Return to Article Details The Reality of Maghreb Emigration and its Transformations

واقع الهجرات المغربية وتحوّلاتها

The Reality of Maghreb Emigration and its Transformations

عبد القادر لطرش*

الملخّص

* أكاديمي جزائري مختص بقضايا الديموغرافيا والهجرة.

Abstract

Emigration from the Maghreb witnessed a leap in numbers in the first decade of the twenty-first century, after waves experienced at the end of the 1950s and the beginning of the 1960s. These migrations came in three stages and expanded beyond their historical scope to include geographic regions and countries near and far. This helped to create structural changes in the context of the determinants of the relationship of the migrant with his country and his role in developing regions which goes beyond the question of financial remittances. This development encouraged questions to be asked about the most important transformations in migration from the Maghreb over the past five decades and the nature of the determinants controlling it and the extent of its structural and subjective effect on the transformation of the economies of the Maghreb states and the states receiving immigrants through putting into action their transitional absorption capacities which allow ongoing communication with the original societies over multiple generations.

الكلمات المفتاحية:
  • هجرة
  • تحولات مالية
  • شباب
  • هجرة دولية
  • هجرة الكفاءات
Keywords:
  • Migration
  • Financial Remittances
  • International Migration
  • Brain Drain

عرفت الهجرات المغاربية قفزة عددية في مطلع العقد الأول من القرن الجاري، بعد موجات

عرفتها البلدان المغربية في نهاية خمسينيات وبداية ستينيات القرن الماضي. فالهجرات التي

تمرحلت على ثلاث محطات توسّعت عن مجالها التاريخي لتشمل أقاليم جغرافية وبلدان بعيدة

وقريبة، ما ساهم في ترتيب تحولّات بنيوية في إطار طبيعة محددات علاقة المهاجر مع بلده ودوره

في المشاركة بتنمية المناطق متجاوزًا في ذلك مسألة التحويلات المالية. هذا التطور يحرّض على طرح أسئلة بشأن أبرز تحولّات الهجرة المغاربية في العقود الخمسة

الأخيرة، وطبيعة المحددات التي تتحكّم في تفعيلها، ومدى تأثرها البنيوي والذاتي بتحول

اقتصادات دول المغرب العربي والدول المستقبلة للمهاجرين من خلال تفعيل قدراتها التضامنية

التقليدية التي تسمح بالتواصل المستمر مع مجتمعاتها الأصلية مهما تعددت الأجيال.

عرفت الهجرات المغاربية، التي تُعَدّ أحد مكوّنات الهجرات العربية، جملة من التحولّات الكمية

والبنيوية والذاتية غريّت من طبيعة الهجرات المغاربية وحجمها وخارطتها في بداية العقد الأول من

الألفية الثالثة. فلا تنتقي الهجرات هذه اليوم، وعلى عكس واقعها في خمسينيات القرن الماضي، فئات اجتماعية

دون سواها، ولا تختص بلدانًا أو وجهات محددة، ولا تتحقق ضمن أُطر قانونية معيّنة. بل العكس من ذلك

كله؛ فالهجرات المغاربية في عصر عولمة الهجرات الدولية تشمل فئات اجتماعية متعددة، من رجال ونساء

وأطفال وشباب، لتجمع بين أوجه قديمة وأوجه جديدة. يضاف إلى ذلك أن الهجرات المغاربية لا تخص الفئات

البسيطة من العمالة فحسب، بل تشمل كذلك فئات اقتصادية جديدة من المؤهلين ومحَلة الشهادات العليا من

1 Peter Stalker, Workers without Frontiers: The Impact of Globalization on International Migration (Boulder, Colo.: Lynne Rienner Publishers; Geneva: ILO, 2002), and Gildas Simon, “Les migrations internationales,” Population et Sociétés, no. 382 (Septembre 2002).

المهندسين والأطباء والطلبة. ولا تقتصر الهجرات المغاربية على وجهات تاريخية تقليدية، وإنما نجد أن خارطة

الهجرات المغاربية توسعت ففاضت عن مجالها التاريخي لتشمل أقاليم وبلدانًا جغرافية جديدة، أكانت بعيدة أم

قريبة. وترتّب عن هذه التحولّات البنيوية تحوّل في طبيعة علاقة المهاجر المغاربي ببلده ومنطقته، ليتولّد عهد

جديد تحوَّل فيه المهاجر المغاربي إلى عنصر فعّال في تنمية بلده من خلال مساهمات متعدّدة تتجاوز التحويلات

المالية. فما هي أبرز تحولّات الهجرات المغاربية في العقود الخمسة الأخيرة؟ وما هي طبيعة المحدّدات التي تحكم

وتتحكم في تفعيل الهجرات المغاربية؟ وما هو مستقبل الهجرات الدولية المغاربية؟ ممّا لا شك فيه أن تفعيل الهجرات الدولية يرتبط بعوامل بنيوية وذاتية متعددة، تتأثر بتحولّات مجتمعات

واقتصاديات دول المغرب العربي من جهة، والدول المستقبلة للمهاجرين من جهة أخرى، أكان ذلك في مختلف

الدول الأوروبية أم في أميركا الشمالية. غير أن حجم الهجرات المغاربية يبقى مرتبطًا بعوامل مؤسساتية تخص

محدّدات الطرد (Push) والجذب (Pull).

أولا: الهجرات الدولية في منطقة المغرب العربي

تشكّل الهجرات الدولية ظاهرة بارزة في بلدان المغرب العربي، ولا يقتصر واقعها اليوم في مختلف بلدان المغرب

العربي على وجه واحد من أوجه الهجرات الدولية، بل إنه يجمع، وبمستويات متباينة، بين الأبعاد الثلاثة

للهجرات الدولية: استقبال المهاجرين وإرسالهم وعبورهم، لتبرز دول مستقبلة للمهاجرين مثل ليبيا، التي

اعتبُرت على مدى عقود دولة مستقبلة للعمالة العربية والأفريقية. أمّا موريتانيا التي تبقى فيها الهجرة الدولية

ظاهرة هامشية، فتحوّلت في الأعوام لاخيرة، وعلى نحو متزايد، إلى بلد لعبور المهاجرين إلى أوروبا. وبالنسبة

إلى البلدان المغاربية الأخرى (المغرب والجزائر وتونس)، فتعرف الهجرات الدولية تنوعًا في تركيبتها، إذ إن هذه

الدول، تعرف وبمستويات متباينة، تعايشًا لأوجه الهجرات الدولية الثلاثة، إلاّ أنها تبقى بالدرجة الأولى دولا

مرسِلة للمهاجرين. ولا يمكن اعتبار وجود الأبعاد الثلاثة للهجرات الدولية في بلدان المغرب العربي ظاهرة جديدة، بل بالعكس،

فهذه البلدان شكّلت منذ القِدَم، وبفعل موقعها المطل على البحر الأبيض المتوسط شمالا والمنفتح على دول

المشرق العربي شرقًا وعلى الدول الأفريقية جنوبًا، منطقة تنقّل وحركة مستمرين للأفراد والجماعات؛ حركة

أثّرت تاريخيًا على تركيبة دول المغرب العربي السكانية و لاجتماعية و لاقتصادية، بل حتى السياسية. غير أن واقع

الهجرات الدولية الحالي في هذه البلدان يطغى عليه تنامي أعداد المهاجرين المغاربة إلى الخارج.

ثانيًا: تزايد أعداد المهاجرين المغاربة في الخارج

عرفت الهجرات المغاربية، على الرغم من تضارب الأرقام حولها وصعوبة حصر حجمها وخصائصها، توسعًا

في العقود في العقود الأخيرة؛ فمن بضعة آلاف مهاجر مغاربي في الخارج غداة استقلال دول المغرب العربي

في نهاية خمسينيات وبداية ستينيات القرن الماضي، سجّلت الهجرات المغاربية قفزة عددية تجاوزت في مطلع

العقد الأول أكثر من ثلاثة ملايين عبر مختلف قارات العالم، وهي زيادة مسّت مستويات متباينة جدًا لتيارات

الهجرات المغربية والجزائرية والتونسية، ليعرف كل تيار مستويات نمو خاصة، بل توسعًا جغرافيًا خاصًا. لكن

مهما تعددت مسيرة الهجرات المغاربية في العقود الأخيرة، فإن حجم الهجرات المغاربية وخارطتها اليوم وسّعا

خارطة المغرب العربي الإدارية التقليدية ليصبح، بحكم تزايد أعداد مهاجريه وتوزّعهم الجغرافي الممتد، فضاء

بلا حدود. ويمكن التمييز بين ثلاث مراحل أساسية في تاريخ الهجرات المغاربية: المرحلة الأولى (المرحلة الاستعمارية): فتح لاستعمار الفرنسي في المغرب العربي الباب أمام أشكال متنوعة

من الهجرات الدولية في مختلف البلدان المغاربية؛ ففي الجزائر ترتّب عن الغزو الفرنسي مجيء أعداد وافرة من

الفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين. يضاف إلى ذلك أنه نتج من التحولّات لاقتصادية، وخصوصًا في المجال

الفلاحي في المدن الساحلية في بداية القرن التاسع عشر، توسّع الطلب على العمالة، وهو ما استدعى استقدام

أعداد واسعة من العمال الموسميين. فعلى سبيل المثال، في عام 1930، بلغ عدد العمال الموسميين المغاربة في

الجزائر حوالي 85 ألف عامل. يضاف إلى ذلك بداية هجرة الجزائريين إلى فرنسا. أمّا في المغرب، فنتج من الفترة

لاستعمارية (-1912 1956) نشوء الهجرات المغاربية نحو فرنسا، إذ تطلبت حاجات فرنسا لاقتصادية في

أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية استقدام آلاف من الناشطين المغاربة للعمل في مختلف المنشآت والمناجم،

وحتى في الجيش الفرنسي؛ إذ تم استقدام حوالي 40 ألف عامل مغربي إبان الحرب العالمية الأولى، وأكثر من

120 ألفًا خلال الحرب العالمية الثانية لتلبية حاجات الجيش الفرنسي العسكرية، وهم عمال كانوا يُستقدمون

أساسًا بصفة مؤقتة. غير أن تدفّق العمال الموسميين ترتب عليه التوسع التدريجي للمهاجرين المغاربة في فرنسا،

فشهد وجودهم نموًا قارب ال 17 في المئة بين عامي 1946 و.1962 الجدول رقم (1)

تطوّر أعداد المهاجرين الجزائريين والمغاربة والتونسيين في فرنسا بين عامي 1946 و 1962

)(أ 1946)(ب 1954)(ب 1962
إجمالي لاجانب619٫743٫1100298٫765٫1100665٫169٫2100
إجمالي المغاربة488٫402.3209٫22712.9373٫41018.9
الجزائريون114٫221.3675٫21112.0484٫35016.2
المغاربة458٫160.9734٫100.61320٫331.5
التونسيون916٫10.1800٫40.27569٫261.2

التونسيون 916٫1

المصدر: التعدادات السكانية الفرنسية.

أ - هم السكان المقيمون في أثناء التعداد.

ب- في عامي 1954 و 1962 حصي الفرنسيون المسلمون، الذين يُقصد بهم الجزائريون، ضمن الأجانب. أُ

المرحلة الثانية: تميّزت هذه المرحلة الممتدة من بداية ستينيات القرن الماضي إلى العقد الماضي من الألفية الثانية

بتوسّع مج لات حركة الهجرات المغاربية لتتجاوز خارطة الهجرات المغاربية المج لات الجغرافية الموروثة

عن الحقبة لاستعمارية، ولتعرف الهجرات المغاربية بذلك توسعًا تجاوز الهجرات المغاربية- الفرنسية. وقد

تحقق ذلك من خلال سعي الدول المغاربية، وخاصة المغرب، إلى توفير أسواق عمل جديدة تتيح فرص عمل

للفئات النشيطة المحلية، فيبز بذلك دور الدولة مجددًا في إدارة الهجرات الدولية في المغرب العربي. فعلى

سبيل المثال، عقد المغرب في عام 1963 اتفاقية مع ألمانيا الغربية لتوظيف العمال المؤقتين المغاربة، وعقد

في عام 1964 اتفاقية مع بلجيكا، وفي عام 1969 اتفاقية مع هولندا. أمّا الجزائر، فعقدت في عام 1968

اتفاقية مع بلجيكا بشأن إدارة هجرة العمال الجزائريين إلى بلجيكا، في حين تمت في عام 1968 مراجعة قانون

دخول الجزائريين إلى فرنسا وإقامتهم بها. وفي ما يتعلّق بالهجرات التونسية إلى الخارج، جرى توسيع نطاقها

من خلال سن معاهدات بين الحكومة التونسية وإيطاليا وألمانيا، بالإضافة إلى لاتفاقية مع فرنسا بخصوص

عمل التونسيين وإقامتهم بها. المرحلة الثالثة: تتميز الهجرات المغاربية اليوم بتعدد اتجاهات المهاجرين المغاربة وتنوّعها، فهي لا تقتصر على

وجهات تقليدية مثل فرنسا، بل إن خارطة الهجرات المغاربية تشمل وجهات مختلفة، منها الوجهات التقليدية،

خاصة الأوروبية منها، ووجهات جديدة - قريبة كإسبانيا وإيطاليا اللتين تستقطبان أعدادًا غير منقطعة من

المهاجرين المغاربة. تُضاف إلى ذلك الوجهات البعيدة في أميركا الشمالية (كندا والولايات المتحدة الأميركية)

وأفريقيا. هذا وتشمل الهجرات المغاربية هجرات تقليدية تتمثّل في الهجرات الجوارية في ما بين دول المغرب

العربي، أو المهاجر العربية، وهذه الأخيرة التي تبقى صعبة على القياس نظرًا إلى عدم توافر بيانات بشأن توزُّع

المهاجرين بحسب الجنسيات. الجدول رقم (2)

توزيع المهاجرين الجزائريين والمغاربة والتونسيين عبر العالم

مجموع المغاربةتونسالمغربالجزائرمنطقة الإقامة
30678123777801895467790368المجموعة الأوروبية
60743111762646123106بعض الدول العربية
118156169216738933846دول أخرى
32467114058771989317847320المجموع العام

المصدر: قاعدة بيانات المرصد الأورومتوسطي للهجرات الدولية، على الموقع الإلكتروني www.carim.org>. <. وتخص هذه البيانات

المهاجرين المغاربة المقيمين بمناطق العالم أعوامًا متعددة.

ولعل ما يميّز الهجرات المغاربية، على غرار الهجرات العربية في ظل عولمة الهجرات الدولية، هو لارتفاع غير

المسبوق لأعداد المهاجرين العرب في العالم؛ ففي العقد الأخير غادر حوالي مليو ين 2 مواطن عربي أوطانهم،

ليستقروا في بلدان وأقاليم مختلفة، منها ما يمثّل وجهات جديدة للهجرات العربية كإسبانيا وإيطاليا وكندا،

ومنها ما يُعتبر وجهات تقليدية كالولايات المتحدة الأميركية وفرنسا. هذا العمر الجديد من الهجرات العربية

يبينّ مدى مساهمة البلدان العربية في النظام الدولي للهجرات الدولية، ومدى تأثر المنطقة العربية بملامح العولمة.

2 هذا العدد لا يشمل اللاجئين.

المجموعكندا ****الولايات المتحدة
الأميركية ***
إيطاليا **إسبانيا *
-2000
2006
-1998
2007
-1998
2008
-1998
2008
70809162309419328441876الجزائر
707776148003846977987576520المغرب
2031933653867118831204تونس
298510851887130ليبيا
105602702378687980موريتانيا
7637168706025073121939مصر
403712990370100371الأردن
496021135537898168181لبنان
156512000116249الأراضي الفلسطينية المحتلة
315034455254854241139سورية
49541998538926251379العراق
33962649527365102-اليمن
14766812640122388126400باقي البلدان العربية
124303291740405342114112631838المجموع

المصدر:

الجدول رقم (3)

توزيع المهاجرين العرب الذي استقروا في بعض الدول بين عامي 1998 و 2008

Department of Homeland Security, Office of Immigration Statistics, [s. d.]. The Profiles on Legal Permanent Residents; Yearbook of Immigration Statistics, Fargues, 2002. ****<http://www.statcan.gc.ca/>.

-1 تعدّد فئات المهاجرين المغاربة لعل من أبرز ما يميّز الهجرات المغاربية اليوم هو تحولّها إلى ظاهرة مجتمعية، إذ إنها لا تقتصر - كما كانت حالها

في الماضي - على فئات معيّنة من المهاجرين، وخاصة الرجال النشطين اقتصاديًا، بل تشمل أيضًا فئات مجتمعية

متعددة، مثل النساء والشباب وأصحاب الكفاءات. -2 تنامي مكانة المرأة في الهجرات المغاربية ترتّب عن الأزمة لاقتصادية في البلدان الصناعية في بداية سبعينيات القرن الماضي تحوّل في سياساتها اتجاه

المهاجرين، إذ إن غالبية هذه الدول اعتمدت إجراءات وقوا ين تضع حدًّا للهجرة إليها، طاعنة بذلك في

لاتفاقيات الثنائية المنظّمة للهجرة. ورافق هذه التوجهات الجديدة في إدارة الهجرات الدولية ميلاد قوا ين

جديدة تسعى إلى توفير الحياة الكريمة للمهاجرين، كسنِّ قوا ين لمِّالشمل، أو التجمّع الأُسري. وساهمت

الإجراءات الإدارية التي تحكم لمَّالشمل، الذي يُعتبر أحد مرتكزات الإعلان العالمي لحقوق لانسان بتاريخ 10

كانون الأول/ ديسمبر 1948 الدّاعي إلى حفظ حق كل شخص في الزواج وتكوين أُسرة، والميثاق لاجتماعي

الأوروبي بتاريخ 8 تشرين الأول/ أكتوبر 1961 الذي يدعو في مادته التاسعة عشرة الدول الأوروبية إلى تسهيل

لمِّشمل أُسر المهاجرين، ومعاهدة الإطار القانوني للعمال المهاجرين بتاريخ 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 1977

التي تنص في مادتها الثانية عشرة على لمّالشمل، وأخيرًا معاهدة الأمم المتحدة بشأن حقوق الطفل بتاريخ 26

كانون الثاني/ يناير 1990 التي تحرص على حماية الطفل وتوفير الحياة الأُسرية له، كل ذلك أفضى إلى تحوّل في

تركيبة المهاجرين المغاربة من خلال تزايد أعداد الأطفال والنساء بين الجوالي المغاربية في أوروبا، وهو ما أحدث

بعض التوازنات في تركيبة المهاجرين السكانية؛ فالجوالي المغاربية لم تعُد تقتصر على العمال الرجال الذين يعيشون

عيشة العازبين، بل تحوّلت تركيبة المهاجرين المغاربة لتشمل فاعلين جددًا، وخصوصًا النساء والأطفال. ففي

فرنسا، وفي الفترة 1982 - 1990 تراجعت نسبة الذكور عند الجزائريين من 1.82 عام 1982 إلى 1.32 عام

1990، وعند التونسيين من 1.47 إلى 1.31، وعند المغربيين من 1.5 إلى 1.25. وتنامت نسبة الأزواج بين

الأسر عام 1990، فوصلت في عام 1990 إلى 71 في المئة من الأُسر المغربية والتونسية، و 66 سر في المئة من الأُ

الجزائرية المقيمة بفرنسا. -3 مكانة الشباب في الهجرات العربية المعاصرة أصبح الشباب العربي أحد مكوّنات الهجرات العربية ليؤكد وجوده في جميع التيارات الوطنية وفي الوجهات

كافة. وربما يكون وجود الشباب العربي ضمن تيارات الهجرات العربية نتاج هجرات فردية ومستقلة، أو نتاج

هجرات عائلية. تتراوح نسبة الشباب ضمن تيارات الهجرات العربية بين 8 في المئة و 15 في المئة من إجمالي المهاجرين؛ ففي كندا،

يمثل الشباب أكثر من 15 في المئة من المهاجرين من المغرب العربي، في حين يعرف وجود الشباب ضمن

تيارات الهجرات العربية في إسبانيا تباينًا في مستوياته قد يعود إلى تركيبة كل تيار من الهجرات العربية ومكانة

التكامل الأُسري فيه. لكن هذا لا يقلل من مكانة الهجرات الفردية ضمن كل تيار من تيارات الهجرات العربية.

3 جامعة الدول العربية، إدارة السياسات السكانية والهجرة، التقرير الاقليمي لهجرة العمل العربية، 2006 (القاهرة: [الجامعة،

2006])، ص.35

4 «موجز السياسات لاجتماعية: هجرة الشباب في البلدان العربية، ” (أعد هذا الموجز قسم السكان والتنمية لاجتماعية في شعبة التنمية

لاجتماعية في الإسكوا، وبمساهمة من السيد عبد القادر لطرش، 2009)، ص.4

الجدول رقم (4)

نسبة الشباب بين المهاجرين العرب المقيمين بإسبانيا، 2008

البلد الأصلينسبة الشباب إلى إجمالي المهاجرين
الجزائر8
مصر5
المغرب15
موريتانيا7
تونس7
العراق11
الأردن8
لبنان8
الأراضي الفلسطينية المحتلة7
سورية10

سورية 10

Anuario Estadístico del Ministerio del Interior, 2008, on the web: <http://extranjeros.mtas.es>.: المصدر

إن هجرة الشباب العربي، التي تمثّل أحد مكوّنات الهجرات العربية اليوم، هي نتاج عوامل بنيوية، خاصة تلك

المتعلقة بمكانة الشباب في السياسات التنموية، وطبيعة التعاطي مع قضايا تمكيين الشباب في المنطقة. وقد عرفت الدول العربية على اختلاف توجهاتها التنموية جملة من السياسات التنموية العامة والقطاعية، ركزت

كلها على تحسين الظروف المعيشية للسكان. هذه السياسات، التي حددت أولوياتها المشاريع التنموية الوطنية أو

التوجهات الدولية، تعاملت مع قضايا التنمية في شموليتها، أي من دون التركيز على فئات اجتماعية أو سكانية

معيّنة. وهذا المنظور التقليدي في توجيه أولويات العملية التنموية وإدارتها ألغى، ولزمن طويل، التعاطي مع

مطالب وخصوصيات بعض الفئات السكانية و لاجتماعية الحساسة، كالشباب؛ فالشباب الذين يمثّلون فئة

سكانية واجتماعية لها ما يميّزها عن باقي مكونات المجتمع لم يحظوا بالرعاية والعناية اللتين تطلبهما هاته الفئة

الحساسة، وذلك على الرغم من نمو وزنهم في التركيبة السكانية وتنوّع حاجاتهم ومتطلباتهم، باستثناء التركيز

على تغطية بعض الحاجات كالتعليم العام. وتواصلت شمولية التعاطي مع القضايا التنموية في دول المنطقة

لتمتد كذلك إلى فترات تحوّل ديموغرافية عرفت ازديادًا في وزن الشباب في التركيبة السكانية. فعلى الرغم من

لازدياد المتواصل لوزن الشباب في مختلف الدول العربية، لم تركز السياسات التنموية ثانية على خصوصيات

الشباب ومتطلباتهم، لتبقى حاجاتهم الفئوية ضمن الحاجلت العامة. ونتج من هذا المنظور العام لإدارة التنمية في كثير من الدول العربية، خاصة تلك التي تعرف ضغوطًا سكانية

مرتفعة أو تراجعًا للسياسات العامة جرّاء الهزات لاقتصادية، شعور لدى الشباب بتغييبهم أو عدم العناية

بمتطلباتهم الخاصة، لتصبح الهجرة الدولية، بمختلف أوجهها، في أعين كثير من شباب المنطقة ح ولو مؤقتًا،

يسعون من خلاله إلى تحقيق مشاريعهم وضمان مكانة اجتماعية لهم. ففي غياب سياسات معلنة تعمل على تأهيل الشباب ودمجهم في النسيج لاقتصادي و لاجتماعي، أصبح هؤلاء في كثير من الدول العربية يعانون مشكلات التهميش لاجتماعي وعدم المشاركة في صنع مصيرهم. وبالتالي، يكابد شباب المنطقة قلة البرامج المخصصة لهم، وضعف اندماجهم لاجتماعي ومشاركتهم في التنمية، الأمر الذي يدفعهم إلى الهجرة. يسجَّل هذا خلال

وقت تعرف البلدان العربية فيه النافذة الديموغرافية، التي تفتح لازدياد المتواصل لفئة الشباب فيها مج لات متنوعة من الفرص يمكن لمختلف القطاعات الحيوية لاقتصادية و لاجتماعية والخدماتية لاستفادة من غالبية الأفراد الذين هم في قمة عطائهم الإنتاجي. ولعل من العناصر المؤثرة مباشرة في مشروع الهجرة الدولية عامة، وهجرة الشباب خاصة في البلدان العربية،

تلك المرتبطة بالعوامل الداخلية الطاردة التي لها علاقة مباشرة بالبنية لاقتصادية والتعليمية، أو بعوامل الجذب الخارجي. أ- العوامل الطاردة (1) العوامل الاقتصادية: سعت الدول العربية في العقود الأخيرة إلى تحديث بنيتها لاقتصادية، وتوفير فرص

عمل تسمح بامتصاص الأعداد الهائلة من الأجيال الجديدة من الباحثين عن العمل أول مرة، ومن العاطلين عن العمل. غير أن التحولّات لاقتصادية السريعة، والهزات المالية المتتالية، وتراجع دور الدولة في كثير من الدول

العربية، والطبيعة التقليدية للقطاع الخاص في البلدان العربية، وعدم تنوّع النشاطات لاقتصادية والإنتاجية،

كل ذلك قلل من فرص العمل لدى الشباب العربي. واليوم، تُعَدّ البلدان العربية من البلدان التي تشهد أعلى

مستويات البطالة، وخاصة بطالة الشباب، لتصبح البطالة فيها شبحًا يطارد الشباب، الذين لا تقتصر بطالتهم

على غير المتعلمين، بل تشمل كذلك المتعلمين ومحَلة الشهادات الجامعية العليا. وتبدو هجرة الشباب في البلدان

العربية في ح لات كثيرة، خاصة في البلدان العربية غير النفطية، المسلك الوحيد للحصول على فرص عمل تسمح بتحسين أوضاعهم لاقتصادية وأوضاع ذويهم. (2) العوامل التربوية والتعليمية: عرفت المنظومة التربوية في البلدان العربية انفتاحًا واسعًا سمح لها باستيعاب

شرائح اجتماعية متعددة، خاصة الفئتين لاجتماعيتين المتوسطة والدنيا. فالتعليم العالي، الذي كان ينحصر في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته على فئات اجتماعية معيّنة، توسّع ليشمل مطالب فئات اجتماعية جديدة.

لكن إذا كان التعليم العالي في البلدان العربية قد نجح في تغطية طلبات الجمهور الجديد من الطلاب، فإنه يبدو غير مهيأ لتغطية المتطلبات الجديدة، من تعليم جامعي حديث ومتطور يلبّي حاجات أسواق العمل المحلية

والإقليمية في المج لات العلمية والتقنية الجديدة. لهذا، يضطر الآلاف من الشباب العربي إلى مغادرة أوطانهم للتعلم في الخارج بحثًا عن تخصصات علمية حديثة من جهة، وللحصول على درجات علمية عليا من مختلف

الجامعات العالمية من جهة أخرى، لتصبح بذلك الهجرة الجامعية أو الهجرة للدراسة أحد أوجه هجرة الشباب

في البلدان العربية. هذه الهجرة التي تخص الشباب العربي، إناثًا وذكورًا تحوّلت في الأعوام الأخيرة إلى إحدى

القنوات المفضَّلة لدى الشباب العربي لمغادرة الأوطان، حيث إن كثيرين من الطلاب العرب لم يعودوا إلى

بلدانهم بعد لانتهاء من دراستهم. (3) العوامل السياسية: تُعَدّ المنطقة العربية من بين المناطق التي شهدت في العقود الأخيرة جملة من الأحداث

و لاضطرابات السياسية، كالحروب والتوترات السياسية، فتحوّلت إلى أكثر المناطق توترًا في العالم، وبدا الأفق

مسدودًا أمام ا شرائح مجتمعية متعددة، خاصة الشباب منها. لأجل هذا، يلجأ الشباب العربي في كثير من البلدان

العربية إلى الهجرة بطرقها الشرعية وغير الشرعية، سعيًا وراء تحقيق حياة هادئة. وهجرة الشباب العربي في هذه

الأوضاع هي تعبير عن البحث عن بيئة آمنة تسمح لهم بتحقيق مشاريعهم الحياتية المشروعة. يضاف إلى هذا

غياب مشاركة الشباب على الصعيد السياسي، وهو ما يثير لدى عدد كبير منهم شعورًا بالإقصاء والتهميش. ب- العوامل الخارجية (الجاذبة) تُعتبر العوامل الخارجية، أو عوامل الجذب، من العوامل المفعّلة للهجرات الدولية، بما فيها هجرة الشباب؛

فالعوامل الخارجية كانت، وما زالت، من العوامل المشجعة لكثير من تيارات الهجرات الدولية في الماضي

والحاضر، وترتبط عادة بمستويات النمو بين المناطق والأقاليم والبلدان. تُضاف إليها العوامل لاقتصادية

المتمثّلة في مستويات انفتاح كثير من أسواق العمل في الدول المستقبلة في الشمال، والطلب العالمي المفتوح

على العمالة، خاصة العمالة الماهرة، ومستويات الأجور السائدة فيها. هذا ولا يمكننا التقليل من دور العولمة،

وخاصة عولمة الهجرات الدولية في تفعيل الهجرات العربية، وخاصة هجرة الشباب. (1) النمو الاقتصادي والاجتماعي المتباعد بين المناطق والأقاليم: تتعدّد أسباب الهجرات الدولية، لكن العوامل

الأساسية التي تنشطها تبقى مرتبطة أساسًا بالعوامل البنيوية المتعلّقة بأنماط التنمية لاقتصادية ومعدلات النمو

لاقتصادي، ومستويات انفتاح أسواق العمل المحلية، والرفاه لاجتماعي بين الأقاليم الجغرافية والبلدان.

فالهجرة الدولية هي انتقال الأفراد نحو أنماط اقتصادية مفتوحة ونشيطة ومستقرة. إن ما يميّز الهجرات الدولية، بما فيها هجرة الشباب العربي، هو أنها تتجه دائما نحو اقتصاديات ومجتمعات مسامّة

دولا متقدمة؛ فالهجرة هي تعبير طبيعي عن الفروق في مستويات التنمية بين المناطق والأقاليم. والتباين المتسارع

في مستويات التنمية بين الأقاليم في العقود الأخيرة ضاعف من حدّة هذه العلاقة. وخارطة الهجرات الدولية

اليوم، التي تتميّز بجلب الدول المتقدمة أكثر من 115 مليون مهاجر، وما يعادل 58 مليونًا من المهاجرين

الدوليين، تؤكد طبيعة هذه العلاقة بين الأقاليم. والهجرات العربية، وخاصة هجرة الشباب غير مستثناة

من هذه العلاقة. ويرى كثير من المتتبّعين للهجرات الدولية في استمرارية جذب الدول الصناعية المتقدمة

للمهاجرين من دول الجنوب دليلا على التبعية الموجودة بين مختلف الأقاليم عبر العالم، من جهة، وهيمنة النمط

لاقتصادي و لاجتماعي الرأسمالي، من جهة أخرى. (2) تسارع نمو السوق العالمية للوظائف: ترتّب على عولمة الإنتاج والتطوّرات الديموغرافية ازدياد في حركة

الأيدي العاملة، وانتقال الوظائف على الصعيد العالمي بين مختلف الأقاليم الجغرافية. هذا الواقع الجديد الذي

نتج منه ازدياد في حركة الأفراد ورغبة العمالة في الهجرة لم يستثنِأي إقليم جغرافي. واليوم، تواجه كل الأقاليم

الجغرافية ضغوط هجرة العمالة، خاصة المناطق التي تعرف تحولات ديموغرافية لينتج منها ارتفاع أعداد من هُم

في سن العمل، كما هي الحال في كثير من البلدان العربية. وبالتالي، فإن عولمة أسواق العمل وارتفاع الطلب

العالمي على العمالة في كثير من الأقاليم، بالتزامن مع النافذة الديموغرافية في البلدان العربية، أفرزا فرصًا جديدة

لهجرة فئات نشيطة من مختلف مجتمعات دول المنطقة العربية، وخاصة الدول غير النفطية. وما تكاثُر برامج

تنظيم الهجرة التعاقدية في المنطقة العربية، كمصر والأردن والمغرب وتونس، إلاّ خير دليل على مساهمة دول

المنطقة في السوق العالمية للوظائف، وازدياد فرص الهجرة الشرعية لمن هُم في سن الهجرة، وخصوصًا الشباب.

5 شعبة الأمم المتحدة للسكان، قاعدة بيانات الهجرات الدولية، على الموقع الإلكتروني: <http://esa.un.org/migration>.

هذه هي المشاريع التي ستساعد الدول غير النفطية على تغطية الطلب الخارجي للوظائف، أكان الطلب إقليميًا

أم دوليًا. وبالتالي ستطرح الهجرة نفسها على دول المنطقة كوسيلة للاندماج في النظام لاقتصادي العالمي، فضلا

عن أنها مصدر مهم للمساهمة في الحد من معدلات البطالة في المنطقة، وفي زيادة دخول الأُسر وحتى دعم

لاقتصاد الوطني. ومن المتوقّع أن ترتفع مشاركة دول المنطقة، لاسيما الدول غير النفطية، في السوق العالمية

للوظائف، مع ارتفاع وزن الفئات النشيطة في المنطقة مستقبلا. وليس من المستبعد أن يختص الطلب العالمي

على العمالة ومشاركة الدول العربية فيه بالدرجة الأولى على شباب المنطقة، وبصورة خاصة الشباب المؤهلين. وتُعَدّ الأوضاع لاقتصادية في الدول الصناعية، والمتمثّلة خاصة في انفتاح أسواق عملها وحاجاتها المتنوّعة

والمتجددة إلى يد عاملة في مختلف المج لات والمستويات، أحد العوامل المسرّعة للهجرات العربية، بما فيها هجرة

الشباب. هذا لانفتاح يجعل أسواق العمل في الدول الصناعية عامل جذب مستمر لقوة العمل من مختلف أنحاء

العالم؛ هذا الجذب الذي يخص في آن واحد الفئات النشيطة، مؤهلين وغير مؤهلين، ساهم في تنشيط هجرة

الشباب العربي في الأعوام الأخيرة من مختلف المستويات العلمية والمهنية. بالإضافة إلى هذا، تُعتبر مستويات

الأجور من العوامل لاقتصادية التي تساهم كذلك في تفعيل هجرة الشباب، وذلك في كثير من النشاطات

لاقتصادية، وخاصة تلك التي كثر عليها الطلب العالمي، مثل المهندسين والأطباء، وتُعتبر مج لات جذب في

عدد كبير من البلدان العربية. ويضاف إلى هذا الحماية القانونية والخدمات لاجتماعية التي يتمتع بها المهاجرون

في دول صناعية عدة. ج-هجرة الكفاءات يُعَدّ بروز فئات مهنية جديدة، من اختصاصيين وفنيين من محَلة الشهادات الجامعية العليا، ضمن المهاجرين

المغاربة من السِمّات البارزة للهجرات المغاربية. ولا تخص هذه التحولّات تيارًا دون سواه، بل تخص جميع تيارات

الهجرات العربية والمغاربية، أكان ذلك في الوجهات القديمة أم في الوجهات الجديدة للهجرات المغاربية.

ويتميز المهاجرون المغاربة بارتفاع مستويات تأهيلهم العلمي ووجودهم في فئات مهنية رفيعة المستوى، لتعرف

الهجرات المغاربية في عصر العولمة والطلب المتزايد على الباحثين والمهندسين والفنيين في أسواق العمل الدولية،

عمرًا جديدًا يتميز بالحضور المكثّف لأصحاب ذوي الكفاءات العليا والمؤهلين، خاصة ضمن الأفواج الجديدة

من المهاجرين الذين غادروا البلدان العربية منذ بداية تسعينيات القرن الماضي للدراسة، ولم يعودوا إلى أوطانهم

الأصلية بعد لانتهاء من دراساتهم الجامعية، لاسيما الدراسات الجامعية العليا، ليصبح عدم عودة الحاصلين على

الدكتوراه إحدى قنوات توسّع بقاء الكفاءات المغربية في الخارج. ولعل ما يميّز هجرة الكفاءات العربية والمغاربية هو تباين تركيبتها وحجمها في ما بين الوجهات القديمة

والوجهات الجديدة، ليتميّز المهاجرون المغاربة والعرب المقيمون بأميركا الشمالية بوجودهم الواسع في المهن

العليا، وذلك في مختلف النشاطات. أمّا في أوروبا، فإن الكفاءات المغاربية في تضاؤل. فهجرة الكفاءات التي

6 انظر قاعدة بيانات منظمة التنمية والتجارة والتعاون على الموقع الإلكتروني: <www.oecd.org>.

7 Abdelkader Latreche, “Les Etudes à l’étranger et l’exode des diplômés: Le cas des diplômés maghrébins en France,” (UNESCO Forum Occasional Paper; Series Paper no. 14, Restructuring and Differentiation of Patterns of Higher Education in Arab States: Meeting the Challenges in the Present and the Future, Paris, France 6-7 October 2004), on the Web: <http://unesdoc.unesco.org/images/0014/001487/148797M.pdf>. 8 Abdelkader Latreche, « Les caractéristiques de la population active des immigrés originaires d’Afrique du Nord et du Moyen Orient à travers le monde,» (CARIM Analytic and Synthetic Notes; 2006/02, Migration Policy Centre, 2006), on the web: <http://www.iue.it/RSCAS/e-texts/CARIM-AS06_02-Latreche.pdf>.

وصِفت بالنزيف في بعض الح لات أصبحت أحد مكونات الهجرات المغاربية اليوم، وخاصة هجرة المهندسين

والأطباء والباحثين. ويعود توسّع نطاق الكفاءات المغاربية في الخارج إلى عاملين أساسين، يرتبط أحدهما

بواقع سوق العمل في البلدان المستقبلة والمتمثّلة في توسّع فرص العمل وتجدّدها وانفتاحها على مهن جديدة،

ويرتبط آخرهما بتراجع الدور المؤسساتي لبعض المهن التي كانت تمثّل ركيزة التحديث المؤسساتي للدول العربية،

كالمهندسين والأطباء والأساتذة الجامعيين، ليصبح حملة الشهادت العليا في المغرب العربي في هذه المهن كذلك

عرضة للبطالة، كبقية غير المتعلمين، وهو ما يجعلهم يتوجهون نحو الهجرة للحصول على وظائف ثابتة. د- تحولّات أدوار المهاجرين المغاربة ترتّب عن تحولّات تركيبة المهاجرين المغاربة في العقود الأخيرة بروز أدوار ووظائف جديدة للمهاجرين؛ فالهجرة

لم تعُد تعربّ عن قطيعة بين المهاجر ومجتمعه، أو تقتصر إلاّ على العلاقات الرمزية المتمثّلة في الزيارات الفردية أو

العائلية، أو التحويلات النقدية، بل إن علاقات المهاجرين المغاربة بأوطانهم توسّعت لتشمل وظائف جديدة

فتحت الباب لعلاقات جديدة بين المهاجر المغاربي ووطنه ومنطقته، وذلك من خلال مساهمات المهاجرين

المتعددة. وتولّدت الأدوار الجديدة للمهاجرين المغاربة من خلال تنامي العمل الجمعوي ضمن الجوالي المغاربية

المهاجرة في شتى بلدان العالم؛ عمل جمعوي اختص في كثير من الح لات بالمشاركة في التنمية المحلية للمناطق

التي ينحدر منها المهاجرون أو آباؤهم. ولم يقتصر العمل الجمعوي على إقامة مشاريع تنموية في المناطق الريفية أو

المساهمة في توسيع المشاركة المجتمعية للفئات المحرومة - مثل النساء في الريف المغربي على سبيل المثال، بل شمل

أيضًا مج لات اقتصادية وعلمية جديدة، ليبرز أول مرة في تاريخ الهجرات المغاربية ميلاد الجمعيات المهنية، مثل

جمعية الأطباء المغاربة، التي تضم أكثر من ثلاثة آلاف طبيب وأخصائي، وجمعيات المهندسين المغربيين، وجمعية

المهندسين التونسيين، وهي جمعيات اهتمت بنقل المعرفة إلى مجتمعاتها، أكان ذلك عبر مبادرات مؤسساتية أم

عبر مبادرات فردية أم ضمن اتفاقيات ثنائية بين المؤسسات المغربية ومؤسسات بلد الإقامة. ولعل من أهم تلك

المبادرات ما قامت به جمعية الأطباء المغاربة من خلال إشراف بعض الأطباء المغربيين المقيمين في فرنسا على

عمليات جراحية في البلدان المغاربية الثلاثة، أو إشرافهم على دورات تدريبية للأطباء الذين يتابعون تكوينهم

في المغرب العربي. يضاف إلى ذلك مشاركة كثير من الباحثين والأساتذة الجامعيين في نقل المعرفة إلى مجتمعاتهم

عبر الرحلات العلمية القصيرة المدى، أكان ذلك للتدريس أم للإشراف على أبحاث جامعية. ولم يقتصر العمل

الجمعوي على فئات مهنية معيّنة، بل شمل كذلك أصحاب المهن الحرة ورجال الأعمال. وشهدت الأعوام

لاخيرة تعدّد مبادرات رجال الأعمال المغربيين في أوروبا وشمال أفريقيا للاستثمار والمساهمة في التنمية المحلية

في مج لات اقتصادية حيوية ترتّب عنها توفير فرص عمل متواضعة، لكنها دائمة، في الصناعات التحويلية أو

التجارة أو الخدمات أو النقل أو الزراعة. وتعددت أُطر مساهمة المهاجرين في بلدانهم الأصلية كذلك لتشمل

مبادرات جماعية لمهاجرين. إذا كانت هذه المساهمات الجديدة للمهاجرين قد أحدثت قطيعة في وظائفهم، فإنها ليست سلوكًا خاصًا

بالمهاجرين المغاربة، بل تُعَدّ جزءًا من الوظائف الجديدة التي لوحظت في كثير من مناطق العالم، حيث تحوّل

المهاجرون إلى فاعلين يشاركون في مختلف المج لات الحيوية والمجتمعية، بل حتى السياسية منها. وإذا كانت

المؤسسات الوطنية أو حتى الإقليمية قد فطنت مؤخرًا إلى أدوار المهاجرين المغاربة الجديدة في مختلف المج لات

التنموية و لاقتصادية، فإن الشركات العالمية فطنت إلى ذلك من قبل، وخاصة في نهاية ثمانينيات القرن الماضي،

حين قامت بتوظيف أو إشراك المهاجرين في كثير من نشاطاتها في دول المغرب العربي التي كانت تعرف انفتاحًا

اقتصاديًا، وطلبًا متزايدًا على كثير من المنتوجات الجديدة، أكان في مجال الخدمات أم في مجال الإعلام الآلي أو

حتى الصحة والسيارات. أمّا دول المغرب العربي، التي حرصت على التوظيف الواسع لقدرات مهاجريها، والتحكم فيهم، فسعت إلى

إنشاء مؤسسات تُعنى بقضايا المهاجرين، مثل وزارة المهاجريين المغربيين في الخارج، أو وكالة الدولة المكلفة

بالجالية الجزائرية في الخارج، أو ديوان التونسيين في الخارج.

ثالثًا: مستقبل الهجرات الدولية في المغرب العربي

عرفت الهجرات المغاربية في العقود الأربعة الأخيرة تحولّات متتالية غريّت من خارطة حركة المهاجرين

وتركيبتهم وطبيعة علاقاتهم ببلدانهم الأصلية، لتؤكد الهجرات المغاربية على حيوتها، بل على الطابع المتجدد

للهجرات الدولية. فأسواق العمل الدولية، أكانت في الدول الصناعية في أوروبا أم في أميركا الشمالية أم أستراليا

أم آسيا أم حتى في الدول العربية النفطية أو الدول الأفريقية المتقدمة، تبقى دائما بحاجة إلى يد عاملة جديدة

تضمن سيرورة العملية الإنتاجية. لهذا، فإن الهجرة، أو حلم الهجرة في مختلف بلدان المغرب العربي سيستمر،

سواء من خلال اكتشاف أقطار جديدة أم أسواق قريبة أو أسواق بعيدة في دول الشمال أو دول الجنوب، وسواء

في الدول العربية أو في الدول الأفريقية أو في دول الشمال، لكي تواصل الهجرات المغاربية توسّعها ضمن

خارطة هجرات دولية توسعًا مستمرًا. ولن تمثّل الأزمات لاقتصادية أو القوا ين لانتقائية للمهاجرين حاجزًا

ثابتًا أمام حركة الأفراد، لكن لا شك في أنها ستحدّ منها، لتبحث الهجرات المغاربية عن أسواق عمل جديدة

تتيح لها فرص عمل جديدة. ولعل ما سيساهم في استمرار حركة الأفراد والجماعات في بلدان المغرب العربي

هو دور الجوالي المهاجرة في تفعيل الهجرات الدولية؛ فالجوالي المغاربية التي تتوزع في بلدان متعدّدة تتوفّر على

قدرات وطاقات تسمح لها بضمان تجدّدها من خلال لاستقدام المتواصل لمهاجرين جدد، وذلك من خلال

تفعيل قدراتها التضامنية التقليدية والعضوية؛ قدرات تسمح لها بالتواصل الدائم والمستمر مع مجتمعاتها الأصلية

مهما تتعدد الأجيال. ويتزايد دور الجوالي المهاجرة، سواء عبر العائلة أو عبر المؤسسات لاقتصادية الجماعية في

فترات الركود لاقتصادي أو تنامي الحواجز الإدارية أمام المهاجرين، من خلال تأمين سبل الإقامة بل حتى

العمل والكسب. ولعل ما سيساهم كذلك في استمرارية تدفق المهاجرين من بلدان المغرب العربي هو انكماش أسواق العمل

المحلية، وخاصة عجزها عن توفير فرص عمل دائمة للأجيال الجديدة من الذين يطرقون أبواب العمل

أول مرة، أكانوا من خريجي المنظومة التعليمية أم من أولئك الذين غادروها، ليرتبط مستقبل الهجرات

المغاربية بعوامل طرد تخص واقع التنمية المحلية والإقليمية. ولا يمكن التقليل من تأثير بناء المغرب العربي

على مستويات الهجرة الدولية في المغرب العربي، ليطرح بناء المغربي نفسه كمنطقة استقطاب وحركة مفضَّلة

للمغاربة، نظرًا إلى التقارب الثقافي و لاجتماعي والقرب الجغرافي بين مختلف أطرافه، ليمثّل المغرب العربي

المنشود أحد الأفنية المستقبلية لحركة المغاربة؛ فضاء يقوم على حرية تنقّل الأفراد واستقرارهم بعيدًا عن

القيود الإدارية التي تحكم حركة الأفراد، أكان ذلك بين الجنوب والشمال أم بين دول الجنوب نفسها، بما في

ذلك الهجرات العربية – العربية.