Return to Article Details A Return to the Questions: Azmi Bishara’s New Intellectual Project

العودة إلى الأسئلة: عزمي بشارة في مشروعه الفكري الجديد

A Return to the Questions: Azmi Bishara’s New Intellectual Project

محمد جمال باروت

الملخّص

الكتاب : الدّين والعلمانية في سياق تاريخي -1-: الدّين والتديّن الكاتب : عزمي بشارة مكان النشر : بيروت تاريخ النشر : كانون الثاني/ يناير 2013 الناشر : المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عدد الصفحات: 496

Abstract

Book title: Religion and Secularism in Historical Context 1: Religion and Religiosity Author: Azmi Bishara Place of publication: Beirut Publisher: ACRPS Date of publication: January 2013 Number of pages: 496

الكلمات المفتاحية:
  • عزمي بشارة
  • العلمانية
  • الدين
  • التدين
Keywords:
  • Azmi Bishara
  • Secularism
  • Religion
  • Religiosity

الكتاب: الدّين والعلمانية في سياق تاريخي: -1 الدّين والتديّن الكاتب: عزمي بشارة مكان النشر: بيروت تاريخ النشر: كانون الثاني/ يناير 2013 الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عدد الصفحات: 496

يشكّل الدِّين والتديُّنالجزء الأولمن مشروع فكري جديد أشمل لعزمي بشارة. ونعني بالجديد على هذا المستوى المحدَّد جديد الطباعة لا جديد المشروع الكلي بالضرورة. ويحمل هذا المشروع في أجزائه الثلاثة عنوانًا أساسيًا هو «الدِّين والعلمانية في سياق تاريخي»، بينما سيتمحور الجزء الثانيحول العلمانية والعلمنة ونظرياتها والخلفية الفكرية والتاريخية لتطورها، في حين يتمحور الجزء الثالثحول تصنيف بعض النماذج العثمانية والعربية وتحليلها، ولاسيما النماذج التي تشكلت وتطورت خلال مرحلة التنظيمات العثمانية وما بعدها، حين نشأ نظام الدول على أنقاض الإمبراطورية العثمانية المنهارة. وبهذا المعنى، نحن إزاء مشروع فكري متكامل الفرضيات والقضايا والإشكاليات، يطرح نفسه في مرحلة التحولات الكبرى الجارية. ولهذا معناه ودلالته في العلاقة الضمنية بين الأفكار والتحولات الكبرى. ويمكن اعتبار هذا المشروع نوعًا من استئناف على مستويات أخرى للمشروع الأساس الذي بدأه بشارة في كتابيهالمجتمع المدني والمسألة العربية. يحضر الجزء الأول في هذا المشروع، الدِّين والتديُّن، كأنه يمثّل مقدمة نظرية تحليلية للمشروع (ص 9). فإذا لم يكن ممكنًا فهم العلمانية والعلمنة مع انطلاقة العصور الحديثة من دون فهم الدِّيني بطبيعته المركّبة وأبعاده المختلفة، التي يشكّل البُعد الاجتماعي المؤسسي أحد أهم أبعادها من دون أن يكون بعدها

الوحيد، فإنه لن يكون ممكنًا فهم استمرار الدِّيني على مختلف ظواهره، وحتى تخلّق اتجاهات ورؤى وتأويلات وتنظيمات جديدة فيه في عصرنا الراهن، من دون فهم العلمانية والعلمنة، بوصف العلمنة صيرورة تاريخية – اجتماعية -سياسية مركّبة تتحدى التنميطات النظرية أو المؤسسية المنجزة، وتسمح بالحديث عن علمانيات لا عن علمانية واحدة. ولهذا تمحور الجزء الأول من المشروع حول الدِّين والتديُّن، مع أنه يقدم إطلالات عابرة على ما يتعلق بقضايا الجزأين الثاني والثالث من صلة بقضايا الجزء الأول. لكن هل نحن بحاجة إلى مثل هذا الكتاب في إطار مشروع عن الدِّين والعلمانية في سياق تاريخي؟ لا تستقيم معرفيًا وأكاديميًا شرعية إنجاز كتاب جديد حول قضية مشبعة درسًا وحول جدل واسع وكبير وممتد في الإنتاج الفكري الغربي، وبدرجة نسبية محدودة في الفكر العربي، محوره قضايا الدِّين والتديُّن، إالّ من زاوية النظر النقدية لما تراكم في مجالها العلمي. وهذا المجال التراكمي منجز بمعنى التراكم لكنه مفتوح على قابلية الإنجاز المستمر بحكم أن قضاياه وإشكالياته وحدود معارفه ما زالت مفتوحة على قابلية النظر وإعادة النظر. ولعل زاوية النظر النقدي التي اختارها بشارة في تعامله مع هذا التراكم الذي سبقه، هي التي أتاحت له أن يعتبر الجزء الأول «مقدمة» للمشروع، لا بالمعنى التقليدي بل بالمعنى النقدي الذي يروم محاولة تأسيس رؤية واتجاهات فهم وتحليل ونظر. ولهذا لم يقتصر على فصل في الكتاب بل حوّل الجزء الأول برمّته إلى مقدمة، وكأنه يحاول أن يبني مشروعه على أصوله هو بعد أن قام بإعادة بنائها، وتملّكها في «قواعدها الكلية». وينطوي ذلك على درجة ما من الطموحات «الأصولية (على هذا المستوى بمعنى علم أصول الفقه)» أو «الأسسية» أو «الأبستمولوجية» (بالمعنى الدقيق لما هو علم أصول كما في علم أصول الفقه)؛ فالأصولي المطلق يستند إلى أصوله التي صاغها وينطلق منها، بينما يبقى «مجتهد المذهب» في نطاق الأسسي أو الأصولي. تتشكّل «المقدمة» أو الجزء الأول من المشروع من هذا التطلع إلى أسسية ما في مجالها من دون ادّعاء بناء نظرية فلسفية. لكن هذا الجزء لن يسمح بتبنيّ القدرة المنتجة للأفكار إالّ بعد صدور المشروع مكتمالً. ف«عدم إمكانية فهم التديُّن في عصرنا من دون فهم العلمانية والعلمنة» (ص. 054)، و«يوجد تديُّن من دون إيمان، لكن لا دين من دون تديُّن» (ص. 223)، و«الإيمان المعرفي هو غير الإيمان العرفاني»، و«تميز التجربة الدِّينية عن تجربة المقدَّس» 9 (ص. 1)، و«الدِّين ليس خرافات او أفكارًا مغلوطة شائعة، والإلحاد ليس نظرية علمية» (ص 245)، و«لاقابلية الإيمان المحض للدحض» (9-48 ص 4)، و«أن أصل عملية التمايز في الفكر والمجالات الاجتماعية هي عملية تمايز داخل الدِّين وبين الدِّين وغيره من الظواهر، وفي أن عملية التمايز من هذا المنظور تبدأ بفصل الله عن العالم، ثم التوسط بينهما، والفصل من جديد» (ص 054)، و«التمييز بين العلمانية والعلمنة» (ص 06..)4 إلخ، هي كلّها من نوع تلك المفاهيم الأسسية. وبعضها شائع في الفكر النقدي، ويمكن بكل تأكيد تحديد مراجعها، ودينامية علاقتها بمراجعها من زاوية ما تأخذه منها وما تعيد بناءه بطريقة المسطرة. لكن ما يعطيها طابع المحاولة الأسسية هو بناء ذلك كلّه في منظومة أسسية تقيم أدوات مفهومية نظرية تحليلية قابلة لإنتاج الأفكار والنظر. وفي هذه المنظومة تكمن جدية مشروع بشارة. والواقع أنه ما من مفكر أصيل إالّ وله محاولة أسسية ما. وهو ما يميز المفكر من الجامعي بالمعنى المدرسي التقليدي أو الضيق، كما يقربه من محاولة التفلسف، حيث يُعَدّ بناء الفلسفة ذروة الأسسية. ولقد كانت الأسسية من طموحات بشارة في مشروعه حتى إنه احتذى في كل فصل كتبه نمط كتابة الفلاسفة الحديثين «الأسسيين» من أمثال ديكارت وجون لوك وديفيد هيوم في صيغة «في أنه..» التي تضع الأسئلة والقضايا في إطار لغوي مكثف للغة الفلسفية العقلانية (ص. 19)

تقوم هذه «المقدِّمة»، في محاولتها الأسسية بناء أصولها أو أسسها متّبعةً نهج المدرسة النقدية والاتجاهات الجديدة في أنثروبولوجيا الدِّين وتاريخه واجتماعياته، على إعادة النظر في كثير من المفاهيم النظرية والفكرية السائدة بغية بناء أدوات نظرية تفسيرية وتحليلية تتسم بفعاليتها الإنتاجية، من حيث قابليتها لإعادة التفكير في الدِّيني خارج المنظورات العقائدية «التقليدية» التي تحجب الخوض في مسائله، وكذلك خارج المنظورات «العلموية» الساذجة واشتقاقاتها النظرية والفكرية والفلسفية، واستطرادًا السياسية والسلوكية، الموروثة عن ثقل الاتجاهات المادية و«الدهرية»، بلغة الأفغاني، في فلسفة التقدم في القرن التاسع عشر، تلك الفلسفة التي «انتقدت الدِّين وكأنها تنتقد مجموعة من الخرافات والأساطير من دون معالجة البنية الفكرية الإيمانية والظاهرة الاجتماعية» في المجتمعات البشرية، بما فيها المجتمعات التي قطعت شوطًا بعيدًا في عملية الحداثة والتعلمن. قد يكون صوغ قضايا المحاولة في تجاوز هذين المنظورين «التقليدي» و«العلموي» متأثرًا بحضورهما في الثقافة العربية أكثر ممّا هو عليه الأمر في الثقافة الغربية التي مضت بوظيفتها النقدية ولا تزال تمضي بها خارجهما نحو آفاق ومنظورات مختلفة وجديدة، وهو ما يشير منذ البداية إلى التموضع الاستراتيجي للمفكر في قضايا ثقافته ومجتمعه الداخل في عملية تحوّل اجتماعية كبرى جديدة قد تضاهي مرحلتي التحوّل الكبريين بعد انهيار الدولة العثمانية وصوالً إلى لحظات الاستقلال، وبناء الدول الوطنية، ثم مرحلة ما بعد انهيار الدولة الفتية المستقلة أو ما بعد الاستعمارية، وصوالً إلى تشرخ النظم الجديدة، وانفجارها، والدخول في مرحلة ما بعدها. وآية الربط بين مشروع بشارة ودخول المجتمعات العربية في ما نصطلح عليه بمرحلة التحوّل الاجتماعية الكبرى الثالثة، هي أنّ مؤشرات هذه المرحلة وتظاهراتها أعادت بقوة نظرية وسياسية جديدة حاضرة ومؤثرة طرحَ مسائل الدِّيني والمدني والعلماني والسياسي والتنظيم المؤسسي لنمط جديد من الدول، والعقود الاجتماعية، خارج ذينك المنظورين الموروثين من مرحلتي التحوّل الأولى والثانية، وما قبلهما المرحلة التمهيدية في عصر التنظيمات العثمانية. لكن بشارة يقطع في «المقدِّمة» أو الجزء الأول مع التاريخ اليومي السجالي الراهن في مرحلة التحوّل الجارية للعلاقة بين الدِّين والدولة والعلمنة، ويقاربها على المستوى العميق المؤسس لإنتاج الأفكار الذي يعمل فكريًا على مستوى التاريخ الطويل المدى للأفكار. ولذلك يبدو حضور بشارة السياسي في هذا الكتاب محدودًا جدًا لصالح حضوره الأساسي كمفكّر، وإن كان يمارس السياسة ضمن فعالية المفهوم الإنتلجنسوي الحديث للمثقف في أنه ليس «خبيرًا» و«لاجامعيًا» يحرس الأوضاع السائدة، بل هو مثقف نقدي ينخرط في عملية التغيير، فلا يعود، وفقًا لمجازات محمد أركون، طبيب القرية المنغلق في عيادته بل طبيبها المنغمس في جميع مشكلاتها. ولا يعني ذلك أن «المقدِّمة» منعزلة عن الهمّ الإنتلجنسوي الثاوي، وهو همّ «التغيير» من منطلق تحرير الأكثرية «المذلة المهانة» من النظم التسلطية العربية، بل هي مقدمة لما يفترض أن يظهر في الجزأين القادمين، لكن على مستوى فضاء «السياسة العميقة» لا «السياسة اليومية».

القضايا والإشكاليات الأساسية

يتألف هذا الجزء من المشروع من خمسة فصول تتّسم العلاقة في ما بينها بما يمكن وصفه، نسبيًا وتأويليًا نوعًا ما، باستخدام المصطلح البلاغي Enjambement() الذي يشير إلى علاقة الجريان الداخلية في النصّ العضوي، والتي تحيل إلى مقاربة نقدية تحليلية مركّبة تشكّل الفعاليةُ النقدية روحها المحركة. ويستمد استخدام هذا المفهوم شرعيته الخاصة في هذه المراجعة من كون المدخل الجمالي هو أحد المداخل الثاوية والبارزة في مقاربة بشارة الفكرية

للدِّين والتديُّن في هذا الكتاب. وتقوم خاصية الجريان هذه على أن الكتاب لا يمثل مجموعة «أبيات» (فصول هنا) مستقل بعضها عن بعض كما في القصيدة العمودية (وحدة البيت) بل وحدة «عضوية» تتسم بالتماسك والتداخل وجريان الأفكار المتصلة في ما بينها، وفي هذا الجريان فعالية فكرية تتسم بالضرورة بميزات الفعالية الإبداعية التي هي فعالية الفكر بمعناه الواسع. يقوم الفصل الأول كرؤوس قضايا على مقاربة مفاهيم المقدَّس والأسطورة والدِّين والأخلاق، عبر الغوص في جوانب أساسية للمشترك والمختلف في قضايا: التجربة الدِّينية وتجربة المقدَّس، والتمييزات المفهومية بين الأسطورة والمعنى بالحكاية، والسحر والدِّين، والدِّين والأخلاق، وبلورة التمييز بين الإيمان المعرفي والإيمان العرفاني. يتم الانتقال بعد ذلك وفق خاصية الجريان إلى قضايا التديُّن، وهذا هو محور الفصل الثاني، الذي تتألف مفرداته الأساسية من بحث مسائل الخوف والمقدَّس والمدنَّس، وخصوصية الإيمان الشعورية في سياقها، وقضية الإيمان في حد ذاتها، متطرّقًا إلى بعض النماذج الإسلامية والرؤى اليهودية، ليبلور زاوية نظره الجديد في مقاربة وجود تديُّن من دون إيمان، وهو أقرب إلى تديُّن «العادة»، مع أنه ليس هناك دين من دون تديُّن يمارسه. وليس التديُّن هنا هو الدِّين بل عمليته، أي كما يمارسه المتديِّن. عبر هذه النقطة-البؤرة الفكرية في المشروع ينتقل بشارة في الفصل الثالثإلى مبحث نقدي جوهري يتصل عمقيًا بفهمه للتديُّن، ويرتكز على نقد الدِّين في الفكر الغربي، متوقفًا عند مفاصل فيه، مثل مفاصل هيغل وكانْت وماركس وفيبر، منفتحًا على مناقشة القضايا المتصلة بذلك في الفكر العربي الكلاسيكي كما في نظرات الفارابي وابن رشد لينتج نظرته التي تقطع مع الميراث «العلموي» الساذج في تسفيه الدِّيني «علميًا»، باعتباره «خرافات وسخافات وترهات غير علمية ولامنطقية»، وذلك عبر بؤرة نظره في أن الدِّين «ليس خرافات أو أفكارًا مغلوطة شائعة»، وأن «الإلحاد ليس نظرية علمية» بل قد يغدو نوعًا ممّا يصفه مؤرخو الأديان ب«الأديان البديلة»، مميزًا بين النقد العلمي للدِّين والنقد الإلحادي، وهو تمييز رافق نشوء الفكر في تاريخ الفلسفة. ويضع بشارة في هذا الفصل، وعبر مناقشته فيبر استنادًا إلى نصوصه الأصلية لا بواسطة نصوص أخرى تدرسه، أساس نقد التناقض المزعوم بين الدِّين والحداثة الذي يبدو أنه سيناقَش بالتفصيل في الجزء الثاني من المشروع. يصل بشارة في الفصل الرابعإلى ما يدعوه «تعريفات» يحمل الفصل عنوانها. فهو لم يبدأ الكتاب بها بل حاول أن يطوّر فهمها في ضوء دينامية اشتقاق المفاهيم من الظواهر نفسها، بشكل تكون فيه نتاج عملية فكرية أو تفكّرية متكونة لا مكوَّنة أو ناجزة، فتنتج هذه الدِّينامية نظرها الجديد لما هو منجز، مضفيةً عليه تناوالً جديدًا يجعلها منتجة نظريًا في سياق النص، أي تقارب بمعرفة متكونة ما هو مكوّن، وهو نفسه ما يقصده بشارة في أنه عني ب«تتبّع لفظ الدِّين في داخل متون التراث العربي-الإسلامي، لا بحثًا عن تعريفات بل عن الدلالات المرتبطة باللفظ ذاته أصالً، خاصة حين يأتي في سياقات بنائية تفكك دلالاتها وتشكلاتها، أو في سياقات تعريفية اصطلاحية أو مفهومية» (ص 05.)3 ولذلك يأخذ من نصوص هذه التعريفات ما يتعلق بزاوية نظره وتحليله واستراتيجية مقاربته، أو يحاول تكثيفها بلغة أوضح في ضوء تلك الاستراتيجية وتموضعه فيها. وهي تقوم منهجيًا على أساس نقدي قوي يتمثّل في عدم إمكان تعريف الدِّين باختزاله إلى عناصر من خارجه (ص 834)، مع أنه ظاهرة اجتماعية مؤسسية في حياة المجتمعات والأفراد. ويستند في ذلك إلى مرسيا إلياد في أن الدِّين حين يصبح ظاهرة قائمة بذاتها تستحق التعريف، أو يمكن تعريفها، يصبح ما هو ديني فيها هو الموضوع. وهذا هو المعنى الجوهري لتعريف الدِّين من داخله وليس «اختزال جوهر الظاهرة الدِّينية إلى عوامل أخرى» (ص 351).

في الفصل الخامس يموضع بشارة استراتيجيته في الانتقال من مبحث الدِّين والتديُّن إلى مبحث العلمانية. وفي إطار جريان الإشكاليات والقضايا في «المقدِّمة»، يهيئ هذا الفصل الختامي للتعرّف إلى ملامح الجزأين الثاني والثالث من المشروع. وتتسم هذه التهيئة بالجودة من ناحية وضع المقدِّمات الأساسية للتمييز بين العلمانية والعلمنة، بين العلمانية كمعتقد من نوع الدِّين البديل والعلمنة كسياق تاريخي، بين العلمانية كنموذج نظري في العلوم الاجتماعية والسياسية وفي تاريخ الفكر والجدل حول نموذجيتها المعيارية أو نموذجيتها الوصفية التحليلية. وذلك قبل أن يتوقف هذا الفصل عند الحادثة الخطِرة في مجرى تطور العالم الإسلامي، وهي فصل مصطفى كمال بين السلطنة والخلافة، وهو ما مهد لإلغاء الخلافة وإعلان الجمهورية وأثار استقطابات العشرينيات الحادة وأثّر في ما بعده.

مقاربة فكرية عابرة للاختصاصات

تتحدّد خاصية المقاربة الفكرية للديني في هذا الجزء من المشروع -وهي مقاربة تتطلع إلى محاولة الأصولية أو الأسسية كما يمكن أن تفهم بمصطلحات العلوم الاجتماعية- في إطار منظور أشمل للدِّين والعلمانية في سياق تاريخي واجتماعي، بما يجعل من مقارِبها مفكّرًا نقديًا تحليليًا لا يتعامل مع المفاهيم التي تم إنتاجها حول الدِّين والتديُّن كمفاهيم نهائية بل كمفاهيم قابلة للمساءلة والتفكيك وإعادة النظر فيها، بل ونقدها جذريًا، وصوالً إلى تحديّها ومحاولة تجاوزها إلى بناء أدوات مفهومية نظرية جديدة منتجة لأفكار ومقاربات جديدة حول الدِّيني في حد ذاته، والدِّيني والاجتماعي والسياسي في سياقاته التاريخية. ينطلق بشارة في جهازه المفهومي الذي يحكم إنتاج فكره في مستوى أول من التمييز بين المقدَّس والعادي، الدِّين والتديُّن، الدِّين والدنيا، الدِّين واللاهوت، العقيدة والسيرورة، العلمانية كمعتقد والعلمانية كصيرورة، الدِّين والدِّين البديل، الأخلاقي والدِّيني، الفلسفة والأسطورة، الحقيقة والمجاز، اللغة واللغة الشعرية، النثري والشعري، الفردي والاجتماعي،.. لكنه يخرج من هذه الثنائيات التي لا نستطيع في الواقع إالّ أن نفكر فيها بمستوى أول إلى خرقها، ولمس الفرق الكامن بمعناه الهيغلي في الظاهرة الواحدة نفسها، التي تشكل محرك تطورها. فالفرق هو في الظاهرة نفسها لا بين ظاهرتين. وينطوي بالضرورة على اكتشاف ما دُعي لاحقًا بالطف) Nuance (الذي يكشف الفروق المرهفة والدقيقة في مستويات الظاهرة الواحدة نفسها، فلا يتعامل معها ككتلة صلبة ساكنة بل ككتلة موّارة بالحركية والفروق الداخلية بالمعنى الهيغلي. وهذا المستوى الثاني المتمثّل في خرق الثنائيات، عبر مقاربة مفهوم الفرق الهيغلي، يفرسّ تعقيد لغة بشارة النظرية في مقاربة الفروق أو الطفّ، كما يشكّل واحدةً من أبرز الآليات المنتجة للأفكار النقدية في محاولة بشارة على مستوى فهم تعقُّد الظاهرة الواحدة، ولمس دينامياتها الذاتية، وكشف مفهومها لنفسها، إذ يثير هذا الخرق للثنائيات فهم الإحلالات الداخلية التي تتم على مستويات متعددة في تجربة واحدة، كتجربة الشعور بالمقدَّس. ما كنه العلاقة بين الدِّين والتديُّن؟ يطرق بشارة هذه الإشكالية عبر التساؤل: هل التديُّن مظهر من مظاهر الدِّين، أو من مظاهر علاقة الأصل (الدِّين) بالفرع (التديُّن)، أم أنه ينشئ نوعًا من دين اجتماعي ممارس مستقل ذاتيًا في ديناميات تطوره؟ إذا كان التديُّن هو بالمعنى الأول، فهذه دينامية تشمل نظرية الدِّين العامة، أي ليس هناك دين من دون تديُّن وإيمان (ص 13)، أمّا إذا كان التديُّن بالمعنى الثاني فإنه يقبل التحول إلى «ظاهرة قائمة بذاتها» (ص 01)، وهذا ما تميل بؤرة الرؤية في الكتاب إلى القول به. لكن هل نكون حينئذ إزاء أصل جديد ينخلع عن الأصل ويتطور في حدّ ذاته؟ وماذا نُطلق على منظومة المدركات والعادات

والتجارب والطقوس التي يفرزها استقرار الدِّين في نماذج؟ هل تقبل وصفها بنوع من أديان جديدة تعيد إنتاج الدِّين؟ إن هناك مفهوم الفرق الذي يمثّل أحد مفاهيم بشارة في توجيه النظر وإنتاج الأفكار، وهو يشرح تمامًا تطوير النظر البسيط للدِّين والتديُّن من المستوى البسيط إلى المستوى المعقد. والحال، إنَّ ما يحدد منهجية الكتاب، في هذه اللحظة من المراجعة، هو على وجه الضبط عبوره للتخصصات وتركيبها في مقاربة متسقة. ولا يعني هذا المنهج تجميع المعارف العامة حول القضية والتوفيق بينها، بل يعني منهجية نوعية جديدة أخذت تولد في البداية من أزمة الاختصاص الضيق في العلوم الاجتماعية، وربما كانت مدرسة الحولياتأبرز من عربّ عنها، ثم تبنّتها بصورة أوضح مناهج عدة، في مقدّمتها علوم الاستشراف والمستقبل التي تحتاج إلى جميع المقاربات الكلية والجزئية لتركيب رؤيتها، بينما يكمن المحرك الأعمق في تقديرنا لولادة هذه المنهجية في تخطّي عقم الفلسفة التاريخانية، بكل ميراثها وخلفياتها المؤسسة والمؤثرة في تكوينها، واكتشاف محدوديتها، وتحدّي السيميولوجيا لها معرفيًا ومنهجيًا وحتى أخلاقيًا من زاوية مركزية تحرير الإنسان، وكذلك التبصر بآثارها السلوكية التدميرية لحياة البشر حين جرى استخدامها بشكل أداتي. وعلى كل حال، فإنَّه يتمثّل هنا أحد أبرز عوامل ولادة المدرسة النقدية في الفكر الحديث. تتأسس المنهجية العابرة للاختصاصات في مقاربة بشارة تعقيدات العلاقة بين الدِّين والتديُّن، ومن ثمّ العلمنة والعلمانية، على منطلقها في التحوّل من التفسير البسيط للظاهرة الدِّينية إلى التفسير المعقَّد. وفي هذا السياق يحيل جهاز المفاهيم السابق إلى مقاربات أنثروبولوجية وفكرية وتاريخية وسيموتيقية وفلسفية ولاهوتية وسوسيولوجية ولغوية وسردية (Narratologie) مركّبة. وتُضاف إليها المقاربة الجمالية (بمعنى نظريات علم الجمال، ولاسيما منها المثُل الجمالية مثل السامي والجليل.. إلخ) والمجازية.. إلخ. وعلى سبيل المثال، يقارب بشارة الدِّين أنثروبولوجيًا، بمعنى الدِّين كما يمارسه الإنسان لا «العقيدة الدِّينية» الممأسسة كما تحيل إليها النصوص. وهذه العملية هي ما يفسرها ويحللها مفهوم «التديُّن» بصفته ظاهرة اجتماعية ومعرفية معقَّدة، تمتلك ديناميات تطورها وقوى دفعها الذاتي في حياة الإنسان. وما يسمّيه بشارة إمكانية وجود «تديُّن من دون إيمان» (ص 13) ليس سوى «الدِّين كعادة». وهو يشرح نمط التديُّن العادي السائد في المجتمعات العربية على الأقل، بقدر ما يسمح بالتمييز بينه وبين التديُّن الأصولي الذي خرق «دين العادة»، أو بالأحرى الدِّين الاجتماعي كما يمارسه المؤمنون والناس، كما يفتح الأفق على تلبّس الخصوصيات غطاء العلمانية الحديثة، إنما لتحقيق وظائف سياسية أو اجتماعية خاصة بالجماعة. ومن المتوقَّع في الجزأين الآخرين، وفي سياق اهتمام مشروع بشارة بأثر الأفكار في الوقائع وأثر الوقائع في صوغ الأفكار أو طرحها، أن يطرح الجذور «الأركيولوجية» للقوميات الخصوصية والجهوية الحديثة في سورية ولبنان ومصر بشكل خاص، وهي في الظاهر علمانية بينما هي في الجوهر طائفية جهوية. يقارب بشارة نظرية السرديات في بحثه عن الأسطورة والمعنى في الحكاية. وهي نظرية ولدت من تحولّات علم اللغة في قلب العلاقة بينه وبين علم العلامات؛ من اعتبار علم اللغة جزءًا من علم العلامات إلى اعتبار علم العلامات، مع رولان بارت، جزءًا من علم اللغة. ولقد غدت السرديات علامً لا للنص الأدبي بل لجميع الظواهر، من منطلق أنها تشكّل نصوصًا، «فكل شيء نص» و«كتابة»، وأضيف إليه ما يمكننا وصفه بأن «كلّ شيء سردية»، وهو ما يستدعي التأويل وإعادة الإنتاج والتفسير.. إلخ. وبهذا الشكل يتحدث الفكر الحديث عن السرديات الكبرى في تاريخ الفكر، وأكبرها السردية التاريخانية التي حكمت علم الاجتماع لفترة طويلة، من ناحية ادعاء اكتشاف القوانين الثاوية في الاجتماع وتحديد

غايتها، كما حكمت مفاهيم الجماعات الكبرى عن نفسها، وفي مقدّمتها على هذا الصعيد سرديات القوميات والأمم. وتنطوي السرديات، كما يشير اسمها، على عنصر المتخيل بالضرورة. ولا شك أن للسرديات حدودها لكنها تتركز جوهريًا حول خاصة السرد وما يتصل بها من تكوين «المتخيّل» الذي يتحول في المدركات إلى حقيقة، ثم يفككها الفكر النقدي، وينزع عنها السحر والسذاجة. تحضر مقاربات النظر والتحليل في عمل بشارة بشكل فعال ومنتج، حتى إن المقاربة الجمالية تحضر بشكل مدهش عبر الربط بين نظريتي الرمز الدِّيناميكي أو التكويني (Symbole dynamique) في نظرية الشعر الرمزية الحديثة في القرن التاسع عشر والمماثَلة (Analogie) بمصطلحات أهل الفلسفة؛ فكما تفضي الصورة الشعرية الدِّيناميكية (الرمزية) إلى إنشاء علاقات جديدة تفضي المماثلة إلى المطلق. وقد يكون بشارة ثاني من قاربوا العلاقة بين الصورة الدِّيناميكية الرمزية والمماثلة بعد ملامسة ماجد فخري لها في ستينيات القرن العشرين. غير أنه لا يقاربها هنا بوصفها صورة شعرية مطلقة كما في محاولة فخري الرائدة، بل يعينها في صورة الفهم المعرفي للرمز الشعري الدِّيناميكي الذي يحل مشكلة «الفعل» الشعري وفق الدِّينامية الخلقية الكونية، في أنه في «البداية كانت الكلمة» وهي الفعل (Verbe)؛ فالكلمة-الفعل الرمزي الشعري هو هنا فعل خالق لعالم جديد وليس تعبيرًا عن عالم قائم. ووظيفته تكوينية خلقية لا مجرد تعبيرية. الصورة الشعرية هنا ليست مجرد صورة تعبيرية بل صورة معرفية. وفي ضوء مباحث بشارة، فإن مدخله المنهجي والنظري يسمح باكتشاف الصلات بين الرموز الدِّيناميكية وتجربة الدِّين عمومًا وتجربة الشعور بالمقدَّس خصوصًا، باعتبارها أشمل من تجربة الدِّيني في العلاقة مع المطلق. والحقيقة أن تجربة معرفة العالم واكتشافه والبحث عن المطلق في نظريات الشعريات وممارساتها هذه تلتقي جوهريًا مع تجربة الشعور بالمقدَّس، بل هي أحد تجلياته المطورة من زاوية الشعر إلى زاوية التمثّل الذاتي؛ فعطفًا على مدخل المثُل الجمالية الذي يستخدمه بشارة بطريقة قلمّا استُخدمت كأداة وكمفهوم نظري في الفكر العربي الحديث الفاعل غير المدرسي الضيق، فإن المثُل الجمالية الكبرى لتجربة الشعور بالمقدَّس أو الشعور بالمقدَّس بحسب لغة بشارة هي نفسها ما يحضر بشكل مكثف وبؤري في الرموز الدِّيناميكية، فهي ليست على مستوى التنميط النظري (ونحن لا نستطيع أن نفكر خارج النماذج لكن في إمكاننا تفكيك هذه النماذج دومًا وتجاوزها) سوى المثُل الجمالية الكبرى للجميل والجليل والمهيب، أي تظاهرات اللامرئي أو المطلق. وفي هذا السياق قد يبدو نص بشارة مبتورًا مع أنه قائم بحد ذاته كما قُدِّم ولا يحتاج إلى تطبيقيات للوهلة الأولى. واستكمال الغوص في هذه الإشكالية سيفتح المحاولة، إذا ما تم تخطّي «بترها» الظاهر، على تجارب الشعور بالمقدَّس البديلة من الشعور الدِّيني التقليدي بالمقدَّس. وفي هذا السياق ما لم يقله بشارة. ويبدو أنه لم يستطع قول كل ما لديه من أن هذا التمييز كان أحد محركات ولادة الحركة الشعرية العربية الحديثة من زاوية أنها «رؤيوية» تُعنى بتجربة المقدَّس بحسب رؤيا الشاعر الفريدة والمباشرة التي تقترب من الإيمان العرفاني، وترى في الشعري طريقة معرفة ووسيلة رؤيا للمطلق، وهو ما قد يجد تبريره في أن بشارة رأى وضع «مقدِّمة» للأساسات وليس الغوص في تاريخها كله. وقد يستدعي في طبعة مزيدة أخرى جلاء هذا الجانب المرتبط حيويًا بقضاياه وأسئلته، إذ كانت تجربة الرؤيوي، وهي الاسم الشعري الكلي أو الأعلى لتجربة الشعور بالمقدَّس وتمثّله ومحاولة إعادة خلقه من جديد، في صلب الرؤى الإبداعية الفكرية الجمالية والرؤيوية الكبرى في الإبداع الحديث، والتي استعادت في هذا السياق إعادة تأويل الرموز الأسطورية. وعلينا أن نستذكر هنا تدقيق بشارة في الأسطورة كسرد بالمعنى، على أن نعطي المعنى مفهومه الذي يتجاوز مفهوم المعنى

التقليدي الأيقوني التقليدي إلى معنى المعنى، وبشارة نفسه يشير بوضوح إلى هذا المستوى في الانتقال من المعنى إلى معنى المعنى. وهذه ليست غنوصيات، كما يمكن أن يستنتج الفكر «السطحي» الذي يعرف الحواشي والعناوين و«المسلمّات» وليس المتون، بل هي في قلب المفاهيم الأساسية المحرِّكة لاتجاهات علم اللغة والدلالة والنص والتأويل الحديثة في فهم النصوص كافة. إننا نلح في هذه المراجعة على تجاوز وضعية رؤية قطاعات الفكر والإبداع والثقافة على طريقة رقعة «جلد النمر» كقطع بارزة متفرقة. والفكرة هنا هي رؤية النسيج الذي تنتشر عليه قِطع النمر هذه. ومقاربة بشارة تقدم أدوات نظرية ومنهجية فعالة ومنتجة لرؤية هذا النسيج اللاحم بين القطع، وإن كانت كمقدمة معنية ب«الأسس». وكان بعض عرب الإيمان العرفاني يستخدم بالمناسبة تعبير «الأسوس» للتعبير عن الأسس هذه بالمعنى المعرفي أو الأصولي. وفي حال إكمال النص بما يتجاوز «بتره» الظاهر، سيتمكن الكتاب، بفكره النقدي والمنتج والحيوي الذي لايستسلم إلى أي بدهية أو نمذجة جاهزة أو قارة من دون مسها بالمراجعة أو بمحاولة النقد، من الربط بين مقارباته التي تتوخى إحداث تغيير جوهري في أدوات التفسير والنظر والتحليل بل وفي أدوات الرؤية في الفكر العربي الحديث تجاه مفاهيم التديُّن والدِّين والعلمانية والحداثة وعلمانية الدولة وبين منجزها أو ما تحقق من محاولات منها في تاريخ هذا الفكر نفسه، أو آدابه التي تشمل جزءًا من الفهم الفرنسي لمعنى الفكر. في نقده للتعريفات الوظيفية للدِّين، يسير بشارة مع هذه التعريفات لكي يرى حدودها التفسيرية، وبالتالي حدودها النظرية، في ضوء منظوره النقدي للدِّين وظواهر التديُّن في المجتمعات. فما دام الدِّين مقيامً ما أقامت المجتمعات، فهذا يعني أن لا وظيفة محدَّدة له يمكن تعيينها بشكل نهائي، بل هو مكون من مكونات الإنسانية. ويبدو بشارة هنا أقرب إلى رؤية رينيه جيرار في أنه لهذا السبب لم ينجح علم تاريخ الأديان وسوسيولوجيا الأديان في الاتفاق على هدف أو وظيفة أصلية للدِّين. ويتمثّل هنا جوهر الملاحظات حول التعريفات الوظيفية، ليصل إلى أنه «حتى لو اتفق على وظيفة للدِّين في سياق اجتماعي حضاري محدَّد، فإن الوظيفية متغيرة إلى درجة لا يمكننا معها اعتبارها تعريفًا عامًا للدِّين باعتباره ظاهرة، إلا بالقول لا بد من أن للدِّين وظيفة، من دون تحديدها» (ص. 387) نصل هنا إلى ما يربط بين فكرتي «رقعة النمر» ونقد التعريفات الوظيفية، إذ يشير بشارة برهافة إلى أن تطور المهارات والأدوات المعرفية والمعارف والعلوم الاجتماعية وتقدّمها يؤديان إلى انحسار وظائف الدِّين في المعرفة، وبالتالي إمكانية علمنة تلك القطاعات الوظيفية، بمعنى الاستغناء عن الآلية الدِّينية التقليدية في معرفتها، والإجابة عن أسئلتها. وهذا مدخل منهجي ونظري أسسي مهم يتسم بقدر فائق من النقدية، ولا يتسق ذلك إالّ مع قول بشارة في أنَّ «إنسان المجتمع الجماهيري يبحث عن معنى فردي وعن معنى جماعي في ممارسات أخرى غير الدِّين». ويتابع ذلك بقوله: «ولا شك في أن مجالات غير دينية روحية وفكرية وسياسية وفنية أخلاقية وجمالية قد تطورت في العصور الحديثة، وقد تساهم هذه في منح الإجابة للإنسان عند البحث عن المعنى. هنا يواجه التديُّن خيار الانسحاب منها إلى حصونه الأخرى» (ص. 94)3 وهذا مدخل نقدي فعال على مستوى مفهوم «المقدِّمة» الأسسية. لكننا لكي نمنح المداخل الفكرية حسها التفاعلي وكذلك فعاليتها بقضاياها، فإن بشارة يعني هنا ما يعرفه المعنيون بعلم الجمال والشعريات والرؤى المعرفية غير العقلانوية للعالم، وهي محاولة البحث في الشعر عن بديل من الدِّين التقليدي المؤسسي، الذي أقنم الأساطير التي يتكئ عليها أو حتى إنه يقوم عليها. ولقد كانت هذه المحاولة هي جوهر محاولة الشاعر الكبير المؤسس

ت. س. إليوت في الأرض الخرابوالرجال الجوف، فهذا الشاعر المؤمن الذي شعر بقضم تطور المعارف للدِّين التقليدي حاول أن يبحث في الشعر عن بديل منه. وليس الشعر هنا شيئًا آخر مختلفًا عامّ يستخدمه بشارة تحت اسم الإيمان العرفاني، لكنه يتم في سياقات ووظائف جديدة. هنا في محاولة البحث في الشعري وعلاقته مع الأسطورة وتقليدها الدِّيني المؤسسي، أو كما يستعيدها الشاعر باللغة المعرفية للعالم التي تقطع مع تقليد القراءة المؤسسية، تتبدى تلك المحاولة في البحث عن الشعر، أو ما يسمّيه بشارة «مجالات فنية أخلاقية وجمالية قد تطورت في العصور الحديثة». وفي فورة حداثة الإبداع الفكري والفني العربي في خمسينيات القرن العشرين وستينياته -قبل أن تسود اليساريات المسَفْيتة [من السوفيات] واليساريات الجديدة في وعي المثقفين العرب منتجي الأفكار والإبداعات- جرت محاولة كبرى للبحث في الشعر والفن والإبداع عن طرق غير دينية في معرفة المطلق أو الله، وطُرحت بتأثير من إليوت ربما كبديل من المعرفة الدِّينية المؤسسية. لن نستفيض في هذا الجانب، فله مبحثه المستقل، بل نشير إلى القسم الباقي من مقدمة بشارة الأسسية بجعلها أكثر تفاعلية مع تطور الفكر العربي وحيويته الفائقة في تلك الفترة، وقد يكون لذلك محل في الأجزاء الأخرى من المشروع.

بين المقدَّس و«تدبير المقدَّس»

ينطلق بشارة من أنّ الشعور بالمقدَّس عنصر تكويني في الدِّين لكنه لا يقبل اختزال الدِّين به، ذلك أن الدِّين ظاهرة اجتماعية مؤسسية كما في العرف الدوركهايمي، أو سلوكية تتأثر فيها الدوافع السلوكية بنوع العقيدة الدِّينية، ويتمثّل جوهر العلاقة بينها وبين تجربة المقدَّس في أنها تمؤسسها وتنظمها بما يمكن أن يعريّ عنه بلغة روجيه كايوا ب«تدبير المقدَّس» الذي يشتمل على عناصر المأسسة والتنظيم والإدارة. يمسك الكتاب بتعقيد ظاهرة العلاقة بين المقدَّس وما يطلق عليه اسم «غريزة اجتماعية» ناتجة من حاجة الإنسان الضرروية للاجتماع، والمحافظة عليه (ص-2021)، ويشير إلى ما يمكن أن يميز على المستوى المفهومي تجربة الشعور بالمقدَّس عن تدبيره المؤسسي الاجتماعي في دين، في أن الشعور بالمقدَّس «سمة من سمات الوعي البشري»، لكنه يمضي بتحديد أوضح لها ك«ملَكة فردية تتقاطع فيها المجالات الدِّينية والجمالية والأخلاقية»، بل ويشير إلى جوهر تجربة المقدَّس في حدس المطلق واللانهائي (ص. 21) في الجهاز المفهومي الداخلي للنص، هناك إمساك ضمني مرهف بهذا الفرق بمعنى التمييز بين الظاهرتين، وبالمعنى الهيغلي، أي الفرق الثاوي أو الكامن في الظاهرة ويحرك تطورها. ويشكّل هذا الإمساك الضمني العامل في جهاز المفاهيم الذي ينتج بواسطته بشارة أفكاره، مع أنه يثوي في المقاربة والتحليل وإنتاج الأفكار أكثر ممّا يحضر على المستوى المفهومي النظري المحدَّد، مفتاح فهم الفرق الذي يسمح بفهم تجربة الاتصال والانفصال بين المقدَّس (تجربة الشعور المقدَّس) الذي يحيل إلى «ملَكة فردية» منفلتة من التنظيم المؤسسي، وتقوم على الانفعال والاستثارة وإحلال الانفعالات والاستثارات، وبين الدِّين المنظِّم له الذي يحيل إلى ظاهرة مؤسسية اجتماعية. وهذا الفرق هو الاستراتيجي في التمييز من حيث، كما يقول الكتاب نفسه، «إن المهم بالنسبة إلى البحث الاجتماعي ليس المشترك فحسب، بل الفرق، فعلى الفرق يتوقف التطور من مرحلة إلى أخرى» (ص. 22). وإذا كان بمقدورنا فهم الفرق بمعنييه التمييزي والكموني بأنه بمكانة المحور التركيبي لجملة العلاقة بين المقدَّس والدِّين، فإن ذلك سيشكل أداة نظرية لفهم التغيرات الكبيرة في أنماط التديُّن داخل الدِّين الواحد نفسه، وأبرزها ممّا هو معروف الفرق بين تديُّن الأخويات العرفانية اليهودية أو المسيحية أو الإسلامية وبين التدابير المؤسسية

اليهودية والمسيحية والإسلامية لهذا المقدَّس، كما لديناميات الصراع في ما بينها. لكن يمكن القول إن الشعور بالمقدَّس نفسه قد يتحوّل في هذا الصراع من النطاق الفردي إلى نطاق منظَّم هرطوقي بالنسبة إلى المؤسسة الدِّينية الرسمية، ويتحول ما هو فردي يصدر عن تجرية الانفعال الفردية إلى مؤسسي. لكن بينما ينظم الدِّين المقدَّس في مؤسسات يمكن فيها أن تتحول فيها العبادة إلى عادة، أي إلى نمط اجتماعي يعيد الفرد الاجتماعي إنتاجه بشكل منوالي كعضو في الجماعة، فإن التجارب المؤسسية للمقدَّس تتيح التواصل الفردي الشخصي مع المطلق الخارج عن ضوابط التنظيم الفقهية والطقسية بوصفه فردًا شخصًا تقوم تجربته للمقدَّس على إنتاج معرفة رؤيوية مباشرة بالعالم بالمفهوم البرغسوني. وفي حين يكبح تدبير المقدَّس الفرق الكامن فإنَّ التجربة الفردية الشخصية للمقدس تطلقه ما فوق ذلك التدبير، في ما يصفه بشارة في بعض مستويات فهمه للتدين بتحويل مفهوم مرسيا إلياد القائل إنَّ ل«التديُّن بنية الشعور القصوى» إلى «الشعور الدِّيني حالة الشعور القصوى» (ص 7.)2 وهذا الشعور هو أساس ما يطلق عليه بشارة «الإيمان المحض» الذي لا تستطيع الفلسفة العقلانية أن تدحضه. ويمكن فهم «التجربة الدِّينية» في إطار هذا «الإيمان المحض»، فهي تلبية للحاجة القبلية إلى البحث عن المطلق، وهي «كيانية» يكون فيها التواصل مع الكون كليًا، وهي «التجربة الإنسانية الأكثر كثافةً»، وتجربة سلوكية «تدفع للفعل» ص.)49-48(

الإيمان المعرفي والإيمان العرفاني

لكن هل «الإيمان المحض»، من زاوية عدم القدرة على إثباته أو دحضه، هو نفسه «الإيمان المعرفي» الذي يتم التوقف عنده في الفصل الثاني؟ أم هو أقرب إلى الإيمان الدِّيني «العرفاني» الذي يقابل به بشارة الإيمان المعرفي؟ (89 ص.)1 في إطار فهمنا، يبدو أن «الإيمان العرفاني» هو الأقرب إلى نمط «الإيمان المحض»، ويشترك بالتالي مع ما يطرحه بشارة في مفهوم «الإيمان المعرفي» من ناحيتي عدم القدرة على الإثبات والنفي. وهو في ذلك أقرب إلى الإيمان المنظم عقائديًا في ما يقع في الفكر الإسلامي في مجال «علم العقيدة» أو «الكلام» الذي يتميز كي نستطيع استيعاب مفهوم «الإيمان المعرفي» بمساواته بين الإيمان وبين الوجود، ومثاله المساواة بين الإيمان بالله وبين وجوده. والجانب الثاني من المساواة هو معرفي بامتياز، وتبدو فيه المعرفة التي يحملها المؤمن المعرفي معرفة مؤكدة بالنسبة إليه «لكن لا يمكن إثباتها كما لا يمكن إثبات خطئها علميًا» (ص 891)، وهو بالتالي من نوع «اليقين الناجم عن تصديق لا عن إثباتٍ علمي»، وليس ذلك سوى التسليم في كلٍّ من اليهودية والإسلام (ص 93.)1 وفي إطار اشتغال دينامية الفرق بالمعنى الهيغلي، لا يختزل بشارة الإسلام في «التسليم»، بل يرى أنه اشتمل على نوعي الإيمان المطلق والمعرفي. لكن لن يكون في الإمكان فهم التمييز بين النوعين من دون فهم اتصالهما بقضايا التفسير (بالنسبة إلى الإيمان المعرفي)، والتأويل (بالنسبة إلى الإيمان المطلق أو العرفاني) المؤمن بطريقة المعرفة الداخلية المباشرة بالله أو «المنتهى» بالفعل، كما يفضل بشارة استخدامه، بلغةالعرفانيين للتعبير عن الله. فالله العرفاني هو بالفعل المنتهى اللامتناهي. وممّا يعزز تمييز هذا النوع من «الإيمان المعرفي» من «الإيمان المحض العرفاني» رؤية بشارة نفسه في متابعته للمفهوم وحلَْظهِالحرج الذي يواجهه الإيمان المعرفي مع حركة الكشوف العلمية على مستوى زعزعة العقيدة التي تشكل المحدّد الأساس للإيمان المعرفي. وهذا المفهوم المثقل بالتفلسف في خطاب بشارة الفكري يقدم في الحقيقة، بالنسبة إلى المؤرخ والأنثروبولوجي والمفكر، أداة مفهومية تفسيرية وتحليلية منتجة تشرح حرج العقائد الإيمانية المعرفية في لجة الكشوفات العلمية، واكتشاف قوانين الطبيعة. وقد برز ذلك بشكل

نموذجي في تاريخ العقيدة المسيحية، بيما حاولت الإصلاحية الإسلامية أن ترمم التصدع بالجمع الانتقائي وأحيانًا التلفيقي بين الدِّين والعلم. وبهذا المعنى كانت الإصلاحية الإسلامية دفاعية عن العقيدة في مرحلة هيمنة الفلسفة المادية أكثر ممّا هي إعادة صوغ للعقيدة كما في البروتستانتية. كما تنطوي هذه الأداة المفهومية النظرية على إمكانية تحريرية من الزاوية المعرفية في النظر إلى العقائد الدِّينية، تتمثّل في إعادة صوغ فهم هذه العقائد، خارج المفاهيم العلموية المعيارية الساذجة التي تعتقد أنها بتقويضها بعض منظومات العقائد قد بيّنت العقيدة الإيمانية ك«خرافة»، بل غالبًا ما تتشكّل الإلحادية بواسطة ثنائيات العقيدة الدِّينية نفسها، وهو ما يجعلها عقائد إلحادية في مقابل العقائد الإيمانية. ويطرح بشارة هنا فكرة ثورية تمضي في خط نقيض لما أرسته عقود كاملة من تثقيفات المادية الديالكتيكية وبعض الاتجاهات العلموية في النصف الأول من القرن العشرين في وعي النخب العربية، وذلك في نفي دحض العقيدة أو الدِّين عن وظائف العلم، فالعلم يعقلن الحياة الاجتماعية والاقتصادية في مجال شروط الحياة المادية اليومية، وكما أن العلم ليس مدعوًا إلى نزع السحر عن الفن والطرب عن الموسيقا، فهو «ليس بحاجة إلى أن يدحض دينًا أو عقيدة» (ص. 204) وهنا قد نواجه حالة توتر بين فهم التجربة الدِّينية بوصفها تجربة «لازمنية» (ص 05) وفهمها بوصفها تجربة سلوكية. وهذا يخص على وجه التحديد تحوّل التجربة الدِّينية إلى أصوليات أو أخويات عقائدية متشددة تمارس على طريقتها «مملكة الله» في «مملكة الدنيا». ويفتح ذلك مبحثًا بشأن شروط وديناميات تحوّل التجربة الدِّينية، التي هي كيانية فردية، إلى تجربة جماعية ممأسسة في أخويات. يعني بشارة بالعقلانية، كما يسمح نصه بالاستنتاج، العقلانية الصلبة التي ارتقت إلى مرتبة عقيدة نظرية ختُرج الدِّين من مجال العلمنة، وربما، في فترة تاريخية معيّنة كعصر الأنوار، إلى نوع من دين بديل. وهذه المقابلة الضمنية للعقلانية المرنة أو المنفتحة الثاوية في نصه تسمح بفهم إلحاحه على أن «تتمحور وظيفة العقلنة حول هدف التحليل، والفهم النظري، والبحث التجريبي، والتخطيط العقلاني، والممارسة، لكن ليس بهدف نزع خصوصية الشعور الدِّيني ذاته في المجال السياسي مثالً» (ص. 82)، فلا يمكن للعقلانية أن تدحض الإيمان الدِّيني المتعلق بالمطلق والمتجاوز، بل يمكنها أن تدحض أو تفنّد ذلك «الإيمان القائم على استنتاجات عقلية لكنها ليست علمية بل تبدو علمية»، و«ما يسهل دحضه هو حالات الإيمان القائم على اعتبار المقولات الدِّينية تفسيرًا للعالم»، فهذا «نوع من العلم البدائي»، ف«لا يستدل على الإيمان ذاته بالعقل التجريبي، ولا بالعقل الصوري المجرد، وإن بدت حجة الاستدلال حجيّة عقلية.. لكنه من الناحية الأخرى لا يفنَّد أو يلغى بالعقل أيضًا» (ص 32 وص -44.)45 هذا الإيمان لدى بشارة هو ما يحدده ب«الإيمان الدِّيني المحض أو الإيمان بالمطلق» (ص 42) أو «العرفان»، مع أنه يوضح -ربما للابتعاد عامّ تم فهمه من حديث الجابري عن العرفان وتحليله له ومقابلته بالبرهان- متحيزًا إلى البرهان في مقابل العرفان. أنه لا يقصد به «العرفان الصوفي في مقابل الفلسفة العقلية»، ويحتاج هذا التوضيح إلى بلورة، ذلك أن العرفان الصوفي هو إيمان ديني محض يعتمد الطريقة المباشرة في معرفة الله، ليس بالمعنى اللغوي لكلمة مباشرة بل بمعناها الصوفي من حيث إن الحدوس والرؤى تنقل معرفة داخلية مباشرة بالله الذي هو العالم. ولا يختلف منهج الشاعر في حسه الرؤيوي بالعالم عن منهج الصوفي أو العرفاني. ويشير بشارة هنا إلى باسكال في ما يتعلق ب«الإيمان المحض»، والواقع أن ما قاله باسكال عن هذا الإيمان هو نفسه ما يقصده العرفان الصوفي بطريقة المعرفة الداخلية المباشرة للمطلق. إن المنهج النقدي الثاوي هنا لدى بشارة هو الأهم من الزاوية التحليلية في فهم الإيمان وعدم إمكانية دحضه، وهو

يقع في فضاء ما نصطلح عليه «نقد الحداثة»، ومعادلها أو أسها الفلسفي الفلسفة العقلية، وهو ليس مساويًا لما بعد الحداثة، وإن كان منفتحًا عليها؛ فهو ينقد الحداثة من داخلها، كاشفًا انحطاط العقل إلى مستوى الاستخدام الأداتي، أو العقل الأداتي بكلمة أوضح. وصلبه المعرفي هو التمييز بين الساحات المعرفية وعدم الخلط في ما بينها. وبهذا المعنى هو منهج معرفي نقدي للحداثة والفلسفة العقلية، ويحتمل تواصله مع الحركة الأبستمولوجية الحديثة، وفي أسها الفيزياء الحديثة التي تشترك مع الفهم الصوفي العرفاني للعالم في كثير من التقاطعات. وفي ما إذا أعيدت كتابة تاريخ الفكر العربي الحديث في النصف الثاني من القرن العشرين، فإنها ستعثر من دون شك في مستوى القراءة الأولى على أمشاج واتجاهات نقد الحداثة، وبالأحرى أيديولوجيا الحداثة بأشكال مختلفة في هذا الفكر، لكن بشارة يوصل المداخل الفلسفية لهذا النقد في حقل بحثه في الدِّين والتديُّن ومن ثم قضايا العلمانية والعلمنة، إلى مستوى متطور. تتمثّل أهمية هذا المنهج النقدي النظرية والمنهجية في أنه يفتح مبحثًا معمقًا في نقد النزعة العلموية لمدرسة الإصلاح الإسلامي، وصوالً إلى فتح أساس منهجي ونظري لما يمكن وصفه بمدرسة «إسلامية المعرفة» في آخر النتاجات حول ذلك في الفكر العربي، وهي النتاجات التي لم تُنقد حتى الآن بشكل معمَّق، ولاسيما على صعيد خلط الجهاز المفهومي لمدرسة الإصلاح الإسلامي ثم اتجاه أو مدرسة «إسلامية المعرفة» جدالً بين الساحات المعرفية، والهبوط بمستوى المقدَّس إلى مستوى علموي في تفسير العالم (ومثاله الواضح تفسير الطيور الأبابيل بنوع من الجراثيم التي اكتشفها العلم الحديث عند الإمام محمد عبده)، لتصل ذروة ذلك في مدرسة «إسلامية المعرفة» التي لم يقُل بها حتى ابن تيمية. ولقد نقد بعض المفكرين العرب في مرحلة العشرينيات والثلاثينيات هذا الخلط بين الساحات المعرفية من زاوية أبستمولوجية، وكان من أبرزهم طه حسين في سلسلة مقالاته الشهيرة عن العلم والدِّين في أواسط العشرينيات، لكن هذه المحاولة الأبستمولوجية المبكرة كانت غطاءً لنزعة أيديولوجية حداثية كامنة في توجيهها، ولم تتواصل، بمعنى هيمنتها على براديغم الجماعة الفكرية العربية، بل حلّت مكانها المنظورات العربية الساذجة للمادية الجدلية «المسَفْيَتة»، وتاريخانيتها المبسطة الملقنة التي تسفّه الدِّيني والمقدَّس أبستمولوجيًا وسياسيًا، وتمثّل نمطها الأكثر سذاجة في تأثيرات «المادية ونقد مذهب العلم التجريبي» للينين في المرحلة اليسارية و«المسفيتة» للفكر العربي. ويواصل بشارة مسار طه حسين على هذا المستوى الأبستمولوجي إذا ما جرّدناه من خلفيته الأيديولوجية الحداثية الثاوية عبر خط عدم الخلط بين نظاميْ المعرفة الدِّينية والعلمية، وبين مجاليهما ووظيفتيهما، مطوّرًا ذلك في ضوء روح النظرية النقدية أو نقد الحداثة إلى نقض الأطروحات المادية التي ترى في الدِّين نوعًا من فلسفة أو نظرية معرفة بدائية بتأثير مخلّفات النظرة العلموية الموروثة من مرحلة التنوير الأولى، وسيادة عقيدة التقدم في القرن التاسع عشر (ص. 45-46)

المقدَّس والأسطورة والعلمنة

نركز في هذه المراجعة على بعض الجوانب أو القضايا الأساسية في الكتاب، في ضوء التحديد السابق لمقارباته المنهجية والنظرية. ففي ضوء نشوء أديان دنيوية بديلة من الدِّين ترفع ما يعتبره الدِّين «حقائق غير منزّلة» أو غير مملاة إلهيًا إلى مرتبة «حقائق إيمانية» تنظَّم بدورها في طقوس ومراسم تستثير الشعور بالمقدَّس وتنافس الدِّين «التقليدي»، مثل الظواهر الكبرى كالوطنية والقومية و«عبادة» الشهداء ص (-24 26)، يطرح بشارة سؤال العلمنة في صيغة: هل انحسار مجال المقدَّس الغيبي لصالح توسع مجال المقدَّس الدنيوي هو عملية العلمنة؟ أم أن إمكانية انتقال تجربة المقدَّس من ظواهر ما ورائية

إلى ظواهر دنيوية أساس تلك العملية؟ وهل علمنة المقدَّس هي التي تقع في أساس صيرورة العلمنة؟ يحِلّ بشارة الإشكالية مباشرة، وكأنه يمضي ضمنيًا في خط معاكس لمفهوم ماكس فيبر في اعتبار الحداثة والعلمنة نزعًا للسحر عن العالم، بأنه «ليس هذا المقصود بالعلمنة عمومًا، إذ إن إمكان انتقال القداسة من الماورائي المتجاوز إلى الدنيوي هو أساس علمنة المقدَّس، وليس أساس علمنة المجتمع أو الفكر أو الدولة، أو العلمنة عمومًا» (ص. 27) يقارب بشارة العلمنة بوصفها «صيرورة») Processus (. وتتقاطع العلمنة مع العقلنة لكنها لا تطابقها بالضرورة؛ إذ «تبقى هناك مجالات علمانية أو معلمنة كثيرة تزدهر فيها تجربة المقدَّس، وتتواصل فيها ممارسة طقوس وشعائر جماعية شبه دينية في ظلها»، وبذلك «تظل العقلانية تواجه تحديات في مجالات معلمنة أقصي منها الدِّين» (ص 7.)2 إن الدور المؤسس للعلم في العناصر التكوينية للعلمنة يتمثّل في نزع السحر عن العالم، وجعله ذاتيّ المرجع، لكن النزعات العلمية والمادية والعقلانية ستنتج ميثولوجيات جديدة في نوع ممّا يمكن وصفه بلغة مؤرخي الأديان ب« أديان بديلة» تاريخوية أو عرقية أو علموية.. إلخ (ص. 61) فلقد نزعت عملية العلمنة السحر عن العالم ولم تستطع أن تنتزعه من قلب الإنسان. وهذا الفهم النقدي للعلمنة، بين أن تكون صيرورة وأن تتحول إلى عقيدة تمضي من تفسير العالم إلى تغييره في ضوء قوانين تلك «العقيدة» العلمية، هو المحرك الأكبر لانحطاط الحداثة إلى مستوى أداتي. وفي أسسيات بشارة، العلم ينفي الأسطورة، لكن العلمنة في حد ذاتها لا تنفي الأسطورة، بل قد تنتج أساطير جديدة. يقع بشارة هنا في فضاء الفكر النقدي الذي عمل على مراجعة الرؤية إلى الأسطورة كمرحلة زمنية في تاريخ الفكر، وراح ينظر إليها في ضوء السرديات الحديثة بوصفها لازمنية مثل الفن، تستمر حية حافلة بالدلالات والتأويلات التي تتخطى ظاهريات التفسير إلى التأويل. في الديانات التي تصنَّف بدائية أو أولى، يلتحم المقدَّس بالدنيوي في تعبير عن وحدة الكوني، فالإنسان هو العالم والعالم هو الإنسان. وفي مكان آخر من الكتاب، هناك فكرة عميقة ترتبط بهذه الرؤية، وهي فكرة موضعة تلك الديانات في زمن المرحلة الشعرية للعالم التي تتسم بوحدة ما نصفه بالمقدَّس والعادي، بينما قد يرتبط تكوّن الديانات المؤسسية الاجتماعية والانتقال من الدِّين البسيط في فرضية الأزمنة الشعرية بنشوء الأزمنة النثرية أو الاجتماعية. وترتبط تلك الديانات بالأزمنة الشعرية من ناحية تمثّل المقدَّس، وتحويله إلى عنصر مركزي في العقيدة، لكن هذا المقدَّس «ينفصل» عن « الدنيوي»، وهو ما ينتج وساطة عقلية لاهوتية أو كلامية. وتبقى الأسطورة هنا مكوّنًا في العقيدة، لكنها تفقد مركزيتها ووظيفتها، وتبقى حية في الدِّين الشعبي. وتفتح مقاربة بشارة هنا أسئلة قابلة للفحص والتفكر فيها عن سرّ تشبع الأديان الشعبية، وهي المعتقدات الراسخة في الوعي الدِّيني للمؤمنين بديانة مؤسسية ما، بالأسطورة، الأمر الذي يدخل هذه الأديان في مشكلة مع منظومة ومعايير تلك الديانات المؤسسية للعقيدة. وهذا التشبع للأديان الشعبية بالأسطورة يسِم تاريخ المسيحية الشعبية كما يسِم تاريخ الإسلام الشعبي، كما يفسر تاريخ الصراع المرير بين المؤسسة الدِّينية وتلك الأديان أو منظومات الإيمان العرفانية التي تتخطى المنظومات الفقهية. وفي تقديرنا، يقف بشارة نسبيًا في قلب المداخل الأساسية الجوهرية في النظرية النقدية، لاسيما لدى كارل بوبر الذي يحضر بوضوح في مقاربات بشارة. وجوهر هذه النظرية النقدية هو نقد الحداثة، ولاسيما في اتّباع بشارة نهج هذه المدرسة، وإلى حد معنيّ ما بعدها، في الربط بين التاريخانيات وأنماط الهندسة الكلية الاجتماعية، ومضيّه ضمنيًا ضد الفلسفة العقلانية على مستوى التحليل الثاوي، ووصف فهمها للدِّين كوعي زائف في أنه «فهم علموي ساذج» (ص. 66) وهذا النقد الضمني

للفلسفة العقلانية إنما يجعل مستلهامً للاتجاهات النقدية في الأنثروبولوجيا الحديثة، وهي كما نعرف أنثروبولوجيا وصفية لا معيارية، ولاسيما كما تظهر لدى بالاندييه من زاوية أن ما من مجتمع إالّ وله قبّته السماوية. وفي هذا السياق يبرز وضوح بشارة في أن التقدم العلمي قد قوّض الوظيفة المعرفية والأداتية للأسطورة التقليدية، و«علْمنها» بهذا المعنى، لكنه لم يستطع أن يقضي عليها. وبتطوير هذه الرؤية يمكن القول بميثولوجيات جديدة أنتجها العالم الحديث، من دون أن تفضي عملية التقويض والإنشاء الجديدة التمايز. إلى تقويض الأسطورة التقليدية، وتصفية مراسمها في الدِّين الشعبي أو ما يمكن وصفه بالتديُّن العام. وتقع في هذا السياق جميع مراسم الأعياد الشعبية التي تستند في حقيقتها إلى أساطير مولدة، كانت المدرسة العقلانية قد اعتقدت أنها قد أجهزت عليها. فإلى جوانب رواسب الأساطير القديمة في مراسم الاحتفالات، هناك أساطير جديدة تشكّلت وتتشكّل دومًا، بما يفسر قولة بالاندييه «ما من مجتمع إالّ وله قبّته السماوية»، بمعنى قبّته الأسطورية التي يشكّل أهمَّ سماتها الدِّينُ والدِّين البديل وكلُّ ما يقع في إطار ذلك. ويشتمل البحث الأنثروبولوجي العربي الذي أنتجه أكاديميون على مكتبة غنية مؤسسة على نتائج الحفريات، لكن حجمه محدود للغاية قياسًا بحجم ونوعية الأسئلة الجديدة عن تركيب الرؤية الأسطورية لتلك المجتمعات، ولاسيما أن القومويين الإقليميين أو الجهويين حاولوا الاستيلاء عليها أيديولوجيًا لتطوير نتائج الحفريات إلى قوميات. بينما يمثّل جهد بشارة هنا جهدًا ثمينًا في أحد أبرز المباحث الأنثروبولوجية، وهو مبحث الأسطورة من زاوية المفكر المشبع بخلفية أنثروبولوجية علمية متينة.

من مبحث الدِّين والتديُّن إلى مبحث العلمانية

يمهّد هذا الفصل الأخير في «المقدِّمة» للحلقتين الثانية والثالثة في المشروع. ومنذ البداية يبدو بشارة أميل إلى فهم العلمنة على أنها تحييد الدولة عن الدِّين، وليس اختزالها في مسألة الفصل بينهما، وهو ما سيبحثه على كل حال في الجزأين الآخرين من المشروع، لكنه يتعمّد في هذه المقدّمة القفز إلى المقصود بعلمنة الدولة، مؤسسًا إياها على مقارباته الأنثروبولوجية والتاريخية في «المقدّمة»، فينطلق في بحثها من مفهوم ترتد عملية العلمنة هنا في عمقها كصيروة إلى عملية التمايز داخل الدِّين وبين الدِّين وغيره من الظواهر. يرى بشارة أن عملية التمايز هذه تبدأ بفصل الله عن العالم ثم التوسط بينهما والفصل من جديد. وفي هذا المنظور، فإن تمأسس الوظائف الدِّينية وتمايزها في داخل الدِّين نفسه، ونشوء الطوائف والفِرَق والمذاهب، كلّ ذلك يعربّ عن عملية التمايز تلك. من الواضح أنه يحضر هنا تمييز بين العلمانية والعلمنة، فالعلمنة في هذا المنظور صيرورة تاريخية تمس مجالات اجتماعية متعددة، كما تمس الفكر الإنساني. وهي بذلك عملية التمايز المستمرة بين قطاعات يعيد التمايز تعريفها، مثل العلم والأسطورة، والمقدَّس والعادي، والدِّين والدولة.. إلخ (ص 07-406 تغدو 4). العلمنة هنا نتاج عملية تمايز اجتماعي وبنيوي وتغريّ في أنماط الوعي كصيرورة تاريخية. ونقطة بشارة هنا أن هذه العملية عرفتها المجتمعات البشرية كافة، وهي جزء من صيرورة تاريخية سبقت الحداثة، لكن الحداثة وحدها هي التي سمّت هذه الصيرورة «علمانية» أو «علمنة» (ص 074)؛ فعملية فصل المقدَّس عن الدنيوي، وهي التي مكّنت من مجرد تعريف الدِّين بأنه مجال اجتماعي قائم بذاته، هي بداية عملية تمايز مرّت بصيرورة تاريخية اجتماعية طويلة. ويمكن هنا النظر إلى نشوء الديانات التوحيدية

وتطورها على أنها من مراحل التمايز الكبرى تلك، من زاوية أنها تتطلب في مرحلة تاريخية فصل الله أيضًا عن العالم، أو التمييز بينهما إلى درجة الفصل بينهما. فهناك علاقة قوية بين مساري التوحيدية والتمايز، وبالتالي ليس دقيقًا القول إن مشكلة الدِّين والدولة نشأت مع الديانات التوحيدية، بينما لم تعرف الأديان السابقة لها هذه المشكلة، بل نشأت في الحضارات التي سادتها ديانات غير توحيدية تلك الصراعات بين مؤسساتها ومصادر شرعيتها من جهة والدول من جهة أخرى، لكن التوحيدية تميزت في نزع الألوهية عن الملوك، في الوقت الذي حاول فيه هؤلاء الملوك، وهم بشر «عاديون» بموجب التوحيدية، أن يبحثوا عن مصادر قداسة لحكمهم في الدِّين أو في غيره ص (-409 214). غير أن اعتناق الملوك الدِّين التوحيدي، وبناء مصدر الشرعية عليه، واكتساب القداسة من خلال هذا البناء هو من أكبرها في تاريخ المسيحية والإسلام. يتوقف بشارة، في الاستعداد للحلقتين الأخريين من مشروعه، عند فصل الكماليين بين الخلافة والسلطنة 922(1). ومن الحسن أنه توقف من الناحية التصنيفية والزمنية في الجزء الأول عند ذلك، فبدءًا من هذا التاريخ ستندلع سجالات الفكر العربي الحديث، وستشتد فيه حالات الفرز والاستقطاب، داخل فضاء الإصلاحيين عمومًا ومدرسة الإصلاح الإسلامي خصوصًا، بين القوميين الليبراليين بالمعنى الأوروبي والفرنسي بشكل أوضح وبين بروز اتجاه السلفية المبكرة لدى إصلاحيين سابقين. فلم تفض خطوة فصل الخلافة عن السلطنة، المشرعنة وفق ما وقع فقهًا ومصلحة وتاريخًا وقضية جوهرية في مرحلة اتخاذ القرار بها، إالّ إلى الخطوة الفاصلة الثانية وهي إلغاء الخلافة، وفصل مصطفى كمال التام بين الدِّين والدولة، مختصرًا في غضون سنوات محدودة (على المستوى الزمني المحض) ما استغرقه تطور فرنسا الجمهورية على مستوى هذه المشكلة من نحو 115 سنة ونيف. وهذا يجعلنا مسبقًا في انتظار ما سيقوله بشارة في الجزأين الآخرين عن مرحلة التنظيمات والنماذج العربية والعثمانية، وصوالً إلى مسألة علمانية الدولة. وبالتالي لم يكن ما عرضناه سوى «مقدّمة» أو «عتبة» لكنها «أسسية». وفي انتظار ذلك، لدينا حديث، وهو من الناحية المنهجية يتطلب توسيع المنهجية العابرة للاختصاصات إلى سيطرة على المعارف والمباحث والنتاجات والتراكمات المتعلقة بهذه القضايا الحساسة، وهي بكل بساطة القضايا التي مازالت تحكم طروحات وسجالات وصراعات الفكر والسياسة والدولة بل والثورات في مرحلة التغير الاجتماعية الكبرى الثالثة التي لايستطيع أي كان أن يتكهن قطعيًا بمستقبل اتجاهاتها. وفي هذا السياق، تمثّل «المقدّمة» عمالً «مثيرًا» لما بعدها.

تعالوا نقرأ بشارة من جديد

ما رامت هذه القراءة أن تدخل في التفاصيل التقنية البسيطة التي يمكن بكل بساطة تجاوزها في أي طبعة، وهي تفاصيل موجودة لدى الجميع، بما فيها ما نكتبه، لكنها ليست الجوهر أبدًا. وما رامت أن تكون دراسة أو بحثًا بل قراءة- مدخالً للتحفيز على الاهتمام بعملية التفكير والتفكر بالتطورات النوعية في الفكر العربي الحديث، التي مثّل بشارة منذ مشروعه القومي والمؤسس التكميلي في كتاب المجتمع المدنيالذي صدر في مرحلة التحوّل المتسارع لوعي النخب والمثقفين والرأي العام النشيط من التسلطية إلى الديمقراطية، أحد أبرز ممثليها ومنتجيها -على مستوى البحث المعمّق وليس مقالات الرأي- ثم المسألة العربية التي طرح فيها بشارة منظومة متسقة وجديدة من المفاهيم الأسسية الجديدة بشأن المسألة القومية. ومع ذلك راعت هذه القراءة طرح الأسئلة ضمن حفاظها النسبي على المعايير التقليدية في فهم أسئلة الكتاب وقضاياه، وتحقيق وظيفتها بقراءة هذا الكتاب-المشروع من جديد، داخل السياسات اليومية التي كادت تغمر «الجميع» الآن وخارجها

في وقت واحد، بحيث يضطلع هذا الكتاب الذي يدرك في خلفيته قضايا السياسة اليومية بدور تأسيس الوعي العميق بالقضايا بما يرشّد الوعي اليومي، وينقل السياسة إلى معناها العميق، وهو معنى علم العمران الخلدوني بمعانيه الريادية لعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا المبكرة من الزاوية المنهجية، والاقتصاد السياسي من زاوية الرؤية، الذي لا يزال مشروعًا في طور الإنجاز. وكأن مشروع بشارة يصلنا بطريقة ما مع أسئلة العمران الكبرى في سياق جديد هو سياق مرحلة التحوّل الاجتماعي الكبرى الثالثة الجارية في الوطن العربي اليوم. ومثلما صدرت أعمال بشارة الفكرية الكبيرة على مفارق التحولات ك المجتمع المدنيوالمسألة العربية، صدر عمله الجديد على مفارق هذا الطريق. دعونا نقرأ بشارة من جديد.