Return to Article Details Religiosity and Outward Appearance in the Moroccan Student Community: A Sociological Approach

التديّن والمظهر الخارجي في الوسط الطلابي المغربي: مقاربة سوسيولوجية

Religiosity and Outward Appearance in the Moroccan Student Community: A Sociological Approach

عبد الغني منديب*

الملخّص

كان المظهر الخارجي في المجتمع المغربي حتى نهاية القرن التاسع عشر ينتمي عمومًا إلى ثقافة محلية أو ناحية جغرافية أو فئة اجتماعية تمارس مهنة أو حرفة معينة. مع مطلع القرن العشرين انتشرت مظاهر التحديث مترافقة مع دخول الاستعمار الأوروبي، وبدأ اللباس التقليدي يتراجع تدريجيًّا إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين برز الإسلام السياسي وأخذ بالتصاعد حاملًا معه ثقافة لاقت استحسانًا من شريحة متعلمة من المجتمع المغربي بذريعة مقاومة الاستلاب الذي يمارسه الغرب. هذا المنحى الاسترجاعي يحتاج إلى قراءة خاصة (مقاربة سوسيولوجية) تبحث في مدى تأثير التعدد والتنوع في المظهر الخارجي على أنماط السلوك العام للجماعات الأهلية، بهدف استكشاف تلك الآليات ومدى صلتها بالثقافة والتدين.ّ

Abstract

External appearance in Moroccan society until the end of the nineteenth century was largely associated with local culture, geographic region, or social group practicing a specific profession or craft. At the beginning of the twentieth century, manifestations of modernity spread along with the entrance of European colonialism. Traditional dress began gradually to fall back until the 1980s when political Islam emerged and began to rise bringing with it a culture that met with the approval of an educated sector of Moroccan society on the grounds that it was a form of resistance to the alienation of the West. This atavistic trend demands a special reading (a sociological approach) that examines the extent of the effect of diversity and variety in external appearance on the forms of public behavior of civil groups, to reveal those mechanisms and the extent of their links with culture and religiosity.

الكلمات المفتاحية:
  • الطلاب في المغرب
  • المظهر الخارجي
  • التحديث
  • أنماط السلوك
  • الجماعات الأهلية
Keywords:
  • Students in Morocco
  • Political Islam
  • Civil Groups
  • Modernization

كان المظهر الخارجي في المجتمع المغربي حتى نهاية القرن التاسع عشر ينتمي عمومًا إلى ثقافة محليّة

أو ناحية جغرافية أو فئة اجتماعية تمارس مهنة أو حرفة معيّنة. مع مطلع القرن العشرين انتشرت

مظاهر التحديث مترافقة مع دخول الاستعمار الأوروبي، وبدأ اللباس التقليدي يتراجع تدريجيًّا

إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين برز الإسلام السياسي وأخذ بالتصاعد حاملا معه ثقافة لاقت

استحسانًا من شريحة متعلّمة من المجتمع المغربي بذريعة مقاومة الاستلاب الذي يمارسه الغرب.

هذا المنحى الاسترجاعي يحتاج إلى قراءة خاصة (مقاربة سوسيولوجيّة) تبحث في مدى تأثير

التعدد والتنوّع في المظهر الخارجي على أنماط السلوك العام للجماعات الأهلية، بهدف استكشاف

تلك الآليات ومدى صلتها بالثقافة والتديّن.

تسعى هذه الدراسة إلى استيضاح طبيعة العلاقة التي تربط التدين بالمظهر الخارجي لدى الشباب

الجامعي في المجتمع المغربي. ولعل استعمالنا لفظة استيضاح، في قلب جملتنا الافتتاحية، يشي على نحو

كافٍ بأننا انطلقنا في صوغ السؤال الإشكالي لهذا العمل اعتمادًا على افتراض عام مؤداه أن الطريقة التي يتمثل بها

الناس عمومًا معتقداتهم الدينية تساهم إلى حد كبير في تحديد مظهرهم الخارجي وتشكيله. بيد أن السؤال الأكثر

دقة الذي نهدف إلى الإجابة عنه هو الآتي: هل تؤدي التمثلات الدينية للشباب المغربي، وبشكل أكثر تحديدًا

جامعة محمد الخامس - أكدال في الرباط، دورًا محددًا أم دورًا مساعدًا في تشكيل مظهره الخارجي؟ من البديهي أن المقاربة السوسيولوجية لهذا الموضوع لا تستقيم سوى باستحضار جملة من التدقيقات

النظرية والمنهجية.

خريف 2012

تحديد مفاهيم الدراسة

من المعلوم لذوي الاختصاص أن الاشتغال السوسيولوجي على كل المواضيع المطروقة يتم بالأساس عبر

استعمال مفاهيم نظرية تتجاوز التعابير المتداولة داخل الحس المشترك، أو أحيانًا تحافظ على الألفاظ نفسها،

ولكن بمعان جديدة وبدلالات مكثفة تقطع مع معاني المعرفة العامية. وتسري هذه الحالة الأخيرة على المفهوم

المركزي الذي نستعمله داخل هذه الدراسة، ونقصد به مفهوم التدين (Religiosity)؛. إذ إن المعنى المعتمد

هنا لهذا المفهوم يختلف جذريًا عن المعنى البسيط المتداول الذي يحيل على الالتزام بتطبيق التعاليم الدينية والتقيد

بأحكامها، فالتدين هو بالأساس الكيفية التي يعيش بها الناس معتقداتهم الدينية في حياتهم اليومية. وتتجلى

أهمية هذا المفهوم في عاملين: كونه يسمح بتجاوز المنظور التبسيطي و الاختزالي لمعنى التدين في الحس المشترك؛

هذا المنظور الذي يقسم الناس إلى فئتين: متدينين وغير متدينين، أي إلى أناس يلفهم الدين ويلتفون حوله

، وإلى أناس آخرين بعيدين عن المعتقدات الدينية والممارسات المرتبطة بها، بحيث لا تقوم هذه الأخيرة بأي

دور في حياتهم. والواقع أن هذا المعنى التبسيطي والاختزالي لا يحتوي على أية قيمة إجرائية، إذ إن الواقع

السوسيولوجي يكشف بوضوح عن وجود أشكال مختلفة ومتعددة للكيفية التي يتمثل بها الأفراد معتقداتهم

وممارساتهم الدينية. ونضرب صفحًا هنا عن الاجتهادات التنظيرية التي حاولت بلورة مؤشرات لقياس

درجة التدين من طريق تقسيمه إلى مجموعة من الأبعاد. وإعراضنا عن هذه النظريات يرجع أساسًا إلى عدم

قابلية تطبيقها داخل المجتمعات غير الغربية التي يأخذ فيها الاعتقاد والممارسة الدينيان موقعًا سياسيًا وقانونيًا

واجتماعيًا، مختلفًا كل الاختلاف عامّ هو عليه الحال داخل المجتمعات الغربية، وبعض المجتمعات الأخرى التي

تسير على دربها، كاليابان والصين، على سبيل المثال لا الحصر. يسمح مفهوم التدين المعتمد في هذه الدراسة بدراسة الأبعاد التطبيقية للمعتقدات الدينية والممارسات المرتبطة

بها من دون الخوض بالضرورة في أسسها التيولوجية. أما مفهوم المظهر الخارجي (Apparence Extérieure)، فنقصد به كل التمظهرات المرتبطة بالشكل

الخارجي للأفراد التي تنطوي على دلالات سميولوجية قابلة للتأويل؛ إذ يتجاوز هذا المفهوم معنى المظهر

الجسدي (Apparence physique) الذي يقف عند معالم الجسد من طول وحجم ولون بشرة...،

فالمظهر الخارجي بالنسبة إلينا يمتد ليشمل الطريقة الإرادية التي يجسد بها الجسد نفسه، بما يرتديه من ملابس

ويضعه من حلي وما إلى ذلك، بمعنى الطريقة التي يريد هذا الجسد أن يقدم بها ذاته للآخرين، على حد تعبير

غوفمان. وعليه، فإنه من الناحية الإجرائية لن نقف فقط عند الزي واللباس، بما يكشفه أو يخفيه هذا الأخير

1 أنظر بهذا الصدد: عبد الغني منديب، الدين والمجتمع: دراسة سوسيولوجية للتدين بالمغرب (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2006)،

ص.7

2 انتشر هذا النوع من الدراسات خلال سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، كأعمال كينغ وهَنْت وهوج وغيرهم. أنظر

Gunnar Gronblom, Dimensions of Religiosity: The Operationalization and Measurement of Religiosity with بهذا الصدد: Special Regard to the Problem of Dimensionality (Turku Finland: Abo akademi, 1984). 3 Michel Bozon, «Apparence physique et choix du conjoint,» dans: La Nuptialité: Evolution récente en France et dans les pays développés: Actes du IXe Colloque national de démographie, Paris, 3, 4 et 5 décembre 1991, éd. par Thérèse Hibert et Louis Roussel, congrès et colloques; 7 (Paris: Institut national d’études démographiques; Presses universitaires de France, 1991), p. 92. 4 Marie-Thérèse Duflos-Priot, «Paraître et vouloir paraître: La Communication intentionnelle par l’apparence,» Ethnologie française, vol. 6, nos. 3et 4: Languages et images du corps (1976), p. 249..Erving Goffman, The Presentation of Self in Everyday Life (Woodstock, NY: Overlook Press, 1959) 5 أنظر بهذا الصدد:

التديّن والمظهر الخارجي في الوسط الطلابي المغربي: مقاربة سوسيولوجية

من معالم الجسد، وإنما أيضًا ما يرتبط بالوجه، كاستعمال الماكياج لدى النساء، وحلاقة شعر الوجه أو الاحتفاظ به عند الرجال. إن الهدف من تحديد هذين المفهومين الرئيسين بالمعنيين المذكورين أعلاه هو سعينا للوصول إلى نتائج أبعد ما تكون عن أحكام القيمة، وأقرب ما تكون إلى أحكام الواقعة. أما في ما يتصل بالوسط الطلابي، فإننا سنقتصر، لضرورة قاهرة، على جامعة محمد الخامس – أكدال في الرباط، وبالأخص كلياتها الثلاث الكبرى وهي: الآداب والعلوم الإنسانية، الحقوق والاقتصاد، والعلوم، وكلها تعمل وفق نظام الاستقطاب المفتوح.

المنهجية المتَّبعة

بالنظر إلى طبيعة الموضوع المطروق، وكيفية استشكالنا لهذا البحث – التي تشير بما يكفي من الوضوح إلى رغبتنا في رصد معطيات كيفية تجمع بين العمق والدقة والمصداقية، اعتمادًا على تصريحات المبحوثين والمبحوثات من

جهة، واعتمادًا على هيئتهم ومظهرهم الخارجي، وكل الصيغ غير اللفظية، الإرادية و غير الإرادية، التي تصدر

عن المبحوثين أثناء إجراء المقابلات الجماعية من جهة ثانية – لجأنا إلى استعمال تقنيتين هما المجموعة البؤرية

.) Observation والملاحظة () Focus Group (

المجموعة البؤرية بما أن المجموعة البؤرية، كتقنية لجمع المعطيات الميدانية من مصادرها البشرية، باتت معروفة ومتداولة لدى ذوي الاختصاص منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، فإننا بدل أن نقف عند تعريفها أو تحديد خصائصها، سوف نبرر، بالمعنى البرهاني وليس الذرائعي للكلمة، دواعي استخدامنا لهذه التقنية، وهو ما سوف نوجز فيه القول على النحو التالي: تسمح هذه التقنية بتحصيل كل الدلالات والمعاني المحمولة في أقوال الطلبة المبحوثين وأفعالهم، ذلك أن ما نتوخاه هنا هو النفاذ إلى عمق تمثلات هذا الشباب الجامعي ودوافعه ومواقفه، وليس قياس الاتجاهات وتكميمها في شكل جداول إحصائية ومتواليات رقمية. تتيح هذه التقنية إلى حد كبير، بناء، أو بشكل أدق، إعادة بناء وضعية تواصلية تنقل ما يعتمل من مشاعر وما يدور من أفكار في أفئدة هذه العينة من الشباب المغربي وأذهانها. وتوفر، كمقابلة جماعية، إمكانية بسط قضايا

6 توجد بمدينة الرباط جامعتان عموميتان اثنتان وهما جامعة محمد الخامس - أكدال وجامعة محمد الخامس - السويسي. و إذا كنا قد

اخترنا الأولى كنموذج لهذه الدراسة، فلأنها تضم أهم ثلاث كليات من حيث العدد ومن حيث نظام الاستقطاب المفتوح الذي يسمح

لكافة الطلبة بالولوج إلى هذه المؤسسات الجامعية من دون تمييز على أساس اجتماعي أو تفوق دراسي.

7 ونقصد بهذه التعابير: طأطأة الرأس، مصمصة الشفاه، تقطيب الجبين أو الحاجبين، احمرار الوجه، لمعان العينين.....

8 تقوم المجموعة البؤرية كتقنية لجمع المعطيات على أسا س رجع الصدى (back - Feed)، الذي يتم بناؤه في إطار عملية تواصلية

تفاعلية. وتعد هذه التقنية بمثابة «مظلة واسعة » أو «خيمة كبيرة » يتم تحت سقفها التأثير المتبادل فيما بين أعضاء المجموعة، بما يتضمنه

من صراعات وتجاذبات ومواجهات ومقارعات واستراتيجيات إقناع. أنظر: Focus Groups as Qualitative David L. Morgan,

Research, Qualitative Research Methods; v. 16 (Thousand Oaks: Sage Publications, 1979).

خريف 2012

متعددة ومتداخلة للنقاش، كذلك رصد مختلف وجهات النظر؛ إذ إن ردود المبحوثين لا تتحدد فقط بما يثيره المنشط من أسئلة، وإنما أيضًا بردود باقي المشاركين ومواقفهم داخل المجموعة، وهذا ما لا تتيحه باقي التقنيات الأخرى، كالاستمارة أو المقابلة الفردية. الملاحظة لجأنا إلى تقنية الملاحظة لسببين: أولا، لأنها هي التي أوحت لنا بالقيام بهذه الدراسة، إذ إن الملاحظة، شبه العفوية، التي كنا نمارسها منذ اثنتي عشرة سنة خلت، هي التي سمحت لنا برصد، ضمن آلاف الطلبة الذين جلسوا أمامنا داخل حجرات الدرس، سواء على مستوى الإجازة أو ما بعدها، التغير في المظهر الخارجي الذي اعترى البعض منهم، كوضع الحجاب أو إزالته بالنسبة إلى الإناث، أو إطلاق اللحى أو حلقها بالنسبة إلى الذكور على سبيل المثال لا الحصر. ثانيًا: لأن تقنية الملاحظة سوف تمكننا من التقاط كل التفاصيل والدقائق التي لا تستطيع المجموعة البؤرية أن

تصل إليها، كمقابلة تركز بطبيعتها على أقوال المبحوثين لا أفعالهم.

عيّنة البحث

تم اختيار عيّنة البحث ضمن طلبة ثلاث كليات ذات استقطاب مفتوح وهي: الآداب والعلوم الإنسانية،

العلوم، والحقوق والاقتصاد. وقد راعينا في اختيار المشاركين التمثيلية المتساوية بين الإناث و الذكور، وبين من يوحي مظهرهم الخارجي بقربهم من المعتقدات الدينية أو ببعدهم عنها، و إن كان سيثبت لنا في ما بعد أن هذا المعيار غير دقيق بالمرة. وقد تم تنظيم ست مجموعات بؤرية موزعة على الشكل التالي: المجموعة الأولى: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مختلطة من ناحية الجنس والتخصصات المعرفية (علم اجتماع، علم نفس، فلسفة، تاريخ، لغات، جغرافية....)، الفئة العمرية 20 – 25 عامًا. المجموعة الثانية: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مختلطة من ناحية التخصصات، إناث، الفئة العمرية 20 – 28 عامًا. المجموعة الثالثة: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مختلطة من ناحية التخصصات، ذكور الفئة العمرية 20 – 26 عامًا. المجموعة الرابعة: كلية الحقوق والاقتصاد، مختلطة من ناحية الجنس والتخصصات (قانون خاص، قانون عام، اقتصاد...) الفئة العمرية 20 – 30 عامًا. المجموعة الخامسة: كلية العلوم، مختلطة من ناحية الجنس والتخصصات (علوم الحياة والأرض، الرياضيات، الفيزياء والكيمياء....) الفئة العمرية 20 – 30 عامًا.

9 تاريخ التحاقنا بجامعة محمد الخامس – اكدال، كأستاذ لعلمي الاجتماع والإناسة.

التديّن والمظهر الخارجي في الوسط الطلابي المغربي: مقاربة سوسيولوجية

المجموعة السادسة: مختلطة بين الكليات الثلاث، الفئة العمرية 20 – 30 عامًا. ويذكَر هنا أن نتائج هذا البحث تخص بالدرجة الأولى عينة من الشباب المغربي، وبالتالي فإن هذه الدراسة لا

تدعي الإحاطة والشمول في ما يتصل بهذا الموضوع عند عموم الشباب المغربي، إذ إن فئات متعددة سوف تظل

خارجة عن نطاق هذا العمل.

المظهر الخارجي في المجتمع المغربي بين الوظيفة والدلالة

يعد المظهر الخارجي بالمعنى المحدد أعلاه، ليس فقط مكونًا من المكونات الرئيسة للهوية الاجتماعية، بل أيضًا

أحد تجسداتها وتمظهراتها الأكثر بروزًا؛ فالمظهر الخارجي، بما يتضمنه من هيئة وهندام، لا ينطوي فقط على بُعد

وظيفي، يتمثل في الاحتماء من تغيرات الطبيعة وتقلبات المناخ، وإنما يتضمن أيضًا بعدًا رمزيًا ودلاليًا. فهو بهذا

المعنى جزء من النسق الرمزي الذي ينتجه ويستهلكه كل مجتمع من المجتمعات البشرية، هذا النسق من الرموز

الذي ينظم العلاقات التمثيلية المجردة بلغة الصور الواقعية. وكان المظهر الخارجي في المجتمع المغربي، حتى حدود نهاية القرن التاسع عشر، بما يتضمنه من لباس، بأشكاله

و ألوانه المختلفة، وزينة وحلي وحقائب، وحتى أسلحة في بعض الحالات، يحيل على انتماء إلى ثقافة محلية أو

جهة جغرافية معينة، وإلى انتماء إلى فئة اجتماعية أو مهنية أو وضعية زواجية بالأخص عند الإناث، إلى درجة

أن المظهر الخارجي كان يعد معها بمثابة «بطاقة هوية حقيقية». بيد أنه مع بداية القرن العشرين، أي مع

دخول الاستعمار، وانتشار مظاهر التحديث، كوسائل التنقل والاتصال العصرية، بدأ المظهر الخارجي على

النمط الأوروبي الانتشار، وبالأخص على مستوى الوسط الحضري، حيث بدأ التخلي عن حلاقة شعر الرأس

عند الرجال والاستعاضة عن العمامة بالطربوش التركي أو بأشكال من الطواقي، أو كشف شعر الرأس

وحلاقته على الشكل الأوروبي، وهو ما كان يسمّى باللغة المحلية « الفريزي». أما عند النساء، فإن «الحايك» أو

«الملحاف» – وهي قطعة واحدة من الثوب تلف بها المرأة جسدها، عندما تكون خارج المجال الخاص، أو تقابل

فيه رجالا من غير المحارم – كان هو شكل اللباس الأكثر انتشارًا، ثم بدأت الاستعاضة عن هذا الشكل من

اللباس تدريجيًا لفائدة الجلباب واللباس الأوروبي.وبتعبير آخر، فإن مظهر المرأة الخارجي بدأ ينتقل بفعل هذه

الدينامية من التصنيف الجنسي إلى التصنيف الفردي والشخصي. إذ إن اللباس التقليدي – الذي كان يخفي كل

معالم الجسد سوى العينين، وأحيانًا عين واحدة فقط – يحيل على معنى عام وهو جسد أنثوي من دون ملامح

خاصة، في حين أن اللباس التقليدي المعدل والمعصرن وكذلك اللباس الأوروبي، نقلا هذا الجسد الأنثوي

بالتدريج نحو معنى خاص من خلال الكشف عن الملامح الفردية المميَّزة والمميِّزة لهذا الجسد عن الأجساد

الأخرى، ليس فقط من ناحية الجنس الآخر (الرجال) وإنما داخل الجنس (النساء) نفسه. ويمكن التمييز عمومًا بين ثلاث خصائص أساسية طبعت هذه المرحلة من التغير: الطابع التدريجي، ضعف

المقاومة الاجتماعية، التأطير السياسي والديني لهذا التغير.

10 لجأنا في بعض الحالات إلى تغيير أسماء الطلبة المشاركين في المجموعات البؤرية حفاظًا على سرية هوياتهم، وتنفيذًا لميثاق العمل

المشترك بيننا وبينهم.

11 Claude Lévi-Strauss, Le Totémisme aujourd’hui (Paris: Plan, 1962), p. 59.

12 إدريس بنسعيد، الشباب والحجاب في المغرب: دراسة سوسيولوجية (الرباط: منشورات الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب،

2007)، ص.15

خريف 2012

وهذا بيانه: إن ما طبع هذه التغيرات على مستوى المظهر الخارجي في المغرب هو التدرج، فهذه السيرورة بدأت مع دخول الاستعمار، ولكنها لم تقف مع خروجه، بل وجدت لها صدى داخل المجتمع وامتدت في شكل تصاعدي حتى منتصف الثمانينيات من القرن العشرين. كما أن مقاومة هذا التغير من لدن بعض القوى المحافظة، وخصوصًا

بالنسبة إلى الإناث ظلت محدودة وغير ذات فعالية. بالإضافة إلى أن هذا التغير كان مؤطرًا سياسيًا ودينيًا،

حيث تبنّت كل من المؤسسة الملكية وكذلك الحركة الوطنية هذا المنحى ودافعت عنه. بيد أنه مع ثمانينيات

القرن الماضي عرف هذا المنحى التصاعدي رجّة جراء بروز الإسلام السياسي الذي ارتبط على مستوى السياق

الإقليمي بالثورة الإيرانية التي فرضت على المجتمع التقيد بهيئة محددة سميت إسلامية. إذ لاقى هذا المنحى

الاسترجاعي من طرف الحركة الإسلاميية المغربية قبولا واستحسانًا، حيث بدأ يُنظر، لدى شريحة متعلمة من

المجتمع المغربي، إلى اللباس العصري «كمظهر من مظاهر الاستلاب الثقافي أمام الغرب وقيمه وثقافته». والواقع أن هذا المنحى الاسترجاعي ذا النزوع المحافظ لم يفلح في اكتساح المجتمع عمومًا ولا الوسط الطلابي

المغربي خصوصًا، وهو ما يهمنا نحن هنا، إذ عمل فقط على خلق تعددية وتنوع على مستوى المظهر الخارجي.

ويبدو هذا الوسط اليوم للملاحظ الخارجي بمثابة نموذج كوزمبولوتي مصغَّر يتضمن كل أنماط المظهر الخارجي

الموجودة، ليس فقط على مستوى العالم العربي والإسلامي، وإنما على مستوى العالم ككل. كيف يتمثل الشباب الجامعي في المغرب الإيمان الديني؟ خصصنا المحور الأول من دليل المجموعة البؤرية لمسألة الإيمان الديني بشكل عام، و الاعتقاد في الإسلام بشكل خاص، وكان السؤالان الرئيسيان في هذا المحور هما: ما معنى أ ن يكون المرء مؤمنًا؟ وما معنى أن يكون

المرء مسلامً؟ وبعد تفريغ التسجيلات تبين لنا ما يلي: إن معظم المبحوثين لا يقيمون أي فروق بين الإيمان الديني عمومًا والإيمان بالإسلام خصوصًا؛ فالأجوبة التي

وردت على السؤال الأول هي نفسها تقريبًا التي جاءت ردًا على السؤال الثاني: «الإيمان معناه أن تؤمن بالله

ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره» (سهام، 25 سنة، طالبة علوم اقتصادية)؛ «أن تكون مؤمنًا

معناه أن تؤمن بوجود الله وأن تؤمن بالوحي، وأن تؤمن بيوم البعث، وأن تؤمن بمحمد (ص)» (علي، 23 سنة، طالب علوم فيزيائية.) وجاء معظم الأجوبة على هذه الشاكلة عند الطلبة، بغضّ النظر عن السن أو التخصص الدراسي، باستثناء

ثلاث حالات خرجت عن هذه القاعدة: «الإيمان الديني وهم، وشيء لا يصدقه العقل، وأنا شخصيًا لا

أومن بهذه الأشياء» (حسن، 26 سنة، طالب تاريخ)؛ «أنا شخصيًا لست مؤمنًا، والإيمان بالنسبة إلي مجرد

خرافات لا أساس لها من الصحة، ولا أعرف كيف يشعر الناس الآخرون بإيمانهم» (كوثر، 23 سنة، طالبة علم اجتماع)؛ «لا أعرف ما معنى أن يكون المرء مؤمنًا، لأنني لست كذلك» (رشيد، 23 سنة، طالب علم

اجتماع.)

13 من المعلوم لدى العارفين بتاريخ المغرب أن الملك الراحل محمد الخامس أعلن على الملأ إلحاق بناته بالمدارس العصرية وإظهارهن في

المناسبات العمومية على هيئة عصرية (أوروبية). وقد تلقت النخبة السياسية و الدينية (الحركة الوطنية) هذا الحدث بكثير من الترحاب

واعتبرته رسالة سياسية ودينية قوية حاكت على منوالها.

14 المصدر نفسه، ص.15

التديّن والمظهر الخارجي في الوسط الطلابي المغربي: مقاربة سوسيولوجية

وبدت هذه الحالات شاذة ومحدودة، ولم تُثر أي جدل أو نقاش وسط المجموعات التي ظهرت فيها، سوى بعض

الاستغراب أو المفاجأة التي بدت على ملامح بعض عناصر المجموعة. وبالرجوع إلى الجواب النمطي عن معنى الإيمان والإيمان بالإسلام، نجد أنه جواب محنَّط وجاهز وتبدو معالم

المقرر الدراسي بادية عليه، لا لجهة شكله ولا لجهة مضمونه، فهو بعيد عن الجواب المفكر فيه أو الشخصي.

فالطلبة عندما طُرح عليهم السؤال بحثوا في دواخلهم عن جواب عنه، فلم يجدوا سوى هذا الجواب النمطي الذي خضع للمحددات الرسمية التي تتحكم عادة في إنتاج المعارف وبناء الآراء والمواقف. ذالك أن المقررات

الدراسية في المغرب عندما تلقِّن فكرة الاعتقاد الديني للناشئة، فإنها تلغي التقاليد الدينية الأخرى، وتحصر

الدين في الإسلام باعتباره الدين الحق والصحيح دون غيره من الديانات، التي إما يتم تجاهلها مطلقًا، وإمّا يتم

وصمها كدين محرف أو خاطئ أو مضلل. أي مظهر لأي تديّن؟ لم يربط أي من الطلبة المبحوثين في أي من المجموعات الست، بأي شكل من الأشكال، فكرة الإيمان الديني أو الانتماء إلى الديانة الإسلامية بضرورة التقيد بهيئة أو زي معينين. وقد حاولنا من خلال الأسئلة المدعمة لسؤالي المحور الأول المركزيين المذكورين أعلاه إثارة هذه المسألة، بيد أن الأجوبة كلها، سواء من لدن الطالبات المحجبات و الطلبة الملتحين، أو من طرف الطالبات غير المحجبات و الطلبة الحليقي الذقون، لم تشر إلى أي نوع من الارتباط بين الإيمان الديني والمظهر الخارجي. واعتقدنا في البداية أن هذه المسألة سرعان ما سوف

تتبدل عندما ننتقل بأسئلتنا إلى عمق الموضوع، إال أننا أدركنا في ما بعد أن مسألة المظهر الخارجي لا ترتبط لدى الشباب الجامعي بشكل أو درجة من الإيمان الديني. بل على العكس من ذلك تمامًا، إذ إن عددًا كبيرًا من

الفتيات المحجبات طرحن مسألة وضع وشاح الرأس من عدم وضعه، كاختيار فردي وليس كضرورة دينية: «أنا أرى أن مسألة وضع الحجاب هي مسألة شخصية، وتدخل في نطاق الحرية الفردية، فأنا شخصيًا ارتديته منذ

أن كان عمري ست عشرة سنة، ولا أتصور أنني سوف أتخلى عنه يومًا ما، لقد أصبح جزءًا مني ومن شخصيتي،

ولكنني لا أرى أنه ضروري» (أمل، 24 سنة، طالبة حقوق)؛ «أنا أعتقد أن الإنسان حر في أن يرتدي ما يشاء من

اللباس، أن لا يكون هذا اللباس خادشًا للحياء أو مبالغًا فيه» (هاجر، 22 سنة، طالبة علوم أحياء.) كما أن معظم الطالبات غير المتحجبات لم ينتقدن الحجاب أو يستهجنه أو يتحدثن عنه من منطلق احتجاجي أو حتى حجاجي، بمعنى أنهن لم يحاولن الدفاع عن مسألة عدم ارتداء الحجاب كاختيار صائب في مقابل اختيار غير صائب: «لم يسبق لي أن ارتديت الحجاب في حياتي، ولا أعتقد أنني سوف أرتديه يومًا ما، لأنني لا أقدر

عليه، مع أن اثنتين من أخواتي ترتديانه، ولا يطرح لي هذا أي مشاكل» (نورة، 26 سنة، طالبة علم نفس)؛ «أنا ارتديت الحجاب قبل بضع سنوات، لكنني تخليت عنه لأنه سبَّب لي حساسية على مستوى العنق، وحتى من

دون حجاب أعتقد أن لباسي محترم ومظهري الخارجي معقول» (سناء، 22 سنة، طالبة علم اجتماع.) والواقع أن مشاهدتنا الميدانية، سواء في شكلها العام أو الخاص، تؤكد هذه النتيجة وتدعمها؛ إذ يبدو أن ارتداء

15 من المعلوم أن لفظة حجاب لا تحيل في الواقع على زي واحد وموحد، بل على أشكال متعددة تتراوح بين الزي الذي يغطي كامل

الجسد، بما في ذلك دائرة الوجه وراحة اليدين، والاقتصار على وشاح الرأس مع ارتداء كل الملابس العصرية، كسروال الجينز، أو التنورة

الطويلة. وعليه، فإن القاسم المشترك بين هذه الأشكال من الحجاب، كالبرقع والخمار والنقاب والتشادور هو بالنسبة إلينا غطاء للرأس.

خريف 2012

الحجاب وعدم ارتدائه لا يشكلان حاجزًا أمام ربط علاقات صداقة وتعاون بين الطالبات اللواتي يرتدينه أو

لا يرتدينه، كما أن تموضع الطالبات داخل حجرات الدراسة أو أفنية الكليات أو في الشارع العام لا يشتغل

حصريًا وفق مظهر خارجي أو زي موحد؛ إذ يُعتبر اللاتجانس و التنوع بهذا الخصوص بمثابة الطابع الأكثر

ذيوعًا وانتشارًا. أما على مستوى الذكور، وعلى الرغم من أن الاتجاه الغالب يسير نحو مسألة الاختيار الشخصي والحرية الفردية،

فإننا لاحظنا مع ذلك وجود نبرة مختلفة تميل نحو الحدة، خصوصًا اتجاه اللباس العصري النسوي الأكثر كشفًا

لمفاتن الجسد الأنثوي. بيد أن وقوفنا المعمق عند هذه المواقف أثبت لنا أن هذا التحفظ الذي أبداه الذكور حيال

الحرية المطلقة للمظهر الخارجي للجسد الأنثوي، لا يرتبط بتمثلات دينية «إسلامية» بقدر ما يعكس نظرة

الشباب المغربي إلى الأنثى كجسد يتحرك في المجال العام باعتباره مجالا ذكوريًا بامتياز. فحتى بعض الطلبة

الذين صرحوا بأنهم ملحدون، على قلّتهم، لم يتلكأوا في إبداء تحفظهم عن بعض أنواع المظاهر الخارجية التي

تكون فيها مفاتن الجسد الأنثوي بادية للعيان: «أنا أرى أن المرأة حرة في ارتداء ما يناسبها من الملابس، ولكن

هناك حدودًا لا يمكن تجاوزها» (حسن، 26 سنة، طالب تاريخ)؛ «أنا شخصيًا أعتقد أنه ليس من الضروري

بالنسبة إلى الفتاة أن تكشف عن صدرها أو ردفيها لكي تكون حرة» (رشيد، 23 سنة، طالب علم اجتماع.) من الواضح جدًا أن ارتداء الحجاب في المجتمع المغربي يختلف جذريًا عن المعنى الذي يحمله في المجتمع الفرنسي؛

إذ يُنظر إليه فيه كتعبير عن هوية [انتماء ثقافي]، بالمعنى الأنثربولوجي للكلمة. هذا التعبير الذي رأى فيه البعض

مسًّا بالمبادئ العلمانية لهذا المجتمع. كما أن ارتداء الحجاب داخل المجتمع المغربي لا يحيل بالضرورة على أي

نمط سلوكي معنيّ؛ فقد صرح لنا عدد من الطلبة، أعضاء المجموعات البؤرية، بأن ارتداء الحجاب لا يمنع

بالضرورة الفتيات من ربط علاقات صداقة مع الذكور، وأن عدم ارتدائه لا يعني بالضرورة قبول هذه المسألة.

كما أن الحجاب في المغرب يظل في منأى عن ذلك التأويل الغربي الذي يرى فيه، ضمن ما يرى، رمزًا لتبعية

المرأة للرجل. والواقع أنه لا يمكننا هنا أالّ نشير إلى الموقف الرسمي للدولة في المغرب إزاء المظهر الخارجي؛ إذ كما سبقت

الإشارة إلى ذلك، يتبنى المغرب في هذا الباب سياسة الحرية والانفتاح التي تسمح للنساء والرجال معًا بعدم

التقيد بهيئة معيّنة، على عكس السياسات المتبعة في بلدان إسلامية أخرى؛ إذ لا يوجد أي نص قانوني يمنع

ارتداء زي معنيّ داخل المؤسسات العمومية كما هو الشأن في فرنسا. وعليه، توجد داخل المجتمع الطلابي،

والمجتمع المغربي ككل، بدرجات متفاوتة، كل أشكال اللباس النسوي الكاشف وغير الكاشف (حجاب،

نقاب، برقع، تشادور)، والشيء نفسه يسري على اللباس عند الرجال.

16 المصدر نفسه، ص.21

17 Florence Rochefort, «Foulard, genre et laïcité en 1989,» Vingtième siècle: Revue d’histoire, no. 75 (2002), p. 146. 18 John R. Bowen, «Does French Islam Have Borders? Dilemmas of Domestication in a Global Religious Field,» American Anthropologist, vol. 106, no. 1 (2004), p. 57.

19 يمكن الإشارة في هذا الباب إلى أن من بين الأسباب المحتملة التي جعلت المغرب يعتذر عن دعوة المملكة العربية السعودية

له إلى الالتحاق بمجلس التعاون الخليجي حرصه الشديد على المحافظة على خصوصياته. إذ من المعلوم أن السياسات الكبرى في

البلدان الإسلامية يطبعها الاختلاف والتمايز الذي يصل في بعض الحالات إلى حد التنافر. انظر بخصوص هذه الفكرة الأخيرة: Dale

F. Eickelman and James Piscatori, Muslim Politics, Princeton Studies in Muslim Politics (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1996).

20 صوتت الغرفة الثانية للبرلمان الفرنسي (SENAT) يوم الثلاثاء 14 أيلول/ سبتمبر 2010 على مشروع قانون يمنع ارتداء الحجاب

في المجال العام، ويفرض هذا القانون على من تخالفه غرامة مالية قدرها 150 أورو.

التديّن والمظهر الخارجي في الوسط الطلابي المغربي: مقاربة سوسيولوجية

المظهر الخارجي بين الإيمان الديني والتكاليف الشرعية تُعتبر شعيرة الصيام في المغرب طقسًا ملازمًا للإيمان الديني، فكل المغاربة [المسلمين] الذين احتفظوا بإيمانهم

الديني الذي ورثوه عن آبائهم، يحرصون على صيام شهر رمضان حتى في الحالات التي يجوز لهم فيها عدم

الصيام. وهذا ما ثبته بحثنا الميداني، فباستثناء الطلبة الذين أعلنوا عدم إيمانهم، أكد الباقون، وهم الغالبية

الساحقة، ممارستهم هذا الطقس الديني، بغضّ النظر عن مظهرهم الخارجي. بيد أن الأمر اختلف تمامًا

عندما انتقلنا إلى السؤال عن الصلاة، إذ كشفت أجوبة مختلف المجموعات عن وجود ثلاث فئات: مواظبين،

ومنقطعين، وتاركين (لم يسبق لهم الصلاة قط). يبدو للمستمع إلى التسجيلات، أول وهلة، أن المواظبين على الصلاة هم بالضرورة، وربما بشكل حصري، ذوو

المظهر الخارجي الذي يوحي بالاقتراب من الإسلام (حجاب بالنسبة إلى الإناث، لحى بالنسبة إلى الذكور)،

وأن المنقطعين عن الصلاة والتاركين لها هم غير ذلك. بيد أن الأمر لم يكن على هذا النحو، إذ إن عددًا من

الطلبة الحليقي الذقون والطالبات غير المتحجبات يواظبون على الصلاة، في حين أن بعض الطالبات المتحجبات

وضعن أنفسهن ضمن فئة المنقطعات. وعليه غدت هذه المعطيات الميدانية غاية في التعقيد، إذ كيف يمكن أن

نفسر، من منظور سوسيولوجي، وجود فتيات متحجبات غير مواظبات على ممارسة الصلاة، بمعنى يصلين فترة

وينقطعن أخرى، ووجود فتيات غير متحجبات (بشعر مكشوف، وماكياج ولباس عصري كاشف) مواظبات

على ممارسة الصلاة؟ والواقع أنه عندما وقفنا مليًّا عند هذه المعطيات التي تبدو لأول وهلة مفارقة، أدركنا أنها ليست كذلك إلا على

الذين يفترضون وجود صلة بين التقيد بأحكام الشريعة ومظهر خارجي معين. ذلك أن القراءة السوسيولوجية

تستدعي تغيير زوايا النظر، والتخلي عن الأحكام غير المعللة التي ينتجها الحس المشترك والإعراض عن

التعميمات المخلة بالمنطق العلمي. وعليه، فعندما تخلصنا من أسر الفكرة التي تجعل من الحجاب عند الإناث، وإطلاق اللحى عند الذكور، رموزًا

دينية داخل المجتمع المغربي الذي يعتبر الإسلام فيه، ليس فقط دين الدولة، وإنما تستمد السلطة السياسية العليا

لهذه الأخيرة مشروعيتها منه، أمكننا إدراك المعنى المستغرَق لهذا الوضع الذي يبدو مفارقًا من منظور الحس

المشترك. فإذا كان ارتداء الحجاب عند النساء في المجتمعات الغربية يأخذ هذا المعنى، فإن الأمر يختلف

داخل المجتمع المغربي. وقد أتاح لنا هذا القلب الافتراضي على النحو ال«فان غوغي» الوقوف على مسألتين

21 من المعلوم أن في المغرب أقلية يهودية مندمجة داخل المجتمع المغربي ذي الغالبية المسلمة.

22 نقصد بذلك المرضى وكبار السن والنساء اللواتي لهن أعذار شرعية، وأحيانًا حتى الأطفال غير البالغين. ولمعرفة المعنى الذي ينطوي

عليه هذا السلوك، انظر: منديب، ص.138

23 يشار هنا إلى أننا لا نستعمل تعبير تاركي الصلاة بحمولته الدينية الإسلامية، وإنما بمعنى وصفي لا أقل ولا أكثر.

Emile Durkheim, Les Règles de la méthode Sociologique, 16ème éd. (Paris: Les Presses universitaires 24 انظر بهذا الصدد:

de France, 1967).

25 ينص الفصل الثالث من الدستور الجديد 2011 على أن: «الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه

الدينية» كما ينص الفصل الحادي والأربعون على أن: « الملك، أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون

الدينية.»....

26 أنظر بهذا الصدد، على سبيل المثال لا الحصر: Denis Pelletier, «L’école, l’Europe, les corps: La Laïcité et le voile,»

Vingtième Siècle: Revue d’histoire, no. 87 (2005).

27 عندما رسم الفنان التشكيلي الهولندي فان غوغ لوحته الشهيرة «الحقل» أراها لزميله الفنان التشكيلي غوغان، الذي نظر إليها وقال:

«لقد رسمتها بسرعة»، فردّ عليه فان غوغ: «بل أنت الذي نظر إليها بسرعة.»

خريف 2012

مهمتين هما أن بعض المظاهر الخارجية، كالحجاب عند الفتيات واللحى عند الذكور، لا تنطوي دائامً على دلالة

دينية معينة، بل لها في بعض الحالات معان اجتماعية ونفسية خاصة، وأن الاعتقاد والممارسة الدينيين لا يرتبطان

في الوسط الطلابي بهيئة خارجية محددة: «ارتديت الحجاب عندما كان عمري 15 سنة، في ذلك الوقت كنت

مراهقة، وقد فرحت والدتي بذلك كثيرًا، لكن مع مرور الأيام، وبكل صراحة، لم أعد مقتنعة به، وفي كل مرة

أفكر فيها بالتخلي عنه، أخاف على والدتي من الصدمة و أعدل عن الفكرة» (عتيقة، 22 سنة، طالبة علم اجتماع.) على الرغم من أن هذه الطالبة هي الوحيدة التي كانت لها الشجاعة للإقرار بهذه الحقيقة، فإن مشاهداتنا الميدانية

(الملاحظة) تؤكد لنا أنها ليست حالة معزولة، بل هي نموذج لحالات متعددة: «نعم أنا أصلي منذ نعومة أظفاري،

لكن هذا لا يعني أنني أكثر إسلامًا من الآخرين» (وليد، 21 سنة، طالب اقتصاد.) عندما حولنا هذا النص من شكله الشفاهي ومن عربيته المغربية بدا وكأنه لا يقول شيئًا، بيد أن الملاحظات التي

دوّناها على هامش عملية التسجيل، بفضل الملاحظة، درأت بياضات هذا النص وجعلته فياضًا بالمعنى، إذ إن

الإيحاءات التي عربّ بها هذا الشاب الجامعي، وذلك من خلال ملامح وجهه ونبرة صوته، جعلت كل أعضاء

المجموعة يدركون المعنى المقصود، وهو عدم تجنّب كل السلوكات التي ينهى عنها الدين الإسلامي. «لا، لست

مواظبة على الصلاة، أصلي في بعض الفترات و أنقطع في فترات أخرى» (فاطمة، 21 سنة، طالبة أدب عربي.) إن النسخة الموجبة لهذه الصورة التي تبين أن المتكلمة فتاة متحجبة وتبتسم ابتسامة تعربّ عن نوع من الخجل

والإحراج، هي التي تجعل النسخة السالبة التي يصورها هذا النص صورة فوتوغرافية كاملة.

على سبيل الختم

أتاح لنا استعمال مفهوم التدين، بالمعنى المذكور أعلاه، اكتشاف أن الشباب الجامعي في المغرب يتمثل معتقداته

الدينية بكيفيات مختلفة ومتعددة، إذ إن الغالبية الساحقة تؤكد انتماءها إلى الدين الإسلامي، حتى وإن كان هذا

الانتماء لا يرتبط دائامً بالتقيد بأحكام الشريعة، فعدم المواظبة على طقس ديني معين، كالصلاة أو ربط علاقات

صداقة حميمية مع الجنس الآخر خارج مؤسسة الزواج، ليس أمرًا كافيًا للخروج أو الإقصاء من حظيرة هذا

الدين الذي يجسد من منظورهم الدين الحق والصحيح. كما أن المظهر الخارجي، عند الإناث كما عند الذكور،

ليس مؤشرًا سميولوجيًا إلى مدى الاقتراب من الدين أو الابتعاد عنه. وإذا كان لهذا التعدد في الهيئة الخارجية،

بالمعنى المحدد أعلاه، معنى، فإنه يشير إلى التعدد في الكيفيات التي يتمثل بها الطلبة معتقداتهم الدينية والطرق

التي يعيشون بها هذا الاعتقاد في حياتهم اليومية، فسياسة الدولة في تدبير الشأن الديني في المجتمع المغربي، كما

أشرنا إلى ذلك، لا تسمح بإنتاج هذا التعدد فقط، وإنما تقوم برعايته وتدبيره، «حيث إن العلمانية الواقعية التي

تطبع حياة المغاربة تناسب حتى أكثر العقلانيين تشددًا».

28 Clifford Geertz, Islam Observed: Religious Development in Morocco and Indonesia (Chicago: University of Chicago Press, 1971), p. 112.

التديّن والمظهر الخارجي في الوسط الطلابي المغربي: مقاربة سوسيولوجية

المراجع

العربية

لنساء المغرب،.2007

الأجنبية

Religiosity with Special Regard to the Problem of Dimensionality. Turku Finland: Abo

national de démographie, Paris, 3, 4 et 5 décembre 1991. Ed. par Thérèse Hibert et Louis Roussel. Paris: Institut national d’études démographiques; Presses universitaires

بنسعيد، إدريس. الشباب والحجاب في المغرب: دراسة سوسيولوجية. الرباط: منشورات الجمعية الديمقراطية

منديب، عبد الغني. الدين والمجتمع: دراسة سوسيولوجية للتدين بالمغرب. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،

Books

Durkheim, Emile. Les Règles de la méthode Sociologique. 16ème éd. Paris: Les Presses univer­ sitaires de France, 1967. Eickelman, Dale F. and James Piscatori. Muslim Politics. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1996 (Princeton Studies in Muslim Politics). Geertz, Clifford. Islam Observed: Religious Development in Morocco and Indonesia. Chicago: University of Chicago Press, 1971. Goffman, Erving. The Presentation of Self in Everyday Life. Woodstock, NY: Overlook Press,

Gronblom, Gunnar. Dimensions of Religiosity: The Operationalization and Measurement of

akademi, 1984. Lévi-Strauss, Claude. Le Totémisme aujourd’hui. Paris: Plan, 1962. Morgan, David L. Focus Groups as Qualitative Research. Thousand Oaks: Sage Publications, 1979 (Qualitative Research Methods; v. 16). La Nuptialité: Evolution récente en France et dans les pays développés: Actes du IXe Colloque

de France, 1991 (Congrès et colloques; 7).

Bowen, John R. “Does French Islam Have Borders? Dilemmas of Domestication in a Global

Duflos-Priot, Marie-Thérèse. “Paraître et vouloir paraître: La Communication intentionnelle par l’apparence.» Ethnologie française: vol. 6, nos. 3et 4: Languages et images du corps,

Pelletier, Denis. “L’école, l’Europe, les corps: La Laïcité et le voile.» Vingtième Siècle: Revue

Rochefort, Florence. “Foulard, genre et laïcité en 1989.» Vingtième siècle: Revue d’histoire: no.

خريف 2012

Periodicals

Religious Field.» American Anthropologist: vol. 106, no. 1, 2004.

d’histoire: no. 87, 2005.