Return to Article Details Restricted Development: Development Policies in Palestine and their Effect on Employment Opportunities

التنمية الأسيرة، سياسات التنمية في فلسطين وتأثيرها في فرص العمل

Restricted Development: Development Policies in Palestine and their Effect on Employment Opportunities

صلاح الزرو التميمي*

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في سياسات التنمية في فلسطين، وعلاقتها بإيجاد فرص العمل، وتتطرق إلى الاستراتيجيات الوطنية للتنمية، وتبين مدى تأثير سياسات التنمية المتبعة وأهداف تشغيل العمالة فيها، وتحاول تق ي العوامل المؤثرة الداخلية منها والخارجية على أداء السياسات التنموية. إن الفكرة الأساس تشير إلى أن سياسات التنمية وخططها التي بُذِلت منذ قيام السلطة الفلسطينية كانت مجردَ مُسَكِناتٍ لتفادي انفجارٍ اجتماعي، ولم تؤد إلى إحداث تنمية حقيقية شاملة ومستدامة، أو نمو اقتصادي حقيقي. فالتنمية في فلسطين محاصرةٌ وأسيرة. أما النمو الاقتصادي المتحققَ الذي تشير إليه أدبيات السلطة الفلسطينية وتقاريرها الرسمية، فهو نموٌ ظاهريٌ وجزئيٌ ومعاق، وقد اعتمد على تدفق المساعدات الخارجية. ويُلاحَظ أن كل الجهود التي بذلت منذ العام 2000 لم تفلح في إحداث تراجع حقيقي وذي مغزىً في معدلات البطالة. تخلص الدراسة إلى أن من أجل تحقيق تنمية مستدامة، لا مناص أمام الفلسطينيين من الخروج من إشكالية اتفاقية أوسلو، والقيود السياسية والجغرافية والاقتصادية التي فرضتها هذه الاتفاقية.

Abstract

This study investigates development policies in Palestine and their effect on the creation of job opportunities. It looks into national development strategies, explains the degree of influence the development policies adopted have had with reference to their employment goals, and tries to assess the factors, internal and external, that affect the performance of development policies. The findings indicate that the development policies and plans drawn up since the establishment of the Palestinian Authority have been little more than sedatives to avert a social explosion. They failed to lead to real comprehensive sustainable development or real economic growth. Development in Palestine is besieged and restricted. The economic growth achieved and referenced in the writings and official reports of the Palestinian Authority is an obstructed, partial and superficial growth, based on the influx of external aid. The study concludes that in order to achieve sustainable development, the Palestinians have to escape the problem of the Oslo Accords and the political, geographic, and economic restrictions it imposed.

الكلمات المفتاحية:
  • سياسات التنمية
  • فرص العمل
  • النمو الاقتصادي
  • السلطة الفلسطينية
  • المساعدات الخارجية
Keywords:
  • Development Policies
  • Palestine
  • Economic Growth
  • Palestinian Authority

سياسات التنمية في فلسطين وتأثيرها في فرص العمل

تبحث هذه الدراسة في سياسات التنمية في فلسطين، وعلاقتها بإيجاد فرص العمل، وتتطرق إلى

الاستراتيجيات الوطنية للتنمية، وتبين مدى تأثير سياسات التنمية المتبعة وأهداف تشغيل العمالة

فيها، وتحاول تقصي العوامل المؤثرة الداخلية منها والخارجية على أداء السياسات التنموية. إن

الفكرة الأساس تشير إلى أن سياسات التنمية وخططها التي بُذِلت منذ قيام السلطة الفلسطينية

كانت مجردَ مُسَكِّناتٍ لتفادي انفجارٍ اجتماعي، ولم تؤد إلى إحداث تنمية حقيقية شاملة ومستدامة،

أو نمو اقتصادي حقيقي. فالتنمية في فلسطين محاصرةٌ وأسيرة. أما النمو الاقتصادي المتحققَ الذي

تشير إليه أدبيات السلطة الفلسطينية وتقاريرها الرسمية، فهو نموٌ ظاهريٌ وجزئيٌ ومعاق، وقد

اعتمد على تدفق المساعدات الخارجية. ويلُاحَظ أن كل الجهود التي بذلت منذ العام 2000 لم تفلح

في إحداث تراجع حقيقي وذي مغزىً في معدلات البطالة. تخلص الدراسة إلى أن من أجل تحقيق تنمية مستدامة، لا مناص أمام الفلسطينيين من الخروج من

إشكالية اتفاقية أوسلو، والقيود السياسية والجغرافية والاقتصادية التي فرضتها هذه الاتفاقية.

مقدمة

تشكل دراسة العلاقة بين سياسات التنمية والتشغيل أحد العناصر الأساسية التي يمكن من خلالها الحكم على تأثير خطط التنمية وسياساتها على الجمهور المستهدف بها، ودراسة العلاقة بين قوى العرض والطلب من القوى العاملة في سوق العمل، باعتبار ان نظريات اقتصاديات التنمية الحديثة تتبنى مفهوم «التنمية الشاملة المستدامة» التي تركز على الإنسان باعتباره محورَ التنمية وليس السلع والخدمات، بحيث غدا

مفهوم التنمية مرتبطًا بمفهوم «الرفاهية البشرية». فالنمو الاقتصادي الحقيقي هو ذلك القادر على رفع مستوى المعيشة، وإيجاد فرص العمل، والمساهمة في عملية التمكين التي لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب بل تغطي أيضًا الجوانب الاجتماعية والسياسية.

خريف 2012

يميز الاقتصاديون بين النمو والتنمية؛ فالنمو ليس التنمية، ومع إقرارهم بأن النمو هو شرط رئيس لإحداث عملية التنمية، إذ لا تنمية من دون نمو، فإنهم يؤكدون أن النمو، وإنْ حصل، قد لا يؤدي إلى إحداث عملية تنمية حقيقية إذا لم يصاحب ذلك زيادة في فرص العمل وتحسن في نوعية الحياة. وتتأثر كل من سياسات التنمية والتشغيل بعوامل خارجية وأخرى داخلية، أما الخارجية فأهمها البيئة المحيطة والتواصل والتعاون مع دول الجوار، وحراك العمالة في المنطقة، وغيرها. وأما الداخلية فأهمها الخصائص السكانية، ومنها معدل النمو السكاني، ونسبة السكان دون الخامسة عشرة، ونسبة ذوي النشاط الاقتصادي، ونسبة مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي وفي قوة العمل، وأعداد الملتحقين الجدد بسوق العمل، وحجم القطاع العام، والقطاع غير المنظم. كما تتأثر أيضًا بالسياسات الاجتماعية والتعليمية، مثل درجة المواءمة بين مخرجات أنظمة التدريب والتعليم من جانب، وحاجات سوق العمل الحقيقية من جانب آخر. لقد أشاع قيام السلطة الفلسطينية تفاؤلا كبيرًا بالمكاسب التي سيجنيها المواطن الفلسطيني من توقيع اتفاق

أوسلو للسلام، وفرص تطبيق سياسات تنموية طموحة، وتوفير مناخ اقتصادي مستقر، وخلق فرص عمل للعاطلين عن العمل، وبيئة استثمارية جاذبة لرؤوس الأموال وتدفق المساعدات الدولية للسلطة الوليدة، وخلق فرص جديدة لتصدير السلع الفلسطينية. تبحث هذه الورقة في سياسات التنمية في فلسطين، وعلاقتها بإيجاد فرص العمل، وبخاصة للشباب الفلسطيني، وهي تعالج خطط التنمية المعتمدة في فلسطين، وتتطرق إلى الخطط والاستراتيجيات الوطنية للتنمية، وتقييم مدى ملاءمة سياسات التنمية في فلسطين وهدف تشغيل العمالة فيها، مع إشارة خاصة إلى تشغيل الشباب، وتحاول تقيصّ العوامل المؤثرة - الداخلية منها والخارجية - على أداء السياسات التنموية. وتقترح جملة من

الإصلاحات في هذه السياسات. تتكون الورقة من محاور ثلاثة واستنتاجات. يتناول المحور الأولالمقدمة التي تتضمن مشكلة البحث وأسئلته ومحدداته ومنهجيته، ويتناول المحور الثانيالأدبيات السابقة، أما المحور الثالثفيستعرض سياسات التنمية وخططها، مع تقييم عام لهذه الخطط، ومسألة النمو الاقتصادي، تلي ذلك الاستنتاجات الرئيسة.

مشكلة البحث

تحاول هذه الورقة فحص العلاقة بين سياسات التنمية وفرص التشغيل في فلسطين، وتأثير الصراع في كل ذلك، وهي تحاول الإجابة عن الأسئلة التالية: هل حدث نمو اقتصادي في فلسطين منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية؟

1 النمو مصطلح اقتصادي يشير إلى مقدار الزيادة في الدخل المحلي أو القومي عبر الزمن، انظر: جامعة بيرزيت، برنامج دراسات

التنمية. السياسات الاقتصادية والتنمية البشرية في فلسطين، -1994 1999 (رام الله: البرنامج، 2001)، ص.17

2 التنمية تعني: التغيرات التي تحدث في المجتمع بجوانبها المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتنظيمية من أجل توفير حياة

أفضل لإفراد المجتمع، انظر: المصدر نفسه، ص.17

3 انظر: المصدر نفسه، ص.10

التنمية الأسيرة، سياسات التنمية في فلسطين وتأثيرها على فرص العمل

هل أدى مثل هذا النمو - إن حصل - إلى تنمية في فلسطين؟ هل كانت هذه التنمية شاملة ومستدامة؟ هل أدت هذه التنمية إلى خلق فرص العمل اللازمة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب الراغبين في الالتحاق بسوق العمل؟ ما هو تأثير الصراع القائم في عمليات النمو، والتنمية، والتشغيل؟

حدود البحث

تستهدف هذه الدراسة التنمية والتشغيل في الأرض الفلسطينية المس ة مجازًا في هذه الدراسة «فلسطين»، رغم أنها لا تشمل كل حدود فلسطين التاريخية، وإنما تعني حدودَ الرابعِ من حزيران/ يونيو 1967، وتشمل الضفة

الغربية بما فيها القدس، وقطاع غزة. لكن هذه الحدود لم تعد قائمة إلا على الورق، إذ لا تملك السلطة الفلسطينية السيطرة الحقيقية على كل هذه المناطق. كما أن الانقسام الفلسطيني عام 2007 أفقد السلطة الفلسطينية السيطرة على كامل قطاع غزة وسكانه. مع ملاحظة أن خطط التنمية التي تعلنها السلطة الفلسطينية تقتصر عمليًا على

الضفة الغربية، إذ يصعب الحديث عن أي جهد تنموي حقيقي في قطاع غزة الذي يتعرض منذ العام 2007 إلى عملية خنق اقتصادي شامل وممنهج. لذا، فإن هذه الدراسة تستثني أي نشاط اقتصادي حصل أو يحصل في قطاع غزة خارج إطار موازنة السلطة الوطنية الفلسطينية. زمانيًا، تغطي هذه الدراسة الفترة الممتدة من العام 1994، وهو العام الذي أُنشئت فيه السلطة الفلسطينية،

إلى الآن (2012)، مع ملاحظة أن تركيز الدراسة كان على العقد الأخير، نظرًا إلى أن خطط التنمية ارتبطت به

بعدما غابت خلال العقد الأول من عمر السلطة.

منهجية البحث

تستخدم هذه الدراسة المنهجين الكمي والكيفي، وقد تمّ الحصول على المعلومات من مصادرَ أولية وثانويةٍ. أما

المصادر الأولية، فاعتمدت على معلومات الباحث باعتباره باحثًا من الداخل، ويُقصد بذلك الخبرة والمعلومات

التي تراكمت لديه خلال عمله أكثر من عقد من الزمن مع السلطة الوطنية الفلسطينية في الوزارة المسؤولة مسؤولية مباشرة عن الإشراف على قطاع التشغيل. كذلك تكونت المصادر الأولية من تقارير ودراسات غير منشورة تم الحصول عليها مباشرة من مؤسسات السلطة الفلسطينية، ومن الجهاز الفلسطيني المركزي للإحصاء. أما المصادر الثانوية فتكونت من الأدبيات المطبوعة والمنشورات المتوافرة. لا يُقصد من هذه الورقة أن تكون تحليلاًاقتصاديًا متخصصًا يربط سياسات التنمية في فلسطين بنظريات التنمية،

والنمو الاقتصادي المعروفة، وأن تعج بالأرقام والجداول الإحصائية، والتفاصيل التي يمكن أن تشوش القارئ،

وإنما هي قراءة قُصِدَ منها أن تكون سهلة، ومبسطة، حتى يدركها أوسع قطاع من القراء، فلا تكون حِكرًا على

خريف 2012

فئة من أهل الاختصاص، ويؤمَلُ منها أن تكون قراءة موضوعية لجهود التنمية الفلسطينية، وعلاقتها بالتشغيل

وخلق فرص العمل. إنها في النهاية قراءة من الداخل، ليس من داخل فلسطين فقط، وإنما من داخل السلطة

الوطنية الفلسطينية أيضًا.

مراجعة البحوث السابقة

على رغم تعدد الدراسات التي تناولت موضوع التنمية في فلسطين، وقضايا التشغيل والبطالة في فترات مختلفة،

وبخاصة بعد نشوء السلطة الفلسطينية، فإن الدراسات التي حاولت الربط بين التنمية والتشغيل في فلسطين

تكاد تكون نادرة. يتم فيما يأتي استعراض لأهم الدراسات والمحاولات التي حاولت التطرق إلى هذين المفهومين

موضوع الدراسة والربط بينهماربطًا مباشرًا أو غير مباشر. في العام 2001 أصدر مركز دراسات التنمية في جامعة بيرزيت تقريرًا حمل عنوان: السياسات الاقتصادية

والتنمية البشرية في فلسطين -1994 1999. ويعد هذا التقرير من المحاولات الأولى لتقييم خطط التنمية

الفلسطينية وعلاقتها بالتشغيل. وقد تضمن مجموعة من الأوراق لباحثين اقتصاديين فلسطينيين. وفي ورقة

حملت عنوان «السياسات الاقتصادية الكلية والتنمية البشرية في فلسطين»، يحلل صلاح عبد الشافي العلاقة

بين السياسات الاقتصادية والتنمية البشرية المستدامة، موضحًا الدور الرئيس للسلطة في هذا المجال، وهو يؤكد

أهمية النمو الاقتصادي كشرط مسبق للتنمية البشرية، وضرورة أن يتُرجمَ هذا النمو إلى تحسن ملموس في صحة

الفرد وتعليمه، ولكنه يرى أن مثل هذا التحول لا يحدث تلقائيًا بحكم قوى السوق بمفردها التي يصفها بأنها

«عمياء»، وإنما يحتاج إلى تدخل واع من قبل السلطة الحاكمة عبر أدوات وسياسات محددة، وبناء مُؤسَسيٍّ. وعرّج عبد الشافي على جهود التنمية الفلسطينية خلال الفترة -1998 2000 منتقدًا افتقارها إلى مبدأ

المشاركة وعدم الرؤية الكلية للاقتصاد الفلسطيني، وهو ما يجعل عملها يتسم برد الفعل، والخضوع لإملاءات

الدول المانحة. أما عمر عبد الرازق وباسم مكحول، فقد ناقشا في ورقتيهما دور القطاعين العام والخاص، والعلاقة بينهما في

فلسطين، واتفقا على أهمية كل من هذين القطاعين في عملية التنمية، وأكدا أن خلق فرص عمل، وتحسين

ظروف العمل، والكفاءة في استخدام الموارد، وتوفير السلع والخدمات للمواطنين، والمساهمة في الحفاظ على

البيئة، تمثل جميعها أوجه نشاط ترتبط بالتنمية البشرية المستدامة، وتعزز دور القطاع الخاص في هذه العملية.

وأشار الباحثان إلى ما سمياه «الإخفاق الأكبر» للسلطة الفلسطينية في مجال السياسات الاقتصادية. وركز باسم مكحول في ورقته بعنوان «النمو والتوظيف من منظور التنمية البشرية في فلسطين» على المفهوم

الواسع للتنمية، وهو يرى أن النمو الاقتصادي وسيلة لتحقيق التنمية البشرية، وهو شرط ضروريٌ لها، ولكنه

ليس بكافٍ وَحده، والعلاقة بين النمو والتنمية البشرية ليست تلقائية أو طردية دائامً، فقد يؤدي نمو اقتصادي

سريع إلى تنمية بشرية بطيئة، وقد يؤدي نمو اقتصادي بطيء إلى تنمية بشرية سريعة. وهو يميز بين النمو الجيد

الذي تصحبه زيادة في فرص العمل وتحسين الإنتاجية، وعدالة أفضل في توزيع الدخل، وتحسين ظروف العمل،

4 المصدر نفسه، ص.72-60

5 المصدر نفسه، ص.97-73

6 المصدر نفسه، ص.37-15

التنمية الأسيرة، سياسات التنمية في فلسطين وتأثيرها على فرص العمل

وإدامة التنمية البشرية، وبين النمو غير الجيد الذي لا ينعكس، ايجابيًا على حياة الفرد والمجتمع. كما يؤكد الباحث

أن العلاقة بين النمو والتشغيل ليست تلقائية، فالنمو لا يخلق بالضرورة تشغيلا، ومقدارُ العمالة التي تتبلور

ونوعها يعتمدان على نمط النمو، والتكنولوجيا المستخدمة، وتنظيم الإنتاج، وتوزيع الأصول الإنتاجية. وهو يؤكد أن تأثير عملية التنمية في التشغيل لا يقتصر على الجانب الكميِّ (عدد فرص العمل المتاحة)، بل يشمل

أيضًا نوع هذه الفرص (دائمة – مؤقتة)، ومستوى إنتاجيتها ومستوى أجورها، وقطاعاتها. وفي دراسته الصادرة في العام 2001 عن «محددات القدرة الاستيعابية للعمل في الضفة الغربية وقطاع غزة»، حاول مكحول تقدير محددات القدرة الاستيعابية للعمالة في الاقتصاد الفلسطيني على المستويين الكلي والقطاعي،

وذلك باستخدام أساليب التحليل الوصفي والكمي للبيانات المتوافرة. وتمّت دراسة تأثير أربعة متغيرات على القدرة الاستيعابية للعمل وهي: الإنتاج والإنتاجية، والتطورات التكنولوجية، ومرونة الإحلال بين عنصري العمل ورأس المال، وتكلفة عنصر العمل النسبية. وخلص الباحث إلى أن سياسات خلق فرص عمل من خلال زيادة الإنتاج ستكون أكثر فاعلية في المنشآت الكبيرة. أما السياسات الهادفة إلى خلق فرص عمل من خلال تشجيع الاستثمار، أو تخفيض نصيب العامل من رأس المال، فستكون أكثر فاعلية في المنشآت الصغيرة. وصدر لمكحول في العام نفسه (2001) بحثٌ عن « سياسات تحسين القدرة الاستيعابية للعمل في الضفة الغربية وقطاع

غزة هو البدائل المتاحة » وتعتبر هذه الدراسة تتمة للدراسة التي سبقتها، وتضمنت سردًا وصفيًا للعديد

من الإجراءات والسياسات التي تستخدمها الحكومات عادة للتأثير في عرض العمل والطلب عليه، وأهمها سياسات العمل النشطة، مثل برامج خلق فرص عمل مباشرة، والتدريب وإعادة التدريب، وسياسات العمل غير النشطة، وأهمها تقديم مساعدات مالية مباشرة للعاطلين عن العمل، والسياسات الكلية، وأهمها على المدى القصير سياسة تخفيض كلفة العمل، وعلى المديين المتوسط والطويل سياسة زيادة النمو الاقتصادي. وتطرق خليل نخلة في دراسته المنشورة في العام 2004 بعنوان: «أسطورة التنمية في فلسطين: الدعم السياسي والمراوغة المستديمة» إلى تجربة التنمية في فلسطين منذ عام 1967، وبخاصة فترة ما بعد أوسلو، مع التركيز على دور الاتحاد الأوروبي في الفترة 1993 - 2001، وهو يخلص إلى أن ما تم القيام به منذ بداية ما يعرف ب «عملية السلام» تحت مسميات «التنمية» كان مجرد أسطورة متكاملة مفتعلة، ورَوِّجَ لها داخليًا، وخداعًا وهميًا

للذاتِ مُفاده أن أموال المانحين من شأنها أن تساعد الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال على تأسيس

مجتمع حر وعادل. وأتبع نخلة ذلك بكتاب صدر في العام 2011 تحت عنوان فلسطين: وطن للبيع يعتبر تتمة لدراسته المشار

إليها. وقد تصدى في هذا الكتاب لتحليل المحاولات المجتزأة المختلفة لتطوير المجتمع الفلسطيني، وأكد من خلال تحليل نقدي، واعتمادًا على تجربته الشخصية الطويلة في العمل مع ما يسمى «المؤسسات التنموية» المختلفة

7 باسم مكحول، محددات القدرة الاستيعابية للعمل في الضفة الغربية وقطاع غزة (رام الله: معهد أبحاث السياسات الاقتصادية

الفلسطيني- ماس،.)2001

8 باسم مكحول، نصر عطياني وسامية البطمة، سياسات تحسين القدرة الاستيعابية للعمل في الضفة الغربية وقطاع غزة: البدائل المتاحة

(رام الله: معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني- ماس،.)2001

9 خليل نخلة، أسطورة التنمية في فلسطين: الدعم السياسي والمراوغة المستديمة، تعريب ألبرت أغازريان، سلسلة دراسات وأبحاث

(مواطن - المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية) (رام الله: مؤسسة الدراسات المقدسية،.)2004

10 خليل نخلة، فلسطين: وطن للبيع (رام الله: مؤسسة روزا لوكسمبورغ،.)2011

خريف 2012

في فلسطين، أن ادعاءات التنمية الرسمية الفلسطينية هي «ادعاءات مجتزأة ومشوهة ومستأطرة»، وأن التحالف غير الرسمي بين النخبة السياسية الرأسمالية الفلسطينية، والمنظمات التنموية غير الحكومية، ووكالات المساعدة العابرة للحدود الوطنية قد أعاق عمليًا، بل قوض، دعائم ما أسماه «التنمية التحررية المرتكزة على الناس»

والهادفة إلى خلق نسيج اجتماعي متماسك، ينفذ إلى أعماق المجتمع الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال. ويخلص نخلة إلى أنه في ظل الاحتلال، وفي ظل غياب السيادة الحقيقية، وعدم قدرة السلطة الفلسطينية على صنع القرار الوطني، لا يمكن أن تكون هناك أي تنمية تحررية مرتكزة على الناس. لكن الكاتب أمام هذا الاستنتاج الحاسم لا يقترح على الفلسطينيين ما يفعلونه، ولا يشير إلى أي بدائل أخرى. وفي مراجعة صارمة لخطط التنمية الفلسطينية كُتبت بلغة يسارية، أصدر «مركز بيسان للتنمية» في العام 2010

دراسة بعنوان «وهم التنمية»، وتضم هذه الدراسة التي قامت ايلين كُتّاب بتحريرها، وأعدتها مجموعة من

الباحثين، أربعة أقسام تتصدرها مقدمة في نقد التنمية كتبتها المحررة وخلصت فيها، اعتمادًا على مؤشرات التنمية

الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، إلى أن المجتمع الفلسطيني في فلسطين أضحى مجتمعًا فقيرًا،

ليس فقط بسبب سياسات الاحتلال، وإنما أيضًا بسبب سياسات التنمية الوطنية «التي ركزت اقتصاديًا على

قطاعات خدماتية وغير إنتاجية لم تستطع تغيير بنية سوق العمل وتوسيعه، أو تغيير البنية القائمة على أساس

النوع الاجتماعي». لكن الكاتبة لم توضح كيف يمكن تغيير بنية سوق العمل، أو تطرح بديلا لنموذج التنمية الذي قامت بانتقاده. وفي القسم الأولمن دراسة بعنوان «المال والسياسة وتشكيل خطاب التنمية » يرى الباحث إياد الرياحي

أَن أخطر ما يواجه مشروع التنمية الوطني استمرار تعامل السلطة الفلسطينية معه عنوانًا لاستجلاب التمويل

الخارجي لا غير، وتعامل المانحين مع التنمية مدخلا لتحقيق «السلام» لا العكس. وقد أدى هذا إلى إخفاق المستوى الرسمي الفلسطيني في بناء تنمية، وأخفق في الانتقال إلى سلطة بصلاحية سيادية واستقلال حقيقي، ومنع تطور بنية إنتاجية فلسطينية منافسة. وانتقد الباحث سياسات السلطة الفلسطينية و«ارتباطات المستوى الرسمي الفلسطيني» التي ساهمت في هذا الوضع. وفي القسم الرابع، «مجتمع المانحين وإعادة صياغة المحليّ.. مراجعة نقدية في زمن (التنمية) الفلسطيني»، يعتقد الباحث حازم النملة  أنه جرى وضع خطاب «الإصلاح والحكم الرشيد» في فلسطين بمعزل عن أي سياق تنموي حقيقي للفلسطينيين الخاضعين لاحتلال عسكري منذ أكثر من ستين عامًا، وبفعل القوة والمال استطاع

المانحون أن يجعلوا منه الخطاب الرسمي للسلطة الفلسطينية. وقد انتقد الباحث النخب المثقفة الفلسطينية،

متهامً إياها باستيراد أفكار صندوق النقد الدولي، ومشاريع البنك الدولي، والمبادرات الدولية، والدعم المادي الغربي لمؤسساتهم.

11 ايلين كُتاّب [وآخرون]، وهم التنمية: في نقد خطاب التنمية الفلسطيني (رام الله: مؤسسة بيسان للبحوث والإنماء،.)2010

12 المصدر نفسه، ص.74-15

13 المصدر نفسه، ص.113-75

14 المصدر نفسه، ص 169-115 و.227-175

التنمية الأسيرة، سياسات التنمية في فلسطين وتأثيرها على فرص العمل

إجمالا لهذا الفصل، يلاحَظ أن أغلب هذه الدراسات التي تم استعراضها، والتي كُتبت في فترات زمنية مختلفة

من عمر السلطة، قد التقت في انتقادها للأداء الاقتصادي للسلطة الفلسطينية، وفي تشكيكها بقدرة هذه السلطة في إحداث تنمية مستدامة في ظل المشكلات الداخلية التي تعاني بسببها، والحصار والقيود الإسرائيلية المفروضة

عليها، لكن هذه الدراسات لم تقدم نموذجًا تنمويًا بديلا قابلا للتطبيق في السياق الفلسطيني. كذلك يلاحَظ أنه رغم إقرار أغلب هذه الدراسات بأهمية «العوامل غير الاقتصادية» وتأثيرها في عملية التنمية،

فإن هذه العوامل لم تؤخذ في الاعتبار عند تقييم هذه الدراسات لأداء الاقتصاد الفلسطيني؛ فمعلوم مثلا تأثير الخصائص الديموغرافية في عملية التنمية، حيث إن فتوة المجتمع الفلسطيني، وارتفاع معدل الخصوبة فيه يضغطان بشدة على سوق العمل الفلسطيني، فقوة العمل الفلسطينية تنمو بما لا يقل عن 4 في المئة سنويًا،

وينضم سنويًا 45 ألف طالب عمل جديد إلى سوق العمل الفلسطيني، في حين أن مشاركة المرأة في سوق العمل

لا تتجاوز 16 في المئة. كذلك هو الحال بالنسبة إلى الخصائص التعليمية وعلاقة التعليم بسوق العمل؛ فعلى رغم أن فلسطين بحاجة ماسة إلى دور فاعل للتعليم في عملية التنمية لاعتمادها على توسع الاقتصاد المعتمد على المعرفة بسبب نقص الموارد الطبيعية، وفقدان السيطرة على المتوافر منها، فما زال نظام التعليم الفلسطيني بخصائصه وجودته ومخرجاته الحالية غير داعم لسوق العمل، وغير مرتبط بها، ولا يساهم في خلق فرص عمل جديدة بالمستوى المأمول، وإن عدم المواءمة بين مخرجات النظام التعليمي وحاجات سوق العمل هذه هي أحد أسباب البطالة التي يعانيها المجتمع الفلسطيني.

سياسات التنمية في فلسطين

فرص التنمية: وجهتا نظر إن مراجعة سريعة لجل الأدبيات المتعلقة بالتنمية والتشغيل في فلسطين تشير إلى أن بين أوساط الباحثين والمفكرين والمهتمين بالشأن الفلسطيني مدرستين متناقضتين في نظرتهما إلى التنمية في فلسطين. المدرسة الأولى لا تؤمن بالتنمية في ظل الاحتلال، أما الثانية فتؤمن بإمكان حدوث التنمية في فلسطين على رغم الاحتلال. المدرسة الأولى تمثلها قوى سياسية معارضة للسلطة الفلسطينية، وعدد من الباحثين والمثقفين. وترى هذه

المدرسة أنه لا يمكن إحداث تنمية حقيقية في ظل وجود الاحتلال، وأن الاحتلال لا يسمح أصلا بذلك. ويعتبر هؤلاء أن اتفاق باريس الاقتصادي، والسياسات الاحتلالية تحول دون سيطرة السلطة الفلسطينية على سياسات

الاقتصاد الكلي التي من دونها لا يمكن أن تحدث تنمية حقيقية لذا فإن كل الخطط التنموية التي وض، عت

15 معلومات مباشرة تم الحصول عليها من وزارة العمل الفلسطينية في رام الله في أيلول/ سبتمبر.2011

16 جامعة بيرزيت، مركز دراسات التنمية، تحسين تدفق المعلومات بين الجامعات والشباب وسوق العمل والارتقاء بالتعليم وتطوير

القوة العاملة (عربي - انجليزي) (رام الله: المركز،.)2010

17 انظر على سبيل المثال كتابات: عادل سمارة، وخليل نخلة، وعبد الستار قاسم، وصلاح عبد الشافي، وإيلين كُتّاب، ونصر عبد الكريم،

وعبد الستار قاسم وغيرهم.

خريف 2012

والجهود التنموية التي بذلت، كانت أوهامًا خادعة، ودعاية إعلامية، شوهت في الحقيقة المجتمع الفلسطيني ولم

تُساهم في تنميته، وجعلته أكثر تابعية للاقتصاد الإسرائيلي، وأكثر اعتمادًا على المساعدات الخارجية غير البريئة،

والتي تتأثر تأثرًا شديدًا بالمواقف والوقائع السياسية. وأما المدرسة الثانية التي يمكن تسميتها «مدرسة السلطة الفلسطينية»، فترى أنه لا مناص من بذل الجهود لتنمية المجتمع الفلسطيني وتمكينه وتقويته من أجل تقديم الخدمات الأساسية والضرورية له، ومساعدته على الاستمرار في العيش على أرضه وتثبيته حتى يستطيع مقاومة السياسات الاحتلالية الهادفة إلى اقتلاع الإنسان الفلسطيني والسيطرة على أرضه ومقدساته. إن لسان حال أنصار هذه المدرسة يقول إن الشعب الفقير والجائع لا يستطيع الصمود أو المقاومة ولا يفكر

فيهما، لذا لا بد من إطلاق خطط تنمية رغم وجود الاحتلال ومعوقاته، وحتى لو لم تحقق هذه الخطط جل أهدافها فإنها في النهاية تساهم في تثبيت الناس على أرضهم وتعزيز صمودهم. وأشهر رموز هذه المدرسة هو سلام فياض الذي يُعتبر عرّاب التنمية في فلسطين. يقول فياض مدافعًا عن منهجه: «هناك من يقول ما شأننا

بالتنمية ونحن تحت الاحتلال وحواجز وتهويد؟ وأنا أقول إن التنمية تحافظ على الهوية، وتُقيم الدولة، وترفع من شأننا عاليًا عربيًا ودوليًا، وتعزز صمود أهلنا وشعبنا». تحظى هذه المدرسة بدعم من الحكومات الغربية،

والمؤسسات الدولية مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمات الأمم المتحدة المختلفة، مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ومنظمة العمل الدولية (ILO). قاد أنصار هذه المدرسة الشعب الفلسطيني بعد التوقيع على اتفاق أوسلو، وكانوا وراء إطلاق أكثر من خطة تنمية يتناولها القسم التالي بإيجاز.

خطط التنمية

بعد انكفاء حركة حماس داخل قطاع غزة، تم في العام 2007 تشكيل حكومة تسيير أعمال في الضفة الغربية برئاسة سلام فياض. وقد طرحت هذه الحكومة خطتين للتنمية خلال الفترة 2011-2007، وكانت هناك

خطة أُطلقت في العام 2005، هذه الخطط الثلاث وعلاقتها بالتشغيل هي محور النقاش التالي.

18 انظر مثلا: عادلسمارة، منظمات غير حكومية أم قواعد للآخر؟، NGOs! (القدس: مركز المشرق للدراسات التنموية والثقافية، 19 انظر: السلطة الوطنية الفلسطينية، وزارة التخطيط والتنمية الإدارية، خطة الاصلاح والتنمية الفلسطينية، 2010-2008

(رام الله: [الوزارة]، 2008)، ص iv.

20 سلام فياض، «يا معشر الخبراء: ارأفوا بالحقيقة»، (2006/5/4)، على الموقع الإلكتروني: <http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=5099> (15/9/2001) 21 وكالة «معا» الإخبارية، 2011/2/6 و.2011/11/30

22 «البنك الدولي يشيد بخطة فياض وان الجاهزية وشيكة لإقامة دولة فلسطين،» (وكالة «معا» الاخبارية،.)2011/9/17

23 انظر تقرير خبراء صندوق النقد الدولي 2009، «تقرير حول الإصلاحات التي أجرتها السلطة،» الأيام (فلسطين)، 2009/3/-،

ص.1

24 انظر: تقرير المدير العام حول وضع عمال الأراضي العربية المحتلة (جنيف: مكتب العمل الدولي،.)2010

التنمية الأسيرة، سياسات التنمية في فلسطين وتأثيرها على فرص العمل

خطة التنمية المتوسطة المدى (2007-2005) تمثلت أهداف هذه الخطة في معالجة الفقر بشكل دائم، والحد من البطالة، وبناء رأس المال الاجتماعي، وتفعيل مؤسسات الدولة. ولتحقيق هذه الأهداف ركزت الخطة على أربعة محاور هي: الحماية الاجتماعية، والاستثمار في الرأسمال البشري والرأسمالي، والاستثمار في مؤسسات الحكم الرشيد، ودعم تنمية القطاع الخاص. كانت هذه الخطة ثمرةَ تعاونٍوجهودٍ بذلتها وزارة التخطيط بالتعاون مع عدد من الوزارات والمسؤولين الفلسطينيين، وبدعم من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. قامت الخطة على تصور يفترض انخفاضًا طفيفًا في عدد العمال الفلسطينيين العاملين داخل إسرائيل خلال مدة خطة التنمية هذه، كما يفترض تحسنًا في القيود المفروضة على الحركة داخل فلسطين، وتحسنًا تامًا في القدرة على

الوصول إلى الأصول الإنتاجية الفلسطينية، بما فيها الأراضي الواقعة في محيط جدار الفصل على الأقل. يمكن القول إن هذه الخطة كانت أكثر الخطط الثلاث تركيزًا على موضوع البطالة، وقضايا التشغيل، وهي الخطة الوحيدة التي تضمنت استراتيجية لخلق فرص العمل. وكان موضوع مكافحة البطالة وتوفير فرص عملٍ أحد أهدافها. وتقر الخطة بأن معالجة الفقر يتطلب تخفيض مستويات البطالة، وإيجاد فرص العمل يزيد من استثمار القطاع الخاص. ولوحظ أنه كان ضمن المعايير العامة لأغلب برامج الخطة معيار «إمكانية خلق فرص عمل وفرص تشغيل مستدامة»، كذلك تضمنت الخطة أكثر من برنامج لخلق فرص عمل وتشغيل الشباب. لم تحقق الخطة أي إنجازات يمكن الإشارة إليها، فهي لم تطبَّق عمليًا، إذ أدى انغلاق الأفق السياسي، وتوقف

المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، وتآكل قوة السلطة الوطنية الفلسطينية وما تبعه من انتخابات للمجلس التشريعي وفوز حركة حماس وتشكيلها لحكومتها الأولى، وما رافقه من حصار ومقاطعة دولية وتوقف مساعدات الدول المانحة للفلسطينيين، والصراع والتناحر الفلسطيني الداخلي الذي أفضى إلى سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، كل ذلك أدى إلى إجهاض هذه الخطة وتوقفها.

خطة الإصلاح والتنمية (-2008 2010) جاءت خطة الإصلاح والتنمية الفلسطينية (2010-2008) لتحديد الأسس التي من شأنها توطيد مبدأ الحكم الرشيد، وترسيخ الأمن وسيادة القانون، وإرساء دعائم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في فلسطين،

25 السلطة الوطنية الفلسطينية، وزارة التخطيط والتنمية الإدارية، خطة التنمية متوسطة المدى، -2005 2007 (رام الله: [الوزارة]،

2005)، ص 8، 50 و.54

26 المصدر نفسه، ص.13-12

27 المصدر نفسه، ص.41

28 انظر: المصدر نفسه، ملحق رقم 4 من الخطة، ص.185

29 المصدر نفسه، ص.45

30 المصدر نفسه، ص.58

31 المصدر نفسه، ص.73

خريف 2012

وتوفير أساس متكامل لتوزيع الموارد الحكومية. وحظيت خطة الإصلاح والتنمية بمساندة واسعة النطاق

وبدعمٍ ماليٍّ سخيٍّ من الدول والجهات المانحة، وذلك في مؤتمر المانحين الذي استضافته الحكومة الفرنسية في

باريس بتاريخ 17 كانون الأول/ ديسمبر 2007، إذ تعهدت الجهات المانحة بتقديم 7.7 مليار دولار بينما طلبت السلطة الفلسطينية 5.6 مليار دولار. تولت وزارتا التخطيط والمالية الإشراف على إعداد خطة الإصلاح والتنمية الفلسطينية. وكانت هيكلية العمل على هذه الخطة مقسمة على أساس القطاعات المعنية من أجل تسهيل عملية تحديد الأولويات وضمان انسجام السياسات والخطط وتوزيع الموارد المالية. وقد قدمت جميع وزارات السلطة الوطنية الفلسطينية وأكبر المؤسسات العامة فيها المشاريع التفصيلية للخطط والموازنات التي أعدتها وحددت فيها أهدافها الاستراتيجية وغاياتها ومقترحاتها المتعلقة بالنفقات الجارية والنفقات الرأسمالية والنفقات التطويرية. تضمنت الخطة أربعة محاور هي: السلامة والأمن (خصص لهذا المحور ثلث الموازنة)، والحكم الرشيد، وتعزيز التقدم والازدهار الوطني، وتحسين مستوى الحياة وجودتها. ويفترض التصور الأساس لهذه الخطة حدوث تحسن طفيف في الظروف السياسية والأمنية، بما يؤدي إلى التخفيف التدريجي من القيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على حركة الأفراد والبضائع، وازدياد تدريجي في حجم النشاط. كما تفترض الخطة التزام المانحين الخارجيين بالوفاء بتعهداتهم التي تصل إلى حوالى 6 مليارات دولار لسنوات الخطة الثلاث. التي تصل تكلفتها إلى 10 مليارات دولار، وتقر الخطة بأن أي تردد من جانب المانحين في سد عجز الموازنة سيؤدي إلى تعميق الأزمة المالية التي تعيشها السلطة الفلسطينية واستفحالها، أي إلى هاوية انهيار اقتصادي، وارتفاع معدل البطالة، وزيادة نسبة الفقر. تضمنت خطة التنمية والإصلاح برنامجًا مباشرًا لمكافحة البطالة خُصص له 57 مليون دولار على مدى سنوات

الخطط الثلاث، أما بخصوص قطاع الشباب، فقد تضمنت الخطة تخصيص 13 مليون دولار على مدى سنوات الخطط الثلاث لتمكين الشباب، وهو ما يضمن فتح مجالات مشاركتهم في مختلف مجالات الحياة، وبخاصة القطاع الاقتصادي. ترى السلطة الفلسطينية أنها أوفت بالالتزامات التي حدّدتها في خطة الإصلاح والتنمية وبالأجندة العامة التي

اعتمدتها في بناء المؤسّسات الفلسطينية ضمن أقصى ما كان بالإمكان تحقيقه، وفي ظل وجود الاحتلال. كما أنها

التزمت الخطط التي أعدتها لتقليص العجز في الموازنة الجارية، وزيادة حجم الاستثمار العام في مشاريع التنمية الاجتماعية والاقتصادية. وعملت كذلك على تعزيز الاستقرار في الاقتصاد الفلسطيني، من خلال إجراءات

32 المصدر نفسه، ص.1

33 جوزيف ديفوير وعلاء ترتير، تتبع الدعم الخارجي للمنظمات الفلسطينية غير الحكومية في الضفة الغربية وقطاع غزة، -1999

2008 (رام الله: مركز تطوير المؤسسات الأهلية الفلسطينية ومعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني، 2009)، ص.31

34 السلطة الوطنية الفلسطينية، وزارة التخطيط والتنمية الإدارية، خطة الاصلاح والتنمية الفلسطينية، 2010-2008، ص iii.

35 المصدر نفسه، ص iii.

36 المصدر نفسه، ص.7

37 المصدر نفسه، ص.174

38 المصدر نفسه، ص vii - viii.

39 المصدر نفسه، ص.218

التنمية الأسيرة، سياسات التنمية في فلسطين وتأثيرها على فرص العمل

الإصلاح التي تمت في القطاع المالي، بما شمله ذلك من تنظيم القطاع المصرفي وإنفاذ التدابير التي تسعى إلى ترسيخ الممارسات النزيهة في عمليات الإقراض المالي. وترى السلطة كذلك أن التدخلات التي استهدفت إعادة بناء قدرات المؤسسات في قطاعيْ العدالة والأمن

وتقويتها، ساهمت في الارتقاء بالمفاهيم التي يحملها المواطنون بشأن الأمان وسيادة القانون بقدر كبيرٍ، وهو ما أسهم في النهوض بالبيئة المواتية للاستثمار والنمو الاقتصادي. وفي مجال تقديم الخدمات الأساسية، وتشييد مشاريع البنية التحتية العامة - بما فيها المدارس، والعيادات الصحية، والمستشفيات والطرق وشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، والإسكان، والزراعة- أشارت الحكومة إلى قيامها بتنفيذ مشاريع التنمية الصغيرة والمتوسطة، على نحو ناجعٍ وفعال، إذ أعلن سلام فياض

في مطلع العام 2011 أن حكوماته نفذت 2000 مشروع في مختلف القطاعات، وهو يقرّ بأنّ هذه المشاريع كانت

صغيرة لكنها كانت مهمة للمناطق الصغيرة. خطة التنمية الوطنية (2013-2011) جاءت هذه الخطة لتعد العدة، وتتخذ التحضيرات المسبقة من أجل قيام دولة فلسطينية. وتلخص هذه الخطة السياسيات الوطنية التي تتبناها الحكومة، وخطة الحكومة على مستوى الاقتصاد الكلي، والمستوى المالي الكلي، وإطار المساءلة الذي ستنفذه الحكومة على مدى السنوات الثلاث المقبلة. وضمت الخطة أربعة محاور رئيسة هي: الحكم، والتنمية الاقتصادية، والتنمية الاجتماعية، والبنية التحتية. تم من أجل إعداد هذه الخطة صوغ 23 استراتيجيا قطاعية وعبر قطاعية تستهدف إطلاق مبادرات وتدخلات الإصلاح والتنمية في مختلف القطاعات. وأكدت وثيقة الخطة مبدأي الشفافية والمشاركة في إعدادها وتنفيذها، وأشارت إلى أنه تم تعميم خطة الإصلاح والتنمية على قطاعات واسعة من المجتمع الفلسطيني، وجرى إخضاعها لنقاشات عامة ومستفيضة مع ممثلي مختلف القطاعات والمنظمات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني، ومؤسسات القطاع الخاص، وهيئات الحكم المحلي، والمؤسسات الدولية. يستند إطار الاقتصاد الكلي الذي تعتمده هذه الخطة ضمن ما يستند إليه، إلى تصور أساس يفترض الإسراع في إزالة العوائق الخارجية المفروضة على الاقتصاد الفلسطيني بما يشمل إزالة جميع القيود المفروضة على حركة الأفراد والبضائع والتجارة الخارجية، وإطلاق مشاريع التنمية الاقتصادية في المناطق المصنفة (C)، ورفع الحصار المفروض على قطاع غزة، وتوفير القدر الكافي من الدعم المالي الدولي.

40 السلطة الوطنية الفلسطينية، وزارة التخطيط والتنمية الإدارية، تقرير متابعة خطة الإصلاح والتنمية الفلسطينية للأعوام -2008

2009 (رام الله: [الوزارة]،.)2010

41 المصدر نفسه، ص.218

42 السلطة الوطنية الفلسطينية، وزارة التخطيط والتنمية الإدارية، « حصاد خطة الإصلاح والتنمية، -2008 2010،» على الموقع

. <http://mopad.pna.ps/emag/index.php?page=about_us&pid=7> الإلكتروني:

43 وكالة «معا» الاخبارية،.2011/1/16

44 السلطة الوطنية الفلسطينية، وزارة التخطيط والتنمية الإدارية. خطة التنمية الوطنية، -2011 2013: إقامة الدولة وبناء المستقبل.

رام الله: [الوزارة]، 2011)، ص 14 و.20-19

45 المصدر نفسه، ص.19-15

خريف 2012

توقعت الخطة أن يصل النمو السنوي في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 9 في المئة في العام 2011 ليصل إلى

12 في المئة في العام 2013. كما توقعت الخطة أن تتراجع معدلات البطالة من 24.5 في المئة في العام 2009 إلى

15 في المئة في العام 2013، وتقليص عجز الموازنة الجارية من 25.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام

2009 إلى 4.1 في المئة في العام 2013. ومن الواضح أن الخطة لم تعط الأولوية لمكافحة البطالة؛ فعلى رغم أن هدف «مكافحة البطالة وتعزيز سوق

العمل» قد ورد كهدف استراتيجي لمحور التنمية الاقتصادية، بقصد تخفيض معدل البطالة الإجمالي،

فقد خُصص لهذا البند مبلغ متواضع جدًا في الخطة لم يتجاوز 31 مليون دولار لسنوات الخطة الثلاث، فيما

خُصص للأجهزة الأمنية أكثر من 232 مليون دولار للفترة نفسها.

تقييم عام لخطط التنمية الفلسطينية

منهجيًا، يلاحظ التطور التصاعدي في مستوى المشاركة في وضع خطط التنمية ما بين خطة التنمية المتوسطة

المدى التي كانت جهدًا خالصًا لوزارة التخطيط، وخطة الإصلاح والتنمية التي كانت خلاصة خطط الوزارات

والمؤسسات العامة، وخطة التنمية الوطنية التي شهدت مشاركة أوسع من أغلب الأطراف ذوي العلاقة. إلا

أن صفة الاستعجال التي لازمت الخطط الثلاث نتيجة الظرف الاستثنائي الذي عاشته فلسطين قد حالت دون

مشاركة شعبية أوسع في إنتاج هذه الخطط. تُبنى خطط التنمية المتتالية عادة بعضها على بعض، وتحاول أن تكمل بعضها بعضًا. ولم يكن الأمر كذلك في

خطط التنمية الاقتصادية الفلسطينية، فخطة التنمية المتوسطة المدى وض عت لمحاولة إصلاح ما دمر خلال

انتفاضة الأقصى، واستنقاذ الوضع الفلسطيني من الانهيار التام، لكن تطبيقها اصطدم بتطورات سياسية أدت

عمليًا إلى إجهاضها في مهدها. وكانت هذه الخطة مفصولة عمليًا عما تلاها من الخطط. وخطة الإصلاح والتنمية

كانت الأوفر حظًا في التطبيق والدعم، واقترنت بعودة الدعم الدولي، وعوائد الضرائب من الجانب الإسرائيلي،

لكنها لم تخضع لأي عملية تقييم لمعرفة الأثر الذي أحدثته. وقد لوحظ أن كثيرًا من المؤشرات التي توقعتها الخطة

لم تتحقق، أما خطة التنمية الوطنية فكانت جزءًا مكملا لخطة الإصلاح والتنمية، لكن الذي حقق هذه التكاملية

الظاهرية ليس وجود منهجية مؤسسية معتمدة لبناء خطط تنمية تراكمية في فلسطين، وإنما كان بسبب وجود

رئيس الوزراء نفسه على رأس الحكومتين اللتين أقرتا الخطتين وتبنّتاهما. من البديهي أن تنفيذ خطط تنموية طموحة يتطلب استقرارًا في البيئة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهو

استقرار لم يتوافر في أي وقت من الأوقات في فلسطين. هذا يعني أن خطط التنمية التي وض عت تجاهلت حقيقة

وجود الاحتلال، بل أكثر من ذلك، إذ افترضت جميع الخطط تعاون الجانب الاسرائيلي معها من خلال عدم

عرقلتها، والاستمرار في تحويل عوائد الضرائب للجانب الفلسطيني، وتخفيف الحصار والإجراءات الاحتلالية

46 المصدر نفسه، ص.12

47 المصدر نفسه، ص.49

48 المصدر نفسه، ص.55

49 المصدر نفسه، ص.105

50 المصدر نفسه، ص.95

التنمية الأسيرة، سياسات التنمية في فلسطين وتأثيرها على فرص العمل

ضد الشعب الفلسطيني، وافتراضها أيضًا التزام الدول المانحة بتعهداتها المالية تجاه السلطة الفلسطينية، وهما

فرضيتان لم يتوافر لهما أي ضمانات في أي وقت من الأوقات. وقد أثبتت التجارب أن مبالغ الإيرادات المحلية،

إلى جانب حجم المساعدات الخارجية وطبيعتها، يتأثران بصورة كبيرة بالعلاقات السياسية والأمنية القائمة مع

إسرائيل، وبذلك يتأثر تنفيذ خطط التنمية وفقًا لمنحى هذه العلاقات واتجاهها، ومدى وفاء إسرائيل بالتزاماتها،

علامً أن إسرائيل والجهات المانحة جمدت تحويلاتها إلى السلطة الفلسطينية أكثر من مرة، في محاولة للضغط

السياسي عليها. يلاحَظ أيضًا أن خطة الإصلاح والتنمية قد خصصت حوالى ثلث الموازنة لدعم الأجهزة الأمنية، وهي نسبة

عالية، وتتجاوز كثيرًا ما خُصص لقطاعات الحكم، والبنية التحتية، والاقتصاد مجتمعة، أو ما خصص للتعليم

أو للصحة على مدار سنوات الخطة الثلاث. ومن اللافت أن الخطة قد اعتبرت أن تفاقم مشكلة البطالة هو

أحد المبررات لتخصيص هذه النسبة العالية من الموازنة للقطاع الأمني، حيث أشارت إلى أن «الأعداد المتزايدة

للعاطلين عن العمل، ولا سيما في أوساط الشباب، تشكل تحديًا رئيسًا يواجه الأجهزة الأمنية الفلسطينية في

عملها على فرض القانون والنظام». وربما كان الأجدر توفير مخصصات مالية كافية لفتح فرص عمل

للعاطلين عن العمل، بدلا من تخصيص المبالغ لزيادة عدد قوات الأمن لمواجهة التهديدات الأمنية التي يمكن

أن يشكلها هؤلاء العاطلون عن العمل. صحيح أن هذه الخطة خصصت 57 مليون دولار لبرنامج مكافحة البطالة، لكن هذا المبلغ متواضع جدًا إذا

ما قورن بحجم مشكلة البطالة في المجتمع الفلسطيني التي طاولت أكثر من مخُس القوى العاملة خلال العقد

الاخير. ويلاحَظ أن هذا البند ورد ضمن القطاع الاجتماعي، وهذا يشير إلى خطأ أو جهل غير مبرر من قبل

أصحاب القرار لخطورة مشكلة البطالة في المجتمع الفلسطيني. فمسألة البطالة أمر يهم القطاعين الاجتماعي

والاقتصادي، بل إن توفير فرص العمل هو مسألة تخص أكثر القطاع الاقتصادي. وبالإجمال، فإن هذه الخطة لم

تضمن عرضًا أو معالجة متكاملة لمسألة البطالة، ودور كل قطاع من القطاعات في مواجهتها؛ ففي الوقت الذي

تضمنت فيه تنفيذ برنامج مكافحة البطالة من خلال وزارة العمل، كما أشارت النقطة السابقة، لوحظ أن برامج

وزارات أخرى مثل الزراعة والصناعة، وبرامج تمكين المرأة والشباب تتضمن نشاط ا من المفترض أن يؤدي إلى

زيادة التوظيف والتشغيل لكنها جاءت جمُزأةً ومبتسرة، الأمر الذي يحول دون معرفة عدد العاطلين عن العمل

الذين يمكن أن يستوعبهم تطبيق خطة الإصلاح والتنمية، ونسبة الانخفاض المتوقع في معدلات البطالة. أما بخصوص خطة التنمية الوطنية (2013-2011)، ورغم أن من المبكر الحديث عن إنجازاتها وتقييم هذه

الإنجازات، وذلك بسبب حداثة هذه الخطة، فإن الأزمة المالية التي تعصف بالسلطة الفلسطينية منذ منتصف

العام 2010 تجعل التوقّعات الاقتصادية المتفائلة لهذه الخطة وانخفاض معدلات البطالة بصورة دراماتيكية

مجرد أحلام، وتضع هذه الخطة بمجملها في مهب الريح. إن أغلب خطط التنمية الفلسطينية كانت في الحقيقة خطط طوارئ وإغاثة لمواجهة واقع متأزم، ولمنع انفجار

اجتماعي، والحيلولة دون انهيار اقتصادي شامل، فركزت على تعزيز أدوات السيطرة الحكومية من جانب،

والإنفاق على القطاعات غير الإنتاجية وخاصة القطاع الاجتماعي من جانب آخر. إن التركيز على الجانب

51 السلطة الوطنية الفلسطينية، وزارة التخطيط والتنمية الإدارية، خطة الاصلاح والتنمية الفلسطينية، 2010-2008، ص.49

خريف 2012

الاجتماعي قد تم بتشجيع من الدول والجهات المانحة التي لم تبد اهتمامًا بتنمية القطاع الإنتاجي، وانصب جُل

اهتمامها على «الهندسة الاجتماعية» للشعب الفلسطيني سعيًا إلى إعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني وترويضه

وتطويعه بما ينسجم مع متطلبات عملية السلام. إن هذا يعني أن سياسات التنمية الوطنية الفلسطينية كانت أسيرة لقوى «العرض» التي تفرضها الجهات الممولة، ولم تكن مدفوعة بقوى «الطلب» التي من المفترض أن يحددها الشعب الفلسطيني في ضوء احتياجاته الحقيقية. إذًا، خطط التنمية لم تطبق عمليًا، والتنمية الاقتصادية لم تتحقق، لكن ماذا عن النمو الاقتصادي، هل تحقق؟

وهل هو نمو حقيقي؟ وهل ساهم هذا النمو في خلق فرص عمل؟ هذا ما سيناقشه القسم التالي. هل حدث نمو اقتصادي في مناطق السلطة الفلسطينية؟ لقد اتسم معدل النمو الاقتصادي في فلسطين بالتقلبات الكبيرة بسبب العراقيل والقيود والسياسات المعطِّلة التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي بصورة متغيرة على فلسطين. فخلال الفترة 2000 - 2004 كان معدل

النمو الاقتصادي المعلَن في فلسطين بالسالب، وخلال الفترة 2004 - 2008 أصبح موجبًا ووصل إلى 2.7

في المئة. وفي العام 2008 قفز إلى 7.1 في المئة، ليصل إلى 9.3 في المئة عام 2010 وفقًا للبيانات الرسمية

الصادرة عن وزارة المالية الفلسطينية، كما يظهر في الجدول رقم (1). لكن هذا النمو كان غير متوازنٍجغرافيًا،

إذ لوحظ اقتصاره على الضفة الغربية دون قطاع غزة، ففي قطاع غزة كان معدل النمو الاقتصادي سالبًا، أي

4.5- في المئة خلال الفترة 2004 2008-. ومن أجل سبر غور هذا النمو الاقتصادي وإدراك حقيقته، من المفيد عرض مجموعة من المؤشرات ذات العلاقة بالنمو الاقتصادي في مناطق السلطة الفلسطينية، وهي: فقدان السيطرة على الإيرادات إن أغلب إيرادات السلطة الفلسطينية لا يخضع لسيطرتها، وهو ما يعني أن الفلسطينيين لا يمسكون بمفاتيح التنمية وقاطرة النمو بأيديهم. هناك ثلاثة مصادر أساسية لإيرادات السلطة كما يظهر في الجدول رقم:)1(المحلي، والإسرائيلي، والدولي. أما المحلي، الذي يتكون من الإيرادات الضريبية وغير الضريبية، فهو لا يتجاوز 22 في المئة من الإيرادات. في حين تستحوذ الإيرادات من الجانب الإسرائيلي - وتسمّى إيرادات

المقاصة – على حوالى ثلث الإيرادات. أما الإيرادات الدولية التي تتكون من المنح والمساعدات الخارجية فتتجاوز 40 في المئة من إجمالي الإيرادات.

52 السلطة الوطنية الفلسطينية، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، الحسابات القومية (رام الله: الجهاز،.)2010

53 المصدر نفسه.

54 وفقًا لبيانات وزارة المالية الفلسطينية، بلغت الإيرادات المحلية 21.1 في المئة في العام 2010. انظر الموقع الإلكتروني: http://<

.>www.pmof.ps/news/plugins/spaw/uploads/files/budget2011/financial%20situation%20USD.pdf

55 إيرادات المقاصة عبارة عن مجموع الإيرادات التي تقوم إسرائيل بجبايتها نيابة عن السلطة الفلسطينية، وذلك وفقًا لاتفاق باريس

الاقتصادي. ومن المفترض أن تقوم إسرائيل بتحصيل هذه الإيرادات وتحويلها للسلطة، لكنها قامت أكثر من مرة بحجز هذه الأموال

وتعليق تحويلها للسلطة لأسباب سياسية. انظر: المراقب الاقتصادي والاجتماعي، العدد 25 (2011)، ص.22

56 وفقًا لبيانات وزارة المالية الفلسطينية بلغت إيرادات المقاصة 35.7 في المئة في العام 2010 انظر: المصدر نفسه.

57 وفقًا لبيانات وزارة المالية الفلسطينية بلغت الإيرادات الخارجية 43.2 في المئة في العام 2010 انظر: المصدر نفسه.

التنمية الأسيرة، سياسات التنمية في فلسطين وتأثيرها على فرص العمل

201020092008
352934593589إجمالي الإيرادات العامة
745585759إيرادات محلية
125911031122إيرادات المقاصة
152517711708التمويل الخارجي
307631902886إجمالي النفقات الجارية
161314671453الأجور والرواتب
%22%24%24نسبة الرواتب من إجمالي الناتج المحلي
450400215النفقات التطويرية
152517711708العجز (الفائض) الكلي
قبل المنح والمساعدات
%21%29%28نسبة من إجمالي الناتج المحلي
739561586108إجمالي الناتج المحلي
3.752.810معدل التضخم
9.37.47.1النمو الاقتصادي

المصدر: وزارة المالية، الإدارة العامة للموازنة.

تصاعد دور المساعدات والمؤسسات الأجنبية

عام 2008.

58 انظر: ديفوير وترتير، ص.16

الجدول رقم (1) الوضع المالي للسلطة الفلسطينية للفترة -2008 2010 (المبالغ بالمليون دولار)

اعتبرت فلسطين خلال الفترة 1993 - 2008 إحدى أعلى الجهات الحاصلة على المساعدات الخارجية

بالنسبة إلى الفرد في العالم؛ فخلال الفترة 1999 - 2008 ازدادت المساعدات الخارجية للأراضي

الفلسطينية بنسبة 600 في المئة، فقفزت من 607 ملايين دولار عام 1999 إلى 3.25 مليار دولار

خريف 2012

من المعروف ضمنًا أن هذه المساعدات غير بريئة، وقد أُقرت بذريعة دعم وتشجيع جهود السلام في المنطقة،

لكنها في الحقيقة استُخدمت للتأثير في القرار السياسي الفلسطيني. كذلك يلاحظ أنه لم يتم استخدام هذه

المساعدات لتحقيق التنمية المستدامة، ولم يساهم تدفق هذه المساعدات في الحد من مشكلتي الفقر والبطالة في فلسطين بصورة مؤثرة، وهو ما يعكس عدم قدرة الحكومة على استثمار المساعدات الخارجية في مشاريع تنموية حقيقية، فقد تميزت أغلب المساعدات بطابع إغاثي، واستُخدمَ جلها لمواجهة المواقف الطارئة، والنفقات

التشغيلية لا التنموية. ولعل أخطر ما في المساعدات الخارجية المقدمة إلى فلسطين أنها في أحسن مقاصدها تعمل على إدارة الأزمة

بدلا من حل المشكلة، مع ملاحظة أن جزءًا منها يعمل على تجميل آثار الاحتلال الإسرائيلي وانتهاكاته بدلا

من العمل على إنهاء الاحتلال باعتباره أصل كل المشكلات، وسبب كل الانتهاكات، وبالتالي تعمل هذه

المساعدات على تطبيع الاحتلال وإجراءاته وشرعنتها بدلا من مقاومتها. كما أن جزءًا آخر من هذه المساعدات

يعمل على تغريب المجتمع الفلسطيني، والتأثير في نسيجه الاجتماعي، وثقافته الموروثة من خلال التركيز الشديد على برامج ليست ذات أولوية قصوى لدى الفلسطينيين، مثل برامج النوع الاجتماعي (الجندر)،

والديمقراطية، وحل النزاعات، والمقاومة اللاعنفية التي حظيت بدعم عشرات المؤسسات التمويلية، ونُفذ في موضوعاتها مئات المشاريع. تضخّم القطاع الحكومي يُعتبر القطاع الحكومي المستوعب الرئيس لقوة العمل الفلسطينية، وهو أيضًا المستنفد الأكبر للموارد المالية

المحدودة للسلطة الفلسطينية. وقد نما هذا القطاع بصورة غير طبيعية وتحت ضغوط مختلفة، وما زال التوظيف

في القطاع الحكومي يقوم على أسسٍ غير مهنية، وتغيب عنه مبادئ تكافؤ الفرص، والمنافسة، وهو مدفوع باعتبارات سياسية، واجتماعية، وفصائلية، الأمر الذي أدى الى توسع هذا القطاع توسعًا غير منضبط، وربما

يكون التوظيف في هذا القطاع قد حل بعض المشكلات الآنية، لكنه خلق أزمة مزمنة وأصبح عبئًا ثقيلا على

أكتاف السلطة الضعيفة والمنهكة. ففي الوقت الذي لا تتجاوز فيه فاتورة الرواتب 9 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي في الدول المحيطة بفلسطين وفي إسرائيل، فإن هذه النسبة وصلت في العام 2010 إلى 22 في المئة في فلسطين، وكانت هذه النسبة أعلى من ذلك في سنوات سابقة كما يظهر الجدول رقم.)1(إن تضخّم هذا القطاع يؤدي إلى تضخّم النفقات العامة، ويشكل استنزافًا شديدًا لإيرادات الخزينة؛ فوفقًا

لبيانات العام 2010، كان 23.3 في المئة من القوة العاملة في فلسطين تعمل في القطاع العام، وتصل نسبة من يعملون في القطاع العام في قطاع غزة إلى أكثر من 45 في المئة، ووصلت النفقات العامة عام 2010 إلى

59 وفقًا لبيانات 2011، يبلغ عدد العاملين في القطاع الحكومي والمحسوبين عليه 152 ألف شخص، منهم 86 ألفًا يعملون في

القطاع المدني و 66 ألفًا في القطاع العسكري والأمني. ويتوزع هؤلاء الموظفون ما بين الضفة الغربية التي يعمل بها 74 ألفًا منهم، وقطاع

غزة الذي يعمل به 78 ألفًا من الموظفين. وفي الواقع فإن عدد موظفي القطاع الحكومي في غزة أكبر من ذلك، حيث يضاف إلى الرقم

السابق حوالى 40 ألف موظف وموظفة قامت الحكومة المقالة في غزة التابعة لحماس بتوظيفهم وتدفع لهم مباشرة من مصادرها. المصدر:

معلومات تم الحصول عليها مباشرة من ديوان الموظفين العام في رام الله في أيلول/ سبتمبر 2011، ومن وزارة مالية الحكومة المقالة في

غزة في 2011/11/20، وانظر أيضًا: حوار صحفي أجري مع سلام فياض، في: القدس، 2011/11/14، ص.33

60 معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني- ماس، خيارات تجاوز مشكلات توحيد القطاع الحكومي في ظل المصالحة الوطنية

(رام الله: [المعهد]، 2011)، ص.5-3

التنمية الأسيرة، سياسات التنمية في فلسطين وتأثيرها على فرص العمل

3076 مليون دولار كما يتبين في الجدول، واستحوذت النفقات الجارية منها على 91.5 في المئة، في ما لم يتجاوز المخصص للنفقات التطويرية 8.5 في المئة، ويلاحظ أن 52.4 في المئة من النفقات الجارية خُصص لتغطية فاتورة رواتب وأجور العاملين في القطاع الحكومي.

ارتفاع الإنفاق على الأجهزة الأمنية يشير مشروع الموازنة العامة للعام 2011 إلى أن إجمالي النفقات المتوقعة كان 3069 مليون دولار، خُصص منها 818 مليون دولار (27 في المئة) لوزارة الداخلية يُرصد أغلبها لرواتب ونفقات للأجهزة الأمنية. ويبدو أن

السلطة الفلسطينية، وفي ضوء الضغوط الخارجية عليها لكبح جماح «العنف»، وتحت ضغط الانقسام الفلسطيني وحالة الانهيار والفوضى التي بدأت تلوح في الأفق، لم يكن لها أي خيار سوى الاستجابة لهذه الضغوط عبر تخصيص هذه النسبة العالية من موازنتها لأغراض الأمن. تنامي الديون الخارجية قفز الدين العام من 212 مليون دولار عام 1997 إلى 1.191 مليون دولار عام 2001، ووصل إلى 1602 مليون دولار عام 2005، ليبلغ 1883 مليون دولار في العام 2010. العجز في الميزان التجاري يعاني الميزان التجاري الفلسطيني عجزًا كبيرًا، وبخاصة مع إسرائيل؛ فخلال عام 2010 بلغت قيمة العجز في

الميزان التجاري 3.989.2 مليون دولار وبنسبة زيادة 6.3 في المئة، مقارنة بعام 2009. ووفقًا للمصادر الفلسطينية، فإن 72 في المئة من الواردات الفلسطينية تأتي من إسرائيل، بينما يأتي الباقي (28 في المئة) من بقية أنحاء العالم عن طريق الموانئ الإسرائيلية، بينما يقدّر حجم الصادرات الفلسطينية ب 400 مليون دولار، يصدَّر 90 في المئة

منها إلى إسرائيل.

انتشار البطالة المزمنة يعاني سوق العمل الفلسطيني عدم التوازن المزمن بين العرض من الأيدي العاملة والطلب عليها، ففي العام 2011 وصل حجم العرض من الأيدي العاملة الفلسطينية إلى 1.081 مليون عامل وعاملة في الأراضي الفلسطينية، ومن المتوقع أن يزداد عرض القوة العاملة الفلسطينية باطراد كبير بسبب معدل

61 انظر: المراقب الاقتصادي والاجتماعي، العدد 25 (2011)، ص 19-16، ووزارة المالية، الادارة العامة للموازن، على الموقع

.>http://www.pmof.ps/news/plugins/spaw/uploads/files/budget2011/financial%20situation%20USD.pdf< الإلكتروني:

62 «مشروع قانون الموازنة العامة للعام »2011 (وثيقة غير منشورة.)

63 المراقب الاقتصادي الاجتماعي: العددان 23 (201025) و.)2011(

64 السلطة الوطنية الفلسطينية، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أداء الاقتصاد في الاراضي الفلسطينية للعام 2010 (رام الله:

الجهاز،.)2011

65 تصريح لرئيس مجلس إدارة جمعية المستوردين والمصدّرين الفلسطينيين، على الموقع الإلكتروني: http://www.maannews.net/arb/<

.>ViewDetails.aspx?ID=437889&MARK

خريف 2012

النمو السكاني المرتفع في فلسطين، الذي وصل في المتوسط خلال الفترة 1997 - 2011 إلى 3 في المئة تقريبًا، بسبب التركيب العمري الفتي للسكان الفلسطينيين، إذ يشكل من هم دون الثامنة عشرة نصف

السكان تقريبًا. مقابل هذا العرض من الأيدي العاملة نجد أن الطلب على الأيدي العاملة الفلسطينية في النشاط الاقتصادي ضعيف؛ فربع القوة العاملة الفلسطينية عاطل عن العمل. وعند تتبع معدلات البطالة في فلسطين، يتبين أنه في الوقت الذي انخفض فيه المعدل الإجمالي للبطالة من 18.2 في المئة عام 1995 إلى 14.3 في المئة عام 2000، قفز هذا المعدل إلى أكثر من 20 في المئة خلال العقد الأخير من عمر السلطة (انظر الجدول رقم (2))، وبلغ أوجه في ذروة انتفاضة الأقصى (2005-2000) إذ وصل إلى 31.2 في المئة عام 2002. وتشير بيانات الربع الثالث من العام 2011 إلى أن عدد العاطلين من العمل في فلسطين كان 242 ألف شخص، وأن معدل البطالة بلغ 20.5 في المئة. ويلُاحظ أن عدم التوازن المزمن في سوق العمل الفلسطيني بين العرض والطلب على الأيدي العاملة موجود

في ظل معدلات منخفضة للمشاركة في القوة العاملة تتراوح ما بين 41 في المئة إلى 42 في المئة، ومعدل مشاركة منخفض للإناث وصل في العام 2011 إلى 14.7 في المئة مقابل 66.7 في المئة نسبة مشاركة الذكور في القوى العاملة. وهذا يعني أنه إذا ارتفع معدل المشاركة العام في فلسطين وكذلك معدل مساهمة الإناث، وبقي

الاقتصاد الفلسطيني ضعيفًا كما هو عليه الآن، فإن عدم التوازن أو الاختلال في سوق العمل الفلسطيني سيزداد بشكل كبير، وبالتالي سنشهد معدلات للبطالة أكبر بكثير من المعدلات المرتفعة حاليًا. إن النقاط السبع أعلاه تعني أنه على رغم كل البيانات «الرسمية» التي تشير إلى حدوث نمو اقتصادي خلال السنوات الخمس الأخيرة، وبخاصة في الضفة الغربية، فإن هذا النمو كان هشًا وظاهريًا وغير حقيقي، وغير

موزع جغرافيًا وقطاعيًا بطريقة متوازنة وعادلة، وكان مصدره الأساس الإنفاق الحكومي الذي يتمثل في رواتب

القطاع العام، وفي المشتريات الحكومية من السلع والخدمات، وهو ما يفسر حقيقة أن كل الخطط التي وضعتها السلطة الفلسطينية، والجهود التي بذلتها منذ العام 2000 وحتى الآن لم تفلح في خفض معدلات البطالة إلى ما دون 20 في المئة، كما أظهر الجدول رقم.)2(

66 السلطة الوطنية الفلسطينية، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، نتائج مسح القوى العاملة: الربع الثالث، 2011 (رام الله، 67 المصدر نفسه.

68 المصدر نفسه.

69 المصدر نفسه.

التنمية الأسيرة، سياسات التنمية في فلسطين وتأثيرها على فرص العمل

نسبة البطالةنسبة من هم داخل القوى العاملةعدد العاملين
بالآلاف
مجموعقطاع غزةضفة غربيةمجموعقطاع غزةالضفة الغربيةالعام
18.229.413.939.035.440.64171995
23.832.519.640.036.442.04291996
20.326.817.340.535.743.24811997
14.420.911.541.436.444.25481998
11.816.99.541.638.043.45881999
14.318.912.241.637.443.86002000
25.334.021.638.533.241.35052001
31.237.928.237.934.239.84772002
25.529.123.740.037.341.55642003
26.835.322.840.136.242.25782004
23.530.320.440.436.542.56032005
23.734.818.841.036.043.86362006
21.729.717.941.737.943.76902007
26.640.619.741.238.143.06672008
24.538.617.841.637.643.87182009
23.737.817.241.136.443.77452010

المصدر: الجهاز المركزي للإحصاء، مركز خدمات الجمهور،.2011

الجدول رقم (2) التوزيع النسبي للأفراد 15 سنة فأكثر، حسب المنطقة، وأهم سمات القوى العاملة (2010-1995)

خريف 2012

استنتاجات

على رغم كل هذا الحديث عن سياسات التنمية وخططها في فلسطين، فإن خطط التنمية المعلنة لم تؤد إلى إحداث

تنمية حقيقية مستدامة، أو نمو اقتصادي راسخ الأركان، وإن بدا أنها حققت نموًا اقتصاديًا يمكن رصده رقميًا

في فترة محددة، وتلمسه في الواقع المعيش في بعض مناطق فلسطين؛ فالتنمية في فلسطين هي تنمية أسيرة، وتفتقد

البيئة الحاضنة، وعندما لا يسيطر الفلسطينيون على أغلب إيراداتهم التي تتحكم بها عادة إسرائيل والجهات

المانحة، وعندما تحتكر إسرائيل السيطرة على الأرض والبحر والفضاء الفلسطيني، وتهيمن على التجارة

الخارجية الفلسطينية، فإنه يصعب الحديث عن أي تنمية مستدامة، ونمو اقتصادي حقيقي. أما النمو الاقتصادي المتحقق الذي تشير إليه أدبيات السلطة الفلسطينية وتقاريرها الرسمية، فهو نمو ظاهري

وجزئي ومؤقت، ويعتمد على تدفق المساعدات الخارجية، ولم يصبّ في دعم محاولات التنمية في فلسطين. إن ما حصل في الحقيقة هو تحسّن محدود في مستوى المعيشة في الضفة الغربية أدى إلى شيوع ثقافة استهلاكية

لا إنتاجية. أما النمو الاقتصادي الحقيقي، فقد غاب عن المشهد الفلسطيني، حيث يعاني الاقتصاد الفلسطيني

اختلالا بنيويًا كرّسته عقود من الاحتلال والحصار والقمع والسيطرة، وسياسة الاحتواء الاقتصادي، والشراكة

بالإكراه الذي تمارسها إسرائيل ضده، وهو الأمر الذي يحول دون أي نمو اقتصادي حقيقي، ويؤدي إلى إجهاض

جهود التنمية، وهروب الاستثمارات، وهجرة العقول، وانتشار البطالة. هذا لا يعني أن على الفلسطينيين الاستسلام والتسليم بالأمر الواقع، وإنما يتوجب عليهم دوام المحاولة لتقوية

أنفسهم وتحصينها، وتعزيز مواقعهم. وبين المؤمنين بالتنمية في ظل الاحتلال والمنكرين لها، هناك في الحقيقة

هامش ضيق متاح لنمو اقتصادي محدد، ومن ثم تنمية اقتصادية متواضعة. ويمكن القول إن هذا الهامش المتاح

لم يستغله الفلسطينيون بصورة جيدة، ليس بسبب الاحتلال والحصار الإسرائيلي فقط، وإنما يعود ذلك أيضًا

إلى حداثة التجربة الفلسطينية في الحكم والإدارة، والاستقطاب الشديد داخل المجتمع الفلسطيني من جانب،

ويعود من جانب آخر إلى جهود بعض الجهات المانحة في استخدام التحويلات المالية للفلسطينيين لخدمة

سياساتها، وترويض الفلسطينيين بما ينسجم مع سياساتها أيضًا. إن هذا التعثر في استخدام الهامش الضيق المتاح

بصورة ناجعة قد فاقم من إشكالية البطالة في فلسطين. ومن أجل تحقيق تنمية مستدامة في فلسطين تحرر الأرض والإنسان، فإنه لا مناص أمام الفلسطينيين على المديين

الطويل والمتوسط من الخروج من إشكالية أوسلو، وتحطيم القيود السياسية والجغرافية والاقتصادية التي

فرضتها هذه الاتفاقية وذراعها الاقتصادية، اتفاقية باريس البائسة على الفلسطينيين، وهذه هي المهمة الرئيسة

التي يجب أن يعمل كل الفلسطينيين ومناصريهم لتحقيقها بالسبل التي يرتؤونها مناسبة.

التنمية الأسيرة، سياسات التنمية في فلسطين وتأثيرها على فرص العمل

المراجع

كتب تقرير المدير العام حول وضع عمال الأراضي العربية المحتلة. جنيف: مكتب العمل الدولي،.2010 جامعة بيرزيت، برنامج دراسات التنمية. السياسات الاقتصادية والتنمية البشرية في فلسطين، -1994 1999. رام الله: البرنامج،.2001 جامعة بيرزيت، مركز دراسات التنمية. تحسين تدفق المعلومات بين الجامعات والشباب وسوق العمل والارتقاء بالتعليم وتطوير القوة العاملة (عربي - انجليزي). رام الله: المركز،.2010 ديفوير، جوزيف وعلاء ترتير. تتبع الدعم الخارجي للمنظمات الفلسطينية غير الحكومية في الضفة الغربية وقطاع غزة، 2008-1999. رام الله: مركز تطوير المؤسسات الأهلية الفلسطينية ومعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني،.2009 السلطة الوطنية الفلسطينية، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. أداء الاقتصاد في الاراضي الفلسطينية للعام 2010. رام الله: الجهاز،.2011. الحسابات القومية. رام الله: الجهاز،.2010. نتائج مسح القوى العاملة: الربع الثالث، 2011، رام الله: الجهاز،.2011 السلطة الوطنية الفلسطينية، وزارة التخطيط والتنمية الإدارية. تقرير متابعة خطة الإصلاح والتنمية الفلسطينية للاعوام 2009-2008. رام الله: [الوزارة]،.2010. خطة التنمية الوطنية، -2011 2013: إقامة الدولة وبناء المستقبل. رام الله: [الوزارة]،.2011. خطة التنمية متوسطة المدى، -2005 2007. رام الله: [الوزارة]،.2005. خطة الإصلاح والتنمية الفلسطينية، 2010-2008، رام الله: [الوزارة]،.2008 كُتّاب، ايلين [وآخرون.] وهم التنمية: في نقد خطاب التنمية الفلسطيني. رام الله: مؤسسة بيسان للبحوث والانماء،.2010 معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني- ماس. خيارات تجاوز مشكلات توحيد القطاع الحكومي في ظل المصالحة الوطنية. رام الله: المعهد،.2011 مكحول، باسم. محددات القدرة الاستيعابية للعمل في الضفة الغربية وقطاع غزة. رام الله: معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني- ماس،.2001، نصر عطياني وسامية البطمة. سياسات تحسين القدرة الاستيعابية للعمل في الضفة الغربية وقطاع غزة: البدائل المتاحة. رام الله: معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني - ماس،.2001

نخلة، خليل. أسطورة التنمية في فلسطين: الدعم السياسي والمراوغة المستديمة. تعريب ألبرت أغازريان. رام

الفلسطينية لدراسة الديمقراطية) نخلة، خليل. فلسطين: وطن للبيع. رام الله، فلسطين: مؤسسة روزا لوكسمبورغ،.2011 دورية المراقب الاقتصادي والاجتماعي (معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني- ماس، رام الله)، العدد 23، 2010؛ العدد 25،.2011

خريف 2012

الله، فلسطين: مؤسسة الدراسات المقدسية، 2004. (سلسلة دراسات وأبحاث (مواطن) - المؤسسة