Return to Article Details The Building of a Territorial State in Tunisia and Morocco and its Mechanisms of Assimilation during the Modern Period (17th-19th century)

بناء الدولة المجالية في البلاد التونسية والمغرب الأقصى، وآليات الاندماج فيها خلال الفترة الحديثة

The Building of a Territorial State in Tunisia and Morocco and its Mechanisms of Assimilation during the Modern Period (17th-19th century)

عبد الحميد هنية*

الملخّص

تتطرّق الدراسة إلى مقارنة عملية بناء الدولة المجالية في تونس والمغرب خلال الفترة الحديثة (القرن السابع عشر – القرن التاسع عشر). بيّنت هذه الدراسة في نهاية التحليل أننا إزاء تركيبتين ذواتي مركزة سياسية عالية نسبيًا، لكنها كشفت أيضًا عن وجود نمطين مختلفين لبناء الدولة؛ ففي تونس تقوم المركزة على نخب أعيانية مدينية مندمجة تتركز في العاصمة أساسًا، وهي التي شكّلت قاعدة اجتماعية متينة للنفوذ المركزي. أمّا في المغرب، فهي تُبنى على أساس اتفاق يحصل بين مكوّنات التركيبة حول اختيار السلطان الذي يمثّل رمز الإجماع والضامن لتواصله. وهو يشكّل الثقل المضاد للخصوصيات المحلية التي تجنح بطبعها إلى التفكك والانقسام. وقد استطاع النفوذ المركزي في تونس أن يُضعف الخصوصيات المحلية، ويجفف تدريجيًا منابع النفوذ المضادة له، ويؤسس في الوقت ذاته لولاء جماعي، فضعُف المحلي لصالح المركزي الذي استطاع أن يخترق بمؤسساته الكتلة القبلية، ويربط علاقة مباشرة بالأفراد. بذلك استطاعت الدولة التحوّل بالتدريج من دولة تمارس سيادتها على جمع من الجموع إلى دولة تمارس سيادتها على جمع من الأفراد. عندها وصلت الدولة المجالية في تونس إلى أعلى درجات تكوينها. خلافًا لذلك، لم يعمل المركز في المغرب على إضعاف منابع النفوذ الأخرى، بل اكتفى باعتراف المجموعات المحلية بسيادته عليها، حتى يمكن القول إنه عمل على تنمية هذه الخصوصيات المحلية وإذكائها لأن من شأن ذلك أن يزيد الدعم لدوره كضامن أساس للإجماع وتواصله بالمغرب، وما تواصُل ممارسة البيعة بطقوسها المعهودة إلًا تعبير عن ذلك. لهذا، يمكن القول إن الدولة في المغرب تُعرّف، خلال هذه الفترة، لا بالولاء لمجال ترابي ذي حدود واضحة ومعلمة، وإنما بالولاء للسلطان. وسيادة الدولة تمارَس تبعًا لذلك على جمع من الجموع؛ إذ لم تتحقق للدولة بعدُ إمكانية اختراق الكتل الجماعوية كي تستطيع النفاذ إلى الأفراد داخلها وتقيم معهم علاقات مباشرة.

Abstract

This study looks at the process of the founding of territorial states in Tunisia and Morocco between the 17th and 19th century. Specifically, it examines the institution of the Bay`a (a pledge of allegiance), which entailed a centralized legitimate authority, and provided the main entry for improving consensus-building mechanisms and the alignment of society and politics in both countries. Given that the Baya did not always follow the same rituals, or employ the same social hierarchies, the author offers a comparison of practices specific to the Bay`a in both countries. In comparing the experiences of territorial state building and its assimilation processes, Haniya provides important epistemological and methodological insights into the subject and describes the emergence of two different state-building models. Haniya explains how centralization in Tunisia was primarily based on assimilated urban elites and public figures in the capital, providing strong support for the central authority while working to weaken local forces. He also describes how the state was gradually able to transform itself from an authority practicing sovereignty over an undifferentiated mass to a state that rules over a group of individuals to finally establishing a territorial state. In contrast, Morocco during that period was defined through loyalty to the Sultan. Unlike Tunisia, the central authority in Morocco did not seek to weaken other sources of influence in Moroccan society, and has worked to nurture these local groups as they provided for the continuation of the Bay`a in present Morocco.

الكلمات المفتاحية:
  • اندماج اجتماعي
  • مؤسسة البيعة
  • الأعيان
  • الدولة المجالية
  • المغرب الأقصى
  • السلطة المركزية
Keywords:
  • Territorial State
  • Extreme Maghreb
  • Social Integration
  • Bay’a Institution
  • Dignitaries
  • Central Authority

تتطرّق الدراسة إلى مقارنة عملية بناء الدولة المجالية في تونس والمغرب خلال الفترة الحديثة (القرن

السابع عشر – القرن التاسع عشر). وتختلف العملية بحسب طريقة جمع ولاء المدن والمجموعات

المحلية. لذلك، كانت دراسة مؤسسة «البيعة» التي تؤمّن الشرعية للنفوذ المركزي بمنزلة المدخل

الأساس لتحسس آليات بناء الإجماع وتمفصل مكونات التركيبات الاجتماعية والسياسية في كل

من البلدين. لكن البيعة لا تخضع دائما للطقوس نفسها، ولا توظف التراتبيات الاجتماعية بالطريقة

عينها. من هنا تصبح مقارنة الممارسات التي تخص البيعة في كلٍّ من البلدين ضرورة. وللمقارنة بين

التجربتين في مجال تشكّل الدولة المجالية وآليات الاندماج فيها بُعد معرفي ومنهجي أكيد.

بيّنت هذه الدراسة أننا إزاء تركيبتين ذواتي مركزة سياسية عالية نسبيًا، لكنها كشفت أيضًا عن

وجود نمطين مختلفين لبناء الدولة؛ ففي تونس تقوم المركزة على نخب أعيانية مدينية مندمجة تتركز

في العاصمة أساسًا، وهي التي شكّلت قاعدة اجتماعية متينة للنفوذ المركزي. أمّا في المغرب، فهي

تُبنى على أساس اتفاق يحصل بين مكوّنات التركيبة حول اختيار السلطان الذي يمثّل رمز الإجماع

والضامن لتواصله. وهو يشكّل الثقل المضاد للخصوصيات المحلية التي تجنح بطبعها إلى التفكك

والانقسام. وقد استطاع النفوذ المركزي في تونس أن يُضعف الخصوصيات المحلية، ويجفف تدريجيًا

منابع النفوذ المضادة له، ويؤسس في الوقت ذاته لولاء جماعي، فضعُف المحلي لصالح المركزي الذي

استطاع أن يخترق بمؤسساته الكتلة القبلية، ويربط علاقة مباشرة بالأفراد. بذلك استطاعت الدولة

التحوّل بالتدريج من دولة تمارس سيادتها على جمع من الجموع إلى دولة تمارس سيادتها على جمع من

الأفراد. عندها وصلت الدولة المجالية في تونس إلى أعلى درجات تكوينها. خلافًا لذلك، لم يعمل

المركز في المغرب على إضعاف منابع النفوذ الأخرى، بل اكتفى باعتراف المجموعات المحلية بسيادته

عليها، حتى يمكن القول إنه عمل على تنمية هذه الخصوصيات المحلية وإذكائها لأن من شأن

ذلك أن يزيد الدعم لدوره كضامن أساس للإجماع وتواصله بالمغرب، وما تواصُل ممارسة البيعة

بطقوسها المعهودة إلاّ تعبير عن ذلك. لهذا، يمكن القول إن الدولة في المغرب تُعرّف، خلال هذه

الفترة، لا بالولاء لمجال ترابي ذي حدود واضحة ومعلمة، وإنما بالولاء للسلطان. وسيادة الدولة

تمارَس تبعًا لذلك على جمع من الجموع؛ إذ لم تتحقق للدولة بعدُ إمكانية اختراق الكتل الجماعوية كي

تستطيع النفاذ إلى الأفراد داخلها وتقيم معهم علاقات مباشرة.

إن كل عملية تحييز للمجال تتم بالضرورة عبر جمع ولاء أكبر عدد ممكن من السكان. وصيرورة بناء

الدولة في المنطقة المغاربية تختلف بحسب الكيفية التي تتم بها عملية جمع هذا الولاء والقدرة على تحقيق

ذلك

. لهذا، نعتبر أن دراسة المؤسسات والممارسات التي تؤمّن الشرعية للنفوذ المركزي عملٌ أساس لفهم

الآليات التي تُبنى بواسطتها التركيبات الاجتماعية والسياسية في البلاد المغاربية. ومن بين هذه المؤسسات نجد

«البيعة»، التي هي عبارة عن عقد يربط بين مكونات المجتمع السياسي لإعادة بناء السلطة، مع إضفاء صبغة

؛ فهي تعيد إنتاج أول بيعة أُعطيت للرسول محمد (ﷺ)، وهي بيعة

القداسة عليها. وللبيعة بُعد رمزي أيضًا

الرضوان في واقعة الحديبية. والبيعة هي أيضًا ممارسة ذات أهمية مركزية في النظام السياسي؛ فهي تتجدد كلما

حصل شغور على مستوى قمة هرم السلطة. في هذا الإطار تكون البيعة تلك العملية التي يجري في إثرها اتفاق

«أهل الحل والعقد» لاختيار ولي الأمر (أي من يتولىّ التصرف في أمور المسلمين). وهي تؤسس لشرعية الحاكم

المتولي، فتكون زمنيًا قبل توليِّ السلطة، ولا تؤخذ بالقهر بعد الاستيلاء على الحكم. وهي واجبة شرعًا، لذا جاء

. وتترتب عليها التزامات من الطرفين (أُولي الأمر

في الحديث النبوي أنه من مات بغيرها مات ميتة «جاهلية»

والرعية). فمن واجبات ولي الأمر حماية المعتقدات الإسلامية، والحرص على تطبيق التشريعات الإسلامية،

وحفظ العباد من الفتن؛ ومن واجبات الرعية الطاعة وتقديم الأداء الذي أقرّه الشرع. لذا كانت البيعة تجسّم

بناء الإجماع على مستوى التركيبات الاجتماعية والسياسية في البلاد المغاربية خلال الفترة الحديثة. وتخص البيعة

صاحب النفوذ الذي يُمنح السلطة المطلقة وكذلك الوسطاء، أي «أهل الحل والعقد»، الذين يبايعونه. والبيعة، من حيث كونها رمزًا وممارسة في آن معًا، تمثّل أفضل وسيلة لتحسس آليات بناء الإجماع، وكذلك آليات

تمفصل مكوّنات التركيبات الاجتماعية والسياسية في البلاد التونسية والمغرب الأقصى. لكن على الرغم من أن

البيعة كانت متداولة في كامل البلاد المغاربية وفي بقية العالم الإسلامي، فإنها لا تخضع دائامً للطقوس نفسها، ولا

توظف بالطريقة ذاتها التراتبيةَ الاجتماعية الخاصة بكل قطر. من هنا تصبح مقارنة الممارسات التي تخص البيعة

في كلٍّ من البلاد التونسية والمغرب الأقصى الطريقة المثلى لفهم آليات بناء الإجماع وآليات تمفصل المكوّنات

الاجتماعية والسياسية لبناء الدولة المجالية في كلٍّ من البلدين. لا تخفى أهمية المقارنة في مثل هذه الموضوعات. وللمقارنة بين التجربة المغربية والتجربة التونسية في مجال تشكّل

الدولة المجالية وآليات الاندماج فيها بُعد معرفي أكيد؛ إذ يجعلنا نتجاوز البحث الأمبريقي الذي من شأنه أن يحد

من نتائج البحث لو تناولنا كل حالة على حدة. والمقارنة هنا تتيح فرصة للمحاولة النظرية من خلال مكافحة

تجارب اجتماعية ذات خصائص مختلفة رغم تجانسها التاريخي العام. وهي تؤمّن على الأقل تخطّي المحلية

المفرطة، وتضفي تفهامً أفضل للتجربتين المغربية والتونسية. وقد اعتبر دوركهايم المقارنة في كتابهالانتحار «أهم

مفتاح لتفسير الظواهر الاجتماعية».

1 Michel Camau, «Politique dans le passé, politique aujourd’hui au Maghreb,» dans: Groupe d’analyse des trajectoires du politique et Centre d’études et de recherches internationales, La Greffe de l’ é tat , sous la dir. de Jean-François Bayart, Hommes et sociétés (Paris: Éd. Karthala, 1996), pp. 63-93, 73.

2 إذ تستمد «البيعة» بُعدها القدسي في المجتمعات الإسلامية عمومًا من الزاد القرآني ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾، القرآن

الكريم، سورة الفتح، الآية 0.1

Rahma B ourqia, «L’Etat et la gestion du symbolique au maroc précolonial,» dans: Rahma Bourqia et Nicolas انظر:3 Hopkins, éds., Le Maghreb: Approches des mécanismes d’articultation (Casablanca: Al Kalam, 1991), pp. 137-151.

4 «ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.»

5 ذكر في: المولدي الأحمر، الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا: الفرد والمجموعة والبناء الزعامي للظاهرة السياسية، سلسلة

أطروحات الدكتوراه؛ 78 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 0092)، ص 91.3

كيف كانت إذن تجربة البلدين في ممارسة البيعة؟ وما هي الطقوس المعتمدة في ذلك؟ وما هي رمزيتها السياسية

والاجتماعية في بناء الدولة الترابية أو المجالية بالنسبة إلى كلٍّ من البلدين؟ وبتساؤل آخر، كيف تتم عملية جمع

الولاء بالمدن وبالمجموعات المحلية (أكانت قبلية أم قروية أم واحوية) قصد سد الشغور في جهاز السلطة؟ أي

كيف تتم إعادة بناء السلطة والإجماع حولها؟ وما هي الأدوار التي تؤمّنها كل من المدن والمجموعات المحلية في

صيرورة هذا البناء في كلٍّ من المغرب الأقصى والبلاد التونسية؟

أولا: البيعة رمز وممارسة

تتمّ البيعة في البلاد التونسية كما في المغرب الأقصى دائامً في إطار طقوس تتكرر من مناسبة إلى أخرى، وتلتئم أيضًا في

أماكن مخصوصة ذات قيمة رمزية مهمة بالنسبة إلى الفاعلين خلال الفترة المعنية بالدراسة. لكن رمزية البيعة ووقعها

على الحياة السياسية في المغرب الأقصى أهم كثيرًا ممّا هي الحال في البلاد التونسية في الفترة نفسها. وهما يعكسان ذلك

بصورة جلية طبيعة المصادر المتعلقة بالبيعة في كلٍّ من البلدين. فالوثائق الأصلية المتوافرة بشأن البيعة في المغرب

كثيرة، إذ تتناقلها الأدبيات السلطانية والتاريخية بشكل متواتر

. وفي المقابل، لا نكاد نجد سوى معلومات طفيفة

ومتفرقة حول ممارسات البيعة في البلاد التونسية خلال الفترة المعنية بالدراسة. وهي معطيات وصلتنا بصورة غير

مباشرة عن طريق ما ذكره المؤرخون المعاصرون لذلك العهد. ولهذا الاختلاف بين حالة المغرب الأقصى والبلاد

التونسية أسبابه ودلالته، وهو أيضًا شديد الارتباط بطبيعة البيعة وممارستها هنا وهناك. -1 البيعة بين الشفوي والكتابي عرفت البيعة في المغرب الأقصى شأنًا مهماًّ وقيمة سياسية كبيرة لا نجد لها مثيل في البلاد التونسية. ولذلك

اختلفت الممارسات التي خصت البيعة في كلٍّ من البلدين. ففي الحين الذي تعرف فيه البيعة في المغرب أهمية

كبرى، وهو ما يتجسّم في وفرة عقود البيعة المكتوبة

، لم يحفظ الأرشيف التونسي سوى بيعة واحدة مكتوبة

جاءت متأخرة زمنيًا، وهي تخص بيعة الصادق باي (1882-1859)

. ذلك أن البيعة في البلاد التونسية

6 انظر خاصة رسالة أهالي فاس مؤرخة في رجب 06 12 ه.؛ عبد الرحمن بن زيدان، العز والصولة في معالم نظم الدولة، 2 ج (الرباط:

المطبعة الملكية، 961 1)؛ أبو العباس أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، تحقيق وتعليق جعفر الناصري ومحمد

الناصري، 8 ج (الدار البيضاء: دار الكتاب، 956-19541)؛ Brahim Afatach, “Le Manuscrit de l’acte d’allégeance à My. Abd Al Hafidh proclamé Sultan à Marrakech le 6 Rajab 1325 H / 16 août 1907 J.C., traduction, notes et commentaires,» Revue d’histoire Maghrébine , nos. 89-90 (Mai 1998), pp. 197-206, et Abdallah Laroui, Les Origines sociales et culturelles du nationalisme marocain: 1830-1912 , textes à l’appui (Paris: F. Maspero, 1977).

7 يبنيّ عبد الرحمن بن زيدان في كتابه كيف تأسست في المغرب معرفة معمقة ودراية كبيرة في فن تحرير البيعة (انظر: ابن زيدان، ج 1، ص

32)؛ ويضيف المؤرخ المغربي عبد الله العروي في كتابه الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية: 1830 م – 1912 Les Origines (

) sociales et culturelles du nationalisme marocain: 1830-1912، أنه تمت المحافظة على كثير من نصوص البيعة التي صدرت في

نواح مختلفة من المغرب الأقصى. وقد انتقى المؤرخون المعاصرون للفترة الحديثة وثائق البيعة التي تميزت بأسلوبها الأدبي. ويضيف أن

«بيعة مدن فاس ومراكش والرباط هي الأكثر طوالً وأناقة في أسلوب كتابتها من نظيراتها الصادرة عن المدن الصغيرة. إذ حررت هذه

الأخيرة بصورة مقتضبة، وبأسلوب بسيط جدًا، وهي أحيانًا مكررة مرات عدة من دون تغيير يذكر». انظر: Laroui, p. 75, note 23.

8 الأرشيف الوطني التونسي، الدفتر العدد 80.26 كانت الظروف التي تم فيها اعتلاء الصادق باي دفة السلطة تتميز بالتوتر بين الإيالة

التونسية والباب العالي. بدأ هذا التوتر في إثر احتلال الفرنسيين للجزائر عام 8301؛ إذ أبدى الباب العالي عقب ذلك عزمه على إحكام

السيطرة على الولايات الغربية للحد من توسع أطماع بلدان أوروبا الغربية، ففرض سيطرته المباشرة على الإيالة الطرابلسية وأنهى بها حكم

العائلة القرامنلية التي ترجع بداية حكمها إلى أوائل القرن الثامن عشر. وحاول بعد ذلك اعتماد السلوك نفسه مع الإيالة التونسية، فكانت

مقاومة الهيئة الحاكمة في تونس لهذا التوجه صارمة لكن بطرق غير مباشرة. والقصد من كتابة بيعة الصادق باي هو إثبات لدى الباب

العالي أن العائلة الحسينية تستمد شرعية حكمها محليًا (لا من الباب العالي) بواسطة بيعة شرعية تمنحها هيئة «أهل الحل والعقد» في تونس،

وأن تزكية الباب العالي تأخذ طابعًا شكليًا ولا تؤسس لشرعية الحكم في تونس. وهناك دراسات حاولت أن تقلل من استقلالية البناء

السياسي في البلاد التونسية، معتبرة إياها مجرد ولاية تابعة للباب العالي؛ انظر على سبيل المثال: جمال بن طاهر، «البيعة والفرمان والخلعة أو

الباي ذو الوجهين» في: عبد الحميد هنية، مشرف، مسار مؤرخ وتجربة تأريخية: أعمال مهداة إلى محمد الهادي الشريف (تونس: منشورات

مخبر «دراسات مغاربية»؛ مركز النشر الجامعي، 0082)، ص 8-25.3

تتم شفويًا على وجه العموم

، وتلتئم بالضرورة بمدينة تونس حتى تصبح شرعية

. ومن مميزات البيعة في

المغرب أنها دائامً كتابية. وقد جلبت هذه الميزة انتباه المؤرخ التونسي أحمد بن أبي الضياف الذي كتب مؤلفه إتحاف

أهل الزمان بأخبار ملوك وتونس وعهد الأمانخلال ستينيات القرن التاسع عشر؛ إذ يذكر في هذا الصدد: وتكون البيعة (في المغرب الأقصى) مكتوبة على شروط يعقدونها بينهم وبينه في أمور تتوفر عليها دواعي

مصلحتهم العامة، والذي يقبل البيعة يشهد ذلك الملأ على التزام العمل بها، ويضع خطه على ذلك المكتوب مع

شهادة العدول عليه بالتزامها، ويحلف بالله على ذلك؛ وعند ذلك يرفعون أصواتهم بالدعاء له بالنصر. وهذه

هي البيعة الحقيقية عندهم وبدونها لا يكون لها انعقاد، ويبقى ذلك الكتاب في ظرف محلي بمقام مولاي إدريس.

فإذا حاد السلطان عنه اجتمعت الناس بمقام مولاي إدريس، وهذا الاجتماع طليعة الخلع، فإذا رجع رجعوا

لطاعته وإلا أعلنوا بخلعه وتقديم غيره. البيعة إذن عبارة عن عقد بين طرفي المنظومة السياسية، أي قمة هرم السلطة من ناحية و«أهل الحل والعقد»

. وما كتابة البيعة إالً شكل من أشكال تثبيت بنود ما حصل حوله من اتفاق

الممثِّلين للأهالي من ناحية ثانية

بين الطرفين

. وخلافًا لما هو معمول به في البلاد التونسية، فإن البيعة العامة في المغرب الأقصى امتداد لعقود

البيعة التي تصدر جميعًا بلا استثناء عن المجموعات السكنية كافة: الحضرية منها والريفية، القروية أو القبلية،

بحيث إن كل مجموعة ذات كيان واضح تكتب بيعتها، وتساهم بهذه الطريقة في عملية اختيار من سيشغل خطة

السلطان في المغرب

، وهو شكل من أشكال إقحام الأطياف الاجتماعية كلها في التزام جماعي بالاختيار الذي

حصل حوله وفاق consensus(). لم يكن الطابع الشفوي للبيعة في البلاد التونسية وليد الفترة المعنية بهذه الدراسة؛ إذ يؤكد المؤرخ الفرنسي روبار

برنشفيك R. Brunschvig() أن البيعة في العهد الحفصي (القرن 13 م – القرن 16 م) قلمّا تكون كتابية في

مدينة تونس. ولكن في دواخل البلاد كثيرًا ما كانت بيعة المدن النائية وشيوخ القبائل البعيدة تتم بواسطة وثيقة

9 نجد وصفًا دقيقًا للكيفية التي تمت بها بيعة يوسف داي (7-1610163) خلفًا لعثمان داي المتوفى عام 0161، ورد في كتاب ابن أبي

دينار ما يلي: «فلما مات عثمان (...) أصبحوا منتظرين في أمرهم وتجمعوا عند دار عثمان داي. فبينما هم كذلك إذ دخل علي ثابت وكان

من أصحاب يوسف، فلما رأى جمعهم أقبل بجسارته وقبّل يد يوسف داي وبارك له، فلم يبق من الجماعة أحد إالّ وفعل مثله، فبايعه كبار

العسكر وطلعوا به إلى القصبة وأجلسوه على عادتهم، وجاءه الناس وبايعوه على طبقاتهم وتم له الأمر». انظر: أبو عبد الله محمد بن أبي

القاسم بن دينار، المؤنس في أخبار أفريقية وتونس، تحقيق محمد شمام، ط 3 (تونس: المكتبة العتيقة، 9671)، ص 73.1 ونجد أيضًا وصفًا

آخر لبيعة مؤسس الحكم العائلي الحسيني في البلاد التونسية، الباي حسين بن علي تركي (735-17051) أورده أحمد بن أبي الضياف:

«فوقع اتفاق الملأ على ولايته، وأعين عليها، إذ لم يطلبها، وبويع (...) بالمكان المعروف بديوان المدافعية أمام باب القصبة. وشهد بيعته الملأ

من العلماء والعسكر وأعيان البلاد، وأخذ صفقة أيمانهم، وتوثق منهم». انظر: أبو العباس أحمد بن عمر بن أحمد بن نصر بن أبي الضياف،

اتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، تحقيق لجنة من كتابة الدولة للشؤون الثقافية والأخبار، 8 ج، ط 2 (تونس: الدار

التونسية للنشر؛ الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 9761)، ج 2، ص.107

0 1 وحتى عندما تحصل البيعة الخاصة في دواخل البلاد فإنها لا تصبح نهائية إالّ بعد أن تعاد في مدينة تونس.

11 ابن أبي الضياف، اتحاف أهل الزمان (9761)، ج 1، ص.31

12 بنيّ الباحث توفيق بشروش في كتابه بالفرنسية: الولي والأمير في البلاد التونسية، أن البيعة في تونس في العهد العثماني هي من الطقوس

الشكلية التي لا تفضي إلى أي التزام كتابي. وهي، بحسب تقديره، تتضارب مع نظام الوراثي للحكم في صلب العائلة الحاكمة، انظر:

Taoufik Bachrouch, Le Saint et le Prince en Tunisie: Les Elites tunisiennes du pouvoir et de la dévotion: Contribution à l’étude des groupes sociaux dominants, 1782-1881, faculté des sciences humaines et sociales de Tunis. 4e série, Histoire; 33 (Tunis: Publications de l’Université de Tunis, 1989), p. 594. B ourqia, «L’Etat et la gestion du symbolique au maroc précolonial,» p. 144. انظر:31

14 رحمة بورقية، الدولة والسلطة والمجتمع: دراسة في الثابت والمتحول في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب (بيروت: دار الطليعة،

9911)، ص 7.2

كتابية

. بهذا يمكن القول إن ممارسة البيعة في البلاد التونسية عرفت تطورًا خلال الفترة الحديثة مقارنةً بما

كانت عليه في العهد الحفصي: فلم تعد هناك عقود للبيعة تأتي من دواخل البلاد، والبيعة الرئيسة التي تلتئم في

العاصمة هي بيعة شفوية و«على الملأ». إن الفروق المسجَّلة في ممارسة البيعة في البلاد التونسية والمغرب الأقصى تكشف عن نمطين مختلفين في تشكل

التركيبتين، وخاصة في تمفصل مكوناتهما السياسية والاجتماعية. فما هي الدلالات الأنثروبولوجية للطابع

الشفوي والكتابي للبيعة في السياقين المعنيين بهذه الدراسة؟ أمّا الكتابي في ممارسة البيعة، فمن شأنه أن يثبت الحقوق المسندة بالنسبة إلى كلا الطرفين. وهو قبل كل شيء

إجراء احتياطي يُتّخذ في صورة حصول تنكّر للبيعة المسندة. لهذا يمكن القول إن كل محاولة لإثبات الحقوق

كتابيًا تفرض في الأساس وجود إمكانية وقوع خلاف قد يؤدي إلى رفضها. يمكن أن يكون للخلاف أسباب

حقيقية واضحة للعيان عند القيام بعملية إثبات الحق كتابيًا، وقد تكون هذه الأسباب خفية وضمنية، فيكون

الخلاف عندها متوقعًا أو مرتقَبًا، بحيث لا يمكن التفكير في إنتاج وثيقة كتابية مثبتة لحق ما إالّ إذا كان هناك من

له مصلحة في إقامة الخلاف يومًا ما، لأن من الطبيعي أيضًا أن تكون الحقوق ثابتة بذاتها ومن دون وضع أي

وثيقة كتابية ما دام ليس هنالك من يشكك في أحقيتها. في هذه الصورة يكون التعبير عن هذه الحقوق شفويًا،

و«السماع الفاشي» بهذه الحقوق الذي تتعهده الذاكرة الجماعية هو الضامن الأساس لإثباتها. خلاصة القول، يكون الخلاف الحقيقي أو المتوقّع هو الدافع الأساس لجعل الحق يتحول من مجرد تعبير شفوي

إلى موضوع وثيقة كتابية تثبته بصورة ملموسة. واحتمال وقوع الخلاف المفضي إلى التشكيك في شرعية السلطة

هو أكبر في المغرب الأقصى ممّا هو في البلاد التونسية خلال العهد الحديث، ويمكن أن يتأتى من مصادر عدة،

ولاسيما من الصراعات الداخلية في صلب العائلات الحاكمة نفسها، أو من المشاحنات الصادرة عن المجموعات

المحلية المنتفضة، وهي المجموعات التي نُعتت في المغرب الأقصى ب«السيبة» أمّا الطلب من كل مجموعة أوناحية أو ولاية أو مدينة أن تكتب بيعتها وتؤمّن وصولها إلى صاحب السلطة، فلم يكن

15 روبار برنشفيك، تاريخ إفريقية في العهد الحفصي من القرن 13 إلى نهاية القرن 15 م، نقله إلى العربية حمادي الساحلي، السلسلة

الجامعية، 2 ج (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 9881)، ج 2، ص.20

16 وهي المع عنها أيضا ب«بلاد السيبة» في مقابل «بلاد المخزن». المعنى السائد لعبارة «بلاد المخزن» هو مجال الحواضر الخاضع

للسلطة المركزية (أي المخزن)، وترمز مقولة «بلاد السيبة» إلى النواحي الداخلية الرافضة للسلطة. وهو التأويل الذي فرضته الأدبيات

الاستعمارية. ونعدّد الكثير من الكتابات التي أعادت النظر في هاتين المقولتين المتقابلتين. من ذلك نذكر: , rown K. B Laroui, p. 164 ff;

« Excursion sur l’insoumission (siba),» dans: Le Monde rural maghrébin communautés et stratification sociale: Actes du IIIème congrès d’histoire et de la civilisation du Maghreb , 2 tomes (Alger: Office des publications universitaires, 1987), tome 2, pp. 288-300, et Clifford Geertz, Observer l’Islam: Changement religieux au Maroc et en Indonésie , trad. de l’anglais par Jean-Baptiste Grasset, 2eme éd., textes à l’appui. Série Islam et société (Paris: Éd. la Découverte, 1992), p. 61.

خلافًا لما جاء في الدراسات الاستعمارية، تبنيّ هذه الأعمال أن ظاهرة السيبة يمكن أن تكون أيضًا حضرية لا ريفية قبلية بالضرورة. ويذكّر

كارل براون في هذا الصدد بانتفاضة الدباغين في مدينة فاس ضد السلطان مولاي الحسن الأول عام 873:1. انظر tome 2, p. , rown B بالرجوع إلى المصادر السابقة عن الفترة الاستعمارية، نلاحظ أن عبارة السيبة تكون دائامً مستعملة للدلالة على الوضعيات التي تتميز

بالاضطرابات وبحركات الرفض للخضوع لرموز السلطة. فهي كثيرًا ما تكون مقترنة بعبارات مثل «الفتنة» و«الثورة»... إلخ. بحيث

إن عبارة السيبة تكون دائامً دالة على وضعية اجتماعية مضطربة محددة في الزمان والمكان. وما تقسيم المجال المغربي إلى فضاءين متقابلين

(«بلاد السيبة»، و«بلاد المخزن») من إنشاء المدرسة الاستعمارية ولا أساس له في الواقع. ويشير عبد الله العروي إلى أن هذه المدرسة كثيرًا

ما عملت أيضًا على خلق علاقة ضمنية بين السيبة والانتفاضات البربرية؛ إذ يندرج هذا التأويل في صلب السياسة البربرية التي سلكتها

السلطة الاستعمارية لتقسيم المجتمع المغربي إلى شقين متضاربين: عرب من ناحية وبرابرة من ناحية أخرى. انظر: Laroui, p. 164.

مجانًا

، وبقدر ما كثرت عقود البيعة المجمعة كثرت الإثباتات والقرائن لإدانة المناوئين لصاحب السلطة ولئن كانت البيعة في البلاد التونسية خلال الفترة الحديثة شفوية أساسًا، فلأن الفاعلين السياسيين لا ينظرون

إليها على أنها عقد بأتم معنى الكلمة وأن هذا العقد يربط ضمنًا صاحب السلطة والأهالي كما هي الحال في

المغرب الأقصى.

البايات في البلاد التونسية لا يمارسون نفوذهم بالطريقة التي يعتمدها السلاطين في المغرب

الأقصى. وإذا كان السلطان في المغرب يلقَّب بأمير المؤمنين ويستمد شرعيته الدينية من أصله الشريف، فإن

البايات في تونس يستمدون شرعيتهم الدينية من الباب العالي، حيث يبعث السلطان العثماني الملقَّب بأمير

المؤمنين بفرمان التولية إلى تونس، وبذلك يزكّي الباب العالي بيعة الباي، فيقيم الأخير صلاة الجمعة باسم

السلطان العثماني، وتضُرب السكة باسمه، ويُرفع العلم العثماني. تلك هي رموز التبعية للحكم العثماني. لكن

هذه التبعية تبقى شكلية وذات بُعد رمزي؛ إذ تهدف أساسًا إلى تدعيم نفوذ الباي في الداخل وإكسابه خاصة

شرعية دينية. أمّا عدم حاجة صاحب السلطة في البلاد التونسية إلى بيعة كتابية تصدر عن المجموعات الداخلية، فمرده

إلى أن النفوذ المركزي لا تزعجه الانتفاضات في دواخل البلاد؛ إذ إنه يحظى بمساندة قاعدة اجتماعية حضرية

ذات حضور كبير في البلاد التونسية. ثم إنه لا يعوّل على سند وثيقة مكتوبة من المجموعات الريفية، لأن ميزان

القوى، بما في الجانب العسكري على وجه الخصوص، هو صالحه بلا منازع. -2 رمزية مكان إقامة البيعة تكتمل مقوّمات البيعة في مدينتين محددتين في البلاد التونسية والمغرب الأقصى: مدينة تونس، وبالتحديد القصبة

من ناحية، ومدينة فاس، ومقام مولاي إدريس فيها من ناحية أخرى. وفي الواقع ترجع مركزية مدينة تونس في

عملية البيعة إلى العهد الحفصي

، حين كانت القصبة، التي أسسها الحكام الحفصيون خلال النصف الأول

من القرن الثالث عشر ميلادي، تشكّل المكان الذي تلتئم فيه البيعة

وتتأسس الشرعية السياسية، وقد

حافظت القصبة في مدينة تونس على رمزيتها السياسية إلى يومنا هذا

. وعندما تتم البيعة في دواخل البلاد،

تبقى منقوصة ما لم يجر إعادة إنتاجها في مدينة تونس. وبغية توكيد مركزية مدينة تونس في الحياة السياسية

بصورة عامة، من المفيد أن نذكر أن الحاكم الذي يفقد السيطرة على مدينة تونس لصالح طرف مناهض يصبح

7 1 يبدو أن هذه القاعدة طُبقت بصرامة، خاصة من طرف السلاطين المغاربة خلال القرن التاسع عشر، انظر: بورقية، ص.27

18 Laroui, p. 74.

91 فالبيعة في المغرب الأقصى هي عبارة عن عقد يؤسس لواجبات الأهالي إزاء السلطان، وكذلك حق الأهالي في خلع السلطان إذا حاد

عن التزاماته، وهو عين ما حدث عندما ثار الدباغون في مدينة فاس عام 8731، أو عندما خُلع السلطان عبد العزيز عام 907.1 وحول

الطابع التعاقدي القوي للبيعة في المغرب الأقصى، انظر: المصدر نفسه، ص 78؛ بورقية، ص 72، و Divan des Le Jocelyne Dakhlia,

rois: Le Politique et le religieux dans l’islam , collection historique (Paris: Aubier, 1998), pp. 106-108.

0 2 فاطمة بن سليمان، الأرض والهوية: نشوء الدولة الترابية في تونس، 1881-1574 (تونس: كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية،

جامعة تونس، 0092)، ص.38-37

21 نجد هذه الرمزية للقصبة في عملية التولية في مصر في العهد المملوكي، انظر:  Rachida Chapoutot-Remadi, “Liens et relations

au sein de l’élite mamlûk sous les premiers sultans bahrides 648/1250-741/1340,” (Thèse de doctorat d’État, l’université de Provence, Aix-Marseille, 1993), pp. 83-85.

22 أبو العباس أحمد بن عمر بن أحمد بن نصر بن أبي الضياف، وثائق تونسية: من رسائل ابن ابي الضياف، تتمة لاتحاف اهل الزمان،

تحقيق محمد الصالح مزالي (تونس: الدار التونسية للنشر، 969[]1)، ص.25

23 تمثّل القصبة في مدينة تونس إلى يومنا هذا موضوع رهانات سياسية تتجاذبه الأحزاب السياسية، ومؤسسة البلدية، والحكومات

المتلاحقة. وقد شكّلت القصبة في أحداث الثورة التونسية سنة 0112 المقر الأساس للاعتصام بالنسبة إلى الفئات الشعبية التي تريد فرص

إصلاحات كاستحقاق للثورة.

بلا شرعية

، ويمكن أن يسترجع حكمه وشرعيته في صورة إعادة سيطرته على العاصمة، بحيث يصح القول

إن مدينة تونس أضحت ذات رمزية قصوى لتأسيس النفوذ المركزي وإعادة تأسيسه، ومعه الشرعية السياسية. من ناحية أخرى، تشير الوثائق المعاصرة للفترة المعنية بالدراسة إلى وجود بيعة «عامة» وبيعة «خاصة»، ومن

المفيد أن نوضح هذين التصنيفين للبيعة. تناولت الدراسات التي خصت هذين التصنيفين على النحو التالي: فالبيعة الأولى قُرئت على أنها بيعة عامة

الناس، وقُرئت الثانية على أنها بيعة يحضرها عليّة القوم

. في واقع الأمر، ليس المقصود بالعامة والخاصة هنا

السلَّم الاجتماعي وإنما المقام registre() السياسي، بحيث تفيد «البيعة الخاصة» بأنها تلك البيعة التي يحضرها

(أو يعطيها) عدد قليل من الناس، أي من بيدهم الحل والعقد، وتفيد «البيعة العامة» بأنها البيعة الشاملة، أي

التي يشهدها عدد كبير من الناس، هم أساسًا أعيان يأتون من كل صوب أمّا بالنسبة إلى المغرب الأقصى، فإن مدينة فاس تمثّل رمز الأدارسة. وإذا كانت البيعات كلها الصادرة عن

الجهات الداخلية، أكانت حضرية أم ريفية قبلية، هي بيعات ضرورية، فإن بيعة مدينة فاس إلزامية ومؤسسة

لكل نفوذ سلطاني. في هدا الصدد يكتب ابن زيدان: «وكان عقد البيعة يُكتب أوالً بمدينة فاس في غالب

الأحيان. وإذا بويع الملك الجديد في غيرها فلا تُعتبر بيعته تامة وسلطنته شرعية إالّ بعد اعتراف مدينة فاس

به»

. إذن تُعتبر بيعة أهل فاس البيعة الأهم، وهي المؤسسة للسلطة والمستلهمة لبقية البيعات

. ويتجدد

في مدينة فاس أيضًا الحدث المؤسس للشرف الذي انطلق مع الحكم العائلي الإدريسي، وعرف دفعًا جديدًا مع

الحكم المريني، وتدعّم مع النفوذ العلوي

.  كما أن مدينة فاس هي أيضًا رمز المعرفة الشرعية، إذ تضم في

الوقت عينه جامع القرويين، رمز العلم والمعرفة وقتذاك، فإذا كانت مدينة تونس وقصبتها تستمدان رمزيتهما

السياسية من النفوذ السياسي- العسكري الذي تتمتعان به، فإن مدينة فاس ومقام الأدارسة فيها يستمدان

رمزيتهما من النفوذ القدسي المستلهَم من الشرف ومن الشرعية العلمية التي يتحلى بها العلماء القرويون.

24 ولنا في ذلك مثال يكشف عن الظروف التي اعتلى في إطارها علي باشا (752-17351) الحكم في تونس على حساب عمّه حسين

بن علي (735-1705.)1 وكان هذا الأخير خسر في أثناء صراعه مع ابن أخيه السيطرة على مدينة تونس، فوصف لنا المؤرخ محمد

الصغير بن يوسف، بلغته الأقرب إلى اللهجة العامية، الكيفية التي تمت بها بيعة علي باشا في تونس سنة 7351: «واجتمع أهل الديوان

عند القصبة (...) واجتمع أكابر الترك عشية فقال الدولاتلي إن حسين باي ترك تخته هو وأولاده وقصدوا القيروان ومن يقوم بهذا الأمر

فالأولى نبايع ونولي علي باشا الأمر (...) الله ينصر من صبح فنادت الناس بقولهم الله ينصر من صبح (...) وركضت الخيل ودخلوا الليل

ووصلوا إلى علي باشا وبرشّةيلوالاب هو)...(االسرإ عيضولاو عيفرلا هيلإ عزف سنوت نم برق الوم وقبّلوا يده وبايعوه وهنوه بالولاية

(...)». انظر: محمد بن محمد الصغير، التكميل المشفي للغليل على كتاب العبر لابن خلدون، مخطوط في: المكتبة الوطنية التونسية، رقم

5264، ورقة.206

25 برنشفيك، ج 2، ص 81 وما بعدها، و Ith’âf ‘ahl al-zamân bi-’akhbâri mulûki Tûnis wa ‘ahd al- A. Ibn Abi Dhiyaf, ’ amân: chapitre IV et V: règnes de Husaïn Bey et Mustafâ Bey , éd. A ndré R aymond, 2 vols., édition critique (Tunis: Alif/ éditions de la Méditerranée- I rmc -I shmn , 1994), vol. 2, pp. 3-4.

26 وصف المؤرخ ابن أبي الضياف في إحدى رسائله للمصلح خير الدين التونسي مختلف مراحل تولية محمد باي (895-18551) على

الحكم في تونس مباشرة بعد وفاة أخيه أحمد باي، فتطرّق إلى بيعتين: «خاصة» و«عامة». أمّا الأولى فهي محصورة في دائرة الباي الضيقة،

يحضرها المقربون فقط. ثم تنقل المعلومة بعد ذلك إلى دواخل البلاد؛ فيكتب ابن أبي الضياف في هذا الصدد ما يلي: «وقعت البيعة وإعلام

أهل العمالة وأمرهم بالقدوم على العادة» فتحصل بذلك «البيعة العامة التي لم يتخلف عليها أحد». انظر: ابن أبي الضياف، وثائق تونسية،

ص.25

72 ابن زيدان، ج 1، ص 01.4

82 تبنيّ رحمة بورقية أن مدينة فاس هي الموقع الرمز الذي تنطلق منه السلطة الشرعية. انظر: ourqia, «L’Etat et la gestion du B

symbolique au maroc précolonial,» p. 144. M. Garcia-Arenal and E. Manzano Moreno, «Idrissisme et villes idrissides,» Studia Islamica, no. 82 (Octobre 9 انظر: 2

1995), p. 10.

-3 البيعة عقد ومساومة يفرض عقد البيعة دائامً، أكان كتابيًا أم شفويًا، وجود مساومة بين الأطراف السياسية تأخذ أشكاال مختلفة

بحسب كل تركيبة اجتماعية. وتشكل الاتفاقات الناجمة عن هذه المساومة أساس إعادة إنتاج الهيئات المشرفة

على ممارسة النفوذ. وتحتل المساومة بين الأطراف السياسية في عملية البيعة في المغرب الأقصى مكانة مهمة في

الحياة السياسية؛ فهي تكاد تكون الفرصة الوحيدة التي تتوافر لكل مجموعة محلية (صغيرة أو كبيرة) كي تدفع

باتجاه إرساء اتفاق جديد انطلاقًا من قاعدة توافقية جديدة، حيث يحصل الاتفاق في ما بين أفراد المجموعة أوالً،

ثم بين أعيان المجموعة (أي «أهل الحل والعقد» داخل المجموعة) من ناحية وممثلّي المركز من ناحية ثانية، كالوالي

مثالً، أو متعهد/ ملتزم الضرائب، أو القاضي... إلخ. لأن كثيرًا ما لا تتعدى علاقة الأهالي هذا المستوى من

التمثيل للسلطة المركزية. لهذا، يمكن القول إن لكل اتفاق يحصل حول البيعة في المغرب الأقصى زمانًا ومكانًا:

فزمان الاتفاق هو زمان حكم من حظي بالبيعة، ومكانه محدَّد بالمجال الذي تحتله المجموعة المعنية بالاتفاق. أمّا

موضوع الاتفاق، فهو اختيار من سيتولى الحكم، وتبعات ذلك الاختيار ومدى جدواه

. ويمكن أن يحصل

الاتفاق حول مقدار أداء جبائي، أو كيفية خلاصه، خاصة إذا اعتبره الأهالي غير شرعي. والتعاقد من أجل هذا

الاتفاق لم يكن قط شكليًا، كما يمكن أن يتبادر إلى الذهن أول مرة، بل يُؤخذ عادة مأخذ الجد، بالنسبة إلى الأهالي

على الأقل، وانتفاضة الدباغين في مدينة فاس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر دليل قاطع على ذلك

وصورة الواقعة أن طائفة الدباغين في هذه المدينة اتفقت مع الأعيان المكلّفين بإعداد بيعة فاس على أن تكون

بيعتهم بشرط تخيلّ السلطان عن الأداء الذي يُع عنه ب«المكس» ويُعتبر غير شرعي. وقد بقي هذا البند من

الاتفاق شفويًا ولم يدوَّن في البيعة الخاصة بالمدينة. وبما أن السلطان لم يطبّق الاتفاق، اندلعت الانتفاضة، لكن

سرعان ما أخمدت بشراسة. لكن السلطان أبطل الأداء المذكور عام.1886

وعلى عكس ما يحدث في المغرب الأقصى، ليس ثمة مساومة (علنية أو خفية) بين الأطراف المتعاقدة في عملية

البيعة الممارَسة في البلاد التونسية

، وذلك بالنسبة إلى المدن والمناطق الخاضعة لها، أو بالنسبة إلى الأرياف

البعيدة. ولا ترشدنا المصادر سوى إلى قدوم وفود المدن الداخلية إلى العاصمة للمشاركة في مراسم البيعة،

ويمكن أن تُقدم بهذه المناسبة هدايا إلى الحاكم الجديد

. أمّا في دواخل البلاد، حيث تقطن المجموعات القبلية

القروية، فتكون البيعة على شاكلة مختلفة. ومن المفيد أن نذكر أن هذه المجموعات أُخضعت وأُضعفت قدراتها

القتالية منذ منتصف القرن السابع عشر على أيدي المراديين (702-1630 1 م)

. ووقع تفكيك التجمعات

03 تعبر كلمة مساومة عن التفاوض والاشتراط والتوافق والتعهد والالتزام.

B ourqia, «L’Etat et la gestion du symbolique au maroc précolonial,» p. 145. انظر:13

32 Laroui, p. 78.

33 «المكس»: هو أداء تختص به المدن، يوظف في الأنشطة الاقتصادية الحضرية أي التجارة والحرف.

34 وما تأكيد المؤرخ ابن أبي الضياف على الطابع التعاقدي للبيعة في المغرب لدليل على انعدام الظاهرة ذاتها بالنسبة إلى البلاد التونسية،

انظر: ابن أبي الضياف، اتحاف أهل الزمان (9761)، ج 1، ص.31

35 يشير المؤرخ ابن أبي الضياف إلى أن بكار الجلولي، قائد صفاقس، عندما ترأس «وفد البيعة» إلى العاصمة بمناسبة اعتلاء حمودة باشا

الحكم، أخذ معه هدية للباي متمثّلة في مملوك اشتراه له من اسطنبول، انظر: أبو العباس أحمد بن عمر بن أحمد بن نصر بن أبي الضياف،

إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، تحقيق لجنة من كتابة الدولة للشؤون الثقافية والأخبار، 8 ج (تونس: كتابة الدولة

للثقافة والأخبار، 966-19631)، ج 7، ص 90. تقديم هدية بمناسبة البيعة هي ظاهرة معروفة أيضًا في المغرب، انظر: R. Jamous,

« Interdit, violence et baraka: Le Problème de la souveraineté dans le Maroc traditionnel,» dans: Centre de recherches et d’études sur les sociétés méditerranéennes, Islam, société et communauté: Anthropologies du Maghreb , [rédigé] par Catherine Baroin [et al.]; sous la direction de Ernest Gellner, les cahiers du C.R.E.S.M.; 12 (Paris: Éditions du Centre national de la recherche scientifique, 1981), p. 42.

36 عبد الحميد هنية، تونس العثمانية: بناء الدولة والمجال من القرن السادس عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر، الذاكرة التاريخية للبلاد

التونسية (تونس: تبر الزمان، 0122)، ص.146-140

القبلية الكبرى

، التي شكلت حتى ذلك التاريخ سدًا أمام كل محاولة لإرساء مركزة سياسية متينة، فحل

محلها، بالنسبة إلى المنطقة الثرية في شمال البلاد التونسية، عدد كبير من القبائل الصغيرة الحجم التي لا حول ولا

قوة لها أمام المركز السياسي الصاعد، بحيث أصبح ميزان القوى منذ تلك الفترة لصالح البايات المراديين الذين

استطاعوا إرساء حكم عائلي في تونس. ومع ذلك، كان المراديون يسلكون سياسة حذرة للحصول على ولاء

القبائل في دواخل البلاد، وخاصة القبائل التي توجد في الوسط الغربي من البلاد وجنوبها. لكل مجموعة (كبيرة أو صغيرة) شيخ يتصدرها، ومجلس أعيان يتخذ أسماء مختلفة باختلاف الجهات

(«ميعاد»، أو «رجال الكبار»، أو «الحلقة»،...). ويستمد الشيخ نفوذه، قبل كل شيء، من مجموعته (أي

«إخوته» كما يقال كذلك في المصادر الجبائية). وبالتالي يكون أفراد المجموعة «شركاء» له لا «رعية». أمّا

«الولاء» l’allégeance) (في هذا الإطار الاجتماعي، فهو للمجموعة. ولا يتم «الولاء» لممثل النفوذ

المركزي إالّ بتوسط من الشيخ الذي يعلن (شفويًا) البيعة للأمير القائم في أثناء مروره ب«المحلة»

لجمع

الضرائب من المجموعات الداخلية. ويكون دفع الضريبة بصورة منتظمة أبلغ تعبير عن هذا الولاء؛ لهذا

لا تتم سيطرة النفوذ المركزي على المجموعة إالّ بتوسط من الشيخ. والمهم أن نرى كيف أن ليس للسلطة

المركزية أي علاقة مباشرة بالأفراد المكوّنين للمجموعات القبلية؛ فسلطتها على هذه الأخيرة سلطة إجماليّة.

ويتجسّم ذلك في بعض الممارسات التي تكرس العلاقة بين السلطة والمجموعة. من ذلك أن عملية تعيين

الشيخ لا تصبح تامة ونهائية إالّ بعد حصول المرشح على تزكية السلطة المركزية التي تستخلص في مقابل

ذلك الأداء المسمّى «طريق المشيخ». ولهذا الأداء رمزية بالغة الأهمية للنفوذ المركزي، وكذلك للمجموعة

المحلية؛ فهو يعني بالنسبة إلى السلطة المركزية اعتراف (أو تجديد اعتراف) المجموعة المحلية بسيادتها عليها.

ويعني بالنسبة إلى المجموعة المحلية اعتراف السلطة المركزية باستقلاليتها في تسيير شؤونها الداخلية. إلى

جانب ذلك، عقد الأعيان (الشيوخ) في الأوساط القبلية مع البايات منذ عهد المراديين علاقة تحالف تقوم

على اتفاق ضمني يقضي باعتراف متبادل كل طرف بنفوذ الطرف الآخر. وقد تجسد هذا الاتفاق في مجموعة

من الممارسات، البسيطة في حد ذاتها لكنها ذات الرمزية البالغة الأهمية. من بين هذه الممارسات، نذكر تبادل الهدايا بين الباي وشيوخ القبائل بمناسبة مرور الأول ب«المحلة»، فيقدم الأعيان

إلى الباي تليق بمقامه، وهي المع عنها ب«فرس العادة « أو «حصان العادة». وتكون بذلك ردًّا على الهدية التي

يقدمها الباي إليهم عند حلوله ب«المحلة»، ولهذا التصرف رمزية سياسية بالغة الأهمية للطرفين

؛ فكل طرف

يساوم بهديته مكانة لدى الآخر، وهو أبلغ تعبير عن أن العلاقة السياسية التي تربطهما هي علاقة تحالف قائمة

على مبدأ التبعية المتبادلة. ثم إن من شأن «العادات»المرافقة لهذه العلاقة أن تكسبها الاستقرار والاستمرارية. بواسطة هؤلاء الأعيان، أمّن النفوذ المركزي لنفسه إمكانية بسط سيطرة إجمالية على دواخل البلاد مع بعض

73 المقصود بتفكيك «التجمعات القبلية الكبرى» confédération tribale) (إضعاف روابطها وتحولها من تجمع قبلي كبير إلى مجموعات

قبلية صغيرة لا حول ولا قوة لها أمام السلطة المركزية.

83 «المحلة» هي مؤسسة سياسية وعسكرية تعود في الأصل إلى الفترة الحفصية، و تتكوّن من فرق عسكرية مختلفة تخرج لجمع الضرائب

مرتين في العام الواحد: تتوجه في الشتاء (كانون الأول/ ديسمبر وكانون الثاني/ يناير) نحو الجنوب، وخاصة نحو الجريد زمن صابة

التمور، و في الصيف (تموز/ يوليو و آب/ أغسطس) نحو الشمال زمن صابة القمح. وقد حافظ العثمانييون على هذه المؤسسة عندما

انتصبوا في البلاد التونسية سنة 74.15 ووظيفة المحلة الأساسيّة هي جمع الضرائب وردع المناوئين للسلطة المركزية. وهي بمنزلة همزة

الوصل بين أجزاء البلاد من جهة والمركز السياسي من جهة أخرى.

9 3 هنية، تونس العثمانية، ص.55

0 4 انظر: مرسيل موس، بحث في الهبة: شكل التبادل وعلّته في المجتمعات القديمة، ترجمة المولدي الأحمر (بيروت: المنظمة العربية

للترجمة،.)2011

الاستقرار، كما أمّنت الاستمرارية هذه سيطرة المؤسسة «المحلة»

. ولم تتغير هذه العلاقة بصورة جذرية

ولا أفضت إلى سيطرة أكثر حدة في البلاد التونسية إالّ بدءًا من منتصف القرن التاسع عشر، عندما فرضت

السلطة المركزية سياسة تقوم على ربط علاقة مباشرة مع كل فرد من أفراد القبائل وبالنسبة إلى المغرب الأقصى أو إلى البلاد التونسية، كان دور الأعيان أساسيًا لجمع ولاء المجموعات السكانية

بمختلف أصنافها، مع ما يتبع ذلك من مفاوضات عند الاقتضاء. ويشكّل هؤلاء الأعيان في الحالات كلها

مؤسسة «أهل الحل والعقد» بالنسبة إلى كل مجموعة. -4 البيعة و«أهل الحل والعقد» إن مؤسسة «أهل الحل والعقد»

محورية وأساسية في كل عملية إعادة إنتاج الإجماع في إطار التركيبات

الاجتماعية والسياسية في المغرب الكبير. بل يمكن القول إن هذه المؤسسة تشكّل رمز هذا الإجماع والضامنة له.

لهذا، فهي أساسية بالنسبة إلى كل بيعة محلية أو مركزية، «خاصة» أو «عامة»؛ إذ تؤمّن الوساطة بين الأهالي من

ناحية وصاحب السلطة من ناحية أخرى. من يمكن أن يكونوا أعضاء «أهل الحل والعقد» لكي تتسنى لهم المشاركة في اختيار من ستؤول إليه البيعة؟

إنهم بصورة عامة الأعيان في إطار مجموعة معيّنة. وفي الحالات كافة، يكون حضور العلماء أساسيًا فيها،

وتتمثّل مهمتهم أساسًا في إضفاء صبغة شرعية على عملية الاختيار. وفي العادة يمثّل هؤلاء الأعيان مجمل

القوى الاجتماعية والسياسية داخل المجموعة المعنية بالبيعة. وعندما نتفحص تركيبة «أهل الحل والعقد»

الاجتماعية، يتبين أنها تجمع ممثّلين عن جميع القوى الاجتماعية والسياسية، الفاعلة بصورة أساسية في عملية

البيعة. وتستعرض وثائق البيعة أعضاء «أهل الحل والعقد» بحسب ترتيب المكانة الاجتماعية والسياسية لكل

فرد. ولم يكن هذا الترتيب اعتباطيًا

؛ فهو يكشف عن التراتبية الاجتماعية داخل المجموعة التي ينتمي إليها

41 هنية، تونس العثمانية، ص.158

42 الوظيفة نفسها تؤمنها مؤسسة «الحركة» في المغرب الأقصى. وتؤمّن مؤسستا المحلة والحركة مسرحة النفوذ في كلا البلدين، انظر

Jocelyne Dakhlia, «Dans la mouvance du prince: La Symbolique du pouvoir itinérant au Maghreb,» حول هذا الموضوع: Annales. Economies, Sociétés, Civilisations , vol. 43, no. 3 (1988), pp. 735-760, et A. El-Moudden, «Etat et société rurale à travers la h’arka au Maroc du XIXe siècle,» Maghreb Review , vol. 8, nos. 5-6 (1983), pp. 141-145.

43 انظر الأعمال التي خصصتها لدراسة ظاهرة التفريد في البلاد التونسية.

Abdelhamid Hénia: «La sujétion de l’individu dans le milieu tribal en Tunisie à la veille du Protectorat français,» dans: Kirsi Virtanen, ed., Individual, Ideologies and Society: Tracing the Mosaic of Mediterranean History, Tutkimuksia (Tampereen yliopisto); no. 89 (Tampere, Finland: Tampere Peace Research Institute, 2001), pp. 179-194; «L’Individu entre la logique étatique et la logique communautaire: Cas de la Tunisie à l’époque moderne XVIIe-XIXe siècles),” dans: Mohamed-Hedi Cherif et Abdelhamid Henia, dirs., Individu et pouvoir dans les pays islamo-mediterraneens, individu et société dans le monde méditerranéen musulman (Paris: Maisonneuve et Larose, [2009]), pp. 67-83, et «Dynamique du statut de l’individu en Tunisie (XVIIIe-XXe siècles),” dans: Abdelhamid Henia [et al.], dirs., Itinéraire d’un historien et d’une historiographie: Mélanges de diraset offerts a Mohamed-Hédi Cherif (Tunis: Centre de publications universitaires, 2008), pp. 157-176.

44 نجد في عقد بيعة مدينة فاس لمولاي سليمان عام 790 1، وصفًا لمكونات هيئة «أهل الحل والعقد»: «الصدور الأعيان وأهل الوجاهة

في هذا الزمان وذوي الحل والعقد ومن إليهم القول والرد»، انظر: الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. نعت عبد الله العروي

أهل الحل والعقد ب«نخبة» السلطة انظر: Laroui, p. 80.

45 «إن أبسط تغيير يحدث في الدور الموكل إلى شخص في التقاليد الاحتفالية يفضي إلى تغيير في رتبته في البلاط وفي مجتمع البلاط.» [....]

«وكثيرا ما تفضي الرجات في المراسم، سواء كانت ضئيلة جدًا، بالكاد يشعر بها المرء، أو قوية ذات تأثير قوي، إلى تغيير متجدد في المكانة

والمسافة التي تفصل بين رجال البلاط في ما بينهم»، انظر:

Norbert Elias, La société de cour sous Louis XIV (Paris: Flammarion,1985) p. 92.

«أهل الحل والعقد». ويتضح أن المركز الذي يمكن أن يحتله أحد هؤلاء في هذه التراتبية غير مستقر؛ إذ هو

موضوع مساومة ومراهنة بصورة مسترسلة، ويتأثر بتطور موازين القوى والحراك الاجتماعي داخل المجموعة. ففي مدينة تونس، نلاحظ أن هذا الترتيب يتغير من فترة إلى أخرى؛ إذ كانت العناصر التركية العسكرية تحتل

صدارة المشهد السياسي حتى بدايات القرن التاسع عشر، ثم نرى كيف أن العلماء حلوا محلهم تدريجيًا. أمّا

الأعيان من الأهالي، فلم يجرِ إقحامهم في هذه المؤسسة منذ البداية. ومع حكم الباي حسين بن علي -1705(

7351 م)، يبدأ ذكرهم من بين عناصر «أهل الحل والعقد»، وخاصة عندما ما يتعلق الأمر بالبيعة. في المغرب الأقصى يتغير هذا الترتيب أيضًا من مدينة إلى أخرى. ففي الرباط، على سبيل المثال، وهي مدينة

ساحلية تنشط فيها الملاحة والقرصنة (أي الجهاد البحري) على وجه الخصوص، نجد من بين أعضاء «أهل

الحل والعقد» من يمثّل ال«مدافعية» و«رياس البحر»

. ويبقى الأشراف الذين يتصدرون دائامً قوائم أعضاء

«أهل الحل والعقد» حيثما وجِدت. ويمكن القول إن «أهل الحل والعقد» يشكّلون عمومًا القوة المضادة للسلطة، أكانت في المغرب الأقصى أم

في البلاد التونسية. وتخضع في طبيعة انتظامها وفقًا للتركيبة الاجتماعية والسياسية التي توجد فيها. ونجد في

المغرب، إلى جانب مجموعة «أهل الحل والعقد» المركزية، أي المحيطة بالسلطان، مجموعات مماثلة متمركزة في

مواقع عدة من دواخل البلاد، حضرية (مثل فاس، ومراكش، ومكناس.. الخ.) أو قبلية. أمّا في البلاد التونسية،

فلا تذكر الوثائق في ما يتعلق بالفترة نفسها سوى مؤسسة «أهل الحل والعقد» التي مقرها مدينة تونس. ما

هي دلالة مركزة هذه المؤسسة وعدمه للوقوف بصورة أفضل على نظام تحييز المجال في كلٍّ من التركيبتين

المغربية والتونسية؟

ثانيًا: أي شكل من أشكال تحييز المجال؟

توجد في تركيبة اجتماعية وسياسية معيّنة علاقة متينة بين نظام تحييز المجال والتراتبية الاجتماعية. ونعتقد أن

ممارسة البيعة في هذين البلدين (المغرب الأقصى والبلاد التونسية) تكشف عن الأبعاد الحقيقية لممارسة النفوذ

بالنسبة إلى كل طرف من أطراف المعادلة السياسية في البلدين، أي من تُعهد إليه السلطة العليا من ناحية، ومن

يقوم بإسناد هذه السلطة بإعطاء البيعة من ناحية أخرى. وتتغير دائرة ممارسة هذا النفوذ بحسب مستوى تدرّج

التراتبية الاجتماعية في التركيبة المعنية. نعتقد أن دراسة نظام التراتبية الاجتماعية في كلٍّ من البلدين يكشف لنا عن الكيفية التي تجري بها عملية جمع

الولاءات، أي كيف تُبنى الدولة المجالية ويعاد بناؤها. فما هي إذن الاستنتاجات التي نحصل عليها بعد

استعراض ممارسة البيعة بطقوسها ورموزها والمؤسسات التي تتعهدها، لفهم نظام تحييز المجال وبناء الدولة

المجالية في كلّ من البلدين المعنيين بالدراسة؟ 1 التراتبية على مستوى التركيبة الاجتماعية والسياسية ككل – يمكن القول بصورة إجمالية إن التركيبتين المغربية والتونسية تمثلّان خلال الفترة الحديثة دولتين ذواتي مركزية

مهمة نسبيًا، مع وجود تراتبية في البلاد التونسية أكثر حدة ممّا هي الحال في المغرب الأقصى؛ إذ نلمس في البلاد

46 Laroui, p. 72.

التونسية مستوى أول من التراتبية الاجتماعية تتعهده ترسانة من القواعد الأيديولوجية والتشريعية برعاية

علماء المدن. هذا المستوى من التراتبية يضع في التركيبات الحضرية (أي المجتمعات المدينية) في مرتبة عليا، ويضع في مرتبة

دنيا المجموعاتِ القبلية والقروية والواحوية (ذات الطابع الريفي) الموجودة عمومًا في دواخل البلاد. أمّا المدن،

فهي أساسًا في الشريط الساحلي، وقليل منها يقع في دواخل البلاد (باجة والكاف والقيروان وقفصة وتوزر)،

وهي تشكّل عادة محطات للتجارة البرية. وتمتاز المدن في البلاد التونسية بكثرتها النسبية، مقارنة بمدن المغرب

وحتى بمدن البلدان المغاربية الأخرى، وبكونها ذات حضور وتأثير قويين في مجمل التركيبة ككل، وذلك على

مستوى الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية

. وقد أفرزت هذه الترابية خلال القرن السابع عشر عبارات

جديدة تقوم على مبدأ الثنائية ومن شأنها أن تكرس هذه التراتبية، وهي ثنائية لم تعهدها البلاد التونسية قبل هذا

التاريخ، في العهد الحفصي مثالً (بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر الميلاديين). وأشهر هذه العبارات

تلك التي نجدها في مدينة تونس، وهي عبارة «بلدي» بمعنى ساكن المدينة من ناحية، و«العربي» بمعنى الريفي

من ناحية أخرى

. وتتجسّم نتائج هذه التراتبية على المستوى الجبائي، وكذلك على مستوى الممارسة القضائية

والتشريعية. فعلى المستوى الجبائي، تفرض على العربي ضرائب أكبر ممّا يُفرض على البلدي

. وعلى المستوى

القضائي والتشريعي، يقر الفقهاء مبدأ عدم مساواة شهادة «البلدي» بشهادة «العربي»، من ذلك أن شهادة

«العربي» لا تصح على «البلدي». إلى جانب الوظائف السياسية والعسكرية والإدارية، احتكرت المدن في البلاد التونسية الوظائف الثقافية التي

جعلت الأيديولوجيا المدينيّة هي السائدة عمومًا؛ فالمدينة تحتكر الثقافة الكتابية وتستعملها لتسيير شؤون البلاد

بصورة عامة، وجميع الشؤون القضائية والدينية هي من اختصاص المدن. وعن طريق هذه الثقافة، تهيمن المدن، ومن خلالها الطبقة الحاكمة، على الأرياف، وتبسط سيطرتها عليها بطرق

غير عسكرية، فتبث التقاليد المدينية، وتروج اللغة العربية، خاصة في المناطق ذات التقاليد البربرية، وكذلك في

المناطق ذات المذاهب السنيّة، خاصة في مناطق الأباضيّة (في جزيرة جربة). أعطى ذلك كله المدن مكانة مرموقة تجسّمت في مجمل الامتيازات التي تراكمت لدى المجتمع المديني طوال

العهد الحديث. ولتبريرها اعتمد هذا المجتمع أيديولوجية «العصبية المدينية». وكانت هذه العصبية أساس ذلك

الشعور بالتفوق على أهالي الأرياف، أي البدو أو «الأعراب»، فأنشأت هذه الأيديولوجيا مستويين من التفرقة:

74 انظر مقالي (كُتب في الأصل بالفرنسية ونشُر في ترجمة إيطالية) بعنوان: «المدن المغاربية خلال العهد الحديث: هل شكلت محمالً

للحداثة؟:» Abdelhamid Hénia, «Le città nel Maghreb in età moderna: vettore di modernità?,» (traduction italienne d’un

article initialement écrit en français « Les Villes au Maghreb à l’époque moderne: Vecteur de modernité ?»), dans: Enrico Lachelle et Paolo Militello, eds., L’Insediamento nella Sicilia d’età moderna e contemporanea: atti del convegno internazionale (Catania, 20 settembre 2007), Quaderni di Mediterranea; 5 (Bari: Edipuglia, 2008), pp. 143-165.

انظر 8:4

Abdelhamid Hénia, «Représentations sociales de la richesse et de la pauvreté à Tunis aux XVIII e et XIX e siècles,» dans: Jean-Paul Pascual, dir., Pauvreté et richesse dans le monde musulman méditerranéen, Individu et société dans le monde méditerranéen musulman (Paris: Maisonneuve et Larose; European science foundation, 2003), pp. 51-66, et Sami Bargaoui, “ Le Baldî, entre histoire et droit,” dans:

هنية، مشرف، مسار مؤرخ وتجربة تأريخية، ص.123-105

9 4 هنية، تونس العثمانية، ص.32

0 5 أبو القاسم بن محمد بن عظوم، كتاب الأجوبة، تحقيق وتقديم محمد الحبيب الهيلة، 11 ج (قرطاج: المجمع التونسي للعلوم والآداب

والفنون «بيت الحكمة»،.)2009

تفرقة داخل المدينة بين «البلدي» و«البراني» الذي يُنعت بالبلدي وهو ينتمي إلى الفئة المحظوظة بصورة عامة؛

وتفرقة خارج المدينة بين «البلدي» و«العربي». والمقصود بكلمة «بلدي» في هذه الحالة سكان المدينة كافة بلا

استثناء، وهذه دلالة تعكس «العصبيّة المدينية» ولكي تستعيد المدن في البلاد التونسية انتعاشة اقتصادها بعد أزمة القرن السادس عشر، كان عليها أن تكثف

ةديعبلاو ةرواجلام فايرللأ اللهغاتسا.اولأ اهيلع نعيت، كلذ قيقحتلو أن حتُكم سيطرتها على الأرياف،

فاستخدمت وسائل وتقنيات مستقدَمة من الخارج فمنحتها التفوق الكلي. وفي خضم ذلك كله، كان على

المجتمعات المدينية في البلاد التونسية أن تحيّز المجال لتستقطب فائض إنتاج الأرياف، وأن تؤسس بمعية العناصر

التي استقطبتها الدولة الحديثة من الخارج بمختلف أجناسها (مثل الأتراك، والأندلسيين، والأعلاج). تمثّل المدينة دائامً مركز الحكم، وهي تجمع كل ما من شأنه أن يكمّل صورة البلاط، أي كبار الأعيان، أكانوا

أصحاب الجاه المالي أم أصحاب الجاه الديني [أي العلماء بأصنافهم]. وتربط هؤلاء الأعيان بالسلطة علاقة

عضوية تتسم بتبعية متبادلة حتى وان مرت هذه العلاقة أحيانًا بفترات فتور وقطيعة وكان لعلماء المدن في البلاد التونسية الدور الأساس في تدعيم سيطرة الدولة على الأرياف بصورة عامة،

يساندون سياستها القمعية ضد المجموعات الريفية قصد إخضاعها وبسط السيطرة عليها. وكانوا يقدمون لها

الدعم الأيديولوجي لتبرير حملاتها القمعية، ويستنبطون أنجع الطرق لتأمين استغلال الأرياف على نحو مجدٍ.

وبمساندتهم للدولة كان العلماء يدعمون بطريقة غير مباشرة مكانة المجتمع المديني وحظوظه في إطار التركيبة

الاجتماعيّة والاقتصاديّة ككل. لاشك أن المجتمعات الحضرية في المغرب الأقصى تؤدي دورًا مهماًّ أيضًا في الحياة السياسية على الأقل، لأنها

تسبغ بعلمائها الشرعية الدينية لبناء الدولة، في الوقت الذي كانت النخب الحضرية تتولىّ عملية جمع البيعة من

مختلف النواحي. عمومًا، إن البيعة الصادرة عن المدن في المغرب هي ذات أفضلية بالنسبة إلى السلطة، مقارنةً بالبيعة الريفية أو

، لكن المدن لم ترقَ مع ذلك إلى تحقيق سيطرة كلية على المناطق الريفية كما هي الحال في البلاد التونسية.

القبلية

51 وللتوضيح هناك ثنائيتان: الأولى «البلدي»/»البراني» داخل المدينة، والأخرى «البلدي»/»العربي» خارج المدينة، وهي تصنيفات

يجب إرجاعها إلى سياقها وتحديد الفاعلين الذين كانوا وراء صوغها. في الثنائية الأولى، الأعيان من أهل المدينة هم الذين يصنفون أنفسهم

ب«البلدي» (تصنيف تفضيلي طبعًا)، ويحقّرون من شأن الفئات المتدنية اجتماعيًا فيصنّفونهم ب«البراني» (تصنيف تحقيري هذه المرة).

وعبارة «البراني» قد يستعاض عنها في بعض المدن بعبارة «الغريب». أمّا الثنائية الثانية، فهي مستخدمة في السجل الجبائي، والتصنيف

هو من إنشاء أعوان الدولة بالبلاد التونسية ولا يتعدى استعماله الفترة المعنية بالدراسة، أي القرنين السابع عشر والثامن عشر، والنصف

الأول من القرن التاسع عشر؛ إذ على مستوى الممارسة الجبائية، تميّز الدولة خلال هذه الفترة بين أهل المدن وأهل البوادي، فتصنّف

الدفاتر الجبائية الفرد من الفئة الأولى ب«البلدي» (تصنيف تفضيلي طبعًا)، والفرد من الفئة الثانية ب«العربي» (تصنيف تحقيري هذه المرة).

ويتجسّم التفضيل والتحقير في مقدار الجباية المفروضة على كل طرف.

52 عبارة «الأعلاج» كانت تُطلق خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين على « النصارى الذين أسلموا». وأصل الأعلاج

هم أسرى القرصنة من النصارى.

53 الثابت هو الارتباط العضوي الذي نلمسه بين الطرفين، فكل طرف هو في حاجة إلى الطرف الآخر، بحيث أن تواصل مؤسسات

الدولة ذات النفوذ المركزي القوي يرغب فيه المجتمع المديني. فهو يوفر لهذا الأخير، وللأعيان فيه بصورة خاصة، حماية مصالحهم

وامتيازاتهم، ولا سيما منها تلك التي تتحقق على المستوى الجبائي كالتفرقة بين ساكن الريف (العربي) وساكن المدينة (البلدي). فالدولة

تبقي المؤسسة الوحيدة التي يمكن أن تكرّس هذا التمايز وهذه التفرقة. ثمّ إن الدولة في البلاد التونسية تستمد دائامً شرعيتها السياسية

والدينية من المجتمع المديني بأعيانه وعلمائه، أيًّا تكن طبيعة الطبقة الحاكمة التي وراءها.

54 انظر: بورقية، ص 36 و ما بعدها.

55 B ourqia, «L’Etat et la gestion du symbolique au maroc précolonial,» p. 143.

وإذا كان للتفرقة بين الحضري والريفي في المغرب وجود ما، فإنها لا تؤسس لأيديولوجيا مدينية (أو لعصبية

مدينية) مهيمنة، على غرار ما هو سائد في البلاد التونسية. فالخطاب المهيمن في المغرب والمؤسس للسلطة فيه

والداعم لهذه السلطة هو القائم على النسب الشريف، الذي من خصائصه أنه ليس حكرًا على جهة معيّنة، بل

هو مشترك بين الحضر وأهالي الأرياف على حد سواء. وقد نجد تفسيرًا لهذا الاختلاف في أهمية الحضور المديني في التركيبتين المغربية والتونسية في المقارنة بين نسب

التحرضّ في كلٍّ من البلدين. تكشف المعطيات الديموغرافية المتوافرة عن نسبة تحرضّ عالية نسبيًا في البلاد التونسية: قرابة 02 في المئة من

السكان يقطنون المدن، و 80 في المئة يقطنون الأرياف، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بحالة البلدان المغاربية وكذلك

البلدان الأوروبية قبل أن تعرف الثورة الصناعية. ففي ما يتعلق بالمغرب الأقصى، كانت نسبة التحضر بين 8

و 01 في المئة، وفي الجزائر أقل من 5 في المئة. وقد يُعزى الاختلاف بين التركيبات المغاربية على مستوى الحياة

الاجتماعية والسياسية بصورة عامة إلى هذا التباين الكبير في نسب التحضر. ومهما يكن الأمر، فقد أعطت هذه

نسبة التحرضّ الكبيرة نسبيًا ميزة خاصة للطبقة الحاكمة في البلاد التونسية خلال الفترة الحديثة، إذ جعلتها

تصطبغ بصبغة مدينية طاغية. وهذا الحضور المتميز الذي تحظى به المدن في البلاد التونسية كان أساس السيطرة

التي تفرضها على الأرياف عمومًا طوال العهد الحديث -2 الهرمية الحضرية عندما نقارن هيكلة النظام الحضري في البلدين نجد أيضا فروق. ومن مميزات المجتمع المديني في البلاد التونسية

خلال العهد الحديث، طابعه الهرمي الحاد. هذه الهرمية التي عُززت خلال العهد العثماني بصورة خاصة أسست بدورها عدة احتكارات لصالح قمة الهرم

أساسًا، أي مدينة تونس. ولم تكن هذه الهرمية واضحة قبل القرن السادس عشر؛ إذ تبنيّ المصادر كلها عدم وجود

احتكار واضح في أحد المجالات الحضرية المميزة لصالح مدينة معيّنة على امتداد العهد الحفصي. فجميع المدن

الكبرى متساوية في المكانة ومتشابهة في الوظائف، باستثناء مدينة تونس لأنها العاصمة، لكن ذلك لا يمنح مدينة

تونس تفوقًا كليًّا على بقية المدن في المجالات الأخرى؛ ففي المجال الفقهي مثالً، لكل مدينة «عملها الفقهي»،

أي استقلالها على مستوى التشريع والتعامل مع الأعراف المحلية، وكذلك على مستوى الممارسات الفقهية

بصورة عامة. وهذا يدل على أن الاتفاق على مستوى الممارسات الفقهية آنذاك لا يتجاوز حدوده المدينة الواحدة؛

فلكل مدينة «عملها» الفقهي والقضائي الخاص بها، ولها تبعًا لذلك مؤسسة «أهل الحل والعقد» الخاصة بها

أيضًا. وفي الواقع لا تقتصر خصوصية المدن على المستويين الفقهي والقضائي، بل تشمل أيضًا جوانب شتى من

الحياة اليومية، المادية منها والمعنوية، فلكل مدينة مكاييلها ومقاييسها، بحيث يصبح المثل الجاري في الأوساط

الشعبية «كل بلد وأرطالها» أحسن تعبير عن واقع المدن في ذلك التاريخ، وخصوصًا من حيث الاختلاف الذي

هو شكل من أشكال التمايز الاجتماعي والسياسي والثقافي. ونستنتج أنه لم يكن في ذلك الوقت مدينة تستطيع

فرض نمطها الفكري أو الفقهي، وبالتالي السياسي، بصورة مطلقة على سائر المدن الأخرى حتى ولو تعلق الأمر

بمدينة تونس، العاصمة آنذاك. ويؤكد ذلك كله عدم وجود أي هرمية في النظام الحضري الحفصي؛ فالهرمية لم

تبرز في النظام الحضري في البلاد التونسية إالّ خلال العهد العثماني ابتداء من الربع الأخير للقرن السادس عشر.

56 هنية، تونس العثمانية، ص 25، و Hénia, «Le città nel Maghreb in età moderna: vettore di modernità?,».

ولم يتحقق لمدينة تونس احتكار مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والفقهية والعسكرية إالّ خلال

القرن السابع عشر. وبقي الصراع على أشدّه بين الفاعلين الحضر في المدن الأخرى، للمراهنة على المرتبة الثانية

بعد مدينة تونس. ويبدو من المقارنة بين الوضع في البلاد التونسية وما هو موجود في المغرب الأقصى خلال العهد الحديث أن

الهرمية لم تكن أمرًا طبيعيًا أو بديهيًا؛ فخلافًا لما نجده في البلاد التونسية، ليس في المغرب الأقصى أثر لأي تراتبية

للنظام الحضري. وكل المدن الكبرى (فاس ومرّاكش ومكناس والرباط، على سبيل المثال) تتباهى بأنها كانت

في ما مضى عاصمة لدولة. ونحن نعلم أن مركز العاصمة في المغرب الأقصى يتنقل بتنقل السلطان ومحلته (أو

. لذلك كانت المدن المغربية الكبرى كلها تشكّل عاصمة للدولة العلوية لحيّز زمني معنيّ خلال العام

حركته)

الواحد. ويطالب كلّ من الفاعلين الحضر في هذه المدن بالمركزية لمدينته. ولكل مدينة نمطها الثقافي من حيث

المأكل والملبس والغناء، وما إلى ذلك من مكوّنات الذاتية الحضرية الواحدة. ولكل مدينة أيضًا مؤسسة «أهل

حل وعقد». ويبرز ذلك بوضوح على مستوى وثائق البيعة. ومن المفيد أن نذكّر هنا بأن البيعة للسلطان في

المغرب تتم كتابيًا على مستوى كل مدينة وكل قبيلة على حدة. وجميع عقود البيعة ضرورية، مع شيء من الامتياز

لبيعة فاس، لما لهذه المدينة من قدسية؛ فهي يضم ترابها الأدارسة الأشراف. ولا يعطي هذا الامتياز لنخب مدينة

فاس أي شكل من أشكال السيادة والتفوق على المدن الأخرى. أمّا البيعة في البلاد التونسية خلال الفترة نفسها،

فهي حكر على مدينة تونس؛ فكلما حصلت بيعة لباي في مدينة من المدن الداخلية، تبقى هذه البيعة غير نافذة ما

لم يجر إعادتها داخل مدينة تونس. -3 أهمية المركزة الأعيانية وتراتبية الولاءات إن احتكار مدينة تونس جميع مصادر القرار السياسي والفقهي والاقتصادي خلال العهد العثماني جعلها

تستقطب جل الفاعلين السياسيين؛ بحيث إن جلّ عائلات الأعيان التي برزت وسيطرت على النفوذ المحلي في

المدن الداخلية وحيّزت المناطق التابعة لها، أصبحت تعمل على الاستقرار داخل العاصمة حتى تكون قريبة من

موقع القرار والمركز السياسي بصورة عامة. ومن بين هذه العائلات نذكر: آل بن عياد من جربة، وآل الجلّولي من

صفاقس، وعائلتي المرابط ولصرم من القيروان، وعائلة بالحاج من بنزرت، وعائلة نويرة من المنستير، وعائلة

صفر من المهدية... إلخ. وقد استقرت هذه العائلات في مدينة تونس وبنت لنفسها قصورًا فخمة تتمايز بها

اجتماعيًا، وتراهن بواسطتها على مكانة مرموقة لدى أعيان «البلدية» في مدينة تونس، وعلى الانصهار في شبكة

العلاقات التي تخصّ الطبقة الاجتماعية المتنفّذة. وهي حافظت في الوقت ذاته على مجال سيطرتها الأصلي الذي

هو موطنها ومجال نفوذها الأول والأخير؛ إذ استطاعت بفضل هذا النفوذ المحلي المراهنة على مكانة مرموقة

في صلب الطبقة الحاكمة ولدى الحكام البايات بالتحديد. وقد عقدت مع هؤلاء الحكام علاقات استزلام،

وشكّلت واسطة بين المركز والأعيان المحليين بالنواحي التابعة لمجال سيطرتها. ثم تربعت على رأس هرمية

سياسية واجتماعية محلية، أقامت في إطارها مع وجهاء المجموعات القروية والقبلية علاقات حلف واستزلام،

مثل العلاقات التي عقدها معها النفوذ المركزي. وبذلك أصبحت العناصر الفاعلة كلها، من القاعدة إلى القمة،

تتحرك في إطار علاقات تبعية متبادلة. وبتلك العلاقات تتم عملية بناء التركيبة الاجتماعية والسياسية التي تمثلها

البلاد التونسية، ويحظى فيها الأعيان عامة بالدور الرئيس.

57 Dakhlia, «Dans la mouvance du prince,” pp. 735-760, et El-Moudden, pp. 141-145.

هكذا ندرك كيف استطاع الأعيان الآتون من المدن الداخلية الانصهار (ولو نسبيًا) في صلب أعيان «البلدية»

في مدينة تونس، مشكّلين معًا «الخاصة»، صاحبة «الحل والعقد» في البلاد التونسية. وعملت نخبة الأعيان

(المندمجة) هذه على تكريس هيمنة مدينة تونس وتفوّقها على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والفكرية

والثقافية. وهكذا أيضًا نفهم سبب عدم إتمام البيعة إلا في مدينة تونس، حيث تتمركز «كتلة» الأعيان المنتمية

إلى جميع المناطق الخاضعة للسلطة المركزية والداعمة لها، منها آل بن عياد من جربة، وآل الجلّولي من صفاقس،

وعائلتا المرابط ولصرم من القيروان، وعائلة بالحاج من بنزرت، وعائلة نويرة من المنستير، وعائلة صفر من

المهدية... إلخ. وكما استقطبت مدينة تونس الأعيان أصحاب الجاه المالي والاقتصادي، فإنها استقطبت أيضًا العلماء والفقهاء

والشعراء الذين جاءوا من دواخل البلاد واستقروا في العاصمة. وقد يصحّ القول إنه لم يكن ثمة مجال لأحد في

تلك الفترة للبروز على الساحة السياسية والاقتصادية والثقافية في إطار البلاد التونسية إالّ بالتحوّل إلى مدينة

تونس والاستقرار فيها. بذلك يمكن القول إن البناء السياسي في الفترة الحديثة في البلاد التونسية يقوم بدرجة

أولى على نظام أعيان يستقطب مجموع أعيان المدن، ثم يستقطب بواسطتهم بقية الأعيان في الأرياف القريبة منها

والبعيدة ولكن بدرجات متفاوتة. وكانت «كتلة» الأعيان المدينية هذه تعي مصالحها تمام الوعي، وكانت تسخّر

كل جهدها لتدعيم المركزة السياسية واستقرارها وبسط نفوذها في مختلف المجالات. لم يحدث في المغرب أن انصهر الأعيان المحليون لتشكيل كتلة أعيان متنفذة، على غرار ما حصل بالبلاد التونسية،

بحيث إن غياب نخبة أعيان مندمجة يمكن أن تشكل مدرسة موحدة للشأن العام، وعلى الخصوص الشأن

السياسي منه، حال دون تأسيس مركزية سياسية ذات طابع أعياني في المغرب. إن تنوّع النخب المحلية في المغرب وغياب القواعد الموحدة للتراتبية الاجتماعية، منعا توحدها، وتجسّم ذلك

في تعدد مؤسسات «أهل الحل والعقد» وتفككها. أمّا بالنسبة إلى الأشراف، فإنهم فرضوا تفوّقهم محليًا بواسطة

« الكاريزما القدسية» التي يحظون بها، وكذلك بتأمين دور الحكم داخل المجموعات المحلية، بحيث لا نجد في

المغرب هرمية للوساطة في ممارسة النفوذ أو لجمع الولاءات

. أمّا العلاقة بين المركز والمجموعة المحلية - أيًا

يكن حجمها ووزنها الاجتماعي والسياسي – فهي علاقة مباشرة، وكل مساومة لتحديد طبيعة الاتفاق الذي

يجسد الاعتراف المتبادل بين الطرفين، تتم هي أيضًا بصورة مباشرة

، بحيث يكون السلطان في هذه الصورة

السلطة الوحيدة المباشرة للمجموعات، طبعًا بعد أن عقد مع كل واحدة منها بيعتها. من هنا نفهم سبب تمضية

السلطان كامل الوقت تقريبًا في التنقل داخل البلاد على رأس «الحركة»، ومعه حاشيته بكاملها، مع حرصه

على أن يكون ممثَلّا في النواحي كلها بنواب له من الأسرة الحاكمة، يوكل إليهم نفوذًا يعادل نفوذ السلطان ذاته،

ويحاطون ببلاطات تعيد أنموذج البلاط المركزي. وقد اعتبُر أن من شأن تنقّل السلطان بصورة متواصلة أن

يُضعف المركزة السياسية لصالح النفوذ المحلي. خلاصة القول، كما بنيّ المؤرخ المغربي عبد الله العروي، يصرف السلطان وقته بعد الحصول على البيعة من

8 5 حول هذه العائلات انظر: ابن أبي الضياف، إتحاف أهل الزمان (1963-1966)، ج 7 و 8. بالنسبة إلى الدراسات التي تناولت

Mohamed-El Aziz Ben Achour, Catégories de la société tunisoise dans la بطريقة أو أخرى تاريخ هذه العائلات نذكر: deuxième moitié du XIXème siècle: Les Elites musulmanes ([Tunis]: Ministère des affaires culturelles, 1989). 59 Laroui, p. 80.

06 المصدر نفسه، ص.80

مختلف الجهات على تجديد هذه البيعة وإعادة تجديدها بصورة متواصلة

. من هنا تبرز محورية مؤسسة

«الحركة» في المغرب لأنها تؤمّن تعهّد ولاء المجموعات القبلية، خاصة النائية منها، وفي فترات تسودها حالة

عدم الاستقرار

. و«الحركة» بهذه الصورة تتجاوز في أهميتها ومهمتها مؤسسة «المحلة» في البلاد التونسية. بفضل الإجماع الذي يتحقق بواسطة البيعة المتجددة بصورة متواصلة، تعمل النخب المحلية في المغرب على

تأكيد الانتماء إلى «الأمة» نفسها (بمعنى التركيبة الاجتماعية والسياسية المغربية)، وذلك بالرغم من انقسامها

وتفككها. وهي تطمح إلى تحقيق الوحدة والحفاظ على تواصلها

، وتسعى في الوقت ذاته إلى التحكم في كيفية

بنائها من خلال إنجاز négociation() علاقة معيّنة بالدولة على نحو مباشر. إن الطابع الخصوصي المميّز للنخب المحلية لا يخدم، مبدئيًا، مركزة النفوذ في المغرب. لكن عندما ندقق في

الأمر، نجد أن مركزية سلطة السلطان المعزَّز ب«البركة الشريفية» شكّلت الرمز الضامن لتواصل الإجماع في إطار

التركيبة الاجتماعية والسياسية المغربية. وقد شكّلت مؤسسة البيعة خلال الفترة المعنية بالدراسة الأداة الرئيسة التي أمّنت تمفصل المجتمع المغربي المجزأ

الذي كان يطمح في الوقت نفسه إلى الوحدة وإلى تأسيس دولة ذات دور فاعل un État instrumental().

نفهم إذن لماذا يعطي الفاعلون السياسيون في المغرب أهمية قصوى لمؤسسة البيعة وطقوسها، والحال أن البيعة في

البلاد التونسية أصبحت خلال الفترة نفسها تقريبًا أمرًا شكليًا، لأن الضامن الأساسي للإجماع والمؤمّن الحقيقي

لتفاعل التركيبة الاجتماعية والسياسية يتمثلّان في كتلة الأعيان ذات الطابع الهرمي الشبكي، إذ تمسك بجميع

أجزاء التركيبة وتؤسس في الوقت نفسه قاعدة اجتماعية متينة تؤمّن للنفوذ مركزيته واستقراره. في غياب كتلة أعيان واحدة وموحدة ذات تمثيلية واسعة، يعتمد سلطان المغرب على مؤسسة البيعة التي تشكّل

بالنسبة إليه الحقل السياسي الأمثل لتأمين التواصل وتمفصل المكوّنات الأساسية للتركيبة، بحسب قواعد

متجددة من مناسبة إلى أخرى.

خاتمة

لقد بيّنت هذه الدراسة كيف أن النفوذ المركزي في البلاد التونسية والمغرب الأقصى كان خلال الفترة السابقة على

الاستعمار يوظف طرقًا مختلفة لجمع الولاء عن طريق ممارسة البيعة. وكشفت بذلك عن وجود نمطين مختلفين لبناء الدولة في هذين البلدين. من الواضح أننا إزاء تركيبتين ذواتي مركزة سياسية عالية نسبيًا؛ ففي البلاد التونسية، تقوم هذه المركزة على نخب

أعيان مدينية مندمجة تتركز في مدينة تونس أساسًا. أمّا في المغرب، الأقصى فهي تُبنى على أساس اتفاق يحصل

بين مكوّنات التركيبة بشأن اختيار السلطان الذي يمثّل رمز الإجماع والضامن لتواصله. وهو أيضًا رمز الشرف،

ويحتل أعلى مرتبة في سلالة الأشراف في المغرب. وانطلاقًا من موقعه هذا، يؤمّن في المجتمع دور الحكم في أعلى

مراتبه. ويشكل بذلك الثقلَ المضاد للخصوصيات المحلية التي تجنح بطبعها إلى التفكك والانقسام.

61 المصدر نفسه، ص.81

62 Dakhlia, «Dans la mouvance du prince,” pp. 735-760, et El-Moudden, pp. 141-145.

63 قد نتحسس ذلك من خلال استعمال تصنيف «السيبة» لشذب كل من يحاول الخروج عن الإجماع، الذي من شأنه أن يهدد وحدة

التركيبة الاجتماعية والسياسية.

أمّا في البلاد التونسية، فقد استطاع النفوذ المركزي، بمساندة من كتلة الأعيان المندمجة، أن يُضعف الخصوصيات

المحلية، ويجفف بذلك تدريجيًا جميع منابع النفوذ الأخرى المضادة لنفوذ المركز، ويؤسس في الوقت ذاته لولاء

جماعي تبلور بصورة جلية خاصة في عهد حمودة باشا (814-1782 1)

. فضعف المحلي لصالح المركزي

وتفككت معه البنى الجماعوية، وخاصة منها البنية القبلية، فاستطاع النفوذ المركزي أن يخترق بمؤسساته الكتلة

القبلية، وأن يربط علاقة مباشرة مع الأفراد، متجاوزًا بذلك النفوذَ المحلي الذي دُجّن في تلك الأثناء. بذلك

استطاعت الدولة التحول تدريجيًا من دولة تمارس سيادتها على جمع من الجموع إلى دولة تمارس سيادتها على جمع

من الأفراد

. وعندها وصلت الدولة المجالية في البلاد التونسية إلى أعلى درجات تكوينها. خلافًا لما عرفته الديناميكية السياسية في البلاد التونسية، لم يعمل النفوذ المركزي في المغرب (على الأقل إلى حدود

القرن التاسع عشر) على إضعاف منابع النفوذ الأخرى؛ إذ لم يكن ميزان القوى لصالحه كما كانت الحال في البلاد

التونسية خلال الفترة نفسها. لذا عمل على التكيف مع هذه الوضعية، واكتفى باعتراف المجموعات المحلية

بسيادته عليها، وبتجديد ولاءها من خلال دفع الضرائب بصورة متواصلة. بل يمكن القول إنه عمل على تنمية

هذه الخصوصيات المحلية وإذكائها لأن من شأن ذلك أن يزيد في دعم دوره كضامن أساس للإجماع وتواصله

مع المغرب، وما تواصل ممارسة البيعة بطقوسها المعهودة إالّ تعبير عن ذلك. لهذا، يمكن أن نجازف بالقول إن الدولة في المغرب تُعرّف، خلال الفترة المعنية بالدراسة، لا بالولاء لمجال ترابي

ذي حدود واضحة ومعلّمة، وإنما بالولاء للسلطان، وتبعًا لذلك، تمارَس سيادة الدولة على جمع من الجموع؛

إذ لم تتحقق للدولة بعدُ إمكانية اختراق الكتل الجماعوية لتتمكّن من النفاذ إلى الأفراد داخلها وإقامة علاقات

مباشرة معهم. ونفهم السبب الذي جعل الباحثين المغاربة يعتمدون، في معرض نعت التركيبة المغربية قبل

الاستعمار، مصطلح «الدولة المخزنية»، متفادين استعمال مصطلح «الدولة المجالية»

. وتتبلور بأعلى درجة

من الوضوح الدولة الترابية، أي المجالية، بعد مجمل التغييرات التي حصلت خلال الفترة الاستعمارية، وخاصة

بعد الاستقلال. وأبرز علامة على ذلك هي سياسة رسم الحدود ومحاولة فرضها على الدول المجاورة.

64 ذلك خاصة عندما اندلعت الحرب سنة 8071 بين عساكر الحكم في تونس وعساكر الأتراك في الجزائر، فهبّت بهذه المناسبة

المجموعات المحلية كلها، حضرية و قبلية و ريفية، ممثّلة في أعيانها، لنصرة الباي حمودة باشا في صراعه ضد أتراك الجزائر، ومدّه بالمساعدة

المادية التي مكنته من تحقيق الانتصار في هذه الحرب.

65 انظر: الهامش رقم 43 من هذا المقال، حول مقالات عبد الحميد هنية المتعلقة بظاهرة التفريد بالبلاد التونسية، انظر أيضًا: هنية،

تونس العثمانية.

66 انظر على سبيل المثال: بورقية، الدولة والسلطة والمجتمع.

المراجع

-1 العربية كتب ابن أبي الضياف، أبو العباس أحمد بن عمر بن أحمد بن نصر. إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان. تحقيق لجنة من كتابة الدولة للشؤون الثقافية والأخبار. 8 ج. تونس: كتابة الدولة للثقافة والأخبار،.1966-1963.. تحقيق لجنة من كتابة الدولة للشؤون الثقافية والأخبار 8. ج. ط 2. تونس: الدار التونسية للنشر؛ الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع،.1976. وثائق تونسية: من رسائل ابن ابي الضياف، تتمة لاتحاف اهل الزمان. تحقيق محمد الصالح مزالي. تونس: الدار التونسية للنشر،.]1969[ابن دينار، أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم. المؤنس في أخبار أفريقية وتونس. تحقيق محمد شمام. ط.3 تونس: المكتبة العتيقة،.1967 ابن زيدان، عبد الرحمن. العز والصولة في معالم نظم الدولة. 2 ج. الرباط: المطبعة الملكية،.1961 ابن سليمان، فاطمة. الأرض والهوية: نشوء الدولة الترابية في تونس، 1881-1574. تونس: كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة تونس،.2009 ابن عظوم، القاسم بن محمد. كتاب الأجوبة. تحقيق وتقديم محمد الحبيب الهيلة. 11 ج. قرطاج: المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون «بيت الحكمة»،.2009 الأحمر، المولدي. الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا: الفرد والمجموعة والبناء الزعامي للظاهرة السياسية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 009.2 (سلسلة أطروحات الدكتوراه؛ 78) برنشفيك، روبار. تاريخ إفريقية في العهد الحفصي من القرن 13 إلى نهاية القرن 15 م. نقله إلى العربية حمادي الساحلي. 2 ج. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 988.1 (السلسلة الجامعية) بورقية، رحمة. الدولة والسلطة والمجتمع: دراسة في الثابت والمتحول في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب. بيروت: دار الطليعة،.1991 الصغير، محمد بن محمد. التكميل المشفي للغليل على كتاب العبر لابن خلدون. موس، مرسيل. بحث في الهبة: شكل التبادل وعلّته في المجتمعات القديمة. ترجمة المولدي الأحمر. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2011 الناصري، أبو العباس أحمد بن خالد. الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. تحقيق وتعليق جعفر الناصري ومحمد الناصري. 8 ج. الدار البيضاء: دار الكتاب،.1956-1954

هنية، عبد الحميد. تونس العثمانية: بناء الدولة والمجال من القرن السادس عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر.

تونس: تبر الزمان، 012.2 (الذاكرة التاريخية للبلاد التونسية). (مشرف). مسار مؤرخ وتجربة تأريخية: أعمال مهداة إلى محمد الهادي الشريف. تونس:

منشورات مخبر «دراسات مغاربية»؛ مركز النشر الجامعي، 008.2 (دراسات مغاربية)

-2 الأجنبية Books

Bachrouch, Taoufik. Les Elites tunisiennes du pouvoir et de la dévotion: Contribution à l’étude des groupes sociaux dominants, 1782-1881. Tunis: Publications de l’Université de Tunis, 1989. (Faculté des sciences humaines et sociales de Tunis. 4e série, Histoire; 33) Ben Achour, Mohamed-El Aziz. Catégories de la société tunisoise dans la deuxième moitié du XIXème siècle: Les Elites musulmanes. [Tunis]: Ministère des affaires culturelles, 1989. Bourqia, Rahma et Nicolas Hopkins (eds.). Le Maghreb: Approches des mécanismes d’articultation. Casablanca: Al Kalam, 1991. Centre de recherches et d’études sur les sociétés méditerranéennes. Islam, société et communauté: Anthropologies du Maghreb. [Rédigé] par Catherine Baroin [et al.]; sous la direction de Ernest Gellner. Paris: Éditions du Centre national de la recherche scientifique, 1981. (les cahiers du C.R.E.S.M.; 12) Cherif, Mohamed-Hedi et Abdelhamid Henia (dirs.). Individu et pouvoir dans les pays islamo-mediterraneens. Paris: Maisonneuve et Larose, [2009]. (Individu et société dans le monde méditerranéen musulman) Dakhlia, Jocelyne. Le Divan des rois: Le Politique et le religieux dans l’islam. Paris: Aubier, 1998. (collection historique) Geertz, Clifford. Observer l’Islam: Changement religieux au Maroc et en Indonésie. trad. de l’anglais par Jean-Baptiste Grasset. 2eme éd. Paris: Éd. la Découverte, 1992. (textes à l’appui. Série Islam et société) Groupe d’analyse des trajectoires du politique et Centre d’études et de recherches internationals. La Greffe de l’etat. sous la dir. de Jean-François Bayart. Paris: Éd. Karthala, 1996. (Hommes et societies) Henia, Abdelhamid [et al.] (dirs.). Itinéraire d’un historien et d’une historiographie: Mélanges de diraset offerts a Mohamed-Hédi Cherif. Tunis: Centre de publications universitaires, 2008.

Ibn Abi Dhiyaf, A. Ith’âf ‘ahl al-zamân bi-’akhbâri mulûki Tûnis wa cahd al-’amân: chapitre IV et V: règnes de Husaïn Bey et Mustafâ Bey. éd. A ndré R aymond. 2 vols. édition critique Tunis: Alif/ éditions de la Méditerranée- I rmc -I shmn ,

Lachelle, Enrico et Paolo Militello (eds.). L’Insediamento nella Sicilia d’età moderna e contemporanea: atti del convegno internazionale (Catania, 20 settembre 2007). Bari: Edipuglia, 2008. (Quaderni di Mediterranea; 5) Laroui, Abdallah. Les Origines sociales et culturelles du nationalisme marocain: 1830-1912. Paris: F. Maspero, 1977. (textes à l’appui) Le Monde rural maghrébin communautés et stratification sociale: Actes du IIIème congrès d’histoire et de la civilisation du Maghreb. 2 tomes. Alger: Office des publications universitaires, 1987. Pascual, Jean-Paul (dir.). Pauvreté et richesse dans le monde musulman méditerranéen. Paris: Maisonneuve et Larose; European science foundation, 2003. (Individu et société dans le monde méditerranéen musulman) Virtanen, Kirsi (ed.). Individual, Ideologies and Society: Tracing the Mosaic of Mediterranean History. Tampere, Finland: Tampere Peace Research Institute, 2001. (Tutkimuksia (Tampereen yliopisto); no. 89)

Periodicals

Afatach, Brahim. «Le Manuscrit de l’acte d’allégeance à My. Abd Al Hafidh proclamé Sultan à Marrakech le 6 Rajab 1325 H / 16 août 1907 J.C. , traduction, notes et commentaires.» Revue d’histoire Maghrébine: nos. 89-90, Mai 1998. Dakhlia, Jocelyne. «Dans la mouvance du prince: La Symbolique du pouvoir itinérant au Maghreb.» Annales. Economies, Sociétés, Civilisations: vol. 43, no. 3, 1988. El-Moudden, A. «Etat et société rurale à travers la h’arka au Maroc du XIX e siècle.» Maghreb Review: vol. 8, nos. 5-6, 1983. Garcia-Arenal, M. and E. Manzano Moreno. «Idrissisme et villes idrissides.» Studia Islamica: no. 82, Octobre 1995.

Thesis

Chapoutot-Remadi, Rachida. «Liens et relations au sein de l’élite mamlûk sous les premiers sultans bahrides 648/1250-741/1340.» (Thèse de doctorat d’État, l’université de Provence, Aix-Marseille, 1993).