Return to Article Details A Reading of Wajih Kawtharani’s Research on the Islamic Political Experience: The Relationship between the Political Institu

قراءة في أبحاث وجيه كوثراني في التجربة السياسية الإسلامية: علاقة المؤسسة السياسية بالمؤسسة الدينية

A Reading of Wajih Kawtharani’s Research on the Islamic Political Experience: The Relationship between the Political Institu

شمس الدين الكيلاني*

الملخّص

تمثل هذه الورقة قراءة في العديد من أعمال المؤرخ وجيه كوثراني. وتتمثل الإشكالية الحقيقية في بحثنا عن صورة تجربتنا التاريخية السياسية، هي كيفية الانتقال من منهج النماذج مافوق التاريخية، ومن ضباب الأيديولوجيا والطوبى إلى المنهج الاجتماعي التاريخي، على قاعدة مصالح الجماعة ومستقبلها، كما في البحث عن الحكم الرشيد والدولة العاقلة، وهذا ما يجعله قريبًا من الأسئلة والمخارج التي يفرضها الحاضر ودواعي المستقبل.

Abstract

This paper is a reading of many of the works of the historian Wajih Kawtharani. The real problematic issue of research into the image of the region’s historical political experience is how to shift from the method of supra-historical methods and from the ideological and utopian fog to a socio-historical method based on group interests and future, as well as the search for good governance and the rational state. This makes its close to the questions posed by the present and the needs of the future.

الكلمات المفتاحية:
  • وجيه كوثراني
  • منهج التأريخ
  • سلطة
  • المجتمع
Keywords:
  • Wajih Kawtharani
  • Power
  • Society
  • Historiography Method

كرَّس الدكتور وجيه كوثراني جزءًا كبيرًا من أبحاثه لدراسة تحولّات السلطة في المجال العربي

الإسلامي. ولعل ما عربّ عنه في مقطع من كتابه السلطة والمجتمع والعمل السياسييمكن أن ينطبق

على الجزء الأعظم من كتاباته؛ إذ قال «إن ما يطمح إليه البحث هو متابعة المسار التاريخي لتحولّات السلطة،

وأنماطها في مجتمع كان قد خضع لتجربة الحكم العثماني قرونًا عديدة، وحمل في داخله تركيبة مؤسساته الأهلية

والسلطانية خصائص (الملك القائم على العصبية) وفقًا لتعبير ابن خلدون، وتراث صيغة (ولاية التغلب)، وفقًا

لتجربة الدولة السلطانية التي أُرسيت في التاريخ الإسلامي، ومرجعية النص الشرعي المتمثل بفتاوى هيئات

الفقهاء المعيّنة من قِبل السلطات، إلى جانب جملة من المعطيات والتقاليد في المدينة والأرياف». فكان مدار

اهتمامه تحليل التجربة السياسية العربية الإسلامية، وأسلوب بناء السلطة وآليات عملها وجذورها الاجتماعية

والعصبيات المساندة لها، وعلاقة ذلك كله بالإسلام، مستعينًا بمنهجية ومرجعيات تاريخية معاصرة، ولا سيما

منهجيات مدرسة الحوليات الفرنسية، فأظهر تفضيله للمنهج التاريخي على المناهج الأخرى، بما فيها المنهج

الأنثروبولوجي. كتب في الذاكرة والتاريخ: «صحيح أن المنهج الأنثربولوجي يفيدنا في استخراج ما يمكن أن يكون ثوابت

وخصوصيات أو بنى، لكن المنهج التاريخي يسلط الضوء على التواريخ المقارنة، وعلى أقنية التفاعل، وأنماط

1 وجيه كوثراني، السلطة والمجتمع والعمل السياسي: من تاريخ الولاية العثمانية في بلاد الشام، سلسلة أطروحات الدكتوراه؛ 13

(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988)، ص.214

التحوّل والتطوّر، وأشكال التقارب والاختلاف، حيث يدرس ‹الثوابت› في مسار التحوّل». ولا يخفي تأثّره

بدرس ابن خلدون في دراسته للتاريخ، وفهمه للعلاقة بين العصبيات ونشوء الدول وتطوّرها وانهيارها، ومن

ثم إعادة إنتاجها في ضوء بزوغ عصبيات جديدة، وأيضًا فهمه لعملية التطوّر والانتقال من مثال الخلافة إلى

نسق المُلك، والتعامل الفقهي مع إمارة التغلب، وفوق ذلك كله تشريح وتفكيك مفهوم العلاقة بين الشريعة

والسلطة، وبين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية؛ إذ اعتقد كوثراني أن في عصر ابن خلدون «تكاملت مسالك

المعرفة العقلية والنقلية والتجريبية، لتؤسس منهجًا تاريخيًا، هو في أساس التجاوز الذي حققه ابن خلدون على

مستوى المنهج، إنه تجاوز لمنهج الجرح والتعديل في الرواية، وتجاوز أيضًا لمنهج كل علم من علوم الحضارة

الإسلامية معزوالً عن الآخر، إنه التكامل في الاستخدام الوظيفي لعلوم الحضارة الإنسانية مجتمعة وملتقية في

حقل مشترك لهذه العلوم هو حقل التاريخ». وقد صب اهتمامه على التحولّات الفعلية للدولة والسياسة في علاقتهما بالإسلام، وليس على التأويلات

الأيديولوجية، فذكِّر بأن مهمات الدولة / الخلافة «ليست حراسة الدِّين وسياسة الدنيا» كما شرّع لها

العديد من الفقهاء بتأثير الثقافة الفارسية، بل إن الدولة عندما صادرت الولايات الدينية أساءت إلى

الدِّين، فيقول «إن هذه المصادرة تحققت بصورة تدريجية في تجارب الدولة السلطانية، بدءًا من تجربة الدول

السلجوقية إلى المملوكية والإيلخانية وصوالً إلى نموذجين متأخرين استكملت فيهما عملية مصادرة

الأحكام السلطانية للفقه والفقهاء، هما نموذج الدولة العثمانية سنيًا، ونموذج الدولة الصفوية شيعيًا،

حيث تم تأسيس هذه المصادرة في مؤسسات وأجهزه ومناصب، وتجدون وجهة النظر هذه موسعة في

كتابي الفقيه والسلطان »... بناء على هذا، حاول البحث التنقيب داخل أروقة أبحاث كوثراني، بالاستناد إلى المحور التاريخي، فقارب

بين نصوص كوثراني النظرية وقاعدتها التاريخية، التي هي مرجعيتها الأساسية، بادئين بالتقيصّ عن قوله في

التحولّات التي طرأت على العلاقة بين المجالين الدّيني والسياسي ما بين برهتي الخلافة الراشدية وبرهة

سيادة منطق الملْك الذي دشنه العهد الأموي، ومن ثم الانتقال إلى الوضعية التاريخية التي برزت فيها

ازدواجية السلطة بين الخلافة والسلطنة الصاعدة، وحدود العلاقة بين الشريعة والسلطة فيها، مع الإضاءة

على إشكالية الفقيه في ذلك الزمان وإجابته عنها. أمّا المحور الثالث، فيعاين العلاقة بين المجالين (السياسي

والدِّيني) عندما أصبحت السيادة للسلطنة، مرورًا بالحقبة العثمانية والإشكاليات المعقدة التي ارتسمت

بين المجالين، وجوانب الازدواجية التي تتخذها السلطنة من الهيئة الدينية، ثم يستقر البحث أخيرًا على

التحولّات التي طرأت على التفكير بالخلافة بدلالة انبثاق الدولة الحديثة في إثر التصدعات التي ضربت

الخلافة العثمانية ومن ثم انهيارها، وفرضت على الجميع إعادة التفكير في مسألة «الخلافة» و«الدولة»، فحاول

فيها كوثراني أن يرصد هذه اللحظة الفكرية الخطِرة من الخطاب العربي المعاصر، حيث قدّم لنا أنماطًا عدة من

الإجابات بشأن هذه المسألة.

2 وجيه كوثراني، الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل: دراسات في البحث والبحث التاريخي (بيروت: دار الطليعة، 2000)،

ص.43

3 المصدر نفسه، ص.64

4 المصدر نفسه، ص.199

أولا: من الخلافة الراشدية إلى خلافة المُلك العضوض/ المجال الديني والمجال السياسي

انتقد كوثراني مزاعم الباحثين الذين افترضوا أن في مجال العلاقة بين الدِّين والسياسة اختلافًا جوهريًا بين

التجربتين الإسلامية والمسيحية. وأشار إلى أن كثيرًا ما يلجأ بعض الباحثين، عربًا وأجانب، إلى هذا التمييز

القطعي، وبالتحديد في مجال العلاقة بين السلطة المدنية والسلطة الدينية. ومرجعية هذا التمييز، في رأي

كوثراني، تكمن في اختلاف المفردات والمصطلحات. وعلى الرغم من اعترافه ببعض ما تحمله هذه الأقوال

من صحة في وجه من وجوهها، فإنه أكد وجود استقلال فعلي في التجربة العربية الإسلامية لبناء الدولة،

بين المجال السياسي والمجال الديني؛ فمن خلال رجوعه إلى معطيات التاريخ ووقائعه، ودراسته اجتماعيات

السياسة فيه، أي دور مراتب أهل الدولة ومؤسساتها ورجالاتها ودور رجال الدِّين والمؤسسة الدينية فيها،

لاحظ أن ثمة ثنائية في السلطة موزعة بين السلاطين والأمراء من جهة والفقهاء من جهة أخرى، وبين

المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية. كما أن في الإمكان أن نعثر في المتن الإسلامي على ما يثبت أن الإسلام

لا يتعارض مع «العلمانية»، أو أنه لا يقف في وجهها، مثلما أنه لا يتعارض مع الرأسمالية أو الاشتراكية؛

فالنص الإسلامي يمكن أن يخضع لهذه التأويلات المتعددة، وقد كتب بوضوح: «في الإسلام أيضًا يمكن

اللجوء إلى مختارات نبوية وصحابية وإمامية بقصد (التأويل العلماني). منها على سبيل المثال التمييز بين الرأي

والوحي، والعودة إلى ‹ميثاق أهل المدينة› السياسي، أو مبدأ لا إكراه في الدِّين، أو قول الرسول: ‹أنتم أدرى

بأمور دنياكم›. بل إن التأويل العلماني قد يذهب بعيدًا في تفسير موقف الإمام علي من مسألة التحكيم التي

نادت بها جماعة معاوية وعمرو بن العاص، وهو تفسير خيُضع للمُساءلة اليوم الدعوة إلى (الحاكمية الإلهية)

التي ينادي بها الإسلاميون اليوم». وذكر كوثراني في سياق تأكيده وضوح التباين بين السلطتين الدينية والسياسية، أن المجتمعات الإسلامية «لا

تختلف في السياقات العامة عن المجتمعات الأوروبية التي سُمّيت في القرون الوسطى ‹مجتمعات مسيحية›،

بل إن العلاقة بين الدِّين وممثّليه وبين السياسة وممثّليها كانت على الدوام وعبر العصور، علاقة تجاذب بين

توحيد وانفصال، بين سيطرة هؤلاء على أولئك أو سيطرة أولئك على هؤلاء. كانت باختصار حقل تجاذب

حتى سيطرت الدولة على الهيئات الدينية في التجربة التاريخية الإسلامية سيطرة شبه تامة، وسيطرت المؤسسة

الدينية (الكنيسة) على مؤسسة السلطة في المجال المسيحي إلى أن حدث الفصل في التجربة التاريخية الغربية –

المسيحية بين السلطتين: السلطة المدنية السياسية من جهة والسلطة الدينية من جهة أخرى، في حين استمر،

في المجال الإسلامي، الالتباس في علاقة السلطة الدينية وممثّليها من فقهاء وعلماء وقضاة شرعيين بالمؤسسة

الحاكمة، ثم إن الإشكال ازداد تفاقامً مع لجوء الحكام المسلمين المحدثين إلى الدِّين يستقوون به في تثبيت حكمهم

وكسب شرعيتهم». لذا، شعر كوثراني بالحاجة إلى تنبيه القارئ في مقدمة كتابه الفقيه والسلطانإلى ضرورة أن تأخذ قراءة الكتاب

بعين الاعتبار وظائفية العلاقة بين الفقيه، المنتظم في المؤسسة الدينية ذات التأثيرات المتشعبة في المجتمع والثقافة

5 وجيه كوثراني، الفقيه والسلطان: جدلية الدين والسياسة في إيران الصفوية، القاجارية والدولة العثمانية، ط 2 منقحة (بيروت: دار

الطليعة، 2001)، ص.5

6 المصدر نفسه، ص.11

7 المصدر نفسه، ص.10

والقضاء والتعليم، والسلطان صاحب الإمارة العسكرية والسياسية، وهي علاقة يجدها كوثراني «لا تختلف

كثيرًا، في نتائجها وآلية فعلها، عامّ يوازيها في التجربة المسيحية القروسطية لناحية تأثيرها في قيام الدولة وتأسيس

شرعيتها الدينية، وتثبيت استمراريتها بفعل دور رجال الدَّين المنتظمين في مؤسساتها القضائية والتعليمية

والثقافية. من هنا ضرورة العودة إلى مزيد من الفهم إلى التاريخ المقارن في مسألة العلاقة بين السلطة الدينية

والسلطة المدنية». ولاحظ كوثراني أن الفقهاء أنفسهم اعترفوا بواقعة الانفصال الفعلية بين المؤسستين

الدينية والسياسية في التجربة السياسية الإسلامية، بين الدولة السلطانية وما سمّي السياسة الشرعية المستمدة

من الإسلام والتي غابت بغياب الخلافة الراشدة وبقي بعض رموزها وآثارها، ومن يتعلق بها من الفقهاء

ورجال الدِّين الذين وإن بقوا على تعلقهم بالخلافة كمثال من المتعذر الوصول إليه، فإنهم تعاملوا مع الواقع

السياسي للخلافة المتحوّلة إلى ملْك عضوض باعتبارها واقعًا سياسيًا قائامً على ضرورة لا بد منها، ومنحوها

بعض المشروعية. لهذا، اهتم كوثراني منذ دراساته الأولى بتعقب أشكال بناء الدولة في المجال العربي الإسلامي، وأضاء أشكال

العلاقة المعقدة بين المجالين الديني والسياسي. وقد تمثّلت السلطة في المجال العربي الإسلامي بالمصالح الأرضية

ومصالح الجماعات والعصبيات التي استطاعت الهيمنة عليها. والأسس التي انبنت عليها الدولة الإسلامية،

بدءًا من التجربة النبوية في المدينة، ومن ثم إلى التجربة الراشدية، ووصوالً إلى التجربة الأموية ثم العباسية،

إنما «تقوم على عملية استيعاب للعصبيات القبلية والانتماءات الإقوامية في ‹الجماعة الإسلامية› التي شكّلت

أساس مفهوم ‹الأمّة› كما ورد في القرآن الكريم». فالدولة الأموية قامت على عصبية عربية غالبة، وذلك

نتيجة مباشرة لحركة الفتوحات التي استمرّت عبر القبائل العربية. ولا يعني ذلك- عند كوثراني- اختفاء تأثير

المثال الإسلامي الأخلاقي والتشريعي الإسلامي؛ إذ إن الشعوب والقبائل العربية التي دخلت الإسلام «بدأت

تصارع من داخل تشريعه النواتي الذي جاء به القرآن، ومن خلال حكوماته الأولى وتوجهاتها الأممية (الحكومة

المحمدية ثم الحكومة الراشدية) تصارع لا للانفصال عن الإسلام، وإنما في سبيل التدامج والمساواة في الدولة

الإسلامية الجديدة وكسب مواقع السلطات والمشاركة فيها». ثم مع قيام الدولة العباسية اكتسبت صيغة

التدافع والصراع على السلطة مضامين جديدة، إذ برزت عصبيات جديدة لا تلغي العصبيات القديمة، وإنما

تستوعبها في أطر دينية وجغرافية ومؤسسات اجتماعية أوسع وأكثر تنوعًا وتشابكًا، وفي أطر مهنية وعسكرية

متشابكة مع أجهزة الدولة ومواقع السلطة: استتبعت لهذه المواقع، أو اتخذت موقفًا معارضًا ومقاومًا لها.

وذلك لأن الدولة، كما يقول كوثراني، «تأسست في إطار (الأمّة) أو [في إطار] (جماعة) إسلامية لا يمكن تحديد

مواصفاتها وفق صورة الدولة – الأمة الأوربية... إن هذه الدولة حاولت دائامً أن تكتسب شرعيتها من القرآن

والسنّة، وعلى هذا النصاب، أو الادعاء بالتمثيل، تقاطعت والتقت مجموعة واسعة من المصالح والتمثلّات

والطموحات بحيث صار الإسلام، وبالتالي الشريعة، اتجاهات فقهية (قانونية ودستورية) واتجاهات فلسفية

في تفسير الكون والوجود الإنساني». و«انفتحت الشريعة في عملية تكوين الدولة الإسلامية على التأثير

البيزنطي عبر تحوّل الخلافة إلى ملْك في العهد الأموي في الشام، وعبر التأثير الفارسي في تشكيل هيكلية الدولة

8 المصدر نفسه، ص.6 9 وثائق المؤتمر العربي الأول، 1913: كتاب المؤتمر والمراسلات الدبلوماسية الفرنسية المتعلقة به: الدولة العثمانية وظروف نشأة الحركة

العربية، تقديم ودراسة وجيه كوثراني، السلسلة التاريخية (بيروت: دار الحداثة، 1980)، ص.11

10 المصدر نفسه، ص.14-13

11 المصدر نفسه، ص.14

العباسية في بغداد، بحيث أضحى النموذج الفارسي القديم جزءًا من صيغة تحالف العصبيات الإقوامية

الحاكمة، وانفتحت أيضًا على الفئات الرعوية العسكرية القادمة (الأتراك)، الذين أصبحوا ركيزة الدولة وجزءًا

من النظام العسكري»، فأصبح الفقيه وأيضًا كاتب «الآداب السلطانية» يحذِّران من الخروج على السلطان

خوف الفتنة (سلطان غشوم خير من فتنة تدوم). وقد بنيّ كوثراني أن على الرغم من الطابع المدني للخلافتين الأموية والعباسية وارتكازهما على عصبيات

وقاعدة اجتماعية متشابكة، تتوسع وتضيق تبعًا لتوسع وضيق شبكة المصالح التي تربط فئاتها بالسلطة وبآليات

عملها، فقد حاولت هذه السلطة / الخلافة، باستمرار، أن توظف الدِّين لمصلحة استقرار الحكم وقوّته،

ولاستخلاص نوع من الشرعية الدينية أمام رعاياها، فانفتحت الدولة على استيعاب الشريعة، ولتوظيفها في

حاجاتها لحماية الثغور والتوسع في استثمار الأرض، وربط طرق المواصلات، وتوحيد الثقافة والأيديولوجيا،

معتمدة على العناصر المختلفة من الأجناس المتطوعين للجهاد في بلاد ما وراء النهر وخراسان، وعلى الغزاة

المجاهدين في آسيا الصغرى، وإنشاء الزوايا كمراكز تعبدية لشيوخ الصوفية على محطات طرق القوافل،

كإقطاعات أوقاف للاستثمار، «فكان لهذه دور مهم حتى مرحلة متقدمة من تاريخ الدولة العثمانية في ربط

العالم الإسلامي، لا لتأمين المساعدة للقوافل التجارية، بل أيضًا بشكل أساسي لتأمين اللُّحمة الثقافية بين

المدن التجارية المتباعدة». وعلى هذا، أخذ العمل السياسي الفكري وجهتين رئيستين: أولاهما في عهود الخلافة التي تحوّلت إلى ملْك

عضوض منذ الأمويين، وحظيت باعتراف الفقهاء أنفسهم الذين منحوها شرعية مشروطة، حفاظًا على

وحدة الجماعة ودرءًا للفتنة، ولتوفير وضع يتيح نوعًا من الوحدة المتوازنة والاستقرار، وثانيتهما ناتجة من

محافظة الكثيرين على مثال الخلافة الراشدية كمركز للإلهام في عملهم الفكري السياسي، فلم يخبُ هذا المثال-

الطوبى - لدى الجمهور ولا عند الفقية المستقل عن السلطة، فسمح ذلك للصراع السياسي، كما أشار كوثراني،

بالاستمرار بطريقة دورية، وبالتالي بتكرار بروز «ولايات الأطراف» أو دولة الدعاة و«الخوارج»، كما لاحظ

ذلك ابن خلدون نفسه. وكانت «الدولة – الدعوة» تطرح نفسها بديالً من السلطة المركزية القائمة، على أنها

«دولة إسلامية» تنزع نحو التوحيد. هذا التوجّه (الطوباوي) ساهم إلى حد كبير في الحؤول دون ظهور

كيانات سياسية دائمة ومستقرة داخل العالم الإسلامي؛ إذ اعتقد كوثراني أن الأسس التي انبنت عليها الدولة،

في المجال الإسلامي، توزعت على محورين: محور الدعوة والشريعة اللتين هما المبرر الشرعي لقيام الدولة، وهو

المبرر الذي أكده الفقهاء المسلمون، ومحور العصبية التي هي وسيلة التغلُّب للوصول إلى الملْك. وأكد ابن

خلدون فاعلية هذا العامل، وجعله أساسًا لقيام الدولة ونشوئها. ثم إن العصبية يمكنها أن تتمثّل في الدعوة

وتلتصق بها فتصطبغ ب«الصبغة الدينية»، إالّ أن هذا الالتصاق والاصطباغ لا يمكِّنان العصبية، وقد تحولت إلى

سلطة، من مصادرة الإسلام لمصلحتها، «فالأمّة تبقى على مرجعيتها التي تتمثّل بالشريعة الإسلامية، وهو ما

فتح على أشكال واسعة من المقاومة والمعارضة والامتناع عن الاستتباع في الدولة الجائرة، على مذاهب مختلفة

من الاجتهاد والتفسير».

12 المصدرنفسه، ص.15

13 المصدر نفسه، ص.16

14 المصدر نفسه، ص.17

15 كوثراني، السلطة والمجتمع والعمل السياسي، ص.35

إلى ذلك، قام كوثراني في كتابه الفقيه والسلطانبدراسة أنماط من العلاقة القائمة بين الفقيه كممثّل للهيئة الدينية

والسلطان كممثّل للسلطة السياسية في تجربتين مديدتين لبناء السلطة، ممثّلتين في الدولة العثمانية ذات المذهب

السنّي والدولة ذات المذهب الشيعي (الصفوية ومن بعدها القاجارية)، وهما أكثر تجارب بناء الدولة السلطانية

طوالً في التاريخ الإسلامي، فتكشَّف له أن تطوّر أشكال التأسيس الوظيفي لهذه العلاقة بين الفقيه والسلطان

أو بين السلطتين الدينية والسياسية تأسس على الاستقلالية النسبية للسلطة الدينية عن السلطة السياسية، أو على

علاقة هيمنة لمصلحة مؤسسة السلطنة. وقد آل الأمر في نهاياته، وبفعل وعي حالة الاستبداد السلطاني في كلتا

التجربتين (جرّاء المقارنة بين الوضعيات المختلفة في التاريخ العالمي، وطوال القرن التاسع عشر) إلى حالة من

الوعي الفقهي – التاريخي لدى نخب من الفقهاء، جعلت همّها الرئيس تحويل الدولة السلطانية ذات الحكم

الفردي الرعوي إلى حكم دستوري مقيَّد. هكذا «وعى فقهاء إصلاحيون في مجتمعات الدول السلطانية، سبُلَ

نهوض الدولة ومجتمعاتها في غضون القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، وأهم هذه السبل: إشراك

الأمّة في الحكم عن طريق الانتخاب والاقتراع، وتقييد الحاكم بدستور للبلاد. وكان ذلك بداية التأسيس لمفهوم

المواطن وحقوقه في ظل دولة تقوم على الدستور».

ثانيًا: الفقه وازدواجية السلطة والشريعة/ الخليفة والسلطان

تابع كوثراني تحولّات أشكال السلطة من نموذج الخلافة إلى نموذج السلطنة، بعد أن انتقلت من نموذجها

الراشدي إلى ملْك عضوض مع احتفاظها بالرمزية الإسلامية، وتحولّها في طور آخر إلى التعايش مع صعود

«السلطنة» التي نزعت من «الخلافة» الوظائف السلطوية: المصلحي (التمثيلي) والتدبيري (التنظيمي

والإداري)، وأبقت للخلافة الوظيفة الرمزية باعتبارها (نظريًا) المرجعية العليا التي تستمد السلطنة من

تفويضها لها شرعيتها، وإن كان هذا التفويض ينتزعه السلطان من الخليفة بالتغلب والقهر، كما هي حال

السلطنة البويهية (1055-932 م)، ثم السلطنة السلجوقية (منذ القرن الحادي عشر حتى القرن الثالث عشر

الميلاديين). واحتفظت الخلافة برمزيتها بوحدة الأمّة الإسلامية ومرجعيتها العليا؛ فقد فرض الأمر الواقع،

في تجربة السلطنة، تمايزات في توزيع السلطات والوظائف بين المستويات الدينية والمستويات السياسية، عبر ما

يسمّى «ولايات الأطراف» أو «وزارات التفويض» أو أمراء الاستيلاء. وكانت هذه في مجملها تعبيرات تاريخية

لأنماط العلاقة بين الاجتماع الإسلامي والدولة. و«السلطنة» التي بدأت ب «إمارة الاستيلاء» هي النمط السائد

في هذا الاجتماع السياسي. وفي كلتا الحالتين (الدفاع أو المعارضة)، انتظم الفقه السياسي وعلم الكلام في

حركة الواقع الاجتماعي – السياسي الذي تجسر على مستوى السلطة ببروز سلطتين أساسيتين متواليتين آنذاك،

هما: سلطنة البويهيين الشيعية وسلطنة السلاجقة السنّة. وقد نوّه كوثراني إلى أن منذ التجربتين البويهية

والسلجوقية إلى تجربة المماليك الذين استضافوا وارثي الخلافة العباسية في القاهرة، ارتسمت الخطوط التأسيسية

لدولة سلطانية أضحت نموذجًا لمن سيأتي بعدها. فتأسيسًا على التجربتين البويهية والسلجوقية، تشكل نموذج

ل«دولة سلطانية» حملت شرعيتها من خلال مهمات «الأمير المستولي»، ولا سيما في مجال التجنيد وحماية الثغور

والإدارة وانتظام أمور الناس، وحملت انتسابها إلى الشريعة من خلال دور الفقهاء في مجال القضاء والتعليم.

16 كوثراني، الفقيه والسلطان، ص.18

17 المصدر نفسه، ص.22

18 المصدر نفسه، ص 23-22، قارن ب: كوثراني، السلطة والمجتمع والعمل السياسي، ص.39

فتقلص بذلك أمر الاستخدام الرمزي للخلافة والإمامة، ومن ثم حلّت شرعية الأمر الواقع في المهمات

السلطانية في المجتمع الإسلامي، حيث أضفت الهيئات الدينية على السلطنة الطابع الديني الذي تحتاج إليه، وقد

اكتملت هذه العملية وتبلورت مع تجربة بناء السلطنتين: العثمانية والصفوية. أمّا الموقف السنّي من هذه الوضعية فيلخصه كوثراني من خلال عرضه موقف أبي حسن الماوردي (-974

1058 م) منها، وهو الذي استهدف الدفاع عن الخلافة كمؤسسة تاريخية ضرورية لاستمرار وحدة الأمّة في

رأيه، وفي عقلنة السلطنة لاستيعاب مشروعيتها الواقعية في شرعية إسلامية. فمنح الماوردي بذلك المشروع

السلطاني أو (إمارة الاستيلاء) الشرعية اللازمة، حتى لو افتقدت الشورى والبيعة اللتين أكدهما الفقهاء

السابقون إن أمكن ذلك. ويرتبط هذا المنح للشرعية لديه بالضرورة التي تفرض على المجتمعات الإسلامية

قبول مهمات تعود إلى السلطان، ومن دونها يسود الاختلال والفساد في ظل عجز الخليفة. فإمارة الاستيلاء عند

الماوردي تُعقد اضطرارًا: «يستبد الأمير بالسياسة والتدبير، منفّذًا لأحكام الدِّين بإذن الخليفة ليخرج من الفساد

إلى الصحة ومن الحظر إلى الإباحة.. فجاز فيه مع الاستيلاء والاضطرار ما امتنع في تقليد الاستكفاء والاختيار

لوقوع الفرق بين شروط المكنة والعجز». وذهب كوثراني - متوافقًا مع المؤرخ محمد أنيس _ إلى أن السلطنة

فرضت نفسها فرضًا على المشرّعين المسلمين لقبولها – بغرض إنقاذ العالم الإسلامي من التفكك – واعتبروا أنها

خاضعة من الناحية النظرية لسلطة الخلافة، ثم ما لبثت أن حلّت السلطنة محل الخلافة في أعمالها والتزاماتها. لذا،

لمّا سقطت الخلافة العباسية سنة 1258 لم تكن هناك حاجة إلى تغيير هذه النظرية. ارتسمت في هذا السياق، أي في سياق إنتاج الأفكار السياسية وتداولها في تعبيراتها الفقهية، وجهة نظر في الفقه

والسياسة واضحة المعالم، من الماوردي (ت 1058 م) إلى رشيد رضا (1935-1865)، تتواصل بين الماضي

والراهن عبر تكيّف الفقه مع الأمر الواقع، في محاولة لإعطاء مشروعية لدولة الخلافة أو لمن يحل محلها، وهو

موقف يلخّص موقف الإسلامية - السنية حيال مسألة الدولة في واقع تفتت السلطات قديامً، والسعي إلى وحدة

الدول كعنصر استمرار لوحدة «الأمّة» كما يطرحها رشيد رضا في مواجهة خطى اضمحلال السلطة العثمانية

وتفتتها حديثًا.

ثالثًا: استيعاب السلطنة العثمانية للخلافة وتحولّاتها

بالنسبة إلى كوثراني، لم تعد مؤسسة الخلافة منذ سقوط بغداد مسألة أساسية في الفقه السياسي الإسلامي السنّي؛

إذ أضحت نظرية الماوردي والغزالي في قبول السلطان على المستوى الشرعي، وآراء «نظام الملْك» في تحديد

مهمات الحكم وأساليبه وطرائقه على المستوى السياسي، وهي التعبير عن الفكر السائد بشأن الدولة القائمة

وقبول الجماعة لها. وعلى هذا يضيء كوثراني جوانب الازدواجية التي تتخذها السلطنة من الهيئة الدينية؛

فباستثناء ما يتعلق بواجب تطبيق أحكام الشرع – وهو واجب قبله السلاطين العثمانيون بطريقة تفوق ما

أبدت قبوله أي أسرة حاكمة أخرى في العالم الإسلامي، «فإن المفهوم العام للسلطات الملكية ووظائفها في

الإمبراطورية العثمانية لم يتأثر بالآراء الإسلامية إالّ بشكل طفيف. ذلك أن السلاجقة قد تأثروا كليًا بالآراء

19 كوثراني، الفقيه والسلطان، ص.42-40

20 المصدر نفسه، ص.33-32

21 وثائق المؤتمر العربي الأول، 1913، ص.20

22 كوثراني، السلطة والمجتمع والعمل السياسي، ص.10

الفارسية التي طابقت تمامًا وجهات النظر التركية القائمة على التنظيم العسكري للقبيلة التركية، وهو ما ورثه

عنهم خلفاؤهم العثمانيون». -1 الطابع المدني للسلطنة العثمانية، وهيمنة السياسي فيها على الهيئة الدينية نظر كوثراني إلى السلطنة العثمانية بوصفها استمرارًا لتنظيم السلطنة البويهية والسلجوقية، وأدرجها كحلقة

في سلسلة الدول التي قامت في التاريخ الإسلامي على قاعدة التغلب، أو على مفهوم «إمارة الاستيلاء» الذي

نجد لدى الماوردي تبريرًا شرعيًا له، حيث يحصل السلطان أو (أو إمارة الاستيلاء) على الشرعية اللازمة من

الخليفة بعد ممارسة السلطان (أو إمارة الاستيلاء) مهماته الفعلية المقتطعة من الخليفة، ف«تصبح السلطنة وفقًا

لهذا المفهوم مقبولة لدى جمهور الفقهاء ك (سلطة ضرورة) يحتمّها الأمر الواقع وحاجة الاجتماع البشري».

ولم يعد لمؤسسة الخلافة أي دور يُذكر مع وجود سلطنة قوية، فقد استعاضت السلطنة العثمانية عن مؤسسة

الخلافة بدور الفقهاء، ولم يجد السلاطين العثمانيين حرجًا، وهم الذين قاموا بالفتوحات الكبرى باسم الإسلام،

في التلقُّب بلقب الخليفة، وأشارت ألقاب سليم وخلفائه (حامي الحرمين الشريفين) إلى استخدام الديني في

السياسة، ثم «تبلور هذا كله (أي مصادرة السلطنة للهيئة الدينية) مع قيام مؤسسة دينية أخذت بدورها طابعًا

تنظيميًا سلطويًا إلى جانب الهيئة القائمة الحاكمة». واستقر الأمر للسلاطين العثمانيين بأن دمجوا دار السلطنة بدار الخلافة، وحوّلوا القسطنطينية إلى «دار خلافة

ودار السلطنة». وفي أواخر القرن التاسع عشر قدّم السلطان عبد الحميد الثاني نفسه (خليفة) لجميع المسلمين،

في سياق محاولة أخيرة في صمود الدولة العثمانية العاجزة أمام الاختراق الأوروبي للمجتمعات الإسلامية كافة،

وقد أيد الفقهاء صمود الدولة السلطانية في هذا الجانب، وعارضه الفقهاء المجدّدون في جانب سياسته الداخلية

الاستبدادية، انطلاقًا من مبدأ الشورى الإسلامي، «ولعل أبرز من مثّل هذا الموقف جمال الدين الأفغاني الذي

رأى في السلطنة العثمانية إطارًا صالحًا لتوحيد المسلمين، والوقوف في وجه الغرب». أمّا في ما يخص العلاقة بين الفقيه والسلطان في هذا الطور السلطاني، فقد استقر موقع الفقيه الوظيفي في حيّز

القضاء والتعليم، مع هامش من الاستقلالية يسمح للفقيه بإبداء النصح والمشورة، «فالصورة التي آلت إليها

العلاقة بين السلطان والفقيه لم تعد تعكس إشكاالً في العلاقة يثير مسألة الشرعية من جانب الفقيه، ولم تطرح

تخوفًا من جانب السلطان، إذ إنها صارت نوعًا من التكامل الوظائفي، وذلك لاستمرار العلاقة بين الدولة

السلطانية التي تفرض عليها ضرورات السياسة أنماطًا من التنظيم والتدبير، وأنواعًا من الحلول والقوانين،

وأشكاالً من الأعراف والتقاليد، وبين مجتمع إسلامي يبحث عن شرعية إسلامية لسياسة الدولة، فيقوم الفقهاء

بإسباغ الشرعية عليها، ويبثون ثقافة امتثالية في المجتمع». ولا يعني تنظيم العلاقة على هذا الشكل بين

المؤسسة الدينية الفقهية والمؤسسة السياسية (السلطان) انفصاالً للدِّين عن السياسة، ولا انفصاالً للدولة عن

الدِّين، ومن دون أن يعني ذلك دمجًا لهما، فالطابع العام للعلاقة بين الفقيه والسلطان يقوم على نوع من التكامل

الوظيفي، وقد شكل هذا التكامل الوظيفي بينهما إطارًا تأسس في أجهزة وأقنية ومؤسسات ووسائط سلطة

23 كوثراني، الفقيه والسلطان، ص. 65

24 المصدر نفسه، ص.73

25 المصدر نفسه، ص.48

26 كوثراني، السلطة والمجتمع والعمل السياسي، ص.41-40

27 كوثراني، الفقيه والسلطان، ص.64

تقوم بين المجتمع وأهل الدولة، وأهم هذه الوسائط: القضاء والتعليم والزوايا الصوفية ومشيخة الإسلام

المُستحدثة في العهد العثماني. وينبّه كوثراني هنا إلى أن ذلك التكامل الوظائفي لا ينفي ظاهرة استمرارية المفهوم

الفارسي لسلطات الملكية ووظائفها، «هذا المفهوم الذي ورثه العثمانيون عن السلاجقة ووزيرهم نظام الملك»

فغدا التعليم والقضاء، والمؤسسة الفقهية ممثّلة بمشيخة الإسلام، بمنزلة جسور التلاقي بين الفقيه والسلطان،

وقد حرص السلطان من جانبه على تثبيت هذا الحيّز من العلاقة مع الفقهاء، وهو حيّز لا يمس استقلال المؤسسة

السلطانية. ولخّص كوثراني مشهد العلاقة بين السلطنة كمؤسسة سياسية وبين الهيئة الدينية، في كتابه الذاكرة

والتاريخبقوله «تفيدنا خبرة التاريخ الإسلامي، وخاصة في المرحلة العثمانية والصفوية، بأنه لم تكن ثمة علاقة

بين رسم السياسات السلطانية بشأن الحروب والمعاهدات، أي بشأن السياسات الدولية وبين موقف الفقهاء

وفتاويهم. لقد تحددت الأدوار بين الهيئة السلطانية والقضاء ومشيخة الإسلام وفقًا لأعراف وموازين قوى

ومؤسسات ومناصب. وانحصرت بشكل أساسي مهمة الفقهاء المنتظمين في وظائف رسمية (من مفتين وقضاة)

والدائرين في فلك أوقاف الدول وطرق الصوفية وزواياها أو خانقاناتها، في تأمين استقرار النظام الاجتماعي

وبث ثقافة دينية نظامية وامتثالية. أمّا بشأن الحروب في الداخل أو في الخارج، فإن ذلك كله كان من اختصاص

السلطان أو الشاه ووزرائه وعساكره، وانحصر دور الفقهاء في إصدار الفتوى، فتوى محاربة المنشقين والخوارج

أو البغاة أو الروافض، أو فتوى الجهاد في حال الصراع مع الخارج، كما كان حالهم في الصراع الصفوي- العثماني.

فكان فقهاء الدولة الصفوية والعثمانية يبررون الحروب في داخل العالم الإسلامي، أو تغليب مراكز الصراع على

السلطة (صراع الإنكشارية مع السلطان العثماني). وكل هذا كان يحصل في وقت كان يُلجأ فيه إلى المعاهدات

التحالفية المحورية بين دولة محلية (إسلامية) وأخرى أوروبية (المعاهدة العثمانية الفرنسية والمعاهدة الصفوية

البرتغالية»..). يذهب كوثراني خطوة أبعد، ويؤكد الطابع المدني للسلطنة، فيقول: «فالسلطنة كأمر واقع وظاهرة تاريخية، كانت

تذهب، معزولة عن سياقها الشعبي والتعبوي، نحو حكم علماني دنيوي قد يختلف عن أحكام الشريعة».

وقد ساهم تطوّر بناء السلطنة العثمانية، مع الزمن، في إضعاف استقلالية المؤسسة الدينية أمام السلطة السياسية

وأجهزتها. ويذكر كوثراني أن مرحلة المفتي أبي السعود شكّلت «مرحلة انعطاف في تاريخ مناصب الإفتاء

في الدولة العثمانية (عيّنه السلطان سليم واستمر في عهد سليمان القانوني)، فمنذ هذه المرحلة، وهي مرحلة

التأسيس التشريعي والقانوني الدائم للدولة (تشريع قانون نامة منسوب إلى سليمان القانوني)، يدخل منصب

الإفتاء في إطار المؤسسة الإدارية والقانونية تحت عنوان ‹مشيخة الإسلام› ومن خلال مكاتب وإدارة ومراسيم

وموظفين». ففي المراحل الأولى لم يكن المفتي يحتاج إلى المال وأدوات سلطة (إدارة ومكاتب وموظفين)، أمّا

في المرحلة اللاحقة، «ومع تنظيمات السلطان سليمان، [...] اكتسبت مؤسسة الإفتاء (مشيخة الإسلام) تنظيامً

إداريًا واسعًا وأضحت مركزًا من مراكز القوى السياسية في الدولة. ونُظّمت العلاقة بين شيخ الإسلام والصدر

الأعظم والوزراء وفق بروتوكولات محددة». عندها تحوّلت وظائف المؤسسة الدينية العثمانية التابعة للدولة

إلى منافذ للجاه والمال، وتمكين سلطة المتغلبين من العساكر أو من الأمراء المحليين، وصار الوضع برمّته يتجه،

بحسب كوثراني، نحو توحيد مؤسسة الإفتاء والقضاء في الدولة، في حين كان المجتمع يتجه نحو التفكك وبروز

أمراء التغلب في الأطراف، وغدا كل طرف، في ظل هذا الوضع، يبحث تحسين موقعه أو تثبيته، يبحث فيه

28 كوثراني، الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل، ص.155-154

29 كوثراني، الفقيه والسلطان، ص.64

30 المصدر نفسه، ص.71-70

الشيخ أو الوالي الإفادة من نظام التلزيم والجباية، ويبحث القاضي المحلي أو المفتي عن تثبيت منصبه، أو ترقيته.

لهذا يختم كوثراني تقريره هذا بالقول «أمّا المؤسسة الدينية، فقد أضحت جزءًا من مراكز القوى، تميل عبر شيخ

الإسلام والقضاة، إلى القوة الغالبة، سواء تمثّلت بالسلطان أو بالإنكشارية». وقد شكّل علماء الدِّين ما يُسميه كوثراني «المؤسسة الدينية» في جهاز السلطة العثماني، ذلك أن السلطنة قامت،

وبسبب ما يمكن أن يضفيه ممثلو الشريعة عليها من «شرعية»، بتنظيم العلماء على شكل سلسلة مراتب، وإجراء

المرتّبات عليهم بانتظام. وكان رؤساء هذه المراتب الدينية، وهم شيوخ الإسلام وكبار شيوخ القضاء والإفتاء،

يُستشارون في شؤون الدولة العليا، ويقوم القضاء في الأقاليم بدور الوسيط أو السبيل الأكبر للاتصال والترابط

بين الحكومة المركزية والرأي العام. وبناء على ذلك، يستنتج كوثراني أن «هذه المؤسسة الدينية التي اعتبرها

المؤرخون جزءًا من جهاز السلطة العثمانية، شكّلت في الواقع نافذة ‹المؤسسة الحاكمة› على المجتمع عبر وظيفتها

القانونية والتعليمية في الولايات والمقاطعات، بيد أن هذه النافذة لا تستوعب كل العلماء..». لهذا، فإن وضعية

الهيئة الدينية هذه لم تغلق الباب نهائيًا على إمكانات الخروج على نهجها الموالي للسلطة، إذ «يبقى الإطار مفتوحًا

لاستقلال قسم من العلماء عن المؤسسة الحاكمة». ذلك بأن العصبية العثمانية المركزية لا تستطيع، مهما

حاولت، أن تصطبغ ب«الدعوة الدينية» وأن تدمج المجتمع الأهلي بها دمجًا عضويًا، فالنص الإسلامي يبقى عصيًا

على الاحتواء، ومنفتحًا على الاجتهاد والتفسير خارج تقنينات المؤسسة الدينية. فمنذ بدأ السلاطين العثمانيون

الأوائل يصدرون «قوانين نامة»، وحتى مرحلة إصدار التنظيمات وإعلان الدستور سنة 1908، كانت تلك

القوانين السلطانية موضوعًا للتساؤل لدى الفقيه «المستقل»، ومن ثم انفتح الجدل واسعًا في أواخر القرن

التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بين الفقهاء المجدّدين حول صيغة الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد وإقامة

حوار بين الشريعة والقوانين الوضعية، يقوم على التوفيق أو الانتقاء، كما أن هذه الاستقلال في الشريعة ولنفوذ

المشرعين هو الذي ضمن، طوال العهد العثماني، استمرار مفهوم الأمّة عند المسلمين، ومنع العصبية العثمانية من

التوحيد والدمج. كما أشار كوثراني إلى أن هناك شبكة من التنظيمات الأهلية والسياسية في الاجتماع السياسي

العثماني قامت بدور داعم لاستقلالية التوجهات الدينية والفكرية؛ فالاجتماع السياسي العثماني غني بالتنوعات

المذهبية والعرقية، فضالً عن التنظيمات الأهلية، بما فيها ما اكتسبته الطوائف غير الإسلامية من أهل الكتاب من

استقلالية «النظام الملي»، والوسائط السياسية المحلية، التي شكّلت مناخًا مشجعًا على النزعة «الاستقلالية» أو

الانكفائية. فقد لجأت السلطنة العثمانية إلى «الوسائط السلطوية» المتمثّلة في العصبيات المحلية، التي اندرجت

بدورها في حيّز الاستقلالية، منتظمة في فرق وطرق وطوائف متمذهبة في مذاهب مختلفة. -2 المعارضة والولاء في العلاقة بين المركز والأطراف في إطار هذه الاستقلالية، حافظت المجموعات السكانية المذهبية على نصوصها، وأعادت إنتاجها. وسمح هذا

للمجموعات السكانية بأن تمارس سلطة محلية، إمّا بصيغة الاستتباع الضرائبي للعصبية الغالبة المركزية وإمّا

بصيغة الامتناع عنها، أي إمّا الولاء للمركز وإمّا معارضته. هذان هما الوجهان الرئيسان لحركية الحياة السياسية

الاجتماعية العثمانية كما يصفها كوثراني. أمّا الاستتباع، فقد عربّت عنه أيديولوجيًا خير تعبير المؤسسة الدينية

العثمانية (مشيخة الإسلام)؛ فقد «لعبت هذه الهيئة الإسلامية في ظل الضبط السياسي والاقتصادي التنظيمي،

31 المصدر نفسه، ص.82-81 32 كوثراني، السلطة والمجتمع والعمل السياسي، ص.43

33 المصدر نفسه، ص.66-65

دورًا أيديولوجيًا في خدمة السياسية السلطانية، وبدأ الفقيه يفقد استقلاليته تدريجيًا وتمايزه عن أجهزة السلطة

الإدارية والعسكرية، كما كان أثناء صعود المشروع العثماني الإسلامي خلال القرنين الأولين من تشكله، ليندرج

شيئًا فشيئًا، ابتداء من القرن السادس عشر في هذه الأجهزة نفسها، عبر مواقعه المختلفة في هذه الأجهزة (مفتٍ،

إمام، خطيب، مدرس، واعظ..)، ويقوم بدور السلطة الأيديولوجية للنظام العام، وذلك من خلال نشر نمط

محافظ ومكرر من الثقافة السائدة في كل أنحاء الدولة العثمانية. وكان قد قام بمهمة الاستمرارية الثقافية من

خلال نقل ما تتضمّنه تعاليم السلف إلى الخلف.. لكن هذه الاستمرارية والتواصل كانا من نتاج الخضوع

للثقافة للسياسة». في المقابل، فإن موقف الامتناع والمعارضة متنوع، فمنه ما ينتمي إلى مألوف الاجتماع السياسي الإسلامي

ومشكلاته، من حركات تحمل دعوة إلى مرجعية إسلامية مثل الحركات الإسلامية المناهضة للسلطنة العثمانية،

كالمهدية والوهابية والسنوسية التي برزت كصيغة امتناع عن الاستتباع للعصبة العثمانية المتغلبة، وهي بهذا المعنى

عصبيات ممانعة تصطبغ بالدِّين وتحمل لواء الدعوة في «خروجها» عن المركز. إنها جزء من الاجتماع الإسلامي

الذي وصفه ابن خلدون في تحليله للعلاقات القائمة بين العصبية والدعوة في بناء الدولة. وأيضًا هناك ممانعة

الولاة الذين لهم حساباتهم وأهدافهم المستقلة عن السلطان، ويهدفون إلى أن يفرضوا على السلطان الاعتراف

بهم في مقابل إيفائهم بالتزاماتهم لخزينة الدولة، أو لهم طموحات كبرى فينخرطون في صراع مع السلطان

ويهدّدون سلطته المركزية كحال علي بك الكبير ومحمد علي باشا، أو ولاة أو أمراء محليين يطمحون إلى إنشاء

إمارات مستقلة كحال الأمراء المعنيين والشهابيين. هذا النوع من الحركات أو الممانعات ينظر إليه كوثراني على أنه ينتمي إلى الحركات المألوفة في الاجتماع السياسي

الإسلامي، التي تتوزع بين «الدعوة» وهي تحمل مشروع مرجعية إسلامية تستعيد فيه - على حد زعمها –

«الإسلام الحقيقي»، أو تحمل بذور صراع على الغلبة، كحال إمارات الأطراف المتغلبة، وهي حركات مألوفة

في حقل الاجتماع السياسي الإسلامي. وينكر كوثراني على هذا النوع من الممانعات انتسابه إلى حقل مفاهيم

الحداثة السياسية، كالقومية والوطنية، وأن يُعطى لها تفسيرات قومية من لدن التاريخ الأيديولوجي السياسي

المعاصر، بل هي عنده لا تتعدى أن تكون جزءًا من تفكك السلطنة العثمانية، ارتكازًا على قواعد مؤسساتها، من

صلاحيات ولايات الأطراف إلى نظام الالتزام، وبالتقاطع مع التأثير الأوروبي. كان من الممكن، في رأي كوثراني، لدولة محمد علي باشا، لولا التدخّل الأوروبي، أن تكون سلطنة جديدة مركزها

القاهرة، بديالً من السلطنة العثمانية القائمة، التي تبرز في سياق حركية الاجتماع السياسي الإسلامي وقوانينه

الداخلية، لكن هذا لم يحصل بسبب عوامل خارجية. وتنطبق الحال ذاتها على الحركة الوهابية التي عربّت عن

نفسها كصيغة داخلية لمشروع سلطة إسلامية بديلة، لا تطرح نفسها دولة – أمّة عربية، بل دولة إسلامية على

رأسها خليفة عربي. غير أن تلك الحركات الممانعة كان لها مفاعيل عميقة على الاجتماع السياسي العثماني؛ إذ

أشار كوثراني إلى أن فشل حركتي محمد علي والحركة الوهابية أذنتا ب «انفتاح صفحة جديدة في تاريخ الدولة

العثمانية ومجتمعاتها، حيث ستنذوي أشكال دفاع الاجتماع الإسلامي على نفسها في طرائف حرفية في المدن، في

الأحياء وحول المساجد، وتبرز عصبيات الملّية والطوائفية والصراعات القبلية في الريف قوية، حادة إلى درجة

لم يعد باستطاعة الاجتماع الإسلامي ودولته أن يؤلفا فيما بينها. ذلك أن الاختراق الغربي قد حطم علاقات هذا

34 كوثراني، الفقيه والسلطان، ص.72

35 كوثراني، السلطة والمجتمع والعمل السياسي، ص.76-75

الاجتماع، فوصلت صعوبات الدولة العثمانية إلى حدود قياسية، لم تقتصر هذه الصعوبات على انسلاخ أطراف

أوروبية عنها، بل وصل الأمر إلى أن مجتمعها الداخلي قد وصل إلى حد التفكك والانفجار». -3 أزمة السلطنة في مواجة العصر الحديث ومستحقاته يُشعرنا الدكتور كوثراني بأن الأوضاع العثمانية وصلت آنئذ، أي في النصف الثاني للقرن التاسع عشر، إلى أبواب

موصدة أمام مشاريع الإصلاح (السلطاني)، أو مشاريع القصر، لأن تلك المشاريع باتت تدفع الاجتماع السياسي

العثماني إلى المزيد من التمزق، فيعربّ عن ذلك بقوله: «في سياق هذا التقهقر كان الحل العثماني الرسمي عبر قوى

السلطة المركزية في استانبول، يصيغ (يصبح) من داخل أسباب وعوامل هذا التفكك الحلول الممكنة للإنقاذ»؛

فقد شكّلت الدولة المركزية الأوروبية نموذجًا ومصدرًا للاقتباس، فمركزية الإدارة والسلطة التي كانت تُبنى

في أوروبا في سياق عملية القضاء على التشرذم الإقطاعي وبناء الدولة القومية وأجهزتها ومؤسساتها (الإدارة،

البرلمان، الجيش..) شكّلت الحل – الوهم- في سبيل مركزة السلطنة العثمانية وربط أجزائها، «بيد أن إدارة دولة

(حيادية) ومنفصلة، في مجتمع متعدد الأقوام والطوائف والملل»، كما يقول كوثراني، يطرح صعوبة، بل «استحالة

قيام إدارة متجانسة ومهيمنة في الوقت نفسه، لذلك كان لا بد أن تبرز الهيمنة التركية بشكل واضح وحاد في

العملية التي رافقت بناء الإدارة العثمانية بعد عام 1860، وذلك رغم محاولة السلطان عبد الحميد الثاني، فيما

بعد، أن يقدم نفسه ‹خليفة المسلمين»..›. فهذا المشروع السلطوي العثماني هدَّم أسس الاجتماع السياسي العثماني نفسه، ولم يُرسِ بناء جديدًا يلائم ائتلاف

أطراف الاجتماع السياسي وتوافقها وتعايشها بل زادها تمزيقًا وتفككًا، وذلك أن الذي وحّد الأقوام والعصبيات

في التاريخ الإسلامي هو الشريعة، أي جملة القوانين المستمدة منها والتي تنظم الحياة اليومية لجماعة المسلمين.

فالشريعة هي التي سمحت بانفتاح المجتمع، عبر تشكيلاته، على الدولة، وأتاحت لعملية الصراع الاجتماعي أن

تأخذ طريقها في محاربة السلطة القائمة باسم الشريعة نفسها، بينما شرعت الإدارة العثمانية، في ظل استبدادها،

تحت سقف مشروعها الإصلاحي الجديد، في بناء صورة الإدارة الأوروبية «نحو تجانس تركي وهيمنة تركية».

وبالنتيجة، فإن «مركزة السلطة لتوحيد الدولة شكّل عمليًا الدافع نحو أن تترجم ‹العثمانية› نفسها هيمنة

تركية أو تتريكًا بعد استلام العسكريين الأتراك للسلطة مباشرة على مستوى القوى التركية الحاكمة، وأيضًا

نحو أن تتحول (العثمانية) على مستوى الأقوام الأخرى إلى أيديولوجية قومية خاصة بكل قوم، وبالنسبة إلى

العرب العروبة». لا يعني هذا أن كوثراني يريد إصلاحًا يُستعاد فيه نمط بناء الاجتماع السياسي السلطاني، فهو يعرف أن هذه

الصيغة من الاجتماع والحكم ما عادت تلائم سياسات هذا العصر ومفاهيمه، فضالً عن أن المجتمع أو الأمّة

ضاقا بالنظام السلطاني ذرعًا، إالّ أنه لا يتنكر لهذا التاريخ، أو يتعامل معه كتاريخ دخيل علينا، وبالتالي فهو

رفض استخدام مفاهيم أيديولوجية غير مطابقة، كمفهوم الاستعمار لوصف هذه الحقبة على طريقة القوميين

الأيديولوجيين. فقد تعامل كوثراني مع الحقبة العثمانية واجتماعها السياسي على أنهما مرحلة انتمى إليها التاريخ

العربي بكل ما فيهما من نجاحات أو إخفاقات؛ فهو يعرف - كدارس في علم الاجتماع السياسي التاريخي- أن

الاجتماع السياسي العثماني الذي اندرج فيه العرب قرونًا عدة لا يختلف بحال عن الاجتماع السياسي السلطاني

36 وثائق المؤتمر العربي الأول، 1913، المقدمة، ص. 35-33 37 المصدر نفسه، ص.37-36

38 المصدر نفسه، ص.41-39

الإسلامي الذي ألفه العرب في تاريخهم الإسلامي الطويل. من هنا، فإن حال الاجتماع العثماني في ذلك كحال

الاجتماع السياسي المملوكي أو السلجوقي، هو مرحلة من المراحل التي تكوّن منها التاريخ العربي. كتب كوثراني

موضحًا: «منذ حدوث الانقطاع بين الخلافة الراشدية.. وبين ‹الملْك العضوض› الذي بدأ مع تغلب معاوية،

وحتى نهاية المرحلة التي تحكمت فيها ‹إمارة الاستيلاء› والسلطنات التي برّرها الماوردي، وشرح ابن خلدون

طبيعة قيامها وطريقة نشوئها، استقرّت الدولة في التاريخ الإسلامي على ثوابت معيّنة من المفاهيم والمؤسسات

والأعراف والسلوكات انسحبت بدورها على الدولة العثمانية نفسها، فمؤسسة ‹السلطنة› التي قامت، ‹بحكم

الضرورة›، مقام الخلافة، ونابت عنها في بعض المهمات، هي نفسها في المنطق الفقهي الذي برّره الماوردي في

(الأحكام السلطانية) المؤسسة ‹العثمانية› التي ورثت المدرسة السلجوقية في آسيا الصغرى». قدّم كوثراني قراءة للاجتماع السياسي التاريخي الإسلامي، ولا سيما العثماني، في حركيته العامة حتى وصوله

إلى طريق مسدودة، وظهور المشاريع الإصلاحية التغييرية في وجهه، إلى أن قامت بالانقلاب عليه، ومن ثم

إلى تفككه وانحلاله، ولا سيما بعد أن ألغى مصطفى كمال الخلافة رسميًا سنة 1924، وبالتالي الدخول في

سياق تكوين أسس اجتماع سياسي جديد. فتناول تأثير بيئة المرحلة الانتقالية من العثمانية إلى مرحلة الانتداب

في العمل السياسي، حيث واجه الاجتماع السياسي العربي حينذاك اختلافًا وتباينًا في صوغ تصوّرات واضحة

بشأن الدولة، وتجاذبته مفاهيم إسلامية ومفاهيم حديثة عن الدولة بالمعنى القومي، دولة سيادة على إقليم،

ونمط بناء الدولة - الأمّة، مفاهيم أخرى تحمل تأثيرات التراث العربي الإسلامي في الدولة، التي ترجع إلى

مفهوم «الولاية» التي تتسع مهماتها السلطوية وتضيق تبعًا لعلاقة التوازن بين الخليفة أو السلطان وبين الجماعات

التابعة وممثّليها على المستوى المحلي: عصبيات ومذاهب ومِلل. فهي ليست دولة عرقية، أو دمجية لأمّة، أو منطقة

جغرافية، إنها إطار لتعايش أشكال السلطات المندمجة والمتراتبة. غير أن كوثراني لم ينظر إلى هذا التحوّل من وجهة واحدة لا ترى فيها سوى انتقال من «الاستبداد الشرقي»، أو

من «النمط الآسيوي للإنتاج» إلى التمدن والتحضر، أي إلى المثال الذي قدّمته الدول الغربية: نموذج الدولة

- الأمّة بديالً من الدولة العثمانية، بينما قدمت هذه الدولة بتكوينها الاجتماعي المركّب، في رأي كوثراني، صيغة

منفتحة على جميع الاحتمالات التي تتيحها معطيات تركيبها السكاني الإثني والديني من جهة، وتوازنات الدول

الكبرى في مشاريعها لبسط نفوذها من جهة أخرى، فيذكِّر بضرورة توسيع حقل النظر إلى نسبية الثقافات، وإلى

غنى مجال التاريخ وتنوّع ميادينه وقوانينه، وهو المجال الذي يسمح بالتنوّع والاختلاف بين الثقافات والأمم

في منحاها العالمي. من هنا، نظر كوثراني إلى تحوّل الاجتماع السياسي من «الولاية» إلى الدولة بنظرة تشمل تلك

المسائل كلها على تعقّدها وتنوّعها، بما فيها مسائل التحضر ومشروع الحداثة الذي حملته النخبة، وأصناف تغلب

عصبيات الاجتماع العثماني، وتغلب الخارج في السياسة والحرب والمعرفة، وأيضًا دور الاجتماع الإسلامي في

العمل السياسي المحلي. -4 عوامل فشل الإصلاح العثماني الإصلاح العثماني: إلى جانب الممانعات والحركات التي اعتبر كوثراني أنها تنتمي إلى المناخ السياسي الإسلامي

التقليدي، عرض أيضًا لحركات الممانعة التي تنتمي إلى معطيات العصر الحديث تحت تسمية الإصلاح والنهضة،

39 كوثراني، السلطة والمجتمع والعمل السياسي، ص.33

40 المصدر نفسه، ص.20

41 المصدر نفسه، ص.25-24

فعرض لمشهد الإصلاح الآتي من القصر من جهة، وللإصلاح الإسلامي مع رجال الإصلاح الأوائل جمال

الدين الأفغاني والشيخ محمدعبده من جهة أخرى. وحاول إعطاء صورة عن تلك الإصلاحات التي بادرت

السلطنة العثمانية إلى إجرائها من فوق، في إثر انكشاف أزمة السلطنة في مطلع القرن السابع عشر، فكان من

الطبيعي أن تتجه أنظار رجال الإصلاح الذين قُدّر لهم أن يكونوا قريبين من السلطان، إلى إصلاح الجيش

مصدر القوة، والمؤسسة الدينية مصدر الأيديولوجيا، فكانت رسالة قوجيه بك إلى السلطان مراد الرابع سنة

1630 م أهم تلك المحاولات التي حملت دعوات الإصلاح. وإذا كانت الحركات الإصلاحية قد توجهت

بشكل أساس إلى إصلاح القطاع العسكري والإداري والمالي في الدولة، فإن قوجيه بك أضاف إلى ذلك ضرورة

إصلاح الهيئة الدينية، فوجّه نقدًا خاصًا إلى المؤسسة الدينية إلى جانب نقده للمؤسسة العسكرية والإدارية

والمالية. غير أنه كان على دعوة الإصلاح أن تنتظر السلطان سليمان الثالث (1808-1789 م) حتى تشرع

في تأثيرها الفعلي؛ إذ بادر هذا السلطان إلى استحداث «نظام جديد» اهتم بتطوير التعليم بفتح مدارس جديدة

وبإدخال فروع جديدة عليها (الهندسة، الرياضيات وغيرها من العلوم العصرية)، مع استبعاد التعليم الديني

التقليدي؛ إذ «كان الهدف إيجاد بدائل للمؤسستين القديمتين (العسكرية والدينية)، من شأنهما أن تضعفهما لا

أن تلغيهما». فأسست تلك الإصلاحات قاعدة لتبلور اتجاه إصلاحي في الدولة استمد نماذجه من الصيغ

الأوروبية في بناء الدولة والمؤسسات، ويقابله اتجاه معاكس يقاوم التغيير استنادًا إلى فتوى الفقهاء، فكانت هذه

الثنائية، بحسب كوثراني، هي مكمن الأزمة التي عصفت في النهاية بتلك الإصلاحات، بما فيها التنظيمات، «إذ

كان أهل التنظيمات يبررون الإصلاح بالفتوى، أي مطابقة القوانين للأحكام الشرعية، والقوى المحافظة تلجأ

إلى تكفير الإجراءات الإصلاحية.. فإن الحركة الاستعمارية بدأت تشكل جانبًا من جوانب أزمة الإصلاحات

في الدولة العثمانية.. إن كان من موقع المشجع.. وإن من موقع المعيق». لاحظ كوثراني أن المرحلة الفاصلة بين محاولة «التنظيمات» التي بدأت مع خط كلخانة سنة 1839، وانطلاق

تنظيم الولايات سنة 1864 لإعادة ترتيب صيغة الولاية على قاعدة المركزية، قد شكَّلت فترة تأزم مجتمع كان

مطالبًا ب«التكيّف» مع وقائع جديدة: الضغط الأوروبي المتزايد، ولا سيما حيال مشروع محمد علي، واختراق سلع

الغرب الأسواق العربية، ثم واقع الضغط العثماني بمركزة السلطة عبر إضعاف وسائط السلطة الأهلية المحلية

وإلحاقها باسطنبول مباشرة، والاستغناء عن المواقع والأدوار المحلية والأهلية التي كان يقوم بها المقاطعجية

والأعيان والعلماء ومشايخ الحرف والنقباء، فكان أن أثار هذا التحوّل الكبير اضطرابًا اجتماعيًا وسياسيًا حادًا.

غير أن القوى المحلية حاولت احتواء المؤسسات والهيئات المحلية، وظهرت خيارات أخرى متعددة المشارب

في مواجهة المشروع السلطاني الذي يريد تحويل الاجتماع السلطاني المتعدد إلى اجتماع سياسي انصهاري على نمط

الدولة - الأمّة ذات اللون التركي. وتراوحت تلك الخيارات بين المحلي والعروبي والإسلامي، وبين الاقتباس

من الغرب والأصولية الإسلامية، وبين الانتقاء والتوفيق بين المصدرين، وقد تأثرت تلك التوجهات بالعلاقات

الدولية وبردّات الفعل العثمانية. لا خيُفي كوثراني حكمه على مآل المشروع السلطاني العثماني الذي توضحت معالمه في مرحلة التنظيمات

وبلغ ذروة وضوحه وخطورته في حقبة الانقلاب الدستوري 1908، مرحلة تركية الفتاة التي تبنّت سياسة

التتريك رسميًا. يكتب في هذا الصدد بوضوح: «في هذا السياق التاريخي، ومنذ مرحلة التنظيمات الأولى

42 كوثراني، الفقيه والسلطان، ص.83

43 المصدر نفسه، ص.84

44 كوثراني، السلطة والمجتمع والعمل السياسي، ص 88 و.122

التي استهدفت الإنقاذ، وحتى آخر ‹إجراء تنظيمي› في عمر الدولة العثمانية، كانت السلطة العثمانية تسير

نحو حتفها من خلال منطق التشبث بنقل نموذج الدولة القومية المركزية الذي أنتجته الحركات القومية في

أوروبا... دون الانتباه إلى أن ما أمَّن عناصر الاجتماع السياسي في استمراريتها التاريخية الطويلة، هو ذاك

الاستقلال النسبي الذي نشأ في القديم بين الهيئة الحاكمة ومختلف السلطات المحلية الموجودة في مجتمعات

الأطراف، فضالً عن الدور الذي لعبته المؤسسات التاريخية الإسلامية في إحداث هذا الاستقلال القائم

على السلطات الوسيطة.. كل هذا فتح على صراعات أهلية حادة مع محاولة بناء (الدولة القومية) العثمانية

الجديدة، وأدى إلى انقطاع واضح في طبيعة العلاقات بين السلطات المحلية الأهلية من جهة، والسلطة

المركزية في استنبول من جهة ثانية». وهكذا، وصل مشروع السلطنة الدمجي الانصهاري للمجتمع والدولة في البوتقة القومية (التركية) إلى طريق

تقود، لا محالة، إلى انفجار الاجتماع السياسي العثماني. ويذهب كوثراني إلى تبيان أن هذا المشروع وصل إلى حده

النهائي عقب إصدار قانون الولايات الجديد، بالتساوق مع الجهود الفكرية والثقافية، التي بُذلت من أجل

مشروع القومية العثمانية عن طريق التتريك، فصارت «السلطات المحلية العائدة للمِلل والنِّحل والتجار في المدن

السورية، أو للعصبيات المذهبية والقبلية الممتنعة في الأطراف والجبال.. تبحث عن (مشاريعها البديلة). هذا

البحث جاء في سياق استحالة أن تتحول السلطنة إلى ‹دولة قومية حديثة»..›. تفحّص كوثراني هذا الإطار الواسع من التنافس والصراع بين مشروع السلطنة المركزي والمشاريع الممانعة

بصورها المختلفة، في مناخ تنافس دولي موضوعه الوصول إلى مناطق نفوذ جديدة، فارتسمت لديه صورة

معقّدة لمرحلة الانتقال من العثمانية إلى ما بعدها من مشاريع بديلة غربية ومحلية، ما لبث أن انفجر في هذه

الصورة الوضع الدولي على شكل حرب كونية شاملة، فاختلطت في هذه المرحلة الانتقالية البرامج المحلية،

ومشاريع المقاومة، مع خطط الهيمنة الغربية. وترافق ذلك مع عجز الدولة العثمانية في أن توحّد مجتمعًا متعددًا

متنوعًا، وأن تضبطه في أطر تنظيمية واحدة وإدارة مركزية قوية، في وقت تعددت فيه مشاريع السلطات المحلية

في الولايات، وتعددت فيه خطط الهيمنة الغربية؛ فعند انفجار الحرب الكونية كانت عوامل انفجار الدولة

العثمانية الداخلية والخارجية قد تهيأت بصورة كاملة، ودخل العرب عندها في طور جديد من اجتماعهم السياسي. أمّا المشاريع الإصلاحية التي انبثقت خارج مؤسسة السلطنة، ودور الهيئة الدينية في إنتاج توجهات إصلاحية

تواكب أزمة السلطنة، فقد حاول كوثراني بصددهما رسم لوحة عامة للتوجهات الإصلاحية، وتوقف عند

القصور المزمن الذي طبع أداء الهيئة الدينية وسلوكها المحافظ؛ فقد لاحظ أن الأصوات الداعية إلى إصلاح

مؤسسات الدولة العثمانية كانت تنتمي، في معظم الأحيان، إلى منتسبي جهاز «الديوان» الحاكم (من وزراء

وإداريين كبار) الذين حملوا همَّ الإصلاح من وجهة نظر مصلحة الإدارة وأجهزة الدولة، وإنقاذ الدولة ببناء

دولة عثمانية حديثة، أو أنها تمظهرت في حالة فكرية عربّ عنها كتّاب العثمانيون الجدد، والحركة السياسية الليبرالية

الدستورية، وعرُبّ عنها بحركة «تركية الفتاة» وجماعة «الاتحاد والترقي» وحزب «الحرية والائتلاف»، وهي نخب

فكرية وعسكرية جديدة في تكوينها وثقافتها، رأت أن إنقاذ الدولة العثمانية يتم عبر اعتماد «النموذج الغربي» في

بناء الدولة، بينما عكس موقف علماء الدِّين حالة الانحطاط والتخلّف والجمود والخنوع التي طبعت أوضاعهم.

45 المصدر نفسه، ص.211-210

46 المصدرنفسه، ص.212-211

47 المصدرنفسه، ص.215

لذا، لم يكن منتظَرًا لدى كوثراني، والحالة هذه، أن تتولّد حالة إصلاحية داخل هذه المؤسسة وبعوامل ذاتية،

ائلاق اله هيف ةداوه لا ادقن هّجوفً: «لم يكن فساد وانحطاط المؤسسة الدينية أمرًا عابرًا.. إن هذا الانحطاط كان

جزءًا من سياسة سلطانية لم تجد بُدًّا لحل مأزقها غير الإمعان في سياسة الاستبداد. كما كان جزءًا من آلية مصالح

لم تجد منفذًا لاقتناص المنافع في ظل انعدام الانتاجية وتقهقرها إالّ بتثبيت مواقع الجاه كوسيلة لجمع الثروة. كما

كان أيضًا جزءًا من قواعد اجتماعية استباحت المجال الفقهي في الحلال والحرام عن طريق الحيلة والالتفاف

على الحكم الشرعي، واستباحت المجال الروحاني الصوفي عن طريق تحويل الرمز إلى طقس شكلي.. حتى كاد

الاجتماع الديني أن يصبح اجتماعًا طقسيًا يتمحور حول السلطان». فكان من الطبيعي أن تصدر أصوات الاعتراض ونداءات التغيير عن أشخاص من خارج الأطر التقليدية

للمؤسسة الدينية، وعبر الاستجابة لتحديات التجربة الغربية. من هنا، رأى كوثراني أن تجربة الصحوة

الإسلامية في مصر قدّمت نماذج من العلماء المستقلين بدءًا من الجبرتي إلى عمر مكرم إلى الطهطاوي إلى محمد

عبده والأفغاني، شجعوا على نقد المؤسسة الدينية العثمانية وسلطانها، وأخذ كل واحد منهم منهجًا خاصًا في

الإصلاح، فكان لمحمد عبده رأي خاص في طريقة إصلاح المؤسسة الدينية، وإصلاح الأزهر ومؤسسات

التعليم في مصر، وذلك عندما ضحى بالموقف الثوري ضد الإنكليز الذي لم تتهيأ له مصر بعد، منِأجل أن

يتمكن من إقناع السلطة بتسهيل عملية الإصلاح الديني والتعليمي وإصلاح الذهنيات، بينما انشغل الأفغاني

بالسياسات الكبرى، وركّز الكواكبي على عامل الاستبداد في التأخر. وأشار كوثراني إلى أن الكواكبي صاغ

توليفًا لعدد من العناصر الموروثة والمستجدّة في التجربة السياسية (الإسلامية، كما يسمّيها هو تمييزًا لها من

الإسلام كدين)؛ «توليفًا نقرأ صياغته في التوفيق بين مؤسسة الخلافة ومعطيات قيام الدولة والسلطنات في

الأقاليم ولدى الأقوام الإسلامية. وفي التوفيق بين الإسلامية والعروبية، وبين الأمّة الإسلامية والأوطان، بين

الجامعة الإسلامية والخصوصيات القومية، وأخيرًا بين الشورى ودور الفقيه والسلطان».

رابعًا: التفكير في الدولة والخلافة في زمن التحول الكبير

تابع وجيه كوثراني في كتابه الدولة والخلافة في الخطاب العربي إبان الثورة الكمالية في تركيا مابدأه في مؤلفاته

السابقة: تفحّص الاستراتيجيات الثقافية - السياسية التي طرحتها على نفسها النخب العربية - الإسلامية في

مواجهة واقع الغلبة الغربية على عالمنا العربي - الإسلامي، منذ مؤل فه الاتجاهات الاجتماعية - السياسية في جبل

لبنان والمشرق العربي 1920 -1860 إلى هذا الكتاب. وإذا كان قد عاين في كتابه الفقيه والسلطانأنماط العلاقة

بين الفقيه والسلطان في التجربتين: التجربة الصفوية - القاجارية في إيران، والتجربة العثمانية في تركيا والبلاد

العربية، فإنه في مؤلَّفه الدولة والخلافة في الخطاب العربي إبان الثورة الكمالية في تركيا قد استعاد «نصوصًا»

عربية عدة كُتبت في خضم النقاش الذي حفَّزت اليه تجربة مصطفى كمال التحديثية في تركيا، وما طرحته من

«نصوص» لتبرير فصلها السلطنة (= الجمهورية) عن الخلافة أوالً، ولتبرير قرار إلغائها الخلافة ثانيًا. - لقد أعيد التفكير في مسألة «الخلافة» و«الدولة» بشكل مقلق في خضم نزع طابع «الخلافة» عن الدولة

العثمانية، في نهاية الربع الأول من القرن العشرين (1922 - 1924)، فحاول كوثراني أن يرصد هذه اللحظة

الفكرية الخطِرة من الخطاب العربي المعاصر، حيث قدم لنا أنماطًا عدة من الإجابات بشأن هذه المسألة، تنطلق

48 كوثراني، الفقيه والسلطان، ص.88-87

49 المصدر نفسه، ص.89-88

من إشكاليتين فكريتين متقابلتين: أولاهما تصدر من داخل تاريخ الإسلام وتتراوح بين نموذجين: نموذج

المفهوم الفقهي التقليدي (السلفي) الذي يدعو لخلافة نموذجها المثالي: الخلافة الراشدية، حيث يندمج السياسي

والديني (رشيد رضا)، ونموذج يرتكز على مفهوم الدولة العصبية الخلدونية، دافعًا بالمنطق التاريخي إلى نهايته في

مسألة فصل السلطنة والملْك عن الخلافة، وصوالً إلى تمييز السياسي من الديني (علي عبد الرازق). أمّا الإشكالية الأخرى، فتصدر من داخل الوضعية (الغربية - التركية الجديدة)، وتتراوح بين نموذج الالتحاق

بالغرب إلى درجة الاعتماد على الاحتلال الأجنبي في بناء الدولة الحديثة (جماعة المقتطف، والمقطم - الأخوة

صروف، فارس نمر)، ونموذج يحمل مشروع الدولة القومية على قاعدة مقاومة الاجتياح الغربي (عبد الرحمن

شهبندر)، فيضعنا كوثراني أمام ترسيمة «أيديولوجية» تذكّرنا بترسيمة عبد الله العروي الثلاثية في الأيديولوجية

العربية المعاصرة، والشيخ (محمد عبده)، والليبرالي (لطفي السيد)، وداعية التقنية (سلامه موسى). - لا يتوقف كوثراني في قراءته لتلك «النصوص» عند حدود ما ينطق به النص من مواصفات معرفية -

أيديولوجية، إال لينتقل كي يحدّد اشتراطه التاريخي، وليموضعه تبعًا لموقع استراتيجية حامله (الثقافية

- السياسية). ففيما يتعلق بإحداثيات «نص» الحداثة الدولاتية التركي، يموضع كوثراني خطاب الحداثة

الدولاتية التركي (-1922 1924) وسط تقاطعات الاستراتيجيات الغربية، وكحصيلة نهائية، تتشابك تلك

الاستراتيجيات مع حركة التحرر التي قادها مصطفى كمال، فكانت بمنزلة تسوية تاريخية قدّم فيها الأتراك

رأس مالهم الرمزي (الخلافة) وكل ما يشدهم إلى تاريخهم الثقافي، وعلاقاتهم بمحيطهم الثقافي الإسلامي على

مذبح الحفاظ على الدولة التركية بحدودها الحالية، فتوصل مصطفى كمال، على حساب العرب في سورية، إلى

معاهدة أنقرة مع فرنسا، وهي المعاهدة التي أتاحت لفرنسا حشد قواتها لضرب ثورة هنانو، وأطلقت يد تركيا

لتسيطر على كليليكيا وشمال سورية، واستغل، لاسترجاع أرضه من اليونان، خوف الدول الأوروبية الأخرى

من ازدياد النفوذ البريطاني في اليونان. وفي لوزان 1923، لم يجد المفاوض التركي ما يقدمه إلى الغرب سوى

مشروع العلمنة لدولتهم. ويذكّرنا كوثرني بما قاله المفاوض التركي رضا نور: «كانت هذه (يقصد علمنه تركيا)

أهم نقاط الارتكاز والإسناد، التي كنا نستند عليها في لوزان». وقد مهّد مصطفى كمال لذلك في سنة 1922

عندما ألغى السلطنة، وأبقى الخلافة مؤسسة دينية منفصلة عن الدولة، ورافق ذلك إصدار وثيقة شبه رسمية،

أعدَتّها هيئة من العلماء، صدرت في مصر بعنوان «الخلافة وسلطنة الأمّة»، اشتملت على الحجج الفقهية التي

اعتمدت عليها الجمهورية، واعتبرت أن مسألة الخلافة ليست دينية، بل قانونية وطبيعية، ويجب اعتبارها مسألة

سياسية وإدارية وزمنية على المسلمين أن يعالجوها، معالجتهم للولاية العامة الموجودة عند رئيس جمهورية أو

ملك؛ إذ لا توجد أي إشارة في القرآن أو في الحديث تتعلق بمسائل الخلافة، بل كل ما هنالك نصائح عامة تتعلق

بإطاعة «أولي الأمر»، وبالتالي، ليست الخلافة فرضًا إسلاميًا أساسيًا، فهي مجرد عقد. وبيعة أهل الحل والعقد

تساوي الوكالة التي تمنحها الأمّة. خلص مشروع مصطفى كمال إلى إلغاء الخلافة سنة 1924، وإلى فرض قطيعة مع الذاكرة التاريخية الإسلامية

للشعب التركي، فألغى التقويم الهجري، وجعل الأحد يوم العطلة الأسبوعية، وأغلق الكتاتيب التي تدرّس

0 5 الدولة والخلافة في الخطاب العربي إبان الثورة الكمالية في تركيا: رشيد رضا، علي عبد الرازق، عبد الرحمن الشهبندر: دراسات

ونصوص، دراسة وتقديم وجيه كوثراني، سلسلة التراث العربي المعاصر (بيروت: دار الطليعة، 1996)، ص.13

15 المصدر نفسه، ص.8

25 المصدر نفسه، ص.216

القرآن، وأقفل التكايا، وألغى الوقف، وطبّق القانون الأوروبي، واعتمد الحرف اللاتيني بدل الحرف العربي،

وأوحى بفكرة أن الأتراك شعب آري أبيض. - تعدُّد الإجابات العربية عن مسألة الدولة / الخلافة: يرصد كوثراني ردّات الفعل القلقة تجاه منهج أتاتورك،

مرورًا بوثيقة «هيئة علماء» الأتراك بشأن فصل السلطنة عن الخلافة، وانتهاء بإلغاء الخلافة ذاتها سنة.1924 • خطاب الفقيه: يموضع كوثراني نص رشيد رضا (الخلافة أو الإمامة العظمى) في سياق محاولة الفقيه لاستعادة

النص الفقهي بشأن الخلافة، لإحيائها كخيار استراتيجي من أجل مواجهة واجب التجديد؛ فقد رأى ما يحيط

العالم الإسلامي من أخطار وما يعصف بتركيا من حوادث، مناسَبة للتذكير بالنص الفقهي الذي توسَّم الخلافة

الراشدية نموذجًا للخلافة الصحيحة التي لا يجمعها جامع ب (السلطنة) أو بإمارة الاستيلاء كما بسطتها نظرية

الماوردي، أو عصبية متغلّبة كما في نظرية ابن خلدون. وينطلق رشيد رضا من رفض الاعتراف بإسلامية

الخلافة التي تقوم على التغلّب والقهر والجور، من خلافة بني أمية حتى خلافة بني عثمان. وقد رأى في قرار

مصطفى كمال في جعل الخلافة روحية، دينية، أنه استبدل «نوعًا من التغلب بنوع آخر»، ليظهر أن «سلطة

التغلّب» كأكل الميتة عند الضرورة، يجب السعي إلى إزالتها عند الضرورة باتجاه إحياء الخلافة. إالّ أن واقع التمزّق الإسلامي، بالإضافة إلى السيطرة الأجنبية، يعوقان، في رأي رشيد رضا، عملية تشكّل

أهل الحل والعقد، أو تحقّق وحدة الأمّة. وعندما يبحث «الفقيه» عن جماعة أهل الحل والعقد في أمّة متحررة،

لا يجد أمامه سوى أهل الجمعية الوطنية في أنقرة، بينما يُطلق على «هيئات العلماء» اسم الجماعات القديمة التي

تتعلق بقاعدة البيعة للسلطان حتى لو كان عاجزًا أو مستبدًا. ويعارض حزب المتفرنجين الذين يلتقون مع

«الفقهاء الجامدين» بالقول ب«إمامة الضرورة»، فيأمل بعودة مصطفى كمال عن قراره، ويدعو إلى تشكيل

حزب الإصلاح الإسلامي الذي يجمع بين الاستقلال في فهم الدِّين وحكم الشرع الإسلامي، وكنه الحضارة

الأوروبية، ويعمل على جمع عقلاء المسلمين في جميع أقطارهم، لتكوين جماعة أهل الحل والعقد، من أجل عقد

مؤتمر عاجل كي يجري اتخاذ ما يلزم بشأن الخلافة التي جعل منها الانقلاب التركي أهم المسائل التي تواجه

المسلمين. وعلى الرغم من تفضيله «القريشية» في الإمام، فإنه فضّل مصطفى كمال، الذي لم يقطع الأمل به،

على الشريف حسين الذي يعتمد في حكمه على الإنكليز، لكن رضا سينقل توجهه، بعد قرار إلغاء الخلافة،

إلى دعوة مؤتمرات إسلامية، ويقترح إلى جانب إقامة نظام مؤقت لإمامة الضرورة، إنشاء مدرسة عالية ختُرّج

المرشحين للخلافة، ليصار إلى انتخاب أحدهم، وليبايعه سائر أهل الحل والعقد، فتقوم الحجة على كل فرد

وجماعة بأنه هو الإمام الحق. لم تخفَ على كوثراني التوظيفات الممكنة لدعوة «هيئة كبار العلماء» في مصر إلى عقد مؤتمر بمدينة القاهرة لمناقشة

مسألة الخلافة؛ فقد حاول الملك فؤاد توظيفه لمصلحته، وحاول الإنكليز امتصاص غضب الحركة الإسلامية

الهندية التي كانت تلح على إبراز خلافة عربية، كذلك حاول الملك ابن سعود. • حكم التاريخ: إذا كان رشيد رضا قد حاول حل الأزمة عن طريق فقه الخلافة، فاصطدم بعناد الواقع

35 المصدر نفسه، ص 72 و.144

45 المصدر نفسه، ص.14

55 المصدر نفسه, ص.95-92

65 المصدر نفسه، ص.102-97

75 المصدر نفسه، ص.25

الذي يستعصي على «الطوبى»، فإن علي عبد الرازق سيجهد لحلها ارتكازًا على التاريخ لا على تاريخ المؤسسة

الفقهية (). وقد دفعه الجدل القائم إلى تطوير النص الخلدوني الذي يميز بين الخلافة والملْك، وبين الوازع

الديني والعصبية، فينتهي إلى القول بعدم وجوب الخلافة في الإسلام، وبأن ما يقال له خلافة هو سلطان زمني

يتبدل ويتغير ويزول، ويقوم على القهر والغلبة، يشهد عليها تاريخها الواقعي إلى يومنا هذا. ويؤكد أن لا سند

شرعيًا لها في القرآن أو السنّة، فالإسلام قدم رسالة ولم ينشئ ملكًا. وهكذا، يدفع علي عبد الرازق بالتحليل الخلدوني إلى نهايته، فيجعل المجال السياسي حيّزًا علميًا مستقالً عن

علوم الدِّين، مرتكزًا على منطق حوادث التاريخ الفعلية، ورافضًا تسوية الماوردي وبقية الفقهاء الذين صالحوا

بين السلطنة والخلافة، ليؤكد طبيعتهما الواحدة، القائمة على العصبية والتغلّب. • الهوى بحداثة الغرب (الأخوان صروف، فارس نمر): يصدر خطاب هذا التيار من داخل المنطق الحداثوي

الغربي - التركي الجديد، منتقالً، بذلك، إلى إشكال ثقافي- تاريخي جديد. يذهب أصحاب هذا التيار إلى إطراء

إجراءات مصطفى كمال، إذ يقول فؤاد صروف: «إن ما فعله بطرس الأكبر في روسيا، وما أحدثه زعماء اليابان

من تحوّل، ليس إالّ ظالً باهتًا من ظلال الانقلاب الذي شمل الأمّة التركية». يصدر هذا الموقف عن جماعة

المقطم والمقتطف التي تعربّ عن تيار يطمح إلى اقتباس النموذج الغربي، حتى لو اقتضى الأمر تدريبًا تحت وصاية

المحتلين، فكان من الطبيعي أن يروا في دولة أتاتورك «دولة العقل، وفي إنجاز أتاتورك الحل الوحيد، لمداواة

التعددية الدينية والقومية». • الدولة القومية / الحزب (عبد الرحمن شهبندر): ينتظم خطاب شهبندر، بحسب كوثراني، داخل خطاب

جماعة المقتطف والمقطم نفسه، وإن كان ينطلق من واقع دوره القيادي في الثورة السورية (1925)، في إطار

مشروعه العربي القومي النهضوي، لمواجهة هيمنة الغرب واستبداد الغرب بأدوات إجرائية مختلفة: الحزب -

النخبوي، الذي يدمج القومية بالعلمانية، فكان بطريقة ما «بشارة» لدولة الحزب القائد! • يعرف كوثراني تمامًا أن قرار إلغاء الخلافة في 13 آذار/ مارس 1924 لم يكن ابن ساعته؛ فمؤسسة الخلافة

كانت قد صُفّيت منذ قرون؛ إذ منذ السلطة البويهية، أضحت الخلافة رمزًا تحتضنه سلطة متغلبة، نظَّر لها

الماوردي والغزالي وابن تيمية. وجرى في ما بعد تبرير شرعية الدولة العثمانية: سلطنة وخلافة. ويعرف كوثراني

أيضًا أن هذه الدعوة يمكن أن تُستَثمر في السياسة الدنيوية، لهذا اعتبر أن نص علي عبد الرازق وحده، بين

النصوص المتواجهة في تلك اللحظة الثقافية، «يؤسس لمنهج جديد، يتواصل مع التاريخ الإسلامي عبر منهجية

ابن خلدون، من جهة، وعبر تفاعله مع معطيات الحاضر، فكرًا وسياسة وعلومًا اجتماعية وإنسانية، من جهة

أخرى. إنه يقدّم محاولة حل للمأزق، الذي عاناه الموقف الفقهي السلفي نفسه (رشيد رضا)، المأزوم بلا واقعيته،

داعيًا العقل الإسلامي للتفكير بالسياسة دون انحباس بمقولات فقهية قديمة، ودون اندراج في لعبة التوظيف

السياسي التي تتقنها الذرائعية السلطانية». ونتساءل مع كوثراني، أخيرًا: إلى متى يستمر تاريخنا المعاصر في

إعادة إنتاج مأزقه (حالة الفقيه)، وضحاياه (وضعية علي عبد الرازق)!؟

85 المصدر نفسه، ص.46

95 المصدر نفسه، ص 165 و.195

60 المصدر نفسه، ص.35-33

61 المصدر نفسه، ص.37-36

62 المصدر نفسه، ص.45-44

ختم كوثراني تحليله التاريخي للعلاقة بين الفقه والسلطان باستشراف ما يجب أن تكون عليه هذه العلاقة

في المستقبل؛ إذ يرى أن «ضغط التاريخ وحاجاته يفرضان مسارًا جدليًا ومركّبًا لتحديد مجال علاقة الفقيه

بالسياسة الحكومية (الدولة)، مسارًا ليس هو مجال التوظيف المتبادل للمواقع، كما حدث في تاريخ الدولة

السلطانية قديامً، وليس هو مجال التطابق أو التماثل أو التماهي كما تنزع إليه أحزاب إسلامية معاصرة. ويبدو

أن أداة الديمقراطية التمثيلية هي الوسيلة الأمل لتحديد أُطر هذا المجال وآفاق تطوره في المجتمعات

الإسلامية المعاصرة». إن الإشكالية الحقيقية التي يواجهها كوثراني في بحثنا عن صورة تجربتنا التاريخية السياسية، هي كيفية الانتقال

من منهج النماذج مافوق التاريخية، ومن ضباب الأيديولوجيا والطوبى إلى المنهج الاجتماعي التاريخي، على

قاعدة مصالح الجماعة ومستقبلها، كما في البحث عن الحكم الرشيد والدولة العاقلة، وهذا ما يجعله قريبًا من

الأسئلة والمخارج التي يفرضها الحاضر ودواعي المستقبل.

63 كوثراني، الفقيه والسلطان، ص.19