تشكيل فلسطين عبر ممارسات المراقبة
Constructing Palestine through Surveillance Practices
الملخّص
* أستاذ فخري في علم الاجتماع بجامعة كوينز في كينغستونن أنتاريو – كندا.
ويعاد نشره مترجمًا بتصريح من المجلة ومن الناشرين تيلور وفرانسيس.
Abstract
State-building is normally associated with the creation of institutions such as the army, police force, judiciary, and political system. Using the Palestinian case of state-building, the paper relies on constructivist analysis to examine the use of surveillance as a discursive practice in state construction. Two central aspects of surveillance practices are considered in this paper: population count and spatial monitoring. Examination of these practices is situated in the asymmetrical power relations between Israel and the Palestinians. Conflict over land and people is manifested in the construction of citizenship, identity, and geographical boundaries. The paper examines the historical and contemporary role of the population census in both the Palestinian and Israeli case in the social construction of spaces and the categorization of people. Zureik draws his examples from the first Israeli census, taken in 1948, the monitoring of Palestinian refugees by the United Nations, and the contest over Jerusalem and borders as a consequence of the Oslo Agreement.
- مراقبة
- إحصاءالسكان
- رصد مكاني
- اتفاق أوسلو
- إحصاء اللاجئين
- Surveillance
- Population Statistics
- Space Monitoring
- Oslo Accords
- Palestine
يرتبط بناء الدولة عادة بإقامة مؤسسات كالجيش والشرطة والقضاء والنظام السياسي.
وتعتمد هذه الورقة، في دراستها للتجربة الفلسطينية في بناء الدولة، على تحليل بنائي
لدراسة استخدام المراقبة كممارسة خطابية (Discursive) في بناء الدولة. وهي تأخذ بعين
الاعتبار جانبين محوريين من جوانب ممارسات المراقبة: إحصاء السكان والرصد المكاني.
وتنبني دراسة هذه الممارسات على علاقات القوة غير المتكافئة بين إسرائيل والفلسطينيين،
حيث يتجلى الصراع على الأرض والشعب في بناء المواطنة والهويات والحدود الجغرافية.
وتبحث الورقة في الدور التاريخي والمعاصر للإحصاء السكاني، في الحالتين الفلسطينية
والإسرائيلية، في البناء الاجتماعي للفضاءات وفي تصنيف الناس إلى فئات. وتورد الورقة
أمثلة من أول إحصاء سكاني إسرائيلي أجري في سنة 1948، ومن متابعات الأمم المتحدة
للاجئين الفلسطينيين، والصراع على القدس والحدود نتيجة اتفاق أوسلو.
مقدّمة
يشخص عاملِ الأنثروبولوجيا أرجون أبادوراي A. Appadurai() في الفصل الأخير من كتابه
Modernity at Large (الحداثة عمومًا)، شرعية الدولة من ناحية الممارسات الثقافية والخطابية
التي لا تحظى عادة بالاعتراف الواجب في تحليلات العلوم الاجتماعية السائدة للدولة القومية:
Middle East Studies, vol. 28, no. 2 (November 2001), pp. 205 – 277.
«تعتمد الدولة القومية في شرعيتها على كثافة حضورها المفيد على مساحة متصلة من الأراضي ذات
الحدود الواضحة. وهي تعمل من خلال ضبط حدودها، وإنتاج شعبها، وبناء مواطنيها، وتحديد
عواصمها ومعالمها ومدنها ومياهها وتربتها، وبناء أماكن الذاكرة والإحياء، كالمقابر والنصب التذكارية
والأضرحة والمتاحف». إن بناء المواطن وضبط الحدود وإحصاء السكان تُعتبر في جوهرها نشاط مراقبة تشترك في ممارسته جميع
الدول. ويتكوّن نشاط الدولة هذا من تصنيف المعلومات الإحصائية عن السكان وجمعها. وفي الأغلبية
الساحقة من الدول القومية، لا تجري عملية البناء هذه على أرض اجتماعية متجانسة. وهي تغدو إشكالية
بسبب وجود بعض المجموعات «الإشكالية»، كالأقليات والسكان الأصليين الذين يشكل تعريفهم
وتصنيفهم وإدماجهم في المجتمع تحديًا للإطار الأيديولوجي المهيمن للدولة القومية. وتتفاقم المشكلة
أكثر في الحالات التي يجري فيها تحدي بناء الدولة من جانب مجموعة أخرى تدّعي الأحقية في الأرض
نفسها. والمواجهة الفلسطينية - الإسرائيلية مثال جيد لذلك. يقدم الفلسطينيون، لأسباب تاريخية وسياسية، حالة مثيرة للاهتمام في دراسة مراقبة السكان؛ فعلى
الرغم من محاولاتهم الحالية في بناء الدولة، عاش الجزء الأكبر منهم نصف القرن الماضي في المنفى
كلاجئين وأقليات، أكان ذلك في وطنهم المحتل أم في أماكن أخرى. ويشكل اللاجئون الفلسطينيون،
الذين قارب عددهم في سنة 2000 أربعة ملايين نسمة (*) أكبر مجموعة وطنية واحدة بين أكثر من
20 مليون لاجئ في جميع أنحاء العالم. وقد وضعهم هذا التشتت تحت المراقبة الدقيقة لأنظمة
إدارية مختلفة في العديد من البلدان المضيفة، بما في ذلك الأجهزة العسكرية والمدنية للدول العربية
وإسرائيل ومنظمة الأمم المتحدة المسؤولة عن اللاجئين، وما يسمّى المجتمع الدولي. وبوصف
الفلسطينيين أقليات ولاجئين منذ أربعة أجيال، فإن أغلبيتهم تعيش تحت مراقبة مستمرة، وتُناقَش
أعدادهم وديموغرافيتهم وختُضع لجدل متواصل، وتُراقَب عن كثب حركتهم عبر الحدود الدولية،
ويُفحص نشاطهم بانتظام لكشف محتواه السياسي، كما أن هويتهم ومواطنتهم موضوع دائم للمناقشة.
وباختصار، شهد الفلسطينيون أقصى درجات الترتيب الاجتماعي. تستخدم هذه الورقة الفلسطينيين كحالة عيانية لتدرس ثلاثة محاور رئيسة: المشكلات المعرفية والنظرية
1 Arjun Appadurai, Modernity at Large: Cultural Dimensions of Globalization , Public Worlds; v. 1 (Minneapolis, Minn.: University of Minnesota Press, 1996), p. 189. 2 David Garland, “Governmentality and the Problem of Crime: Foucault, Criminology, Sociology,” Theoretical Criminology , vol. 1, no. 2 (May 1997), pp. 173-214.
(*) تقدّر وكالة الأمم المتحدة للاجئين أنه بحلول سنة 2013 سيصل عدد اللاجئين والأفراد النازحين على مستوى العالم إلى 45 مليون
<http://www.euronews.com/2013/06/19/world-refugee-day/>.:نسمة. انظر الموقع الإلكتروني
ويقدَّر أن في نهاية سنة 2013 سيكون عدد الفلسطينيين في العالم حوالى 11.6 مليون نسمة، يقطن 4.4 ملايين، منهم في الضفة
الغربية 2.7 مليون وغزّة 1.7 مليون، و 1.4 مليون في أراضي 1948، و 5.1 مليون في الدول العربية المجاورة، و 0.655 مليون في
باقي العالم. ومن المؤكد أن عدد الفلسطينيين المصنَّفين كلاجئين (5.1 مليون) بحسب وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين
(الأنروا) هو في الواقع أكثر من ذلك، إذ لم يسجل كل فلسطيني لاجئ اسمه لدى وكالة الامم المتحدة في سنة 1949-1948. انظر الموقع
الإلكتروني: < http://www.unrwa.org>.
ومن المتوقع أنه بحلول سنة 2020 سيصل عدد الفلسطينيين في فلسطين التاريخية، غرب نهر الاردن، إلى 7.2 مليون في مقابل 6.9
مليون يهودي. انظر الموقع الإلكتروني: <www.pcbs.gov.ps>.
3 United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR) (2000), Cited by: United States Department of State, on the Web: <http://www.usinfo.state.gov/topical.refugees/chart.htm>.
المرتبطة باستخدام التدابير الكمية كالإحصاءات؛ والبناء السكاني عبر الوسائل الإدارية؛ والرصد
المكاني. وقد استمدت الأمثلة من إحصاء السكان الإسرائيلي والحوليات الفلسطينية والإسرائيلية
لمدينة القدس المتنازع عليها، وبيانات الأمم المتحدة عن اللاجئين الفلسطينيين، وحركة السكان على
المعابر الحدودية.
أولا: التنظير للإحصاءات الاجتماعية
تحظى المشكلات النظرية والمنهجية التي تعترض إنتاج البيانات الإحصائية بالقدر ذاته من الأهمية،
أكانت المهمة تتضمن أبحاثًا مسحية أم جمع بيانات سكانية. ففي مستوى مع، يستخدم باحثو الإثنيات
(ethnomethodologists) المزاعم القائلة إن الملاحظة والقياس مغرقان في النظرية لانتقاد المنهج
الوضعي. فشيكوريل، على سبيل المثال، يقول إن اللغة و«التوقعات الأساسية» والمعرفة الضمنية لدى
الشخص قيد الدراسة ولدى المراقب الخارجي على حدّ سواء، تسبِّب تشوهات في تفسير البيانات بطريقة
تجعل فهم العالم الاجتماعي إشكاليًا: «إن عالم المُدركات ليس ‘ متوفرًا ’ ببساطة لقياسه بأنظمة قياس العلم
الحديث»، كما يقول شيكوريل، «بل إن مسار الحوادث التاريخية والأيديولوجيات في حقبة معيَّنة يؤثر
في ما هو ‘ قائم ’ وفي كيفية فهم هذه الأشياء والحوادث وتقويمها ووصفها وقياسها ». وردًّا على هذه
الانتقادات، يشكك هيندس في ضرورة اللجوء إلى علم اجتماع المعرفة للتأكد من كفاية الأبحاث المسحية
التي يؤيدها شيكوريل وباحثو إثنيات آخرون، خشية أن يؤدي هذا إلى نسبية مطلقة. وإذا كانت الحال أن
تعمل اللغة - «والمعاني الثقافية التي تدل عليها أو تحرّفها أو تطمسها -رْشَح أو شبكة لما سيمر بوصفه كمِ
معرفة في عصر معنيّ»، كما يقول باحثو الإثنيات، فمن المستحيل عندها، وفق هيندس، معرفة ما هو «قائم»
في شكل غير مشوه وغير منحاز. تتجاوز انتقادات شيكوريل لاستخدام الإحصاءات مزاعم الإغراق في النظرية لتشدّد على ضرورة
أخذ الأوضاع المؤسساتية بعين الاعتبار عند تفسير البيانات الرسمية. بيد أن العلاقة بين التفسيري
والمُلاحظ في فهم العاملِ الاجتماعي تتجلى في مستوى آخر، في ما يسمّيه غيدنز «التأويل المزدوج». إن ما
يميز المعرفة الاجتماعية من الطبيعية، وفق غيدنز، هو الطبيعة الانعكاسية للأولى، إذ ترتد النظريات عن
المجتمع بموجبها إلى المجتمع لتشكّل الظواهر ذاتها التي ترمي هذه النظريات دراستها. «يجري في الوقت
الراهن استيعاب خطابات العلوم الاجتماعية ضمن ما تتناوله هذه الخطابات، في الوقت الذي يُصار إلى
التماس (بشكل منطقي) لمفاهيم ونظريات يستخدمها الفاعلون العاديون». بالنسبة إلى غيدنز، فإن
الصلة التأويلية تجريبية في جانب منها، وتلبّي الحاجة إلى تطوير الطرق الكمية وتحسينها لجمع البيانات
وتحليلها، لكنها أيضًا نظرية ومفاهيمية. وإذا كان غيدنز يربط صعود «السلطة الإدارية» للدولة القومية
4 Barry Hindess, The Use of Official Statistics in Sociology; a Critique of Positivism and Ethnomethodology , Studies in Sociology (London: Macmillan, 1973), p. 23.
5 المصدر نفسه، ص.25
6 John I. Kitsuse and A. V. Cicourel, “A Note on the Uses of Official Statistics,” Social Problems , no. 11 (Fall 1963), pp. 131-139. 7 Anthony Giddens, The Constitution of Society: Outline of the Theory of Structuration (Berkeley: University of California Press, 1984), pp. 180-181.
باستخدام الإحصاءات، فإن الفيلسوف هاكينغ يمضي أبعد من ذلك ليحدد الطبيعة الانتشارية لهذه
السلطة في المجتمع ككل: «كانت طباعة الأرقام هي الأثر الظاهري؛ فوراءها كان ثمة تكنولوجيات جديدة للتصنيف والتعداد،
وبيروقراطيات جديدة ذات سلطة واستمرارية لنشر التكنولوجيا. وهناك معنى في أن الكثير من الحقائق
التي قدمتها البيروقراطيات لم يكن حتى موجودًا من قبل. وتعين اختراع فئات يمكن أن يندرج فيها
الناس بسهولة من أجل إحصائهم. وقد أثّر الجمع المنهجي للبيانات الخاصة في الناس ليس فقط في طرق
تصورنا لمجتمع ما، بل أيضًا في طرق وصفنا لجارنا، وحوّل بعمق ما نختار القيام به، وما نحاول أن نكونه،
وفكرتنا عن أنفسنا». يقترح هيندس مواجهة الميل نحو النسبية المطلقة الكامن في انتقادات باحثي الإثنيات للبحث الكمي،
عبر إرجاع مزاعم التحيّز إلى الترتيب «التقني» و«المفاهيمي» للبيانات، وإلى عدم إيلاء انتباه كافٍ للسياق
التنظيمي الذي تنشأ فيه جمع البيانات الرسمية. ولذلك، ليست الخلفية الفردية و«الخبرات الذاتية»
للمراقِب أو المراقَب هي ما يساهم في ذلك التحيّز، ولا هي في المقام الأول مشكلة ضبط أخطاء أخذ
العيّنات عن طريق ضمان اختيار عيّنات ملائمة، كما يزعم الوضعيون. ولتوضيح هذه النقطة، يدرس
هيندس تصنيف السكان المستخدم في الإحصاء السكاني الهندي لسنة 1951 - بعيد استقلال الهند عن
بريطانيا؛ فقد أظهر الإحصاء المذكور، باعتماد معايير تصنيف استخدمها البريطانيون في الأصل، أن فئة
المزارعين الغالبة، وتمثّل ثلثي من يعتمدون على الزراعة في معيشتهم في الهند، تألفت من «الفلاح المالك»
الرأسمالي في وقت كانت احتجاجات المزارعين والفلاحين على إصلاح الأراضي في الهند تدل على تركز
ملكيتها في أيدي قلة. وفكرة هيندس في تفسير هذا التناقض الظاهري هي أن تصنيف الإحصاء السكاني،
عن طريق شمول مختلف الفئات، لم يميّز بشكل كاف بين مختلف الفئات (مالك يعمل بأرضه، مؤجر، عامل
زراعي، فلاح) وبالتالي خلط مجموعات (رأسمالية) غير متجانسة مع أولئك الذين يعتمدون على الزراعة
والأرض بوصفها الوسيلة الأساسية للإنتاج. وخلص هيندس، باستخدام مفهومي علاقات التبادل
السلعي وغير السلعي، إلى أن مدى تغلغل الرأسمالية في الزراعة الهندية كان أصغر كثيرًا من تقديرات
الإحصاء السكاني. والأهم من ذلك هو أن سبب تضخيم حجم الزراعة الرأسمالية في الهند يرجع إلى
التصميم النظري للإحصاء واختيار الفئات المستخدمة، وهو ما جعل أخذ التشكيلات الاجتماعية في الهند
بالاعتبار أمرًا مستحيالً، إذ تتعايش أساليب إنتاج ما قبل رأسمالية وأخرى غير رأسمالية. إضافة إلى ما سبق، فإن جمع الإحصاءات يعكس ما يسمّى التقاليد الوطنية؛ فقد بنيّ ديسروزيرز أن
تقليد التجريبية الذي يهدف إلى دراسة الأوضاع الاجتماعية (الفقر بشكل خاص) في بريطانيا في الجزء
الأخير من القرن التاسع عشر هو الذي حدَّد شكل الممارسة البريطانية الحالية في جمع الإحصاءات
الرسمية. وفي ألمانيا تم ربط جمع الإحصاءات بالحاجة إلى إدارة حكم الدول الكثيرة التي كوّنت ألمانيا في
8 Anthony Giddens, A Contemporary Critique of Historical Materialism (Berkeley: University of California Press, 1987), vol. 2: The Nation-State and Violence. 9 Ian Hacking, The Taming of Chance (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1990), pp. 2-3. 10 Hindess, pp. 39-44. 11 Alain Desrosieres, “Statistical Traditions: An Obstacle to International Comparisons?,” in: Linda Hantrais and Steen Mangen, eds., Cross-National Research Methods in the Social Sciences (London; New York: Pinter, 1996).
القرن التاسع عشر – وهذا يفرسّ الميل القانوني في بناء الإحصاء السكاني الألماني. وفي فرنسا، أدت مركزية
الدولة إلى بناء مؤسسات إحصائية قوية تواصل تدريب الإحصائيين الحكوميين وتشرف على جمع بيانات
إقليمية ووطنية غزيرة ومتنوعة. أمّا في الشرق الأوسط، فتعود جهود إجراء إحصاء سكاني حديث إلى
منتصف القرن التاسع عشر برعاية الدولة العثمانية. وبعد انهيار الإمبراطورية العثمانية في الجزء الأول
من القرن العشرين، شرعت بريطانيا (في العراق وفلسطين ومصر) وفرنسا (في سورية ولبنان وشمال
أفريقيا) في تحديث الإحصاء العثماني عبر تنفيذ إحصاء سكان خاص بها. ولا تزال بصمات هاتين الدولتين
المحتلّتين على إحصاء السكان في منطقة الشرق الأوسط واضحة حتى يومنا هذا. وفي حالة الفلسطينيين،
لدينا بُعد إضافي تمثّل في مواجهة ثلاثة أنظمة احتلال منفصلة في السنوات المئة الماضية (تركيا وبريطانيا
وإسرائيل)، وكذلك الأردن (الضفة الغربية) ومصر (غزة) لمدة عقدين، من سنة 1948 إلى سنة 1967،
وأخيرًا ضرورة بناء جهاز إداري لإجراء إحصاء السكان في التسعينيات كجزء من بناء الدولة. ويرتدي استخدام الإحصاءات أهمية خاصة في المجتمعات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية؛ إذ يحلل
أندرسون بناء الإحصاء السكاني في الدولة الاستعمارية الهولندية في إندونيسيا باعتباره شكالً من أشكال
«التخيل المحموم» «(feverish imagination ») الذي اعتمد في المقام الأول على «منطق القياس الكمي»
و«تصنيف الهوية» كوسيلة للتحكم في السكان. ويصف كوهن بالتفصيل حاجة القوة الاستعمارية
(بريطانيا في الهند في حالتنا) إلى إيجاد «طرائق استقصائية» تسهّل مشروع الحكم. وتشمل هذه الطرائق
«تحديد مجموعة المعلومات اللازمة، والإجراءات الكفيلة بجمع المعرفة المناسبة وترتيبها وتصنيفها،
ومن ثم كيفية تحويلها إلى أشكال قابلة للاستخدام كتقارير منشورة وتقارير إحصائية وتواريخ ومعاجم
جغرافية ومدوّنات وموسوعات قانونية». وسمّى كوهن هذه الطرائق كما يلي: طريقة الجغرافية
التاريخية (historiographic modality)؛ الرصد/السفر؛ المسح؛ التعداد؛ التأمل المنطقي؛ المراقبة. وفي حالة فلسطين/إسرائيل، تهدف هذه الورقة إلى التركيز على الطريقة التعدادية وطريقة المراقبة، لأن بقية
الطرائق عالجها كتّاب آخرون. فبخصوص الطريقة الجغرافية التاريخية مثالً، هناك نقاش محتدم مستمر
حول مرحلة ما بعد الصهيونية ودور «المؤرخين الجدد» في تحدي الخرافات المقبولة حول الرواية الرسمية
لإنشاء إسرائيل ومعاملتها للفلسطينيين. وتتناول شتاين طريقة الرصد/ السفر في تحليلها للسياحة
الإسرائيلية ومكانة المشهد الفلسطيني فيها.
12 Benedict Richard O’Gorman Anderson, Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism , Rev. and Extended ed. (London; New York: Verso, 1991), pp. 169-170. 13 Bernard S. Cohn, Colonialism and its Forms of Knowledge: The British in India , Princeton Studies in Culture/Power/ History (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1996), p. 5. 14 Baruch Kimmerling, “Between Celebration of Independence and Commemoration of Al-Nakbah: The Controversy over the Roots of the Israeli State,” Middle East Studies Association Bulletin, vol. 32, no. 1 (Summer 1998), pp. 15- 19; Anita Shapira and Ora Wiskind-Elper, “Politics and Collective Memory: The Debate over the “New Historians” in Israel,” History and Memory, vol. 7, no. 1: Israeli Historiography Revisited (Spring - Summer 1995), pp. 9-40, and Ilan Pappe, “Critique and Agenda: The Post-Zionist Scholars in Israel,” History and Memory , vol. 7, no. 1 (Spring-Summer 1995), pp. 66-90. 15 Rebecca Luna Stein, “National Itineraries, Itinerant Nations: Israeli Tourism and Palestinian Cultural Production,” Social Text, vol. 56 (Autumn 1998), pp. 91-124. Danny Rubenstein, “Seeing the Sights of Palestine,” Haaretz , 25/7/1999. (Internet English Edition) 16 انظر أيضًا:
ثانيًا: بناء السكان
-1 فلسطين بوصفها أرضًا متنازعًا عليها
تتجلى الادعاءات المتنافسة بشأن فلسطين - الأرض وشعبها – بأوضح صورها في استخدام الإحصاءات.
أولا، في توصيف ملْكية الأراضي، ساهمت مفاهيم (كنوع الحيازة واستخدام الأراضي) وطرق تصنيف
(ملْكية جماعية في مقابل ملْكية فردية) استخدمها البريطانيون في الإحصاء السكاني في أثناء احتلالهم
لفلسطين، واستخدمها قبلهم العثمانيون، وأخيرًا إسرائيل، في وضع تقديرات متضاربة بشأن حجم ونوع
الأراضي التي يملكها العرب واليهود في فلسطين. وهذا ينطبق أيضا على عدد سكان كل مجموعة.
ثانيًا، أصبح الجدل بشأن دقة التقديرات السكانية أكثر صخبًا في أعقاب اتفاق أوسلو، عندما لجأت
مؤسسات البحث الدولية، والفلسطينيون أنفسهم، والإسرائيليون من قبلهم، إلى إجراء أبحاث مسحية
تهدف، من بين أمور أخرى، إلى تقويم الديموغرافيا و«الأوضاع المعيشية» للسكان في الأراضي المحتلة في
الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي عملية أدت إلى نتائج متضاربة. يطرح التصنيف و«التأطير»framing) ((*) مجموعة من المشكلات عند تفسير البيانات الكمية.
ويشير مكارثي في دراسته الشاملة للإحصاء السكاني العثماني في فلسطين إلى أن الصراعات السياسية
والاعتبارات الثقافية أدت دورًا بارزًا في تأطير المناقشات السكانية. على سبيل المثال، كان عدد
النساء والأطفال عادة أقل من الواقع في الإحصاء العثماني، كما كان الوضع عمومًا في أوروبا وأماكن
أخرى في القرن التاسع عشر؛ إذ كان يجري إخفاء الأطفال عن المولجين بالإحصاء لتجنّب التجنيد
المستقبلي في الجيش العثماني، بينما كان الوصول إلى النساء متعذرًا بسبب «صعوبة اختراق قدسية البيت
وخصوصيته». وانعكس بُعد آخر للتقديرات السكانية، ذو إيحاءات سياسية مميزة، في الجدل الدائر
بشأن التوازن بين العرب واليهود الذين يعيشون في فلسطين. ولدعم المطالبات بالأرض، بإظهار
الوجود اليهودي المستمر في فلسطين، عمد الديموغرافي آرثر روبين، وهو مسؤول في الوكالة اليهودية
المسؤولة عن استعمار فلسطين، إلى «العبث» بالبيانات، بحسب مكارثي، من أجل تضخيم عدد السكان
17 Elia T. Zureik, The Palestinians in Israel: A Study in Internal Colonialism , International Library of Sociology (London; Boston: Routledge and K. Paul, 1979); Michael R. Fischbach, “Settling Historical Land Claims in the Wake of Arab-Israeli Peace,” Journal of Palestine Studies , vol. 27, no. 1 (Autumn 1997), pp. 38-50, and G. Hale, “Diaspora Versus Ghourba: The Territorial Restructuring of Palestine,” in: D. Gordon Bennett, ed., Tension Areas of the World: A Problem Oriented World Regional Geography (Delray Beach, Fla.: Park Press; Champaign, Ill.: Obtained from Research Press Co., 1982). 18 Justin McCarthy, The Population of Palestine: Population History and Statistics of the Late Ottoman Period and the Mandate , Institute for Palestine Studies Series (New York: Columbia University Press, 1990), and Beshara B. Doumani, “The Political Economy of Population Counts in Ottoman Palestine: Nablus, Circa 1850,” International Journal of Middle East Studies , vol. 26, no. 1 (February 1994), pp. 1-17. 19 Elia Zureik, “Palestinian Society in Gaza, West Bank and Arab Jerusalem,” Review of the Norwegian Study (FAFO) of the West Bank, Gaza and Arab Jerusalem, Journal of Refugee Studies , vol. 6, no. 4 (1993), pp. 418-425. 20 D. Sibley, “Survey 13: Purification of Space,” Environment and Planning D: Society and Space , vol. 6, no. 4 (1988), pp. 409-421.
(*) المقصود ب «التأطير»، استنادًا إلى مفهوم الإطار الذي قدّمه عالم الاجتماع إيرفينغ غوفمان (Erving Goffman)، فرض معنى على
أفعالنا التي تستند إلى مخزون ثقافي. يستخدم الكاتب المفهوم في سياق يدل على فرض حدود ومضامين تصوغها إسرائيل في اتصالاتها مع
السلطة الفلسطينية. وبذلك، يشير “ التأطير ” إلى وضع الخطاب في سياق يعكس قوة الطرف المهيمن.
21 المصدر نفسه، ص.4
اليهود في فلسطين القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وتفاقمت المشكلة أكثر عندما قبلِ
المديرون البريطانيون للإحصاء الفلسطيني في سنة 1922 أرقام روبين على أنها موثوقة وتستند إلى
البيانات العثمانية، وهي لم تكن كذلك، بحسب مكارثي. وما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتوازن السكاني
بين العرب واليهود هو الجدل الدائر حول الهجرة إلى فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر والقرن
العشرين. وبما أن الهجرة، منذ الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، ظلت العامل الرئيس الذي ساهم
في نمو عدد السكان اليهود في فلسطين، فقد دأب أنصار قنونة هذه الهجرة وزيادتها على الإشارة إلى
أن ظاهرة مماثلة تحدث بين السكان العرب. وبعد إجراء تحليل دقيق، بمراعاة مختلف الافتراضات
الديموغرافية الممكنة، بما في ذلك الوفيات غير المسجلة بين السكان العرب والهجرة العربية إلى
فلسطين، خلص مكارثي إلى أن: «الحجة القائلة بأن الهجرة العربية شكلت جزءًا كبيرًا من السكان الفلسطينيين العرب هي بالتالي حجة
ضعيفة إحصائيًا؛ فالغالبية العظمى من السكان العرب الفلسطينيين في سنة 1947 كانت أبناء وبنات
عرب عاشوا في فلسطين قبل بدء الهجرة اليهودية الحديثة. وليس هناك سبب واحد للاعتقاد بأنهم ليسوا
الأبناء والبنات الذين عاشوا في فلسطين منذ قرون عديدة». ويبرز مثال أحدث، يبنيّ البُعد السياسي الوطني للإحصاء السكاني، في محاولات الدولة الفلسطينية الوليدة
لإحصاء السكان الخاضعين لولايتها؛ فقد أصدر المكتب المركزي الفلسطيني للإحصاء، بُعيد تأسيسه في
أواخر سنة 1994، أول تقرير له عن الوضع الراهن بعنوان «ديموغرافيا السكان الفلسطينيين في الضفة
الغربية وقطاع غزة». ولم يستند التقرير إلى أي إحصاء سكاني جديد أجراه المكتب المركزي للإحصاء، بل
إلى بيانات الإحصاء الإسرائيلي لسنة 1967 الذي استخدم كأساس لتعداده السكان في الموقع in situ) (أو
بحكم الأمر الواقع (وليس المقيمين أو بحكم القانون). ونوّه مدير المكتب المركزي للإحصاء، في مقدمة
التقرير، إلى أن «الجدل بشأن عدد السكان وتكوينهم هو محور اهتمام هذا التقرير». وزعم المدير، منذ
البداية، أن إسرائيل قللت من عدد سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، وشملت فقط السكان الموجودين
فعليا في ذلك الوقت، وتجاهلت الدائمين (وهم سكان لهم حق قانوني في العودة إلى الأراضي، ولكن
صدف أن كانوا خارج الأراضي عندما أجري الإحصاء)، ولم تشمل القدس الشرقية بوصفها جزءا
من إحصاء السكان العرب في الضفة الغربية. ولفهم الطبيعة الخلافية للإحصاء السكاني، نظّم المكتب
المركزي للإحصاء مجموعة أخرى من الدراسات أعطت تقديرات للسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية
(بما فيها القدس الشرقية) وقطاع غزة مغايرة للإحصاء الإسرائيلي.
-2 اختلاق الناس
اعتمد ميتشل في تحليله البنائي الاجتماعي على كتابالاستشراقلإدوارد سعيد وكتاب المراقبة
22 المصدر نفسه، ص.19-16
23 المصدر نفسه، ص.34
24 Palestinian central Bureau of Statistics, Demography of the Palestinian Population in the West Bank and Gaza Strip , Current Status Report Series; no. 1 (Ramallah, Palestine: The Bureau, 1994). 25 Timothy Mitchell, Colonising Egypt (Cairo: American University in Cairo Press, 1988). 26 Edward W. Said, Orientalism (New York: Pantheon Books, 1978).
والمعاقبة لفوكو، لدراسة طريقة اعتماد التمثيل الغربي لمصر في القرن التاسع عشر في السعي للهيمنة
الاستعمارية، أوالً من قِبل الفرنسيين ولاحقًا من قِبل البريطانيين، في ذلك الوقت على نموذج أولّي من
الوضعية والهندسة الاجتماعية المرتبطة بسان سيمون وأوغست كونت وإميل دوركهايم في حالة الفرنسيين،
وفي حالة البريطانيين، على التجريبية الخام التي كانت تهدف إلى دراسة الثقافة المصرية عبر الكشف عن
«الوقائع» و«الحقائق» المكوِّنة لها. ومع ذلك، أُدخلت الإحصاءات الاجتماعية المتطورة وصُقلت أول
مرة في بريطانيا القرن التاسع عشر. ويدين أول ظهور لتحليلات عوامل الارتباط والانحدار لفرانسيس
غالتون وكارل بيرسون اللذين استفادا، في أثناء تسنّمهما مناصب عليا في حركة تحسين النسل في بريطانيا،
من التقنيات الإحصائية للدعوة إلى التلاعب في اختيار السكان وفق مذهب الداروينية الاجتماعية ذي
الشعبية آنذاك. لذلك، ليس من المستغرب أن نقرأ في وصف ميتشل كيف كان البريطانيون والفرنسيون يهدفون
إلى فرض «النظام» على عقل المجتمع المصري وجسده في القرن التاسع عشر بتطبيق تقنيات المراقبة
والمعاقبة في النظام التعليمي الرقابي، وفي التدريب العسكري، ومكان العمل، واستخدام أماكن
السكن. وليس من قبيل الصدفة أن يقوم جيرمي بنتام، الذي زار مصر في القرن التاسع عشر وقدم
النصح إلى محمد علي باشا، بوضع خطط حول كيفية غرس الطاعة والانضباط في المجتمع المصري
عبر استخدام أساليب المراقبة. ويؤكد ميتشل أن «المبدأ الشمولي لبنتام ابتكر على حدود أوروبا
الاستعمارية مع الإمبراطورية العثمانية، وبنيت نماذج السجن panopticon (*) بجزئها الأكبر ليس
في شمال أوروبا، بل في أماكن مثل الهند الاستعمارية». وعملت غالتون أيضًا مع وزارة الخارجية
البريطانية وضباط الشرطة الهندية المحلية لتطوير «نظام للتصنيف جعل من الممكن أخذ البصمات
كوسيلة لتحديد هوية الأفراد». لقد جرى تشييء المجتمع وتكريس السلوك الفردي في الواقع، باستخدام الآلة كرمز لتفكيك المجتمع
والشخصية المصرية على يد المسؤولين الاستعماريين البريطانيين، في حين نظر الفرنسيون، الذين تأثروا
بمنهج إميل دوركهايم الوضعي، إلى المجتمع على أنه «شيء» موجود بصرف النظر عن أفراده، ويمثّل في
«الحقائق الاجتماعية» التي تشكّل الإحصاءات مكونًا أساسيًا لها. ومثل ميتشل، تعتمد كريستينا زكريا، على الرغم من معالجتها ظاهرة معاصرة، على كتابات فوكو، وتشير
إلى أن الإحصاء الذي ترعاه الدولة يقوم بدور «آلية لتنظيم وإدامة سلطة الدولة»، حيث أصبحت «عملية
شخصنة الأجسام المادية وتصنيفها وتعليمها الطاعة أداةً حديثة للهيمنة والتحرير». وتظهر إشارة
27 Michel Foucault, Discipline and Punish: The Birth of the Prison , Translated from the French by Alan Sheridan (New York: Pantheon Books, 1977). Donald MacKenzie, “Eugenics and the Rise of Mathematical Statistics in Britain,” in: John Irvine, Ian Miles 28 انظر:
and Jeff Evans, eds., Demystifying Social Statistics (London: Pluto Press, 1979).
)*(من Panopticon بالإنكليزية (opticon وتعني يراقب و pan وتعني الجميع)، وهي نموذج لأبنية مؤسسات السجن صممه الفيلسوف
الإنكليزي جيرمي بنتام في أواخر القرن التاسع عشر، ويسمح لإدارة المؤسسة بمراقبة جميع الموجودين فيه من دون علمهم.(المترجم)
29 Mitchell, Colonising Egypt , p. 40. 30 Cohn, p. 11. 31 Mitchell, Colonising Egypt , p. 126. 32 Christina Zacharia, «Power in Numbers: A Call for a Census of the Palestinian People,” Al-Siyassa al-Filastiniyya [Arabic - Palestinian Policy], vol. 3, no. 12 (1996), pp. 2-3.
دوماني إلى ما يسمّيه «الاقتصاد السياسي للإحصاء السكاني» في فلسطين العثمانية في القرن التاسع عشر
قلقًا مماثالً: «إن إحصاء الناس كان في الأساس ممارسة في الهيمنة تنطوي على (إعادة) تعريف لمكان الفرد في
نظام الحكم العثماني واستخدام المعرفة لتسهيل قدر أكبر من السيطرة. وبهذا المعنى، كان لتعداد
السكان، ربما أكثر من أي عمل إداري آخر من أعمال السلطات العثمانية خلال فترة التنظيمات (*)،
تأثير كبير لأنها لامست، بالمعنى الحرفي للكلمة، الغالبية العظمى من السكان المحليين في إجراء واحد،
ولكنه شامل». ومن المفيد ملاحظة أن سجلات السكان الرسمية ليست موضع نزاع من حيث المضمون فقط، بل يجري
إزالتها ماديًا؛ فمثالً، بعد غزو لبنان ودخول بيروت سنة 1982، توجهت القوات الإسرائيلية، ترافقها
عناصر استخبارات عسكرية، مباشرة إلى مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، حيث حُفظت
الإحصاءات الرسمية وغيرها من سجلات الحركة الوطنية الفلسطينية، ونقلت السجل الوثائقي كله إلى
إسرائيل. وقد وضع هذا السجل، وبعضه أعيد في النهاية إلى منظمة التحرير الفلسطينية، في متناول
صانعي السياسات والأكاديميين. وكما هي الحال مع إسرائيل والفلسطينيين في محاولات إجراء إحصاء سكاني، اختارت الدول العربية
المجاورة، حيث تعيش أغلبية اللاجئين الفلسطينيين، التعامل مع إحصاء السكان بطرق تعكس
مصالح الدولة. فالأردن مثالً، في أعقاب إحصاء سنة 1996، لم يُصدر الإحصاء السكاني موزعًا بين
أردنيين وفلسطينيين خشية أن تُظهر الأرقام أن أغلبية سكان الأردن تتكوّن من اللاجئين الفلسطينيين
وذريتهم. ويمثل لبنان مثاالً آخر مثيرًا للاهتمام؛ ففي بلد لم يجرِ فيه إحصاء سكاني منذ الثلاثينيات،
يتفق مراقبون مستقلون على أن الإحصاء الذي يجريه حاليا سيكشف أن السكان المسلمين أغلبية واضحة،
وبالتالي يقوض المزاعم المسيحية بالهيمنة العددية والسياسية. أمّا بخصوص اللاجئين الفلسطينيين في
لبنان، وهم أغلبية سنية مسلمة وعددهم قرابة 350.000 وفق مصادر الأمم المتحدة، فقد اعتادت
الحكومات اللبنانية المتعاقبة تضخيم عددهم بهدف عدم تشجيع إقامتهم في البلاد وتبرير طردهم المحتمل
خوفًا من أن يخلّ توطينهم بالتوازن الطائفي اللبناني. يلاحظ ميتشل وأوين إزاء نظام اجتماعي تقليدي يُظهر ولاءات متعددة وهويات هجينة، كما هي حال
العالم العربي في مرحلة الاستعمار، أن «الدولة الاستعمارية سعت إلى إعادة تشكيل [الهويات] كفئات ثابتة
ومفردة بواسطة سيطرتها على وسائل معيّنة للتعداد، كإجراء إحصاء سكاني». وعلى القدر ذاته من
الأهمية، كما تشير زكريا، فقد «كان على الدولة بعد الاستعمار إعادة بناء مجتمعها الوطني وفق ومقابل
(*) التنظيمات العثمانية: فترة إصلاح بدأت في سنة 1839 وانتهت بفترة المشروطية الأولى سنة 1876، وتميزت بمحاولات عدة
لتحديث الدولة العثمانية (المترجم).
33 Doumani, p. 13. 34 Barbara Harlow, Resistance Literature (New York: Methuen, 1987), p. 7. 35 Raphael Israeli, ed., PLO in Lebanon: Selected Documents (London: Weidenfeld and Nicolson, 1983). 36 Rana Sabbagh, “Jordan Keeps Secret Palestinian Population’s Rate,” Reuters World Report (27 January 1996). 37 Elia Zureik, Palestinian Refugees and the Peace Process , Final Status Issues Paper (Washington, DC: Institute for Palestine Studies, 1996). 38 Zacharia, “Power in Numbers,” and Anderson, Imagined Communities.
التصنيفات الموجودة التي تشكلت عبر الاستعمار. وبحسب ميتشل وأوين، اعتبُرت الفصائل المقاو مة
تلقائيًا ‘ غير وطنية ’ أو ‘ بدائية ’ وجرى استهدافها ديموغرافيًا لتصبح متوافقة مع مصالح الدولة ».
-3 الإحصاء السكاني
تبرز أهمية إجراء الإحصاء السكاني بأوضح صورها في المرحلة الأولى من بناء الدولة، خلال عملية بناء
حدود المواطنة والهوية. وثمة تباين بين الخبرات الإسرائيلية والفلسطينية مفيد هنا؛ فمن أولى المهمات
التي نفذتها إسرائيل بعد إعلان دولتها سنة 1948 إجراء تعداد كامل لكل فرد موجود داخل حدودها.
وكما تبنيّ ليبلر في دراستها لدور الإحصاء السكاني الإسرائيلي في بناء الدولة، فإن التحالف بين مكتب
الإحصاء المركزي الإسرائيلي والحكومة يخدم مصالح كلا الطرفين. وقد أبدى مكتب الإحصاء المركزي
الإسرائيلي، باعتباره مؤسسة علمية ظاهريًا، صورة محايدة وغير سياسية، تستمد شرعيتها من خبراته
الإحصائية والعلمية. ومثل جميع المؤسسات العلمية، ادّعى المكتب أنه يقوم بتفسير الواقع الاجتماعي
ونقل الحقائق إلى المجتمع. وفي الوقت نفسه، سعت الحكومة لدعم صورته المحايدة عبر تعيين خبير
إحصائي رئيسا له. لكن في الواقع كان هناك تحالف ضمني بينهما، وصفه ليبلر بالعبارة التالية: «الدولة
الحديثة تحتاج إلى مؤسسة إحصاءات وطنية من أجل خلق ‘ المواطن ’، والإحصاء يحتاج إلى سلطة الدولة
لممارسة مهنته». وعلى الرغم من أن مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي حرص على النأي بنفسه عن
أي نشاط سياسي والاقتصار على العلم، فإن التأثير المتبادل بين العلمي والسياسي كان يبرز إلى الواجهة
كلما تعلق الأمر بوضع الأقلية العربية. انطلاقا من الحاجة إلى تنفيذ تعداد دقيق للسكان اليهود والعرب على السواء بُعيد إعلان الدولة وفي
أعقاب حرب 1948، اقترح مدير مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي على الحكومة فرض حظر تجول
على السكان ليصار إلى عدِّهم في مواقعهم. واعترُبِ كل شخص خارج منزله غائبًا، ولم يظهر في سجلات
الإحصاء. وفسرت الحكومة هذا لاحقًا بأن غياب الأفراد عن مكان إقامتهم في أثناء إجراء الإحصاء، حتى
لو كانوا يقيمون في أماكن أخرى في البلاد، لا يكفل لهم حق العودة إلى مدنهم وقراهم واستعادة ممتلكاتهم.
وطُبِّق ذلك على السكان العرب لا اليهود. وهكذا صُنِّف قرابة 32.000 من عرب إسرائيل، أي من
كانوا يشكلون حينها 20 في المئة من السكان العرب الأصليين الذين بقوا في إسرائيل بعد حرب 1948،
على أنهم «حاضرون غائبون» في وقت الإحصاء الأول، وتجاوز عددهم بعد خمسين سنة 250.000
نسمة. وهؤلاء، حتى يومنا هذا، يُمنعون من العودة إلى ديارهم، وما زالوا يعيشون في ما يسمّى تجمعات
غير معترف بها. وعلى الرغم من ادعاءات الفصل بين الجهات العلمية والسياسية، وصفت ليبلر التحالف
بين الحكومة ومكتب الإحصاء لنزع ملْكية الفلسطينيين الأصليين عبر خلق فئة جديدة من المواطنين
العرب الحاضرين - الغائبين، كما يلي:
39 Zacharia ,p. 3. 40 Anat A. Liebler, Statistics as Social Architecture: On the Construction of Israel’s Central Bureau of Statistics as an A-political Institution (Tel-Aviv: Mimeographed, 1999).
وانظر أيضًا تحت العنوان نفسه أطروحة الماجستير للكاتب بالعبرية (جامعة تل أبيب، قسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا،.)1998
41 Liebler, p. 13.
«استطاع هذا الفصل، الذي أيده بإصرار البرفسور باتشي [أول مدير لمكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي]،
‹تمويه› إحدى النتائج الرئيسة للإحصاء الأول الذي أصبح، مع حظر التجول المرافق، واحدة من الآليات
التي سمحت للدولة بالاستيلاء على أراضي العرب وعقاراتهم. ففي ظل حظر التجول، لم يُسجَّل إلا من
كان موجودًا في منزله. ونظرًا إلى المعارك المكثفة في ذلك الوقت، كانت نسبة كبيرة من السكان العرب
غائبة عن المنزل. ومع ذلك، ربما لهذا السبب بالذات، أُعطيت أوامر بعدم تسجيل الغائبين عن منازلهم
كمواطنين، وعدم الاعتراف بملْكيتهم للبضائع والعقارات والأراضي. وبهذه الطريقة ولدت الفئة
الإحصائية ‹أصحاب الأملاك الغائبين› – أي السكان العرب الذين ألغيت حقوق ملكيتهم (وستحصل
هذه الفئة على اعتراف قانوني بعد سنوات عديدة». اعتمدت إسرائيل التي أعلنت نفسها دولة «يهودية» وخرجت إلى الوجود في أعقاب الدولة الاستعمارية
البريطانية في فلسطين، منذ البداية فئتين سكانيتين رئيستين في تصنيف الإحصاء: «اليهود» و«غير اليهود».
وتشير الفئة الثانية إلى السكان الفلسطينيين الأصليين. والفئات التي يستخدمها الإحصاء الإسرائيلي
اليوم تُظهر، بطريقة ما، استمرارية في ممارسات الدولة الاستعمارية وما بعد الاستعمارية. ففي زمن وعد
بلفور سنة 1917، عندما وعدت بريطانيا المستعمِرة اليهود بوطن في فلسطين (لم تكن نسبتهم حينها تزيد
على 10 في المئة من مجموع السكان)، أشار الإعلان إلى العرب الأغلبية على أنهم الفئة المتبقية، وسامّهم
«الجماعات غير اليهودية في فلسطين». وحتى وقت قريب جدًا، يقدم الإحصاء السكاني الإسرائيلي تصنيفًا
ل«غير اليهود» على أساس الدين، أي مسلم أو مسيحي أو درزي. وتورد بطاقات الهوية الشخصية، التي
تصدر لكل مواطن إسرائيلي، الأصل القومي كعلامة عرقية وطنية («قومية باللغة العربية أو li’oum
بالعبرية)، بتصنيف صاحب البطاقة إلى «يهودي» أو «عربي» أو «درزي». ولهذه العلامات العرقية
نتائج مهمة على حقوق المواطنة، كما هي الحال مثالً في نقاش مسألة هل إسرائيل دولة مواطنيها أم دولة
الشعب اليهودي. تنطوي تسمية «يهودي»، في الخطاب الرسمي وغير الرسمي على حد سواء، على
وضعية امتياز لجهة قوانين الهجرة (وفق قانون العودة الإسرائيلي وقانون الجنسية)، وملْكية الأراضي،
ومنافع الخدمة الاجتماعية الحكومية، والتعامل العام من جانب وسائل الإعلام، في حين أن تسمية «غير
يهودي» تدل على الحالة المعاكسة، أي الحرمان. قرر مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي عبر قرار إداري اتخذ في سنة 1995 تغيير تصنيفه السكاني
الرئيس بإضافة فئة «الآخرين»، وهو ما أدى إلى تصنيف ثلاثي جديد «اليهود والعرب والآخرون».
ومبرر هذا التعديل الجديد هو حساب الأفراد والأزواج غير اليهود بين المهاجرين الروس (اليهود) الذين
أتوا إلى إسرائيل في العقد الماضي ولم يكشفوا عن خلفيتهم الدينية في وقت الهجرة، أو زوّروا هويتهم
كيهود، ووجود عدد كبير من العمال الأجانب غير الشرعيين في البلاد. وأثارت نتيجة هذا التغيير في
إحصاء السكان حملة مسعورة بقيادة وسائل الإعلام العبرية وبعض السياسيين اليمينيين الذين حذّروا
42 المصدر نفسه، ص.20
Calvin Goldscheider, Israel’s Changing Society: Population, Ethnicity, and Development (Boulder, Colo.: 43 انظر:
Westview Press, 1996), pp. 26-27. 44 David Kretzmer, The Legal Status of the Arabs in Israel , Westview Special Studies on the Middle East (Boulder: Westview Press, 1990), and George E. Bisharat, “Land, Law, and Legitimacy in Israel and the Occupied Territories,” American University Law Review , vol. 43, no. 2 (Winter 1994), pp. 467-561.
من انخفاض وشيك في نسبة اليهود إلى العرب، ولا سيما في مدينة القدس المتنازَع عليها؛ فهم يقولون إنه
عند طرح «الآخرين» من عدد السكان اليهود، انخفضت نسبة اليهود في المدينة ما دون ما يسمّى «الخط
الأحمر» أي 70 في المئة، كما حددته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ الاستيلاء على القدس الشرقية
سنة 1967 وضمّها لاحقًا من جانب واحد. لذلك، ولضمان «التناسب الديموغرافي الأمثل»، أي «ثلاثة
يهود لكل عربي في القدس»، دعت الحكومة الإسرائيلية على الدوام إلى بناء منازل جديدة لسكان يهود
محتملين، بينما أنكرت في الوقت نفسه وسائل راحة مماثلة على السكان العرب، وزوّرت حدود القدس
لزيادة عدد اليهود فيها. يقول بنفينستي، وهو مساعد سابق لرئيس بلدية القدس: «إذًا كم عدد اليهود والعرب الذين يعيشون في القدس؟ لا أحد يعرف على وجه اليقين. وفي جميع
الأحوال، هذه الإحصائية لا قيمة لها لأن الجميع يعلم أن الحدود البلدية التعسفية جرى ترسيمها أساسًا
لغرض التزوير الديموغرافي». «إن حدود الضم لم تحدد النسبة الديموغرافية في المدينة، بل إن «المعدل الديموغرافي الأمثل» هو الذي
رسم حدود المدينة، تاركا آلاف الفلسطينيين خارجها». يجب اشتقاق التوازن الديموغرافي الصحيح بإضافة أولئك الذين يعيشون في المنطقة الحضرية المبنية بكثافة
في القدس، حيث يوجد تكافؤ سكاني بين اليهود والعرب، أو ربما توجد أغلبية عربية. في إطار محادثات السلام في الشرق الأوسط، وفي محاولة للتوصل إلى تسوية نهائية بين الجانبين، تبرز
المنافسة بين إسرائيل والفلسطينيين على القدس كعنصر أساس في المفاوضات. وتجد هذه المنافسة تعبيرًا
لها في مجال إنتاج البيانات؛ فعن طريق نشر دراسات إحصائية خاصة عن القدس، يستعين الإسرائيليون
والفلسطينيون بالعلوم (في شكل دعم مؤسسي مهني وبيانات إحصائية) لإكساب مزاعم كلا الطرفين
الشرعية. ففي حين نشر مكتب الإحصاء المركزي الفلسطيني أول حولية إحصائية مخصصة للقدس
في أواخر سنة 1999، ينشر معهد إسرائيل لدراسات القدس، وهو مركز أبحاث يميني، بالتعاون مع
بلدية القدس بقيادة رئيس البلدية الليكودي إيهود أولمرت، دراسات إحصائية مكرسة لمدينة القدس منذ
سنة.1982 ويكشف فحص النشرتين المذكورتين ما يلي: إن الكتاب السنوي الإسرائيلي بشأن القدس، وهو يعتمد
أساسًا على بيانات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي وبلدية القدس، بعرضه عدد السكان العرب
واليهود في المدينة ككتلة واحدة إنما يضفي الشرعية على المطالب الإسرائيلية بالقدس مدينة موحدة. وعلى
الرغم من أن ضم إسرائيل للقدس الشرقية، حيث يعيش السكان العرب، غير قانوني وغير معترف به
دوليًا، فإن الحولية تعتبر المدينة كيانًا موحدًا بعرضها بيانات عن العرب واليهود كما لو أنهم ينتمون إلى
الفضاء الجيوسياسي نفسه. وتتضمن الدراسة الإسرائيلية، بالإضافة إلى دمج السكان العرب في القدس
الشرقية في إحصائها السكاني، ضواحي يهودية عدة واقعة خارج حدود 1967 للمدينة، وتتضمن كذلك
نواحي عربية أخرى تقع خارج الخط الأخضر. ونتيجة هذه البنية السكانية هي أن عدد اليهود في القدس
يصل إلى 429.000 نسمة بينما يصل عدد العرب إلى 193.000 نسمة. ولذلك، فإن دعاة ضم الأجزاء
45 Meron Benvinisti, “Bikini on Jerusalem’s Beach,” Haaretz , 29/7/1999. (Internet English Edition).
46 المصدر نفسه.
العربية من المدينة، عبر إعادة تعريف حدود القدس، قادرون على إظهار أن القدس، كعاصمة لإسرائيل،
مدينة ذات أغلبية «يهودية»، يشكّل العرب فيها أقلية واليهود أغلبية واضحة. وينشر المكتب المركزي للإحصاء، وهو الهيئة الإحصائية الرسمية للسلطة الفلسطينية، حولية القدس
الفلسطينية التي، بالإضافة إلى هدفها العلمي المعلن وهو توفير بيانات عن السكان العرب في القدس
لأغراض الأبحاث والسياسات، تشكك في المزاعم الإسرائيلية بالسيادة على الجزء العربي من المدينة.
ويتبنّى المكتب المركزي للإحصاء تعريفًا مختلفًا للقدس، باستخدام التقسيم العثماني للبلاد إلى محافظات.
ولذلك، فإن محافظة القدس تشير إلى القدس الشرقية والضواحي التي ضمّتها إسرائيل، فضالً عن أجزاء
أخرى تقع في الضفة الغربية التي تشكّل الأجزاء المتبقية من الوحدة الإدارية المعروفة باسم محافظة القدس.
وتظهر مقارنة بين النشرتين أن عدد الفلسطينيين من السكان العرب في المدينة أعلى بنحو 15.000 نسمة
من العدد الذي قدمه مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي. وكما ذكر مدير المكتب المركزي للإحصاء في مقدمة حولية القدس، فإن «للقدس وتوفير أفضل البيانات
الإحصائية الممكنة عنها أهمية خاصة في هذه المرحلة الدقيقة والحرجة، أي مفاوضات الوضع النهائي التي
تشكّل فيها القدس إحدى الركائز الأساسية والمحور البالغ الأهمية من جدول أعمالها». وبالإضافة
إلى توفير المؤشرات الإحصائية المعتادة، شمل الإحصاء الفلسطيني بيانات عن بطاقات الهوية المصادرة
من سكان المدينة العرب، وعدد السكان الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال الإسرائيلي، والضحايا العرب
نتيجة المواجهات مع قوات الأمن الإسرائيلية، وعدد المنازل العربية التي هُدمت في مدينة القدس. وتشير
الحولية كذلك إلى أن العمل الفعلي للمكتب المركزي للإحصاء في القدس تعرقل بسبب إغلاق المكتب
في المدينة في سنة 1995 في إثر صدور قانون إسرائيلي بهذا الخصوص، وتلاه قانون آخر سنة 1997 يمنع
السكان العرب في المدينة من المشاركة في عمليات الإحصاء التي ينفذها المكتب المركزي للإحصاء.
وبعبارة أخرى، أصبح اختيار الأشخاص الذين جيُرون التعداد، وهو مهمة علمية، جزءًا من الحرب
الأيديولوجية بشأن ادعاءات السيادة على القدس. إن ما يميز الخطاب القومي الإسرائيلي، المسؤول عن صوغ التصنيف السكاني، هو الحظر الذي يفرضه على
استخدام كلمة «فلسطيني» عند الإشارة إلى الأقلية الفلسطينية من مواطني إسرائيل؛ ففي الفترة -1948
1967، كانت صفة فلسطيني إمّا أُلغيت من المفردات الإسرائيلية (أتذكر كلمات غولدا مائير التي طالما
استشهد بها: «ليس هناك شيء اسمه الشعب الفلسطيني»)، وإمّا استُخدمت للإشارة إلى «الإرهابيين» بين
اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في دول الجوار ويشنون هجمات ضد أهداف إسرائيلية. وفي الوقت
الحاضر، تُطلَق تسمية فلسطيني فقط على الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة. ولا يقتصر هذا
الإجماع على الخطاب الرسمي، بل يمتد أيضًا إلى علماء الاجتماع الإسرائيليين الذين يبحثون في الأقلية
الفلسطينية في إسرائيل. ومع استثناءات قليلة جدًا، وحتى وقت قريب إلى حد ما، كان هؤلاء يتجنبون
أيضًا استخدام لفظة «فلسطيني» ويفضلون «عرب إسرائيل». وليس لهذا التصنيف، الذي يعكس
الأيديولوجيا السائدة، علاقة بالواقع أو بكيف تشعر الأقلية بنفسها، بقدر ما له علاقة بسياسة التجزئة
وفك ارتباط السكان الأصليين بأرض فلسطين وببقية الشعب الفلسطيني.
47 Statistical Yearbook: Jerusalem, 1998 (Ramallah, Palestine: Palestinian Central Bureau of Statistics, 1999).
48 المصدر نفسه، ص.35
إذا كان الإحصاء السكاني في جانب منه قد زوّد الدولة بوسيلة لفرض سيطرتها على سكانها عبر تحديد هوية
رعاياها ومن ينبغي تعداده كمواطن، فإنه يُستخدم في جانب آخر لتأكيد درجة من التمثيل أُنكرت حتى
الآن على الشعب المستعمَر. والمثل القائل «ثمة قوة في الأرقام» هو الذي يفسر رغبة الأمم بعد الاستعمار
والأقليات المحرومة في تأكيد شرعيتها عبر إحصاء سكانها. ويغدو إحصاء السكان الفعل الأكثر رمزية
في بناء الدولة؛ ففي الحالة الفلسطينية، وبعد اتفاق أوسلو سنة 1993 وتأسيس السلطة الفلسطينية،
كان المكتب المركزي للإحصاء بين أول المؤسسات التي جرى إنشاؤها. ومنذ ذلك الحين أطلق المكتب
برنامجًا طموحًا هو إجراء الإحصاء السكاني بإنتاج مسوح فصلية عن مشاركة العمالة، وإحصاء السكان،
والحسابات القومية، وكثير من الإحصاءات والتقارير المتخصصة. وفي فترة ما بعد أوسلو، ارتدى مشروع
إجراء إحصاء للسكان الفلسطينيين على يد الفلسطينيين أنفسهم أهمية سياسية واعتبُر علامة على التمكين
الوطني. ورأى إدوارد سعيد مثالً ضرورة هذا الإحصاء كوسيلة لتأكيد حضور الفلسطينيين على الساحة
العالمية، بغضّ النظر عن تشتتهم ونطاق السلطة التي يعيشون في ظلها. وبالتالي فإن الإحصاء الفلسطيني
الشامل، الذي يمثّل الانتماء القومي، هو بالنسبة إليه ذاك الذي يسجل أعداد الشعب الفلسطيني في جميع
أنحاء العالم، ولا يقتصر على من هم تحت سيطرة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة حيث
يعيش ربع الشعب الفلسطيني فقط. وردًّا على هذه الانتقادات، أصدر رئيس السلطة الفلسطينية ياسر
عرفات مرسومًا في سنة 1998 كلّف المكتب المركزي للإحصاء بتسجيل عدد الفلسطينيين ومواقعهم
أينما وجِدوا، وهي ممارسة شبيهة تماما بما يقوم به مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي الذي يعرض في
تقاريره بانتظام بيانات عن توزيع اليهود في جميع أنحاء العالم. وما يجعل الحالة الفلسطينية جديرة بالدراسة السوسيولوجية هو أنها توفر بُعدًا إضافيًا للنقاشات المعتادة
بشأن المدى السياسي من جانب الحكومات الوطنية لعملية بناء الإحصاء السكاني. ولدينا هنا مثال
لتدخّل إحدى الحكومات (إلإسرائيلية) بشدة في بناء المؤشرات السكانية لكيان سياسي آخر (السلطة
الفلسطينية). وكما رأينا حتى الآن، ولأن الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين هو في جوهره صراع
ينطوي على أناس ومطالبات بالأرض، فقد كان لزامًا على مفاوضات السلام الحالية في الشرق الأوسط
أن تتعامل مع هذه القضايا بشكل ملموس. وهكذا، بعد توقيع إعلان المبادئ سنة 1993، أبرم الجانبان
اتفاقًا مرحليًا في سنة 1995 شمل وصفًا مفصاّلً للقضايا السكانية؛ فالمادة 28 من هذا الاتفاق، وعنوانها
«سجل وتوثيق السكان»، تحدد طريقة نقل سجل السكان من السلطات الإسرائيلية إلى السلطة الفلسطينية،
وكيفية إبلاغ إسرائيل في المستقبل بأي تغييرات في وضع سكان الضفة الغربية وقطاع غزة. ويجب أن تسلّم
بطاقات الهوية التي أصدرتها السلطة الفلسطينية للسكان الفلسطينيين الخاضعين لولايتها إلى السلطات
الإسرائيلية. وبحسب الاتفاق، «تُنقل أرقام بطاقات الهوية الجديدة ونظام الترقيم إلى الجانب الإسرائيلي»،
و«يبلغ الجانب الفلسطيني إسرائيل بكل تغيير في سجل السكان، بما في ذلك، بين جملة أمور، أي تغيير في
مكان إقامة أي مقيم». ويجب الإبلاغ بانتظام عن أي تغييرات في المعلومات المتعلقة بجوازات السفر
أو وثائق السفر التي يستخدمها السكان الفلسطينيون إلى إسرائيل كذلك. وينبغي إعطاء موافقة إسرائيلية
49 Zacharia, “ Power in Numbers”. 50 Statistical Yearbook: Jerusalem, 1998. 51 Israeli-Palestinian Interim Agreement on the West Bank and the Gaza Strip: Washington, D.C., September 28, 1995 (Ramallah, Palestine: Palestine Liberation Organization, Department of Negotiations Affairs, 1995), pp. 114-115.
مسبقة قبل إصدار تصاريح للزوار الذين يطلبون وضع إقامة دائمة في الأراضي الفلسطينية. وبالتالي،
يصبح اتفاق أوسلو، في جانب منه، أداة لمراقبة السكان من جانب إسرائيل: «يزود الجانب الفلسطيني إسرائيل... بانتظام بالمعلومات التالية المتعلقة بجوازات السفر/ وثائق السفر
وبطاقات الهوية: (أ) في ما يتعلق بجوازات السفر/ وثائق السفر: الاسم الكامل، واسم الأم، ورقم بطاقة الهوية، وتاريخ
الميلاد، والجنس، والمهنة، ورقم جواز السفر/ وثيقة السفر وتاريخ إصداره، وصورة فوتوغرافية حديثة
للشخص المعني. (ب) في ما يتعلق ببطاقات الهوية: رقم بطاقة الهوية، والاسم الكامل، واسم الأم، وتاريخ الميلاد، والجنس،
والدين، وصورة فوتوغرافية حديثة للشخص المعني».
-4 إحصاء اللاجئين
ثمة مجال آخر هو في إحصاء السكان ذو أهمية خاصة: إحصاء اللاجئين الذين يشكّلون قرابة 50 في
المئة من الرقم الكلي، ويبلغ في مدخل القرن الواحد والعشرين نحو ثمانية ملايين فلسطيني. إن عدد
السكان اللاجئين الفلسطينيين وتركيبتهم موضوع خلافي يرتدي معاني سياسية مميزة، ولا سيما في مرحلة
ما بعد أوسلو وما اندرج فيها من محادثات تتعلق بالوضع النهائي. وكما هو متوقع، يصدر الإسرائيليون
والفلسطينيون تقديراتهم المتباعدة لعدد اللاجئين، بينما تقدم الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى
أرقامها الخاصة. سأضرب مثالا لغرض هذه المناقشة عبر التركيز أولا على جهود الأنروا، وهي منظمة أُسست سنة 1950
حصرًا لتلبية حاجات اللاجئين الفلسطينيين، ووضعِ تعريف إداري لمن هو لاجئ ومن هو فقير بين
اللاجئين المسجلين لديها، وكيف أن لهذا التعريف الأخير تداعيات على بنية الأسرة. فمن شروط اعتبار
الأسرة اللاجئة فقيرة وإدراجها في حالات العسر الخاصة بالأنروا، وهو شرط أساس لتلقّي الحصص
الغذائية من الوكالة، ألا يكون فيها ذكر بالغ يعيش في منزل الأسرة بسن -18 60 سنة. وتشير ستيفاني
لات عبد الله محقة إلى أن تعريف الأنروا التعسفي للضائقة الاقتصادية لا يقرر وفق إمكانية التوظيف
وتوافر فرص العمل، بل بالقدرة المتوقعة لوكالة الغوث على تقديم الحصص الغذائية. ولذلك، قادت
محاولات الوكالة الحد من عدد حالات العسر بسبب حاجات الموازنة والإدارة إلى تقسيم الأسر الممتدة
(بجعل الذكور البالغين خارجها)، وهو ما زاد عدد الأسر النووية والزواج (والطلاق) المبكر وعدد الأسر
التي تعيلها إناث. والأهم من ذلك ثانيًا هو أن تعريف الأنروا الإداري للاجئ أدى إلى تقديرات متضاربة لعدد اللاجئين؛
فمثالً تعرّف الأنروا اللاجئ بأنه أي شخص كانت إقامته العادية في فلسطين وذلك لفترة سنتين على
52 المصدر نفسه، ص.115
53 Zureik, Palestinian Refugees, pp. 5-27. 54 Stephanie Latte-Abdullah, « Refugees' Family Structures and UNRWA in Palestinian Camps in Jordan,» Paper Presented at: The Annual Conference of the Middle East Studies Association of North America, Chicago, December
الأقل من إنشاء دولة إسرائيل في 15 أيار/ مايو 1948، و«فقد من جرّاء حرب 1948 داره ومورد
رزقه». ولكن ليس كل الذين أصبحوا لاجئين في النزاع الذي طال أمده مع إسرائيل سُجلوا في
النهاية لدى الأنروا، وتتأرجح تقديراتهم في سنة 1999 حول 3.57 مليون نسمة. ولم يسجَّل
لدى الأنروا الفلسطينيون الأثرياء الذين أصبحوا لاجئين ولم يحتاجوا إلى مساعدة فورية. ولا يظهر
في سجلات الأنروا اللاجئون الذين انتهى بهم المطاف في أماكن أخرى غير ما يسمّى المناطق الخمس
لعمليات الأنروا (سورية، لبنان، الأردن، الضفة الغربية، قطاع غزة). كما أن أولئك الذين نزحوا داخليًا
(الحاضر الغائب) في فلسطين إبان القتال في سنتي 1948 و 1949، وظلوا نازحين إلى يومنا هذا في ما
أصبح إسرائيل، لا يظهرون في تعداد اللاجئين الخاص بالأنروا، على الرغم من أن الأخيرة لم تدرجهم
حتى أنهت إسرائيل سلطة الوكالة عليهم في سنة 1952. كذلك، لا يشمل سجل الأنروا أولئك الذين
هُجروا في حرب 1967، أو الذين فقدوا، نتيجة أنظمة الاحتلال الإسرائيلي، وضع الإقامة بسبب
غيابهم عن الأراضي المحتلة إلى ما بعد الفترة المسموح بها. وهذا إجماالً يضيف أكثر من مليون لاجئ
إلى الرقم الإجمالي الخاص بالأنروا. وأخيرًا، تجدر الإشارة أيضًا إلى أن التمييز بين الجنسين يقع في
صلب إجراءات الأنروا الإدارية للإحصاء السكاني؛ فأبناء اللاجئات الفلسطينيات المتزوجات من غير
اللاجئين يفقدون وضعية اللاجئ لدى الوكالة. لقد ظهر مثال واضح على التفاعل بين الديموغرافيا والسياسة أكثر من مرة في أثناء مفاوضات السلام في
الشرق الأوسط بين إسرائيل والفلسطينيين بشأن مسألة لمِّشمل الأسر وعودة الفلسطينيين النازحين في
إثر حرب 1967. فلدى مناقشة طرائق العودة، تفجرت مشكلة تعاريف كبيرة لا تزال بلا حل حتى يومنا
هذا، وهي «تعريف الأسرة»؟ فقد أصرت إسرائيل، مثالً، على أن «الأسرة» تعني أسرة نووية، ولتحقيق لمِّ
شمل العائلات، يجب أن يكون الأطفال دون سن السادسة عشرة، في حين أكد المفاوضون الفلسطينيون
أن الأسرة وفق الثقافة والممارسة العربية تشمل الأفراد المباشرين والممتدين. ومن الواضح أن كل تعريف
يؤثر في عدد أعضاء الأسرة النازحة وفئتهم، وهل يُسمح لهم بالعودة إلى ديارهم ومتى. إن إحصاء الفلسطينيين عمل سياسي مشحون بالجدل؛ فتبعًا لمن يقوم بالعد وللفئات المستخدمة، نجد
خلافات حول عدد الفلسطينيين الموجودين، وتوزيعهم الجغرافي، ونوع المواطنة التي يمكن أن يطالبوا
به، وهل يمكن تصنيفهم على أنهم لاجئون أو غير لاجئين، وهل مطالبتهم بملْكية الأرض في فلسطين
قانونية أم لا، وهل لديهم الحق في العودة إلى ديارهم أم إلى وطنهم، وهلم جرًّا. وهذه النزاعات لا تسوّى
بالاعتراض علىالحقيقة. وكما يذكرنا باحثو الإثنيات، يعكس إنتاج البيانات والسجلات الرسمية نيات
الهيئة الرسمية في المقام الأول.
55 Zureik, Palestinian Refugees. 56 United Nations Relief and Works Agency (UNRWA), Registration Statistical Bulletin for the First Quarter 1999 (1/1999) (Amman, Jordan: UNRWA, Department of Relief and Social Services, 1999). 57 Zureik, Palestinian Refugees. 58 Christine M. Cervenak, “Promoting Inequality: Gender-Based Discrimination in UNRWA’s Approach to Palestine Refugee Status,” Human Rights Quarterly, vol. 16, no. 2 (May 1994), pp. 300-374. 59 Salim Tamari, Palestinian Refugee Negotiations: From Madrid to Oslo II , Final Status Issues Paper (Washington, DC: Institute for palestine Studies, 1996). 60 Adam Ashforth, “Reckoning Schemes of Legitimation: On Commissions of Inquiry as Power/Knowledge Forms,” Journal of Historical Sociology , vol. 30, no. 1 (March 1990), pp. 1-22.
تبُرز المناقشة أعلاه المشكلات التي واجهها تمثيل الأقليات في الإحصاءات السكانية لمختلف البلدان.
فمن جهة، يناضل الفلسطينيون باستمرار لتمييز أنفسهم من المجتمع المحيط، ويجاهدون لتحقيق التكافؤ
العددي النسبي مقارنة بالمجموعة الغالبة، ولكن هذه العملية تتم في الأنظمة الإدارية الحالية التي تمتلك
مبررات لإخضاعهم لمزيد من إجراءات المراقبة والتصنيف السكاني.
ثالثًا: الحدود والمناطق الحدودية وبناء الدولة
-1 المناطق الحدودية في أنظمة الاستيطان
إن مناقشة الحدود الجغرافية (borders) والحدود الفاصلة (boundaries) والمناطق الحدودية (frontiers)
أمر أساس لفهم تشكيل الدول عمومًا؛ فعادة ما تُستخدم المناطق الحدودية والحدود الفاصلة في حالة
«الدول التقليدية» والحدود الجغرافية في حالة الدول القومية. فالحدود الجغرافية تعكس تشكّل وحدات
إدارية محددة جغرافيًا خاضعة لتنظيم دقيق، أو، باستخدام «مصطلحات» غيدنز، «مراقبة بالغريزة».
وهي ترسم حدود السلطان القضائي بين الدول. وترتبط المناطق الحدودية، من ناحية أخرى، بالدول
القومية في مرحلة التشكّل أو بالمجتمعات الإقطاعية والتقليدية. وهي قد تكون خارجية، كما هي الحال
عندما تحاول دولة توسيع أراضيها، أو داخلية للوحدة الجيوسياسية قيد النظر، كما هي الحال عندما
تسعى دولة إلى استيطان أراضٍ واقعة تحت سيطرتها. وأخيرًا، فإن الحدود الفاصلة قابلة للاختراق أو
هي «جوانب دينامية للدولة، حيث تسعى جميع الدول القوية إلى توسيع انتشارها المكاني، فيما تتقلص
الدول المنحدرة إلى معالم أرض مادية يمكن بسهولة الدفاع عنها». وينظر لامار وتومسون إلى «المنطقة
الحدودية لا بصفتها حدًا أو خطًا، بل باعتبارها أراضي أو نطاق تفسير (zone of interpretation) بين
مجتمعين متمايزين مسبقًا»، ويلاحظان ما يلي في ما يتعلق بإسرائيل: «إن أحدث مقاربة معاصرة لهذا النوع من المناطق الحدودية التي تناولها هذا الكتاب، حيث تتسابق
المجتمعات المتنافسة للسيطرة على الأرض، نجدها ربما في إسرائيل. فعلى الرغم من التاريخ المبكر المعقَّد
للعلاقات بين اليهود والعرب، فإن الوضع المعاصر هو في جوهره نتاج هجرة يهودية حديثة إلى أراض كان
العرب يسيطرون عليها منذ قرون عديدة. إنها حالة مناطق حدودية ذات خصائص كثيرة ستكون مألوفة
لقراء هذا الكتاب: استيطان من قبل شعب ذي تكنولوجيا متفوقة على تكنولوجيا السكان «الأصليين»
ويستطيع الحصول على مهارات الغرب الصناعي ومنتجاته ورأس ماله؛ وإنشائه رأس جسر في ظل
الوجود الاستعماري؛ وسيطرته على الدولة ما بعد الاستعمار؛ وانتصاراته في حروب الحدود؛ وإخضاع
تلك المتبقية وعزلها. ولا تزال المناطق الحدودية الإسرائيلية «مفتوحة» وتشهد غارات وغارات مضادة على
الحدود الفاصلة المتنازع عليها. ويبقى أن نرى هل ستصبح دولة إسرائيل آمنة عند إغلاق هذه الحدود، أم
أنها ستكون سريعة الزوال، مثل المستوطنات البيضاء في جنوب أفريقيا».
61 Giddens, A Contemporary Critique of Historical Materialism , vol. 2: The Nation-State and Violence.
62 المصدر نفسه، ص.51-49
63 Howard Lamar and Leonard Thompson, eds., The Frontier in History: North America and Southern Africa Compared (New Haven: Yale University Press, 1981), p. 7.
64 المصدر نفسه، ص.313-312
تهدف الحدود، قبل أي شيء آخر، إلى فصل الناس (والدول) وتنظيم حركتهم. ولأنها ترسم سيادة
الدولة، فإنها تؤدي أيضا دورًا مهامً في إعادة إنتاج الدول - السكان والاقتصاد على السواء. ولهذا
السبب، تحرص الدول على إطلاق تسمية حدود على جميع نقاط العبور ما دامت تؤثر في سيادة
الدولة عبر التحكم في الأرض وحركة الناس والبضائع. واستنادا إلى الهدف المعلن، وهو «الفصل
بين الشعبين»، شرعت الحكومة الإسرائيلية، استعدادا لمحادثات الوضع النهائي في الشرق الأوسط
وهي المحادثات التي تشمل السيادة والحدود واللاجئين وأمورا أخرى، بإقامة ما يسمّيه بنفينستي
«الحدود الرخوة» بين الأراضي الفلسطينية وإسرائيل. وتشبه هذه النقاط الحدودية الداخلية بين جيوب
غير متصلة من المناطق الفلسطينية وإسرائيل «منطقة التفسير»، حيث تقوم إسرائيل أساسًا ب«التفسير»،
لأنها تحافظ على التفوق العسكري وتبقى المسؤولة عن السيطرة على من يستطيع ومن لا يستطيع المرور
عبر هذه النقاط. ويلفت بنفينستي الانتباه إلى الروابط بين الحدود الداخلية (الرخوة) والحدود الدولية،
التي تسيطر عليها إسرائيل أيضًا: «إن السيطرة على الإطار الخارجي أمر أساس لاستراتيجية أوسلو، لأن الفلسطينيين إذا سيطروا حتى على
معبر حدودي واحد - واكتسبوا القدرة على الحفاظ على علاقات مباشرة مع العالم الخارجي - فإن خطوط
الفصل الداخلية تصبح حدود دولة كاملة، وسوف تفقد إسرائيل سيطرتها على مرور الناس والبضائع.
ويستلزم خرق النظام الخارجي إنشاء مجموعة واسعة من العقبات المادية ونقاط العبور والحواجز الجمركية
بين جيوب من «الفصل الداخلي»، وسيكشف عبثية الحدود الملتوية وغير المتسلسلة للكانتونات العرقية
التي تستند عليها أطراف المستوطنة الدائمة كافة». وثمة موضوع محوري في أدبيات المناطق الحدودية والأنظمة الاستيطانية، هو ما يسمّى أطروحة تيرنر،
نسبة إلى المؤرخ الأميركي فريدريك تيرنر. وتبحث الأطروحة في العلاقة بين أخلاقيات المناطق
الحدودية والفردية من ناحية، وبناء القيم الديمقراطية في الولايات المتحدة من ناحية أخرى. وعلى الرغم
من أن هذه الأطروحة تعرضت لانتقادات شديدة، فقد نفّذ كيمرلينغ محاولة جريئة لتطبيقها على
«المناطق الحدودية» الإسرائيلية في فلسطين. ففي سلسلة من الدراسات، عدّل كيمرلينغ أطروحة تيرنر
بإظهار أن «ندرة الأراضي» (*) في فلسطين (عكس الولايات المتحدة حيث كانت الأرض وفيرة) أرغمت
المستوطنين الصهيونيين في فلسطين قبل سنة 1948 على تشكيل مؤسسات جماعية (وليس فردية) تقوم
على شعارات قومية تبرر إقصاء السكان العرب الأصليين وطردهم من الأرض. ويقدم بن أليعازر تقويامً
65 Meron Benvenisti , “The Illusion ofSoft Borders,” Haaretz , 14/10/1999. (Internet English Edition).
66 المصدر نفسه.
67 Frederick Jackson Turner, The Frontier in American History , with a Foreword by Ray Allen Billington (New York: Holt, Rinehart and Winston, 1962). Shlomo Hasson, “From Frontier to Periphery in Israel: Cultural Representations in Narratives and Counter- 68 انظر:
Narratives,” in: Oren Yiftachel and Avinoam Meir, eds., Ethnic Frontiers and Peripheries: Landscapes of Development and Inequality in Israel (Boulder, Colo.: Westview Press, 1996). 69 Baruch Kimmerling: “Boundaries and Frontiers of the Israeli Control System: Analytical Conclusions,” in: Baruch Kimmerling, ed., The Israeli State and Society: Boundaries and Frontiers , SUNY Series in Israeli Studies (Albany, NY: State University of New York Press, 1989), and Zionism and Territory: The Socio-Territorial Dimensions of Zionist Politics , Research Series; no. 51 (Berkeley: Institute of International Studies, University of California, 1983).
(*) بالإنكليزية « Frontierity » وتعني «درجة توافر الأراضي الحرة للمستوطنين». (المترجم)
شاملا لأطروحة المناطق الحدودية على النحو المطبق في النقاش الفلسطيني- الإسرائيلي، عبر إظهار أنه
على الرغم من تشارك «الرائد» في كتابات تيرنر لأميركا القرن التاسع عشر ومقابله «حالوتس» (*) في
إسرائيل فكرة «دحر ‘ الهمجية ’ بإنشاء مستوطنات زراعية - الأبعد عن المركز هي الأفضل - من أجل
بلوغ المثل الأعلى الوطني، وتحقيق التقدم والحضارة، ومواجهة الأخطار الكامنة في البدائية والتخلف
والهمجية المتمثّلة في هنود أميركا الشمالية أو العرب»، فإن الواقع على الأرض كان مختلفًا تمامًا في كل
حالة؛ إذ لم يقم الاستعمار الإسرائيلي في فلسطين، الذي بدأ في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر
وتوسَّع بداية في ظل الانتداب البريطاني في النصف الأول من القرن العشرين ولاحقًا في إسرائيل نفسها
وفي الأراضي المحتلة، على الفردية، كما كانت الحال مع نظيره الأميركي، بل على الجماعية حيث «كان الفرد
يُدعَى باستمرار إلى المساهمة وإلى تقديم تضحيات شخصية من أجل الجماعة». ولم تكن الأراضي خالية
من الناس لا في أميركا ولا في فلسطين، ولا كان السكان الأصليون متخلفين – إلا بمصلحات نموذج
«المركزية الأوروبية» ربما. واستلهمت النسخة الإسرائيلية من الريادة (Halutziut بالعبرية)، سياسات
دولتية وليدة نواتها أيديولوجيا صهيونية بقيم الجماعية القومية. وتحقق شكل السيطرة هذا كشكل من
أشكال الهيمنة أحاط بالمجتمع اليهودي والشعب الفلسطيني عبر خلق «أسطورة ريادة» تسببت،
في حالة المجتمع اليهودي كما يؤكد بن أليعازر، في طمس الخط الفاصل بين المجتمع المدني والدولة،
والأهم «ساهمت في بناء نظام للهيمنة جمع بين الإكراه والقبول، وحدّ، في واقع الأمر، من أفق المعرفة
والفعل والمعارضة». وتترافق الحتمية الجغرافية الموجودة في أعمال تيرنر وكذلك في أعمال كيمرلينغ (الأطراف تحدّد المركز)،
مع إهمال مفاهيمي لمكان السكان الأصليين (الهنود الحمر والعرب الفلسطينيين) كطرف في الصراع على
الأرض. علاوة على ذلك، وبدالً من تقديم المستوطنين اليهود كمجموعة يقودها مثال صهيوني متجانس،
يستخدم شافير، مثالً، إطار الاقتصاد السياسي، ويوضح القاعدة الطبقية للتعبئة السياسية الصهيونية
وبناء الأمة، والمكانة التابعة للمهاجرين اليهود غير الأوروبيين وللفلسطينيين فيها. تقع السيطرة المكانية في صلب بناء الدول الاستيطانية والمجتمعات المنقسمة بشدة. وكما ذكر عدة باحثين
آخرين أعلاه، انخرطت دولة إسرائيل منذ إنشائها في ممارسة سيطرة مكانية داخلية في مواجهة السكان
(*) «حالوتس» في العبرية تعني «رائد». (المترجم)
70 Uri Ben-Eliezer, “State Versus Civil Society? A Non-Binary Model of Domination through the Example of Israel,” Journal of Historical Sociology , vol. 11, no. 3 (September 1998), pp. 374-375.
71 المصدر نفسه، ص.375
72 المصدر نفسه، ص.373
73 Gershon Shafir, Land, Labor, and the Origins of the Israeli-Palestinian Conflict, 1882-1914 , Cambridge Middle East library; 20 (Cambridge, [England]; New York: Cambridge University Press, 1989). 74 Uri Ram, “The Colonization Perspective in Israeli Sociology: Internal and External Comparisons,” Journal of Historical Sociology , vol. 6, no. 3 (September 1993), p. 337. 75 Ghazi Falah, “Re-Envisioning Current Discourse: Alternative Territorial Configurations of Palestinian Statehood,” Canadian Geographer , vol. 41, no. 3 (September 1997), pp. 307-330; Oren Yiftachel, “The Internal Frontier: Territorial Control and Ethnic Relations in Israel,” Regional Studies , vol. 30, no. 5 (1996), pp. 493-508, and Rassem Khamaissi, Planning and Housing among Arabs in Israel (Tel-Aviv: International Centre for Peace in the Middle East, 1990) [in Hebrew].
الفلسطينيين الأصليين. وتنطوي هذه المحاولة ل«تنقية المكان»، وفق تعبير سيبلي، على ترتيب اجتماعي
ومكاني عن طريق «التأطير» و«التصنيف». وكلما كان التصنيف والتأطير في الترتيب الاجتماعي للمكان
أقوى، كان المكان أكثر تجانسًا وزادت صعوبة قبول دخول عناصر «أجنبية» إليه. ويدل ضعف التأطير
والتصنيف، من جهة أخرى، على ضبابية الحدود، ويسمح بقبول الغموض والتنوع في بناء محتوى المكان.
ويركز سيبلي على دور النزعة الاستهلاكية في خلق مجموعات اجتماعية متجانسة تؤدي إلى ممارسات إقصائية
في الاستهلاك وفي الموقع السكني. وما يحفز تنقية المساحة الإسرائيلية، من جهة أخرى، هو في المقام الأول
المخاوف الأيديولوجية المتعلقة بالسيطرة على السكان والتنافس على الأرض. وتهدف التدابير المختلفة التي
طبقتها الدولة، بدءًا بقوانين تقسيم المناطق وملْكية الأرض وانتهاءً بمصادرة الدولة للممتلكات بهدف
الاستخدام «العام» والحاجات الأمنية، إلى ضمان تصنيف وتأطير قويين للمكان والناس. وهذا لا يعني
أن المخاوف الأيديولوجية تحدد، بحكم الوقائع، نتيجة الصراع على السيطرة على المساحة، فالتفاعل بين
الأيديولوجيا والاقتصاد قد يجلب عواقب غير مقصودة ويؤدي إلى إعادة تعريف السيطرة المكانية. وتقدم
دراسة رابينوفيتش للناصرة العليا، وهي بلدة ذات أغلبية يهودية تطل على مدينة الناصرة العربية، مثاالً عمليًا
واضحًا على هذه الحالة. يقول رابينوفيتش: «هكذا يظهر عالم العقارات بوصفه الساحة الرئيسة التي تصاغ
فيها العلاقات بين الإسرائيليين والفلسطينيين»؛ فعلى الرغم من أن فضاء الناصرة العليا، وهي مستوطنة
يهودية أنشئت في الخمسينيات على أراض عربية مصادرة، مغلق أمام السكان الفلسطينيين، فإن هؤلاء تمكنوا
من شراء عقارات والانتقال إلى البلدة وإن بأعداد صغيرة انتهى بها الأمر إلى العيش في أحياء معزولة تمامًا.
وما يحدد النتيجة النهائية في السيطرة على المكان هو «اليد الخفية» للسوق، حيث تغري العروض السخية
السكان اليهود لبيع المنازل للفلسطينيين. وهذه الممارسات الناجحة في المقاومة من جانب الفلسطينيين لا
تترجم على الساحة الوطنية لإحداث تغيير في موقف السكان الفلسطينيين التابع في إسرائيل.
-2 مراقبة الأجساد
ليس إحصاء الناس وبناء الحدود سوى اثنتين من ممارسات عدة تتخذها الدول لإدارة مواطنيها. وتدّعي
الدول أيضًا، أو «تحتضن»، مواطنيها لتوفير الخدمات الاجتماعية لهم، ورصد نشاطهم، وجمع الضرائب
منهم، وتتبّع حركتهم. ويعربّ غيدنز عن وجهة نظر مماثلة بتأكيده أن هناك تطابقًا بين حقوق المواطنة
والمراقبة. وباستخدام تصنيف مارشال الثلاثي للحقوق، يربط غيدنز حفظ الأمن (الشرطة)، وهو شكل
من أشكال المراقبة، بالحقوق الاجتماعية، في حين يُربط «الرصد الانعكاسي» الذي تمارسه «السلطة
الإدارية للدولة» بالحقوق السياسية، وتتعلق «إدارة الإنتاج»، كشكل ثالث من أشكال المراقبة، بالحقوق
الاقتصادية. وهناك نوعان إضافيان من الحقوق، لا يناقشهما غيدنز، لكنهما أصبحا مهمين جدًا في سياق
العولمة، وهما الحقوق الثقافية والحق في التنقل ضمن الدول وفي ما بينها. ولتجنّب حرف المناقشة عن
مسارها، لن أناقش الجدل الدائر حول الحقوق الثقافية إلا للقول إنها يمكن أن تُدرج ضمن الحقوق
76 Sibley, “Survey 13: Purification of Space”. 77 Dan Rabinowitz, Overlooking Nazareth: The Ethnography of Exclusion in Galilee , Cambridge Studies in Social and Cultural Anthropology; 105 (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1997), p. 52. John Torpey, “Coming and Going: On the State Monopolization of the LegitimateMeans of Movement,” 78 انظر: Sociological Theory, vol. 16, no. 3 (November 1997), pp. 239-259.
79 المصدر نفسه.
80 Giddens, A Contemporary Critique of Historical Materialism , vol. 2: The Nation-State and Violence , p. 206. Will Kymlicka, ed., The Rights of Minority Cultures (Oxford; New York: Oxford University Press, 1995). 81 انظر:
الاجتماعية، على الرغم من أنها متميزة في كونها مبنية على ضمان الحقوق الجماعية لا الفردية. و من ناحية
أخرى، يندرج الحق في التنقل، أي السفر ومغادرة مكان الإقامة والقدرة على العودة إليه من دون عوائق،
ضمن نطاق الحقوق الاجتماعية والسياسية (قد يقول البعض حقوق الإنسان)، حيث تمارس الدولة
المراقبة عبر مزيج من السلطة الإدارية وحفظ الأمن. ويقدم توربي مساهمة مفيدة في هذا الصدد، بملاحظة
أن «أنظمة التسجيل والإحصاءات، وما شابه ذلك - إلى جانب الوثائق كجوازات السفر وبطاقات الهوية
التي ترقى إلى نسخ متنقلة من «الملفات» [بالمعنى الذي يستخدمه ماكس فيبر] التي تستخدمها الدول
لتخزين المعلومات عن رعاياها - كانت بالغة الأهمية في جهود الدول لاحتضان مواطنيها. ويُعتبر
الفرد مواطنًا إذا ظهر في سجل السكان. وإذا كان فيبر قد وصف الدولة من حيث ممارسة «احتكار وسائل
العنف المشروعة»، ورأى ماركس الرأسمالية على أنها احتكار لملْكية وسائل الإنتاج، فإن توربي يخطو خطوة
أبعد ويشخّص دور الدولة في «احتكار الوسائل المشروعة» لحركة رعاياها، داخليًا أكان أم عبر الحدود
الوطنية، كسمة بالغة الأهمية للدولة القومية الحديثة ولخلق الهويات الوطنية. ومن المهم التشديد على طبيعة المراقبة، وهي ذات وجهين؛ فعلى الرغم من أن هدفها الرئيس هو الرصد
والتحكّم، فإن لها بُعدًا تمكينيًا كذلك. وهذا واضح في الربط بين الحقوق والمراقبة كما وصفه غيدنز أعلاه،
ومن خلال مفهومه عن «جدلية السيطرة» عمومًا. وعلى المنوال نفسه، فإن لمفهوم توربي ل «احتضان»
الدولة للمواطن ما يبرره على أساس تقديم جميع أنواع الخدمات. وفي الحالة التي أمامنا، فإن لإصدار
بطاقات هوية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو بلا شك رمز للمراقبة بامتياز، أثر تمكيني
كذلك. ويمكن أن يطالب حاملو بطاقات الهوية ببعض الحقوق من سلطات الاحتلال، وفي القدس
الشرقية من النظام القانوني الإسرائيلي نفسه. وفي الحالتين، يمكن أن يمارس حاملو بطاقات الهوية التي
تصدرها إسرائيل بعض الحقوق، وإن كانت ذات طبيعة محدودة ومقيَّدة. وفي واقع الأمر، تمثّل بطاقة الهوية
إحدى الوثائق المطلوبة أكثر من غيرها ويسعى إليها السكان الفلسطينيون الخاضعون لمراقبة شديدة. يتصور ميتشل الدولة بوصفها في الأساس حصيلة جهود مشتركة في التصميم، ويؤكد أن مشروع الدولة
ينبغي التفكير فيه باعتباره «أثرًا ميتافيزيقيًا» تشكله الممارسات الفوكوية (*) التأديبية والمؤسسات التي تقوم
بإنشائها. إن «الدولة» وفق ميتشل، «ينبغي أن تعامل كتأثير للعمليات التفصيلية للتنظيم المكاني والترتيب
الزماني والمواصفات الفنية والإشراف والمراقبة، يخلق عالمًا ظاهريًا منقسامً أساسًا إلى دولة ومجتمع».
وتشكل خطوط الفصل، التي تعادل الحدود، عنصرًا واحدًا من الدولة القومية: «من سمات الدولة القومية الحديثة، على سبيل المثال، خطوط الفصل. فعبر إنشاء حدود جغرافية وممارسة
السيطرة المطلقة على الحركة عبرها، تساعد ممارسات الدولة في تحديد وتشكّل كيان وطني. ويتضمن
إنشاء ومراقبة أحد الحدود مجموعة متنوعة من الممارسات الحديثة إلى حد ما - التسييج المستمر بالأسلاك
الشائكة، وجوازات السفر، وقوانين الهجرة، وعمليات التفتيش، ومراقبة العملة وما إلى ذلك. وتساعد
هذه الترتيبات الدنيوية، ومعظمها لم يكن معروفًا قبل مئتي سنة أو حتى قبل مئة سنة، في صناعة كيان
متسام، هو الدولة القومية».
82 Torpey, p. 245.
(*) نسبة إلى ميشيل فوكو.
83 Timothy Mitchell, “The Limits of the State: Beyond Statist Approaches and Their Critics,” American Political Science Review , vol. 85, no. 1 (March 1991), p. 95.
84 المصدر نفسه، ص.94
في المجتمعات المنقسمة بعمق، كجنوب أفريقيا في عهد الفصل العنصري وإسرائيل، تكون السيطرة على
المساحة والناس هي الهدف الأسمى. والمنظومة المعقّدة للأذونات وبطاقات الهوية التي استخدمها في
ما مضى نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا واستخدمها الحكم العسكري الإسرائيلي حتى سنة
1966 على المواطنين الفلسطينيين ولا تزال إسرائيل تطبّقها على فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة،
هي التي تنظّم المواقع المكانية وحركة الناس. وهي تقوم على أساس العرق (في جنوب أفريقيا) والإثنية،
والدين، والأصل القومي (في إسرائيل). وخلافًا لنظام جنوب أفريقيا القديم الذي كان يستند إلى التفوق
العنصري، يرتبط استخدام إسرائيل لبطاقات الهوية بعلامات عرقية، كما أوضحت هذه الورقة آنفًا،
بتصور متباين للمواطنة، حيث تنظم الحقوق والواجبات وفق سياسات الدولة التي يقررها إلى حد بعيد
الإطار الأيديولوجي الصهيوني. وفي صميم هذه الأيديولوجيا قانون العودة الإسرائيلي الذي يدعو اليهود
المقيمين في أي مكان في العالم إلى الهجرة إلى إسرائيل، ويحرم مع ذلك الفلسطينيين حق المواطنة الطبيعي
الممنوح لشخص بحكم كونه مقيامً قديامً في أرض معيّنة.
في ما يلي ثلاثة أمثلة للسيطرة المكانية تؤثر في المواجهة الفلسطينية - الإسرائيلية. الأولهو تعليق على جهود
شركة سياحية إسرائيلية للإعلان عن غزة كوجهة «مميزة» للسياح الإسرائيليين. ونظرًا إلى أن غزة المحتلة،
ونتيجة لاتفاق أوسلو، بقيت حتى وقت قريب في نظر إسرائيليين كثر جزءًا من «إسرائيل الكبرى»، فإن
معظم الإسرائيليين تجنبوها باعتبارها مكانًا في زيارته مخاطرة. وقد أسبغت إقامة الحدود ونقاط التفتيش
بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية الوليدة، وفق بنفينستي، على الهوية بُعدًا موضوعيًا: الحدود والسيادة
على الأرض ليست بالضرورة انعكاسًا لهوية وطنية منفصلة. ففي معظم الحالات، يجري خلق هذه الهوية
بدالً من التعبير عنها. وتدفع الحقائق الجيوسياسية، مهما تكن مصطنعة وسخيفة، الناس إلى فصل أنفسهم
عاطفيًا عن الأرض التي كانوا يعتبرونها وطنهم. ضع شاخصة كُتبت عليها كلمتا «معبر حدودي» وقربها
حراس يرتدون الزي الرسمي وسيشعر أي شخص يجتازها حتامً بأنه في الخارج. يتضمن المثال الثانيرصد حركة العمال الفلسطينيين عبر الحدود بين غزة وإسرائيل؛ فوفق التقارير
الأخيرة (*)، تزمع إسرائيل تنظيم حركة هؤلاء بإدخال نظام رصد بيومتري يعتمد التعريف الوراثي
والشبكي. وسيضاف إلى هذا النظام بطاقة هوية ذكية يحملها كل عامل فلسطيني يعبر الحدود وتضم
معلومات أساسية مفصلة عن حاملها، وسيتم مطابقتها أوتوماتيكيًا مع البيانات الوراثية. ويجري حاليًا
إعداد نظام مماثل لفحص العمال الأجانب الذين يدخلون إسرائيل، والمواطنين الفلسطينيين المسافرين
عبر الممر المتفق عليه حديثًا بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وهنا أيضًا ستكون إسرائيل هي المسؤولة عن
تركيب هذه التكنولوجيا وتشغيلها. كما أن أفراد الجيش الإسرائيلي يسيطرون (من خلف مرآة أحادية
الاتجاه) على مطار غزة الذي يقع ظاهريًا في الأراضي الفلسطينية، وستكون إسرائيل مسؤولة عن مراقبة
ميناء غزة، إذا بني، وفور انتهاء بنائه. وأخيرًا، يدور المثال الثالثحول تكنولوجيا السيطرة التي تضبط عبور الحدود من جسر أللنبي على نهر
الأردن الذي يفصل بين الأردن وإسرائيل. ويظهر هذا الجسر ما يسمّيه أحد المعلقين «ظهورًا مبهرًا،
85 Dan Rabinowitz, “Addressing the Balance from within,” Haaretz, 28/7/1999. (Internet English Edition). 86 Meron Benvinisti, “Gaza as an Exotic Place,” Haaretz , 26/3/1999. (Internet English Edition).
(*) يعود تاريخ المقال إلى سنة 2001. (المحرر)
87 Mathew Kalman, “Israelis Use High Tech to Track Palestinians,” Globe and Mail , 30/3/1999, pp. A-19. 88 Einal Fishbain, “All New Workers to Get Magnetic ID Cards by 2000,” Haaretz , 6/10/1999. (Internet English Edition).
أوهامًا مطلقة» في واقع افتراضي. وفي صلب الموضوع هنا الطريقة التي تنظم بها إسرائيل والسلطة
الفلسطينية حركة الفلسطينيين الذين يريدون عبور الجسر من الأردن في طريقهم إلى الضفة الغربية وقطاع
غزة. ويصف ليفي بتفصيل دقيق كيف تخفي مراقبة الحدود من قِبل السلطة الفلسطينية ممارسة إسرائيل
للسلطة الحقيقية. وتعمل شرطة الحدود الفلسطينية في ما يسمّيه ليفي «مساحات افتراضية»، حيث لا يرى
سوى الموظفين الفلسطينيين المسؤولين عن مراقبة جوازات السفر والذين يحتكّون بالسكان الفلسطينيين.
فبعد استلام وثائق السفر من الفلسطينيين العابرين، وبدالً من إجراء التفتيش المعتاد قبل إعادة الوثائق
إلى أصحابها، تمرر الشرطة الفلسطينية جوازات السفر على مفتشي الحدود الإسرائيليين الذين يعملون
متخفيّن خلف مرايا أحادية الاتجاه. والقرار النهائي في السماح بالمرور أو عدمه يعود إلى الإسرائيليين.
ووفق ليفي، ترجع أسباب هذا «الواقع الافتراضي» إلى ثلاثة عوامل: اتفاق أوسلو الذي ينص على
أالّ يكون هناك أي اتصال بين المسافرين الفلسطينيين والشرطة الإسرائيلية؛ وإصرار إسرائيل، بصفتها
صاحبة السلطة الحقيقية في هذه المعادلة، على أن تبقى مسؤولة عن الحدود لأسباب أمنية؛ وكونها مدركة
لضرورة الحفاظ على حد أدنى من كرامة موظفي المعابر الفلسطينيين، فإنها تمنحهم دورًا رمزيًا لممارسة
السلطة عبر إخفاء موظفيها عن المشهد العام. ولا بد من الإشارة، مع ذلك، إلى أنه في أثناء مناقشة المسألة
مع فلسطينيين يعبرون جسر أللنبي بانتظام، ذكروا لي أن المسافرين على علم تام بهذه «اللعبة». وأشاروا
إلى أن صورة الظل لشرطة الحدود الإسرائيلية وراء مرآة أحادية الاتجاه تكون مرئية للمسافر في ساعات
المساء. ويمكن التأكيد بأن ما يسمّى الاهتمام بالحفاظ على كرامة الشرطة الفلسطينية، باستخدام نموذج
غوفمان في إدارة الواجهات والكواليس، قد يفاقم الوضع على المدى الطويل بتعميق عدم الاحترام
والسخرية التي يحملها السكان الفلسطينيون إزاء السلطة الفلسطينية (*).
خاتمة
تقع الأرض والديموغرافيا في صميم الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وفي محاولات كل طرف لبناء
الدولة. وقد أبرزت هذه الورقة جوانب عدة لبناء الدولة، من الممارسات الخطابية التي تنطوي على عدد
السكان إلى استخدام تقنيات المراقبة في السيطرة على المساحات الداخلية والخارجية للدولة. وعرضت
أمثلة عدة تؤثر في تقديرات السكان واللاجئين وتصنيف الناس وحركة السكان والسيطرة المكانية. وما
نشهده هنا هو جدلية بناء الدولة الفلسطينية - الإسرائيلية، وهي جدلية بدأت منذ أكثر من قرن وما زالت
فصولها تتوالى. وتوضح هذه الورقة كيف أن بناء دولة إسرائيل مرتبط ارتباطا لا ينفصم عن المشروع
الفلسطيني. ولا تغريّ من طبيعة هذه العملية حقيقة أن هذين المشروعين غير متناظرين لجهة علاقات
القوة. ولكون الجانب الفلسطيني هو الأضعف في هذه المواجهة، فقد ركز جهوده على تبنّي ممارسات
في إحصاء السكان تهدف إلى مواجهة المخططات الإسرائيلية. ومع انخراط الفلسطينيين في بناء الدولة،
يتضح أن إدارة السكان، بالإضافة إلى السيطرة المكانية التي باتت مألوفة الآن، ستغدو مجالا لمنافسة كبيرة،
لكنها مجال ستستخدم فيه إسرائيل قوتها العارية العسكرية والاقتصادية لضمان احتواء الفلسطينيين عبر
ممارسات خطابية وغير خطابية في آن معًا.
89 Gideon Levy, “Twilight Zone: More than Meets the Eye,” Haaretz , 3/9/1999, p. 7. (Internet English Edition). 90 Erving Goffman, The Presentation of Self in Everyday Life , Doubleday Anchor Books; A174 (Garden City, NY: Doubleday, 1959).
(*) كان ذلك حتى سنة 2000، لكن بعد اندلاع انتفاضة الأقصى، أصبح المسافر الفلسطيني يتعامل مباشرة مع الجنود
الإسرائيليين على معبر ألّنبي. وفي الواقع، أصبح الفلسطيني يمر بثلاثة معابر: أردني، وإسرائيلي، وفلسطيني. (المحرر)
المراجع
Books
Anderson, Benedict Richard O’Gorman. Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism. Rev. and Extended ed. London; New York: Verso, 1991. Appadurai, Arjun. Modernity at Large: Cultural Dimensions of Globalization. Public Worlds; v. 1. Minneapolis, Minn.: University of Minnesota Press, 1996. Bennett, D. Gordon (ed.). Tension Areas of the World: A Problem Oriented World Regional Geography. Delray Beach, Fla.: Park Press; Champaign, Ill.: Obtained from Research Press Co., 1982. Cohn, Bernard S. Colonialism and its Forms of Knowledge: The British in India. Princeton Studies in Culture/Power/History. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1996. Giddens, Anthony. The Constitution of Society: Outline of the Theory of Structuration. Berkeley: University of California Press, 1984. ______________. A Contemporary Critique of Historical Materialism. Berkeley: University of California Press, 1987. Vol. 2: The Nation-State and Violence. Goffman, Erving. The Presentation of Self in Everyday Life. Doubleday Anchor Books; A174. Garden City, NY: Doubleday, 1959. Goldscheider, Calvin. Israel’s Changing Society: Population, Ethnicity, and Development. Boulder, Colo.: Westview Press, 1996. Foucault, Michel. Discipline and Punish: The Birth of the Prison. Translated from the French by Alan Sheridan. New York: Pantheon Books, 1977. Hacking, Ian. The Taming of Chance. Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1990. Hantrais, Linda and Steen Mangen (eds.). Cross-National Research Methods in the Social Sciences. London; New York: Pinter, 1996. Harlow, Barbara. Resistance Literature. New York: Methuen, 1987. Hindess, Barry. The Use of Official Statistics in Sociology; a Critique of Positivism and Ethnomethodology. Studies in Sociology. London: Macmillan, 1973. Irvine, John; Ian Miles and Jeff Evans (eds.). Demystifying Social Statistics. London: Pluto Press, 1979. Israeli, Raphael (ed.). PLO in Lebanon: Selected Documents. London: Weidenfeld and Nicolson, 1983. Khamaissi, Rassem. Planning and Housing among Arabs in Israel. Tel-Aviv: International Centre for Peace in the Middle East, 1990. [in Hebrew]. Kimmerling, Baruch (ed.). The Israeli State and Society: Boundaries and Frontiers. SUNY Series in Israeli Studies. Albany, NY: State University of New York Press, __________. Zionism and Territory: The Socio-Territorial Dimensions of Zionist Politics , Research Series; no. 51. Berkeley: Institute of International Studies, University of California, 1983. Kretzmer, David. The Legal Status of the Arabs in Israel. Westview Special Studies on the Middle East. Boulder: Westview Press, 1990. Kymlicka, Will (ed.). The Rights of Minority Cultures. Oxford; New York: Oxford University Press, 1995.
Lamar, Howard and Leonard Thompson (eds.). The Frontier in History: North America and Southern Africa Compared. New Haven: Yale University Press, 1981. McCarthy, Justin. The Population of Palestine: Population History and Statistics of the Late Ottoman Period and the Mandate. Institute for Palestine Studies Series. New York: Columbia University Press, 1990. Mitchell, Timothy. Colonising Egypt. Cairo: American University in Cairo Press, 1988. Rabinowitz, Dan. Overlooking Nazareth: The Ethnography of Exclusion in Galilee. Cambridge Studies in Social and Cultural Anthropology; 105. Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1997. Said, Edward W. Orientalism. New York: Pantheon Books, 1978. Shafir, Gershon. Land, Labor, and the Origins of the Israeli-Palestinian Conflict, 1882- 1914. Cambridge Middle East library; 20. Cambridge, [England]; New York: Cambridge University Press, 1989. Tamari, Salim. Palestinian Refugee Negotiations: From Madrid to Oslo II. Final Status Issues Paper. Washington, DC: Institute for Palestine Studies, 1996. Turner, Frederick Jackson. The Frontier in American History , with a Foreword by Ray Allen Billington. New York: Holt, Rinehart and Winston, 1962. Yiftachel, Oren and Avinoam Meir, eds. Ethnic Frontiers and Peripheries: Landscapes of Development and Inequality in Israel. Boulder, Colo.: Westview Press, 1996. Zureik, Elia. Palestinian Refugees and the Peace Process. Final Status Issues Paper. Washington, DC: Institute for Palestine Studies, 1996. __________. The Palestinians in Israel: A Study in Internal Colonialism. International Library of Sociology. London; Boston: Routledge and K. Paul, 1979.
Periodicals
Ashforth, Adam. “Reckoning Schemes of Legitimation: On Commissions of Inquiry as Power/Knowledge Forms.” Journal of Historical Sociology: vol. 30, no. 1, March 1990, pp. 1-22. Ben-Eliezer, Uri. “State Versus Civil Society? A Non-Binary Model of Domination through the Example of Israel.” Journal of Historical Sociology: vol. 11, no. 3. September 1998, pp. 374-375. Bisharat, George E. “Land, Law, and Legitimacy in Israel and the Occupied Territories.” American University Law Review: vol. 43, no. 2, Winter 1994, pp. 467-561. Cervenak, Christine M. «Promoting Inequality: Gender-Based Discrimination in UNRWA›s Approach to Palestine Refugee Status.» Human Rights Quarterly: vol. 16, no. 2, May 1994, pp. 300-374. Doumani, Beshara B. “The Political Economy of Population Counts in Ottoman Palestine: Nablus, Circa 1850.” International Journal of Middle East Studies: vol. 26, no. 1, February 1994, pp. 1-17. Falah, Ghazi. “Re-Envisioning Current Discourse: Alternative Territorial Configurations of Palestinian Statehood.” Canadian Geographer: vol. 41, no. 3, September 1997, pp. 307-330. Fischbach, Michael R. “Settling Historical Land Claims in the Wake of Arab-Israeli Peace.” Journal of Palestine Studies: vol. 27, no. 1, Autumn 1997, pp. 38-50. Garland, David. “’Governmentality’ and the Problem of Crime: Foucault, Criminology, Sociology.” Theoretical Criminology: vol. 1, no. 2, May 1997, pp. 173-214. Kimmerling, Baruch. “Between Celebration of Independence and Commemoration of Al-Nakbah: The Controversy over the Roots of the Israeli State.” Middle East Studies Association Bulletin: vol. 32, no. 1, Summer 1998, pp. 15-19.
Kitsuse, John I. and A. V. Cicourel. “A Note on the Uses of Official Statistics.” Social Problems: no. 11, Fall 1963, pp. 131-139. Mitchell, Timothy. “The Limits of the State: Beyond Statist Approaches and Their Critics.” American Political Science Review: vol. 85, no. 1, March 1991. Pappe, Ilan. “Critique and Agenda: The Post-Zionist Scholars in Israel.” History and Memory: vol. 7, no. 1, Spring-Summer 1995, pp. 66-90. Ram, Uri. “The Colonization Perspective in Israeli Sociology: Internal and External Comparisons.” Journal of Historical Sociology: vol. 6, no. 3, September 1993. Shapira, Anita and Ora Wiskind-Elper. «Politics and Collective Memory: The Debate over the «New Historians» in Israel.» History and Memory: vol. 7, no. 1: Israeli Historiography Revisite, Spring - Summer 1995, pp. 9-40. Sibley, D. “Survey 13: Purification of Space.” Environment and Planning D: Society and Space: vol. 6, no. 4, 1988, pp. 409-421. Stein, Rebecca Luna. “National Itineraries, Itinerant Nations: Israeli Tourism and Palestinian Cultural Production.” Social Text: vol. 56, Autumn 1998, pp. 91-124. Torpey, John. “Coming and Going: On the State Monopolization of the Legitimate “Means of Movement”.” Sociological Theory: vol. 16, no. 3, November 1997, pp. 239-259. Yiftachel, Oren. “The Internal Frontier: Territorial Control and Ethnic Relations in Israel.” Regional Studies: vol. 30, no. 5, 1996, pp. 493-508. Zacharia, Christina. “Power in Numbers: A Call for a Census of the Palestinian People.” Al-Siyassa al-Filastiniyya [Arabic - Palestinian Policy]: vol. 3, no. 12, 1996, pp. Zureik, Elia. “Palestinian Society in Gaza, West Bank and Arab Jerusalem.” Review of the Norwegian Study (FAFO) of the West Bank, Gaza and Arab Jerusalem. Journal of Refugee Studies: vol. 6, no. 4,1993, pp. 418-425.
Thesis
Liebler, Anat A. Statistics as Social Architecture: On the Construction of Israel’s Central Bureau of Statistics as an A-political Institution. Tel-Aviv: Mimeographed, 1999. M.A. Thesis, Department of Sociology and Anthropology, Tel Aviv University, 1998. [In Hebrew]
Documents
Israeli-Palestinian Interim Agreement on the West Bank and the Gaza Strip: Washington, D.C., September 28, 1995. Ramallah, Palestine: Palestine Liberation Organization, Department of Negotiations Affairs, 1995. Palestinian Central Bureau of Statistics. Demography of the Palestinian Population in the West Bank and Gaza Strip , Current Status Report Series; no. 1. Ramallah, Palestine: The Bureau, 1994. Statistical Yearbook: Jerusalem, 1998. Ramallah, Palestine: Palestinian Central Bureau of Statistics, 1999. United Nations Relief and Works Agency (UNRWA). Registration Statistical Bulletin for the First Quarter 1999 (1/1999). Amman, Jordan: UNRWA, Department of Relief and Social Services, 1999.
Conference
Latte-Abdullah, Stephanie. “Refugees’ Family Structures and UNRWA in Palestinian Camps in Jordan.” Paper Presented at: The Annual Conference of the Middle East Studies Association of North America, Chicago, December 1998.