ أغلبيّة كبيرة من المستجيبين (%71) ترى أنّ التّعاون العربي أقلّ ا هو عليه، وهو ما يؤكّد أنّ
مقاربة موضوع التّكامل العربي تتمّ من منظور غير عقائدي. في المقابل فإن %18 من المستجيبين يروْن أنّ التّعاون
العربي أكثر ا يجب، وهؤلاء يمكن اعتبار أ م يغلّبون فكرة إضعاف التّفاعل العربي- العربي (ربما يكون ذلك
صيف 2012
لأسباب مختلفة يرجّح أن تكون سياسيّة - أيديولوجيّة ناجمة عن التأثيرات الإقليميّة في السياسة الداخلية اللبنانيّة،
وانعكاس النّزاعات الإقليمية، وكذلك الحروب الإسرائيليّة على لبنان التي يربطها البعض باعتبارات إقليميّة أكثر
منها لبنانية). مع ذلك فإنّ هذه النّسبة (%18) هي أقلّ بوضوح من نسبة %38 الذين يروْن أنّ العرب شعوب
تربط بينها روابط ضعيفة. وهذا يُرجّح أنّ اللبنانييّن في أغلبيّتهم تجاوزوا التّعامل الأيديولوجي مع قضيّة العروبة
والقوميّة العربية، مع العلم أ ا كانت إحدى قضايا الانقسام العمودي الحادّ الذي طبع المجتمع اللبناني خلال فترة
الحرب الأهليّة بين منتصف السبعينيّات وبداية التسعينيّات من القرن الماضي. وتسجّل بعض التفاوتات هنا من الناحية الجغرافية، ففي محافظتي جبل لبنان والبقاع حوالى نصف المستجيبين
يعتقدون أنّ العرب شعوبٌ بينها روابط ضعيفة. وفي حين تتشابه هذه النّسبة بين السُنّة والشّيعة والمسيحييّن، فإن
النّسبة تبلغ %50 بين الدروز. وهناك أيضًا طابع طبقي - اقتصادي على هذا الصّعيد، إذ تبلغ هذه النسبة %50 أيضًا
بين الأسر التي تعاني عجزًا في موازنتها، في حين هي حوالى %18 بين الأسر التي تحقّق وفرًا. ولا يبدو أنّ هناك أثرًا
قويًّا ومتّسقًا بالنّسبة إلى متغ ي الجنس والعمر، وأيضًا للمستوى التعليمي.
تقييم مستوى التعاون العربي)%(
تصور العرب بوصفهم أمة)%(
من ناحيةٍ أخرى، فإنّ اللبنانييّن يعطون الأهمّية الأكبر في فهمهم إلى مجالات التّكامل العربي إلى حرّية انتقال
المواطنين، ثمّ إلى حرّية انتقال البضائع والسّلع، أي إلى البعد الاقتصادي وتوسيع سوق العمل لتصبح سوق
عمل إقليميّة. وهذا أمر مفهوم تمامًا بالنّسبة إلى بلد مصدّر للقوى العاملة، ويعمل كثيرٌ من مواطنيه في دول
الخليج العربي بشكل خاصّ. كما أنه بلد خدمات وتجارة. إلا أنّ التّأييد يصبح أقلّ عندما يتعلّق الأمر بوجود نقدٍ
عربي موحّد، وربمّا يعود ذلك أيضًا إلى اقتناع أكبر بأنّ مثل هذه الخطوة سابقة لأوانها، وغير واقعيّة في الوقت
الرّاهن، إضافةً إلى كونها تع عن درجةٍ أعلى من الاندماج السّياسي والمؤسسّي قد لا تكون مرغوبا فيها تمامًا.
والنّسبة الأقلّ هي لمن يؤيّد تشكيل قوّات عسكرية مشتركة، إضافةً إلى قوّاتها العسكرية الخاصّة. واللافت
أنّ النسبة كبيرة (%61)، ولا تتلاءم مع نمط الإجابات السّابقة ومع المزاج العامّ، لكن ما شجّع على الجواب
الإيجابي بالنّسبة إلى هذه النقطة هو صيغة السّؤال في الاستمارة، التي أوردت بناء القوّات العربيّة المشتركة بصفتها
قوّات إضافيّة إلى القوّات العسكرية الوطنية. ولو أتت صيغة السّؤال أكثر قطعًا في التّفضيل بين هذه أو تلك،
فإنّ الإجابات ستختلف على الأرجح وتكون نسبة التّأييد أقلّ. لا توجد اختلافات في الإجابات بالنسبة إلى انتقال البضائع والسّلع، لكن المسيحييّن يبدون أكثر تحفّظ ا على
انتقال الأفراد من دون قيود (%26). والأرجح أ م يُعارضون حركة المواطنين العرب با اه لبنان أكثر ا
استطلاع مؤشر الرأي العام العربي 2011-2010 - دراسة حالة لبنان
يقصدون هجرة اللبنانييّن إلى البلدان العربيّة. كما أ م يُعارضون بنسبةٍ أعلى إقامة نظام نقدي موحّد)%41(
وجيش مشترك إضافي إلى جانب الجيش الوطني (%47)، وهي تبلغ ما بين مرّة ونصف ومرّتين النّسب عن
الطّوائف المقابلة. وهذا يدلّ على نزعة وطنية كيانية أقوى لدى المستجيبين من الطّوائف المسيحيّة. الاعتراف بإسرائيل يرفض %83 من المستجيبين في لبنان أن يعترف لبنان بدولة إسرائيل، وأيّد ذلك %17. لكنّهم أكثر تساهالً
إزاء الدول الأخرى، إذ كانت إجاباتهم متشابهة بالنسبة إلى رفض اتفاقيّات السلّام المصريّة (كامب ديفيد)
وفلسطين (أوسلو) والأردن (وادي عربة)، فرفضها %65 في الحالات الثلّاث، وأيّدها %13. ويوحي ذلك بأن
اللبنانييّن يرفضون الاعتراف بإسرائيل لأسباب لبنانيّة سياسيّة وبراغماتية أكثر ا هي أسباب أيديولوجيّة، أو
عقائديّة فقط. مع ذلك ثمّة تفاوتات مهمّة مناطقيّة وبحسب الطائفة، إذ تسجّل نسبة قبول بفكرة اعتراف لبنان بدولة إسرائيل
أعلى بين صفوف المستجيبين المسيحييّن، وفي جبل لبنان وبيروت، في حين أنّ هذه النّسب هي الأدنى بين الشّيعة
ومواطني محافظتي الجنوب والبقاع (%4)، مع نسبة لافتة في محافظة النبطيّة (%14). كما أنّ النسبة %4 بين
الأمّييّن، مقابل %20 بين الجامعييّن، وهذا أيضًا تفاوتٌ لافت، ويحيل إلى مقاربات مختلفة في التّقييم تتراوح بين
الانفعال العاطفي والانحياز الأخلاقي، وبين الموقف المفكّر فيه والواقعيّة السياسيّة.
يوافقون على اعتراف لبنان بإسرائيل)%(
يوافقون على اعتراف لبنان بدولة إسرائيل)%(
واللافت أيضًا أنّ الإجابات متشابهة تمامًا بالنّسبة إلى البلدان الثلاث، وهذا يُع في جانب منه عن اتّساق في
الموقف، وفي جانب منه عن محاولة الظهور في مظهر من لا يميّز بين البلدان أكثر ا هو موقف مفكّر فيه مسبقًا.
لكنّه في كلّ حال تعبير متّسق عن المزاج العامّ الذي يرى في إسرائيل تهديدًا مباشرًا على مختلف المستويات، وتعبير
عن عدم الرضّى عن مضمون اتفاقيّات السلّام ونتائجها، حيث لا يزال السلّام مفقودًا، وحيث لا تزال إسرائيل
مصدر التّهديد الرئيس على المستوى القومي والوطني وحتّى الشّخصي. وبذلك لم تحقّق هذه الاتفاقات أحد
أهدافها الأكثر أهمّية، وهو تغيير طبيعة وجود إسرائيل في المنطقة من مصدر تهديد إلى بلد جار تقوم بينه وبين جيرانه الآخرين علاقات حسن جوار، أو أنّه لا يمثّل تهديدًا لهم على الأقلّ. وهذا ما لم يحصل برأي اللبنانييّن.
إقرأ • محور العدد: اللغة والهُوية الهُويّة والاغتراب في الوعي العربيّ
في
• هُويّة الفُصحى: بحث في التّصنيف والخصائص
هذا دراسات من المكتبة • المعجم العربيّ وهُوية الأمّة
العدد مناقشات ومراجعات
تقارير
• الهُويّة واللُّغة في الوطن العربيّ: بين أزمة الفكر ومأزق السّياسة
• لُغة الهُويّة والتعلّم بين السياسة والاقتصاد: نموذج تماسكي تنوعي وتعددي