Return to Article Details Women’s Migration and Development: The Case of Women Migrants from Maghreb Countries to Europe

الهجرة النسائية والتنمية: مهاجرات بلدان المغرب العربي إلى أوروبا مثالاً

Women’s Migration and Development: The Case of Women Migrants from Maghreb Countries to Europe

عائشة التايب*

الملخّص

ارتبط الاهتمام العالمي بقضايا الهجرة وما ينجم عنها من إشكالات قانونية وغير قانونية بمدى قيام المهاجرين بأدوار إيجابية في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية في بلدان المنشأ، فضلاً عن تنامي التواصل الحضاري بين ثقافة المهاجر الأصلية وثقافة المجتمعات المستقبِلة له. هذا الاحتكاك أظهر بعض جوانب هجرة المرأة المغربية إلى أوروبا ومسارها الزمني وأطوارها الطبيعية في مجالات العمل والتنمية والدراسة، ومدى حضورها في مشهد الاستثمار الاقتصادي في الوطن الأم، بعد أن أشارت الإحصاءات إلى تضاعف أعداد المهاجرات من المغرب الأقصى بمعدل 6٫6 في المئة بين عامي 1991 - 2002 . فالنمو الطردي في نسبة المهاجرات طرح أسئلة بشأن التحويلات المالية وعدم الاهتمام بتوظيفها في القطاعات المنتجة، وتركها تتأكّل في مجالات الاستهلاك المعيشي اليومي.

Abstract

The global interest in migration issues and the legal and non-legal problems they cause is linked to the extent to which migrants fulfil positive roles in the various social and economic roles in their home countries as well as the growth in cultural exchange between the original and receiving societies. This friction reveals some aspects of migration by Moroccan women to Europe, its course over time and its natural stages in the fields of labor, development, and education, and the extent of its presence on the scene of economic investment in the home country, after statistics indicated a doubling in the number of women migrants from the far south of Morocco, by an average of 6.6 percent between 1991 and 2002. The rise in the proportion of women migrants raises questions about the financial remittances and the failure to use them in productive sectors, leaving them to be used up for consumption and daily life.

الكلمات المفتاحية:
  • هجرة نسائية
  • تنمية
  • الدول الأوروبية
  • استثمارات
  • تواصل حضاري
Keywords:
  • Maghreb
  • Cultural Exchange
  • Investments
  • Development
  • Women’s Migration

ارتبط الاهتمام العالمي بقضايا الهجرة وما ينجم عنها من إشكالات قانونية وغير قانونية

بمدى قيام المهاجرين بأدوار إيجابية في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية في بلدان

المنشأ، فضلا عن تنامي التواصل الحضاري بين ثقافة المهاجر الأصلية وثقافة المجتمعات

المستقبلة له.ِ هذا الاحتكاك أظهر بعض جوانب هجرة المرأة المغربية إلى أوروبا ومسارها الزمني

وأطوارها الطبيعية في مجالات العمل والتنمية والدراسة، ومدى حضورها في مشهد

الاستثمار الاقتصادي في الوطن الأم، بعد أن أشارت الإحصاءات إلى تضاعف أعداد

المهاجرات من المغرب الأقصى بمعدل 6٫6 في المئة بين عامي 2002-1991. فالنمو

الطردي في نسبة المهاجرات طرح أسئلة بشأن التحويلات المالية وعدم الاهتمام بتوظيفها في

القطاعات المنتجة، وتركها تتأكّل في مجالات الاستهلاك المعيشي اليومي.

مقدِّمة

تنامى في الأعوام الأخيرة لاهتمام العالمي بقضايا الهجرة وبمختلف إشك لاتها مع تزايد أعداد

المهاجرين وتفاقم حركتهم بأشكالها القانونية وغير القانونية. ويرتبط ذلك لاهتمام بمحاولات

كثيرة لإبراز أدوار المهاجرين (ذوي الوضعيات القانونية السوية خاصة) الإيجابية والفاعلة في مختلف المج لات

لاقتصادية و لاجتماعية في بلدان المنشأ، كما في بلدان الهجرة، فضلا عن تنامي الحديث عامّ يمكن أن ينجم عن

حركات الهجرة الدولية من فرص تواصل حضاري وثقافي بنّاء بين ثقافة المهاجر الأصلية والثقافة المستقبلة له.

ولكن بالرغم من تطوّر هجرة المرأة الكمّي والنوعي من الدول النامية إلى الدول المتقدمة، فلا تزال هذه الهجرة

ظاهرة مفتقرة إلى البحث والتحليل، إذ تبقى أوضاع المرأة العربية المهاجرة، والمرأة المغاربية بشكل أخص،

معادلة قلمّا تحظى بما تستحق من اهتمام الباحثين والدارسين، واهتمام صانعي سياسات الهجرة، وخصوصًا في

بلدان الأصل. تقترح هذه الورقة محاولة التطلّع الكمّي لبعض جوانب ظاهرة هجرة المرأة من المغرب العربي نحو أوروبا، مع

محاولة تقديم صورة إحصائية لأحجامها وخصائصها وأوضاعها في مقام أول، وذلك بالرغم من شبه غياب

الإحصاءات الرسمية الدقيقة والشاملة بشأن النساء المهاجرات من مناطق المغرب العربي. وتجتهد الورقة

في مقام ثان في تناول مسار الهجرة النسائية من المغرب العربي وأطوار هذا المسار، مع محاولة استقصاء بعض

خصائص المهاجرات. وتتجه في مقام ثالث نحو البحث عن طبيعة الروابط الجامعة بين ثالوث المرأة والهجرة

والتنمية، واستكشاف مدى تطوّر مج لات الدراسة والبحث في ذلك لاتجاه، خاصة في منطقة المغرب العربي،

وتلمّس مج لات مساهمة النساء المهاجرات في ذلك عبر محاولة الكشف عن بعض خفايا حضور المرأة المهاجرة

من دول المغرب العربي في مشهد لاستثمار لاقتصادي في وطنها الأم.

أولا: هجرة المرأة من المغرب العربي: مقاربة كمية ونظرية

-1 التطوّر الكمّي لهجرة المرأة المغاربية لم يَعُد الحديث عن التحولّات الطارئة على ظاهرة الهجرة يُعتبر بالأمر الجديد، بل راح أغلب التقارير الدولية

يؤكد منذ فترة مدى التحولّات الكمية والنوعية لظاهرة الهجرة في بُعديها المحلي والدولي. ويبقى حضور النساء

المتزايد ضمن موجات الحراك البشري على نطاق دولي من أبرز مظاهر ذلك التحوّل. وقد بلغت نسبة النساء

في حركة الهجرة الدولية ما يقارب نصف عدد المهاجرين بحوالي 94.5 مليون امرأة مهاجرة، بحسب تقرير

«صندوق الأمم المتحدة للسكّان» لعام 2005، ومعظمهن غير مسجَلّات في بلدان لاستقبال، ويعملن في

مجال التمريض والترفيه والخدمات الشخصية. وفي سياق العولمة تهاجر إلى الخارج سنويًا مئة مليون امرأة

بحثًا عن زوج أو عن عمل يؤمّن لهنّ ولأسرهن العيش، وهو ما أصبح يدفع باتجاه الحديث عن ظاهرة تأنيث

عالمي للهجرة الدولية، وتحوّل «صامت» في خصائصها المعروفة. وفي هذا النسق نفسه، شهدت هجرة المرأة

العربية ارتفاعًا لافتًا في أغلب الدول العربية، إذ تساوت هجرة النساء وهجرة الرجال في بعض الدول العربية،

كالأردن مثلا، وفاقت نسبة المهاجرات نسب المهاجرين في عام 2005 في عدد من الدول الأخرى، كلبنان على

سبيل المثال. أما بالنسبة إلى دول المغرب العربي، وبالرغم من عدم توافر إحصاءات دقيقة بشأن تطوّر الهجرة النسائية في

هذه الدول، فإنّ بعض الأرقام المتاحة يشير إلى اتجاهها نحو لارتفاع الملحوظ في العقود الأخيرة. وفي حالة

المغرب الأقصى على سبيل المثال، تؤكّد الدراسات أن الهجرة النسائية احتلت مكانة أبرز ضمن الأعداد العامة

للمهاجرين منذ عام 1980، حيث تطوّرت أعداد المهاجرات منذ ذلك التاريخ بشكل لافت، كما تزايدت

أعدادهن بشكل مكثف، خاصة منذ العقد الأول من الألفية الثالثة. وقد تضاعف عدد المهاجرات من المغرب

1 تقارير المنظمة العالمية للهجرة وصندوق الأمم المتحدة للسكان.

الأقصى أكثر من 6.6 أضعاف بين عامي 2002-1992. وسجلت نسبة النساء حوالي 78 في المئة من العدد

العام للمهاجرين من المغرب الأقصى في إيطاليا في الفترة نفسها، ومثّلن 47 في المئة من العدد العام للمقيمين في

كندا من المغرب الأقصى عام 2006. وفي موفى القرن العشرين، مثّلت المرأة المغربية المهاجرة في إسبانيا ثلث

العدد الإجمالي للمهاجرين إلى ذلك البلد من المغرب الأقصى، وهو يعادل 32.9 في المئة. وأشارت الإحصاءات

إلى أنهن كنّ يمثلن 16.8 في المئة من مجموع العمال المهاجرين من المغرب الأقصى والمقيمين في إسبانيا في

الفترة نفسها. أمّا المرأة المهاجرة من الجزائر، فأصبحت بدورها أكثر وضوحًا في معدلات الهجرة وضمن مختلف شرائح

المهاجرين الجزائريين نحو الخارج. وقد قارب عدد ح لات النساء المهاجرات من الجزائر إلى الكيبك [في كندا]

على سبيل المثال حوالي نصف عدد المهاجرين، إذ بلغ حوالي 1008 ح لات من مجموع 2500 حالة دخول إلى

ذلك البلد عام 2000. وتسجّل نسبتهن في فرنسا حوالي 42 في المئة من العدد العام للمهاجرين الجزائريين

المقيمين في فرنسا، وقد فاق عددهن 10 أضعاف عدد الرجال بحكم عدد من دخلوا فرنسا في نطاق سياسات

التجميع العائلي بين عامي 1975 و 1982. ويُشار إلى أن عدد التونسيات المهاجرات إلى الخارج يسجّل بدوره ارتفاعًا لافتًا من 30.9 في المئة من المجموع

العام للمهاجرين عام 1975 إلى 38.2 في المئةعام 1982، ليصل إلى 41.1 في المئة عام 1990. ويتأكد

ذلك النسق المرتفع بالرغم من أن بعض أرقام وزارة الخارجية يشير إلى أن نسبة النساء من المجموع العام

للمهاجرين وصلت عام 2008 إلى 36 في المئة (377.991 مهاجرًا) فقط في مقابل 64 في المئة للذكور،

أي 679.8066 مهاجرًا. ورغم التراجع الظاهر في هذا الرقم بين عامي 1990 و 2008، لا يمكن أن

نتحدّث عن تراجع في نسب هجرة النساء من تونس، لأن ذلك واقع لا تؤكّده الدلائل الموضوعية التي

تشير إلى تزايد ح لات هجرة النساء من تونس بشكل فردي، أو ضمن هجرة أسرية، أكان في ح لات الهجرة

المنظمة والمراقبة أم في ح لات الهجرة السرّية، وهو ما تبرزه مؤشرات أخرى، مثل رخص الإقامة الممنوحة

للنساء الآتيات من دول المغرب في بعض دول لاستقبال، كما يبيّنها لنا هذا الجدول رقم (1) والرسم البياني

رقم (1)، بحيث تطوّرت أعداد رخص الإقامة الممنوحة للتونسيات مثلا من 3733 رخصة عام 1992

إلى 814٫12 رخصة عام 2002، وتطورت تلك الأرقام بالنسبة إلى المغربيات الحاصلات على رخص

إقامة في الفترة ذاتها من 8180 رخصة إلى 140٫54 رخصة، وبالنسبة إلى الجزائريات من 540 رخصة إلى

2039 رخصة.

2 Abdelali Naciri Bensaghir et Naima Aba, “Les Femmes migrantes dans les politiques de développement et de coopération au Maroc,” papier présenté à: “Genre, migration et développement socio-économique en Afrique,” (Symposium sur le genre 2010, Le Caire,Egypte, 24-26 Novembre 2010), p. 6. 3 Angeles Ramirez, Daniel Noin and Michelle Guillon, «La Valeur du travail: L’Insertion dans le marché du travail des immigrées marocaines en Espagne,” Revue Européenne de Migrations Internationales, vol. 15, no. 2(1999), pp. 9-36. 4 PhilippeFargues, dir., Migrations méditerranéennes: Rapport 2005 = Mediterranean Migration: 2005 Report (Florence: European University Institute, 2005), p. 65. 5 Mohamed Khachani, «La Femme marocaine immigrée dans l’espace économique des pays d’accueil, » dans: Women and Money, 13th Book, 2008-2009 (Beirut: Lebanese Researchers Group, 2010), p. 165.

6 المصدر نفسه، ص.164

الجدول رقم (1) تطوّر عدد رخص الإقامة الممنوحة لنساء المغرب العربي في إيطاليا

200219991998199719961995199419931992
203912111043916681612517484540الجزائريات
5414034349279602372217660146411201088448180المغربيات
1281488277829686651934346378331173733التونسيات
689934438736832315042353419599163101244512453المجموع

Mohamed Khachani, «L’Emigration au féminin: Tendancesrécentes au Maroc,” (RSCAS Research Project المصدر: Reports, CARIM Analytic and Synthetic Notes; 2009/26,2009).

الرسم البياني رقم (1)

تطوّر عدد رخص الإقامة الممنوحة لنساء المغرب العربي في إيطاليا

ومن المفيد القول إن تباين رصد أعداد المهاجرين والمهاجرات من مصدر إلى آخر يعود إلى اختلاف عمليات

التقدير وآليات الحصر الإحصائي للمهاجرين. ويبرز ذلك التباين بشكل واضح في تقدير أعداد المهاجرين بين

المصادر الإحصائية في دول لاستقبال وفي دول المصدر. وهي مسائل أثارها بعض التقارير الدولية حول ظاهرة

الهجرة، التي بينّ بعضها أن تأويل إحصاءات المهاجرين يبقى مسألة معقدّة وغير دقيقة حتى في ح لات الدول

التي تجتهد في إنتاج إحصاءات متناهية الدقّة. وتتباين أعداد المهاجرين بحسب اختلاف من يجري إحصاؤه

بصفته مهاجرًا والجهة التي جتُري الإحصاء. ولا يعود ذلك لاختلاف إلى عدم وجود تعاريف كونية للمهاجر

الجزائريات المغربيات التونسيات

7 Fargues, dir.,p. 34.

متفَق عليها فحسب، بل يعود كذلك إلى أن التعريف نفسه المعتمد قد يؤدي إلى أرقام مختلفة بين حالة إحصاء

المهاجرين في بلدهم الأصل وإحصائهم في بلد لاستقبال. -2 غياب الدراسات والمقاربات النظرية لهجرة المرأة ارتبطت حركة الهجرة الدولية من المغرب العربي إلى الخارج، وإلى أوروبا بشكل خاص، بأسباب تاريخية

وسياسية تعود إلى الحقبة لاستعمارية ومارافقها من سياسات استقدام اليد العاملة البسيطة من المستعمرات في

أثناء فترة لاحتلال لاستعماري وعقبها. وقد كان لهذا لارتباط التاريخي لحركة الهجرة بدول المغرب العربي أثره

المباشر في تطوّر حركة هجرة المرأة من هذه الأقطار، أكان في شكل هجرة مرافقة أم في إطار عمليات لمّالشمل

العائلي في بلاد المهجر، وفيما انبثق في إثر ذلك من أشكال أخرى لهجرة المرأة، خاصة في العقدين الأخيرين.

وبالرغم من قِدم حضور المرأة المغاربية في مشهد الهجرة الدولية المهاجرة، ظلّت المرأة المهاجرة بشكل عام رقما

شبه غائب عن مجمل الدراسات العلمية في مختلف تخصصات العلوم الإنسانية و لاجتماعية، سواء في الغرب

أو في دول المغرب العربي. ولم تحظ ظاهرة هجرة المرأة باهتمام يُذكر من طرف الباحثين والدارسين، وأهملت

أبحاث الهجرة ودراستها لفترة طويلة المساهمات لاجتماعية و لاقتصادية والتجارب المختلفة للمهاجرات. ولم

يبرز الحديث عن المرأة المهاجرة في أوروبا إلاّ مع منتصف سبعينيات القرن العشرين (وهو التاريخ المتصل بفترة

وقف الدول الأوروبية حركة الهجرة إليها، وبروز حركة التجميع العائلي للمهاجرين)، حيث بدأت الدراسات

تتحدث عن هجرتها في ضوء الحديث عن التحاق المرأة بزوجها المهاجر. وبهذا ارتبط ظهور المرأة في مشهد

الهجرة المغاربية في أوروبا بصورة نمطية جعلتها منحصرة في صورة الزوجة المرافقة للرجل المهاجر والكائن غير

النشط اقتصاديًا، وهي ربة الأسرة وصامّم أمانها لاجتماعي في ظلّ ثقافة المجتمعات الغربية. وفي إطار تنزيل الرجل المهاجر ككائن اقتصادي مشارك في المجال العام، والحديث عن المرأة المهاجرة ككائن

اجتماعي منحصر داخل المجال الخاص، وقع بالتالي تفسير هجرة الرجل بأسباب اقتصادية وتفسير هجرة المرأة

بأسباب اجتماعية. وقد اتجهت المقاربات التحليلية الأولى، التي حاولت تفسير حركة السكان ضمن المدارس

الكلاسيكية للتنمية (مدرستا التحديث والتبعية)، في لاتجاه ذاته متأثرة بتلك الصورة النمطية المتعلقة بالمرأة

المهاجرة المنعدمة النشاط لاقتصادي، والمعتنية بأسرتها في حدود أسوار المجال الخاص، وهو ما جعل المرأة المهاجرة

تغيب عن الدراسات الأولى للهجرة. ورغم كثافة ما كُتب حول الظاهرة، خاصة من دول المغرب العربي، ظلّت

المرأة متغ ا غائب الطرح عن دائرة الجدل الفكري والأكاديمي بشأن ظاهرة الهجرة وأبعادها المختلفة.

ولكن مع تصاعد تيارات الهجرة النسائية المنفردة من دول المغرب العربي، خاصة منذ مطلع الثمانينيات، تزايد

لانتباه إلى إشكالية حضور المرأة في مشهد الهجرة نحو الدول الغربية، وبرز بعض لاتجاهات الداعية إلى مزيد

من لاهتمام بدراسة ظاهرة الهجرة النسائية بشكل مستقل عن ظاهرة الهجرة في عموميتها. وقد ترافق ذلك

أيضًا مع جهود مجموعة من الأطراف والهياكل الدولية سعت لكسر تلك المنمّطات التي سادت الساحة الفكرية

الأوروبية، ولتجعل من المرأة حاضرًا اجتماعيًا بارزًا في مشهد الهجرة الدولية. ولا بدّ من التشديد على أنه بالرغم

من بعض التقدم الفكري الحاصل في التناول المستجد لدراسة ظاهرة الهجرة النسائية، فلا يزال الإنتاج المعرفي

والعلمي حول المرأة المهاجرة عالميًا وعربيًا ومغاربيًا قليلا، ولا يزال التراكم النظري ضعيفًا، ولم تتمكن العلوم

الإنسانية و لاجتماعية من تطوير نماذج نظرية قادرة على تحليل فكري متقدّم لظاهرة الهجرة النسائية يحيط

8 Fenneke Reysoo et Christine Verschuur, dirs., Genre, nouvelle division internationale du travail et migrations, Cahiers genre et développement, no. 5 (Paris: l’Harmattan, 2005), p. 37.

بمختلف ملابساتها وحيثياتها، لاسيما فيما يتصل بأدوارها لاقتصادية. ولا يزال عدد من دراسات الهجرة يتعامل مع الهجرة كظاهرة محايدة لمتغير النوع لاجتماعي، ويعيد بالتالي الإنتاج غير الواعي لمنمّطات ذكورية الهجرة.

ومن المهم القول إنه إلى جانب هذا النقص النظري في دراسات الهجرة النسائية ومقارباتها، لا تزال هذه الظاهرة

أيضًا تشهد – على مستوى منطقة المغرب العربي – نقصًا واضحًا في رصدها رصدًا إحصائيًا دقيقًا. ويصطدم

الباحث بصعوبات كثيرة في محاولة الحصر الإحصائي للظاهرة، وهو ما يضطره إلى اعتماد معطيات مجزأة وغير محدَّثة

عند محاولة دراسة الظاهرة. ويغيب التصنيف الإحصائي للهجرة بحسب متغريّ النوع لاجتماعي في البلدان المغاربية

والعربية بشكل أعمّ، وقلمّا تعتمد الإحصاءات في مجال الهجرة مجهر النوع لاجتماعي في تصنيف البيانات العامة

المتعلقة بحركة الهجرة. ولا بدّ من الإشارة إلى أن قلّة إحصاءات الهجرة المبوّبة بحسب متغريّ النوع لاجتماعي، تكاد

تكون حالة شبه عامة في أغلب دول العالم، سواء المصدّرة للهجرة أو المستقبلة لها، وذلك بالرغم من تسارع وتيرة

حضور المرأة في مشهد التدفقات الدولية للهجرة في العقود الأخيرة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ولا شكّ في أن الأوضاع الهشّة التي تعيشها أعداد كبيرة من النساء المغاربيات والعربيات في أسواق العمل في

المهجر، وافتقارهن إلى الحماية في الوظائف غير الرسمية والمخالفة للقانون يساهمان إلى حدّ كبير في عرقلة جهود

الرصد الإحصائي لهجرتهنّ في دول لاستقبال وفي دول المصدر. ويبقى من المهمّ القول إن المناداة بضرورة

التعاطي الإحصائي والرسمي مع ظاهرة الهجرة من منظور النوع لاجتماعي سوف يجعل الحراك الدولي للمرأة

العربية والمغاربية أكثر بروزًا وبيانًا، ويجعل من أصنافهن أكثر وضوحًا للدارسين والباحثين وصنّاع القرار.

كما أن من شأنه أن يبُرز التحيز ضدّهن وبعض أوجه لاستغلال المزدوج الذي قد يتعرضن له في بلد الهجرة

بوصفهنّ نساء أوً وبوصفهنّ مهاجرات ثانيًا.

ثانيًا: أطوار الهجرة النسائية من المغرب العربي وخصائص المهاجرات

-1 التطوّر التاريخي للهجرة النسائية المغاربية وأصنافها تطوّرت حركة الهجرة النسائية من المغرب العربي منذ النصف الثاني من القرن العشرين إلى اليوم بحيث أنتجت

خلال الأعوام الخمسين الماضية أصنافًا من النساء المهاجرات المتعددات الطبيعة والحجم والخصائص.

أ- نساء المغرب العربي وهجرة المرافقة

من المعلوم أن الدول المغاربية الثلاث تونس والمغرب والجزائر شهدت مباشرة بعد حصولها على لاستقلال موجة كبيرة من التحرك السكاني خارج حدود البلاد. وشملت هذه الحركة إلى جانب الفرنسيين أعدادًا كبيرة من غير

الفرنسيين، الذين ارتبطت مصالحهم بشكل مباشر بالحضور الفرنسي في دول المغرب العربي كالإيطاليين والمالطيين، وعددًا كبيرًا من المواط ين المغاربة ضم بعض الموسرين من المسلمين واليهود الذين اختاروا الرحيل طوعًا إلى أوروبا.

وإلى جانب هؤلاء اضطرت فئات عريضة من السكان العاطلين عن العمل والخارجين عن دوائر لاقتصاد الرسمي إلى الهجرة الخارجية بحثًا عن موارد للرزق. وقد هاجر من تونس نحو فرنسا، على سبيل المثال، في عام لاستقلال

(1956) حوالي 9448 شخصًا، وارتفع العدد عام 1961 ليسجّل 6626 مهاجرًا، ووصل في عام 1962 إلى

8946 مهاجرًا. ومرّ عدد المغاربة في فرنسا من 40 ألف شخص عام 1946 إلى 250 ألفًا عام 1954، ليتجاوز

ال 600 ألف في عام 1965. وفي ظل تواصل الرغبة في استقبال اليد العاملة المغربية، عملت فرنسا على تنظيم

هذه الحركة عبر إبرام لاتفاقيات الثنائّية لتصدير اليد العاملة. ولا بدّ من التذكير بأنه في ظل تردّي الأوضاع

لاقتصادية و لاجتماعية في دول المغرب العربي عند خروج المستعمر، وفي سياق قيام دول لاستقلال وبناء الدولة،

برزت هجرة اليد العاملة الذكورية والبسيطة من دول المغرب العربي كحل سحري سوف تعمل الحكومات الوطنية

على استثماره، بهدف امتصاص فوائض سوق الشغل من البطالين المتراصين على أطراف المدن. ومع الوقف الرسمي لهجرة العمل إلى أوروبا وفرنسا منذ عام 1974، برزت سياسات التجميع العائلي

للمهاجرين كحلّ سياسي واجتماعي أرادت من خلالها السلطات الأوروبية معالجة بعض التأثيرات الجانبية

للهجرة. وقد ساهمت تلك السياسات في إعادة تشكيل واقع المهاجرين العرب والمغاربة وعائلاتهم ورسمه

داخل الحيز الأوروبي. وفي هذا السياق تحديدًا دخلت أولى أعداد النساء المغاربيات على خط الهجرة إلى

أوروبا، حيث مثّل التحاق الزوجة المغاربية الأصل بزوجها المهاجر فرصة ذهبية للوطن والعائلة للاستزادة

من معين الهجرة، وزيادة تطوير سبل العيش، كما مثّل ذلك اللحاق استراتيجيا أوروبية لتحقيق بعض لاستقرار

لاجتماعي للمهاجر وللبلد الذي يستقبله. وقد ارتفعت أعداد النساء المغاربيات في الدول الأوروبية بفعل

سياسات التجميع العائلي، فكانت نسبة المهاجرات من المغرب الأقصى إلى فرنسا على سبيل المثال في فرنسا

26.7 في المئة عام 1975 فارتفعت إلى 39 في المئة عام 1982. واتخذت الأرقام المنحى نفسه في كلّ من بلجيكا

وهولندا وألمانيا. وأشارت الإحصاءات إلى أن عدد الجزائريات اللاتي دخلن فرنسا في الفترة عينها تجاوز عشرة

أضعاف عدد الرجال. وارتفعت نسبة المهاجرات التونسيات بمقتضى التجميع العائلي من 30.9 في المئة عام

1975 إلى 38.2 في المئة عام 1982 ليصل إلى 41.1 في المئة عام 1990. ويُذكر أن أغلب تلك النساء

المهاجرات في البداية ينحدرن من أوساط ريفية وقروية، بما أن الهجرة الذكورية المغاربية نحو أوروبا شملت في

بداياتها بدرجة أساسية سكان المناطق الريفية والداخلية. ومثّلت الهجرة الخارجية امتدادًا لظواهر النزوح الريفي

نحو العواصم والمدن الكبرى الناجم عن مخلّفات الحقبة لاستعمارية. وقد ظلّت هجرة هذا الصنف من النساء

في مجملها متصلة بوظائفهن الأسرية والتربوية داخل الفضاء الخاص. وتشير الإحصاءات الرسمية الفرنسية الحديثة إلى أن نسب التجميع العائلي استمرت بأنساق مرتفعة، حيث

شملت عمومًا خلال عام 2004 نسبة 5 في المئة من الرجال و 40 في المئة من النساء و 55 في المئة من الأطفال.

وتغريّت تلك النسب عام 2010 لتشمل 8 في المئة من الرجال، و 58 في المئة من النساء و 34 في المئة فقط من

الأطفال، وهو ما يعكس استمرار ارتفاع نسب المنتفعين من سياسات التجميع العائلي من النساء بعدما

كانت تسجّل لصالح الأطفال في السابق، الأمر الذي يؤكد اتجاهات ارتفاع نسب المهاجرات في إطار نمط

هجرة المرافقة، واستمراره إلى اليوم بوصفه قناة من القنوات المؤمّنة لحركة هجرة المرأة.

ب- نساء المغرب العربي وحركة الهجرة المنفردة

برزت منذ ثمانينيات القرن العشرين حركة الهجرة النسائية الفردية لتشمل عددًا من النساء اللواتي اخترن الهجرة

نحو أوروبا بشكل مستقل وبمحض إرادتهن إمّا لأسباب اقتصادية وإمّا لغرض مواصلة تعليمهن. وتمثّل المرأة

9 عائشة التايب، «قانونية ولاقانونية الهجرة التونسيين في العهد البورقيبي،» في: أعمال المؤتمر الرابع للدراسات البورقيبية حول: القضاء

والتشريع في تونس البورقيبية وفي البلاد العربية، جمع وتقديم عبد الجليل التميمي، الحركة الوطنية التونسية والمغاربية؛ 10 (زغوان:

مؤسسة التميمي، 2004)، ص.57

10 Khachani, «La Femme marocaine,» p. 165.

11 «الأسرة العربية المهاجرة بأوروبا: الواقع والتحولات،» (ندوة نظمها مركز جامعة الدول العربية، تونس، 14 كانون الأول/

ديسمبر.)2010

ضمن هذه الحركة وحدة اقتصادية مستقلة بذاتها ومختلفة عن المرأة المرافقة للزوج المهاجر. ولئن تفرّقت أسباب

الهجرة بين أصناف المهاجرات ضمن هذه الحركة، فإنها تجتمع في صفة المبادرة الفردية في الهجرة وفي إرادة

المشاركة في التحرّر من الضغوط المختلفة، ومن وضعيات البطالة وانعدام مواطن الشغل في الوطن الأصل.

وتبُرز الدلائل الميدانية تنامي ظاهرة الهجرة المنفردة للنساء من دول المغرب العربي نحو دول جنوب أوروبا

تحديدًا، وتشمل الظاهرة الفتيات العازبات والأرامل والمطلقات، كما تشمل عددًا من النساء المتزوجات ممن

يهاجرن طلبًا للرزق ومسامهَةً في تحسين أوضاع الأسرة، تاركات الأبناء والزوج في البلد الأصل.

ومن المفيد الإشارة إلى أن هذا الصنف من الحراك الدولي للمرأة من أجل العمل لا يشمل المرأة المغاربية والعربية

فحسب، بل إنه ينسحب أيضًا على أعداد مهمّة من نساء العالم اليوم. وهي ظاهرة عالمية شديدة لارتباط بسياق

العولمة الذي أصبحت أسواق العمل به أكثر اجتذابًا لليد العاملة النسائية. وتقوم التمثلات لاجتماعية الكونية

وعمليات إعادة إنتاج الرواسب الثقافية، إلى جانب السياسات الحكومية لدول لاستقبال وممارسات أرباب العمل،

بدور كبيرفي تأجيج حركة هجرة النساء عبر الطلب الغربي المتزايد عليهنّ بغرض تأدية نوعيات معيّنة من الوظائف.

ج- فتيات الجيلين الثاني والثالث للهجرة

تمثّل فتيات الجيلين الثاني والثالث مكوّنًا رئيسيًا من مكوّنات مشهد هجرة المرأة المغاربية لا يمكن التغافل

عنه، وهو يشمل المنحدِرات من الأسر المغاربية المهاجرة اللاتي ولدن في أوروبا ونشأن فيها أو دخلنها في سنّ

مبكرة، في ظلّ عمليات التجميع العائلي. ويحمل عدد منهن جنسية مزدوجة، الأمر الذي ييرسّ لهن لانخراط في

مجتمعات لاستقبال بحكم إتقان اللغة و لاندماج المبكر في منظومة التربية والتعليم في بلدان الهجرة. ومن المهم أن نؤكد في هذا السياق ما شهدته الخصائص العامة للجالية المغاربية المقيمة في أوروبا من تحولّات

في العقود الأخيرة، إنْ لجهة ارتفاع نسبة أصحاب الأعمال وعدد من يتولون مهمات سامية ووظائف عليا في

بلدان المهجر، أو لجهة ارتفاع مستوى المهاجرين التعليمي الذي نتج منه انخفاض نسبة الأمية (انخفضت

بالنسبة إلى المهاجرين التونسيين، على سبيل المثال، من 60 في المئة عام 1960 إلى 15 في المئة عام 1990)، كما

انخفضت نسبة اليد العاملة البسيطة (كانت تمثّل 3/4 اليد العاملة المهاجرة من تونس في بداية الثمانينيات ثمَّ

انخفضت إلى الثلث مع التسعينيات). ولم تكن المرأة المغاربية المنحدرة من الهجرة بمنأى عن هذه التحولّات،

إذ اختلفت فتيات الجيلين الثاني والثالث عن نساء الجيل الأول من حيث مستويات التمدرس، و لاندماج

المهني، وارتفاع نسق مشاركتهن لاقتصادية، واحتلال بعضهن مواقع مهمة في الحياة لاقتصادية و لاجتماعية

لبلدان لاستقبال. وبرزت من بينهن شريحة من الكفاءات المتميزة في مج لات مختلفة، فأبدت قدرة على لانخراط

الفاعل في المجتمعات الغربية والتفاعل الإيجابي عبر القيام بأدوار الوساطة لاجتماعية بين الثقافتين الغربية

والعربية الإسلامية، التي تعتبر تلك الأجيال نفسها جزءًا لا يتجزأ من كلتا الثقافتين. ولكن تجدر الإشارة إلى أن بالرغم من استقرار أوضاع بعضهن في المهجر، فإن عدد منهن يعشن - بدرجات

متفاوتة- بعض مشكلات صعوبة لاندماج الثقافي و لاجتماعي من ناحية، وصعوبة لاندماج في الحياة

لاقتصادية والمهنية من ناحية أخرى. وقد بينّ عدد من الدراسات المنجزة في فرنسا على وجه التخصيص حجم

التمييز الذي يتعرض له الشباب المنحدر من أصول مغاربية (ذكورًا وإناثًا) في مستوى تفاوت نسب النفاذ إلى

مواطن العمل بينهم وبين الشباب الفرنسي الأصل. وقد قدّرت حظوظ الحصول على عمل بأكثر من 80 في

المئة بالنسبة إلى الشباب الفرنسي، ولم تتجاوز ال 64 في المئة بالنسبة إلى ذوي الأصول المغاربية. وتمثّل نسب

الفوارق في حظوظ النفاذ إلى مواطن العمل بحوالي 15 نقطة بالنسبة إلى الشباب الفرنسي الأصل من الذكور،

و 17 نقطة بالنسبة إلى الإناث. كما بيّنت نتائج بعض الدراسات الأخرى أن معدل التشغيل بين صفوف

الشباب الفرنسي من أصول مغاربية أقل بحوالي عشرين نقطة من معدل أبناء السكان المحليين، أي بنسبة 56 في

المئة في مقابل 74 في المئة للنساء، وحوالي 65 في المئة في مقابل 86 في المئة للرجال. وتشير هذه الدراسات إلى

أن لاختلافات في الخبرة العلمية والمؤهّل العلمي والوضع العائلي ومحلّ الإقامة بين المجموعتين لا تفسر غير

ثلث ذلك الفارق، في حين يعود أهم أسباب صعوبة اندماج الأجيال الجديدة للهجرة في الدورة لاقتصادية إلى

مشكلة التمييز العرقي الذي يطرح نفسه بقوة في سوق العمل الفرنسية. بالرغم من ندرة الإحصاءات الدقيقة والدراسات المشخِّصة للأوضاع الحياتية العامة للمرأة المغاربية المهاجرة

بشكل عام، وللأجيال الشابة وفتيات الهجرة بشكل خاص، ومستويات اندماجهن في مجتمعات الهجرة، يبقى

المتوافر بشأنهامرجِّحًا حقيقة تنامي الميز لاجتماعي والمهني ضدّها، وتعرّضها لمشكلات مختلفة بوصفها امرأة أوً

وبوصفها مهاجرة عربية ثانيًا. وقد أضحى هذا لانطباع يتأكد بشكل واضح في بعض التقارير والوثائق الرسمية

الأوروبية، إذ تزايد الحديث في الأعوام الأخيرة عن تغافل الحكومات الأوروبية عن لاهتمام بالمرأة المهاجرة،

وأضحى بعض الأدبيات الرسمية في فرنسا على سبيل المثال يؤكد ضرورة لانتباه إلى أن إدماج المرأة المهاجرة

والمنحدرة من الهجرة يمثّل المفتاح الرئيس لنجاح عملية اندماج مجموع السكان المهاجرين. وانتشر الحديث عقب

حوادث الضواحي الباريسية خاصة عن ضرورة إيلاء أهمية خاصة لوضع المرأة المهاجرة، لاسيما المرأة المنحدرة من

أصول مغاربية، وما تعيشه من صعوبات فعلية في لاندماج والحضور والفعالية في المجتمعات المستقبِلة لها. وقد أشار بعض التقارير الرسمية الفرنسية إلى غياب المرأة المغاربية المهاجرة عن الساحة المجتمعية، وعدم

حضورها البارز في هياكل التسيير القيادية في الجمعيات والأحزاب والهياكل النقابية، وذلك بالرغم من أهمية

وزنها الديموغرافي في المجتمع الفرنسي؛ إذ تمثّل النساء ما يفوق نصف (50.3 في المئة) مجموع المهاجرين الذي

بلغ في كانون الثاني/ يناير 2004 حوالي 4.5 مليون مهاجر مقيم بفرنسا. هذا إلى جانب تأكيد تلك الوثائق

هشاشة وضع المهاجرات المغاربيات في سوق العمل الفرنسية. وبالرغم من أنهن يمثلن 41 في المئة من مجموع

المهاجرين النشطين في مقابل 35 في المئة عام 1990، فإنهن الأكثر عرضة للإقصاء من أسواق العمل. ولا يؤدّي

النجاح المدرسي الذي تحرزه الفتاة المغاربية المنحدرة من الهجرة في الغالب إلى اندماج مهني مؤكد أو مأمون،

مقارنة بنظيراتها من الفرنسيات، إذ لا تسجّل نسب العمل بالنسبة إلى الفتيات من أصول مغاربية سوى 65.8

في المئة في مقابل 79.5 في المئة بالنسبة إلى الفتيات اللواتي هن من أصل فرنسي. ومن بين ثماني وظائف أساسية

تحتكرها النساء المهاجرات في فرنسا سبع وظائف تُعتبر غير متخصّصة، وذلك مقابل ثلاث وظائف فقط بالنسبة

إلى ذوات الأصول الفرنسية. بناء على ما تقدَّم، يجدر التشديد على تنوّع أصناف المرأة المغاربية المهاجرة، واختلاف تجربة الهجرة وتفاصيلها

من صنف إلى آخر ومن امرأة مهاجرة إلى أخرى. وبهذا يجوز القول إن تصنيف الهجرة المغاربية وفق منظور

النوع لاجتماعي ومتغيرات السن وتجربة الهجرة وطبيعة الممارسة لاقتصادية و لانتماء لاجتماعي للمرأة

12 Arnaud Dupray and Stéphanie Moullet, «L’Insertion des jeunes d’origine maghrébine en France: Des Différences plus marquées dans l’accès à l’emploi qu’en matière salariale,» Net.Doc, no. 6(2004), on the Web: <www.cereq.fr>.

13 «الأسرة العربية المهاجرة بأوروبا: الواقع والتحولات.»

14 Aicha tayeb, «Les Transformations actuelles de l’émigration féminine en Europe: Cas du Maghreb,» papier présenté à:”Migration et développement des régions maghrébines et sub-sahariennes,» (Colloque international organisé par le centre d’études des mouvements migratoires maghrébins, Université Mohammed Premier, Oujda, Maroc, 11-12 Novembre 2010). 15 République française, Ministère de la parité et de l’égalité professionnelle, «Femmes de l›émigration,»(7 mars 2005).

المهاجرة، يصبح ضرورة منهجية لا غنى عنها من أجل فهم حقيقة هجرة المرأة من ناحية، ولا يمكن من دون

هذا التصنيف فهم حقيقة مساهمتها في التنمية لاقتصادية لأوطانها الأصلية من ناحية أخرى. وربمّا يتوضح لنا

بعض جوانب تلك المساهمة بعد النظر إلى الخصائص العامة للمرأة المهاجرة من منطقة المغرب العربي. -2 الخصائص العامة للمهاجرات من المغرب العربي شهدت الخصائص العامة للمهاجرين من المغرب العربي تحولّات هيكلية مختلفة في العقود الأخيرة شملت

بشكل رئيس المظاهر لاجتماعية والديموغرافية والسوسيو مهنية. وقد مسّت تلك التحولّات كذلك الخصائص

العامة للمرأة المغاربية المهاجرة، التي اختلفت ملامحها شكلا ومضمونًا عن المرأة المهاجرة من المغرب العربي

خلال الستينيات والسبعينيات. ولئن انطلقت هجرة المرأة من المغرب العربي، كما تقدّم، بوصفها حراكًا جغرافيًا

للمرأة المتزوجة غير النشطة اقتصاديًا والملتحقة بزوجها المهاجر لأسباب عائلية واجتماعية صرفة، فإن هذه

الصورة اليوم تغريّت واختلفت مضامينها. تطغى اليوم حالة المرأة المهاجرة بشكل فردي على مشهد هجرة المرأة المغاربية وإن تكن الدلائل تؤكد حضور

المرأة المتزوجة ضمن ذلك الحراك المنفرد للمرأة المغاربية المهاجرة. ومعلوم أن التحولّات الديموغرافية الطارئة

مؤخرًا على سكان المغرب العربي أصبحت تُعتبر من بين العوامل المساهمة في تطوّر هذا الشكل المستجد من

الهجرة النسائية الخارجية. وأضحت المؤشرات الديموغرافية تؤكد تأخّر سنّ الزواج، وخاصة بالنسبة إلى

المرأة، وارتفاع نسب الفتيات العازبات. ففي خلال عام 2007، سجّلت في تونس على سبيل المثال الشابات

غير المتزوجات من الشريحة العمرية -25 29 عامًا نسبة 55 في المئة. وارتفع عدد الفتيات غير المتزوجات ضمن

نسق الهجرة النسائية المنظمة نحو دول الخليج العربي عبر الوكالة التونسية للتعاون الفنّي من 118 فتاة مهاجرة

خلال عام 2000 إلى 597 فتاة مهاجرة عام 2008. ويشهد جنوب أوروبا اليوم تطوّرًا بارزًا للهجرة النسائية

الفردية من المغرب الأقصى، ممثَّلة في عدد من الطالبات والفتيات غير المتزوجات، إلى جانب عدد من الأرامل

والمطلقات والمتزوجات اللاتي يهاجرن بحثًا عن مواطن الرزق، تاركات أُسرهن في المغرب. وتُعتبر 71.4 في

المئة من النساء المهاجرات من المغرب الأقصى إلى إيطاليا مهاجرات منفردات، إمّا أرامل وإمّا مطلقات، وهي

ظاهرة غدت أكثر بروزًا بالنسبة إلى المهاجرات من المغرب الأقصى منذ نهاية التسعينيات، حين تبين أن نسبًا

عالية من المغربيات المقيمات خاصة بإيطاليا وإسبانيا لم يعدن يهاجرن فقط كزوجات أو كأمهات، وإنما كنساء

يبحثن عن موقع في سوق العمل، متحرّرات في الغالب من الروابط الأسرية. وتؤكد نتائج بعض الدراسات

انخفاض نسبة الخصوبة عند العائلات المغاربية المهاجرة في أوروبا، وتأخر سن الزوج بالنسبة إلى فتيات الجيلين

الثاني والثالث المقيمات بها، حيث تعيش أكثر من 60 في المئة من الفتيات الشابات غير المتزوجات في المهجر

مع أوليائهن، ولا ترتبط الفتاة المغربية بالحياة الزوجية في الغالب إلاّ بعد سن 35 عامًا، ويكون ذلك عادة

في إطار زواج بقرين من العائلة أو من الجنسية نفسها. وتوجد في إسبانيا أكبر نسبة من المهاجرات المغربيات

غير المتزوجات. وتنحدر المرأة المهاجرة من المغرب الأقصى نحو إسبانيا في الغالب من أوساط حضرية، حيث بيّنت بعض النتائج

16 Nouria Ouali, «Les Marocaines en Europe: Diversification des profils migratoires,» Hommes et migrations, no. 1242(Mars- Avril 2003), p. 73. 17 AichaBelarbi, «Migration des femmes des pays MEDA vers l›Europe,»(Euromed migration II, Bruxelles, 6/4/2011), on the web: <www.euromed-migration.eu>.

انخفاض نسبة المنحدرات من وسط ريفي أو قروي، ولم يتجاوز نسبة المهاجرات من وسط قروي ال 6 في

المئة ضمن نتائج بعض الأبحاث، في حين ينحدر 94 في المئة منهن من وسط مديني مباشرة. وتُعتبر 65

في المئة منهن أصيلات إحدى المدن، بينما تأتي 20 في المئة الباقية من مدن أخرى، و 15 في المئة من قرى نزحن

منها إلى مدن قبل مرحلة الهجرة إلى إسبانيا، وهو ما يدحض الفكرة القائلة إن الهجرة المغاربية تشمل المناطق

الداخلية والريفية في الأساس، وهي مسألة غير مؤكدة في ما يتعلق بحالة هجرة النساء من المغرب العربي، على

خلاف الهجرة الذكورية؛ فالهجرة النسائية من المغرب العربي تبدو ظاهرة حضرية أساسًا، إذ ترشّح المدن نساءها

للهجرة الخارجية أكثر ممّا تفعل الأرياف والقرى، وهي مسألة مختلفة بالنسبة إلى الرجال، حيث تكون البيئة

الريفية أكثر قابلية لهجرتهم. وقد بيّنت نتائج الدراسة نفسها أن انتماء نسبة الرجال المهاجرين إلى أوساط ريفية

مرتفعة بنسبة 40 في المئة من المهاجرين في مقابل 6 في المئة فقط للنساء. أمّا الخصائص السوسيومهنية للمرأة المغاربية المهاجرة، فتتنوع بدورها بين مختلف أصناف المهاجرات. وإذا

توزّع عدد من المهاجرات الأوائل على قطاع الصناعة والصناعات المعملية أساسًا، كالنسيج وصناعة الملابس

وغيرها، فإن عددًا من المهاجرات بشكل فردي وسرّي وغير منظم يمارسن أساسًا الأعمال الزراعية والخدمة

المنزلية ومهن الرعاية بالأطفال وكبار السن. هذا مع العلم بأن المرأة المغاربية المهاجرة أصبحت أكثر بروزًا في

مجال الأعمال الحرّة والمشاريع الخاصة، وهي مسألة بدأت تتطوّر أكثر لدى فتيات الجيلين الثاني والثالث، كما

شملت بدرجة أقل بعض النساء اللواتي دخلن أوروبا في إطار سياسات التجميع العائلي أو البحث عن عمل.

وتشير إحصاءات ديوان التونسيين في الخارج مثلا، إلى أن نسبة النساء من الكوادر العليا وصاحبات المؤسسات

والمهن الحرة سجلت خلال عام 2006 ارتفاعًا بلغ 9 في المئة من مجموع الكفاءات التونسية في الخارج، خاصة

في أوروبا وأميركا الشمالية. وبالرغم من أن النسب العامة للمرأة صاحبة المؤسسة أو المرأة المقاولة، مقارنة

بمساهمة المرأة المغاربية في قطاعات النشاط الأخرى، تبقى ضعيفة، فإنها تُعتبر على وجه العموم نسبًا آخذة في

التطوّر. وتسجل المهاجرات من أصل مغاربي حضورًا أبرز في المشهد السوسيواقتصادي في إسبانيا وإيطاليا. كما

تشكّل النساء المهاجرات ثلث عدد النشطين المغاربة المقيمين بفرنسا (33.37 في المئة)، وترتفع نسبة النشاط

عند التونسيات المهاجرات إلى 36.7 في المئة، تليهن الجزائريات (36.6 في المئة)، فالمغربيات (30.2 في المئة).

وتسجل نسبة الممارِسات لنشاط مهني بشكل عام ارتفاعًا ملحوظًا وتطوّرًا بارزًا في الأعوام الأخيرة، خاصة عند

اللواتي حصلن على الجنسية الفرنسية. وبشكل عام تبدو الفتاة الشابة المهاجرة والأكثر تعلّما أقدر على لاندماج في المنظومات لاقتصادية و لاجتماعية

العامة لمجتمعات لاستقبال، في حين يقتصر توظيف المرأة المهاجرة كيد عاملة بسيطة ومحدودة المهارة والمستوى

التعليمي المتدني على مهن من قبيل لاشتغال في الخدمة المنزلية، والعمل في قطاع الخدمات (كنادلات..)، وحتى

في أسواق الدعارة، وهي أعمال عادة ما تكون هشّة وغير مستقرة وسيئة الظروف، وتتسم بانخفاض أجورها

وانعدام الخدمات لاجتماعية فيها. ويتمّ النفاذ الأول للعمل بالنسبة إلى نساء الهجرة وفتياتها في الغالب الأعم بصور هشّة وغير مستقرة (عبر

عقد عمل محدّد المدّة، عمل مؤقت، تعويض جزئي،...)؛ فتقتحم، مثلا، نسبة 40 في المئة من نساء الهجرة في

فرنسا ذوات التكوين العالي سوق العمل عبر عقود عمل بوقت جزئي، وذلك في مقابل 22 في المئة فقط مقارنة

بنظيراتها من الفرنسيات ذوات التكوين عينه. وإذا كانت العقود المؤقتة تشمل 63 في المئة من مجموع العقود

18 Ramirez, Noin and Guillon, pp. 9-36.

المعروضة على الشباب الفرنسي المتخرّج من الجامعات والممارس للعمل أول مرة، فإن هذه النسبة ترتفع إلى 75

في المئة عند خريجي الجامعات الفرنسية من ذوي الأصول المغاربية. من المهم التذكير بأن تطوّر حركة هجرة المرأة المغاربية في العقود الأخيرة ارتبط كذلك بوجهات هجرة جديدة،

مثل بعض دول جنوب أوروبا كإيطاليا وإسبانيا. وقد قُدّر عدد النساء المهاجرات من المغرب الأقصى والمقيمات

بإسبانيا في عام 2005 بحوالى 170 ألفًا و 498 مهاجرة، أي إنه يمثّل ثلث مجموع المهاجرين المغاربة المقيمين

بإسبانيا، وقُدّرت النسبة نفسها بحوالى 24.1 في المئة للجزائر، و 27.8 في المئة لتونس. وقد ارتبطت هذه

الوجهات النسائية المستجدة بتطوّر اختصاصات هجرية جديدة متصلة بظواهر تدويل أعمال الرعاية والخدمة

المنزلية. وترد تلك التخصصات في سياق لاستجابة لتنامي طلب العائلات الأوروبية المتزايد على تغطية مجال

النشاط النسائي المنزلي، إذ إن تحسّن الأوضاع العامة للأُسر وارتفاع نسب تمدرس الإناث، وتصاعد وتيرة

دخولهن أسواق العمل ودوائر النشاط المنتج خارج الفضاءات الخاصة في البلد الأصل، إلى جانب جملة

التحولات الديموغرافية وارتفاع نسب الهرم السكاني وأعداد العجزة وكبار السن في عدد من دول جنوب

أوروبا ومدنها الكبرى، كل ذلك أدى إلى تحوّل نشاط الرعاية والخدمة المنزلية إلى محور بارز في معادلات العرض

والطلب على اليد العاملة في أسواق العمل في تلك البلدان، وظلّت اليد العاملة النسائية المغاربية إحدى أهم

الميكانزمات المحرّكة لذلك.

وقد قُدّر عدد العاملين في المنازل في أوروبا بالمليون شخص، يعمل أغلبهم، بحسب الإحصاءات، في وضعيات

غير قانونية، ولا يمارس غير عدد قليل منهم عمله في ضوء التمتّع الكامل بالمستحقات وفق ما تنصّ عليه

القوا ين. وبالرغم من سعي بعض الدول الأوروبية، كإيطاليا، لتسهيل إجراءات الدخول المقنّن لعاملات

المنازل وحثّ العائلات الإيطالية منذ عام 1990 على التسوية القانونية لاستخدامهن، يبقى العدد الأكبر يعمل

في الظلّ، ويمارس نشاطه بشكل غير معلن ضمن قطاعات العمل الموازي. هذا مع العلم بأن 90 في المئة من

الأشخاص العاملين في المنازل في إيطاليا من المهاجرين عام 2005 هنّ من النساء. وتتسم ظروف العمل في هذا

القطاع بالأجور المتدنّية، وساعات العمل الطويلة، وانعدام التمتع بالعطل وأوقات الراحة، وغياب التغطية

لاجتماعية والأمان الصحّي، هذا إلى جانب كلّ ما يمكن أن تتعرض له المهاجرة من ضغط نفسي بسبب الوحدة

و لانعزال لاجتماعي، وما يمكن أن تعانيه من مواقف عنصرية وتحرش جنسي من طرف أرباب العمل. وتجد

المهاجرة نفسها مكرهة على السكوت وعلى تحمّل المهانة بسبب وضعيتها الهشّة وغير القانونية التي لا تسمح لها

بالشكوى ضد أحد أو بمقاضاة أحد. من المفيد الإشارة إلى اتساع رقعة قطاع العمل الموازي المستوعِب لليد العاملة النسائية المهاجرة من المغرب

العربي في دول جنوب أوروبا، حيث اضطر عدد من المهاجرات اللواتي لم يستوعبهن قطاع الرعاية والخدمة

المنزلية إلى امتهان جملة من الأعمال الهامشية الأخرى، كالتجارة الموازية أو لاتجار بالمخدرات أو لانخراط في

شبكات الجريمة المنظمة وتجارة الجنس. ورغم صعوبة إجراء حصر إحصائي دقيق لمثل هذه الظواهر، فإن جلّ

الدراسات أضحت تبُرز انتشارها في الأحياء المعروفة بكثافة وجود المغتربات المغربيات فيها.

19 Alain Frickey et Jean-Luc Primon, «Insertion professionnelle et discriminations: l’Accès à l’emploi des étudiants issus de l’immigration en région Provence - Alpes - Côte d’Azur,» Cahier de l’URIMIS, nos. 10-11(Décembre 2006), p. 65. 20 Ouali, p. 70.

21 المصدر نفسه، ص.75

ثالثًا: الهجرة والتنمية، أي مساهمة للنساء؟

-1 في طبيعة العلاقة بين ثالوث الهجرة والمرأة والتنمية ظلّت العلاقة بين الهجرة والتنمية حتى وقت قريب علاقة غير بارزة بالقدر الكافي في أبحاث ودراسات الهجرة،

ولم تحظ بما تستحق من التحليل والدراسات النظرية. كما لم تحتلّ صدارة لاهتمام في سياسات الدول وفي أجندات

الساسة وصنّاع القرار، أكان لدى دول المنشأ أم لدى الدول المستقبلة لتلك اليد العاملة. ولا شك في أن غياب

لاهتمام بطبيعة العلاقة الجامعة بين الهجرة والتنمية في أبعادهما لاجتماعية يعود إلى أسباب كثيرة، ربما من أهمها

الطابع الإشكالي الذي يربط بين الظاهرتين منذ المنطلق، وهو اعتبار الهجرة مشكلة اقتصادية واجتماعية ناتجة

من نقص في التنمية وغياب لها، بالنظر إلى أن حراك الأفراد الجغرافي من أجل العمل تفرزه الدول الأقل نموًّا،

بحيث يظلّ حركة بحث عن مصدر للرزق انعدم في البلد الأصل، ونتيجة واقع تنموي ضعيف وغير قادر على

توفير ضروريات العيش للمهاجرين منه. ولكن ثنائية الهجرة والتنمية وطبيعة العلاقة بينهما أخذت في الأعوام الأخيرة تحتل موقعًا مختلفًا في السياسات

كما في الدراسات والأبحاث. وبرز الحديث عن الروابط الإيجابية والأدوار الفاعلة التي يمكن للمهاجرين

لاضطلاع بها في مجال التنمية لاقتصادية و لاجتماعية في دول المنشأ ودول لاستقبال على حد سواء. وقد أصبح

النقاش العالمي حول الهجرة، في الأمم المتحدة أو في غيرها من الهياكل الأممية، إلى جانب التقارير الوطنية والدولية

حول التنمية البشرية و لاتفاقيات الدولية والإقليمية الثنائية حول الهجرة، يفرد اهتمامًا خاصا لإشكالية الهجرة

والتنمية، مع التركيز على الأبعاد الإيجابية لتلك الظاهرة في التنمية. وأصبحت مساهمة المهاجرين، وتحويلاتهم،

ومشاركتهم لاقتصادية، ودورهم في الحدّ من الفقر ومعاضدة جهود التنمية في أوطانهم مدرجة في استراتيجيات

دول المصدر و لاستقبال وخططها التنموية. وممّا تجدر الإشارة إليه أن على الرغم من تطوّر المقاربات الفكرية التي تتناول إشكالية مساهمة المرأة في التنمية في

العقود الأخيرة، وظهور أطر تحليل مختلفة انتقلت من مقاربة «المرأة في التنمية» إلى مقاربة «المرأة والتنمية» ثم إلى

مقاربة «النوع لاجتماعي والتنمية»، وعلى الرغم من التزايد الكمي للنساء في مشهد الهجرة الدولية، ظلّت

النقاشات والدراسات حول الهجرة والتنمية تتناول مختلف المسائل بمنظور محايد وشامل ولا يتطرق إلى بُعد

النوع لاجتماعي. وقد تمّ عبر ذلك الشمول تغييب مساهمة المرأة المهاجرة في التنمية، وطمس البحث في الأدوار

التي تضطلع بها في ذلك السياق. ومعلوم أن المرأة المهاجرة كانت دومًا مساهمة بأشكال مختلفة، إلى جانب

الرجل، في التنمية لاقتصادية و لاجتماعية لأوطانها وللدول المستقبلة لها، لا عبر التحويلات النقدية والعينية

فقط وإنما أيضًا عبر تدشين مسار بعث المشاريع لاقتصادية، وتكوين الجمعيات، وتحويل الخبرة والتكنولوجيا

وغيرها من أوجه النشاط التي أضحى عدد من النساء المهاجرات من المغرب العربي يحرص على لاضطلاع بها

بشكل متزامن في كلٍّ من دولة المنشأ ودولة الهجرة. وبالرغم من تزايد اهتمام دول المغرب العربي بعوائد هجرة مواطنيها إلى الخارج، حيث أصبحت تلك العوائد

ومساهمات المهاجرين في التنمية تُعتمد كركيزة في الخطط الوطنية للتنمية، واعتبار الهجرة في كلّ من تونس والمغرب

22 تبنت مقاربة «النوع لاجتماعي والتنمية» معالجة المساهمة في العملية التنموية من منظور متكامل الأبعاد، يحاول الإحاطة بصيرورة

توزُّع الأدوار والمسؤوليات بين النساء والرجال. وقد اعتبر هذا المنظور أن تحليل مساهمة المرأة في العملية التنموية يجب أل اّ يهمل كل ما

تبذله من جهود ومساهمات مختلفة، سواء داخل المنزل أو خارجه. وشدّد هذا الطرح على ضرورة اعتبار الإنتاج غير السلعي للمرأة، كما

رفض هذا التوجّه طبيعة تقسيم العمل بين المجال العام والمجال الخاص الذي كان يُستعمل في الغالب لطمس أهمية الأدوار الإنتاجية

للمرأة ومشاركتها في عمليات التنمية. انظر: عائشة التايب، النوع والعمل والمؤسسة (القاهرة: منظمة المرأة العربية، 2011)، ص.150

مصدرًا أساسيًا من مصادر تمويل لاقتصاد الوطني، التي يجب تنميتها لصالح الدولة ولفائدة تعديل توازن ميزان

المدفوعات والمساهمة في جهود الحدّ من الفقر عبر حفز المهاجرين على لاستثمار المباشر في مناطقهم، بالرغم من

ذلك كله، ظلّت المرأة المهاجرة رقامً غائبًا عن ذلك الاهتمام، إذ لا يكاد الدارس يجد ضالته من الإحصاءات الراصدة

لحجم مساهمة المرأة المهاجرة، أو ما يوثّق لدورها ولنشاطها لاقتصادي في موطنها الأصلي. -2 تحويلات المهاجرين المغاربة وأهميتها تضاعف في العقود الأخيرة حجم تحويلات المهاجرين على نطاق دولي بمعدل فاق الثلاثة أضعاف، مرورًا من

99 مليا ردولار أميركي عام 2002 ليصل إلى 308 مليارات دولار عام 2008، الأمر الذي جذب اهتمام كثير

من الجهات الفاعلة على نطاق دولي بغرض البحث عن طرق استغلال أمثل لذلك الكم الهائل من الأموال من

طرف الدول المصدرة للمهاجرين. وبحسب مجموعة إحصاءات البنك الدولي لعام 2008، أرسل المهاجرون

من حيث هم، وعبر قنوات رسمية، إلى أوطانهم الأصلية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 28.5 مليار

دولار في مقابل 12.9 مليار دولار لعام 2000. وتتمثّل الدول العربية التي استفادت من تحويل الأموال عام

2007 في مصر (5.9 ملياردولار)، والمغرب (5.7 مليار)، ولبنان (5.5 مليار)، والأردن (2.9 مليار)،

والجزائر (2.9 مليار دولار)، وتونس (1.7 مليار)، واليمن (1.3 مليار)، وسورية (0.8 مليار)، والضفة

الغربية وقطاع غزة (0.6 مليار). هذا وتمثّل التحويلات المالية في كثير من الدول المتوسطية المصدر الرئيس

والأكثر استقرارًا لتدفقات رأس المال، وفي بعض الح لات تتجاوز الموارد المالية لاستثمار الأجنبي المباشر

والمساعدات الرسمية؛ فبالنسبة إلى المغرب على سبيل المثال، سجلت تحويلات المهاجرين عام 2007 حوالي

63.7 في المئة من لاستثمار الأجنبي المباشر و 45.2 في المئة من المساعدات الإنمائية الرسمية. وفي مصر، مثّلت

46.7 في المئة من لاستثمار الأجنبي المباشر، و 22.5 في المئة من المساعدات الإنمائية الرسمية. وتتمثّل الدول

العشرالأولى المنتفعة من التحويلات المالية في 2006 بالنسبة المئوية من الناتج المحلي الإجمالي في لبنان (22.8 في

المئة) والأردن (20.3 في المئة) والضفّة الغربية وقطاع غزة (14.7 في المئة)، والمغرب (9.5 في المئة)، واليمن

(6.7 في المئة)، وتونس (5 في المئة)، ومصر (5 في المئة)، وجيبوتي (3.8 في المئة)، وسورية (2.3 في المئة)،

والجزائر (2 في المئة). ويبدو مفهوم التحويلات مفهومًا ضبابيًا نوعًا ما، إذ لا نجد له تعريفًا موحّدًا يمكن أن يستوفي جميع المج لات

والقنوات التي يمكن أن تمرّ تلك التحويلات منها. ويمكن القول بإيجاز إن تحويلات المهاجرين المغاربة متنوعة

الشكل ومتعددة المصدر ومتفاوتة الحجم بين القنوات الرسمية وغير الرسمية. وتتمثّل التحويلات التي تمر

عبر القنوات الرسمية في مجموع التحويلات النقدية التي يرسلها المهاجر إلى عائلته أو إلى أقاربه المقيمين بالبلد

الأصل، ويمكن أن تشمل مجموعة الحو لات النقدية المرسلة عبر مراكز البريد أو عبر المؤسسات البنكية، كما يمكن

للتحويلات النقدية أن تشمل مختلف ما يحوّله المهاجر من أموال يستجلبها معه بشكل مباشر عند زيارته لموطنه. أمّا التحويلات غير الرسمية، فيمكن أن تشمل مختلف المعاملات النقدية التي يُدخل بمقتضاها المهاجر أمواله

إلى البلد، سواء بشكل سرّي عند عودته (من دون التصريح بكميات النقد التي يستجلبها معه)، أو بشكل

غير مباشر عن طريق بعض الأقارب من طلاب وسياح ومرضى وغيرهم، ممن يتولى المهاجر سداد بعض

23 «الهجرة النسائية بين دول البحر المتوسط و لاتحاد الأوروبي،» (دراسة، يوروميد للهجرة 2 بدعم من المفوضية الأوروبية، [د. ت)].،

ص.257

24 المصدر نفسه، ص.258

مصاريفهم في الخارج بالعملة الصعبة ويتعهدون له بإرجاعها إلى أُسرته في البلد الأصل بالعملة المحلية، وهي

طريقة تُعتمد لمجابهة انخفاض قيمة العملية المحلية أمام العملة الأجنبية. كما أن التحويلات غير المباشرة تشمل

مختلف التحويلات العينية غير النقدية التي يستجلبها المهاجر من الخارج عند العودة المؤقتة، من سلع وبضائع

مختلفة كالسيارات والأواني والآلات المنزلية الكهربائية والمفروشات، وهي مواد يخصّص بعضها للاستهلاك

الشخصي للمهاجر وأسرته، ويستغل بعضها الآخر للترويج في إطار نشاط التجارة الموازية أو ما يسمّى تجارة

«الحقيبة» التي تمثّل موردًا مهما للمهاجرين في أثناء العطل والزيارات، خاصة في تونس والمغرب. وتجدر الإشارة إلى أنّه في وقت تبقى فيه التحويلات النقدية عبر القنوات الرسمية قابلة للرصد والحصر، كما

سوف يتقدّم، تكون التحويلات غير الرسمية والتحويلات العينية بعيدة عن التقدير والرصد الإحصائي،

ولكنها رغم ذلك تبقى مصدرًا مهما من مصادر التغلّب على مشقات الحياة بالنسبة إلى أُسرة المهاجر والمهاجرة،

ومصدرًا مهما من مصادر تحقيق الرفاه واقتناء التجهيزات الكمالية والضرورية في ظلّ ارتفاع أسعار تلك المواد في

البلد الأصل، وهي مسائل مدرَكة بالملاحظة المباشرة، إذ يختلف عادة مستوى المعيشة ونسق اقتناء التجهيزات

المنزلية لدى أُسر المهاجرين في المناطق المعروفة بكثافة عدد المهاجرين. وقد أوردت دراسة لبنك لاستثمار الأوروبي تقديرات لنسب تحويلات المهاجرين غير الرسمية نحو البلدان

العربية لعام 2004، معتمدة على مسوح محدودة جدا في البلدان العربية المعنية خاصة بالتحويل من أوروبا.

وجاءت مع ذلك التقديرات معربّة إلى حدّ كبير، وكانت كالآتي: 34 في المئة للمغرب، و 20 في المئة لتونس، و 57

في المئة للجزائر، و 56 في المئة لمصر، و 7 في المئة للبنان، و 53 في المئة للأردن، و 79 في المئة لسورية. وقد تصل

التقديرات إلى 60 في المئة بالنسبة إلى اليمن و 80 في المئة للسودان. أمّا بالنسبة إلى التحويلات الرسمية للمهاجرين المغاربة، فتُعتبر كلّ من المغرب وتونس من أكثر دول المغرب

العربي استقبا لها؛ إذ تتضاعف هذه التحويلات بشكل ملحوظ من عام إلى آخر، خاصة في العقد الأخير.

ويبدو أن التحولّات السياسية في الغرب (حوادث 11 أيلول/سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، وتنامي

شعور الجوالي العربية بعدم لاستقرار وبالخوف) والتحولات لاقتصادية والمالية، خاصة في المنطقة الأوروبية،

جعلت المهاجرين يلتجئون أكثر ممّا مضى إلى تأمين عوائدهم ومدّخراتهم في مناطقهم الأصلية. وتحتل تحويلات

المهاجرين في تونس المصدر الثالث للعملة بعد السياحة وقطاعي النسيج والجلد خلال الفترة 1993 – 2000؛

إذ بلغت عام 2008 حوالي 2436 مليون دينار تونسي، أي ما يعادل 1.941 مليون دولار أميركي. وقد مثّلت

تحويلات المهاجرين في العام نفسه 5 في المئة من الناتج المحلي الخام، و 71.8 في المئة من عوائد السياحة، و 21.8

في المئة من لادّخار الوطني. وخلال العشريتين الأخيرتين، غطّت تحويلات المهاجرين التونسيين في الخارج ثلثي

عجز العمليات الجارية للبلاد، في حين أن نسبة تلك التغطية لم تكن في السابق تتجاوز 50 في المئة. أمّا في المغرب الأقصى، فقد تضاعف حجم التحويلات الرسمية للمهاجرين في الفترة 1970 - 2006 أكثر من

149.5 ضعفًا، فتحوّل من 320 مليون درهم إلى 47 مليارًا و 840 مليون درهم، واحتلت هذه التحويلات في

عام 2005 ما يقارب 8.9 في المئة من الناتج المحلي الخام، وغطّت نسبة 23.7 في المئة من الواردات، ومثّلت

18.4 في المئة من المداخيل الجارية من ميزان المدفوعات، وغط 47 في المئة من العجز التجاري.ّت

25 محمد الأمين فارس، «تحويلات العمال المهاجرين إلى المنطقة العربية: السمات والآثار،» ورقة قدمت إلى: اجتماع الخبراء حول الهجرة

الدولية والتنمية في المنطقة العربية: التحدیات والفرص، بيروت، 17 أیار/مایو 2006، ص.14

-3 المرأة المهاجرة: التحويلات والاستثمار تساهم المرأة المهاجرة من المغرب العربي، بمختلف أوضاعها ومختلف مواقعها لاقتصادية و لاجتماعية في

بلد الهجرة، في حركة تحويل الأموال نحو بلدها الأم. ولكن نظرًا إلى شمولية الأرقام الراصدة لتحويلات

المهاجرين وعدم تصنيفها بحسب متغير النوع لاجتماعي، لا يجد الدارس معطيات دقيقة حول حجم

المساهمة النسائية في عمليات التحويل، وهو ما يحول دون وجود معطيات كافية لرسم صورة حول طبيعة

سلوك المرأة المهاجرة في تحويل الأموال، وحجم ذلك التحويل ومدى اختلافه عن سلوك الرجل المهاجر.

ولكن رغم ذلك، ترجّح المعطيات الواقعية فرضية إرسال المرأة المهاجرة للمال بقدر أكبر من الرجل

رغم أنها تتقاضى عادة أجرًا أقل. وقد قدّر بعض المصادر في المملكة المتحدة أن المرأة المهاجرة نحو هذا

البلد من المغرب الأقصى تحتكر 65 في المئة (حوالى 1.5 مليار درهم) من مجموع تحويلات المهاجرين

من المغرب الأقصى والبالغ 2.5 مليار درهم. وتتدعّم هذه الفرضية بدرجة أكبر إذا ما علمنا بأن

العوامل لاقتصادية، من فقر وبطالة وبالتالي الرغبة في تحسين الأوضاع المعيشية للأسرة، تقف في الغالب

وراء هجرة النساء المنفردات من المغرب العربي، لاسيما في الأعوام الأخيرة. ونرى من خلال هذا الجدول

طغيان سبب الهجرة من أجل العمل وسبب لالتحاق بالزوج على بقية الأسباب الأخرى في حالة هجرة

الإناث من البلاد التونسية إلى الخارج، كما يبقى العمل السبب الرئيس لهجرة الذكور التونسيين إلى الخارج،

إذ يهاجر 79.2 في المئة منهم من أجل العمل. الجدول رقم (2)

توزُّع المهاجرين التونسيين بحسب الجنس وأسباب الهجرة عام 2004

إناثذكورأسباب الهجرة
27.279.2العمل
36.32.5الزواج
20.314.1الدراسة
16.44.2أسباب أخرى

أسباب أخرى 4.2

المصدر: المعهد الوطني للإحصاء، التعداد العام للسكان،.2004

وقد أضحت جملة من الدراسات في مناطق مختلفة من العالم النامي تؤكد ميل الأُسر إلى تشجيع هجرة الفتاة

بدافع التغلّب على الفقر ومجابهة صعوبات الحياة اليومية، وهو ما يبقى أحد الأسباب الرئيسة التي تحفز المهاجرة

على تحويل جزء كبير ممّا تجنيه من عملها في الهجرة لفائدة زوجها وأبنائها، إن كانت متزوجة، ولفائدة أبويها

وإخوتها إن كانت غير متزوجة. وبيّنت بعض الدراسات المنجزة عام 2000 أن نساء بنغلادش اللاتي يعملن

في المشرق العربي يرسلن إلى ديارهن أكثر من 72 في المئة من ربحهن. وتبينَّ في دراسة أخرى منجزة في أميركا

اللاتينية عام 2001 أن 87 في المئة من نساء نيكاراغوا المهاجرات إلى كوستاريكا يرسلن الأموال إلى عائلاتهن

في مقابل 57 في المئة من الرجال. وبشكل عام، يجوز القول إن حجم ما ترسله المرأة المهاجرة على نطاق دولي لا يزال غير معروف بالقدر

26 Khachani, «La Femme marocaine,» p. 148.

الكافي، ولا تتوافر بشأنه أي معطيات إحصائية، لا من دول لاستقبال ولا من دول المنشأ. ولا بدّ من

الإشارة إلى أن النساء يلتجئن بدورهن – وربما أكثر من الرجال - إلى التحويل عبر القنوات الموازية

وغير الرسمية لمزيد من التوفير وتجنّب المصاريف الباهظة للتحويل عبر البنوك ومراكز البريد والمصارف

الدولية. ولكنهن يحرصن رغم ذلك على التحويل المنتظم والمستمر للأموال إلى أُسرهن في بلد المنشأ.

ويبقى ذلك سلوكًا تجدّد من خلاله المرأة المهاجرة لأسرتها تأكيد نجاحها وحرصها على التوفير في ظل

هجرتها وإقامتها بعيدًا عن الأهل. وبالنسبة إلى المهاجرات من المغرب العربي، يختلف سلوك التحويل والمبالغ المحوَّلة من صنف إلى آخر، ويرتبط

بطبيعة النشاط لاقتصادي للمرأة المهاجرة وأهمية دخلها منه، كما يرتبط بوضعيتها القانونية أو غير القانونية

ووضعيتها العائلية، لكن يؤكد بعض الدراسات تواضع القيمة المرسلة المتراوحة، بحسب بعض الدراسات

الميدانية المحدودة، بين 75 و 90 يورو، وخصوصًا بالنسبة إلى النساء اللاتي هاجرن في إطار لمّالتجميع العائلي

والتحقن بالزوج. وهنّ نساء بلا مصدر رزق مستقر ولكنهن يحرصن رغم ذلك على توفير بعض الأموال

وإرسالها لمساعدة الأسرة الباقية في الوطن. ولا بدّ من التشديد على أن قيمة التحوبلات ترتبط من دون شكّ

بقيمة مصدر الدخل الذي تتقاضاه المرأة المهاجرة، حيث يبقى التحويل الأكبر مرتبطًا بذوات الدخول العالية

في بلدان لاستقبال، وبالتالي بذوات المستويات التعليمية الأرفع. وقد رأينا من خلال ما تقدّم في ما يتعلّق

بالخصائص السوسيومهنية للمهاجرات المغاربيات، قلّة صاحبات الأعمال الحرّة وقلّة الكوادر العليا ضمن

المهاجرات في مقابل ارتفاع نسب اليد العاملة البسيطة في قطاع الخدمات والفلاحة خاصة، إلى جانب ارتفاع

عدد العاملات في القطاعات الهشّة والأعمال غير المنظمة وذات العائد الهزيل وغير المستقر. ففي فرنسا على سبيل

المثال، تسجل الأرقام أن 9 من مجموع 10 مهاجرات من المغرب الأقصى يعملن في القطاع الثالث، وخصوصًا

في مجال الخدمة المنزلية والفندقية وفي المطاعم. وفي هولندا تعمل 65 في المئة من المهاجرات من ذلك البلد في

القطاع الثالث، في حين تحتكر الأعمالَ المنزلية 67 في المئة منهن في إسبانيا. وتتجسّد هشاشة العمل الذي تمارسه

المهاجرات في صور شتّى، منها العمل الجزئي والموسمي، والتشغيل عبر العقود المؤقتة والمحدودة المدة، وهذا

الأخير يشمل في فرنسا على سبيل المثال 42 في المئة من النساء المهاجرات إلى ذلك البلد. في الوقت ذاته، يعاني عدد أكبر من المهاجرين العرب والمغاربة، ذكورًا وإناثًا، شبح البطالة في الدول المستقبلة

لهم، وذلك نتيجة عوامل مختلفة، منها تداعيات الأزمة لاقتصادية العالمية التي مسّت بقوة عددًا من الدول

الغربية المستقبلة لليد العاملة المهاجرة في الأعوام الأخيرة. وقد أبرزت بعض الدراسات الحديثة أن نسبة

البطالة في صفوف المهاجرين في مختلف الدول المنتمية إلى منظمة التعاون لاقتصادي والتنمية تقدّر بما يفوق

20 في المئة، أي أكثر من ثلاثة أضعاف معدل البطالة للسكان الأصليين في هذه البلدان. ويجد العامّل

العرب المهاجرون، من ذوي لاختصاص المحدود، صعوبة كبيرة في النفاذ إلى سوق العمل نتيجة التراجع

الحاد في طلبات الشغل، بالإضافة إلى ما طرحه واقع المنافسة من طرف المهاجرين والعمال من دول أوروبا

الشرقية. وتسجل أعداد النشطين المشتغلين وغير النشطين من بين عموم التونسيين في الخارج، على سبيل

الذكر، نسبة 52 في المئة، وتبلغ نسبة العاطلين عن العمل منهم 48 في المئة. وتصل نسبة العمال والأجراء من

27 «الهجرة النسائية بين دول البحر المتوسط و لاتحاد الأوروبي،» ص.259

28 Bensaghir et Aba, “Les Femmes migrantes».

29 «المرأة العربية المهاجرة في أوروبا: واقعها ومستقبلها،» التقرير والتوصيات، الندوة السنوية السادسة للهجرة العربية نظمها مركز

جامعة الدول العربية، تونس، 2009/12/9، ص.14

بين عدد النشطين الإجمالي 80 في المئة، وتسجل كل من المهن الحرّة والكوادر العليا على التوالي نسبًا ضعيفة

تقدّر بحوالى 11 في المئة و 9 في المئة. أمّا بالنسبة إلى بطالة المرأة المهاجرة من المغرب العربي، فنجد على سبيل المثال أن الظاهرة تمسّ في فرنسا 22

في المئة من المغربيات اللاتي تتراوح سنّهن بين 40 و 50 عامًا، وتمس بدرجة أكبر (46 في المئة) من سنّهن 20

عامًا. أمّا في هولندا، فتمس البطالة 30 في المئة من المغربيات. وبحسب بعض تقارير منظمة الهجرة الدولية،

قُدّرت نسبة ربات البيوت العربيات اللاتي لا يمارسن عملا في بلد الهجرة ب 75 في المئة من النساء العربيات في

الدول الأوروبية. بناء على ما سبق، وفي غياب تقديرات إحصائية رسمية مصنّفة بحسب متغريّ النوع لاجتماعي، وموضِّحة

لصورة تحويلات المرأة المغاربية المهاجرة بشكل دقيق، تبقى فرضية ضعف حجم تحويلات المرأة المهاجرة من

المغرب العربي مرجحّة بقوّة، نظرًا إلى طبيعة النشاط الذي يمارسنه في بلد الهجرة، ولا يتيح لهن، بحكم هشاشته

وضعف مردوده وعدم انتظامه في ظل غلاء مستوى المعيشة في دول الهجرة وارتفاع تكلفة الحياة، مستويات

رفيعة من تحويل الأموال بسبب انخفاض نسق التوفير. في ضوء ذلك، كيف يبدو حضور المرأة المهاجرة في مشهد الاستثمار الاقتصادي في البلد الأصل وفي الوطن؟ بصفة عامة، تجمع أغلب دراسات الهجرة واستخدام تحويلات المهاجرين على تشابه سلوك المهاجرين لاستثماري

بين أغلب الدول المصدرة لليد العاملة المهاجرة، إذ يتبينّ استخدام التحويلات بشكل أساسي في تلبية الحاجات

لاستهلاكية اليومية للأُسر المقيمة بالوطن. ويتجه ذلك لاستخدام إلى تغطية بعض مج لات الإنفاق الصحي

والتعليمي، واقتناء بعض التجهيزات الضرورية والكمالية. ويترافق ذلك مع سلوك اتجاه أغلب المهاجرين في

مختلف مناطق العالم إلى اقتناء الأراضي الزراعية وبناء المساكن، والتوجه في بعض الح لات نحو إقامة المهاجرين

بعض المشاريع لاقتصادية الخاصة التي تدر دخلا في أوطانهم. ولا تختلف أمثلة السلوك لاستثماري للمهاجرين من بلدان المغرب العربي وعموم البلدان العربية عن تلك

الأمثلة والتوجهات العامة لمج لات استثمار المهاجرين لتحويلاتهم. وقد أبرزت بعض نتائج الدراسات الميدانية

الجزئية أن استخدام تحويلات المهاجرين العرب يتوزع على مج لات مختلفة، كالتالي: - مواجهة تكاليف الحياة اليومية: من 43 في المئة في مصر إلى 74 في المئة في الأردن، - رسوم التعليم: من 12 في المئة في مصر إلى 31 في المئة في المغرب، - شراء سكن أو تحسينه: من 4 في المئة في بعض الدول إلى 34 في المئة في تونس، - إقامة مشروع إنتاجي أو استثمار: من 5 في المئة في المغرب إلى 18 في المئة في تونس، - مج لات استخدام أخرى: من 2 في المئة في المغرب إلى 25 في المئة في تونس. ويبقى لاستخدام الأهم بالنسبة إلى المهاجرين من تونس والمغرب الأقصى متجهًا في الأساس نحو لاستثمار في

السكن، الذي يستحوذ على 83.7 في المئة من جملة استثماراتهم في المغرب الأقصى، على سبيل المثال. وبالنسبة إلى التونسيين في الخارج، يتوىلّ بعض الهياكل الحكومية، مثل وكالة النهوض ب لاستثمارات الصناعية ووكالة

النهوض ب لاستثمارات الفلاحية، تشجيع حركة لاستثمار وحفز عموم المستثمرين، بمن فيهم التونسيون في الخارج.

30 Bensaghir et Aba, p. 10.

31 فارس، ص.14

وقد بيّنت إحصاءات وكالة النهوض ب لاستثمارات الصناعية أن عدد مشاريع التونسيين في الخارج المصرّح بها بين

عامي 1994 و 2008 لا يمثّل سوى 10 في المئة من مجموع المشاريع المصادق عليها من قِبل الوكالة، ولا يمثّل

سوى قيمة 0.2 في المئة من مجموع لاستثمارات، كما أن تلك المشاريع لم تساهم بغير 2 في المئة من مواطن الشغل. وهذا هو شأن مساهمة التونسيين في الخارج أيضًا بالنسبة إلى وكالة النهوض ب لاستثمارات الفلاحية. فرغم تطور

حجم تلك لاستثمارات من مليوني دينار عام 2004 إلى 9 ملايين دينار خلال عام 2008، فإنها انحصرت بين

1 في المئة و 3 في المئة بالنسبة إلى مجموع المشاريع (100 مشروع خلال عام 2007 و 118 مشروعًا عام 2008).

وبالنسبة إلى مواطن الشغل المحدثة، لم تتجاوز ال 100 موطن كمعدل عام منذ 1994، وبلغت في عام 2008

حوالى 164 موطن شغل. وتتوزع تلك المشاريع على قطاعات النشاط لاقتصادي كالتالي: 9 في المئة للفلاحة،

و 27 في المئة للصناعة، و 64 في المئة للخدمات. ولكن تبينّ من خلال الدراسة التي أنجزها ديوان التونسيين في الخارج خلال عام 2003 أن 35.5 في

المئة فقط من تلك المشاريع يتم تنفيذها في الواقع (من بين 2111 مشروعًا لا يتحقق منها غير 749 مشروعًا

على أرض الواقع)؛ إذ يظل عدد من المشاريع وهميًا، ويتقدّم بطلبها المهاجرون فقط بغاية الحصول على بعض

لامتيازات الجمركية التي توفرها الوكالة للمستثمر، مثل إعفاء عدد من التجهيزات المورّدة من الخارج من

الأداء الجمركي. وبيّنت نتائج تلك الدراسة أن توزع المشاريع المنجزة فعلا، بحسب قطاعات النشاط، يكون

بنسبة 47.4 في المئة من عدد المشاريع المصادَق عليها في مجال الفلاحة، و 46.4 في المئة من المشاريع المصادَق

عليها في الصناعة، و 24.6 في المئة من المشاريع المصادَق عليها في قطاع الخدمات. وبالرغم من أن قطاع

الخدمات يحتكر أكبر نسبة من المشاريع المصادَق عليها، فإنه لا يتحقق منها بالفعل إًالعدد القليل، وذلك نظرًا

إلى هامشية المشاريع وهشاشتها وارتباطها بميادين نشاط غير مستقر وخاضع للتقلبات، كالفنادق والمطاعم

ومحلات الرياضة والترفيه وغيرها. إذا كانت الدلائل الإحصائية الرسمية بشأن حصة المرأة التونسية المهاجرة في ذلك لاستثمار غائبة، فإن ذلك لا

ينفي حضورها في المجال، وإن بأشكال محتشمة. وبحسب دراسة أعدتها الغرفة الوطنية للنساء صاحبات

المؤسسات عام 2010 وتناولت فيها عيّنة من 96 مؤسسة اقتصادية في تونس، تبينّ أن 70 في المئة منهن لسن

من النساء المهاجرات، بينما قالت النساء الأخريات إنهن سافرن إلى الخارج لغرض واحد فقط هو الدراسة، ثم

عدن إلى أرض الوطن.

وقد بيّنت الدراسة الميدانية التي قمنا بإنجازها مع 15 امرأة تونسية يعشن تجربة الهجرة أن لاتجاه نحو

لاستثمار عند المرأة المهاجرة يختلف بحسب وجهة الهجرة المرأة (أوروبا والخليج العربي)، وبحسب المستوى

التعليمي للمهاجرة. وقد أسفرت النتائج عن واقع أن المهاجرات التونسيات ذوات المستوى التعليمي العالي،

والمهاجرات خاصة إلى الخليج العربي، هنّ أقل ميلا نحو إقامة المشاريع لاقتصادية المدرّة للدخل بعد انتهاء

فترة الهجرة. وقد عربّن عن أن سبب الهجرة كان أساسًا في إطار التجربة و«كسر الروتين» و«تغيير المناخ».

لذلك، يتوقف طموحهن عند بناء مسكن أو تحسين مسكن العائلة، وشراء سيارة من الطراز الحديث، واقتناء

بعض الحلي ولوازم العرس بالنسبة إلى غير المتزوجات، والعودة إلى أرض الوطن. وبما أن هجرة الكفاءات

التونسية نحو دول الخليج العربي تتحدد في الغالب بمدة خمسة أعوام، فإن مشروعهن الهجري يبقى في حدود

32 Fargues, dir., p. 300.

33 وهو ما أكده لنا بعض أعوان وكالة النهوض ب لاستثمارات الفلاحية في مقابلة ميدانية جمعتنا بهم بتاريخ 7 كانون الأول/ ديسمبر،

مع تأكيد اشتغال الوكالة على تجهيز إحصاءات حول نسب حضور المرأة التونسية المهاجرة في مشاريع لاستثمار الفلاحي.

تلك الطموحات، ولا يحبذن عادة خوض المشاريع الخاصة المدرة للدخل، لاسيما أنهن يعدن بعد مرحلة الهجرة

عبر التعاقد إلى الوظائف الأصلية في القطاعات العمومية، من صحة وتعليم وغيرهما.

أمّا في ما يتعلق بوضع النساء التونسيات المهاجرات نحو أوروبا، فيختلف حضورهن في مشهد لاستثمار

لاقتصادي ويتجسّد عبر شكلين مختلفين من السلوك لاستثماري:

- الاستثمار الشريك: وهو ذلك السلوك الذي ينتشر عند المرأة المهاجرة مع زوجها، أو التي التحقت به في

إطار سياسات التجميع العائلي. ويتجسد في إقامة الزوج المهاجر في تونس مشروعًا استثماريًا صغيرً أو متوسط ا

من حيث رأس المال وعدد العمال (فضاء تجاري، محل هاتف، محطة بنزين، مطعم، مقهى...)، وتتولى المرأة

المهاجرة إدارته بالنيابة عن الزوج المهاجر، أو التناوب على الإشراف عليه حينما يقتضي الأمر وجودها مع الأسرة

خارج الوطن. وتعتبر المرأة المهاجرة زوجة المهاجر المستثمر نفسها في هذه الحالة على قدم المساواة مع زوجها

في مشروعهما، وتتوىلّ الإشراف عليه والسهر على نجاحه بوصفه مشروع العائلة لا مشروع الزوج، مع تأكيدها

أن نجاح المشروع، خاصة في ظل غياب زوجها، هو تحد يجب أن تبرهن من خلاله على أنها في مستوى تحمّل

تلك المسؤولية. وقد تحفظت بعض المستجوبات على تأكيد طبيعة تقاسم الأرباح مع الزوج، لكن جلّهن أكدن

لاستفادة المادية المباشرة من أرباح المشروع. - الاستثمار المباشر: وهو سلوك إقامة المهاجرات مشاريعهن لاستثمارية برؤوس أموالهن الخاصة التي تحولهن إلى

أرض الوطن. ومن هؤلاء من عدْن بشكل نهائي، ومنهن من يترددن على أرض الوطن بين الحين والحين لمتابعة

سير مشاريعهن. ويبقى الرجل حاضرًا كذلك بشكل مباشر في هذه المشاريع، ولو بصيغ مختلفة عن الصنف

الأول؛ إذ يحيط بالمرأة المهاجرة صاحبة المشروع في هذه الوضعية «وسط ساند» تدور في فلكه صاحبة المشروع.

وربما يبقى من العبث تصور أن ظاهرة إقامة المرأة مشاريع اقتصادية ظاهرة فريدة في إمكانها النجاح بمعزل

عن الدعم والمؤثرات العائلية، وبالتالي بمعزل عن الرجل. ويعرف مشهد إدارة المرأة للمؤسسة وللمشروع

حضورًا مكثفًا للرجل بصيغه المختلفة كأب وزوج وأخ وابن وجار وابن عم.. إلخ. ويختلف شكل الحضور

وقوة تأثيره في المؤسسة وفي شخصية صاحبتها بحسب طبيعة الرابط بتلك الأخيرة، وبحسب الدور الذي يتولاّه

الرجل داخل المؤسسة وخارجها، والمكانة التي يحتلها في ذات صاحبة المؤسسة. ومن المهمّ القول إن مرحلة دخول المرأة عالم لاستثمار لاقتصادي المدر للدخل لا تكون في كلتا الحالتين إلاّ بعد

تمكّنها من شراء قطع الأرض الصالحة للبناء – في أكثر من مكان واحد في بعض الأحيان - وتوفير المسكن اللائق

لها، وللأبناء أحيانًا، والعمل على تأثيثه، ثم التوجه بعد تلك المرحلة إلى إقامة المشروع الصغير في الوطن. ولكن

هذه المرحلة الأخيرة تظل بالنسبة إلى المرأة وإلى عموم المهاجرين التونسيين في تراجع كبير، كما سبق القول. وربما

تفرسّ ذلك في رأينا حركةُ تراجع عودة المهاجرين التونسيين من أوروبا إلى أرض الوطن بصفة نهائية، وخصوصًا

عودتهم من فرنسا التي تتصدَّر طليعة الدول المستقبلة لليد العاملة التونسية المهاجرة بنسبةِ 54.6 في المئة،

تليها إيطاليا (13.4 في المئة)، فألمانيا. هذا مع العلم بأن العدد الإجمالي للتونسيين المقيمين بالخارج بلغ في العام

نفسه 1.057.797 تونسيًا. وتحتكر دول لاتحاد الأوروبي غالبيتهم (82.8 في المئة)، تليها الدول العربية

(14.5 في المئة)، وتتوزع البقية بين أميركا وآسيا وأستراليا.

34 عائشة التايب، «المرأة العربية صاحبة الأعمال، قراءة سوسيولوجية لإدارة المرأة للمال والأعمال،» في: النساء والمال: الكتاب الثالث

عشر، 2009-2008، باحثات (بيروت: تجمع الباحثات اللبنانيات، 2010)، ص.220

35 European Commission, Labour Markets Performance and Migration Flows in Arab Mediterranean Countries: Determinants and Effects, Occasional Papers; no. 60, 3 vols. (Brussels: European Commission,2010), vol. 2: National Background Papers Maghreb (Morocco, Algeria, Tunisia), p. 197.

الجدول رقم (3)

توزُّع المهاجرين التونسيين في بعض دول الاستقبال بحسب الجنس عام 2009

البلدذكورإناثالمجموع
فرنسا663٫360335٫217998٫577
إيطاليا566٫963411٫451907٫14
ألمانيا289٫50346٫32635٫82
ليبيا210٫65423٫18633٫83
الجزائر44٫8354٫75898٫15
قطر378421425926
الولايات المتحدة الأميركية87484629377٫13

الولايات المتحدة الأميركية 8748

المصدر: ديوان التونسيين بالخارج،.2009

ومن المفيد القول إن ضعف حركة العودة النهائية للمهاجرين والمهاجرات نحو أرض الوطن يرتبط بتحول

هيكلي في طبيعة العلاقة الجامعة بين المهاجر والمهاجرة وفعل الهجرة. ومعلوم أن فعل الهجرة بالنسبة إلى المغرب

العربي كان في البداية بمنزلة حراك مؤقت محدّد الوجهة ومحدود المدّة الزمنية، بحيث كان جيل المهاجرين الأوائل

يتمثّل في حركة الهجرة بوصفها حركة مؤقتة، يجمع خلالها بعض الأموال ليعود في إثر ذلك إلى أرض الوطن

بصفة نهائية، حيث يستثمر ما جمعه من مال خلال هجرته. ولذلك كانت حركة استثمار المهاجرين أكثر حيوية

ونشاطًا في مسيرة المهاجر. أمّا اليوم، فقد تغريّت تلك العلاقة القديمة بين المهاجر وفعل الهجرة بحيث أضحت

مختلف الدلائل الموضوعية تحوّل مشروع الهجرة لدى المهاجر من مشروع مؤقت إلى مشروع دائم، وهو ما

يقف وراء تناقص اتجاه المهاجر نحو حركة لاستثمار في أرض الوطن في مقابل ارتفاع نسق ذلك لاستثمار

في بلد الهجرة. ومن خلال المسح الوطني للسكان لعام 2004، بينّ المعهد الوطني للإحصاء في تونس أن

أعداد العائدين من الخارج بلغ 17.766 عائدًا خلال الفترة 2004-1999، أي بمعدّل سنوي قدره 3.553

عائدًا. وتسجل بعض الجهات الرسمية الأخرى، كالوكالة التونسية للتعاون الفني والصندوق الوطني للتضامن

لاجتماعي، عودة 5801 من التونسيين المتعاقدين في الخارج بالنسبة إلى الجهة الأولى عام 2006، وعودة 5618

متقاعدًا عن العمل من الخارج بالنسبة إلى الجهة الثانية. وهي أشكال عودة مفترضة بالنسبة إلى المهاجر بحكم

محدودية عقود العمل، خاصة في حالة المهاجرين عبر الوكالة التونسية للتعاون الفنّي. أمّا نسق العودة الطوعية

والنهائية من الدول الأوروبية، فيبقى ضعيفًا، كما سبقت الإشارة، إذ سجلت أعلى نسبة عودة نهائية (667)

منذ عام 1985، ولم تسجّل أي حالة عودة نهائية من فرنسا منذ عام 2006، بحسب الوكالة الوطنية لاستقبال

الأجانب والمهاجرين في فرنسا.

36 تتنامى، بحسب عديد الدراسات، حركة استثمار المهاجرين والمهاجرات المغاربة في أرض الهجرة، وخاصة في فرنسا.وإذا كان حيّز

هذا البحث لا يسمح بتناول تلك الظاهرة، فإننا نكتفي في هذا المقام بالإشارة إلى ذلك لارتفاع، وإلى وجود بعض الإحصاءات الدالة

على تصاعد نسق لاستثمار لاقتصادي و لاجتماعي للمرأة المغاربية المهاجرة، خاصة في فرنسا.

خاتمة

رغم كِبر قيمة التحويلات المالية لعدد من المهاجرين والمهاجرات من المغرب العربي، تؤكد الدراسات في المقابل

ضعف نسق توجّه هؤلاء نحو لاستثمار المنتج. وتظل أغلبية استثمارات المهاجرين المغاربة، ذكورًا وإناثًا، متجهة

نحو مج لات لاستهلاك المعيشي اليومي، حيث تتوجه النّسب الأهم من تحويل أموال المهاجر والمهاجرة في

تحسين مستوى عيش الأُسر والأفراد في الموطن الأصلي. وإذا كان من غير الممكن التشكيك في القيمة لاقتصادية و لاجتماعية، وفي العائد المباشر لذلك التوظيف على لاقتصاد والتنمية بأبعادهما الماكرو سوسيولوجية، بحكم إنعاش تلك التحويلات المنتظمة لمداخيل الدولة وتعديل ميزان المدفوعات والمساهمة في ترفيع الناتج القومي الخام، والميكرو سوسيولوجية في مستوى المجتمع

المحيلّ للمهاجر وأسرته - حيث تتجلى بوضوح أهمية توظيف أموال المهاجرين في محاربة الفقر وتحسين مستوى المعيشة بما يكون له الأثر المباشر في بناء القدرات والمساعدة على توفير ظروف تعليم أفضل بالنسبة إلى أبناء المهاجر والمهاجرة وإخوتهما، وتحسين أوضاعهم الصحية وتحصينهم ضد الفقر والجوع والمرض، وتوفير حياة اجتماعية أكثر استقرارًا وأمنًا قد تعجز الدولة عن توفيرها، خاصة في المناطق الريفية والنائية وفي بعض أحزمة

الفقر حول المدن، فإن ذلك كله، على أهميته، يجب ألاّ يعيق الدعوة إلى تضافر جهود مختلف الأطراف، بغرض البحث عن سبل أجدى وإمكانات توظيف أرحب لتحويلات المهاجرين والمهاجرات من المغرب العربي. وتفرض تلك الدعوة نفسها بإلحاح عندما يقف الدارس على أهمية تلك التحويلات وأهمية أحجامها وقيمتها (بالرغم من محدودية أجور بعض فئات النساء المهاجرات)، وغلبة نسق لاستثمار الميت أو العقيم لها في بناء

المساكن واقتناء الأراضي والتجهيزات وغيرها. وهي وإنْ تكن تتعدى لاتجاه الأبرز لتوظيف أكبر نسب

تحويلات المهاجرين، فإنها تظلّ مج لات استثمار غير منتج، ومج لات توظيف مقبورة ومعطّلة التنفيذ، في وقت تبقى فيه المجتمعات المحلية للمهاجر بأمسّ الحاجة إلى مشاريع تنموية منتجة ومشغّلة لليد العاملة، ولا تتطلب

إمكانات مادية ولوجستية أكبر ممّا يوظفه المهاجرون في بناء المساكن الفخمة واقتناء السيارات الفاخرة التي قد

لا يستعملونها إلاّ خلال أيام العُطَل. ولئن كانت النزعة نحو لاستثمار المنتج لا تزال ضعيفة عند المهاجرين من الجنسين في عموم دول المغرب العربي،

وفي تونس بشكل أكثر وضوحًا، فإنها تبقى أقل كثيرًا عند المرأة المهاجرة التي قد تحُول في ح لات كثيرة العوائق

السوسيوثقافية دونها ودون خوض مغامرة إقامة مشاريع اقتصادية منتجة ومدرّة للدخل في بلدها الأصل رغم

قدرتها المادية والمعرفية، ورغم حاجة لاقتصاد الوطني إلى ذلك. وتبقى نزعة المرأة المغاربية المهاجرة، كما هي الحال بالنسبة إلى المهاجرات من مختلف الدول العربية، نحو لاستثمار لاقتصادي وإقامة المشاريع المدرّة للدخل بحاجة ماسة إلى التطوير والدعم، وهو ما يتطلب في رأينا شحذ جهود

مختلف الأطراف لتفعيل تلك النزعة في نفس المهاجرة، وتحريكها فيها من ناحية، والعمل على توفير الأرضية المناسبة لاستقطاب حركة استثمار نسائي للمهاجرات في أرض الوطن من ناحية أخرى. ولا يكون ذلك سوى بلفت انتباه المهاجرة إلى أهمية مساهمتها الفاعلة في جهود التنمية في وطنها، وحفزها على تحمّل مسؤوليتها في

ذلك بوصفها مواطنة كاملة الحقوق والواجبات، وبوصفها فاعلاًاجتماعيًا واقتصاديًا قادرًا على تقديم مساهمة

إيجابية ودفع مسارات التنمية قدُمًا.

المراجع

-1 العربية كتب

التايب، عائشة. النوع والعمل والمؤسسة. القاهرة: منظمة المرأة العربية،.2011 ندوات

كانون الأول/ ديسمبر 2010). وثيقة

الأوروبية، [د. ت.]). -2 الأجنبية

أعمال المؤتمر الرابع للدراسات البورقيبية حول: القضاء والتشريعفي تونس البورقيبية وفي البلاد العربية. جمع

وتقديم عبد الجليل التميمي. زغوان: مؤسسة التميمي، 2004. (الحركة الوطنية التونسية والمغاربية؛ النساء والمال: الكتاب الثالث عشر، 2009-2008. بيروت: تجمع الباحثات اللبنانيات، 2010. (باحثات)

اجتماع الخبراء حول الهجرة الدولية والتنمية في المنطقة العربية: التحدیات والفرص، بيروت، 17 أیار/مایو «الأسرة العربية المهاجرة بأوروبا: الواقع والتحولات.» (ندوة نظمها مركز جامعة الدول العربية، تونس، 14

«الهجرة النسائية بين دول البحر المتوسط و لاتحاد الأوروبي،» (دراسة، يوروميد للهجرة 2 بدعم من المفوضية

Books

European Commission. Labour Markets Performance and Migration Flows in Arab Mediter- ranean Countries: Determinants and Effects. 3 vols. Brussels: European Commission, 2010. (Occasional Papers; no. 60) vol. 2: National Background Papers Maghreb (Morocco, Algeria, Tunisia). Fargues, Philippe (dir.). Migrations méditerranéennes: Rapport 2005 = Mediterranean Migra- tion: 2005 Report. Florence: European University Institute, 2005. Reysoo, Fenneke et Christine Verschuur (dirs.). Genre, nouvelle division internationale du tra- vail et migrations. Paris: l’Harmattan, 2005. (Cahiers genre et développement, no. 5) Women and Money , 13th Book, 2008-2009 (Beirut: Lebanese Researchers Group, 2010).

Periodicals

Dupray, Arnaud and Stéphanie Moullet. «L’Insertion des jeunes d’origine maghrébine en France: Des Différences plus marquées dans l’accès à l’emploi qu’en matière salariale.» Net.Doc: no. 6, 2004. On the Web: <www.cereq.fr>.

Frickey,Alain et Jean-LucPrimon. «Insertion professionnelle et discriminations: l’Accès à l’em- ploi des étudiants issus de l’immigration en région Provence - Alpes - Côte d’Azur.» Cahier de l’URIMIS: nos. 10-11, Décembre 2006. Ouali, Nouria. «Les Marocaines en Europe: Diversification des profilsmigratoires.» Hommeset migrations: no. 1242, Mars- Avril 2003. Ramirez, Angeles, Daniel Noin and Michelle Guillon. «La Valeur du travail: L’Insertion dans le marché du travail des immigrées marocaines en Espagne.” Revue Européenne de Migra- tions Internationales: vol. 15, no. 2, 1999.

Conferences

“Genre, migration et développement socio-économique en Afrique,” (Symposium sur le genre 2010, Le Caire, Egypte, 24-26 Novembre 2010). «Migration et développement des régions maghrébines et sub-sahariennes,» (Colloque interna- tional organisé par le centre d’études des mouvements migratoires maghrébins, Univer- sité Mohammed Premier, Oujda, Maroc, 11-12 Novembre 2010).

Documents

Belarbi, Aicha. «Migration des femmes des pays MEDA vers l’Europe.» (Euromed migration II, Bruxelles, 6/4/2011), on the web: <www.euromed-migration.eu>. Khachani, Mohamed. « L’Emigration au féminin: Tendances récentes au Maroc.” (RSCAS Re- search Project Reports, CARIM Analytic and Synthetic Notes; 2009/26,2009). République française, Ministère de la parité et de l’égalité professionnelle, «Femmes de l’émi- gration.» (7 mars 2005).