نحو سوسيولوجيا المسألة الديموغرافية في الخطاب الثقافي المدرسي في المغرب
Towards a Sociology of the Demographic Question in the Cultural Discourse of Moroccan School Textbooks
الملخّص
مضمون هذه الدراسة تحليل سوسيولوجي دينامي لمحتوى الخطاب الديمغرافي الوارد ضمن الكتاب المدرسي لمادة الجغرافيا، الذي اعتمدته المدرسة المغربية كمتن معرفي. وهو يرمي أساسًا إلى تحقيق أهداف تربوية ومعرفية واجتماعية، أملتها ضرورة تصريف خطاب ديموغرافي من خلال التعليم، وتوظيف المدرسة والتربية المدرسية لخدمة اختيارات في المجالات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية، في سياق العقدين الأخيرين من القرن العشرين، حين احتلت المسألة الديموغرافية أولوية أساسية في السياسات المتّبعة في البلدان العربية، وفي المغرب بشكل خاص، من منطلق اعتبار التحكّم في الديموغرافيا أساس التنمية. وقد تبين من التحليل أن الخطاب الديموغرافي المدروس يعتمد الطرح القائل إن التخلّف نتاج رئيس للتضخّم السكاني، وأنه عائق أساس أمام التنمية، من دون أن يضع المسألة الديموغرافية في إطارها الك ،ّيل أي في علاقتها الواصلة بالمقوّمات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بشكل يجعل التنمية في خدمة الإنسان، وهذه هي فرضية البحث. وبذلك لم يبلغ الخطاب الهدف الرئيس المتوخّى من إدراج التربية السكانية في المعرفة المدرسية، ألا وهو إعداد النشء وتحضيره لأجل اعتماد أدوار واعية ومسؤولة إزاء الإنجاب وآليات تكوين الأُسرة في المجتمع.
Abstract
This study presents a dynamic sociological analysis of the demographic discourse found in Moroccan schools’ geography textbook. During the last two decades of the 20th century, when the issue of demography was a top policy priority in Arab countries and in Morocco in particular, Morocco aimed to present the demographic discourse through education, and use school and schooling to serve choices in the fields of demography, economy, and society. The underlying premise was that controlling the population was key to development. The analysis shows that the demographic discourse studied is based on the assumption that underdevelopment is a main result of over population, and is a main obstacle to development. Yet this analysis fails to set demography in its overall context, that is in its relationship with economic, cultural, and social elements to make development in the service of people, which is the thesis of the study. For this reason, the discourse does not reach its main aim to include education about population within school knowledge, that is to prepare young people to play informed and responsible roles regarding reproduction and the mechanisms for forming a family in society.
- مسألة ديموغرافية
- مناهج التعليم المغربية
- جغرافيا
- تضخم سكاني
- رحلات في المغرب
- Demographic Question
- Moroccan School Curricula
- Geography
- Overpopulation
محاولة في تحليل علاقة الديموغرافيا بالتنمية من خلال مضمون الخطاب الجغرافي السكاني (1985 –)2000
مضمون هذه الدراسة تحليل سوسيولوجي دينامي لمحتوى الخطاب الديمغرافي الوارد ضمن
الكتاب المدرسي لمادة الجغرافيا، الذي اعتمدته المدرسة المغربية كمتن معرفي. وهو يرمي أساسًا
إلى تحقيق أهداف تربوية ومعرفية واجتماعية، أملتها ضرورة تصريف خطاب ديموغرافي من
خلال التعليم، وتوظيف المدرسة والتربية المدرسية لخدمة اختيارات في المجالات الديموغرافية
والاقتصادية والاجتماعية، في سياق العقدين الأخيرين من القرن العشرين، حين احتلت المسألة
الديموغرافية أولوية أساسية في السياسات المتّبعة في البلدان العربية، وفي المغرب بشكل خاص،
من منطلق اعتبار التحكّم في الديموغرافيا أساس التنمية. وقد تبنيّ من التحليل أن الخطاب
الديموغرافي المدروس يعتمد الطرح القائل إن التخلّف نتاج رئيس للتضخّم السكاني، وأنه
عائق أساس أمام التنمية، من دون أن يضع المسألة الديموغرافية في إطارها الكيلّ، أي في علاقتها
الواصلة بالمقوّمات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بشكل يجعل التنمية في خدمة الإنسان،
وهذه هي فرضية البحث. وبذلك لم يبلغ الخطاب الهدف الرئيس المتوخّى من إدراج التربية
السكانية في المعرفة المدرسية، ألا وهو إعداد النشء وتحضيره لأجل اعتماد أدوار واعية ومسؤولة
إزاء الإنجاب وآليات تكوين الأُسرة في المجتمع.
تمهيد
تهتم هذه الدراسة بالتحليل السوسيولوجي لمضمون المعارف المدرسية المقرَّرة في الكتاب المدرسي لمادة
الجغرافيا في التعليم الثانوي المغربي، باعتباره يمثّل إحدى أهم القنوات لإمرار «التربية السكانية» عبر
البرنامج الدراسي. هذا المؤلَّف المدرسي يخص مادة محدّدة ومستوى دراسيًا معيّنًا، وقد أُعد وفق مواصفات
بيداغوجية وسوسيو- ثقافية ليتضمن الدروس والنصوص والتمارين والنشاط، الهادفة كلها إلى تصريف وعي
ديموغرافي محدّد أملته السياسات المتّبعة خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين. لذلك نتوسل من دراسة
الخطاب الديموغرافي التحقّق من فرضية البحث وأهدافه، باعتماد خمسة كتب مدرسية، وباستخدام منهج تحليل
المضمون. ويمكن حصر اتجاهات التحليل في ثلاثة عناصر أساسية هي على التوالي: - دراسة متن الخطاب المدرسي المذكور آنفًا، من خلال التركيز على دروس السكان من حيث مضمونها
الظاهري، وما تخفيه من رهانات رمزية وخلفيات أيديولوجية عبر ما تبثّه من تصوّرات وأنظمة قيم ومواقف
واتجاهات سلوكية لتنشئة التلاميذ على أساسها.
- ضبط الأساليب الحجاجية والطرائق التعبيرية والأساليب اللغوية التي يؤسس عبرها الخطاب أطروحاته،
ويحاول من خلالها إنشاء التعاطف السيكولوجي، وتتبّع الآليات التي ينزع بواسطتها لاعتراف من المتلقّي
بصلاحيته الفكرية والتربوية. - ربط الخطاب الديموغرافي المدرسي بالسياق لاجتماعي الذي يسنده، كما يشرط محتوياته باعتباره صادرًا عن
جهاز إداري مدرسي يمثّل الدولة وفق منظور سوسيو- معرفي لا يختزل الخطاب في التعبير عن أيديولوجيا
زائفة، وإنما في النظر إليه كمجال للصراع الرمزي وكإطار جزئي للتوافق بين البنى الذهنية والبنى لاجتماعية. وتتحدد وحدات العينة في الدروس التي ستخضع للدرس والتحليل وهي اثنا عشر درسًا تمثّل بالفعل دروس
مادة الجغرافيا كافة، التي تحتوي على البُعد السكاني بشكل رئيس. وهي دروس موزعة بين خمسة كتب مدرسية
مقرّرة في كلٍّ من التعليم الإعدادي والتعليم الثانوي. وبذلك، وباعتماد تقنية العدد العشوائي، توصّلنا إلى عينة
تمثيلية تتساوى في وحداتها مع مختلف جوانب الظاهرة السكانية المدروسة.
أولا: المكوّن الديموغرافي
تبلور الخطاب الديموغرافي المدرسي في المغرب في سياق ظرفية سياسية وتاريخية اتّسمت بنهج سياسة التقويم
الهيكلي مع بداية ثمانينيات القرن العشرين. وهي استهدفت تقليص الإنفاق في القطاعات لاجتماعية، والتحكّم
في النمو لاقتصادي وفق إملاءات صندوق النقد الدولي، الذي كان يفرض على البلدان النامية تقليص النمو
الديموغرافي لتحقيق التنمية وخفض الديون. وإن الوضع لاجتماعي و لاقتصادي الذي ترتب عن ذلك اتّسم
بتفاقم الفروق الطبقية والمجالية، كما أبرز أحادية السياسة الديموغرافية، وهذا يتعارض مع ما ذُكر من دمج
المتغريّ الديموغرافي في السياسات التنموية المتّبعة.
وممّا لا شك فيه أن المغرب ولج المرحلة الثانية من لانتقال الديموغرافي نتيجة لانخفاض المزدوج في الخصوبة
والوفيات؛ إذ انتقل معدل نمو السكان المغاربة من 2.06 في المئة خلال الفترة ما بين 1982 و 1994 إلى 1.04 في
المئة خلال فترة -1994 2004. ويظهر أن لانخفاض الديمغرافي الملموس يُعزى إلى عوامل سوسيو - اقتصادية
أكثر منها ثقافية، بمعنى أن الدولة اعتمدت سياسة تدخّل تقنية (التخطيط العائلي) ولكنها أدركت محدودية هذا
1 المغرب، وزارة التربية الوطنية، التربية السكانية: مفهوم - محتوى- منهج (مكناس، المغرب: شركة الطباعة صوت مكناس، 1986)،
ص 142. كما أن المرجع نفسه يضع في أهداف التربية السكانية: «حمل التلميذ على تحسس الأسباب والنتائج للظواهر السكانية ليتشبع
بها ثم ينقلها إلى أفراد أسرته والوسط الذي يعيش فيه من أجل تحسين مستواه لاقتصادي و لاجتماعي»، المصدر المذكور، ص.141
2 «Démographie Marocaine: Tendances passées et perspectives d’avenir,” (Rapport thématique, centre des études et des recherches demographiques, haut commissariat au plan, 2005), p. 9.
3 المصدر نفسه، ص 11 و.18
التوجه، فحاولت خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين اعتماد المدخل الثقافي عن طريق نظام التعليم، بإيعاز
من الهيئات الدولية، محاولةً تكريس سياستها الديموغرافية القائمة على التحكّم في النمو الديموغرافي. وقبل المضي في تحليل مكوّنات الخطاب الديموغرافي المدرسي، ومن خلاله تحليل توجهات الدولة في تلك
المرحلة، من المفيد تأكيد فرضية البحث، وهي: «أن الخطاب الجغرافي في بُعده السكاني يغلب عليه الطابع
المالتوسي بتركيزه على لانفجار الديموغرافي، ومن ثم نجده لا يتناول المسألة السكانية في سياق العلاقة الواصلة
بين ما هو ديموغرافي وما هو اقتصادي واجتماعي وسياسي، وبذلك فهو يتعارض مع الأهداف المرسومة للتربية
السكانية التي تنهض بمهمات دمج التلميذ في المحيط السوسيو- اقتصادي والحضاري العام». -1 في الخطاب والأيقونة يُعتبر التكرار الأفقي والعمودي للخصائص الأيقونية والخطابية ابتداء من دروس العام الأول إعدادي إلى
دروس العام الثالث ثانوي (بكالوريا)، آلية مهمة لضمان التوصّل إلى الأخذ الطوعي بالأطروحات السكانية
للكتاب المدرسي، وللطرائق المختلفة التي تم بها تقديمها. وإن جردًا إحصائيًا بسيطًا للوسائط المذكورة آنفًا
في دروس العيّنة جعلنا نصل إلى أن عدد البيانات والمدرجات بلغ 29، وعدد الجداول 30، وعدد الخرائط
28، وعدد النصوص 18، وعدد الأيقونات/الصور 19. فإذا جمعنا الأشكال الهندسية إلى الصور التي تتضمن
جميعها خصائص أيقونية، نحصل على نسبة مهمة هي 85.48 في المئة. أمّا ما يتعلق بالنصوص التي يتوخّى
الخطاب من خلالها تعزيز أطروحاته إمّا مرجعًا وإمّا نموذجًا، فتبلغ نسبتها 14.51 في المئة، فيما الأيقونات/
الصور تبلغ نسبة 15.32 في المئة وتفوق النصوص جزئيًا. لذلك، إذا كان سُلَّم الأيقونات يتأرجح بين حدوث
التشابه بين الدال والمرجع أو غيابه وضعفه، فإن الصورة تكرّس هذا التشابه أكثر من الخريطة أو البيان.
يترجم هذا لاختيار على مستوى طبيعة الإرسال نوعًا من لانتقال في بناء المعارف المدرسية على أساس
وظيفي بتجاوز التركيز على الملفوظ واستحضار الإدراك البصري، نظرًا إلى أن الأيقونة لا تتطلّب على مستوى
لاستهلاك و لاستدخال ذلك الجهد الذي يتطلبه تفكيك الملفوظ عمومًا، فهي بقدر ما تخاطب الشعور
تستدعي يقظة اللاشعور، ويقوى مفعولها كلمّا كان المتلقّي مفتقدًا لقواعد السنن التي تقوم عليها العلامات
المرئية. فالأيقونات/ الصور التي يبثها المرسل في متن الخطاب الجغرافي/ المبحوث فيه لا تنفصل عن النصوص
من حيث إنها تعزّز مقصدية الملفوظ وتكمله وتوضحه. وهي صور غير معقدة بل بسيطة، إلاّ أنها توحي للتلميذ
برؤية للعالم وبنموذج للحياة، على أساسهما يتم استدماج توجهات أخلاقية وسلوكية لاشعورية بهدف اعتماد أو
انتقاص المراد من هذه الصور. نلاحظ طغيان الصور ذات الطبيعة لاستعراضية التي تقدم تيمات معيّنة يشابه مرجعها الواقع، كالصورة
الواردة في درس سكان آسيا التي تظهر عناصر «درافيدية» من سري لانكا، وصورة تتضمن فصلا دراسيًا في
بعض بوادي الهند، توحي للمتلقّي بما لا يقوى الخطاب على التصريح به مباشرة على مستوى الملفوظ، أي
إن التضخّم السكاني يؤدي إلى عدم قدرة الدولة على لاستجابة لطلبات التعليم والتجهيز المؤسساتي بالنسبة
إلى جميع الأطفال البالغين سن التمدرس، الأمر الذي يحتّم استخدام جميع الوسائل التي لن تحقق تعليما فعالا
ومنها التدريس في الهواء الطلق، كما هو الأمر في الهند، أو صور ماسحي الأحذية في بومباي التي توحي للمتلقّي
بالمصير السلبي للقروي المهاجر إلى المدينة.
4 المغرب، وزارة التربية الوطنية، الجغرافيا: السنة الثامنة من التعليم الأساسي (الدار البيضاء: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1994)،
درس «سكان آسيا»، ص 70-66،
-2 مزايا النمو السكاني تبينّ لنا من خلال بحث دروس العيّنة المخصصة للسكان أنها تقوم في سياقها العام على اختيار أساسي، وهو
اعتماد السياسة السكانية التي تقوم على ضرورة تحكّم الدولة في التضخّم السكاني المتزايد، من خلال ممارسة
الرقابة الذاتية للمجتمع. من هنا، تصبح وظيفة البرامج التعليمية في التعليم الثانوي طبع التلاميذ (وهم ساكنة
عددها كبير) بمضامين تربوية سكانية، وتنشئتهم على أساس وعي ديموغرافي محدد يستدخلونه ذاتيًا لضبط
سلوكهم الإنجابي. لذا، نقرأ في مقدمة درس دينامية السكان ما يلي: «تهتم دينامية السكان بدراسة التغيرات
العددية الناتجة عن الخصوبة والوفاة والهجرة، ويتميز القرن العشرون بظاهرة لانفجار الديمغرافي أي الزيادة
السريعة والقوية لحجم السكان، وقد ترتب عن هذه الظاهرة عدة مشاكل اجتماعية واقتصادية تعاني منها البلدان
النامية على الخصوص مما حتم عليها وضع السياسة السكانية ضمن اهتماماتها الرئيسية». يوجه النص ذهن المتلقّي للتركيز على لانفجار الديموغرافي في البلدان النامية، ذلك بأن 80 في المئة من سكان
العالم ينتمون إلى العالم الثالث. هذا التضخم السكاني الذي يعرفه المغرب وبقية البلدان المماثلة يحْدث تداعيات
اقتصادية واجتماعية تتطلب المضي في تخطيط السياسة السكانية بنهج سياسة تنتصر لمصلحة الحد من النسل.
لذا، يغدو الخطاب الجغرافي غير محايد، وذلك لأن «التحديد من النسل عند تدخّله في الحياة الجنسية يأخذ
بعين لاعتبار مصلحة الدولة بالأساس من حيث هو خطاب عقلاني يرتكز على الإحصاء والنسب. إن النشاط
الجنسي لا يبقى مجرد ظاهرة تباح وتحرم في حدود الشرع، وإنما يصبح جانبًا هامًا من مسلسل التنمية لاقتصادية
و لاجتماعية. أكثر من ذلك يتحوّل تحديد النسل في منطق المالتوسية الجديدة إلى شرط أساسي في القضاء
على التخلف». حقًا إن دروس السكان لا تنحصر في الإنجاب والحد من النسل، بل تستحضر أيضًا قضايا الهجرة والتمدين
والتخلّف والبيئة، لكن يبقى أن التضخم السكاني هو مصدر لاختلالات المجتمعية كما يتصور هذا الخطاب.
ذلك أن الإحصاء يعكس التزايد الديموغرافي؛ إذ بلغ عدد سكان المغرب، بحسب إحصاء عام 1994:
26.073.717 نسمة، وبذلك تقدّر الزيادة الإجمالية للسكان بالقياس إلى إحصاء عام 1982 ب 27.2 في
المئة، أو بزيادة سنوية متوسطة تصل إلى 2.06 في المئة. كما ارتفع معدل التمدن من 4.27 في المئة عام 1982
إلى 4٫51 في المئة عام 1994. إن تمركز الخطاب المدرسي المبحوث فيه بشأن هذا المعطى فوّت عليه فرصة إدراك مزايا التزايد الديموغرافي
في المسار التاريخي للبشرية، وفي المجتمعات الإسلامية خصوصًا، ومن ثم يُراد ترسيخ الصورة المعيارية لدى
المتلقّي، إذ يصبح معها تكثير سواد الأمة عامل ضعف لا عامل قوة؛ ففي دروس العيّنة تتكرر متوالية من الجمل
كما يلي: «يعرف سكان المغرب منذ مطلع القرن العشرين نموًا ديمغرافيًا سريعًا، ويوصف هذا النمو السكاني
ب لانفجار الديمغرافي، ويعزى إلى ارتفاع نسبة التكاثر الطبيعي الذي ينتج بدوره عن ارتفاع نسبة الولادات
وانخفاض نسبة الوفيات». هكذا يصبح الخطاب الديموغرافي أساس الخطاب السكاني في الدرس الجغرافي،
5 المغرب، وزارة التربية الوطنية، الجغرافيا: السنة الأولى الثانوية (جميع الشعب) (الدار البيضاء: مطبعة دار النجاح الجديدة، 1994)،
درس «دينامية السكان»، ص.103
6 عبد الصمد الديالمي، المرأة والجنس في المغرب: دراسة سوسيو - تحليلية (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1985)، ص.106
7 اعتمدنا إحصاء السكان لعام 1994 نظرًا إلى أنه يتزامن مع مرحلة إدخال التربية السكانية في برامج التعليم. انظر: المغرب، الوزارة
المكلفة بالإسكان، إحصاء 1994 (الرباط: مديرية الإحصاء، 1995.22)، ص
8 المغرب، وزارة التربية الوطنية، الجغرافيا: السنة السابعة من التعليم الأساسي (الدار البيضاء: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1994)،
درس «سكان المغرب»، ص.26
بما يتميز به من إحالة على الحاضر والمستقبل، وبالتالي غاب الخطاب الذي يستحضر النمو الديموغرافي في علاقته
بتطوّرات المجتمع والحضارة في إطار كيلّ بشكل يتيح نشوء الذكاء المتعدد للتلميذ.
للوقوف على مزايا النمو الديموغرافي التي ظلّت مغيَّبة في الخطاب الجغرافي المبحوث فيه، من المفيد تقديم
أطروحة ابن خلدون، لوضع تقابل بين استجابة المجتمع واعتماد السلطة الرمزية المؤثرة القائمة على العدل
والإنصاف مع الرعايا من جهة، وازدهار العمران وهذين العاملين وإكثار التناسل من جهة أخرى. 10 يضع دوركهايم بدوره علاقة سببية بين النمو الديموغرافي وانتفاء التنظيم التجزيئي للمجتمع وتطور التقسيم
لاجتماعي للعمل. كما أن التزايد الديموغرافي يعمل على تطوير الكثافة الخلقية نظرًا إلى سيادة التفاعل الحميمي
بين الأفراد والجماعات، وهو ما يقود إلى بناء الحضارة التي لا يمكن تصوّرها إلاّ في مجتمع المدينة الذي يضمن
قيام الكثافة الخلقية والمادية بما يسمح ب لانتقال من طور المجتمع الذي يسوده التضامن الميكانيكي إلى طور
المجتمع القائم على التضامن العضوي.
وعلى خلاف دوركهايم، يثبت سيرج موسكوفيسي بدوره، في سياق نظريته الجدلية للعلاقات بين الإنسان
والطبيعة والتقنية، أن تقسيم العمل لاجتماعي ساهم إلى حد كبير في تطوير الإنتاج وتنظيمه وتخصصه، حيث
يتوزع أعضاء المجتمع بحسب الوظائف الإنتاجية والتجارية السياسية والإدارية التي يحتلونها، كما تتسلسل
السلطة بحسب مهمات التسيير والتنفيذ. وبذلك يسمح التقسيم بتطوّر الفنون والقدرات والكفاءات الفردية
والجماعية، ولا يمثّل الفائض في الإنتاج عنده المصدر الأساسي لظهور طبقة جديدة من المنتجين، لأن وجود
جماعة مستقلة ومتميزة يمكن أن يكون له مفعول مهم على بروز الفائض. ويبينّ موسكوفيسي أن إنشاء شُعَب جديدة في الإنتاج وتكوين أنواع جديدة من المنتجين يكونان تابعين لإقلاع
ديموغرافي حقيقي يظهر في بلدان وعصور تميزت باحتياطات مهمة من القوى العاملة. من هنا يستخلص
الباحث أن فرضية نمو عالمي للسكان تفرض نمو الملكات والموارد المتخصصة، وتفرض أيضًا توافقًا بين القوى
المادية البشرية والقوى المادية غير البشرية. -3 الوضع الديموغرافي علاوة على آلية تكرار التيمات والمصطلحات السكانية عبر المقررات الدراسية في امتدادها الزماني وترسيخها في
وعي ولاوعي المتلقي، من العام السابع أساسي إلى آخر مستوى دراسي في الثانوي، تنتظم دروس العيّنة حول
آلية أخرى هي آلية التقابل بين الوضع السكاني المتخلّف (البلدان النامية) والوضع السكاني في الغرب. ينهض
هذا التقابل على ما يشبه القطيعة بين نموذجين: نموذج سكاني يتسم بارتفاع معدلات الإنجاب والخصوبة
وعدم تكافؤ توزيع السكان في مساحة الأرض والمجتمع، وكذا تيارات الهجرة القروية، ونموذج سكاني متميز
يترجم تحكما فعليًا في الخصوبة والولادات، وتوزيع السكان ومسار الهجرة. ومن أجل تعميق النظر في النموذج
الأول، لا بد من الوقوف على سمات الوضع الديموغرافي للبلدان النامية:
9 بلغ متوسط الخصوبة لكل امرأة في المغرب عام 1982 5.52 أطفال وانخفضت الخصوبة الى 2.5 خلال عام 2005. انظر:
. «Démographie Marocaine,” p. 11
10 أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، المقدمة للعلامة ابن خلدون: الجزء الأول من كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، ط 4
(بيروت: دار القلم، 1981)، ص.301
11 Emile Durkheim, De la division du travail social, Quadrige; 84 (Paris: Presses universitaires de France, 1991), pp.
12 Serge Moscovici, Essai sur l’histoire humaine de la nature , Champs; 10. Champ philosophique, Nouvelle éd. (Paris: Flammarion, 1977), p. 146.
13 المصدر نفسه، ص.162-147
الجدول رقم (1)
سمات الوضع الديمغرافي للبلدان النامية
| النسبة المئوية | التكرارات | النمو الديموغرافي السريع |
|---|---|---|
| 38,88 | 14 | تزايد التكاثر الطبيعي |
| 19.44 | 7 | ارتفاع نسبة الولادات |
| 19.44 | 7 | انخفاض نسبة الوفيات |
| 11.12 | 4 | فتوّة البنية السكانية |
| 11.12 | 4 | ارتفاع وفيات الرضع |
| 100 | 36 | المجموع |
المجموع 36 يتضح أن التيمة المعربّة الأكثر تكرارًا في الخطاب هي تيمة تزايد التكاثر الطبيعي بنسبة 38.88 في المئة. يرمز
هذا التزايد إلى كونه خاصية بنيوية في البنية الديموغرافية للبلدان النامية. والتقاء نسبتي الولادات والوفيات
راجع إلى أن التيمة الثانية لا توجد في مساحة الخطاب بمعزل عن التيمة الثالثة (آلية التجاور)؛ فبينهما دائما واو
العطف، لأنهما يترجمان الوضع الديموغرافي لا في المغرب فقط وإنما في البلدان النامية بشكل عام. يتميز هذا
الوضع ب لانفجار (Baby-boom)، أي إن قاعدة الهرم السكاني تتكوّن بشكل عريض من الأطفال والشباب.
ويعزى ذلك، أي «ارتفاع معدلات الخصوبة في أغلب الدول النامية، إلى عوامل اجتماعية وثقافية تتمثّل في
النموذج الثقافي لاجتماعي التقليدي للخصوبة، حيث يتقدم العمر المتوسط للزواج وتتدنّى نسبة العزوبة،
حيث يمثل الأطفال بالنسبة للآباء قوة عمل إضافية وتأمينا للشيخوخة [...] هذا فضلا عن القيم والمعتقدات
التي تشجع على الإنجاب». تتزاحم في هذا النص المعطيات بكثافة، وهو مستقى من درس «دينامية السكان» المتميّز هو الآخر بطابعه
المعرفي، نظرًا إلى حضور مفاهيم وقواعد أولية عدة في علم الديموغرافيا، منها معدل الولادات الخام، ومعدل
الخصوبة العام، ومعدل الخصوبة الكلية، ومعدل وفيات الرضع، ومعدل الوفيات العام، وأخيرًا معدل أمل
الحياة. ويلاحَظ أن الدرس يعزو ارتفاع معدلات الخصوبة في معظم البلدان النامية إلى سيادة النموذج الثقافي/
لاجتماعي التقليدي للخصوبة. بمعنى أن منطق المجتمع التقليدي يقوم على أنثروبولوجيا الإنجاب المتكاثر،
وهو يتنافى مع الأنثروبولوجيا الإنجابية السائدة في المجتمع العصري/الحديث (الغرب)؛ حيث يعتبر التحكّم
في الولادات أحد المداخل الأساسية لبناء الإنسان على مستوى الوظائف والأدوار والمهارات للمساهمة في تقدّم
المجتمع وبناء حياة سليمة.
إن الخطاب الجغرافي المبحوث فيه محق في قوله بالنموذج لاجتماعي/ الثقافي للخصوبة في البلدان النامية؛
فالمحرك الثقافي و لاجتماعي يقوم على معطى تقديم سن الزواج بالنسبة إلى المرأة على الخصوص، والحاجة إلى
الأطفال في العمل الزراعي، و لاستجابة للقيم والمعتقدات الدينية والطقوس الموروثة. لكن من المفيد التساؤل:
علام يستند الخطاب للقول بأن الحاجة إلى عمل الأطفال تُعَدّ عاملا جوهريًا في ارتفاع الخصوبة في البلدان
النامية؟ يظهر جون بدرسن في بحث أنثروبولوجي مهم اختص بدراسة البناء لاجتماعي للخصوبة في جزر
14 المغرب، وزارة التربية الوطنية، الجغرافيا: السنة الأولى الثانوية (جميع الشعب)، درس «دينامية السكان»، ص.104
سيشِل أن أغلب النظريات الحديثة للخصوبة ترى أن هذه الظاهرة ليست بيولوجية فحسب بل اجتماعية أيضا،
فهي ليست واقعًا معطى فقط بل بناء اجتماعيًا/ ثقافيًا.
يستند بدرسن إلى كثير من الدراسات الميدانية ليتوصل إلى أن المساهمة الإيجابية لعمل الأطفال تفترض أن
الأطفال يبدأون العمل بعد ولادتهم، تمامًا كما يقومون بالعمل في ما بعد. بعض الدراسات الأخرى ينص على
أن العمل الكثير أو القليل في المجتمعات التقليدية لا يجعل من عمل الأطفال ضرورة حاسمة. وإذا كان
الفعل الإنجابي في المجتمعات الزراعية، وفي الأوساط القروية في المجتمعات النامية يهدف الى الحصول على
الأطفال من أجل توفير القوى العاملة في الجماعات العائلية والقرابية، فإن ذلك يندرج في إطار حساب الفوائد
والموارد في الجماعات التي يسود فيها منطق الجماعة لا المجتمع، بحسب تصنيف عاملِ لاجتماع الألماني طونيز.
لكن لا يمكن تعميم الحاجة إلى الأطفال كقاعدة تحدد سيادة النموذج التقليدي للخصوبة، ولعل هذا ما انتبه
إليه الخطاب بقوله «لكن هذا النموذج بدأ يتراجع أمام انتشار النموذج الغربي للخصوبة وما رافقه من انتشار
نسبي للأُسرة النووية المستقلة اقتصاديًا. وهكذا انخفضت معدلات الخصوبة بين 1965 و 1990 في الدول
النامية بنسبة »%36. يبدو أن الخطاب الجغرافي المبحوث فيه يوجّه المتلقّي إلى إدراك التضخّم السكاني كمعضلة أساسية في البلدان
النامية، وذلك على أساس تيمة تكرارية مضاعفة هي التكاثر الطبيعي القوي للولادات. هذه البلدان تعيش
حاليًا وضعية انتقال ديموغرافي؛ ففي الكتاب المدرسي نجد أن بلدان الجنوب «عاشت إلى حدود منتصف
القرن (20) في نظام ديمغرافي تقليدي، ثم عرفت في فترات متفاوتة المرحلة الأولى من لانتقال الديمغرافي، إذ
انخفضت الوفيات بسرعة بحيث أصبحت نسبة الوفيات في الجنوب تقارب اليوم نسبة الوفيات في الشمال. ولم
ترافق في حينها بانخفاض الخصوبة، ممّا أدى إلى زيادة سريعة للسكان عرفت ب لانفجار الديمغرافي [...] غير
أن نسبة الخصوبة بعد أن ظلت لفترة زمنية في مستوى عال بدأت ب لانخفاض منذ السبعينات ويرجع ذلك إلى
عدة عوامل أهمها تغريّ وضعية النساء في كثير من بلدان الجنوب، إذ أصبحن يلجن المدارس ويساهمن في سوق
العمل، بالإضافة إلى استلهام النموذج الغربي للخصوبة من حيث السلوك الإنجابي». هكذا يتموقع الوضع الديموغرافي للبلدان النامية في المرحلة الثانية من لانتقال الديموغرافي التي تجاوزتها
أوروبا. هذه النظرية المعتمدة في دروس السكان تختزل التاريخ السكاني في المنظور الديموغرافي، فهل ثمة نظرية
تجمع بين المنظور التاريخي والمنظور السوسيولوجي والسيكولوجي، و لاقتصادي أيضًا؟ يرى موسكوفيسي أننا لا نزال نفتقر إلى دراسة تاريخية ملموسة معززة بنظرية سكانية، تسمح بمعرفة الطرائق
التي اتّبعتها المجتمعات في كل مرحلة من مراحل تاريخها، لمواجهة تحديات الفائض الديموغرافي، أو من أجل
وضع توازن فعلي بين إعادة الإنتاج الطبيعي والإنتاج لاجتماعي. يشير الدرس الآنف الذكر إلى أن تغريّ الوضع الثقافي و لاقتصادي للنساء في البلدان النامية ساهم إلى حد كبير
في انخفاض الخصوبة. وبالفعل فإن تأخر سن الزواج لدى النساء في هذه البلدان، وهو ما تؤكده الإحصاءات،
ناتج من تعليم المرأة وانخراطها في كثير من المهن، وتغريّ مواقفها من الإنجاب. لكن لا مندوحة من الإشارة
15 Jon Pedersen, The Social Construction of Fertility: Population Processes on a Plantation in the Seychelles (Oslo, Norway: Department of Social Anthropology, University of Oslo, 1985), p. 17.
16 المغرب، وزارة التربية الوطنية، الجغرافيا: السنة الثالثة الثانوية (جميع الشعب) (الدار البيضاء: مكتبة المدارس، 1996)،
درس «عدم التكافؤ بين الشمال والجنوب»، ص 10-9
17 انظر: المصدر نفسه، ص.9
18 Moscovici, p. 161.
إلى التفاوت الحاصل بين السكان الناشطين بحسب الشرائح لاجتماعية وبحسب الجنس الذي يؤثر في السلوك
الإنجابي، ذلك أن ضعف تمثيل النساء، ودونية وضعهن القانوني و لاجتماعي و لاقتصادي، ولاسيما النساء
الفقيرات، يجعلان من الصعب اعتماد النموذج الغربي للخصوبة كقناعة ذاتية، لذا يغدو التحكم الإنجابي ردة
فعل سيكولوجية على تردّي الأوضاع لاقتصادية و لاجتماعية أكثر منه تبعية للنموذج الغربي. يعزو الخطاب الجغرافي المدرسي الفواصل القائمة بين الوضع الديموغرافي في البلدان النامية والبلدان الأوروبية
إلى تفاوت أوضاعها لاقتصادية من دون وضعها في منطق تعددية العوامل، إذ يقول: «أدى تزامن لانتقال
الديمغرافي في أوروبا وأميركا الشمالية مع ما عرفته [عرفتاه] من نمو اقتصادي خلال القر ين 19 و 20 ببعض
الدارسين إلى افتراض وجود علاقة طردية بين التطور لاقتصادي و لانتقال الديمغرافي، لذا كان من المنتظر أن
تنطبق هذه النظرية بشكل تام على البلدان النامية، غير أن الواقع يشهد بغير ذلك، فإذا كان النمو لاقتصادي
شرطًا كافيًا لانخفاض الوفيات فإنه ليس شرطًا لازمًا، فتراجع الوفيات في كثير من دول العالم النامي تم في
غياب تطوّر ملموس للأوضاع لاقتصادية بها، نتيجة عوامل خارجية تتمثّل في تدخّل منظمات دولية للقضاء على
بعض الأوبئة بواسطة حملات التلقيح، أو للحد من انتشار المجاعات عن طريق تقديم المساعدات الغذائية».
فإذا كان هذا الدرس يشهد على أن تراجع الوفيات في دول العالم النامي تم في غياب تطور أوضاعها لاقتصادية،
فكيف يرد هذا الأمر إلى عوامل خارجية كتدخّل المنظمات الدولية والمساعدات الغذائية من الغرب؟ فعلاوة
على ضعف الحجاج، يوجه النص ذهنية المتلقّي وشعوره إلى الإقرار المبطن بأن علاقات البلدان النامية بالبلدان
الصناعية تقوم فقط على التعاون والمساعدة، وبذلك يتم تغييب دينامية المجتمع في الحد بطرائقه الخاصة من
تراجع الوفيات، ومن ثم السكوت على التخلف بمقتضى التلويح بأولوية دينامية الخارج (الغرب). وقد أشرنا
سابقًا إلى التقابل الذي يضعه الخطاب الديموغرافي بصدد الوضع الديموغرافي بين البلدان النامية والبلدان
الصناعية. ولأجل إدراك هذا التقابل لا بد من تقديم هذه المعطيات المتعلقة بسمات الوضع السكاني في البلدان
الصناعية الغربية كما يلي: الجدول رقم (2)
سمات الوضع السكاني في البلدان الصناعية الغربية
| النسبة المئوية | التكرارات | ضعف التزايد السكاني |
|---|---|---|
| 29.10 | 7 | انخفاض نسبة الولادات |
| 29.10 | 7 | شيخوخة البنية السكانية |
| 12.6 | 4 | تناقص التكاثر الطبيعي |
| 16.60 | 3 | ثبات نسبة الوفيات وانخفاضها |
| 12.6 | 3 | ارتفاع نسبة الوفيات العامة |
| 100 | 24 | المجموع |
19 المغرب، وزارة التربية الوطنية، الجغرافيا: السنة الأولى الثانوية (جميع الشعب)، درس «دينامية السكان»، ص.108-107
يستفاد ممّا سبق أن التيمتين الأكثر تكرارًا هما انخفاض نسبة الولادات 10٫29 في المئة وشيخوخة البنية
السكانية 10٫29 في المئة. ويتضح من ذلك أن من سمات الوضع الديموغرافي في البلدان الغربية انخفاض
الولادات والوفيات في الأطفال، وارتفاع نسبة الوفيات العامة في الكبار والشيوخ على الأخص. فإذا كان التزايد
السكاني في أوروبا مرتفعًا في القرن التاسع عشر، «نظرًا لتحسن التغذية وظروف العيش ولتقدم الطب والوقاية
الصحية، ممّا أدى إلى انخفاض نسبة الوفيات في الوقت الذي ظلت فيه نسبة الولادات مرتفعة»، فإنه يتميز
اليوم ب لانحدار نظرًا إلى التطور المهم الذي عرفته أوضاع المرأة، وتحررها من الذهنية الإنجابية. يرد في أحد
الدروس: «وتكمن الأسباب المباشرة لهذا لانخفاض في لارتفاع المستمر لمتوسط سن الزواج ولنسبة العزوبة
ولتعميم استعمال موانع الحمل وانتشار الإجهاض الذي أصبح القانون يسمح به في جل الدول المتقدمة. ولم
يكن ذلك كله ممكنًا إلاّ في إطار النموذج لاجتماعي الثقافي الغربي للخصوبة والناتج عن ثورة في عقلية وسلوك
الأفراد رافقت وما زالت ترافق نمط الحياة العصرية». قد نفترض أن الخطاب الديموغرافي المدرسي يوجّه التلميذ إلى اعتماد النموذج الغربي مع نقده، لأن هذا النموذج
بالغ في التحكم في الإنجاب، حتى أصبح التراجع الديموغرافي عامل ضعف لا عامل قوة، وأنه يدعو التلميذ
إلى بناء ديموغرافيا عصرية من دون أن يؤدي ذلك بالمجتمع إلى الضعف السكاني والشيخوخة، ولكنه لا يعرض
الدينامية التاريخية التي أفرزت البنية الديموغرافية للغرب (التصنيع، التحضر، قيام الدولة الأمة، وسياسات
النوع) بل يصف العمليات الديموغرافية بطريقة تجزيئية. نقرأ في الدرس: «ونتج عن انخفاض نسبة الولادات
أن أصبحت نسبة الشيوخ مرتفعة في القارة الأوروبية، ويترتب عن هذه الوضعية نتائج اجتماعية واقتصادية
من بينها تقلص فئة القادرين على العمل (سن 64/15 سنة) وارتفاع نسبة الإعالة [...] ومن أبرز نتائج هذه
الوضعية ما اضطرت إليه أوروبا خلال فترة التوسع لاقتصادي من جلب اليد العاملة الأجنبية». لا يتجاهل الخطاب الجغرافي المبحوث فيه الإحالة في ثنايا الدروس على الآليات المقْنعة من أجل التصدّي
للتضخم السكاني، فإلى جانب الأيقونة: الصورة والمرسلة الإشهارية الداعية إلى التحكّم في الإنجاب، تتضمن
الدروس أيضًا الإجراءات التي اتخذتها دول عدة، كما هو الأمر في بلدان آسيا لتعليم النساء، وحملات التوعية
بالتخطيط العائلي، والتعريف بوسائل منع الحمل، بل والإشارة إلى تطبيق وسائل قسرية للحد من الولادات،
كما في الهند والصين. تركز دروس الخطاب على صعيد المغرب العربي كذلك على تثمين النموذج التونسي، حيث تجرأت تونس على
اعتماد سياسة واضحة لتحديد النسل، من مرتكزاتها: «الرفع من السن القانوني [القانونية] للزواج وتوعية السكان
بضرورة تنظيم النسل وأهمية تحديد الأطفال داخل الأسرة، وقد صادفت هذه السياسة نجاحًا نسبيًا خاصة في المراكز
الحضرية» 23، وهي إجراءات تقدم للمتلقّي المغربي التلميذ أساسًا من أجل اتخاذها منهجًا في السلوك والحياة.. -4 الهجرة تحتل موضوعة التوزيع السكاني والهجرة مكانة أساسية في الخطاب الجغرافي؛ فالخطاب ينتج علاقة سببية بين
التضخم الديموغرافي والحراك الجغرافي من البوادي إلى المدن، ومن البلدان النامية إلى البلدان الأوروبية. وإننا
20 المغرب، وزارة التربية الوطنية، الجغرافيا: السنة التاسعة من التعليم الأساسي (الدار البيضاء: مطبعة المعارف الجديدة، 1995)،
درس «سكان أوربا»، ص.17
21 المغرب، وزارة التربية الوطنية، الجغرافيا: السنة الأولى الثانوية (جميع الشعب)، درس «دينامية السكان»، ص.104
22 المغرب، وزارة التربية الوطنية، الجغرافيا: السنة التاسعة من التعليم الأساسي، درس «سكان أوربا»، ص.18
23 المغرب، وزارة التربية الوطنية، الجغرافيا: السنة السابعة من التعليم الأساسي، درس «الوسط الطبيعي والبشري لتونس»، ص.81
نرى ذلك يتكرر في الدروس جميعها، إذ يضع الخطاب المذكور تقابلا بين البلدان النامية والبلدان الصناعية من
حيث التوزيع السكاني والهجرة. وقبل طرح هذا التقابل، من المفيد تقديم سمات التوزيع والحراك السكاني في
البلدان النامية: الجدول رقم (3)
سمات التوزيع والحراك السكاني في البلدان النامية
| الحراك السكاني | التكرارات | النسبة المئوية |
|---|---|---|
| الهجرة القروية نحو المدن | 15 | 5٫37 |
| العوامل الطبيعية و لاقتصادية للتوزيع السكاني اللامتكافئ | 15 | 5٫37 |
| تعدد الحركات السكاني | 7 | 5٫17 |
| العوامل التاريخية للتوزيع السكاني | 3 | 5٫7 |
| المجموع | 40 | 100 |
المجموع 40 ثمة تطابق في النسبة بين درجة تكرار تيمة الهجرة القروية نحو المدن (37.5 في المئة)، وتيمة العوامل الطبيعية
و لاقتصادية للتوزيع السكاني غير المتكافئ (الكثافة) (37.5) في المئة، بمعنى أن هناك حرصًا كبيرًا من لدن
الخطاب في جانبه السكاني تحديدًا على توجيه ذهنية المتلقّي إلى الوعي بهذه الظاهرة المزدوجة؛ فالهجرة القروية نحو
المدن تُعَدّ من أدق المعضلات التي تعترض مخططات التنمية في البلدان النامية من منظور الخطاب. لذا، وجب الحد
من الهجرة ودفع الساكنة القروية إلى التقليص من الحراك الجغرافي نحو المدن عن طريق سن سياسة سكانية متعددة
الجوانب ومرسومة الأهداف، ويغدو المقرر الدراسي الجغرافي أحد الوسائط حينما يتوجه إلى التلميذ القروي في هذا
الإطار. أمّا التيمة الثانية، فتنص على تمركز السكان في البلدان النامية في المناطق المناخية والزراعية الخصبة، وهذه
خصوصية جغرافية، إذ يتبين “ أن توزيع السكان يتسم بالتفاوت حسب المناطق. ويلاحظ أن%55 من السكان
يقطنون في الجهات الساحلية الواقعة بين بنزرت وصفاقس»، ولكن إلى جانب الخصوصية الجغرافية، لا بد من
توضيح منطق العوامل التاريخية والسياسية في تمركز لاقتصاد والثروة في المدن الساحلية. سعيًا إلى تحديد أنواع الحركات السكانية داخل البلدان النامية (حركات موسمية - حركات دائمة - حركات
الهجرة إلى الخارج)، يحدد الدرس الهجرة كما يلي: “ أمّا الحركات الدائمة، فتتمثّل على الخصوص في الهجرة القروية
نحو المدن، وترجع أسباب هذا النوع من الهجرات إلى ظروف خاصة بالمهاجر، مثل افتقاره إلى الأرض الزراعية
أو عدم كفايتها لتوفير عيش أفراد الأسرة. بالإضافة إلى عوامل الجذب التي تمثّلها المدينة بسبب توفر فرص
الشغل. وقد كان للهجرة القروية دور أساسي في ظهور أحياء الصفيح التي تعمل الدولة على القضاء عليها». وينص درس آخر على أن الهجرة تقتصر في الدول النامية على الهجرة القروية التي همت ما يناهز 330 مليون
نسمة بين 1950 و 1975. وتظل الأسباب المؤدية للهجرة أسبابًا ديموغرافية واقتصادية بالأساس، فالبادية
لم تعد قادرة على استيعاب النمو السكاني لما تعرفه من مشكلات مرتبطة بالتقنيات المستعملة وبتوزيع الملكية
24 المصدر نفسه، درس «الوسط الطبيعي والبشري لتونس»، ص.81
25 المصدر نفسه، ص.81
فينجذب السكان والشباب على الخصوص نحو المدن بحثًا عن العمل أو ظروف معيشة أفضل، يضاف إلى هذا
ما تؤدي إليه بعض الكوارث والحروب من هجرة قسرية. يستفاد من النص الأول عرض وصفي لعوامل الهجرة، ومنها افتقار المهاجر إلى الأرض الزراعية لكي يمكث
في قريته، أو عدم كفايتها لتوفير عيش أفراد الأسرة. ويتم التطرق إلى وضعية المهاجر بصيغة المفرد وبنوع من
التجريد، مع السكوت على انتمائه لاجتماعي الذي يوجه حراكه الجغرافي. ولعل الدرس يرمز إلى المفعول
السلبي للتزايد الديموغرافي للأُسرة بموارد العيش المحدودة، علاوة على الجذب السيكولوجي الذي تمارسه
المدينة على القروي، نظرًا إلى اعتقاده أن شروط الحياة في المدينة أيسر حالا وأسهل منالا من العيش في عالم
القرية. لكن من الواضح أن طريقة عرض ظاهرة الهجرة تتم بنوع من التفتيت بصورة يستحيل معها إدراك
المنطق المحرِّك للظاهرة.
إذا كانت الهجرة القروية تفضي إلى ظهور أحياء الصفيح، فإن الدرس ينص على أن البادية لم تعد قادرة على
استيعاب الكم الديموغرافي المتزايد في العالم القروي؛ فالتوسع السكاني يقلص دور وسائل الإنتاج في تحقيق
الحاجات المتزايدة، إضافة إلى قضية توزيع الملْكية التي ينص عليها النص الثاني من دون أن يؤطر وعي التلميذ
بسياقها السوسيو- اقتصادي في البوادي، لكن إذا نحن تتبعنا آلية تكرار التيمات في دروس العيّنة فإننا نصل إلى
أن ما يحظى بالأولوية في تحديد الهجرة ليس قضية الملْكية، أو علاقات الإنتاج وعلاقات القوة، أو السياسات
المجالية، وإنما قضية البحث عن العمل بسبب الفقر، من دون تحديد شروط إنتاجه، وذلك بنسبة 41.17 في
المئة. وتأتي الأسباب السياسية في الدرجة الثانية، أو ما تخلفه الصراعات لاثنية من حراك وتهجير قسري،
وتصل نسبة هذه الأسباب إلى 23.52 في المئة. ومن ثم يصبح عدم التكافؤ لاجتماعي من جانب الملْكية
والمعارف والخبرة عاملا أدنى وأقل فاعلية في منظور الخطاب، في مقابل البحث عن العمل بسبب الفقر، وهو ما
يتبينّ في الجدول التالي الذي يبين أسباب الهجرة في البلدان النامية: الجدول رقم (4)
أسباب الهجرة في البلدان النامية
| النسبة المئوية | التكرارات | التيمات |
|---|---|---|
| 41.17 | 7 | البحث عن العمل بسبب الفقر |
| 23.52 | 4 | الأسباب السياسية |
| 11,77 | 2 | الأسباب الديموغرافية |
| 11.77 | 2 | عوامل الجذب في المدينة |
| 11.77 | 2 | لافتقار إلى الأرض الزراعية وعدم كفايتها |
| 100 | 17 | المجموع |
26 المغرب، وزارة التربية الوطنية، الجغرافيا: السنة الأولى الثانوية (جميع الشعب)، درس «دينامية السكان»، ص.112
ثانيًا: المكوّن السوسيو- اقتصادي
يُعتبر المكوّن السوسيو- اقتصادي فئة تحليلية كبرى في الخطاب، لأنه يطرح العلاقة الشائكة بين « لانفجار
الديموغرافي» والتنمية في إطار لاستخدام المكثف للملفوظ المعزز بالخصائص الأيقونية؛ إذ تقدم دروس العيّنة
علاقة النمو الديموغرافي بالتنمية في سياق التقابل بين البلدان النامية والبلدان المتقدمة. وكما يبدو، فإن مجمل
الصيغ اللغوية والحجاجية تميل إلى إنتاج وتثبيت تصوّر معينّ لهذه العلاقة. ولفهم ذلك لا بد من تقديم جدول
التيمات التي يجعل التضخّم الديموغرافي سببًا رئيسًا للتخلّف وعائقًا أمام التنمية. الجدول رقم (5)
التيمات التي تجعل التضخّم الديموغرافي سببًا رئيسًا للتخلّف وعائقًا أمام التنمية
| النسبة المئوية | التكرارات | مفاعيل التضخم السكاني على الأوضاع السوسيو- اقتصادية |
|---|---|---|
| 36.84 | 7 | سوء الأوضاع الصحية وضعف التغذية |
| 26.32 | 5 | قلة نسبة السكان النشيطين المشتغلين |
| 26.32 | 5 | ضعف السكن والتمدرس |
| 10.52 | 2 | ضعف الدخل الفردي لاجمالي |
| 100 | 19 | المجموع |
ينطوي الجدول رقم (5) ولا شك على معطيات مهمة، فتيمة سوء الأوضاع الصحية وضعف التغذية تحتل
مقدمة السمات، أي 36.84 في المئة، ويُعزى ذلك إلى أن الخطاب يجعل من التضخم السكاني شرطًا مسبقًا
للتخلّف، أو أن التخلّف نتاج حتمي للتزايد السكاني السريع. ولعل التعلّق الشديد للخطاب بمعضلة الأمن
الغذائي مع التدهور الصحي دفعه إلى أن يضع هذه الموضوعة في المقدمة، عبر تكرارها كملفوظ لإثارة انتباه
المتلقي إليها وترسيخها في ذهنه وطبعها في إدراكه البصري عبر الأيقونة. وثمة تطابق في نسبة تكرار تيمتين هما
قلة نسبة السكان النشيطين المشتغلين (26.32 في المئة)، وموضوعة ضعف السكن والتمدرس (26.32 في
المئة). ولتسليط الضوء على هاتين الموضوعتين، تبُرز الدروس أن تزايد السكان بشكل سريع يؤدي إلى خلق بنية
سكانية شابة، «ويطرح هذا الوضع على المغرب عدة صعوبات في مجال التغذية والصحة والسكن والتمدرس
والتشغيل، خاصة وأن وتيرة النمو لاقتصادي لا تساير وتيرة النمو السكاني». يطرح درس آسيا مضاعفات لانفجار الديموغرافي على الوضع التنموي لبلدان القارة، إذ يرد فيه: «هذا
لارتفاع الذي يعرفه سكان القارة والذي يقدر بحوالي 58 مليون نسمة كل سنة يعني مزيدًا من الطلب على
السكن والخدمات الصحية والمؤسسات التعليمية. ويتطلب توجيه جزء مهم من مداخيل القارة لمواجهة هذه
الحاجات على حساب قطاعات أخرى منتجة. كما يساهم في تدهور الأوضاع لاجتماعية و لاقتصادية لسكان
القارة الذين يعاني معظمهم من البؤس والفقر. نستثني من ذلك اليابان والدول المنتجة للبترول». ويخلص
27 المغرب، وزارة التربية الوطنية، الجغرافيا: السنة السابعة من التعليم الأساسي، درس «سكان المغرب»، ص.27-26
28 المغرب، وزارة التربية الوطنية، الجغرافيا: السنة الثامنة من التعليم الأساسي، درس «سكان آسيا»، ص.69
الدرس إلى أن دول آسيا تنتمي إلى العالم النامي، وهي تضم 56 في المئة من سكان العالم بينما لا يتعدى نصيبها
من الدخل العالمي الإجمالي 9.5 في المئة. -1 السكان والتنمية استنادًا إلى الجدول الرقم (5)، وإلى القول الأول المتعلق بالمغرب والثاني حول السكان في آسيا، يتم إنتاج علاقة
أحادية بين التزايد الديموغرافي والنمو لاقتصادي، ذلك أن القطاعات لاقتصادية و لاجتماعية تتأثر سلبًا بعدد
السكان المتزايد: «هذا لارتفاع الذي تعرفه القارة يعني مزيدًا من الطلب على السكن والخدمات الصحية...».
فالدرس يتسم بالطابع الوصفي/الكمي لكونه لا يتعرض للمنطق المعرفي و لاجتماعي لقيام الظواهر وتطوّرها
وترابطها الكلي، بل غاية ما يقوم به هو تقديم تجميعي للمعطيات من دون بناء حجاجي، ثم يتلو ذلك سرد
النتائج التي تتولد من هذه المعطيات. فهو من جهة لا يميّز بين النمو والتنمية، ومن جهة أخرى يتصور مثلا أن
النمو السكاني السريع يتمظهر في أن أكثر من ثلاثة أرباع مليار من السكان يعانون نقص التغذية، وسيزداد هذا
النقص استفحالا نتيجة التزايد السكاني، علاوة على إقراره بعدم توافر فرص كافية للتمدرس، ذلك «أن وصول
أعداد ضخمة من الأطفال كل سنة إلى سن التمدرس يجعل التمدرس عبئًا ثقيلا على كاهل كثير من دول العالم
النامي؛ إذ يستحوذ على نسبة مهمة من ميزانيتها قد تبلغ %40. ورغم الجهود التي بذلتها كل تلك الدول فإن
نسبة مهمة من الأطفال لا تجد مقعدًا لها في المدرسة».
ويستمر الخطاب في اعتماد المنطق التبريري عينه ليعلن في مجال التشغيل أن تزايد فتوّة المجتمعات أفرزت ارتفاع
معدل البطالة في السكان النشيطين 56/15 عامًا، والشيء نفسه ينطبق على الخدمات الصحية، وتدهور البيئة.
من هذا المنطلق، وبناء على الكيفية التي يدرك بها الخطاب موضوعة العلاقة بين السكان والتنمية، تندس نزعة
مالتوسية جديدة بارزة المعالم ترى في التضخّم السكاني سببًا في تزايد الفقر؛ إذ لا وجود لمنظور للإنسان يبنى في إطار
كلية الترابط بين ما هو اقتصادي وما هو ديموغرافي وثقافي، فبقدر ما يتم تغييب منطق الدولة والنخب لاجتماعية
في السلطة ونمط العلاقة بالغرب (التبعية)، يتضح أن النزعة المالتوسية تندرج في الأيديولوجيا الإنمائية وما يتولد
منها من تعاون دولي، حيث استقطبت هذه الأيديولوجيا «إنتلجنسيا كاملة تقوم بإثرائها وتضخّمها وتدخلها في
كافة قطاعات المجتمع، وتتألف هذه الإنتلجنسيا بصورة أساسية من خبراء الأمم المتحدة والبنك العالمي [الدولي]
ومؤسسات المساعدة وأساتذة الجامعات والموظفين الكبار في العالم الثالث، وتوسعت مؤخرًا لتشمل الشركات
والمصاريف المتعددة الجنسية». وبالفعل، فهذه الأيديولوجيا التي يحاول الخطاب الجغرافي/السكاني إعطاءها
الطابع المغربي لا تضع المسألة الديموغرافية في سياقها الكيلّ، فبناء حداثة جنسية ومشروع عقلنة لاقتصاد والإدارة
والثقافة (فيبر) لا يتضمنان حتماًالقول إن لانفجار الديموغرافي سبب للتخلف، فالكم الديموغرافي لا يشكّل
معضلة فعلية إلاّ في إطار التخلّف لاقتصادي والثقافي، أي في إطار ضعف إعداد رأس المال البشري. ويرى
موسكوفيسي أن توسّع البشرية وازديادها وانتشارها لا يرجع إلى أن أكبر حجم من الموارد يخدم اكتفاء سكان أكثر
عددًا، ولكن لأن حضور عدد من القدرات المستثمرة يزيد في حظوظ الحياة لكل فرد.
وينطوي اعتبار التضخّم السكاني عاملا مثبطًا لمخططات التنمية على أسبقية التخطيط العائلي لكل تنمية في ما أن
«التخطيط العائلي لا يسبق التقدّم الصناعي ولا يمكن أن يخرج من التخلف بعبارة أخرى يشكل التبنّي العفوي
29 المغرب، وزارة التربية الوطنية، الجغرافيا: السنة الأولى الثانوية (جميع الشعب)، درس «دينامية السكان»، ص.110
30 لم تتعد التغطية الصحية للساكنة المغربية 15 في المئة سنة 2005:. انظر «Démographie Marocaine,” p. 11.
31 جورج قرم، التنمية المفقودة: دراسات في الأزمة الحضارية والتنموية العربية، سلسلة السياسة والمجتمع (بيروت: دار الطليعة،
1981)، ص.116
32 Moscovici, p. 166.
للحد من النسل مؤشرًا على تقدم المجتمع». أي إن لاعتماد العفوي والتحكم الطوعي في الإنجاب، من لدن
الإنسان المغربي أكثر أهمية من المشاريع الفوقية، لذا، لا شك في أن تمكين الإنسان (Empowerment) وتحرير
الثقافة يساهمان في بناء علاقة جديدة بالإنجاب والجنس لكلٍّ من المرأة والرجل. كما أنه لا وجود لترابط متحقَّق منه بين الأسلاك الديموغرافية والأسلاك المدرسية، بمعنى أن التأثير موجود
لكنه ضعيف. ولإجراء فحص عميق للعلاقات المعقدة بين مجموعتي المتغيرات، من الضروري إدخال الدورات
لاقتصادية التي تتحكّم بلا شك في التطوّرات الديموغرافية المدرسية، بمعنى أن الكم الديموغرافي ليس له
تأثير قوي في تطور الأعداد المدرسية، ذلك أن مستوى تعليم السكان يؤثر بدوره في الخصوبة وسلوك الأُسر 34.
وبالتالي ليس ثمة استمرارية مباشرة بين التضخّم السكاني وتوسّع التمدرس؛ فثمة توسط هو الدورات
لاقتصادية والسياسية، وهو ما يتم تجاهله في الخطاب الجغرافي بقوله إن: «التمدرس ينمو بشكل ملحوظ
ومستمر في كل بلدان الجنوب، لكنه لم يشمل بعدُ جميع الأطفال في سن التمدرس كما هو الحال في الشمال، فأكثر
من 120 مليون طفل لا يجد مقعدًا [لا يجدون مقاعد لهم] في المدرسة، وثلث الأطفال الذين يتراوح [تتراوح]
سنهم بين 12 و 17 سنة هم فقط الذين يلجون المدارس. ويُعزى هذا التأخر إلى ارتفاع التكاليف المدرسية التي
تمتص قسما مهما من ميزانيات بلدان الجنوب المثقلة أصلا بمشاكل متعددة». يعقد النص ترابطًا بين عدم تعميم التعليم لابتدائي وارتفاع التكاليف المدرسية التي تثقل كاهل ميزانيات البلدان
النامية. لكن، كيف يمكن مواجهة التضخم السكاني إذا كان التمدرس لا يمس سوى 20 في المئة من فتيات العالم
القروي 36؟ كما أن نسبة 64 في المئة من التلاميذ الممدرسين في التعليم الأساسي يقابلها 29 في المئة من التلاميذ
الممدرسين في التعليم الأساسي (الطور الثاني) والتعليم الثانوي في المغرب؟ لذا، من الصعب قبول الخلاصة التي
يتوصل إليها درس دينامية السكان، وهي أنه «إذا كانت المشاكل التي يعاني منها العالم النامي لا ترجع إلى النمو
الديمغرافي السريع، فإن هذا النمو يضيّع كل مجهود من أجل التنمية لاقتصادية لاجتماعية. لذا انصبّت جهود
دول العالم النامي على حل المشكلة الديموغرافية بنهج سياسة سكانية ترمي إلى الحد من النسل وتنظيم الأسرة» 37. عمومًا تتمحور هذه الخلاصة حول لعبة النفي والتعميم في منطوق الخطاب، الشأن الذي أفضى إلى اختلال
منطقه الحجاجي. فإذا كانت مشكلات العالم النامي كلها لا تُعزى إلى النمو الديمغرافي السريع، فإن هذا النمو
على عكس ما طرح، لن يضيّع كل مجهود من أجل التنمية إذا كان الإنسان هو محورها الأساس، بحيث لا يظل
أسير الفقر والهشاشة والإقصاء. هكذا يتضح أن التضخّم السكاني يتحول في الخطاب بطريقة بنائه وتصريفه
كفعل إنجابي تناسلي، إلى معضلة مجتمعية. -2 التمدين التمدين هو من أهم النتائج التي يفضي إليها التزايد السكاني «المهول» في البلدان النامية، بحسب الخطاب الجغرافي/
السكاني. والتمدين هو تطور المدن وانفجارها بالسكان، وما يتولد من ذلك من ظواهر سكانية مشوهة ومظاهر
تلوث، وغير ذلك. ومن أجل تصور دقيق لكيفية عرض الخطاب المدرسي للتمدين نورد هذا الجدول:
33 الديالمي، ص.115
34 Mohamed Cherkaoui, Sociologie de l’éducation , Que sais-je? (Paris: Presses universitaires de France, 1986).
35 المغرب، وزارة التربية الوطنية، الجغرافيا: السنة الثالثة الثانوية (جميع الشعب)، درس «عدم التكافؤ بين الشمال والجنوب»، ص.17
36 Azeddine Akesbi, «Introduction au débat,» dans: La Réforme de l’enseignement au Maroc: Une Contribution au débat , Série «Tables-rondes»; 1 (Rabat: Groupe d’études et de recherches sur les ressources humaines, Association des économistes marocains, 1995), p. 116.
37 المغرب، وزارة التربية الوطنية، الجغرافيا: السنة الأولى الثانوية (جميع الشعب)، درس «دينامية السكان»، ص.114
الجدول رقم (6)
الخطاب المدرسي للتمدين
| النسبة المئوية | التكرارات | مفاعيل التزايد السكاني على التمدين |
|---|---|---|
| 33.34 | 4 | تزايد عدد الحضريين بسبب الهجرة |
| 33.34 | 4 | انتشار أحياء الصفيح |
| 16.66 | 2 | تدهور المرافق الحيوية |
| 16.66 | 2 | تدهور البيئة |
| 100 | 12 | المجموع |
يتبين من الجدول رقم (6) ارتفاع تكرار تيمة عدد الحضريين بسبب الهجرة (33.34 في المئة)، وتيمة انتشار أحياء الصفيح في المدن (33.34 في المئة) قياسًا بقلة تكرار تيمة تدهور المرافق الحيوية (16.16 في المئة)،
وتدهور البيئة (16.16 في المئة). هذا التفاوت الكمي في التكرار يرمز إلى أن الخطاب الجغرافي السكاني
يرتب سلّم الأولويات في منظوره الديموغرافي للتمدين؛ فهو يوجه اهتمام التلميذ نحو التزايد السكاني في المدن وانتشار أحياء الصفيح كنتيجتين للتضخّم السكاني. إن الهمَّ الكبير الذي يفرده الخطاب لهذه المعضلة
يقود الى نوع من الهوس أمام الإنجاب والتناسل. هكذا نفهم أن تزايد الأعداد البشرية في المدن يفضي إلى انتشار أحياء الصفيح وتدهور المرافق الحيوية وتدهور البيئة. ولعل دروس السكان لا تؤلف تصوّرًا بشأن
التمدن ولا ترصد مفهوم التمدين، وإنما تقصد إثارة التلميذ القروي في الأساس حتى يدرك بالملموس سلبيات الهجرة القروية إلى المدينة. ويميّز الخطاب الجغرافي بين تطوّر المدن في الغرب ونشوء المدن وتضخّمها في العالم الثالث. وصحة هذا التصوّر
ترجع إلى أن لا شيء يدل على أن المراحل التي قطعها التاريخ الأوروبي الحديث حتمية من حيث هي مراحل محددة لكل مجتمع ناهض؛ ففي الحالة الأولى، تتطوّر المدن بفعل التصنيع وحركة الهجرة الناتجة منها، فيما نتج تضخّم المدن
في الدول النامية من الحركة لاستعمارية، أوً، ومن حركة الهجرة القروية بعد استقلال هذه الدول في ما بعد؛ ذلك أن مردّ النمو الحضري في الجنوب إلى عاملين أساسين هما: التزايد الطبيعي الكبير والهجرة القروية الشديدة. وبالفعل، إذا كان النمو الحضري في البلدان الغربية يرتبط بتقسيم العمل بين العالم الحضري والعالم القروي في
العصر الحديث، والمختلف عن النمو الحضري غير المتوازن للمدن في البلدان المتخلّفة، نظرًا إلى التزايد السكاني
السريع والهجرة القروية، فإن الخطاب لا يقدّم المقياس الموضوعي لتفسير هذا النمو. فعدم استحضار آليات
تكوّن الدولة و لاقتصاد والمعمار والتصنيع يؤدي إلى تحويل الهجرة سببًا في ما أنها تكون في الغالب نتيجة جملة من
العوامل والشروط المتداخلة. ثم إن المهاجرين القرويين في حراكهم الجغرافي يحملون معهم قيمهم لاجتماعية والثقافية، وهو ما يفضي إلى ترييف المدينة وما ينجم عن ذلك من مشكلات التكييف لاجتماعي والنفسي، وتبعات ذلك على الوضع الديموغرافي. هكذا لا يتحدد وضع المدينة بالتضخم السكاني وحده وإنما بالتقسيم لاجتماعي للعمل، وبالسكن والجنس
والثقافة. ثم إن محصلة الأوضاع المتفاقمة في المدن في العالم الثالث تتجلى موضوعيًا في تلوث البيئة؛ إذ
أصبحت المدن «تعاني من عدة مشاكل، فإذا كانت مدن الشمال تعاني أساسًا من مُشكل التلوث، فإن مدن
الجنوب تعاني من مشاكل مرتبطة بعدم كفاية البنيات التحتية وتفاقم مشاكل التنقل وانتشار البطالة، هذا فضلا
عن تلوث الماء والهواء... ومن المنتظر أن تتفاقم هذه المشاكل مستقبلا بسبب عجز الجنوب لاقتصادي والمالي
لتنضاف إلى المشاكل لاجتماعية التي يطرحها التخلف»، ومن هذه الناحية تصبح معضلات التنقّل والبطالة
وضعف البنى التحتية والتلوث التي تمس الإنسان، بغضّ النظر عن انتمائه لاجتماعي أو المجالي، أكثر تفاقما في
المستقبل. ويعلل النص ذلك بعجز الجنوب اقتصاديًا وماليًا، فهل يوحي الخطاب بأن المجتمعات النامية ستظل
تتزايد سكانيًا وستبقى متأخرة إلى الأبد؟ هل التأخر قدر محتوم أم وضع اقتصادي – سياسي تاريخي؟ -3 التخلف والتنمية يُعتبر درس عدم التكافؤ بين الشمال والجنوب، وهو مخصص لقسم العام الثالث ثانوي في الشُّعَب الدراسية
جميعها، من أهم الدروس، لأنه يقدّم طرحًا نظريًا لقضايا التخلف والتنمية في البلدان النامية من زاوية الدمج
بين التفسير الديمغرافي والتفسير لاقتصادي لاجتماعي. ويبدو أن واضعي المقررات الدراسية أرادوا بذلك أن
يكون درسًا اختتاميًا يعطي التلميذ تصورًا نظريًا متكاملا لبعض القضايا في إطار التقابل المعروف بين البلدان
النامية والبلدان المتقدمة. ويبدو أن الخطاب الجغرافي/السكاني يوحي ظاهريًا من خلال الدرس، وعبر عنوانه العام: «عدم التكافؤ بين
الشمال والجنوب»، بأن موضوعه سوف ينصبّ على تفكيك الآليات التي تتمظهر من خلالها مظاهر اللامساواة
بين العالم المتقدم والعالم المتخلف، وسيتوسل لذلك عددًا من المفاهيم المركزية التي يتم التفكير بواسطتها في
هذه الظاهرة العالمية، وذلك وفق رؤية تعبر عن اتجاه نظري ما معلن عنه لتناولها. وللتحقّق من ذلك لا بد من
الوقوف على الهيكلة التالية للدرس: أ- الشمال والجنوب في منظومة العالم
- يصنف الشمال والجنوب على أساس المؤشرات لاقتصادية أساسًا.
- تتمحور منظومة الشمال حول قطب ثلاثي. ب- المظاهر الديموغرافية والاجتماعية لعدم التكافؤ بين الشمال والجنوب
- ينمو سكان الجنوب بسرعة مقارنة بسكان الشمال.
- تنمو مدن الجنوب بسرعة وبشكل عشوائي.
- يعاني الجنوب مشكلات اجتماعية عدة.
ج- المظاهر الاقتصادية لعدم التكافؤ - يعرف الجنوب ازدواجية اقتصادية تنعكس سلبًا على حجم الإنتاج ونوعيته.
- تقيم التجارة الدولية علاقة غير متكافئة بين الشمال والجنوب.
- تُثقل المديونية الخارجية كاهل اقتصادات دول الجنوب.
- تتسم مساعدات الشمال للجنوب بهزالها.
38 من إفرازات العلاقة بين التضخم السكاني وتدهور وضعية السكن بالنسبة إلى الطبقات الشعبية في المدن ما أثبته الباحث عبد الصمد
الديالمي من وجود استمرارية بين عدم ارتياح السكان (الفئات الدنيا والمتواضعة) إلى الوضعية السكنية وضعف الإشباع الجنسي انظر:
. Abdessamad Dialmy, Logement, sexualité et Islam: Essai (Casablanca, Maroc: EDDIF, 1995)
39 المغرب، وزارة التربية الوطنية، الجغرافيا: السنة الثالثة الثانوية (جميع الشعب)، درس «عدم التكافؤ بين الشمال والجنوب»، ص.11
بعد الإشارة إلى معياري التصنيف الأيديو- سياسي والتصنيف السوسيو- اقتصادي للشمال والجنوب، والمصطلحات
الرائجة عن الجنوب، وتحديد المؤشرات الإحصائية، كالناتج الوطني الإجمالي (PNB) ومؤشر التنمية البشرية والأقطاب
الثلاثة (الولايات المتحدة، اليابان وأوروبا) في مواجهة العالم الثالث، بادر واضعو الكتاب المدرسي إلى ترتيب وحدات
الدرس ومحاوره الرئيسة بوضع المظاهر الديموغرافية و لاجتماعية في القاعدة، التي تقوم فوقها المظاهر لاقتصادية لعدم
التكافؤ. إن أسبقية الديموغرافيا على لاقتصاد اختيار أيديولوجي يجعل من لاقتصادي نتاجًا للديموغرافي، وهو ما
حوّل الدرس من المنظور الكيلّ الذي أوحى به للقارئ إلى المنظور الأحادي المالتوسي المميّز للخطاب الجغرافي السكاني
ككل. من هنا يتضح أن ترتيب المظاهر الديموغرافية و لاجتماعية لعدم التكافؤ قبل المظاهر لاقتصادية لا يخلو من دلالة
مبطّنة في كيفية رؤية الخطاب للعلاقة بينهما. وإذا أضفنا إلى هذا النظرة الكمية /الوصفية التي تخترق مفاصل الدرس،
فسوف يتحول عدم التكافؤ هذا من محرك دينامي إلى آلية جامدة أو قدر محتوم. وما يؤكد هذا الأمر هو أننا قمنا بإحصاء
بسيط لمفاهيم ومصطلحات الدرس التي يكثف بها رؤيته للواقع، فتبين أن مصطلح الجنوب يتكرر بقوة بشكل يسترعي
لانتباه 105 مرات، أمّا مصطلح الشمال فيتكرر 71 مرة، وهما من أهم المصطلحات في الدرس فيما لا يتجاوز تكرار
مصطلح عدم التكافؤ 11 مرة. أمّا مفهوم الهيمنة، فيتردد 4 مرات، فيما وظِّف مفهوم التبعية مرة واحدة فقط. انسجامًا مع طريقة هيكلة الدرس وغموض استخدام المصطلحات، ثمة تثبيت لنوع من التصوّرات حول
الظاهرة المدروسة من خلال التركيز على مصطلحات محدّدة تفتقر إلى القوة الدلالية والمعرفية، خصوصًا إفراغ
عدم التكافؤ من محتواه بتغييب مضمونه لاقتصادي والثقافي والسياسي، مع إقصاء شبه تام لمفهومي التبعية والهيمنة، واستحضار مكثّف لمفهومي الشمال والجنوب، وهو ما يبرزه الجدول رقم:)7(الجدول رقم (7)
ترسيمة مقارِنة بين مفهومي الشمال والجنوب
| الشمال | الجنوب |
|---|---|
| سيادة نظام ديموغرافي حديث | حدوث لانفجار الديموغرافي |
| تجانس النمو الحضري وارتباطه بالتصنيع | التزايد الديموغرافي والهجرة هما سبب لانفجار الحضري |
| تميز الشمال بأمن غذائي تام | طغيان الفقر وسوء التغذية |
| تطور الخدمات الصحية | ضعف شديد في الخدمات الصحية واتساع الأمية |
| توسيع التعليم والقضاء على الأمية | ضعف التمدرس وعمق أشكال التفاوت لاجتماعي |
| لانسجام الكامل بين القطاعات لاقتصادية | غياب التمفصل بين القطاعات لاقتصادية |
| تميز الفلاحة بضخامة الإنتاج وتنوعه | ازدواجية القطاع الفلاحي وتبعيته للخارج |
| صناعة تكنولوجية | صناعات ضعيفة وتكنولوجيا ذات إرث استعماري |
| هيمنة الشمال على التبادل التجاري | تدهور التبادل التجاري وتبعية التجارة للشمال |
| مساعدات الشمال للجنوب عبر اتفاقيات أو عبر المؤسسات المالية الدولية | ارتفاع المديونية الخارجية |
المؤسسات المالية الدولية
يُستشف من هذه الترسيمة وجود تقابل منطقي يتأسس على أن فهم وضع الشمال يتوقف على ضبط أوضاع
الجنوب، فإدراك أحدهما يتوقف على إدراك الآخر، لكن ليس وفق طرح جدلي بنائي في صوغ هذه العلاقة
وتكوينها. هذا التقابل يسوّغ لبديل محدد هو النموذج الغربي الذي يقدَّم وكأن التحكّم في التضخم السكاني
في القرن العشرين كان سبيلا لتقدمه (الغرب). والأهم من هذا هو أن تقديم الظواهر والوقائع كما هو واضح
في الجدول يتم كما لو أنها نتاج ذاتها ولم تتولّد من سياق محدد. فإذا كان الشمال يتميّز بأمن غذائي تام، فكيف
تحقق ذلك؟ وإذا كان الجنوب يعاني طغيان الفقر وسوء التغذية، فما شروط إنتاجهما؟ وقس على ذلك ما
يتعلق بالتمدرس والخدمات الصحية، و لاقتصاد والمديونية؟ ومن ثم، فإن الخطاب لا يتناول منطق إنتاج
التخلّف وعدم التكافؤ على الصعيد العالمي، إذ ينقض أحد الأهداف التي أعلنها، وهو ربط التلميذ بالواقع
والمحيط. هكذا، في إطار طرح وصفي جامد ينفي المنطق لاجتماعي، يقرّ الدرس بأن «التقابل بين الشمال
والجنوب (يأخذ) معنى عدم التكافؤ بين شمال ثري يملك 5/4 من ثرواته ويعرف استقرارًا ديمغرافيًا،
وبين جنوب فقير لا يمتلك سوى 5/1 من الثروات العالمية ويعرف تزايدًا ديمغرافيًا قويًا». بهذا المنحى
لا يجهد الدرس عينه في كشف مغزى هذه المفارقة، وبالفعل نراه يعرّج على مخلفات لاستعمار ليفسر بها
التخلف الراهن لدول الجنوب لكنه لا يتناول الوضع لاقتصادي و لاجتماعي والثقافي الحالي لهذه الدول
في إطار التطور غير المتكافئ وتقسيم العمل الدولي، وما تتسم به النخب المحلية من نزوع نحو عدم فك
لارتباط بآليات التبعية. ثم إن الإرث لاستعماري لا يفسر وحده التخلّف، ومن هذه الناحية ندرك لماذا
لا يفهم الدرس العولمة كسلطة ثقافية وإعلامية نافذة للغرب، نافيًا عنها أنها تجلٍّ من تجلّيات الصراع الثقافي
والتكنولوجي العالمي في سياق تاريخي. كما أن الدرس في تلمسّه التخلّف يحاول أن يبث أطروحاته الصريحة والمضمرة بطريقة تجعل هذه المسألة لغزًا
يصعب فكه؛ فمن طريق التقسيمات المصطنعة، يقوم باحتواء الطروحات كلها، بدافع لاضطرار إلى لاعتراف
بها انسجامًا مع مبدأ الموضوعية كدرس تعليمي يتنكّر ظاهريًا لكل منظور أيديولوجي مسبق، وهو ما يفضي
به إلى إضعاف بنيته الحجاجية. يرد في الدرس: «ويرى بعض الدارسين أن أسباب التخلّف تكمن بالعلاقة
اللامتكافئة بين بلدان الشمال والجنوب، بينما يرى آخرون أن تخلّف بلدان الجنوب يرتبط بأسباب ذاتية تتمثّل
في عدم ملاءمة الظروف الطبيعية للنشاط البشري في بعض البلدان، وفي لانفجار الديمغرافي الذي يرهن كل
جهود التنمية، وفي التفاوتات الطبقية الصارخة التي تجعل نتائج التنمية غير معممة على الجميع». يُستشف من هذا النص بالفعل محاولة لتحديد أسباب التخلف في البلدان النامية، لكن صيغة طرح هذه الأسباب
لا تندرج في إطار تقديم لاتجاهات التي تعتمد إمّا الطرح التنموي أو المقاربة الصراعية، وإمّا المقاربة المعقدة
التي تقوم بتركيب عدد كبير من العوامل لتفسير الظواهر. فمن هم هؤلاء الدارسون؟ إن غياب هذا التحديد
سيضاعف من مظاهر لالتباس لدى التلميذ، ولا سيما عند ذكر النص أشكال التفاوت لاجتماعي التي اضطر
إلى تقديمها، إذ نجده يسارع عبر آلية لاختتام الجزئي للوحدة الفرعية في الدرس إلى نقضها بقوله «إن تعدد
الآراء حول أسباب التخلف يوحي بأن ظاهرة التخلّف ظاهرة معقدة تتشابك فيها عدة عوامل تاريخية وسياسية
واقتصادية واجتماعية، منها ما هو عام ومنها ما هو خاص. لكن مظاهرها تظل جلية في عدم التكافؤ لاجتماعي
و لاقتصادي بين الشمال والجنوب».
40 المغرب، وزارة التربية الوطنية، الجغرافيا: السنة الثالثة الثانوية (جميع الشعب)، درس «عدم التكافؤ بين الشمال والجنوب»، ص.5
41 المصدر نفسه، درس «عدم التكافؤ بين الشمال والجنوب»، ص.8
42 المصدر نفسه، درس «عدم التكافؤ بين الشمال والجنوب»، ص.8
هكذا، يصبح التخلّف عصيًا على التحليل ومجال ا لتعدد الآراء لا الطروحات النظرية، وهو ظاهرة معقدة تتشابك
فيها عوامل تاريخية وسياسية. وفيما لم يقدم الدرس هذه العوامل، فهو يصف ما ينبغي أن يفسر، ويستنتج ما
لم تتم البرهنة عليه. فكيف لم يصل الدرس إلى «تحديد سليم للتخلّف لاقتصادي و لاجتماعي كفقدان سيطرة
المجتمع على بيئته الطبيعية وعلى تطوّره التقني والحضاري، خاصة في ظل الهيمنة شبه المطلقة للدول الصناعية
على التدفقات المالية والتجارية والتقنية العالمية». ومن ثم، فإن التنمية الحقيقية لا تتكون إلاّ ب لادّخار والإبداع وتحرير طاقات الفرد والجماعة لمحاربة اقتصاد الريع
و لاتكالية على الغير. ومن هذه الزاوية، لا يحللالدرس التخلّف انطلاقًا من سيرورة داخلية شاملة تنطلق من
الدولة إلى الطبقات والفئات لاجتماعية وطرائق الإنتاج، وتقسيم العمل لينتقل إلى العلاقات بالغرب في جانبيها
الداخلي والخارجي. وبالتالي، فهو لم يدرس أسباب التخلّف الصناعي، ذلك أن بقدر ما يمثّل ارتباط الصناعة
بالمناجم وطغيان اليد العاملة الكثيفة وضعف المستوى التكنولوجي أسبابًا، فإن ذلك كله نتائج ومضاعفات أيضًا:
«فقد أصبح من الحقائق الراسخة تمامًا، يقول جورج قرم، الآن أن المنجزات التكنولوجية الأساسية كانت في بداية
الحقبة الصناعية هي منجزات الحرفيين المهرة، وليس منجزات العلماء بالمعنى الدقيق للكلمة، فلم يحدث إلاّ من
خلال القرن التاسع عشر أن أصبح التقدّم التقني في الصناعة والزراعة يعتمد حقًا على تطوّر العلوم التطبيقية». إن ما ينطبق على الصناعة ينطبق على التبادل التجاري العالمي/غير المتكافئ، الذي لا يموضعه الدرس في تقسيم
العمل الدولي وتحولاته لاستقطابية الراهنة، خصوصًا متغريّات العولمة وما يتعلق بها، كتوسع الغرب عبر
الأسواق، وهيمنة الإعلام الذي تحوّل قوة إنتاجية. كما لا يقدم مسألة المديونية في السياق ذاته، بل يرسّخ لدى
المتلقّي نوعًا من التمثّل الحدثي للظاهرة من حيث هي نتاج الصدمة البترولية (.1973) يتجىلّ البديل المطروح للخروج من التخلّف، بحسب الدرس، في مساعدات الشمال للجنوب ماليًا وتقنيًا؛
«فمجموع مساعدات الشمال إلى الجنوب لا ترقى إلى المستوى المطلوب، فهي تشكّل أقل من نصف خدمة الدَّين
الخارجي التي تقدر ب 160 مليار دولار، هذا بالإضافة إلى أنها لا تصُرف غالبًا في الميادين المخصصة لها»....
وإذا كانت مساعدات الشمال تندرج في خدمة الدَّين الخارجي للبلدان النامية، فمن يساعد من؟ وكيف يمكن
أن تكون استراتيجية التعاون واستيراد التكنولوجيا الجاهزة معبرًا للخروج من التخلف؟ ولماذا لا يتم تحرير
الإمكانات المحلية ودفعها نحو التطوير التكنولوجي، ما تعلق منها بالبحث العلمي التنموي أو بشروط بناء
اقتصاد تنافسي وتراكمي على حد سواء؟ يشير الدرس في خاتمته إلى حوار جنوب/جنوب، وهو اختيار فكري وسياسي لا ينسجم مع ما طُرح من مساعدات
الشمال للجنوب، ولا مع مجمل الطرح غير الجدلي بين الجانب الديموغرافي والجانبين لاقتصادي و لاجتماعي).46(
43 قرم، ص.172-171
44 المصدر نفسه، ص.189
45 المغرب، وزارة التربية الوطنية، الجغرافيا: السنة الثالثة الثانوية (جميع الشعب)، درس «عدم التكافؤ بين الشمال والجنوب»، ص.17
46 كشفت الدراسات التقييمية أن التربية السكانية المدرسية كان لها تأثير ضعيف في السلوك الديمغرافي، خصوصًا في الوسط القروي
A. Dialmy, «L’Education sexuelle,» dans: Santé de reproduction: Facteurs démographiques et socio- culturels انظر:
(Rabat, Maroc: Centre d’etudes et de recherches démographiques, 1998), p. 14.
المراجع
-1 العربية ابن خلدون، أبو زيد عبد الرحمن بن محمد. المقدمة للعلامة ابن خلدون: الجزء الأول من كتاب العبر وديوان
المبتدأ والخبر. ط 4. بيروت: دار القلم،.1981
الديالمي، عبد الصمد. المرأة والجنس في المغرب: دراسة سوسيو - تحليلية. الدار البيضاء: دار النشر المغربية،.1985
عمار، حامد. التنمية البشرية في الوطن العربي: المفاهيم، المؤشرات، الأوضاع. القاهرة: سينا للنشر،.1992
قرم، جورج. التنمية المفقودة: دراسات في الأزمة الحضارية والتنموية العربية. بيروت: دار الطليعة، 1981.
(سلسلة السياسة والمجتمع)
المغرب، وزارة التربية الوطنية. التربية السكانية: مفهوم - محتوى- منهج. مكناس، المغرب: شركة الطباعة
صوت مكناس، 1986.
المغرب، وزارة التربية الوطنية. الجغرافيا: السنة الأولى الثانوية (جميع الشعب). الدار البيضاء: مطبعة دار النجاح الجديدة،.1994
. الجغرافيا: السنة التاسعة من التعليم الأساسي. الدار البيضاء: مطبعة المعارف الجديدة،.1995
. الجغرافيا: السنة الثالثة الثانوية (جميع الشعب). الدار البيضاء: مكتبة المدارس،.1996
. الجغرافيا: السنة الثامنة من التعليم الأساسي. الدار البيضاء: دار الثقافة للنشر والتوزيع،.1994
. الجغرافيا: السنة السابعة من التعليم الأساسي. الدار البيضاء: دار الثقافة للنشر والتوزيع،.1994
المغرب، الوزارة المكلفة بالإسكان. إحصاء 1994. الرباط: مديرية الإحصاء،.1995 -2 الأجنبية Books
Charrad, Mounira. States and Women’s Rights: The Making of Postcolonial Tunisia, Al- geria, and Morocco. Berkeley: University of California Press, 2001. Cherkaoui, Mohamed. Sociologie de l’éducation. Paris: Presses universitaires de France, 1986. (Que sais-je?) Dialmy, Abdessamad. Logement, sexualité et Islam: Essai. Casablanca, Maroc: EDDIF, 1995. Durkheim, Emile. De la division du travail social. Paris: Presses universitaires de France, 1991. (Quadrige; 84) Morin, Edgar. Le Paradigme perdu, la nature humaine. Paris: Éditions du Seuil, 1973. _______. Sociologie. Paris: Fayard, 1994. Moscovici, Serge. Essai sur l’histoire humaine de la nature. Nouvelle éd. Paris: Flammarion, 1977. (Champs; 10. Champ philosophique) Pedersen, Jon. The Social Construction of Fertility: Population Processes on a Plantation in the Seychelles. Oslo, Norway: Department of Social Anthropology, University of Oslo, 1985. La Réforme de l’enseignement au Maroc: Une Contribution au débat. Rabat: Groupe d’études et de recherches sur les ressources humaines, Association des économistes marocains, 1995. (Série «Tables-rondes»; 1) Santé de reproduction: Facteurs démographiques et socio- culturels. Rabat, Maroc: Centre d’etudes et de recherches démographiques, 1998.
Periodical
Kerrou, Mohamed and Mostafa Kharoufi. “ Maghreb: familles, valeurs et changements sociaux.” Monde arabe: Maghreb Machrek: no. 144, avril-juin 1994.
Document
«Démographie Marocaine: Tendances passées et perspectives d’avenir.” (Rapport théma- tique, centre des études et des recherches demographiques, haut commissariat au plan,