Return to Article Details Youth Religiosity: A Phenomenon Independent of the Ideological Establishment

التديّن الشبابي بوصفهِ نمطًا منفلتًا من المؤسسة الأيديولوجية

Youth Religiosity: A Phenomenon Independent of the Ideological Establishment

هاني عواد*

الملخّص

هكذا أدّى انتشار منتجات العولمة في الطبقات الوسطى والشعبية، إلى نسج مجال عامٍّ افتراضي، جعل الدين بوصفه نظامًا ثقافيًا، يفلت من قبضة المؤسسات الاجتماعية التقليدية، ليصبح في متناول حالة فردانية/ شبابية، فكّكته إلى قِيَمِيَّاتٍ، واستعملتها في سبيل إعادة استدعاء حاجاتها الاجتماعية والحقوقية.

Abstract

This paper presents a reading of a new form of religiosity that emerged in the squares of the Arab revolutions: the religiosity of young people. The approach of the study rests on the understanding of religion as a cultural system, in an effort to make a socio-cultural contribution to the analysis of the relationship between models of the production of religiosity and the givens of the social structure in Arab societies with a composite makeup. This hypothesis rests on the assumption that the means of communication and imagination and their intensive spread within Arab societies have led to the emergence of a new public sphere – albeit a virtual one – that has broken the link between sheikh and pupil that organized Islam established as the basis for its model of education. When that happened, the Arab social subject could read more than one source for Islamic-political knowledge and chose what suited it or adopt an idea or ideas without the need for involvement with the educational model of the ideological establishment. In this way, the spread of the products of globalization within the middle and lower classes led to the creation of a virtual public sphere, which made religion, as a cultural system, slip out of the grip of the traditional social institutions and become available to the individuals and young people who disassembled it into values which they used to reclaim their social needs and human rights.

الكلمات المفتاحية:
  • أنماط التدين
  • نسق تربوي
  • معرفة
  • مؤسسة إيديولوجية
  • تكنولوجيا
Keywords:
  • Forms of Religiosity
  • Youth
  • Educational System
  • Public Sphere
  • Technology

تقدّم هذه الدراسة قراءة لنمطٍ جديد من أنماط التدين برز فاعلا في ثورات ميادين التحرير العربية،

ألا وهو التدين الشبابي. وتعتمد هذه المقاربة على وعي الدين كنظامٍ ثقافي، في محاولة لتقديم مساهمة

سوسيو ثقافية، تحل ل العلاقة التي تربط بين أنماط إنتاج التدين ومعطيات البنية الاجتماعية، في

المجتمعات العربية ذات التركيب التنضيدي. وتقوم هذه الأطروحة على فرضية مفادها أن تطور وسائل الاتصال/ التخيل وكثافة انتشارها في

المجتمعات العربية، أدّيا إلى بروز حيّزٍ عامٍ جديد - وإن كان افتراضيًا - قام بكسر رابطة الشيخ -

التلميذ، التي كانت الأساس الذي شيّد عليه الإسلام الحركي نسقه التربوي. وحين حدث ذلك،

باتت الذات الاجتماعية العربية مطّلعة على أكثر من مصدرٍ للمعرفة الإسلامية - السياسية، لتنتقي

منها ما يناسبها، أو تتبنى فكرة أو عدة أفكار من دون الحاجة إلى الانخراط في النسق التربوي

للمؤسسة الأيديولوجية. هكذا أدّى انتشار منتجات العولمة في الطبقات الوسطى والشعبية، إلى نسج مجال عامٍّ افتراضي، جعل

الدين بوصفه نظامًا ثقافيًا، يفلت من قبضة المؤسسات الاجتماعية التقليدية، ليصبح في متناول حالة

فردانية/ شبابية، فكّكته إلى قِيَمِيَّاتٍ، واستعملتها في سبيل إعادة استدعاء حاجاتها الاجتماعية والحقوقية.

ربما يؤكد مقبل الأيام أنّ لحظة ميدان التحرير في الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2011،

كانت فارقة في التاريخ العربي المعاصر، لا لأنّ المشهد العام يوحي بأنّ الشعوب العربية مسحت

المسافة الفاصلة بين الخيال الجمعي والفعل الاجتماعي، بل لأنّ هوْل المشهد جعل جلَّ النخب العربية تغري

حساباتها الثقافية الماضية. ومن جملة المستجدّات التي رفع لواءها ميدان التحرير أنْ ولّد في عصر الربيع العربي مشهدًا ثقافيًا جديدًا، حين

أفرز ممارساتٍ جماعيةً ثقافية حديثة أصابت حقل التدين، لينبثق شكلٌ من أشكال الممارسات الدينية، لا يتضاد

مع الليبرالية بمعناها الرومنسي المعروف، ولا يتضادّ أيضًا مع معاني التحرّر والكرامة والعناد. هو مشهدٌ يمكن

خريف 2012

لأيّ شخص من ألوان النخب العربية المختلفة أن يرى فيه ما يريد أن يراه. فداعي الليبرالية يرى فيه تعبيرًا عن

الاحتجاج السلمي لانتزاع حقوق المواطنة. والسلفي يرى فيه جمعًا حاشدًا من المسلمين يقيمون صلواتهم في مواعيدها، ويتلهّفون على يوم الجمعة بما فيه من رمزية إيمانية، للمطالبة بتغيير طبيعة النظام، لتعرض الكاميرات، وبشكل فريد، شبابًا متديّنًا لا يأنف الهتاف والغناء والتجمّع مع شباب مسيحي ويساري. والجِدّة في الصورة أنها أكّدت أنَّ نمطًا فردانيًا من أنماط التدين بات يزاحم النمط السياسي الذي شغل نخبًا ثقافية عربية، وأصبح في العقدين الأخيرين كأنه قدر محتوم، تستعمله نخبٌ مستفيدة لتعطيل الديمقراطية وشرعنة الديكتاتوريات، وأخرى تعمل جاهدةً لتوصيف عقدة ثقافية استثنائية تؤرجح العرب بين ثنائيات الأصوليات. فهل بات من الضروري الآن إعادة الصيّرورة إلى التحليل الاجتماعي للأيديولوجيات العربية والقول إنّ ظاهرة التدين السياسي، في إطار الجدليات المجتمعية، تفرز ممكناتها النهضويّة؟ تحاول هذه الدراسة، من خلال المشهد الآنف الوصف، أنْ تحلّل نمط هذا التديّن الشبابي الجديد، الذي ظهر

في أبهى حلّة له في ميادين التحرير العربية، معتمدةً على مقاربة مفادُها أنّ وسائل الإعلام الجديد، التي كان أبرزها مواقع التواصل الاجتماعي (Social Media)، قد استطاعت أنْ تنسج حيزًا عامًا افتراضيًا، جعل الدين كنظام ثقافي يفلت من قبضة المؤسّسات الاجتماعية التقليدية، ليصبح في متناول حالة فردانية/ شبابية فكّكته إلى قيميات، واستعملتها في سبيل إعادة استدعاء حاجاتها الاجتماعية والحقوقية. وقد استخدم الشباب العربي هذا الحيّز الجديد لافتكاك الحيّز العام التقليدي كما فهمناه قبل ذلك من هابرماس. وقد جاء هذا التطوّر بعد أن استنكفت الدولة العربية من أداء مهمّتها المتمثّلة في بناء الأمّة، الذي يتفرّع عنه

حماية حيّزٍ عام تتوافر عبره جدلية الحوار بين القطاعات والجماعات المتعدّدة، بل تصرّفت كجماعة في المجتمع،

ووفّرت حيزًا عامًا أحاديًا لنخبتها، وهو أمرٌ أدّى إلى بحث النخب المضادّة عن أحياز أخرى تمارس عبرها

السياسة وترعاها. وحين نمَا المجتمع العربي، وقد غابت عنه دولة مركزية ترى أنّ إحدى مهماتها كتابة الحكاية القومية، وتنظيم الحيّز العام لا حبسه، برزت أنساقٌ تربوية متعددة، ساهمت في ظهور الإسلام السياسي كقوّة مهمة تنفرد بنظرتها إلى العالم، أي بتخيّلها الدولة والمجتمع والخارج. وهو أمرٌ أدّى إلى تقابلات أرهقت بنية المجتمع العربي لعقود. إنّ المقاربة التي تقدّمها هذه الورقة تنحاز إلى الحالة الدينية بوصفها موضوعًا لا بدّ أن يتدخّل في تفسيره منهج

ينتمي إلى «سوسيولوجية الثقافة». فعندما نع ي الدين كنظامٍ ثقافي، فإننا في حاجة إلى تحليل العلاقة التي تربط بين أنماط الإنتاج الثقافي ومعطيات البنية الاجتماعية في «المجتمعات ذات التركيب التنضيدي».

1 لاحقًا وبعد كتابة هذه الدراسة بأشهر، أ جريت في مصر انتخابات مجلسي الشعب والشورى التي استطاع تيّار الإسلام الحركي فيها أن

يحقق أغلبية مريحة، ولكنَّ ما شهده الحيّز العام في الفترة اللاحقة من حراك سياسي واجتماعي مكثّف، كشف في انتخابات الرئاسة المصرية

عن توجهٍجديدٍ اصطفَّ خلف المرشح الإسلامي المستقلّ والمفصول من جماعة الإخوان المسلمين عبد المنعم أبو الفتوح، وقد ظهرت عدة

مؤشرات تدلّعلى أنَّ قطاعًا واسعًا من شباب الطبقة الوسطى الذي يجنح إلى المحافظة الدينية صوّت له بل وحشّد له عبر مواقع التواصل

الاجتماعي ووسائل الإعلام، وهو ما يصبّ في فرضيات هذه الدراسة ويدعمها.

2 الطاهر لبيب، سوسيولوجيا الثقافة (المحمدية -المغرب-: مطبعة فضالة، 2006.24)، ص

التديُن الشبابي بوصفهِ نمطًا منفلتًا عن المؤسسة الأيديولوجية

الدين بوصفه نظامًا ثقافيًا

يمكن القول، بقليل من الحذر، إنّ الإنتاج الاجتماعي حول الدين في المجتمعات العربية قيّدته الأيديولوجيا

بمعناها الضيّق، خاصّةً مع بروز الإسلام الحركي، منذ نكسة حزيران/ يونيو 1967؛ وهو أمرٌ جعل قطاعًا

كبيرًا من النخبة الثقافية العربية يحمل لواء العلموية، ويواجه الخطاب الحركي الإسلامي، بنظريات غربيةٍ

وافدة، ويساوي بين معركته هذه ومعركة روّاد التنوير الأوروبي في القرنين السّادس عشر والسّابع عشر. وقد أدّت هذه النزعة لدى الباحثين الاجتماعييّن إلى التركيز على نقد الدين على حساب التديّن، والخلط بين

الاثنين من دون الانتباه إلى أنّ الشكل الأخير يعربّ عن سلوكيات ثقافية ترتبط برموز أكثر ممّا ترتبط بمنظومة

ثقافية متماسكة. وهكذا أطلقت المقاربات التي طرحها مثقّفون عرب إشارة المساواة بين الأيديولوجيا والدين،

واستدعت أطروحات تنتقل بين «أفيون الشعوب» والتفكير في «مجتمعِ السّلف الصالح.» لقد أظهر كليفورد غيرتز في كتابه تأويل الثقافاتإحباطه من المقاربات الأنثروبولوجية إزاء الأيديولوجيا،

التي تراوحت في رأيه بين نظريتين: نظرية المصلحة ونظرية الجهد. تكون الأيديولوجيا بالنسبة إلى الأولى قناعًا

وسلاحًا على خلفيّة الصراع الكوني للحصول على السلطة والمنفعة، أمّا في نظرية الجهد فتبذل الذّوات الاجتماعية

مساعيها للفرار من القلق. وفي سبيل إحدى المقاربتين أو كلتيْهما، تراوحت الكتابات العربية لنقد الدين بين بيان الأثر السيكولوجي لهزائم

العرب وزخم الثورة الخمينية، وبين الوعي الزائف الذي تتحالف معه الأنظمة الاستبدادية لتحصيل شرعيّة

البقاء في السلطة، من دون أن يلقوا اعتبارًا لمعاملة «الشعور» و«الخيال» كمقولتين علميّتين حداثيّتين. وقد أدّى هذا، في ما أدّى، إلى إيجاد حدود وتمفصلات موهومة بين «روحٍ» تنتمي إلى الفضاء العقلي للقرون

الوسطى، وأخرى تنتمي إلى الفضاء العقلي للعصور الحديثة، وبينهما تكمن «قطيعة الحداثة». هكذا توهّم عدد

من الحداثييّن أنّ عدّة فضاءات زمنية تتخلّل المجتمعات العربية، لتردّ بعضها إلى مجتمع النبوّة، والبعض الآخر

إلى مجتمع الحداثة، من دون الإدراك بأنّ «وجود مؤسّسات جمعية، خارج الحداثة المشوّهة القائمة، غير ملوّثة

بلوثتها، هو وهْم، مجرد وهم». ومن البديهي القول وفق هذا المنطق إنه «لا شيء يُعاد إنتاجه كما كان»، فإعادة

إنتاج الدين تأخذ وظيفة أيديولوجية للإجابة عن أسئلة الهويّة عند الإنسان الحديث، والحداثة التي فُرضت

من الخارج لم تترك الناس على تقليديّتهم؛ «لقد تغريّ ت رؤيتهم للعالم تمامًا، ولم يبق شيءٌ كما كان عليه حتّى معنى

وظيفة التقليد تغريّ» ت. لقد أفرزت الحداثة، حسب هارفي، عملية «انضغاط الزمان - المكان»، التي كان لها وقعٌ «تحريفي» على العلاقات

الاجتماعية، لتولّد بدورها تغييرًا في «الممارسات المكانية والزمانية التي تضمّنت فقدانًا للهويّة مع المكان

وانقطاعًا جذريًا متكرّرًا عن أيّ معنى للتواصل التاريخي»، لتنكشف على «أنقاض انهيار حواجز المكان» معانٍ

3 كليفورد غيرتز، تأويل الثقافات، ترجمة محمد بدوي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص.413-412

4 محمد أركون، الهوامل والشوامل: حول الإسلام المعاصر، ترجمة وتقديم هاشم صالح (بيروت: دار الطليعة، 2007.41)، ص

5 عزمي بشارة، مساهمة في نقد المجتمع المدني (رام الله: مواطن، 1997.227)، ص

6 المصدر نفسه، ص.223

7 المصدر السابق، ص.233

8 ديفيد هارفي، حالة ما بعد الحداثة: بحث في أصول التغير الثقافي الاجتماعي، ترجمة محمد شيّا (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2005)،

ص.331

خريف 2012

جديدة له على نحوٍ يؤكّد الهويات المحلية والعقدية، ويبعث من جديد نهوضًا للسياسات المحلية والمناطقية، والعضوية والعقائدية. لقد بذلت نخبةٌ ثقافية حملت رسالة «العلمانية» جهودًا كبيرة في نقد النصّ القرآني المؤسّس، وغربلته وكشف

تاريخيّته؛ ولكن غاب عنهم أنّ الناس لا يأكلون ولا يشربون النصوص، وأنهم في حياتهم اليومية لا يقرأونه

قراءةً عقلانية، بل ينشدون أنظمةً رمزية يؤسّس لها الشعور الجمعي. ولا يعني بأيّ حال من الأحوال قيام باحث

بكشف الشروط الاجتماعية والتاريخية لحدثٍ في التاريخ الإسلامي، أنه أسّس لعلاقةٍ جديدة بين الدين والناس. وفي سبيل الردّ على مثل هذه النزعات العلموية، كتب غيرتز معرّفًا الدين بوصفه نظامًا ثقافيًا فاعلا، يقيمُ حالاتٍ

نفسية وحوافز قويّة وشاملة ودائمة في الناس، عن طريق صوغ مفهومات عن نظامٍ عامٍ للوجود، وإضفاء هالة

من الواقعية على هذه المفهومات بحيث تبدو هذه الحالات النفسية والحوافز واقعيّة بشكلٍفريد. يختلف التعريف أعلاه عن التحليلات الكلاسيكية للدين، فهو يعتبره أكثر سيولة من أن تتمّ موقعته في مؤسّسةٍ من المؤسّسات الاجتماعية، بل يجعله منتشرًا في الحيّز العام. والاستثناء الذي اختصّت به الحالة العربية هو تخيل

النّخب العلمانية واليسارية عن فكرة احتواء الرتّاث العربي الإسلامي، واجتّاهها إلى العلموية، بحيث سَهّلت للإسلام الحركي سدَّ الفجوة والانتشار في الثقافة الشعبية. وقد أدّى التشديد على العلموية، وتجنّب قراءة «الشعور» و«الخيال»، كمقولتنيْ علميتين، إلى انفصال الأيديولوجيا عن الممارسة، وانسلاخ المثقّف عن الطبقات الاجتماعية، وبالتالي الانزلاق إلى النخبويّة. ولكن حتّى إسهام غيرتز، الذي أعطى معانيَ مغايرة وغير معهودة للدين استنادًا إلى التّجربة الإندونيسية بشكلٍ

أساسي، أصبح في حاجة إلى التطوير، في خضمّ شمول وسائل الإعلام، وتعدّد قنوات الخطاب التي كسرت

وحلّلت وسائل إنتاج أيديولوجية قديمة مكّنت بعض المؤسّسات الاجتماعية - مثل المسجد - من تعيين نفسها

ناطقةً باسم الدين. إذًا، تناولت الدّراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية العربية الرأسمال المفهومي الذي دشّنته جهود التنويرييّن العرب الأوائل من دون الالتفات إلى أنّ العصر قد تغريّ، وأنّ التطوّر التقني وتدشين سوق عربية إعلامية عابرة للحدود وللجغرافيا، أفرز نقيض التديّن السياسي، وهو التديّن الفرداني/ الشبابي. ومع هذا التطوّر أصبح الدين، على حدّ تعبير بلرحومة، «قيمة اجتماعية، تنتظم ضمن سلمية القيم الحاضرة في

حياة الناس العملية وتقديراتهم الخاصّة، التي تجسّمها يوميًا أنشطتهم وقناعاتهم واختياراتهم». ونأ تْ الأدبيات المعاصرة عن تناول «ماهيات القيم ومطلقيّتها الفلسفية لتفحص في المقابل المعيش اليومي للناس أي: قيمة التديّن كتجربة اجتماعية».

9 المصدر نفسه، ص.318-317

10 كليفورد غيرتز، تأويل الثقافات، مصدر سبق ذكره، ص.227

11 عادل بلرحومة، «التدين الشبابي بوصفه قيمة في البحث عن معنى للهوية الذاتية»، ورقة غير منشورة.

التديُن الشبابي بوصفهِ نمطًا منفلتًا عن المؤسسة الأيديولوجية

الإسلام السياسي في إطار تعددية الأحياز العامّة

يقترح عزمي بشارة نموذجًا يفرسّ به نشوء الإسلام الحركي كظاهرة ثقافية عامّة في المجتمعات العربية،

ف«انفصام العاملنَيْ الذي جاءت به الحداثة، أدّى إلى نزوعٍ أو ردِّ فعل في الحيّز الديني من أجل إعادة الوحدة بين

الدين والسياسة، أي إلى توجّه هجومي نابع عن وعي الانفصام والمعاناة النابعة من هذا الوعي من ناحية؛ ومن

الناحية الأخرى أدّت عملية الانفصام إلى نزوعٍ في الحيّز السياسي نحو القداسة، تجىلّ في تقديس قيمٍ دنيوية مثل:

الحزب، والقوميّة، والدم، والأرض... إلخ، بعد أن تمّت علمنتها. ورغم توفّر الشّكلين في الشرق والغرب، فإن

الشكل الأوّل [أي الإسلام السياسي] هو الشكل الرئيس لردّ الفعل على الحداثة في شرقنا العربي الإسلامي،

والشّكل الثاني هو الشكل الرئيس لردّ الفعل على الحداثة في الغرب». وقد ساعد في الحالة العربيّة بقاء «اللغة العربية لغة قوميّة لم تستحدث كما الفرنسيّة من اللاتينية كما لم تتحوّل

اللهجات المحلية العربية إلى لغات، ففي حالة العرب والعربية أصبحت اللغة المقدّسة لغة قومية». وهذه

الخصوصية التاريخية هي التي أدّت في العصر الحديث إلى بروز تيّارات الإسلام الحركي موحّدةً بين الأمّة

والدين لتفكّر وتتصرّف في مفاهيم أمّة دينية واحدة، فمادّة التخيّل هنا تصلح لذلك لالتحامها العضوي

بالقرآن العربي. ويتجاوز هذا الاقتراح أطروحة الكاتب الأميركي بنجامين باربر في كتابه: الجهاد ضدّ عالم ماك، الذي يرى

أنّ العولمة بصبغتها الأميركية أفرزت هويّة تميل إلى الوحدة العقيدية والتّضامن في دول العالم الثالث، أو ماِ

يسمّيه هو «الجهاد»، التي بدورها شنّت حربًا ضدّ الدولة القومية وضدّ الديمقراطية، عبر البحث عن هويّة

ما قبل حداثية بديلة. وقد تناقل العرب هذه الأطروحة بهوس مبالغ فيه، خاصّة أنها خرجت عن كاتب

أميركي، مع أنّ البعد الثقافوي فيها واضح، إذ إنّ المدّ الإسلامي انفجر في العالم العربي والإسلامي قبل أن

تنفجر «الماكدونالدية»، والأثر الذي خلّفته الحداثة عمّ وجهَي الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي وإن اختّذ أشكالا

مختلفة بسبب تقدّم/تخلّف علاقات الإنتاج. إنَّ خصوصية المجتمعات العربية في عصرنا، حسب بشارة، تكمن في أهنّا حطّمت ما كان قائامً، من دون استبداله

بالمجتمع المدني القائم على وحدة غير عضويّة بين أفراد. وخصوصية المثقّف العربي تكمن في الإصابة بالهلع من

انهيار ألفة وحميميّة الوحدات العضوية من دون اكتساب حريات المجتمع المدني، ومن دون أن تقف أمام استبداد

السلطة أيّ حواجز. ويسمّي بشارة ذلك بالحداثة المشوّهة، أي أهنّا «غير عضوية، تطوّرت بناءً على جدول أعمالالآخرين، لا

بناءً على جدول أعمالنا أو حاجاتنا. والشكل الذي اختّذته هذه الحداثة هو الرسملة المشوّهة والهجينة لعلاقات

12 عزمي بشارة، «مدخل لمعالجة الديمقراطية وأنماط التدين» (ص-57 ص 120:) في دراسات نقدية (محرر:) حول الخيار الديمقراطي

(رام الله: مواطن، 1993.101-100)، ص

13 عزمي بشارة، في: بندكت اندرسون، الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة ثائر ديب (بيروت/ دمشق: دار

قدمس، 2009.35)، ص

14 المصدر نفسه.

15 Benjamin Barber, Jihad vs. McWorld (New York: Ballantine Books, 2001), p. III.

16 انظر على سبيل المثال احتفاء هاشم صالح بأطروحة باربر في كتابه: معضلة الأصولية الإسلامية (دار الطليعة: بيروت،.)2006

17 عزمي بشارة، «مدخل لمعالجة الديمقراطية وأنماط التدين»، مصدر سبق ذكره، ص.91

خريف 2012

الإنتاج، ممّا أدّى إلى قيام رأسمالية غير منتجة، كومبرادورية تابعة بالتصدّي لمهمات التحديث، جنبًا إلى جنب مع

بيروقراطية ورأسمالية دولة (قطاع حكومي) ما لبثت أنْ فشلت في أداء مهماتها بانتهاء مراحل التراكم الأولي». لقد حطَّم هذا الشّكل من أشكال الحداثة العلاقات الريفيّة من دون أن «يحلَّ محلّها نظامٌ رأسمالي أو اقتصاد

صناعي ليستوعب الهجرة إلى المدينة. وفي نفس الوقت أدّت الحداثة وعمليّة التثاقف مع الغرب والتحوّل إلى

سوق لبضائعه إلى إنتاج حاجات، لا يستطيع النظام الاجتماعي/الاقتصادي القائم تلبيتها- فالحداثة في شرقنا تنتج الحاجات وتنتج عدم القدرة على تلبيتها في الوقت ذاته. ويزيد من حدّة هذه الظاهرة العظيمة الأثر ازدياد

تأثير وسائل الاتّصال ودخولها إلى كلّ بيت، بشكل لم يعد بالإمكان أن نتعامل معها كأنها موضوع ثانوي أو

جزءٌ من المبنى الفوقي. بل كعامل أساسيٍّ ينتمي اقتصاديًا إلى المبنى التحتي للمجتمع ويساهم بشكل مباشر في

تشكيل شخصية الإنسان المعاصر». وقد أفرز هذا الوضع دولةً مُقحمة وكأنها هبطت ب«المظلة»، فقامت بتشكيل المؤسّسات التي تحتاج إليها، وبتأميم

البقية كجزء من عملية الاستقلال، لتمارس بعد ذلك رقابةً لصيقة على المجتمع. ولأنها كانت نتاجًا لعملية تجزئةٍ

استعمارية، ظلّت «تعاني من أزمة شرعيّة وضعف بناء المجتمع»، فسعتْ إلى تكوين قطاعات اجتماعية تربطها بها

علاقات المصالح، ونجحت في ذلك. وللتعويض عن نقص الرشّعية، مارست بسياساتها خليطًا من «الإرهاب والبراغماتية السياسية والخطاب

السياسي الذي يشمل لمامًا من الحداثوية والإسلاموية والشعبوية». ولأهنّا ذات طابع متذبذب بين الدولة

الشمولية - وهي أضعف من أن تكون كذلك - وبين اختراقها الجزئي للمجتمع المدني، فإهنّا تساهم في

«هيمنة خطابٍ سياسي هو خطاب الخاسرين من الحداثة ». وقد أدّى ذلك إلى «أزمة في الوعي القومي ونشوء

جماعات متخيّلة أخرى لا تقلّ تخيلّا ولكنها تقلّ اتّساعًا وقدرةً على ترسيخ الدولة الحديثة». هذا يعني أنّ الدولة في المشرق العربي أساسًا، وخاصّةً بعد نكسة حزيران/ يونيو 1967، لم تقم بمهمّتها المتمثّلة

في بناء أمّة، والذي يتفرّع عنه حماية حيّز عام يوفّر الحوار بين القطاعات والجماعات المتعدّدة؛ بل تصرّفت كجماعة

في المجتمع، ووفّرت حيّزًا عامًا أحاديًا لنخبتها، وهو أمرٌ أدّى إلى بحث النّخب المضادّة عن أحياز أخرى تمارس

عبرها السياسة وترعاها. في هذا السياق يمكن أن نفهم قوانين الطوارئ في الأنظمة العربية، وهي القوانين التي

حظرت الاجتماعات العامّة في الحيِّز العام، وبالتالي منَعت الجدل الداخلي إالّ على نخبتها المتحالفة معها. ولأنّ الإجماع، حسب نظرية هابرماس، ينبثق من داخل المحادثات التي تتمّ بين الأشخاص المتحاورين أنفسهم،

ويحصل من «خلال المناقشة التي يفرضها التبادل الرّمزي والسياسي داخل مجتمعٍ تتنازعه قوى الرصّ اع وقوى

الإجماع»، ولأنّ الحيّز العام هنا هو فكرة تحريضية تحفيزية (Motivating)، تؤكّد التأثير المستقلّ له في الفعل

18 المصدر نفسه، ص.101

19 المصدر نفسه.

20 عزمي بشارة، في: عزمي بشارة وآخرون، إشكاليات تعثر التحول الديمقراطي في الوطن العربي (وقائع مؤتمر القاهرة المنعقد في الفترة

من 29 شباط/ فبراير إلى 3 آذار/ مارس 1996) (المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، 1997.402)، ص

21 عزمي بشارة، مساهمة في نقد المجتمع المدني، مصدر سبق ذكره، ص.241

22 المصدر نفسه، ص.236

23 عزمي بشارة في: بندكت أندرسون، مصدر سبق ذكره، ص.43

التديُن الشبابي بوصفهِ نمطًا منفلتًا عن المؤسسة الأيديولوجية

(Action)، وفي الفعل السياسي تحديدًا؛ فإنه لا بدّ لأيّ مقاربة للحالة العربية أن تأخذ بالاعتبار تعدّد

الأحياز العامّة، التي تتعايش أجزاء منها وتتحالف وتتصارع أجزاء أخرى من أجل ضمّ شرائحَ وفئات اجتماعية

مختلفة، وبالتالي فإنّ مبادئ الإجماع تختلف من حيّز إلى آخر، وتتعدّد السرديات بين جمهورٍ وآخر، وهو أمرٌ يعني

ترسّخ الصراع كحالةٍ أصليّة في المجتمع.

وقد كان على الإسلام الحركي منذ بداية تشكّله أن يبحث عن حيّزٍ عامّ خاصّ به. وفي فترةٍ مبكرة، لم يجد

غير المساجد، والجمعيات الخيرية والأندية المتعدّدة النشاط، لكي يجعلها مجالا لنقاشاته ومبادئه الخاصّة، والتي

اختلفت بطبيعة الحال عن النقاشات الأخرى في أحياز عامّة أخرى. ومع تطوّر الحراك في الحقل السياسي والثقافي، وبدلا من أن تقوم الدولة برعاية حيّزٍ عام موحّد لكافة القطاعات،

وجد النظام العربي نفسه في مواجهةٍ مع المجالات العامّة التي أنشأها الإسلاميون ووفّرت مبادئ إجماعية منافسة

ومضادّة له، وحاول عددٌ من الأنظمة المنافسةَ في تلك المجالات. ففي مصر على سبيل المثال، أنفق النظام الحاكم

منذ العام 1960 أموالا طائلة لاستمالة فئات اجتماعية تشملها المؤسّسات الاجتماعية الإسلامية، وأنهى ظاهرة

«المساجد الأهلية»، وافتتحت الحكومة آلاف المساجد، التي صاحبتها مهرجانات افتتاحية برعاية وزراء الأوقاف. إذًا، بدلا من أن تستخدم الدولة العربية القطْرية قوتّها للصّهر ولاحتواء المجالات العامّة في مجالٍعامٍ موحّد،

كانت ميالةً إلى هدم المجالات العامّة الأخرى التي لا تواليها. فلم تتطوّر الدولة العربية القطْرية «عضويًا

من خلال علاقة القوى الاجتماعية المحلية: رأس المال، السوق، المجتمع المدني». كما لم تقم ب«توحيد قومي للاختلافات ولجزئيات المجتمع المدني ومصالحه المتضاربة، وإنما جُعلت وعاءً خارجيًا يحتوي هذه التنوّعات. في

مثل هذه الحال تسجّل القوى التقليدية نوعًا من المقاومة لأنها قوى طاردة عن المركز».

24 محمد نور الدين أفاية، الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة: نموذج هابرماس، ط 2 (الرباط: أفريقيا الشرق، 1998)،

ص.101-100

تتقاطع النظرية التواصلية عند هابرماس مع الأطروحة الهيغلية في فلسفة الحق، أي مع رؤية توفيقية بين التناقضات المجتمعية في تركيب

واسع، ليبدو هذا التركيب في الدولة الحديثة، أو في المجتمع المدني بوصفه حالة انتقالية إلى الدولة عند هيغل، وبوصفه ضابطة (Police)

تؤمن انضمام الخاص إلى الشمولي.

راجع: جان بيار لوفيفر وبيار ماشيري، هيغل والمجتمع، ترجمة منصور القاضي (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،

1993.46-41)، ص

25 لقد سبق للصادق نيهوم أن لمح إلى الخصوصية التاريخية للجامع التي تجعله قابلاًّ للتحول إلى حيز عام تنتج عنه حالة الإجماع. وهو

يميّز بين الجامع والمسجد، فالمسجد لديه هو مؤسسة ما قبل إسلامية، موجودة في كل زمان ومكان، «عرفتها كل الحضارات، ولها اسم في

كل لغة»، وهي تعبر عن موضعة الدين في صيغة مكانية لا يغادرها. أمّا الجامع «فهو فكرة أخرى لم يعرفها أحد، ولم يدع إليها أحد سوى

الإسلام، لأنها تطبيق لمبدأ المسؤولية الشخصية، الذي حتّم إلغاء كل وسيط بين الإنسان وبين خالقه»، فالجامع هو الجهاز الشرعي لجمع

الناس المتفرقين بين المساجد والكنائس والمعابد في «جهاز إداري موحّد، محرّر من كلّ الخلافات الظاهرية، وموجّه لحماية حقّ الجماعة

الإنسانية في العدل، بوضع شرعية القرار دائما أمانة بين الأغلبية.»

ونظام الجامع، بحسب نيهوم، «صيغة إدارية لتحقيق سلطة الجماعة؛ ظهر في تاريخنا، بعد سحق المؤسسات العسكرية والدينية»، فنظام

مهنيب ةنلعم هدونب، انينطاوم ةغلب روتسدو، هفرعن خيرات اله ةغيص وهف عمالاج« اّمأ، انتفاقث في اروتسد اله كلمن لا ةغيص بازحلاأ،

باعتبارها أعزّ مقدساتهم. إن كل مواطن يعرف في الجامع معنى الكلام الذي يقوله الآن من دون معنى.»

الصادق نيهوم، الإسلام في الأسر: من سرق الجامع وأين ذهب يوم الجمعة، ط 3 (دمشق: رياض الريس للكتب والنشر، 1995)،

ص.33-27

26 مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، تقرير الحالة الدينية في مصر، العدد الثاني، ط 2 (مركز الأهرام: القاهرة، 1998)،

ص.54-50

27 عزمي بشارة، مساهمة في نقد المجتمع المدني، مصدر سبق ذكره، ص.226-225

خريف 2012

ولأنّ هذه المهمة الأخيرة كانت ولا تزال مستحيلة، فقد انغرست الدولة عموديًا في المجتمع، وأصبح أي

صراع هو صراعًا معها لا ضمنها، أي صراعًا ضدّ فئات اجتماعية وعصبيات طبقيّة تمثّلها الدولة، أو تتحالف

معها، وأنتج هذا الوضع، كما يقول هشام جعيط «دولةً غير قادرة على تربية المجتمع، ومجتمعًا غير قادر على

تربية الدولة». على أيّ حال، لم تنجح استراتيجية النّخب العربية الحاكمة في تغليب حيّز على آخر، بل ساهمت سياساتها

في ترسيخ الحدود، خاصّةً مع شعور الإسلامييّن بالتهديد من محاولات اختراق غير سويّة قامت على تجنيد

الأموال وسياسات العقاب، وهو ما عقّد المشهد العام، وساهم في تشديد تمايز ال «نحن» و ال «هم»، داخل

الفضاء المجتمعي الواحد. وأدّى ذلك بالإسلام الحركي إلى فرض نوعٍ من سياسة الحضور (Politics of

Presence)، والمنافسة على أحيازٍ أخرى، بما فيها خوض الانتخابات في النقابات والمجالس والجامعات.

وهذا ما ساعد النخب العربية الحاكمة لاحقًا على رفع فزّاعة الإسلامييّن أمام الغرب وتخييره بين بقائهم واستلام

الحركات الإسلامية دفّة الحكم. مع دخول المجتمعات العربية الربع الأخير من القرن العشرين، والأثر الذي أوجدته الثورة الإسلامية في

إيران، واختلاف سياسات الأنظمة العربية مع الإسلامييّن بين التحالف الضمنيّ والتضييق؛ اشتدَّ أزر

المجال العام للإسلام الحركي، وأصبحت المساجد والمؤسّسات الاجتماعية الأخرى، من نواد ولجان زكاة

وتشكيلات نقابيّة داخل الجامعات وفي الطبقة الوسطى القديمة، وسائل إنتاج أيديولوجية/ وسائل تخيّل،

تنسج تصوّرًا سياسيًا للدولة وعلاقتها بالمجتمع، وترسم صورة للشخصية الفرديّة للمسلم، لا تتوافق تمامًا مع

الصّور الأخرى التي تنتجها وسائل تخيّلٍأخرى في أحيازٍ أخرى. ويمكن القول، بقليل من الحذر، إنّ المؤسّسات الأيديولوجية - بالتعبير الألثوسيري - الخاصّة بالإسلام

الحركي تشابهت من ناحية البنية مع المؤسّسات الأيديولوجية الأخرى في الأحزاب والحركات اليسارية الأخرى،

فيمكن للمتمعّن أن يلحظ تقاربًا بين حلقات القرآن والأسر الإخوانية، وبين دروس الأحزاب الشيوعية،

وذلك من خلال قراءة المذكّرات الشخصية للقيادييّن من كلا الطّرفين. ولكن المؤسسات الأيديولوجية للإسلام

28 هشام جعيط، الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي، ترجمة المنجي الصيادي، سلسلة السياسة والمجتمع (دار الطليعة: بيروت،

1984)، ص.175

29 المصطلح مستعار من السوسيولوجي الإيراني آصف بيات، في دراسته القيمة: Making Islam Democratic: Social Asef Bayat,

Movements and Post- islamist Turn (Stanford: CA: Stanford University Press, 2007)..« The Politics of Presence: Imagining a Post-Islamist Democracy», pp. 187-208 وانظر بالخصوص إلى الفصل المعنون ب:

30 تتحفظ هذه الدراسة على المنهج الذي يربط بين الثورة الإسلامية بإيران وصعود الحركات الإسلامية، أي بطرحها على شكل

سبب- نتيجة، فلا يمكن لظاهرة اجتماعية بهذا الحجم وبهذه الديمومة أن تفرسّ على شكلِ محاكاة لتجربة أخرى خارجية، بل يمكن القول

على وجه الدقة، وبتعبير الفيلالي، إنّ «نجاح التجربة الإيرانية لعب في حقل تعامل الحركة الإسلامية مع المجتمع ومع الأنظمة دور بعض

العقاقير الكيميائية التي لا تدخل في المعادلة بين العقاقير المتفاعلة ولكن وجودها ضروري لحصول التفاعل.»

انظر: مصطفى الفيلالي، «الصحوة الدينية الإسلامية: خصائصها – أطوارها – مستقبلها»، في: إسماعيل صبري عبد الله [وآخرون]،

الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي، ط 5 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004.374)، ص

31 قدَّم لويس ألثوسير في منتصف القرن الفائت خطاطة حول «أجهزة الدولة الأيديولوجية»، حاول عبرها الإمساك ب«الطابع الأداتي

للأيديولوجيا». وكان ألثوسير حينها يفكر في مبدأ «إعادة إنتاج النظام السياسي»، فبلور مفهوم أجهزة الدولة الأيديولوجية، ليحدد

أدوات السلطة المؤسسية في تهيئة الأفراد لتمثيل القيم التي تحكم آليات ترسيخ قواعد السلطة المهيمنة. وأشار إلى أن أجهزة الدولة

الأيديولوجية توضع بجانب التصور اللينيني للدولة الذي يقرنها بالقمع، وذلك بإضافة القمع الرمزي الذي تمارسه أجهزة الدولة

ومؤسساتها للمحافظة على النظام». انظر: كمال عبد اللطيف، «في الأيديولوجيا والمعرفة: مدخل عام» (ص 72-37)، في: حسن حنفي

[وآخرون]، المعرفي والأيديولوجي في الفكر العربي المعاصر: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية،

تحرير عبد الإله بلقزيز (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010.49-48)، ص

التديُن الشبابي بوصفهِ نمطًا منفلتًا عن المؤسسة الأيديولوجية

الحركي كُتب لها الصّمود، وذلك لعدّة أسباب كان أبرزها «جوّانية» التمويل، الذي اعتمد على تبرّعات «أهل

الخير» ولجان الزكاة وأموال رجال الأعمال المتعاطفين من الخارج، بينما اعتمدت الأحزاب الشيوعية والحركات

اليسارية بشكلٍأكبر على الدّعم القادم من المعسكر الاشتراكي، وأدّى ذلك بعد تغريّ سياسات الاتحاد السوفياتي

ثم انهياره تاليًا، إلى ضمور المؤسّسات الأيديولوجية لليسار العربي. لم تكن إذًا وسائل التخيّل للإسلام الحركي أقلّ حداثة من وسائل تخيّل القطاعات الأخرى، حيث العلاقة

التي تربط الجمهور بالمؤسّسة الاجتماعية كانت علاقة الشيخ - التلميذ، وهي تنويعٌ على رابطة أبويّة وجدت

نفسها مثلا في الأحزاب اليساريّة والقوميّة الموازية في علاقة القائد - العضو وغيرها. وقد دشّن الإسلام الحركي، مثله مثل سواه، في فترة مبكرة، في حيّزه العام نسقًا تعليميًا قائامً على قاعدة اقتصادية

وشبكةٍ اجتماعية مستقلّة، وهو ما وفّر له دوام إنتاج الذّوات الاجتماعية المؤدلجة، التي تنظر إلى المشروع الدّيني

بوصفه مشروعًا سياسيًا، يؤسّس ل «نظرةٍ خاصّة إلى العالم ». وبينما كانت الأنظمة العربية تتّجه إلى ضمان الفوز بالولاء العشائري عبر سياسات الهويّة، من خلال إقامتها

قنواتٍ ماليّة وتكوين شبكات زبائنية تكسب عبرها ولاء الأتباع وإخلاصهم المتين من خلال توزيع المغانم عليهم، كان الإسلام الحركي يخوض حرب مواقع (بتعبير غرامشي) ليعبّئ الفجوة التي تُركت فارغة، ويفوز بتأييد الشرائح الاجتماعية التي تضعف فيما بينها العلاقات العشائرية، من خلال نسقها التعليمي. وأفضل توصيفٍ لهذا النظام هو ما دعاه بيير بورديو «النسق التربوي»، الذي يمكن الاستفادة منه- مع كثير من التبيئة - لفهم ماهية التدين السياسي في المجتمعات العربية. فالنّسق في نظرية الإنشاء الذاتي لدى بورديو «مغلقٌ، وحدود هويّته النسقية تكمن في مرجعية ذاتيّة إلى سيروراته الداخلية»؛ و«يستعيض عن المحيط في ما

يفيد خطوطه الدالّة على عملياته لكي ينتجها من ذاته، ولكن من دون أن يفيد هذا القول قطيعة مع المحيط باعتباره محدّدًا للبقاء. فالنّسق ذاتي الإنشاء مستقلّ عن المحيط ولا يعدمه، هو مفتوح عليه لكونه مكتفيًا ذاتيًا في إنتاجه ومن ثمّة بقائه». وما يميّز النسق التربوي وجود هويّة «جوّانية» تجعل العودة إلى خارجه أمرًا هامشيًا. وهو ما استطاع الإسلام

الحركي خلال عقود مضت بناءَه في ظلّ انكفاء الدولة عن مهمة بناء الأمّة وصناعة الهويّة القومية. إنَّ العود

الدائم إلى الذات، وإنتاج العناصر الموحّدة والسيّرورات وإعادة إنتاج النّسق بوصفه مستقلا وقائامً على «إنتاج

32 حول وسائل التخيل، ودور الرأسمالية الطباعية في تشييد الجماعات المتخيلة، راجع: بندكت اندرسون، مصدر سبق ذكره،

ص.92-73

33 يتضمن مفهوم النظرة إلى العالم تخيّل الدولة والمجتمع، وقد سوّغ هذا الخيال للديكتاتوريات العربية رفع شعار ألا بديل ديمقراطي

للنخب المؤبدة على كراسي السلطة. وهذا البحث يرى أن هذا الخيال كان نتيجةً لا سببًا، أي أنه كان منتجًا من منتجات تعدد الأحياز

العامة التي حال غياب الديمقراطية دون الحوار بينها.

حول مفهوم «النظرة إلى العالم»، يمكن العودة إلى ملخص ممتاز في: سمير أبو زيد، العلم والنظرة العربية إلى العاملَ: التجربة العربية

والتأسيس العلمي للنهضة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)،.106-73

34 بيار بورديو وجان كلود باسرون، إعادة الإنتاج في سبيل نظرية عامّة لنسق التعليم، ترجمة ماهر تريمش (بيروت: منظمة الترجمة

العربية، 2007.35)، ص

خريف 2012

ذاتي دائري وليس على تبعيّة للمحيط»، هو ما نجح الإسلاميّون في تشييده في حيّزهم العام. وفي ظلّ انعدام

عملية الكتابة في المحيط، كان النسق التربوي الإسلامي هو الأقدر على تفسير معطيات الخارج وتقديم الأجوبة، وتحويل الحوادث الكبرى والمعلومات من الخارج إلى ميكانيزمات تشغيلية. يسمّي بورديو العملية السابقة، حيث النّسق يستفيد من الخارج لشحن مستوياته الداخلية، «إعادة الترجمة»،

فاكتمال النّسق التربوي يجعله يستقلّ عن محيطه، فلا يملي الخارج عليه مرجعية «لحركاته الداخلية ولا يمثّل مصدرًا لها بالضرورة»، ولا ريْب أنّ قدرته «الاستفكارية»، وعودته الدائمة إلى الذات، تمثلّان أحد

وجوه حداثته، حيث النزعة التأسيسيّة للذّات (أنا أفكّر)، وتحويل ما في المحيط إلى موضوع، في صُلبِ الحداثة الفلسفية. قلنا إنّ النّسق عند بورديو يبدو مسيطرًا على مستوياته الداخلية، و«لا يأتيه التأثير من المحيط ولا التغيير إلا بقدر ما تمْليه عليه سيروراته الداخلية»، حتى يضمن استمراريّته وعدم تبعيّته للمحيط، فيقوم بإعادة ترجمة ما في المحيط بما يخدم انسجامه الداخلي. وهذا يمكّننا من فهم آليات تعامل حلقات القرآن والأذكار لدى التديّن السياسي مع المتغريّات العنيفة في الساحة العربية، من توقيع اتّفاقيات السلام إلى سياسات الانفتاح وإلى التعامل مع الثورة الخمينيّة، وحتى توقيع اتّفاقية أوسلو؛ وكيف أعاد مجالها العام تأويل هذه المتغريّ ات، واستثمرتها لخدمة النّسق التعليمي خاصّتها، عبر تحويلها إلى «معلومات داخلية لنسق التعليم بحسب منطقها الجواني بحيث ليس لها من معنى إلاّ صلب اشتغال النّسق الذي يقوم على الإقصاء والاصطفاء». والواقع أنّ هذا النّسق يحمل «عنصرًا عامًا (Universalistic) حقيقيًا يكمن في الصيّرورة الداخليّة لصنْع الفرد (Individualization): التّفكيك وإعادة تركيب عمليّة للهويّات الأساسية»، وذلك «عبر ما يمكن تسميته تقنيات بناء الذات (Technologies of Self-building) الإسلامية، عن طريق الصلّاة والصّوم وحلقات

35 المصدر نفسه.

36 المصدر السابق، ص.36

37 يقول مارتن هيدغر: «إنّ العملية الأساسية للعصور الحديثة هي غزو العالم من حيث هو صورة متمثلة. ففي العصر الإغريقي

العظيم، بل وفي العالم الوسطوي المسيحي نفسه، كان من المستحيل قيام شيء مثل تصوّر العالم. أمّا الحداثة فلم تقم كما هي إلا عندما

أصبح الإنسان ذاتًا والعالم صورة متمثلة.»

محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، الحداثة، سلسلة دفاتر فلسفية: 6 (الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، 1996)، ص.56

38 بيار بورديو وجان كلود باسرون، مصدر سبق ذكره، ص.36

39 المصدر نفسه.

هناك عشرات المؤلفات والمذكرات التي أنتجها الإخوان المسلمون عن نظام الأسر الإخوانية، واللوائح الداخلية التي تنظم عملها. انظر

على سبيل المثال: علي عبد الحليم محمود، منهج التربية عند الإخوان المسلمين (دراسة تحليلية تاريخية)؛ جزآن (دار الوفاء للطباعة والنشر:

الإسكندرية، 2006). وأيضا: جمعة أمين عبد العزيز، مرحلة التكوين (البناء الداخلي) -1938 1943 م؛ أوراق من تاريخ الإخوان

المسلمين: رقم 4 (القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2004). أو أيضا: يوسف القرضاوي، التربية الإسلامية ومدرسة حسن البنا

(بيروت: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، 1995). وهناك عددٌ كبير من المذكرات التي وثقت للنسق التربوي لدى الإخوان

المسلمين، اشتهر منها بين الإخوان أنفسهم، سلسلة مذكرات عباس السيسي.

40 Etienne Balibar, “Ambiguous Universality,» Differences , vol. 7, no.1 (1995), p.61.

نقلا عن مي الجيوسي، «تشكل الذات وحالة الاستثناء: الجسد كموقع للمقاومة»، في: ساري حنفي (محرر)، حالة الاستثناء والمقاومة في

الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010.92)، ص

التديُن الشبابي بوصفهِ نمطًا منفلتًا عن المؤسسة الأيديولوجية

الدروس الدّينية، حيث كان يجري التّجنيد والتعبئة». وعلى الأرجح، فإنّ مرحلة تشييد هذا النّسق التربوي

هو ما كانت تعربّ عنه الحركات الإسلاميّة، في عدد من مواقعها المنتشرة في المشرق العربي، في خطابها باسم مرحلة «الإعداد» أو «التّكوين» أو «الرتّ بية»، مبرّرة بذلك عدم الانخراط في المجال السياسي في مصر والأردن مثلا، والعزوف عن الانخراط في الكفاح المسلح في حالة حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في فلسطين في فترة السبعينيات، مع بعض الاستثناءات هنا وهناك. وكانت إحدى النتائج التي أفرزها هذا النّسق في مرحلته المبكرة، هي التقابل الوهمي بين الهويّة القوميّة والهويّة الإسلامية، وهو مزلق صعب لا يزال الإسلام الحركي حتى هذه اللحظة يعاني تبعاته. وقد أدّت سياسات

الانفتاح، وسحب الدولة ما تبقّى من يدها عن الحيّز العامّ الكيلّ، إلى ازدياد قوّة وشعبيّة المؤسسات الاجتماعية للتديّن السياسي.

41 المصدر نفسه، ص.92

42 وصل هذا التقابل عند الإخوان المسلمين في مصر إلى ذروته في مرحلة المواجهة مع النظام الناصري، والملاحقة الشرسة التي تعرّض

لها الإخوان، ووثّقوها جيدًا لتنتج ما بات يعرف بالقطبية (نسبة إلى سيد قطب). لكن هذا التقابل تمتد جذوره إلى مرحلة حسن البنا. انظر

على سبيل المثال: جمعة أمين عبد العزيز، دور الإخوان في المجتمع المصري 1945-1938، أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين: رقم 6

(القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية،.)2006

أمّا في الأردن فقد خفّت حدّة التقابل بسبب العلاقة التصالحية التي جمعت الإخوان المسلمين بالنظام الأردني، لكنها ظهرت بحدّة

ضد الأحزاب الشيوعية والقومية الأخرى، وهو ما جعلها تميل أكثر فأكثر إلى النظام. ووصلت التقابلية إلى ذروتها في بداية الثمانينيات

لينتج النسق التعليمي الإسلامي- الأردني حالة متشدّدة كان من أبرز وجوهها الشيخ عبد الله عزام. (انظر: المركز العربي للدراسات

الإستراتيجية، الأحزاب والحركات والجماعات الإسلامية؛ تنسيق فيصل درّاجوجمال باروت (دمشق؛ صنعاء: المركز، 2006)،

ص 489-488)،

حيث يذكر الكتاب أن الجماعة نجحت في احتواء «التيار المتشدد». لكننا نعتقد أن تأخر نضوج النسق التعليمي في الأردن، بسبب تأخر

نشوء الدولة، وترافق ذلك مع بروز فكرة الجهاد العالمي، ساهم في امتصاص الظاهرة وسحبها إلى مناطق أخرى أكثر جذبًا كما في حالة

الشيخ عزام.

وفي سورية، نتج من هذه التقابلية جماعة الطليعة المقاتلة المنبثقة عن الإخوان المسلمين بقيادة المهندس مروان حديد. (انظر: المركز العربي

للدراسات الإستراتيجية، ص 278-266). وقد أدى ذلك إلى مأساة حماة المعروفة.

أمّا في المجال الفلسطيني، ورغم حجم الخصوصية التي حيُ اط بها، فقد أدّى هذا النسق إلى خلق حالة انقسام شامل ظهر جذرها في ميثاق

حركة المقاومة الإسلامية «حماس». وأدّى ذلك فيما بعد إلى انقسام النخبة الفلسطينية ثقافيًا ثم سياسيًا. وقد ذكر الشيخ أحمد ياسين في

حواره مع الإعلامي أحمد منصور أنَّه قام بطباعة وتوزيع «ألف أو ألفي نسخة من الجزء الثلاثين من تفسير في ظلال القرآن لسيد قطب.»

(راجع: أحمد منصور، حوار وتحرير، الشيخ أحمد ياسين شاهد على عصر الانتفاضة؛ كتاب الجزيرة. شاهد على تاعصر؛ 4 (القاهرة: الدار

العربية للعلوم ودار ابن حزم، 2004.)81)، ص

لم يكن بالطبع لهذه التقابلية أثر يُذكر على حدّ علمنا، حتى مرحلة أوسلو وما بعدها، لأسباب عديدة منها: اختطاف المجال السياسي

الفلسطيني إلى المنفى حيث م.ت.ف، وهو الأمر الذي أعطى الحركة الإسلامية حرية نسبية في تشييد نسقها التربوي. ولكن، ما إن

عاد المجال السياسي إلى الداخل عقب اتفاقية أوسلو، حتى انفجرت هذه التقابلية ليكون من أبرز نتائجها أحداث عام 1996، وأخيرًا

الانقسام الفلسطيني عقب الانتخابات التشريعية الثانية.

ونستطيع استنادًا إلى نموذج النسق التربوي تفسير سبب ديمومة جماعة الإخوان المسلمين بالمقارنة مع جماعات إسلامية أخرى؛ ففي

الحالة الفلسطينية، استخفّ فتحي الشقاقي، مؤسس حركة الجهاد الإسلامي، منذ البداية بالنسق التعليمي عند الإخوان، وأصرّ على بدء

عمليات الكفاح المسلح، رغم شحّ الإمكانيات، وكان توجّهه سببا من أسباب كسر التنظيم في بداياته الأولى، خاصة مع عدم وجود خبرة

تراكمية تنظيمية لأبنائه. وقد أدّت الاعتقالات الأولى إلى إنهاك التنظيم. (راجع في هذا الشأن: خالد الحروب، حماس: الفكر والممارسة

السياسية، ط 1 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1996144)، ص). وربما كان هذا هو السبب وراء طغيان الصبغة العشائرية

الآن بين أفراد حركة الجهاد الإسلامي، فقد كانت العشيرة/الحمولة، في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، سبب ديمومة التنظيم.

ويمكن سحب هذه الحالة على جماعات إسلامية أخرى في مصر والأردن، لم تقم بإنضاج نسق تربوي قائم على حيّز عام تردفه قاعدة

اقتصادية. ويمكن القول إنّ الاستثناء الوحيد هو حالة حزب التحرير، الذي شيّد نسقًا تربويًا لكنه مقيّد بالنصوص والقواعد التي تمنع

انخراطه في المجال السياسي، وهذا موضوع آخر.

خريف 2012

إالّ أنّ هذا المسار لن يدوم طويلا، إذ سيحصل تطوّر غاية في الأهمية، انتبه إليه قليلٌ من الباحثين. فقد تطوّرت في العقديْن الأخيرين بفعل منجزات العولمة «سوق عربية إعلامية»، سوف تُضعف علاقة «الشيخ - التلميذ»، التي هي - كما أسلفنا - العماد الأساسي للنّسق التربوي للإسلام الحركي، وسوف يتطوّر نمط تديّن فردي/

شبابي، بوسائل تخيّلٍأكثر تطوّرًا، كما سيتبنيّ في القسم التالي.

التدين الشبابي بوصفهِ نمطًا منفلتًا من المؤسسة الأيديولوجية

انتبه عددٌ قليل من الباحثين إلى الآثار البنيوية التي نجمت عن تعميم وسائل الإعلام الجديد - بما فيها الفضائيات

والإنترنت- في المجتمعات العربية. ولا عجب في أن يكون التقدم في هذا المجال محدودًا، بسبب النظرة الإجمالية

المؤامراتيّة التي صاغتها الأدبيات الفكرية العربية حول موضوع العولمة. ويخرج قارئ الكثير من الأدبيات والندوات والمؤتمرات العربية التي تناقش موضوع العولمة، بانطباع يزجّ إشارة

المساواة بين العولمة والاستعمار، متخوّفين على الهويّة والخصوصية والحريّة من آثارها الوخيمة. صحيحٌ أن

مبعث القلق مبرّرٌ، خاصّةً مع صعود نخب نيو ليبرالية عربية سخّفت أهميّة الحدود القومية والوطنية، ولكن

الصورة السلبية للعولمة بهذا الشكل ليست كاملة، فالعولمة حين نفهمها كصيرورة، ندرك أهنّا تفرز الهيمنة كما

تفرز نقيضها. وربمّا توضّح هذا الأمر جليًا في ما حصل في الثورتين المصريّة والتونسية وغيرهما؛ فالشّعوب حينما خرجت

إلى السّاحات والميادين، رفعت شعاراتٍ تنتمي في مجملها إلى مواثيق حقوق الإنسان التي تتدثّر بها مؤسّساتٌ

عالمية استعمارية عابرةٌ للحدود. وقد تبنيّ أيضًا في الثورة الليبية كيف استطاع الثوّار العرب – عن وعيٍ أو عن

غير وعي- ابتزاز المنظومة الاستعمارية، وذلك برفع شعارات تنتمي إلى خطابها الحقوقي والذي راكمته على

مدار قرون. هذا الاختراق الذي حقّقه العرب في الثورات العربية ما كان ليكون لولا طبيعة «الخطاب الاستعماري

القلق» - على حدّ تعبير هومي بابا- الذي سمحَ للشّعوب المستعمَرة ومن بينها العربيّة ب«التمدّن الماكر»،

الذي يستغلّ التناقض في المنظومة الاستعمارية، ويشكّل مساحةً له يمكن من خلالها تشكيل خياله الخاص

«المكرّر المشاكس». فتُفقد عمليّة محاكاة التخيّل - حسب بابا - المستعمر سيطرته، وتنكسر الهيمنة بمحاكاة

عمليّة الهيمنة ذاتها، وهو الأمر الذي يؤدّي إلى أن «تصبح هويّة المستعم ر والمستعمَر متجاهلةً بطريقة تدعو

إلى الاستغراب»، ليتحوّل هذا الشكل من الخيال إلى «خيالات تهديد»، تعمل على تمكين أشكال نشطة

من المقاومة. إنّ النظر إلى العولمة إذًا، بطريقة «فتشية»، جعل عددًا من الباحثين لا يدركون كيف أثّر انتشار وسائل الإعلام،

بما فيها وسائل الإعلام التفاعلي على شبكة الإنترنت (Social Media)، في تشكيل شخصيّة الشباب العربي

المعاصر. وهذه الدراسة تدّعي أنّ هذا الشكل الجديد من الإعلام أفرز حيّزًا عامًا جديدًا، وإن كان افتراضيًا، حد

من فعاليّة وسائل إنتاج الأيديولوجيا الكلاسيكية وأضعفها، ودشّن نمطًا مستجدًا من أنماط التديّن الشبابي.

43 التعبير مستعار من: عزمي بشارة، مقدمة الترجمة العربية، في: بندكت أندرسون، مصدر سبق ذكره، ص.34

44 روبرت يانغ، أساطير بيضاء: كتابة التاريخ والغرب، ترجمة أحمد محمود (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2003.309)، ص

45 المصدر السابق، ص.305

التديُن الشبابي بوصفهِ نمطًا منفلتًا عن المؤسسة الأيديولوجية

ولا يعني ذلك أنّ نمط التديّن الشّبابي، الذي اصطُلح على تسميته سابقًا باسم التديّن الفردي، كان غير موجود

من قبل، لكنه لم يكن مدشّنًا كنمط قادرٍ على زعزعة مواقع الإسلام الحركي. لقد اعتاد علماء الاجتماع قبل هذا أن يصنّفوا التديّن إلى سياسي وشعبي، وقد عرّفوا التديّن الشعبي بأنه «تلك المعتقدات والممارسات الدينية التي

تستقلّ نسبيًا عن المؤسّسة الرسمية. ويتمركز حول المزارات وأضرحة الأولياء والقدّيسين والصالحين ممّن لهم

أصول في التاريخ حول شخصيّاتٍ أسطورية. ومن عناصره تدرجات القداسة، والتفسيرات الرمزية، وضعف

العلاقة مع علماء الدين، والتّشديد على شخصنة القوى المقدّسة والوسطاء بين المؤمن والله». وتميل الأدبيات إلى إضفاء صفة السّيولة على التديّن الشعبي، الذي يمكن له أن يتعايش مع السلطات الاجتماعيّة

والسياسية، بمختلف مشاربها، حتى ولو كانت تحمل موقفًا مبدئيًّا ضدّ الدّين، ليرتكز هذا النّمط من التديّن

بالأساس على التقيّد بالفرائض الدينيّة واحترام الطقوس والتّقاليد، والتفاعل مع العادات المحلية في كلّ بلد،

ولكنه لا يشكّل خطّة أو برنامجًا سياسيًّا اجتماعيًا ملزم التطبيق. ويحترم الإسلام الشعبي المؤسّسة الدينية ويقدّسها، ويتعامل معها وتتعامل معه على شكل أئمّة وفقهاء وإدارات

أوقاف وقضاة شرعييّن، ولا يتعامل مع الدين كمجموعة من التعريفات بل كمجموعة من الوظائف الحياتيّة.

و«لا شكّ في وجود المؤسّسة الدينيّة كوظيفة بالنّسبة إلى الإسلام الشعبي».

إنَّ نمط التديّن الشعبي كما نعاصره، كان ولا يزال على درجةٍ عالية من السّيولة بحيث وقف في خانة الحياد،

إن لم يكن في خانة التّسكين لقطاعات شعبية كبيرة، وهو صالح لاستغلال السلطات السياسية في المجتمع على

اختلاف مشاربها. قلنا إنّ التديّن الشّبابي مختلفٌ جذريًا عن التديّن الشّعبي، وهو أيضًا مختلفٌ عن التديّن الفردي كما عرفه التّنوير

الأوروبي، الذي يرى أنّ الدين بالأساس هو وعيٌ أخلاقي (Ethos) يلزمه وجود «حرية» أو «عدم قسر» في

اختّاذ الخيارات الدينية وينحصر في الحيّز الخاص. فالتديّن الشّبابي نمطُ تديّن منتشرٌ في الحيّز العام، ومنفلت

من قبضة المؤسّسات الاجتماعية. وقد ساهم في تدشين هذا النّمط انتشار وسائل الإعلام التفاعليّة التي شكّلت حيّزًا عامًا جديدًا، منفلتًا من

قبضة السّلطة، وتملك كلّ المؤسّسات الأيديولوجية الفرص المتساوية في أخذ مكانٍلها فيه. ولا ريب في أنّ

ثورة الإنترنت الجديدة، التي بدأت منذ تسعينيات القرن الماضي، تختلف عن ثورة التلفزيون والإعلام المرئي

والمسموع، لذا فإنّ النظريات وأدوات التحليل التي أسّسها نقّاد التلفزة وتقنية الاتّصالات قبل ترسّخ الإنترنت،

ليست صالحة تمامًا لاستكشاف الظّواهر الاجتماعيّة التي أفرزها عصر الشّبكة العنكبوتية. ومعظم النظريّات التي تعالج السّلطة التي تفرضها وسائل الإعلام المرئي - وبالأخصّ التلفزيون - تؤكّد بشكلٍ

مباشر أو ضمني سلبيّة المتلقّي، أي سلبية الذّات الاجتماعية، فالتلفزيون يرسل رسائل مضمرة في الصورة، لا

يشارك المشاهد في صوغها، الأمر الذي يعني انتفاء العلاقة التواصليّة بين المرسِل والمرسَل إليه.

46 حليم بركات، المجتمع العربي في القرن العشرين: بحث في تغير الأحوال والعلاقات (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

، ص 2000.449)

47 عزمي بشارة، «مدخل لمعالجة الديمقراطية وأنماط التديّن»، مصدر سبق ذكره، ص.115-114

48 المصدر السابق، ص.115

49 المصدر نفسه، ص.78

خريف 2012

لكن هذه الفرضيّة تسقط في حالة الحيّز العام الافتراضي (Social Media)؛ فقد أصبحت الذات الاجتماعيّة

قادرة على المشاركة في عمليّة الإرسال، الأمر الذي أدّى إلى إرباك وسائل الإعلام التقليدية، واضطرارها

لاحترام المتلقيّن، الذين باتوا يدرجون قضاياهم الاجتماعية، ومطالبهم السياسيّة بطريقة سهلة وغير مكلفة. إنَّ إحدى أهمّ النتائج التي أفرزها الحيّز العامّ الافتراضي، هي كسر رابطة الشّيخ - التلميذ، والتي أشرْنا إليها

سابقًا، وتمكين الذات الاجتماعية العربية من الاطلّاع على أكثر من مصدرٍ للمعرفة الإسلاميّة - السياسية،

وأن تنتقي منها ما يناسبها، أو أن تتبنّى فكرة أو عدّة أفكار من دون الحاجة إلى الانخراط في النّسق التربوي

للمؤسّسة الأيديولوجية. لقد انتبه باحثٌ في تاريخ الأديان إلى نمط التديّن الجديد الذي نتحدّث عنه، ورصد علاقة تشكّله بالتأثير

المتصاعد للعولمة، حيث تتأسّس «علاقة استهلاكيّة بالدين وفق تسمية الباحث الفرنسي باتريك ميشيل، وهي

علاقة يتعامل فيها المشاهد مع الدين بشكل استهلاكي فيختار منه العرض الديني المناسب له من خلال مقاييسه الخاصة، بحيث يختار من الدين المساحة أو الفضاء والحيز المريح وغير الإجباري بعيدًا عن أيّ نظام قيمي يحمل

في طيّاته الإجبار. ووفق هذه العلاقة الاستهلاكية بالدّين سيكون للفرد/المشاهد إمكانيّة رفض هذا العرض

الديني في حال عدم قبوله ليبحث عن عرض ديني أكثر قبولاً». ويستفيد باحث مصري في شؤون الحركات الإسلامية، فيقول: «إن علاقة المشاهد بالفضائية الدينية لن تختلف كثيرًا عن علاقته بقائمة الفضائيات التي

يوفّرها له نوع القمر الفضائي الذي يشترك فيه، بل إنّ علاقته بالداعية الفضائي لن تبعد كثيرًا عن علاقته بمغنّي

الفيديو كليب الذي يمكن أن يختاره من بين آخرين كثر تكتظّ بهم القنوات الفضائية. فالمعيار واحد: استهلاك لما فيه راحة الفرد». ولكن أطروحة ميشيل، التي تتناول نمط التديّن في المجتمعات الغربية فتصفه بالاستهلاكية، لا تنسحب

بالصّيغة نفسها على المجتمعات العربية، التي ولّدت حالة فردانية تتّصل وتنفصل عن الأيديولوجيا الاجتماعية،

وتلتزم بالموقف أكثر ممّا تلتزم بقيادة مشخصنة أو بمنظومة فكريةٍ معيّنة. ومن البديهي القول إنّ الحالة الفردانية قد تعربّ عن فاعل جماعي يتجاوز مسألة أيديولوجيا التذويت التي يفرزها

المجتمع الاستهلاكي بحسب التحليل الألثوسيري للمجتمعات الصناعية. وقد يبلور الفاعل الجماعي

«رؤية فرديّة بل وقد يدافع عن موقفٍ فردي ». كان هذا الطّرح سيتقاطع مع أطروحة الأنثروبولوجي الفرنسي لويس دومون في نقاشاته حول الأيديولوجيات الحديثة، لولا نزعته لحصر حالة الفردانية في المجتمعات الغربيّة الخارجة من عباءة المسيحيّة. ففي رصْده

50 ليس من الصعب بعد ذلك تفسير الخلاف الشهير بين الشيخ يوسف القرضاوي والداعية الإسلامي عمْرو خالد، فالأول تنبّه أن

الثاني كان ضمن موجة التدين الشبابي الذي لا يلتزم بالضرورة بقرارات مركزية. كما أنّ هذه المقاربة أيضًا تفرسّ لنا التحاق عدد محدود

من أبناء الإسلام الحركي بالحركات السلفية الجهادية، واعتناقهم لبعض أفكارهم في الفترة التي أعقبت الحادي عشر من أيلول/سبتمبر

2001، وهو مثالٌ لا غير على انكشاف عدد لا محدود من مصادر المعرفة الإسلامية السياسية أمام الشباب العربي.

51 أورده: حسام تمام، «الدين والعلمانية والهوية في عصر سقوط الأيديولوجيات ونهاية الروايات الكبرى: حوار مع باتريك ميشيل.»

http://islamismscope.net/interviews/103.html

52 المصدر السابق.

53 يعتبر ألثوسير أنّ فكرة التذويت، ورؤية الأفراد لأنفسهم على أنهم ذوات مستقلة، هي أيديولوجيا المجتمع الاستهلاكي، للمزيد

يمكن مراجعة: عبد الله العروي، مفهوم الأيديولوجيا، ط 7 (المركز الثقافي العربي: بيروت/ الدار البيضاء، 2003.97-92)، ص

54 الطاهر لبيب، مصدر سبق ذكره، ص.44

التديُن الشبابي بوصفهِ نمطًا منفلتًا عن المؤسسة الأيديولوجية

للفردانية كحالة داخل «الوضع الأيديولوجي الحديث»، وجد دومون أنه منذ القرن الثالث عشر للميلاد، أدّى تطوّر المسيحيّة إلى ميلاد مفهوم «الذات»، ليعزّز ذلك من الفردانية، وينقلها من «خارج العالم» إلى «داخل

العالم»، لتأخذ الأيديولوجيا في الوضع الحديث منْحى يعزّز الذاتية. وتصبّ الذاتيّة في الوقت نفسه في فاعلٍ

جماعي يؤسّس لبرامج مطلبية اجتماعية وسياسية. ولكي يحدّد مفهوم الفردانية، فإنّ دومون يقابلها بالحالة

التي تكون عليها الذات الاجتماعيّة في الأنظمة المراتبيّة، حيث الفرد منقادٌ عبر مركّبات اجتماعية - أيديولوجية

ماصّة لفرديته. يعزو دومون هذا التطوّر في النمط الأيديولوجي إلى ما يسمّيه الفردانية المسيحيّة التي «لا تعالج كائنات

اجتماعية بل أفرادًا، أي بشرًا كلّ واحد منهم يكفي ذاته بذاته بوصفه مخلوقًا على صورة الله وبوصفه مؤتمنًا على

العقل». وفي هذا افتراض بأنّ المسيحيّة هي واحدة لا متعدّدة. ولكن حتى ولو وافقنا على هذا التّعميم، فإن

ديانات وعقائد أخرى - من بينها الإسلام - تشدّد على علاقة مباشرة بين الله والذات دون وساطة أو مؤسسة

مراتبية، ولم تنتج البلاد التي تعتنقها حداثة بالمعنى الذي يشير إليه دومون. إذًا، فعند استبعاد روح المركزية الأوروبية التي تسري في مقالات دومون، فإنها تحمل إشارات مهمّة عن

التقاء الحالة القومية بالفردانية كقيمة، فالأمّة «بالمعنى الدقيق والحديث للكلمة، والقوميّة – المتميزة عن مجرد

الوطنية - ترتبطان تاريخيًا بالنزعة الفردانية بوصفها قيمة. والأمّة على وجه الدقّة نمط المجتمع الكيلّ المطابق

لسيادة النزعة الفردانيّة بوصفها قيمة. فهي لا ترافقها تاريخيًا فحسب، بل إنّ الترابط بينهما يفرض نفسه بحيث

إنّ بالوسع القول: إنّ الأمّة هي المجتمع الكيلّ المؤلف من بشر يعتبرون أنفسهم أفرادًا». والنظريّة القوميّة

في صيغتها البدائية نتجت من «نقل المبدأ من صعيد الإنسان الفردي إلى صعيد الجماعات»، و«الثقافات هي أفراد جمعيون». يأخذ فوكو توجّهًا معاكسًا وأكثر حذرًا في موضعته لميلاد الذات الحديثة، ليرصد اللحظة الديكارتيّة فاصلا

إبستيمولوجيًا لتأسيس صيغة «اعرف نفسك» على حساب صيغة «اهتمّ بنفسك»، من دون الحاجة إلى البحث

عن مسهلات داخل أصول الثقافة. وتوحي الصيغة الأولى إلى موضعة الذات الاجتماعية داخل بنى اجتماعية

كبيرة لا تبرح حدودها، بينما تنعزل الصيغة الثانية عن أصولها نسبيًا وتجد لها فضاءً أرحب للتحرّك. ومع أن

دروس فوكو تميل إلى إهمال التطوّر الخطّي بأن جعلت الذات الغربيّة تتأرجح بين الصّيغتين منذ العهد اليوناني

الوسيط، فإنها تفرّق بين التصوّر القديم للعناية بالنفس والتصوّر الحديث الذي ينتمي إلى عصر الحداثة،

55 لويس دومون، مقالات في الفردانية: منظور أنثروبولوجي للأيديولوجية الحديثة، ترجمة بدر الدين عردوكي (بيروت: المنظمة العربية

للترجمة، 2006.24)، ص

56 المصدر نفسه، ص.93-39

57 المصدر نفسه، ص.122-121

58 المصدر السابق، ص.113

59 المصدر نفسه، ص.24-23

60 المصدر نفسه، ص.163

61 ميشيل فوكو، تأويل الذات، دروس ألقيت في «الكوليج دوفرانس» سنة 1982-1981، ترجمة وتعليق الزواوي بغوره (بيروت:

دار الطليعة، 2011.217-198)، ص

62 المصدر السابق، ص.7-6

مع الإشارة إلى أن لبّ دروس فوكو، هو انتقاده الفصل بين معرفة النفس والاهتمام بها، وبالتالي نقد الحداثة الغربية التي فصلت الذات

عن الموضوع.

خريف 2012

ويمكن القول إنه أحد وجوه الفردانية في الوضع الحديث. ولو عاصر فوكو الثورة التي خلّفها تطور وسائل الاتصال، لأبصر الجدل بين صيغتيْ معرفة النفس والاهتمام بها بسرعة وفعالية أكبر. توافق إذًا، هذه الدراسة على القول بأن الكثافة التي أصبحت عليها وسائل الاتّصال أنتجت وضعًا تنتقل عبره

الذات الاجتماعيّة من الجماعية إلى الفرديّة وبالعكس. إنها بتعبير أحد الأنثروبولوجييّن «حراكيّة اجتماعيّة ثقافية،

تعيد ترتيب الفواصل بين الفردي والجماعي»، وتضع الفرد في مجابهة روابط اجتماعيّة حداثية وما قبل حداثيّة

من دون «أن يهجر الفرد روابطه وجذوره ولكنه -ا أيضً – لم يعد خاضعًا لها بسلبيّة بما أنّ منطق صلته بالآخرين

وانتمائه أضحى مختارًا وقابلا للفسخ دائامً». وبالعودة إلى الموضوع الرئيس، فإنّ هذه الدراسة تميل إلى أن تكثّف وسائل الاتّصال/التخيّل في الواقع اليومي

للمجتمعات العربية، وتجعل الجدلية الفردانية حاضرةً بقوة لزعزعة نمط التديّن السياسي، وإبراز التديّن

الفرداني/ الشّبابي بوصفه قيمة للاهتمام بالنفس -على حدّ تعبير فوكو، وبوصفه افتكاكًا من المراتبية، على حد

تعبير دومون. هذا يعني أنّ انفلات هذا النمط من قبضة مؤسّسة الإسلام السياسي لا يعني بالرضّورة حياده الاجتماعي،

أو سقوطه في قبضة أيّ سلطة من السلطات؛ فكما أنّ التديّن الشّبابي منفلتٌ من رابطة الشيخ - التلميذ، فهو

بالضرورة أيضًا لا يخضع لكلّ الروابط الأبويّة المشابهة في أيّ مؤسسة أيديولوجية عربية أخرى. إنَّ ما يميّز هذه الفردانية هو أنها «ممأسسة ضمن مجتمع مدني؛ وهي مواقع لإنشاء منظومة قيم بديلة، وإن تكن

في داخلها متباينة». وهذا التّباين الداخلي هو السّمة المميّزة الرئيسة لها. وإذا كان بيات يرى أنّ تباينها يعيق

«إمكانية تلك الحركات في تعطيل السلطة السياسيّة بسهولة»، فإنّ الثورات العربية - والثورة المصريّة على

وجه الخصوص- أثبتت أنّ تباينها هو الذي أدّى إلى إفلاتها من قبضة النّظام الذي لم يستطع تحديدها، ولم يستطع

فضْلا عن ذلك وصمها بهويّةٍ غير وطنية يمكن من خلاله محاصرتها والانقضاض عليها.

خاتمة

إن ما حدث في ميدان التحرير في 25 كانون الثاني/ يناير 2011 وما تلاه، يتطلب من الباحثين إعادة النظر

في الأيديولوجيا الإسلامية العربية المعاصرة؛ فقد أرهق المثقّفون العرب أنفسهم في تقديم جهود ممتازة لربط الإسلام الأيديولوجي بمؤسّسته الاجتماعية، لكن لم يقولوا لنا بالقدر الكافي ماذا يحصل للإسلام الأيديولوجي

في حال انفكّ عن المؤسّسة، وأصبح حرًا طليقًا في ميادين الافتراضي؟ لقد أسفر بروز الحيّز العام الافتراضي وانتشاره في الطبقات الشّعبية عن فقدان المفاهيم الإسلامية السياسية

63 Andrea Semprini, La société de flux: Formes du sens et identité dans les sociétés contemporaines (Paris; Budapest; Torino: L’Harmattan, 2003), p. 255.

أورده عادل بن الحاج رحومة في: «تنشئة الهويات الفردية عند الشباب عبر الفضاءات الاتصالية والمعلوماتية»، إضافات (المجلة العربية

لعلم الاجتماع)، العددان 3 و 4 (صيف وخريف 2008.140)، ص

64 بول كينغستون، «الإسلام والديمقراطية: الحركات الاجتماعية والتحوّل ما بعد الإسلاموي»، إضافات (المجلة العربية لعلم

الاجتماع)، العدد 9 (شتاء 2010.197-195)، ص

التديُن الشبابي بوصفهِ نمطًا منفلتًا عن المؤسسة الأيديولوجية

لعلاقتها المباشرة مع المؤسّسة بشكلها التقليدي. وقد مكّن ذلك قطاعاتٍ واسعة من الشّباب- كما رأينا - من استخدام هذه الرموز من دون حرجٍ من الاشتباه بارتباطهم بتشكيلات سياسيّة واجتماعيّة تقليدية، وبشكلٍأكثر فعاليّة من الإسلام الحركي في مرحلة سابقة. وتبنيّ ذلك من خلال اغتنام رمزيّة يوم الجمعة،

وفروض الصلّاة الجامعة في الميادين العامّة، كموجّهٍتعبوي للشعوب وللصّمود في الثورية. وأنتج ذلك حالة

فريدة تجمع بين جوّانية الثقافة العربية الإسلامية، وحداثة القيم الحقوقية التي تنتمي بكلّ المقاييس إلى الفضاء الثقافي التنويري. في هذه الحالة، نجد استعمالا جماعيًا لقيم الثقافة العربيّة الإسلامية، ليس بوصفها تراثًا، بل بوصفها حاضنًا

للخيال العربي الحديث، ليستنسخ الثوّار معانيَ حداثية جوّانية، تمنع الآخر/ المُستعم ر من الولوج إليها، ولتساهم

في تأسيس ثقافة وطنية حديثة بالضرورة، وليست تابعةً لأيديولوجيا الحداثة الغربية. وما كان في استطاعة الإسلام الحركي، الذي اعتمد في نسقه التربوي على علاقة هرميّة مؤسّساتيّة، أن يواكب

تطوّر وسائل التخيّل الجديدة، ليس لسبب إالّ لأنّ هذا التطوّر أسفر عن سرعةٍ في الجدلِوالتفاعل تجاوزت بطْء المؤسّسة الأيديولوجية وبيروقراطيتها، ليوسّع الحيّز العام الجديد مساحة المعرفة الإسلاميّة السياسية، ويظهر

تناقضاتها أمام الجمهور المتعلّم. وهو أمر أدّى إلى إضعاف علاقة الشّيخ - التلميذ التي سبق توصيفها. ومن المتوقّع في خضمّ هذا التطوّر أنْ يعمل الإسلام الحركي - في ظلّ التغريّات التي تشهدها المنطقة العربية

- على تغيير بنيته الداخلية، بما سيؤثّر في نهاية المطاف في تحوّله التدريجي نحو نماذج مشابهة أكثر اعتدالا، وأكثر ارتباطًا بفكرة «الوطن»، والهويّة العربية الجامعة، وهو ما سيجنّبه بالتأكيد خسارة جمهور عريض اتّضحت ملامحه في العقديْن الأخيرين، يخطف منه شرعيّته المستمدّة من الثقافة الإسلامية، وينتمي إلى مشاريع سياسيّة تبغي تحقيق منجزات الحداثة السياسيّة.

65 لا شكّ في أنّ التجربة العربية تحتوي التجربة الهندية، التي نظ رت لها مدرسة التابع، لتتحدّث عن أهمية التراث في صعود القوميّة

المعادية للكولونيالية. انظر على سبيل المثال:

Partha Chatterjee, The Nation and Its Fragments: Colonial and Postcolonial Histories (Princeton: Princeton University Press, 1993), pp. 40-42.

وبالطبع، المهمة في الحالة العربية أسهل، وذلك بسبب طبيعة اللغة العربية وتاريخها الديناميكي الذي يتصل بعدة مركّبات، أهمها بالطبع

الإسلام. إنَّ اللغة العربية هي مادة التخيل الوحيدة التي تتشابك بالتراث العربي من ناحية، ويمكن اعتبارها من ناحية أخرى لغة قومية.

إنَّ خصوصيتها كلغة مقدسة قديمة ثم حديثة أتاحت لها أن تكون ذات طابع مزدوج: تراثي وحداثي، وهو أمرٌ يمكن أن يحتوي دعوة

إشكالية الأصالة والمعاصرة بلا مغالاة. حول هذا الموضوع والدعوات المبالغ فيها لإيجاد مرجعية استنسابية تراثية، انظر:

عزمي بشارة، في المسألة العربية.. مقدمة لبيان ديمقراطي عربي (مركز دراسات الوحدة العربية: بيروت، 2007.233)، ص

المراجع

1 - العربية أبو زيد، سمير. العلم والنظرة العربية إلى العاملَ: التجربة العربية والتأسيس العلمي للنهضة. بيروت: مركز

دراسات الوحدة العربية،.2009 أركون، محمد. الهوامل والشوامل: حول الإسلام المعاصر. ترجمة وتقديم هاشم صالح. بيروت: دار الطليعة،

أفاية، محمد نور الدين. الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة: نموذج هابرماس. ط 2. الرباط: أفريقيا

الشرق،.1998 أندرسون، بندكت. الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها. ترجمة ثائر ديب. بيروت؛ دمشق:

دار قدمس،.2009 بركات، حليم. المجتمع العربي في القرن العشرين: بحث في تغير الأحوال والعلاقات. بيروت: مركز دراسات

الوحدة العربية،.2000 بشارة، عزمي. في المسألة العربية.. مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

بشارة، عزمي. مساهمة في نقد المجتمع المدني. رام الله: مواطن،.1997 [وآخرون.] إشكاليات تعثر التحول الديمقراطي في الوطن العربي: وقائع مؤتمر القاهرة المنعقد في الفترة

بورديو. بيار وجان كلود باسرون. إعادة الإنتاج في سبيل نظرية عامة لنسق التعليم. ترجمة ماهر تريمش. بيروت:

منظمة الترجمة العربية،.2007 جعيط. هشام، الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي. ترجمة المنجي الصيادي. بيروت: دار الطليعة،

1984 (سلسلة السياسة والمجتمع.) الحروب، خالد. حماس: الفكر والممارسة السياسية. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.1996 حنفي، حسن [وآخرون.] المعرفي والأيديولوجي في الفكر العربي المعاصر: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية العربية،.2010 حنفي، ساري (محرر.) حالة الاستثناء والمقاومة في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

حول الخيار الديمقراطي: دراسات نقدية. رام الله: مواطن،.1993

خريف 2012

من 29 شباط/ فبراير إلى 3 آذار/ مارس 1996. رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية،

التي نظّمها مركز دراسات الوحدة العربية. تحرير عبد الإله بلقزيز. بيروت: مركز دراسات الوحدة

التديُن الشبابي بوصفهِ نمطًا منفلتًا عن المؤسسة الأيديولوجية

بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2006

فلسفية؛.)6 صالح، هاشم. معضلة الأصولية الإسلامية. بيروت: دار الطليعة،.2006

والنشر الإسلامية، 2006 (أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين؛ رقم 6.)

دراسات الوحدة العربية، 2004 (هامش.)30 العروي، عبد الله. مفهوم الأيديولوجيا. ط 7. بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2003 غيرتز، كليفورد. تأويل الثقافات. ترجمة محمد بدوي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2009

الزواوي بغوره. بيروت: دار الطليعة،.2011 لبيب، الطاهر. سوسيولوجيا الثقافة. المحمدية: مطبعة فضالة،.2006

والنشر والتوزيع،.1993

مركز الأهرام،.1998

باروت. دمشق؛ صنعاء: المركز،.2006

ودار ابن حزم، 2004. (كتاب الجزيرة. شاهد على العصر؛.)4

والنشر،.1995

العربية للترجمة،.2005

دومون، لوي. مقالات في الفردانية: منظور أنثروبولوجي للأيديولوجية الحديثة. ترجمة بدر الدين عردوكي.

سبيلا، محمد وعبد السلام بنعبد العالي. الحداثة. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1996 (سلسلة دفاتر

عبد العزيز، جمعة أمين. دور الإخوان المسلمين في المجتمع المصري،.1945-1938 القاهرة: دار التوزيع

عبد الله، إسماعيل صبري [وآخرون.] الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي. ط 5. بيروت: مركز

فوكو، ميشيل. تأويل الذات: دروس ألقيت في «الكوليج دوفرانس» لسنة 1982-1981. ترجمة وتعليق

لوفيفر. جان بيار وبيارماشيري. هيغل والمجتمع. ترجمة منصور القاضي. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات

مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام. تقرير الحالة الدينية في مصر، العدد الثاني. ط 2. القاهرة:

المركز العربي للدراسات الإستراتيجية. الأحزاب والحركات والجماعات الإسلامية. تنسيق فيصل دراجو جمال

منصور، أحمد (حوار وتحرير.) الشيخ أحمد ياسين شاهد على عصر الانتفاضة. القاهرة: الدار العربية للعلوم

نيهوم، الصادق. الإسلام في الأسر: من سرق الجامع وأين ذهب يوم الجمعة. ط 3. دمشق: رياض الريس للكتب

هارفي، ديفيد. حالة ما بعد الحداثة: بحث في أصول التغير الثقافي الاجتماعي. ترجمة محمد شيّا. بيروت: المنظمة

يانغ، روبرت. أساطير بيضاء: كتابة التاريخ والغرب. ترجمة أحمد محمود. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،

دوريات رحومة، عادل بن الحاج. «تنشئة الهويات الفردية عند الشباب عبر الفضاءات الاتصالية والمعلوماتية». إضافات

(المجلة العربية لعلم الاجتماع:) العددان 3 و 4، صيف وخريف.2008 كينغستون، بول. «الإسلام والديمقراطية: الحركات الاجتماعية والتحوّل ما بعد الإسلاموي.» إضافات (المجلة

العربية لعلم الاجتماع:) العدد 9، شتاء.2010

2 - الأجنبية Barber, Benjamin. Jihad vs. McWorld. New York: Ballantine Books, 2001. Bayat,Asef. Making Islam Democratic: Social Movements and Post- islamist

Chatterjee. Partha, The Nation and Its Fragments: Colonial and Postcolonial

Semprini, Andrea. La société de flux: Formes du sens et identitédans les socié­ téscontemporaines. Paris;Budapest; Torino: L’Harmattan, 2003).

خريف 2012

Turn. Stanford, CA: Stanford University Press, 2007.

Histories. Princeton: Princeton University Press, 1993.