Return to Article Details “Trade in Education in the Arab World: Problems, Risks and Prospects” by Muhaya Zaytoun

التجارة بالتعليم في الوطن العربي الإشكاليات والمخاطر والرؤية المستقبلية / محيّا زيتون

“Trade in Education in the Arab World: Problems, Risks and Prospects” by Muhaya Zaytoun

هدى حوا*

الملخّص

* باحثة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 407 ص.

1 انظر كتابها: محيا زيتون، التعليم في الوطن العربي في ظل العولمة وثقافة السوق (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005)،

Abstract

Book Title: Trading in Education in the Arab World: Problems, Risks, Prospects Author: Muhaya Zaytun Place of publication: Beirut Publisher: Arab Unity Studies Center Date of publication: 2013 Number of pages: 335

الكلمات المفتاحية:
  • التجارة
  • التعليم
  • العولمة
  • الليبرالية الجديدة
Keywords:
  • Trade
  • Education
  • Globalization
  • Neo-Liberalism

الإشكاليات والمخاطر والرؤية المستقبلية

الكاتب: محيّا زيتون مكان النشر: بيروت الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية تاريخ النشر: آذار/ مارس 2013 عدد الصفحات: 335

يتصدى هذا الكتاب لمشكلة ذات راهنية هي التجارة بالتعليم في العالم العربي، وهي تندرج في سياق العولمة الاقتصادية كما تراها الكاتبة. وتشكّل العولمة باقترانها بفكر الليبرالية الجديدة وتأثيرها في التجارة بالتعليم الخيط الرابط بين جميع فصول الكتاب الذي هو عبارة عن مقارنات مختلفة للتجارة بالتعليم تبدأ من العالم المتقدم والبلدان الصاعدة، ومن ثم العالم العربي الذي ينقسم بدوره إلى نماذج مختلفة بين بلدانه. وينتهي بتحديد الإشكاليات والمخاطر ووضع رؤية مستقبلية. تجمع الكاتبة محيّا زيتون خبرتين في هذه المعالجة:

كأستاذة الاقتصاد في جامعة الازهر، وحاصلة على دكتوراه في الاقتصاد من جامعة أوكسفورد، وكباحثة لها مساهمات سابقة في موضوع التعليم في كتاب صدر قبل بضعة سنوات بشأن «التعليم في الوطن العربي». على الرغم من العنوان العام في ما يتعلق بالتعليم، يطاول الكتاب بشكل رئيس التجارة بالتعليم العالي، وفي حدود ما تعتبره الكاتبة مستجدات. والحديث عن المستجدات دلالاته في أن التجارة بالتعليم هي ظاهرة جديدة نسبيًا في معظم البلدان العربية، لكنها تحمل تأثيرًا بعيد المدى ومخاطر على واقع التعليم الذي يتدهور قطاعه العام وتضعف رسالته. وأهمية هذا

الكتاب تتعلق بالضبط بأنه دراسات مقارنة تحمل في طياتها هدف التنبيه على مخاطر التجارة بالتعليم وعلى مستويات مختلفة، أكانت متعلقة بالتنمية أم بالثقافة أم حتى بالسياسة. تضعنا الكاتبة في استهلال كتابها أمام جوهر المشكلة، فتقول: «أسفر المزج بين العولمة وفكر الليبرالية الاقتصادية الجديدة عن تغييرات ومستجدات عديدة في قطاع التعليم على مستوى العالم، وفي الوطن العربي، حيث تزايدت أهمية الأبعاد التجارية والسوقية، وغريّت من الطبيعة الاجتماعية والتنموية للتعليم، فتراجع اعتبار التعليم كخدمة عامة من أجل عائد ومنافع اجتماعية. وتقلصت إتاحته لمن يقدر عليه.. وصارت أهمية التعليم تنصبّ بشكل أكبر وأكبر على كونه استثمارًا يحقق عائدات مادية..»(ص. 15) يبدأ الكتاب بالعودة الى السياسة النيوليبرالية في البلدان المتقدمة، وبشكل خاص في الولايات المتحدة وبريطانيا. وتذكر الكاتبة نوعين من المتغريّات في تخصيص التعليم، وهما: سياسة التمويل الجامعي، وتطور نوع جديد من المؤسسات الخاصة التي تدار وفق نشاط قطاع الأعمال. وعلى الرغم من أهمية ما جرى من استبدال الدعم المباشر للمؤسسات بإعطاء القروض للطلبة بشكل فردي، وزيادة نسبة الاعتماد التمويلي على رسوم الدراسة وارتفاع قيمة هذه الرسوم، علاوة على تخفيض الإنفاق الحكومي على التعليم وتراجع الالتزام الاجتماعي تجاه غير القادرين، فإن الكاتبة تحاول أيضًا أن تُظهر أن هذا التغريّ بقي ضمن حدود، إذ إن نسبة الاعتماد على رسوم الدراسة كانت 17.9 في المئة للجامعات الأميركية و 28.7 في المئة للجامعات البريطانية، بما أن تلك الجامعات تستمد إيراداتها من مصادر تمويل أخرى. وفي المقابل، ظلت الجامعات الأوروبية تعتمد على التمويل العام بنسبة 73 في المئة (مقارنة ب 34.8 في المئة في بريطانيا و 23.8 في المئة في الولايات المتحدة) (ص. 46)47- هذا التأثير المحدود في التعليم تراه الكاتبة أيضًا بالنسبة إلى النمو السريع لمؤسسات التعليم الخاصة الهادفة إلى الربح في الولايات المتحدة والتي دخلت في التصنيف الجامعي المتداول كفئة ثالثة من المؤسسات غير النخبوية والمستوعبة للطلب (يلتحق بها الطلبة الذين لم يتمكنوا من الحصول على فرصة للدراسة في جامعات أخرى)، بالإضافة إلى الفئتين الأخريين، وهما المؤسسات النخبوية، أي الجامعات العالمية المستوى، والمؤسسات شبه النخبوية التي تعطي أولوية للتدريس أو التدريب العملي الجيد. وعلى الرغم من النمو السريع لمؤسسات التعليم الخاصة في الولايات المتحدة، تفيدنا الكاتبة بأن مساهمتها من إجمالي الطلاب المقيّدين في التعليم العالي لا تتجاوز 7.6 في المئة، وأن أغلبية الطلاب مقيدون في المؤسسات العامة (72.6 في المئة) ومن ثم المؤسسات غير الربحية (19.8 في المئة). وتقارن ذلك بما يحدث في بعض الدول النامية، حيث تسجل أميركا اللاتينية وآسيا أعلى المعدلات لانتشار هذه المؤسسات الخاصة الربحية (ص. 55) وتظهر البيانات في المكسيك أن 87 في المئة من مؤسسات التعليم العالي الخاصة تتركز في هذه الفئة المستوعبة للطلب (الهادفة إلى الربح). ويختلف الأمر في بلدان نامية أخرى، أو بالأحرى صاعدة، كالصين التي تنظر إلى الجامعات العامة كمحرك لنمو الاقتصاد، وتعمل على إعداد جامعات عامة ذات مكانة أكاديمية عالمية تكون رافعة لبقية الجامعات (والتعليم العالي الخاص يُعتبر ملجأ أخيرًا للطلاب الذين لا يحصلون على درجات تؤهلهم دخول جامعات عامة)، وكذلك الهند، حيث يتركز التعليم في 113 جامعة معتمدة، منها 5 في المئة مؤسسات خاصة، ويتركز القطاع الخاص في المؤسسات غير الجامعية والصغيرة (ص 60). والاستنتاج الذي تعرضه الكاتبة هو أنه «رغم ما طرأ من تغييرات على أنظمة التعليم في العالم، وتبنّي الكثير منها مسارات تجارية مختلفة، ما زال التعليم العام في دول العالم المتقدم وبلدان الاقتصادات الصاعدة

يعد آلية أساسية للنهضة وتحقيق التنمية والتقدم الاقتصادي» (ص. 63). وتعتبر أن الأثر الأهم لتزايد الاتجاه نحو التمويل الخاص في البلدان المتقدمة هو اجتماعي، إذ قلّص من فرص التعليم العالي المتاحة للطلبة في الفئات المنخفضة الدخل (ص. 68) ثمة موضوع محوري في هذا الكتاب يدور في نطاقه معظم الفصول، وهو موضوع «التعليم العابر للحدود»، كآلية رئيسة في التجارة الدولية بالتعليم، وكان قد انتشر بسرعة في العقدين الأخيرين عبر التوسع في تصدير خدمات التعليم في جامعات عدة في الدول المتقدمة باتجاه الدول النامية. وتعتبر الكاتبة أن التعليم العابر للحدود يطغى عليه التوجّه السوقي الذي يقوم به مقدّمو خدمات هم مستثمرون أكثر من كونهم تربويين. وتقف على الدور الذي تمارسه منظمة التجارة العالمية من خلال اتفاقية «الغاتس» (المتعلقة بالخدمات) لتحرير التجارة بالتعليم، والتي قدمت التزامات فيها لخدمة هذا الحرية 39 دولة (وامتنعت من ذلك دول تُعَدّ من أكبر المصدّرين لخدمات التعليم في العالم، كالولايات المتحدة وكندا). ومع أن نوعية التعليم في هذه المؤسسات متدنية وبرامج الدراسة فيها محدودة، وفي كثير من الأحيان يحصل الطلبة على مؤهلات لا مصداقية لها، ترى الكاتبة أن قليالً من الدول النامية لديها قواعد وإجراءات تنظيمية للفروع الدولية أو للتعليم العابر للحدود عمومًا، تضمن من خلالها التزام المؤسسات الأجنبية بمستوى معنيّ من الجودة والشفافية (ص. 91). وتفيدنا الكاتبة ببيانات عن العالم العربي متعلقة ب«مدى الاستعداد لاقتصاد المعرفة»، لنتعرف منها إلى أن مكانة القوى البشرية في التعليم العالي في العالم العربي تراجعت من حيث الكم بالمقارنة بدول العالم ومناطقه (من نسبة 1.8 في المئة من إجمالي الباحثين في العالم سنة 2002 إلى 1.7 في المئة سنة 2007)؛ ومعدل الإنفاق على البحث والتطوير في العالم العربي هو الأقل مستوى في العالم (0.1 في المئة للدول العربية في آسيا، و 0.2 في المئة لمصر و 0.3 في المئة للدول العربية في أفريقيا)، وأقل من أفريقيا جنوب الصحراء (0.3 في المئة). ويحتل العالم العربي أدنى معدل في العالم لصادرات عالية التقنية كنسبة من الصادرات الصناعية (2 في المئة)، بينما المتوسط العالمي 20 في المئة، و في أفريقيا جنوب الصحراء 6 في المئة (ص. 105-124). وتتطرق المؤلفة إلى ظاهرة مهمة هي التوسع الكبير في عدد الطلبة والطالبات الملتحقين بمراحل التعليم المختلفة، حيث تحقق أعلى معدل للزيادة في مراحل التعليم العالي، لترينا أن الارقام ليست مشجعة؛ فنسبة المعرفة بالقراءة والكتابة التي وصل معدلها العربي إلى 72 في المئة في الفترة -2005 2008، لا تزال أقل من المتوسط للدول النامية؛ كما أن القيد الصافي في التعليم الابتدائي كان في سنة 2009 لا يزال منخفضًا في العالم العربي (84 في المئة) مقارنة بالدول النامية (87 في المئة)، وكانت الأراضي الفلسطينية المحتلة الأشد تأثّرًا بهذا الانخفاض، مع تراجع النسبة من 97 في المئة في سنة 1999 إلى 75 في المئة في سنة 2008، وكذلك العراق الذي بلغت النسبة فيه 71 في المئة سنة 2008. وعلى الرغم من التوسع، فإن معدل القيد في التعليم العالي في العالم العربي ما زال أقل بفارق ملحوظ عن المتوسط العالمي (22 في المئة مقارنة ب 27 في المئة)، لكن الموضوع الإيجابي هو أن معدل القيد في التعليم الثانوي أعلى من معدل الدول النامية ومن المعدل العالمي. وتوضح الكاتبة أن التوسع في التعليم أتى على حساب تراجع الجودة، كما جرى استيعاب جانب كبير منه في جامعات خاصة ومؤسسات غير جامعية، والزيادة الأكبر كانت في عدد الطلاب الملتحقين بتخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية.

إن ظاهرة التوسع في التعليم الخاص بانت في معظم الدول العربية، كما تشرح الكاتبة، في إطار تبنّي أنظمة التعليم العربية المنهج الصديق للسوق، وهو تشجيع

خصخصة مؤسسات التعليم وتراجع مسؤوليات الدولة في التعليم، والاعتماد المتزايد على الإنفاق الخاص. وعلى الرغم من أن الدول العربية لم تعرف في السابق ظاهرة الجامعات الخاصة إالّ نادرًا، فإن عدد الجامعات الخاصة تزايد على مدى عقد ونصف العقد (-1993 2008) أكثر من سبعة أضعاف، أي من 26 إلى 193 جامعة (تقديرات زيتون في دراسة سابقة، مع عدم توافر بيانات دقيقة)(ص. 148). لكن هذا الارتفاع في نسبة الجامعات الخاصة إلى.548 في المئة، قابله التحاق أعداد قليلة من الطلبة بها، إذ إن نسبتهم لا تتجاوز 11 في المئة. وفي بلد مثل مصر، لا تستوعب الجامعات الخاصة سوى 3.6 في المئة من إجمالي طلبة الجامعات (ص. 150). وتوضح الكاتبة التأثيرات السلبية لهذا التوسع على مستويين: مستوى التعليم الأدنى الذي تقدمه الجامعات الخاصة المستجدة وتساهلها في قبول الطلبة بالاعتماد على معايير أدنى كثيرًا من معايير الجامعات الحكومية، وكادره تعليمي ضعيف؛ ومستوى آخر يتعلق بالصعوبات والمعوقات التي تواجه الجامعات الحكومية، مع تزايد الأهمية النسبية للتمويل الخاص، وتعرّض التمويل العام لكثير من التأثيرات السلبية والتباطؤ والتوقف عن إقامة جامعات جديدة، والاعتماد في زيادة الطلبة على تكديس الجامعات. وتقدم الكاتبة الأردن مثالً لتضخم الإنفاق الخاص على التعليم، إذ وصل في سنة 2005 إلى حوالى 70 في المئة من الإنفاق الكلي على التعليم العالي، وذلك من خلال التوسع في الجامعات الخاصة، وكذلك التوسع في البرامج الموازية في الجامعات الحكومية، حيث يتم في الحالتين فرض رسوم جامعية مرتفعة (يتحلمها نصف عدد الطلاب تقريبًا) لتواكب انخفاض الإنفاق العام (الذي انحدرت نسبته من الإنفاق الكلي من.52 في المئة سنة 2001 الى 1.6 في المئة سنة 2006) (ص. 155). وممّا يعزز من هذه الاستجابة لأفكار النيوليبرالية الجديدة انضمام معظم الدول العربية إلى منظمة التجارة العالمية، والانفتاح على التعليم الأجنبي العابر للحدود، وإقامة أشكال مختلفة من العلاقة بين أنظمة التعليم العربية ومؤسسات التعليم العالي الأجنبي (ص. 132). وتفيدنا الكاتبة بأن هناك ثلاث دول عربية قدمت التزامات في إطار اتفاقية «الغاتس» لمنظمة التجارة العالمية، وهي الأردن والسعودية وعمُان، وعلى جميع مستويات التعليم تقريبًا، محيلة ذلك على الضغوط التي مورست على دول انضمت مؤخرًا إلى منظمة التجارة العالمية. وهناك دول لم تقدم التزامات لكنها منفتحة على التعليم العابر للحدود، مثل قطر والإمارات، لكن معظم الدول العربية التي لم تنضم إلى الاتفاقية حتى الآن لم تنفتح إالّ بحدود ضيقة، باستثناء لبنان (ص. 175).

إن التعليم العابر للحدود في العالم العربي، وهو محور البحث الرئيس للكتاب، تقسمه الكاتبة الى نماذج تنفرد فيها كل منطقة. فالنموذج الخليجي للتعليم العابر للحدود يتميّز بإقامة فروع أو مقار للجامعات العالمية في هذه الدول. وتستعرض الكاتبة حالتي قطر والإمارات كدولتين خليجيتين سارتا خطوات واسعة في هذا الاتجاه، رغم اختلاف طرقهما (بين جامعات لفروع دولية ذات تنوع كبير في الإمارات، وعدد أقل من فروع جامعات أميركية في قطر)، مع ملاحظة أن الأغلبية العظمى من طلبة الجامعات يلتحقون بالجامعات الحكومية، وأن الاستعانة بخبراء من الغرب تزايدت في الجامعات الحكومية وبمهمات مختلفة مثل إصلاح النظام التعليمي (في قطر)، أو إدارة نظام التعليم العالي الحكومي (الإمارات). قد يختلف الأمر بعض الشيء بالنسبة إلى السعودية، بوجود الجامعات السعودية الكبيرة التي هي جامعات عامة يديرها مواطنون سعوديون في الغالب، وقد دخل بعضها في السنوات الأخيرة في قائمة أفضل 005 جامعة على مستوى العالم، مع وجود 05 ألف طالب سعودي يدرسون في 20 دولة مستضيفة، والتفكير في خطوات طموحة للنهوض بالتعليم في تخصصات هندسية وتكنولوجية وطبية. لكن المستجدات تُظهر

أن السعودية بادرت من بدايات القرن إلى فتح المجال أمام تراخيص لمستثميرين لإقامة كليات خاصة (2005)، وللجامعات الأجنبية بإقامة فروع لها في المملكة (2006). وتتالت الشراكات بين جامعات ومؤسسات أجنبية، ورصدت الحكومة نحو 90 مليار دولار لبناء أربع مدن اقتصادية جديدة توصف بأنها «مناطق نشاط اقتصادي للأجانب»، ويخطط لها كمراكز لصناعات جديدة، وكموطن لعدد من الجامعات العالمية المستوى (ص. 209). وقد خطت السعودية، بحسب الكاتبة، خطوة جسورة في تطلعاتها لبناء اقتصاد قائم على المعرفة، بتأسيس جامعة البحث (جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا، 2009) مع توقّع أن تصير واحدة من الجامعات العالمية المستوى، وبنظام تعليمي يقوم على مبدأ الشراكة مع جامعات دولية ذات مكانة رفيعة، وهو ما تراه الكاتبة تحوالً نوعيًا ملموسًا في نظام التعليم العالي السعودي المحافظ، وبداية لارتباط وثيق بينه وبين الجامعات الأجنبية (ص. 211) وتعرّج الكاتبة على الوضع في عمُان والكويت والبحرين لترى سمات مشتركة، مع التحول إلى مؤسسات التعليم العالي الخاصة في عمُان منذ التسعينيات، وإضافة جامعات أجنبية جديدة في الكويت إلى جانب الجامعة الحكومية الأساسية، ومد علاقات تعاون مختلفة مع جامعات أميركية، والتوسع التدريجي في الجامعات والمؤسسات الأجنبية في البحرين. ليس هناك نموذج واحد في المشرق للتعليم العابر للحدود، كما ترى الكاتبة، على الرغم من أنها تنبّه على ملامح الاستجابة غير المنضبطة للعولمة ولمبادئ الليبرالية الجديدة التي ساهمت في التوسع الكبير في إقامة المدارس والجامعات الخاصة. وبدأت هذه بدورها إقامة أشكال مختلفة من العلاقات والارتباطات بمؤسسات تعليم أجنبية، وأغلبها اتخذ الإنكليزية لغة تدريس أُولى (ص. 216)، فتشير الى أن مصر أضافت عشر جامعات خاصة وأجنبية (مع وجود جامعتين سابقتين كالجامعة الأميركية وجامعة سنغور)، أُقيمت ست منها في ثلاث سنوات (2005-2003)، وهي جامعات فرنسية وألمانية وبريطانية، وجامعة الأهرام الكندية، وجامعة روسية، ويجري التفاوض لبناء جامعة صينية (ص 218). وعرف لبنان تزايدًا كبيرًا في عدد الجامعات الخاصة قُدّر ب 41 جامعة خاصة، 70 في المئة منها أُنشئ في التسعينيات، بينما يوجد في الأردن 8 جامعات عامة و 13 جامعة خاصة، علاوة على أربع تراخيص جديدة. الحالة العراقية تبقى حالة فريدة نظرًا إلى الدمار الذي أُلحق بالقطاع التعليمي منذ الاجتياح الأميركي سنة.2003 كما أن النموذج المغربي يختلف في أن عملية الخصخصة لم تشمل حتى الآن التعليم الجامعي في دول المغرب العربي الثلاث. لكن يتضّح للكاتبة الارتباط الوثيق بين دول المغرب العربي الثلاث وأوروبا، وعلى مستوى التعليم العالي، واتجاه هذه الدول مؤخرًا إلى إعادة هيكلة نظام التعليم العالي فيها لكي يتوافق مع نظام التعليم العالي الأوروبي الجديد. وتقدم أمثلة على ذلك من تونس والمغرب (ص. 224). هذا الإطار الشمولي للدراسة ومجمل المقارنات والبيانات والحقائق التي أفادتنا بها محيا زيتون في هذا الكتاب تظهر أهميته في القسم الأخير، وهو التنبيه على الإشكاليات والمخاطر من استمرار الأوضاع الراهنة. وبإيجاز، فإن الإشكاليات والمخاطر التي تعرضها تتعلق بنوعية التعليم الذي تقدمه فروع الجامعات الدولية، والإشكاليات والمخاطر ذات الأبعاد الثقافية السياسية، كإشكالية اللغة الأجنبية كوسيط للتدريس وتداعياتها، والمخاطر السياسية المرتبطة بالمشروع الشرق الأوسطي. وتقف الكاتبة على موضوعات سياسية تراها تندرج في سياق «القوة الناعمة» للولايات المتحدة والغرب عمومًا «من أجل تغيير خارطة القوى السياسية في المنطقة، وإقامة ‹شرق أوسط جديد› تتلاشى فيه الهوية العربية،

وتصبح كل دولة عربية مرتبطة، على نحو أو آخر، بمصالح وسياسات خارجية». وتشير إلى نموذج «المنطقة الخاصة إيلات/ العقبة».. وإلى إقامة مركز بحثي كأحد مشاريع السلام الإسرائيلية - العربية في منطقة وادي عربة على الحدود الأردنية - الإسرائيلية في مكان يسمّى منطقة التعليم الحرة (ص. 259) تضعنا الكاتبة أخيرًا أمام إمكانات التفكير في نموذج مختلف للعولمة، يصون التطوير والتوسع في الحصول على التعليم والصحة، وغيرها من الخدمات الاجتماعية، والتمسك بدور التعليم ورسالته ليضفي قيامً وسلوكًا وتطلعات تصب في المصلحة العامة للمجتمعات العربية بدل المنطق التجاري الزاحف. وتعتبر «أن التعليم كخدمة عامة يجب أن يقدم من خلال مؤسسات عامة أساسًا، تتمتع في المرحلة العليا بالحريات الأكاديمية، مع التشديد على النوعية والمحاسبة والإتاحة وتكافؤ الفرص، لكي يستعيد التعليم «دوره كمحفز للحراك الاجتماعي، وكمحور أساسي للتنمية، وبناء مستقبل الأمة العربية» (ص. 271). وترى أن الأمر بات يتطلب إعادة الثقة بجدوى الاعتماد على القدرات الذاتية وأهميته، بدءًا بالحد من نشاط هذه المؤسسات داخل الأقطار العربية، و«الإدراك العام من جانب متّخذي القرار أن الاعتماد على مؤسسات واستراتيجيات أجنبية للتعليم قد يحقق مصالح قصيرة الأجل، كما قد يحصل مصالح فردية للطلبة من أجل الاستحواذ على الوظائف، لكن هذه الاستراتيجيات لا يمكن أن تكون مستدامة»؛ فالتعليم لا يمكن اعتباره محايدًا بالنسبة إلى المجتمعات وبرامج الجامعات الأجنبية التي تلائم طلبة مجتمع آخر ولا تلائم طلبة المجتمعات العربية (ص. 273). وتدعو إلى أن تؤدي الدولة «دورًا أساسيًا في بناء استراتيجيا وطنية للنهوض بالتعليم، بالاستعانة بكوادرها وقواها البشرية، على أن يتم ذلك بأسلوب يجعلها قادرة على التحكم وتوجيه قوى السوق، بدلا من أن تترك الحرية كاملة للسوق وللمصالح الناتجة من تحرير التجارة في خدمات التعليم للسيطرة وفقًا لقواعدها وشروطها» (ص. 275). ولا يغيب عن رؤية الكاتبة ضرورة التعاون العربي لتعزيز الاعتماد على القدرات الذاتية، والتخطيط الواعي للنشاط والعلاقات الدولية، والربط بين التعليم والرؤية التنموية، ووضع مؤسسات التعليم العالي في خدمة المجتمع العربي، في مناخ ديمقراطي يفسح المجال للحريات والمشاركة، ومنها استقلال الجامعات والحريات الأكاديمية. ويطرح ذلك استعادة دور اللغة العربية لتيسير التعاون العربي، أكان في وضع المناهج أم في إقامة أنظمة عربية لضمان الجودة، أم تبادل أعضاء هيئة التدريس والطلاب. والكاتبة لا تدعو إلى تجاهل علاقات التعاون بين أنظمة التعليم العالي والمؤسسات والجامعات الأجنبية، لكن ترى أهمية دراستها والتخطيط لها على المستوى الإقليمي، بحيث لا يتم هذا التعاون على حساب تفكك العلاقات بين مؤسسات التعليم العالي العربية. ومن الممكن أن يستفيد العالم العربي من الخبرات والجهود المتراكمة خلال عقود، في إطار الجامعة العربية أو الاجتماعات الوزارية أو مؤسسات عربية تعليمية أخرى، كما يمكن أن يستفيد من وجود أكثر من مليون مهاجر عربي في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يحملون درجات جامعية. لقد عرضنا لكتاب يتميز بالمسح شبه الشامل وعلى درجة كبيرة من الأهمية، في إطار الأهداف الأساسية التي يتوخّاها في التنبيه على واقع التجارة بالتعليم القائم والمرشح بالانتشار أكثر في ظل الافتقاد إلى سياسات واعية تعتمد بالدرجة الأولى على الذات، وتربط بين التعليم والتنمية، وتؤسس لمجتمع المعرفة، وتخطط لعلاقة واعية مع أنظمة التعليم العالي في الجامعات الأجنبية. ويفتح هذا الكتاب، في الشمولية التي يقدمها، أبوابًا كثيرة للتعمق في دراسات لاحقة في موضوع التعليم؛ أبحاث ربما يحتاج الوطن العربي إليها اليوم أكثر من أي شيء آخر؛ فالأسئلة كثيرة والأجوبة لا تزال نادرة.