العلاقات المدنية - العسكرية في مصر: نحو السيطرة المدنية؟
Civil-Military Relations in Egypt: Toward Civilian Control?
الملخّص
تعنى الدراسة باستطلاع ماضي العلاقات المدنية العسكرية وحاضرها ومستقبلها في مصر، وذلك بدراسة الدوائر الرئيسة التي يدور حولها الصراع المدني - العسكري والمتمثلة في صناعة السياسات العامة، وتجنيد النخبة، وتنظيم المؤسسة العسكرية، والسيطرة على ملفّي الأمن الداخلي والأمن الخارجي؛ فتلك الدوائر تشهد منافسة بين العسكريين والمدنيين بشأن السيطرة عليها، وهي منافسة لا تجري بمعزل عن السياق المحيط، الأمر الذي يستدعي إلقاء الضوء على العوامل التي قد ترجّح أحد الطرفين على الآخر من قبيل الدعم الشعبي أو توافق النخب. إن تأصيل مفهوم السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية يُعَدّ أحد المتطلبات الرئيسة لنجاح أي عملية ديمقراطية، لأن عدم خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية ينبئ بتعثّر عملية التحوّل الديمقراطي جرّاء تدخّل الجيش في العملية السياسية، كما حدث في تموز/ يوليو 2013.
Abstract
Traditional theories of democracy speak of basic conditions necessary for a successful democratic transition, including the existence of political parties and an active civil society. These theories, however, neglect one of the key factors behind any country’s successful transition: civilian control over the military establishment. Egypt’s case, where a revolution heralded the start of democratic transformation, exhibited this most apparently. The successive setbacks witnessed during the transitional phase, thereby leading to the army’s return on July 3, 2013, call for a thorough study of civil-military relations in post-revolution Egypt in order to better understand what will happen in light of the attempts made during the transitional phase to exclude the military from power and hasten the transfer of power to an elected government and president.
- تحول ديموقراطي
- مرحلة انتقالية
- نخبة حاكمة
- العلاقات المدنية - العسكرية
- Egyptian Army
- Transition Period
- Civil-Military Relations
تتحدث النظريات التقليدية للديمقراطية عن شروط أساسية لنجاح التحول الديمقراطي،
يأتي ضمنها وجود أحزاب سياسية ومجتمع مدني نشيط. إلا أن تلك النظريات تغفل عامالً
رئيسًا من عوامل نجاح أي عملية تحوّل ديمقراطي، وهو السيطرة المدنية على المؤسسة
العسكرية. ويظهر هذا العامل بوضوح في الحالة المصرية التي شهدت ثورة أنبأت ببدء
مرحلة التحول الديمقراطي، إلا أن ما شهدته المرحلة الانتقالية من تعثرات متتالية أدت
إلى عودة الجيش إلى المشهد مرة أخرى في 3 تموز/ يوليو 2013 يدعو إلى دراسة العلاقات
المدنية - العسكرية في مصر ما بعد الثورة، لمعرفة مآل الوضع المصري في المستقبل القريب
في ضوء ما شهدته المرحلة الانتقالية من محاولات لإقصاء العسكر عن السلطة والتعجيل
بنقل السلطة إلى حكومة ورئيس منتخبين. تعنى الدراسة باستطلاع ماضي العلاقات المدنية - العسكرية وحاضرها ومستقبلها في
مصر، وذلك بدراسة الدوائر الرئيسة التي يدور حولها الصراع المدني - العسكري والمتمثلة
في صناعة السياسات العامة، وتجنيد النخبة، وتنظيم المؤسسة العسكرية، والسيطرة على
ملفّي الأمن الداخلي والأمن الخارجي؛ فتلك الدوائر تشهد منافسة بين العسكريين
والمدنيين بشأن السيطرة عليها، وهي منافسة لا تجري بمعزل عن السياق المحيط، الأمر
الذي يستدعي إلقاء الضوء على العوامل التي قد ترجّح أحد الطرفين على الآخر من قبيل
الدعم الشعبي أو توافق النخب. إن تأصيل مفهوم السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية يُعَدّ أحد المتطلبات الرئيسة
لنجاح أي عملية ديمقراطية، لأن عدم خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية ينبئ
بتعثّر عملية التحوّل الديمقراطي جرّاء تدخّل الجيش في العملية السياسية، كما حدث في
تموز/ يوليو.2013
مقدّمة
بين شباط/ فبراير 2011 وتموز/ يوليو 2013 يبقى كثير من الأسئلة بلا إجابة واضحة؛ ففي
أقل من 30 شهرًا تدخّل الجيش مرتين في المشهد السياسي، بعد أن كان بعيدًا عن السياسة طوال
فترة حكم الرئيس السابق حسني مبارك؛ فقد توىلّ الجيش إدارة البلاد في شباط/ فبراير 2011 بتفويض
من مبارك بعد أن أجبرته الثورة على التنحّي، واستمرت إدارته للبلاد عامًا ونصف عام حتى انتخاب
الدكتور محمد مرسي رئيسًا لمصر في حزيران/ يونيو 2012. أمّا في تموز/ يوليو 2013، فقد كان تدخّل
الجيش صريحًا، إذ قام وزير الدفاع في 3 تموز/ يوليو 2013 بإلقاء بيان أعلن فيه تولية رئيس المحكمة
الدستورية رئاسة البلاد مؤقتًا، مع عرض خارطة للمستقبل تنتهي بانتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة
وتعديل لدستور 2012، الأمر الذي عنى ضمنًا عزل مرسي من الحكم. لا يمكن معرفة سبب عودة الجيش إلى الحياة السياسية في تموز/ يوليو 2013 من دون دراسة العلاقات
المدنية - العسكرية في المرحلة التي تلت ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011؛ إذ إن دراسة دوائر صناعة
القرار التي تشهد منافسة بين النخبة المدنية والمؤسسة العسكرية، بالإضافة إلى الاستراتيجيات التي
وظفتها النخب المدنية المصرية لفرض السيطرة على المؤسسة العسكرية، ستكشف مكمن الفشل الذي
أدى إلى عزل الجيش لأول رئيس مدني منتخَب بعد الثورة. يربط كثير من الأكاديميين بين سيطرة النخبة المدنية على القوات المسلحة وتحقيق التحوّل الديمقراطي.
وتنوي هذه الدراسة فحص الاستراتيجيات التي اتّبعها كلٌّ من العسكريين والمدنيين في صراعهم على
السيطرة؛ إذ إن هدفها الرئيس هو استكشاف سياق العلاقات المدنية - العسكرية في ثلاث مراحل زمنية
مختلفة، الأولىقبل ثورة 25 يناير، والثانية منذ رحيل مبارك وحتى انتخاب مرسي رئيسًا لمصر، والثالثة
هي تلك التي أعقبت انتخاب مرسي رئيسًا حتى عزله في تموز/ يوليو 2013 وما تلا ذلك. وتسعى
الدراسة للإجابة على التساؤل الرئيس التالي: هل هناك فرصة للسيطرة المدنية في مصر بعد تدخّل المؤسسة
العسكرية في الشأن السياسي في الثالث من تموز/ يوليو 2013؟ كما تسعى الدراسة للإجابة عن كثير من
الأسئلة، منها: هل السياق الذي يشهد هذا الصراع يعمل لمصلحة المدنيين أم لمصلحة العسكريين؟ وما
هي الدوائر الرئيسة التي تشهد صراعًا بين المدنيين والعسكريين؟ وما هو تعريف «السيطرة المدنية»؟ وما
هي علاقته بإنشاء الديمقراطية ودعمها، وخاصة في الديمقراطيات الحديثة؟ بناء على ذلك، تنقسم الدراسة إلى ثلاثة أجزاء: يستعرض الجزء الأول«نظرية السيطرة المدنية» كما قدمها
كلٌّ من أوريل كرواسان وبول شامبر في كتابهما الديمقراطية تحت الضغط: العلاقات المدنية العسكرية
في جنوب آسياوجنوب شرقها وقداستعرضا فيه العديد من العلاقات المدنية - العسكرية في الدول
النامية التي تمر بمرحلة تحولات، وكوّنا نموذجًا لدراسة تلك العلاقات الجدلية. ويتناول الجزء الثاني
ماضي العلاقات المدنية - العسكرية وحاضرها في مصر بتطبيق النموذج المشار إليه. ويأتي الجزء الثالث
ليستشرف مستقبل العلاقات المدنية - العسكرية في مصر.
1 Paul Chambers and Aurel Croissant, eds., Democracy under Stress: Civil-Military Relations in South and Southeast Asia (Bangkok: Chulalongkorn University, Institute of Security and International Studies (ISIS), 2010).
أولا: العلاقات المدنية - العسكرية: التعريف والمحدِّدات
يمكن تعريف العلاقات المدنية - العسكرية بأنها «التفاعلات بين العسكريين والفاعلين المدنيين
بخصوص سلطة اتخاذ القرارات السياسية». لذا، فإن للعلاقات المدنية - العسكرية تنويعات مختلفة
باختلاف الدول، ويمكن تصويرها بخط مستقيم يمثّل توزيعات مختلفة لسلطة اتخاذ القرارات بين المدنيين
والعسكريين. وبناء على ذلك، فإن السيطرة المدنية تُعتبر أحد طرفي هذا الخط، حيث يكون المدنيون هم
المسيطرين تمامًا، فهم يصنعون القواعد ويغريّونها من دون قيود. على الجانب الآخر من هذا الخط، نجد
حالة النظام العسكري التي يكون فيها العسكريون مسيطرين تمامًا.
والنموذج الذي تتّبعه دراستنا للعلاقات المدنية - العسكرية في مصر هو النموذج الذي صاغه ديفيد
كوهين وأوريل كرواسان (انظر الشكل 1) وافترضا أن معركة بسط السيطرة المدنية على العسكريين تدور
بالأساس حول خمس دوائر لصنع القرار يتنافس حولها المدنيون والعسكريون وهي: تجنيد النخبة؛ صنع
السياسات العامة؛ الأمن الداخلي؛ الدفاع الخارجي؛ تنظيم المؤسسة العسكرية. لذا، فإن تصنيف أي
دولة من حيث درجة تمتّعها بالسيطرة المدنية على العسكريين لا يعدو أن يكون نتاجًا للصراع بين المدنيين
والعسكريين حول التحكم في تلك الدوائر الخمس، وبالتالي يمكن القول إن السيطرة المدنية الكاملة هي
تلك الحالة التي يتمكن فيها المدنيون من السيطرة على الدوائر الخمس من دون منافسة من العسكريين. يجدر ذكر أن المؤسسة العسكرية تستطيع تقويض سلطة المدنيين في اتخاذ القرارات بطرق عدة؛ إذ يمكنها،
من خلال قواعد أو صلاحيات مؤسسية يحفظها لها الدستور والقانون، أن تقوض سلطة المدنيين في
بعض المناطق. كما يمكنها تقويض سلطة المدنيين من خلال المواجهة المباشرة، بمعنى التهديد بالتدخّل أو
التدخّل فعالً بصورة غير شرعية لزعزعة سلطة المدنيين في صنع القرارات. بناء على ذلك، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا هو كيف يمكن للنظم المدنية الحديثة أن تنشأ وتضفي الطابع
المؤسسي على السيطرة المدنية على العسكريين؟ وما هي العوامل التي تحدد مدى نجاح أو فشل المدنيين في
تلك العملية؟ وللإجابة عن هذا السؤال يجب أن ندرك جيدًا أن درجة السيطرة المدنية في الديمقراطيات
الحديثة تعتمد على مدى قدرة النخب المدنية ورغبتها في تبنّي استراتيجيات متوسطة وطويلة المدى لإنشاء
مؤسسات تتمكن أخيرًا من تقويض نشاط العسكريين السياسي. وهناك العديد من الاستراتيجيات التي
يمكن النخب المدنية تبنّيها للوصول إلى تلك الغاية، يأتي منها ترضية العسكريين، ومراقبتهم، واختيار
أفراد وقيادات القوات المسلحة بناء على الكفاءة لا على الولاء، والتربية والتعليم السياسي للعسكريين،
وأخيرًا مكافأة المطيعين ومعاقبة المخالفين.
ممّا لا شك فيه أن أي تفاعلات تحدث في المجتمع، بما فيها التفاعلات بين المدنيين والعسكريين، لا تحدث
في فراغ وإنما تتأثر بكثير من الظروف والسياقات المحيطة بها وتتفاعل معها بحيث تختلف نتائج تلك
التفاعلات من دولة إلى أخرى وداخل الدولة نفسها من فترة زمنية إلى أخرى نظرًا إلى تغير الأحوال
المحيطة. وقد ميّز كرواسان وكوهين في نموذجهما بين ثلاث مجموعات من الأحوال التي تؤثر في تطور
العلاقات المدنية – العسكرية، وهي العوامل المبدئية التي تسبق فترة التحول الديمقراطي، وعوامل
خارجة عن إرادة الجيش، وأخيرًا عوامل متعلقة بالمؤسسة العسكرية.
2 المصدرنفسه، ص.7
3 Claude E. Welch, «Civilian Control of the Military: Myth and Reality,” in: Claude E. Welch, ed., Civilian Control of the Military: Theory and Cases from Developing Countries (Albany: State University of New York Press, 1976), pp. 21-25.
4 لمزيد من التفاصيل انظر: مشكاة بيت الحكمة، العدد 1: العلاقات المدنية العسكرية في مصر: التحرك للأمام (تموز/ يوليو 2012.)
تتضمن العوامل المبدئية نوع النظام السابق ومدى ما تتمتع به المؤسسة العسكرية فعالً من امتيازات أو
سلطات وفق الدستور والقوانين القائمة. وتتمثّل العوامل المتعلقة بالمؤسسة العسكرية في ثقافة الجيش
التنظيمية، ومدى تماسكه الداخلي، وموقفه الاقتصادي، بينما العوامل الخارجة عن إرادة الجيش هي تلك
التي تتدخّل في توازن السلطة بين العسكريين والمدنيين من دون أن يكون للجيش شأن فيها، مثل مقدار
التأييد الذي يحوزه النظام، ومدى توافق القوى المدنية والسياسية، ووجود مجتمع مدني نشيط، ووجود
تهديدات داخلية أو خارجية من عدمه، وأخيرًا الدور الذي تقوم به القوى الخارجية.
بناء على العوامل السابق الإشارة إليها، يمكن النخب المدنية أن تختار الاستراتيجيات الملائمة للفوز على
العسكريين وتحقيق السيطرة المدنية على الدوائر الخمس التي تتنافس فيها مع العسكريين. والفرضية الرئيسة للدراسة هي أن دور القوات المسلحة في الشأن السياسي سوف يستمر في النمو في مصر
في السنوات المقبلة؛ فغياب أحزاب ليبرالية أو يسارية قوية، وتهميش الإسلاميين في الساحة السياسة،
فضالً عن ترحيب قطاعات شعبية واسعة بدور المؤسسة العسكرية، واستمرار العمليات الإرهابية في
سيناء وانتقالها مؤخرًا الى قلب العاصمة، كل ذلك سيعزز فرص وجود المؤسسة العسكرية في الشأن
السياسي كضامن لعدم سقوط الدولة الوطنية.
| ايألعلاقات المدنية - العسكرية | ||||
|---|---|---|---|---|
| تن | الأمن الداخلي السياسة العامة (ب) (ج) نظيم المؤسسة العسكرية الدفاع الخارجي (د) (ه) تجنيد النخبة (أ) | |||
| استراتيجيات | ت التحكم | |||
| عوامل خارجة عن إرادة الجيش:. الدعم الشعبي للنظام 2. التوافق المدني 3. المجتمع المدني النشيط 4. الشعور بوجود تهديد خارجي 5. استشعار تهديد داخلي 6. الفواعل الخارجية أو الأجنبية عوامل متعلقة بالجيش: 1. الثقافة التنظيمية 2. التماسك الداخلي 3. الموارد الاقتصادية الأحوال المبدئية | ||||
| ع 1 2م 3 4 5 6 | عوامل خارجة عن إرادة الجيش:. الدعم الشعبي للنظام 2. التوافق المدني 3. المجتمع المدني النشيط 4. الشعور بوجود تهديد خارجي 5. استشعار تهديد داخلي 6. الفواعل الخارجية أو الأجنبية | عوامل متعلقة بالجيش: 1. الثقافة التنظيمية 2. التماسك الداخلي 3. الموارد الاقتصادية | ||
الأحوال المبدئية
شكل رقم 1: عوامل و استراتيجيات فرض السيطرة المدنية
5 Aurel Croissant and David Kuehn, «Civilian Control of the Military and Democracy: Conceptual and Theoretical Perspectives,» in: Chambers and Croissant, eds., p. 42.
ث انيًا: العلاقات المدنية – العسكرية: العوامل الحاكمة ودوائر المنافسة
عند النظر إلى السياق المصري نجد أن العوامل الخارجة عن إرادة الجيش وتلك المتعلقة بالجيش مباشرة
تصب في مصلحة سيطرة المؤسسة العسكرية على المجال السياسي، وتعمل عكس طموح المدنيين في بسط
السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية. وقد انطبق هذا على الفترة السابقة على تويلّ الرئيس السابق مرسي
للسلطة، كما أنه امتد طوال فترة إدارة مرسي، وسيستمر بعد مرسي أيضًا، وهو ما سنراه في ما يلي. علاوة على ذلك، فإن العوامل المبدئية، أي الأوضاع التي سبقت تويلّ مرسي للحكم، تصب كذلك في ما
هو عكس طموح فرض السيطرة المدنية على القوات المسلحة؛ فحركة الضباط الأحرار هي التي أنشأت
الجمهورية وقضت على النظام الملكي، ومنذ تموز/ يوليو 1952 لم يتول الحكم إلا أحد أعضاء المؤسسة
العسكرية، بدءًا باللواء محمد نجيب ومرورًا بعبد الناصر فالسادات وأخيرًا مبارك. لذا، فإن القوات
المسلحة المصرية لم تخضع منذ تموز/ يوليو 1952 لقيادة مدنية وإنما كان رأس الدولة ينتمي بالأساس
إليها، وهو ما سيصعّب نوعًا ما من خضوعها لسيطرة رئيس من خارج المؤسسة العسكرية، كما حدث مع
مرسي. كما أن عدم انحياز الجيش إلى مبارك ضد الثورة أضاف إلى رصيده لدى الجماهير وجعل منه المنقذ
في عيون جزء كبير من المصريين.
-1 عوامل خارجة عن إرادة الجيش أ - دعم الجماهير
(1) قبل الثورة لقد تمتّع الجيش المصري بتأييد شعبي وسط الجماهير منذ قيام ثورة 1952، وازداد هذا التأييد مع
الإصلاحات التي أدخلها عبد الناصر ومع القضاء على الإقطاع، ثم تراجع عقب هزيمة 1967 لكنه
عاد إلى مستواه بعد النصر الذي حققه في تشرين الأول/ أكتوبر 1973. وقد استمر هذا الوضع في ظل
حكم مبارك بسبب إبعاد الجيش نفسه عن الفساد السياسي المستشري في مؤسسات النظام، على الأقل من
خلال النأي بنفسه عن المشهد السياسي والأضواء الإعلامية. يضاف إلى ذلك قيام الجيش بتوزيع السلع
الغذائية، كالمعكرونة والأرز، بأسعار مخفضة في التسعينيات من القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، وهو ما
عزز شعبيته وسط الفقراء، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي عاشتها مصر في تلك الفترة.
وقد ساد بعد ثورة 25 ينايراعتقاد بأن الجيش كان غير راض عن مشروع التوريث، وهو ما حال دون
تأكّل شعبيته في موازاة تأكّل شعبية نظام مبارك، الأمر الذي تجىلّ في ترحيب الجماهير بتويلّ الجيش للسلطة
عقب رحيل مبارك ورفضه مبادرات نقل السلطة إلى نائبه عمر سليمان. هذا كله يؤكد أن الجيش المصري لم
يخسر شعبيته منذ ثورة تموز/ يوليو 1952 إلا في الفترة البسيطة الواقعة بين هزيمة 1967 ونصر.1973 (2) بعد الثورة تمكّن الجيش من تأمين تأييد الجماهير له في ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011 من طريق عدم انحيازه إلى
مبارك، ووقوفه على الحياد. وقد ظهر هذا التأييد جليًا في الشعار الشهير «الجيش والشعب إيد واحدة»،
واستمر فترة من الزمن إلى أن أغضب المجلس العسكري بعض القوى الثورية بتورطه في حوادث عنف
أسفرت عن إزهاق أرواح بعض المتظاهرين، علاوة على التلكؤ في تنفيذ مطالب الثورة من تطهير
مؤسسات الدولة ومحاكمة رؤوس النظام السابق. ويمكننا القول إن الجيش تلاعب بالقوى الثورية، ولم
يحقق مجلسه العسكري مطالب الثورة طواعية، بل كان ينتظر وصول غضب الجماهير إلى أوجه ليقْدم على
تنفيذ أحد مطالب الثورة كي يمتص هذا الغضب. فعلى سبيل المثال، أُقيلت حكومة شفيق يوم الخميس
3 آذار/ مارس 2011 فتحولت جمعة 4 آذار/ مارس من تظاهرة تحت عنوان «الشعب يريد إسقاط
باقي النظام»، وكانت تهدف بالأساس إلى إقالة شفيق، إلى احتفالية بحضور رئيس الوزراء الجديد عصام
شرف. كما أن قيام المجلس العسكري بالإفراج عن عبود وطارق الزمر و ٨٥ آخرين من أعضاء تنظيم
الجهاد والجماعة الإسلامية يوم 12 آذار/ مارس 2012 حتى قبل الإفراج عن معتقلَي الثورة يمكن
الاستدلال منه على رغبة الجيش في كسب تأييد أعضاء تلك الجماعات لنصرته على القوى الثورية التي
تضغط عليه كي يسرع في الرحيل وتنفيذ المطالب. وقد خسر الجيش في تلك الفترة أيضًا تأييد الأقباط بسبب الأزمات الطائفية المتكررة التي لم تكن ردّة
فعل المجلس العسكري فيها كافية لإرضاء الأقباط، لدرجة أنهم قرروا التظاهر ضده وضد طريقة تعامله
مع الفتن الطائفية. وكانت مذبحة ماسبيرو من أسباب فقدان المجلس العسكري تأييد الأقباط؛ ففي
أيلول/ سبتمبر 2011 اعتدى بعض المتطرفين الإسلاميين على كنيسة الماريناب في أسوان، وجاءت ردة
فعل المحافظ سلبية، وهو ما أثار غضب الأقباط في أرجاء مصر ودفعهم إلى الخروج في «يوم غضب
قبطي» (الأحد 9 تشرين الأول/أكتوبر). واصطدمت قوات الشرطة والشرطة العسكرية بالمتظاهرين
فور وصولهم إلى مبنى ماسبيرو (مبنى اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري)، ووقعت اشتباكات خلّفت،
وفقًا لبيانات المجلس القومي لحقوق الإنسان، 28 قتيالً، 26 قبطيًا ومسلامً وقتيل واحد من أفراد قوات
الجيش، وأكثر من 321 جريحًا. من ضمن النقاط المفصلية الأخرى في علاقة المجلس العسكري بالقوى الثورية، وهي التي نتجت منها
قطيعة كاملة بين الفريقين، هي الحوادث الدامية في شارع محمد محمود التي بدأت في 19 تشرين الثاني/
نوفمبر 2011 واستمرت حتى يوم 25 من الشهر نفسه. ونجم عن الاشتباكات بين القوى الثورية
وقوات الأمن ما يزيد على 56 قتيالً ومئات المصابين، وهو ما وسّع الهوة بين المعسكر الثوري والمجلس
العسكري وقوّض شرعية الأخير وقلّص الدعم الشعبي له.
لم ينقطع مسلسل سفك الدماء الذي كان المجلس العسكري شريكًا في إنتاجه طوال المرحلة الانتقالية،
ولم يكن لدى الثوار من يلقون اللوم عليه سوى المجلس العسكري. وكان ضمن حلقات ذلك المسلسل
اشتباكات وزارة الدفاع في 2 أيار/ مايو 2012، ومذبحة إستاد بورسعيد في 1 شباط/ فبراير
2012، وكثير من المآسي الأخرى التي كان المجلس العسكري مسؤوالً عنها في أعين الثوار، وهو ما
أدى إلى اهتزاز صورته.
6 مثل حوادث محمد محمود الأولى والثانية ومجلس الوزراء وماسبيرو... إلخ.
7 المصري اليوم،.2011/3/5-4
8 المجلس القومي لحقوق الإنسان، تقرير عن أحداث ماسبيرو، تاريخ 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، على الموقع الإلكتروني: <http://
www.nchregypt.org/ar/index.php?option=com_content&view=article&id=500:2011-11-02-19-51-28&catid=43:2010- 03-09-13-00-53&Itemid=55>.
9 المصري اليوم،.2012/5/3
10 الشروق،.2012/2/3
(3) بعد انتخاب مرسي في يوم انتخاب محمد مرسي رئيسًا للجمهورية، تدفق مئات الآلاف من الناس إلى ميدان التحرير
احتفاالً بفوزه، وردّدوا هتافات ضد المجلس العسكري، كما طالبوا بإسقاط الإعلان الدستوري المكمل
ونددوا بانتزاع جميع صلاحيات رئيس الجمهورية. وأدى الرئيس مرسي يمين رئيس الجمهورية أمام
المتظاهرين في الميدان المذكور في جمعة «تسليم السلطة» يوم 29 حزيران/ يونيو 2012، قبل أن يتوجه
إلى المحكمة الدستورية العليا ليؤدي اليمين الدستورية. وكان هذا يدل على استعراض مرسي للتأييد
الشعبي الذي يتمتع به في مواجهة المجلس العسكري. وتمكّن مرسي من مضاعفة الدعم الشعبي الذي يحوزه عبر إحالة المشير طنطاوي (القائد العام للقوات
المسلحة ووزير الدفاع) والفريق سامي عنان (رئيس أركان الجيش المصري) ومعظم أعضاء المجلس
العسكري، إلى التقاعد. وفي اليوم ذاته، تدفق الآلاف إلى التحرير للاحتفال بهذا القرار مردّدين هتافات
مؤيدة لمرسي ومضادة لحكم العسكر. وقد حاول مرسي أن يزيد من رصيده من الدعم الشعبي بأن قررفي أول اجتماع له مع حكومة الجنزوري
زيادة الرواتب والمعاشات بنسبة 15 في المئة، كما قرر زيادة معاش الضمان الاجتماعي من 200 إلى 300
جنيه لكسب تأييد تلك الطبقة العريضة من المجتمع المصري التي تعمل في الحكومة، أو التي تتلقى
معاش الضمان الاجتماعي. لكن ما لبث الرئيس مرسي أن بدأ، مثله مثل المجلس العسكري، يصطدم
بالمعسكر الثوري الذي أصبح يعتبره أحد الأسباب الرئيسة لعدم تحقيق أهداف الثورة؛ إذ إن سياسات
مرسي المتخبطة في المجالين الاقتصادي والسياسي، بالإضافة إلى تهمة أخونة الدولة التي لاحقته عقب
اتخاذه قراراته وسلوكه وتصرفاته، علاوة على تورط جماعة الإخوان المسلمين في حوادث عنف أودت
بحياة بعض الشباب الثوريين، كل هذا أفقد مرسي التأييد الشعبي بصورة أسرع من اكتسابه له. كما أدى
إلى ظهور بعض الأصوات التي تطالب بتويلّ الجيش السلطة مرة أخرى. وقد انتهى السخط الشعبي على
مرسي وجماعة الإخوان المسلمين عمومًا إلى ظهور حركة تمرُّد التي أعلنت جمعها ملايين التواقيع لسحب
الثقة من مرسي، والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، كما حددت يوم 30 حزيران/ يونيو 2013 موعدًا
للثورة على نظام الإخوان. وبالفعل امتلأت الشوارع منذ يوم 28 حزيران/يونيو بملايين المصريين
الغاضبين على نظام حكم الإخوان المسلمين إلى أن تدخل الجيش يوم 3 تموز/ يوليو وعزل الرئيس مرسي.
ب - مدى توافق القوى المدنية والسياسية والمجتمع المدني النشيط (النخب الجديدة)
حال الخلاف الذي ازدادت حدّته بين الأحزاب الليبرالية والحركات الشبابية من جانب وجماعة الإخوان
المسلمين وباقي الأحزاب الإسلامية من جانب آخر دون توطيد السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية.
وتعود جذور هذا الخلاف إلى الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي اقترحها المجلس العسكري
في آذار/ مارس 2011. وقد أيد تلك التعديلات الإسلاميون بجميع طوائفهم، من إخوان مسلمين
وسلفيين، بينما اعترضت عليها الأحزاب الليبرالية والقوى الثورية. وانطوى هذا الانقسام على مبادرة من
11 المصري اليوم،.2012/6/25
12 المصري اليوم،.2012/6/30
13 المصري اليوم،.2012/7/2
القوى الإسلامية إلى تأييد المجلس العسكري ومباركة خطته لإدارة المرحلة الانتقالية، وظهر ذلك واضحًا
في تصريحات القادة المؤيدة لخارطة المجلس العسكري. ومنذ ذلك الحين بدأت الفجوة بين المعسكرين في
الاتساع، وبدأ الخلاف بينهما يتزايد بشأن كثير من القضايا طوال المرحلة الانتقالية.
ظهر هذا الخلاف في الجُمَع (المليونيات) المختلفة التي خرج فيها المعسكر الليبرالي لإعلان مطالبه بدءًا
من جمعة (مليونية) 27 أيار/ مايو 2011 («جمعة تصحيح المسار» و«جمعة الغضب الثانية») التي قاطعتها
التيارات الإسلامية الرئيسة ووصفتها بأنها ضد إرادة الشعب. مثّلت الانتخابات البرلمانية التي عُقدت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 أحد مفاصل الخلاف بين
المعسكرين الليبرالي الثوري والإسلامي من جانب وداخل المعسكر الإسلامي ذاته من جانب آخر؛ إذ
انقسم الإسلاميون في هذه الانتخابات فشكّل حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين
تحالفًا انتخابيًا مع بعض الأحزاب الليبرالية كحزب الوفد الذي انسحب منها في اللحظات الأخيرة،
في حين شكل حزب النور السلفي تحالفًا للأحزاب السلفية لخوض الانتخابات البرلمانية. وقد أدى هذا
الخلاف الانتخابي إلى تزايد الفجوة بين الإخوان المسلمين والسلفيين. مع استمرار المرحلة الانتقالية وطولها، ازداد الخلاف حدة على الأساس نفسه بين الليبراليين من جانب
والإسلاميين من جانب آخر؛ إذ كان الإسلاميون يصرون على التمسك بخارطة الطريق التي وافق عليها
الشعب في استفتاء 19 آذار/ مارس 2011، بينما كان المعسكر الليبرالي يطالب بنقل فوري للسلطة إلى
سلطة مدنية، فأدى هذا الخلاف في الغايات إلى ازدياد الفجوة توسعًا.
ولم يُنهِانتخاب مرسي الشقاق بين الأحزاب والقوى السياسية حول كثير من القضايا، كوضع الدستور
الجديد، وإنما عمّقه. وقد أثبتت الأيام أن مع مرور الوقت بعد انتخاب مرسي كبرت الفجوة بين المعسكر
المدني الليبرالي والمعسكر الإسلامي. وزادت قرارات الرئيس نفسه الخلاف حدة حتى تحوّل إلى اشتباكات
بين مؤيديه ومعارضيه أمام المحاكم بهدف الضغط على المحكمة للوصول إلى حكم بذاته؛ ففي 17 تموز/
يوليو 2012، وخلال نظر المحكمة الإدارية العليا في قضيتي حل لجنة صوغ الدستور وإلغاء الإعلان
الدستوري المكمل، وصلت حدة الخلاف بين الفريقين إلى أن تظاهر كلٌّ منهما أمام المحكمة للضغط
عليها، فطالب المعسكر الثوري الليبرالي بحل اللجنة بينما طالب أعضاء جماعة الإخوان المسلمين بعدم
حل اللجنة. وقد كان من الطبيعي آنئذٍ أن تقع اشتباكات بين الفريقين وأن يسقط جرحى منهما. تكرر السيناريو السابق نفسه عقب إصدار الرئيس مرسي إعلانًا دستوريًا في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر
2012 حصّن به القرارات والإعلانات الدستورية التي أصدرها وتلك التي سيصدرها حتى نفاذ
الدستور الجديد وانتخاب مجلس شعب جديد، درءًا للطعن فيها أمام أي جهة. كما أنه حصّن مجلس
الشورى والجمعية التأسيسية للدستور ضد الحل بأحكام القضاء، إلى جانب أمور أخرى. وقد أثار
ذلك الإعلان الدستوري حفيظة القوى الثورية والليبرالية، وحدا بها إلى التظاهر أمام القصر الرئاسي، ما
أدى إلى اشتباكها مع مؤيدي الرئيس أمام القصر مباشرة، وسقوط 5 قتلى من الطرفين.
14 المصري اليوم،.2011/5/26
15 «مرسى ديكتاتور «مؤقت»، المصري اليوم، 2012/11/23، على الموقع الإلكتروني: <http://today.almasryalyoum.com/
article2.aspx?ArticleID=361644>.
16 «شقيق «شهيد دمنهور»: «إزاي الإخوان تستعين بطفل لحماية مقرها»،» المصري اليوم، 2012/11/26، على الموقع الإلكتروني:
<http://www.almasryalyoum.com/node/1270351>.
يضاف إلى ذلك أن الرئيس مرسي أعلن في 17 حزيران/ يونيو 2013، وفي غمرة الغضب الشعبي، حركة
تعيين محافظين شملت تعيين سبعة محافظين جدد من الإخوان ليصبح عدد المحافظين الإخوان عشرة.
وقد أثار ذلك حفيظة المعارضين لمرسي ودفعهم إلى تنظيم تظاهرات. من هنا، يمكن القول إن قرارات
مرسي كانت أحد الأسباب الرئيسة التي عمّقت الفجوة بين الإسلاميين والليبراليين، وصوالً إلى عزل
مرسي وسط تأييد شعبي جارف. لكن عزل مرسي لم يُنهِالخلاف بين الإسلاميين والليبراليين، بل أضاف
إليه بعدًا دمويًا.
-3 التهديدات الداخلية والخارجية
أعقب نجاح الثورة المصرية وتنحّي مبارك انفلات أمني لم يشهده المجتمع المصري من قبل. وفي واقع
الأمر، بدأ هذا الانفلات عقب اندلاع الثورة مباشرة، بسبب انسحاب رجال الشرطة يوم 28 كانون
الثاني/ يناير وهروب عدد كبير من المساجين من مختلف السجون، فانتشرت «البلطجة» والجريمة المنظَّمة،
إلا أن اللجان الشعبية التي شكّلها المواطنون للدفاع عن الأحياء السكنية حدّت من ذلك الانفلات. كان المجلس العسكري طوال فترة إدارته للبلاد يجد في غياب الأمن مبررًا لوجوده. وقد عزّز هذا الغياب
الأمني ذرائع استمرار العسكر في الحكم حتى استقرار البلاد وعودة الأمن، وهو ما كان يوازن المطالبة
بنقل السلطة إلى سلطة مدنية في أسرع وقت ممكن. راهن المصريون على استقرار الأوضاع الأمنية بعد انتخاب رئيس جديد، إلا أن تقريرًا نشرته صحيفة
المصري اليوم ذكر في 6 آب/ أغسطس 2012 أن معدل الجريمة تضاعف في أول شهر من حكم الرئيس
مرسي قياسًا على الأشهر السابقة عليه. وقد شهد مستهل آب/ أغسطس 2012 فتنة طائفية بين
المسلمين والمسيحين في قرية دهشور التابعة لمركز البدرشين في محافظة الجيزة، واستهدف مسلحون
مجهولون في الخامس منه حاجزًا أمنيًا مصريًا قرب معبر كرم أبوسالم في رفح فاستشهد 16 ضابطًا وجنديًا
وأُصيب سبعة آخرون، وفر المعتدون إلى داخل الكيان الإسرائيلي حيث تصدى لهم الجيش الإسرائيلي
وأعلن مقتل سبعة منهم. يرى بعض دارسي العلاقات المدنية - العسكرية أن التهديدات الخارجية تؤدي إلى دعم جهود المدنيين
في فرض السيطرة على المؤسسة العسكرية؛ إذ إنها توجه جهود الجيش إلى مهمته الحقيقية في الدفاع عن
الدولة ضد المعتدي الخارجي، بينما تؤدي التهديدات الأمنية الداخلية إلى العكس، فتقوِّض الحكم
الديمقراطي والنخب المدنية الجديدة، وتقوّي من وضع الجيش في مواجهتهما باعتباره «الحامي غير
المتحزب للسلامة الوطنية ». وتنطبق تلك المقولة على الحالة المصرية؛ فعلى سبيل المثال، لم يتمكن
17 المصري اليومترصد بالأرقام «حصاد البلطجة» فى أول ٠٣ يوما رئاسة، أعد الملف يسرى البدرى ورشا الطهطاوى وحسن أحمد حسين،
المصري اليوم، 2012/6/18، على الموقع الإلكتروني: <http://today.almasryalyoum.com/article2.aspx?ArticleID=386540>.
18 أحمد عبد اللطيف [وآخرون]، «اشتباكات جديدة فى دهشور.. و إصابة ٥١ وتحطم ٧ محال، المصري اليوم، 2012/8/2، على
<http://today.almasryalyoum.com/article2.aspx?ArticleID=348957&IssueID=2585>. الموقع الإلكتروني:
19 المصدر نفسه.
20 يسرى البدري وإبراهيم الطيب وإبراهيم قراعة، «دماء على الحدود فى سيناء،» المصري اليوم، 2012/8/6، على الموقع الإلكتروني:
<http://today.almasryalyoum.com/article2.aspx?ArticleID=349051>. 21 Croissant and Kuehn, p. 48, and Michael C. Desch, Civilian Control of the Military: The Changing Security Environment (Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press, 1999).
الرئيس مرسي من حضور جنازة شهداء الجيش في آب/ أغسطس 2012 لاعتبارات أمنية على الرغم
من أن المتحدث باسمه أكد أنه سيحضر، فتحولت الجنازة إلى تظاهرة ضد الرئيس وجماعته، وبلغ الأمر
حد اعتداء المشيعين على رئيس الوزراء الذي كان حاضرًا. هذا في حين تقدَّم المشير طنطاوي وقيادات
الجيش الجنازة وسط احتفاء شعبي، وهو ما دفع مرسي إلى التحرك بعد ذلك بأيام وإقالة المشير طنطاوي
ومعظم أعضاء المجلس العسكري.
أ- دور القوى الخارجية
يمكن القول إنه إذا كان الفاعلون الدوليون المؤثرون في الدولة محل الانتقال الديمقراطي مصطفيّن إلى
جانب دعم السيطرة المدنية على الجيش، فإن هذا سيصب في مصلحة عملية السيطرة المدنية. وبناء على
استطلاع لتطور الحوادث في مصر في المرحلة الانتقالية، يمكن القول إن الولايات المتحدة كانت الفاعل
الدولي الرئيس في الساحة المصرية خلال تلك المرحلة. إلا أن تتبّع نشاط الدبلوماسية الأميركية تجاه مصر
في المرحلة الانتقالية يوضح أنها كانت تتلاعب بجميع الأطراف – إذا جاز التعبير؛ فقد حرصت الولايات
المتحدة على مد جسور التواصل مع جميع الفاعلين المحليين في الساحة السياسية المصرية، كالمجلس
العسكري الذي كان على رأس السلطة، وجماعة الإخوان المسلمين التي أحرزت أكثرية برلمانية في أول
انتخابات بعد الثورة، والتيار السلفي ممثَلّا في حزب النور، والقوى الليبرالية والمجتمع المدني. وقد حرصت الدبلوماسية الأميركية على التأكيد مرارًا وتكرارًا طوال المرحلة الانتقالية أنها لا تفضّل حزبًا
على آخر، وإنما تدعم التحوّل الديمقراطي في مصر وتسليم الحكم إلى سلطة مدنية منتخبة. وأظهر هذا أن الولايات المتحدة اصطفت، على الأقل، إلى جانب تسليم الحكم إلى سلطة مدنية منتخَبة.
ويجدر أن نشير هنا إلى مقدار التأثير الذي يمكن أن تمارسه الولايات المتحدة على الجيش المصري، خاصة
في ظل ضخامة المساعدات العسكرية التي يتلقاها الجيش المصري من الولايات المتحدة. يدفع ما تقدّم إلى القول إن جزءًا من الاستراتيجيا التي تبنّاها مرسي لفرض السيطرة المدنية على الجيش كان
في ضمانه تأييد الولايات المتحدة لهذه الخطوة ومساعدته فيها من خلال تحفيز الجيش المصري على الإذعان
للسلطة المدنية المنتخَبة. ويبدوأن اطمئنان مرسي إلى اعتراض الولايات المتحدة على أي انقلاب عسكري كان أحد دوافع اطمئنانه
إلى فشل تظاهرات 30 حزيران/ يونيو 2013. وقد ظهر هذا الشعور في الحوار الأخير بين مرسي والفريق
أول السيسي وقائد الأركان قبل قرار العزل، كما نشرته صحيفتا الوطناليومية والفجر الأسبوعية؛ إذ
نسبت الصحفيتان إلى مرسي قوله للسيسي إن ما يحدث انقلاب عسكري وإن أميركا لن تسمح بحدوثه،
إلا أن ما حدث أظهر أن التحفظ الأميركي المعلن بشأن عودة الجيش المصري إلى الساحة السياسية لم يحُل
دون تدخّل الجيش مرة أخرى وعزله لمرسي.
22 مقابلة مع ويليام بيرنز (مساعد وزيرة الخارجية الأميركية): «مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية: لا ندعم جماعات أو أحزابا مصرية،»
المصري اليوم، 2011/7/1، على الموقع الإلكتروني:،http://www.almasryalyoum.com/node/473507> < و«واشنطن»: أنفقنا 60
مليون دولار فى 2011 لدعم الحريات فى مصر وتونس وليبيا،» المصري اليوم، 2011/11/17، على الموقع الإلكتروني: <http://www.
almasryalyoum.com/node/515640>.
23 أحمد عبدالعظيم، «الوطن» تنفرد بآخر حوار بين وزير الدفاع والرئيس المعزول.. «السيسى»: حاول تمشى بكرامتك.. «مرسى:»
أمريكا مش هتسيبكم،» (الوطن (موقع إلكتروني)،:)2013/7/5 <http://www.elwatannews.com/news/details/219627>،
و«ننشر آخر حوار بين السيسى ومرسى قبل بيان العزل،» الفجر، 2013/6/7، على الموقع الإلكتروني: <http://new.elfagr.org/
Detail.aspx?nwsId=377117&secid=1&vid=2#>.
ب- العوامل الداخلية المتعلقة بالجيش
(1) عقيدة الجيش الرئيسة إن أهم سمات الجيش المصري هي المحافظة على الأقدمية والانضباط واحترامهما. وقد أثّرت تلك السمات
في إدارة المجلس العسكري للمرحلة الانتقالية. أضف إلى ذلك الوضعَ المتميّز للمؤسسة العسكرية في
مصر منذ قيام ثورة تموز/ يوليو 1952 وإنشاء الجمهورية على يد الضباط الأحرار. وعلى مر ما يزيد
على نصف قرن من الزمان، استطاعت المؤسسة العسكرية الحفاظ على استقلالها المؤسسي والاقتصادي،
وأنشأت إمبراطورية اقتصادية لا تخضع لرقابة الدولة. وتمكّن المجلس العسكري من الحفاظ على هذا
الوضع مع تسليمه السلطة إلى الرئيس مرسي؛ إذ نص الدستور على وجوب أن يكون وزير الدفاع من بين
ضباط القوات المسلحة، وهو ما يعزل الجيش عن تأثيرات السلطة المدنية ويحافظ نوعًا ما على استقلاله. الجدير بالذكر أن إقامة الجيش للجمهورية وتتابُع ثلاثة من ضباطه على منصب رئيس الجمهورية دمجا
الجيش بمؤسسات الدولة، بل يمكن القول إنهما جعلا الجيش فوق مؤسسات الدولة، وهو ما قد يجعل
قبول خضوع قيادات الجيش وضباطه لسلطة مدنية منتخبة أمرًا صعبًا.
وقد أكد المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، عقب إذاعة البيان الذي أمهلت فيه القوات المسلحة
الجميع ثماني وأربعين ساعة للخروج من الأزمة، أن عقيدة القوات المسلحة المصرية وثقافتها لا تسمحان
بانتهاج سياسة الانقلابات العسكرية. كما ذكّر المتحدث العسكري بأنه سبق للقوات المسلحة أن نزلت
إلى الشارع في السنوات 1977 و 1986 و 2011 ولم تنفّذ انقلابًا، بل كانت دائامً تقف مع إرادة الشعب
المصري وطموحاته نحو التغيير والإصلاح. وأكد أيضًا أن القوات المسلحة لن تكون طرفًا في دائرة
السياسة أو الحكم، ولا ترضى أن تخرج عن دورها المرسوم لها في الفكر الديمقراطي الأصيل النابع من
إرادة الشعب. ينطوي ذلك على أن ثقافة الجيش المصري وعقيدته خلال الفترة الماضية بدتا متنافيتين مع ثقافة الانقلابات
العسكرية. وقد تعزز هذا التوجه في ظل حكم مبارك الذي كان يعمل على عزل الجيش عن مجريات
السياسة، فلم يحاول قادة الجيش المصري الانقلاب على الرئيس، وقد يرجع هذا إلى انتماء الرئيس إلى
القوات المسلحة وحرصه على إرضائها؛ فحتى لو أمكن القول إن قيادات الجيش ضغطت على مبارك
للتنحّي فإنها تولّت الحكم بتكليف منه. كما أدار الجيش المرحلة الانتقالية التي أعقبت ثورة 25 كانون
الثاني/ يناير 2011 وسلَّم السلطة في الموعد المخطط له، بينما فرسّ تدخّل الجيش وعزله الرئيس مرسي
بعد عام من حكمه بانحيازه إلى مطالب الشعب الذي خرج ملايين منه مطالبين برحيل مرسي. وقد ترجع
سرعة تدخّل الجيش هذه المرة إلى أن الرئيس مدني لا ينتمي إلى القوات المسلحة، كما أنه غير متمرس في
السلطة بعكس مبارك الذي استمر في الحكم ثلاثين عامًا.
(2) النشاط الاقتصادي والتماسك الداخلي للجيش
كما أوضحنا من قبل، تمك ن الجيش من الانخراط في النشاط الاقتصادي بصورة كبيرة، بعيدًا عن هدفه
الرئيس وهو حماية الدولة والدفاع عنها. ونظرًا إلى غياب الشفافية والتحجج بسرية المعلومات، لا يمكن
24 حاتم الجهمي، «المتحدث العسكري»: عقيدة القوات المسلحة لا تسمح بانتهاج سياسة «الانقلابات»،» الشروق، 2013/7/1،
<http://shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=01072013&id=8f7b2823-6862-4a0f-98f6-: الإلكتروني الموقع على ab30d07f1d95>.
الجزم بحجم مشاركة الجيش في النشاط الاقتصادي. ولطالما كان مبرر وجود نشاط اقتصادي للجيش هو
تخفيف العبء عن ميزانية الدولة ومساعداتها في القيام بالأعباء الاقتصادية. ووفقًا لتقرير حقائق العالم
World Fact Book() الذي تصدره وكالة الاستخبارات الأميركية، فإن النفقات العسكرية تستهلك
2.2 في المئة من الناتج القومي المحلي. ونجد، من خلال استعراض شركات الإنتاج الحربي، أن هناك شركات كثيرة تابعة للمؤسسة العسكرية،
وهي تدر دخالً مستقالً عن ميزانية الدولة. وتتنوع هذه الشركات بين الصناعات الهندسية والصناعات
الكيميائية والإلكترونية والمعدنية... إلخ، ويراوح نشاطها بين إنتاج معدات عسكرية أو إنتاج معدات
مدنية أو كليهما معًا. لكن ما يجدر الإشارة إليه في هذا المجال هو أن جميع تلك الشركات يرئسها ضباط في
الجيش برتبة لواء. يمكن القول إنه في ظل هذا الحجم الهائل للنشاط الاقتصادي للجيش (غير الخاضع للرقابة)، ستصبح
عملية فرض السيطرة المدنية محل شك إذا حاولت المساس بتلك المصالح الاقتصادية أو إذا حاولت فرض
الرقابة عليها وإبعاد سيطرة الجيش عنها؛ ففي هذه الحالة، سيعارض الجيش عملية فرض السيطرة المدنية
أشد معارضة لأنها ستأتي على حساب مصالحه الاقتصادية. تلك الإمبراطورية الاقتصادية التي يديرها الجيش ويستفيد من ثمارها بشكل أساس قادته الكبار قد
ساهمت في الحفاظ على تماسك الجيش، أكان قبل الثورة أم في أثناء إدارته للمرحلة الانتقالية. وحتى بعد
عزل مرسي، لم يحدث في صفوف الجيش أي انشقاقات.
-4 دوائر المنافسة بين السلطة المدنية والقوات المسلحة
يؤكد النموذج الذي تتبنّاه الدراسة لتحليل العلاقات المدنية العسكرية في مصر أن هناك خمس دوائر رئيسة
تتنافس في السيطرة عليها المؤسسة العسكرية والنخب المدنية. وسنعرض في ما يلي لتلك المنافسة وتطورها
في ثلاث مراحل متتالية: ما قبل الثورة، ثم في المرحلة الانتقالية، وأخيرًا بعد انتخاب مرسي رئيسًا.
أ- تجنيد أو توظيف النخبة
(1) قبل الثورة بدأ اختراق أعضاء المؤسسة العسكرية للحياة العامة المصرية مع ثورة تموز/ يوليو 1952؛ فعقب تلك
الثورة، كان العسكريون هم المرشحين المُثل للمناصب الوزارية الحساسة، فخلال الفترة 1970 -1952
مثّل الوزراء المدنيون نسبة 64.4 في المئة من إجمالي عدد الوزراء، ولكن الوزراء العسكريين سيطروا على
المناصب الوزارية المهمة. وقد خفت حدة إشراك العسكريين في التشكيلات الوزارية مع تويلّ السادات
للحكم، فكانت نسبة الوزراء المدنيين في عهده 80 في المئة في مقابل 20 في المئة للعسكريين.
25 Chérine Chams El-Dine, «The Military and Egypt’s Trans-formation Process: Preservation of the Military’s Reserve Domains,» (SWP Comments; 6, German Institute for International and Security Affairs, February 2013), p. 3, on the Web: <http://www.swp-berlin.org/fileadmin/contents/products/comments/2013C06_ced.pdf>. 26 <https://www.cia.gov/library/publications/the-world-factbook/geos/eg.html#top>.
27 يدير الجيش مجموعة واسعة من شركات الصناعات الهندسية (9 شركات) والكيميائية (3 شركات) والإلكترونية (شركة واحدة)
والمعدنية (شركتان)، ومراكز للتدريب ومراكز أخرى تابعة للإنتاج الحربي، تخرج منتجات مدنية على المستوى نفسه أو على مستوى أعلى
من المنتجات العسكرية. انظر الموقع الإلكتروني: <http://www.momp.gov.eg/Ar/Facts.aspx>.
28 على الدين هلال، تطور النظام السياسي في مصر، -1805 2005، ط 10(القاهرة: جامعة القاهرة، مركز البحوث والدراسات
السياسية، 2009)، ص -174.203
وفي عهد مبارك كذلك، قلّت مشاركة العسكريين في المناصب الوزارية أو كادت أن تنعدم باستثناء
الوزارات ذات الطابع العسكري كوزارة الدفاع ووزارة الإنتاج الحربي. بيد أنه ظهر للعسكريين دور آخر
منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، إذ اخترقوا الجهاز الإداري للدولة وشغلوا فيه مناصب مرموقة
على قمة الأجهزة الرقابية والإدارية العامة وكذلك في الإدارات المحلية. ولا أدل على ذلك من أن الأجهزة
الرقابية الرئيسة في مصر، كهيئة الرقابة الإدارية والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، كانت توكل رئاستها
إلى ضباط متقاعدين. (2) بعد الثورة لم يتغير الكثير في الدور الذي أدته المؤسسة العسكرية في تجنيد النخبة المصرية بعد الثورة، بل استفاد المجلس
العسكري من انفراده بالسلطتين التشريعية والتنفيذية - وفق الإعلان الدستوري في آذار/ مارس 2011
– إذ أصبح المسيطر الفعلي على جميع التعيينات في المستويات العليا. ويلاحظ أن المجلس العسكري كان
طوال المرحلة الانتقالية يدافع عن رجالات الجيش في المناصب المرموقة، ويتمسك بهم إلى أبعد درجة، كما
حدث مع الفريق أحمد شفيق. وبالنسبة إلى الإدارة المحلية، توسع انتشار ضباط متقاعدين في مناصب المحافظين؛ إذ شهد آب/ أغسطس
2011 تغيير عشرة محافظين، كان من بين المعيّنين الجدد خمسة ضباط متقاعدين. (3) بعد انتخاب مرسي أصدر المجلس العسكري قبل أن يغادر الساحة السياسية ويسلّم السلطة إلى الرئيس مرسي، إعلانًا دستوريًا
احتفظ من خلاله بسلطة التشريع حتى انتخاب مجلس شعب جديد، كما احتفظ بالحق في الاعتراض على
مواد الدستور التالي. وفي أيام معدودة، ألغى مرسي الإعلان الدستوري واستعاد كامل سلطاته، ثم أقال
قيادات المجلس العسكري. ع مرسي لدى ممارسته سلطاته كرئيس منتخب مجلس وزراء جديدًا واستثنى أعضاء المجلس العسكري
أو الجيش عمومًا. كما أقال في آب/ أغسطس 2012 كلاًّ من رئيس الحرس الجمهوري ومدير المخابرات
العامة ورئيس الشرطة العسكرية. وأجرى تعديلات على مناصب المحافظين، فعنيّ عشرة محافظين جددًا،
منهم ثلاثة فقط من الجيش، للمحافظات الحدودية، وتضمن التعديل إقالة اثنين من الضباط سبق أن
عيّنهما المجلس العسكري في آب/ أغسطس 2011 محافظين للمنيا وأسيوط. وتم ذلك كله بصورة
متدرجة. لكن الأمر الغريب هو أن مرسي عنيّ ثلاثة ضباط جيش في مجلس الشورى الذي أصبح مسؤوالً
عن عملية التشريع بصفة مؤقتة إلى حين انتخاب مجلس شعب جديد. وبعد 3 تموز/ يوليو 2013، عاد الجيش إلى المشهد السياسي مرة أخرى وأصبح فاعالً رئيسًا في تجنيد النخبة
المصرية بعد عزل السيسي للرئيس مرسي. فبالرغم من أن المجلس العسكري ليس الرئيس الفعلي للبلاد،
كما كانت الحال عقب ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011، فإنه هو من وضع خارطة المستقبل ومن ضمن
29 لمزيد من التفاصيل، انظر: Yezid Sayigh, “Above the State: the Officers’ Republic in Egypt,”(Carnegie Paper, Carnegie
Endowment for International Peace, August 2012), pp. 10-17.
30 الهيئة العامة للاستعلامات، « د.عصام شرف يعتمد حركة المحافظين الجدد وتشمل 11 محافظا،ً» (5 آب/ أغسطس 2011)، على
. <http://www.sis.gov.eg/ar/Story.aspx?sid=50069> الموقع الإلكتروني:
31 الشروق،.2012/12/24
تنفيذها كما أعلن السيسي في البيان الذي عزل فيه مرسي. كما إن قيام القيادة العامة للقوات المسلحة بالاجتماع
إلى القوى الوطنية والدينية والشباب قبل إلقاء بيان 3 تموز/ يوليو، بالإضافة إلى وجود تلك الرموز الوطنية
في أثناء إلقاء هذا الخطاب، يشير إلى أن القوات المسلحة تُظهر حرصها على أالّ تنفرد بإدارة البلاد.
ب- صنع السياسات العامة
شهدت فترتا حكم عبدالناصر والسادات حتى حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 اشتراك القوات
المسلحة في صنع السياسات العامة؛ إذ كان يجري تعبئة الاقتصاد المصري وموارده لخدمة الحروب
التي تخوضها مصر إلى أن انتهى اقتصاد الحرب مع بدء محادثات السلام مع إسرائيل. ومع بداية تطبيق
سياسة الانفتاح الاقتصادي في عصر السادات، انكمش دور القوات المسلحة في صنع السياسات العامة.
وسار مبارك على النهج ذاته؛ إذ حرص على إبعاد المؤسسة العسكرية عن المجال العام قدر الإمكان، مع
حرصه على ضمان الولاء المطلق من جانب وزير الدفاع. فقد أشيع أن ارتفاع شعبية المشير أبوغزالة كان
أحد أسباب إقالته من منصب وزير الدفاع سنة 1989.وجاء بعد أبوغزالة كلٌّ من الفريق أول يوسف
أبوطالب (1991-1989) والمشير طنطاوي. كما أن الدولة الأمنية التي أنشأها مبارك استبعدت الجيش من الحياة العامة، وأحلت محله جهاز الشرطة الذي
كان يعتمد عليه مبارك بصورة مطلقة في قمع المعارضين له وفي مواجهة الإرهابيين. كما ازداد انتشار ضباط
الشرطة المتقاعدين في المناصب القيادية في الإدارة المحلية، فشغلوا مناصب رؤساء مدن ومحافظين وغير ذلك. مع تنحّي مبارك وتسليمه إدارة البلاد للمؤسسة العسكرية، غدا المجلس العسكري يتمتع باستقلالية
تامة في وضع السياسات العامة، إذ جمع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وقد استمر انفراد المجلس
العسكري بجميع السلطات حتى انتخاب مجلس الشعب الذي استرد سلطة التشريع من المجلس
العسكري. وفى الفترة التي انفرد فيها الجيش برسم السياسات العامة، لم يُعر مطالب القوى الثورية
اهتمامًا، بل أصدر قانونًا لتجريم بعض حالات الاعتصام والإضراب يوم الخميس الواقع فيه 24 آذار/
مارس 2011 وسط اعتراضات حقوقية عليه. وقامت في اليوم التالي قوات الشرطة العسكرية بفض
اعتصام ميدان التحرير بالقوة وألقت القبض على عدد من المتظاهرين. وقد حافظ إعلان آذار/ مارس
2011 على مجلس الشورى ونسبة العمال والفلاحين رغم وجود اعتراضات عليهما. كما قام بتعديل
قانون الأحزاب يوم 28 آذار/ مارس 2011، وشدّد أحكام قانون العقوبات، وأجرى تعديلات في
قيادات المؤسسات الصحافية القومية. ثم قام المجلس بإصدار إعلان دستوري في 25 أيلول/ سبتمبر
2011 لتحصين مجلس الشعب إزاء الطعن في عدم دستوريته، وهذا من خلال تضمين نظام الانتخابات
في الإعلان الدستوري. واختتم سلطة التشريع بتعديل قانون تنظيم الأزهر وإصداره في يوم انعقاد الجلسة
الأولى لمجلس الشعب، إلا أنه أعطى تاريخًا سابقًا له هو 19 كانون الثاني/ يناير، أي قبل انعقاد المجلس
بأيام معدودة، بحسب قول الكاتب الصحافى فهمي هويدي. ويشير هذا إلى تمسك المجلس العسكري
32 «العفو الدولية» تدعو إلى إلغاء قانون «تجريم التظاهر».. وتعتبره خطوة مفزعة للوراء، المصري اليوم،.2011/4/1
33 «سياسيون يتفقون على ضرورة إلغاء مجلس الشورى ونسبة ال ٠٥% عمال وفلاحين»، المصري اليوم،.2011/4/1
34 المصري اليوم،.2011/3/31
35 فهمى هويدي، «مطلوب تحقيق،» السبيل (الأردن)، 2012/1/26، على الموقع الإلكتروني: <http://fahmyhoweidy.blogspot.
com/2012/01/blog-post_26.html>.
بسلطة التشريع حتى آخر لحظة، إلى أن تسلّمها مجلس الشعب المنتخب في 21 كانون الثاني/ يناير.2012
وواصل المجلس العسكري حتى انتخاب مرسي التحكم في صنع السياسات العامة باستثناء سلطة التشريع
التي انتزعها منه البرلمان المنتخب، إلى أن استردها المجلس العسكري مرة أخرى بعد حكم المحكمة الدستورية
ببطلان قانون مجلس الشعب وصدور قرار بحله بناء على هذا الحكم. ولم يكتف المجلس باستعادة سلطة
التشريع وفقًا للإعلان الدستوري المكمل الذي أصدره في 17 حزيران/ يونيو 2012 خلال الجولة الثانية
لانتخابات الرئاسة، وإنما خصّ نفسه - بمقتضى الإعلان ذاته- بتشكيله القائم بتقرير كل ما يتعلق بشؤون
القوات المسلحة وتعيين قادتها ومد فترة خدمتهم، كما اشترط موافقة المجلس العسكري على قرار رئيس
الجمهورية بإعلان الحرب، وأضاف أيضًا شرط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على قرار الرئيس
باشتراك القوات المسلحة في مهمات حفظ الأمن وحماية المنشآت الحيوية في الدولة في أوقات الاضطرابات.
كما خصّ نفسه بتشكيل جمعية تأسيسية جديدة إذا قام مانع يحول دون استكمال الجمعية لعملها. ومنح هذا
الإعلان الدستوري رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة حق النقض في شأن مواد الدستور الجديد، إلا أنه
جعل بتَّ هذا الاعتراض من صلاحيات المحكمة الدستورية العليا. (1) بعد انتخاب مرسي رئيسًا تمثّلت أول خطوة لمرسي من أجل مواجهة طغيان سلطات العسكر في المجال السياسي في القرار الذي
أصدره في 8 تموز/ يوليو 2012 بإلغاء قرار المشير طنطاوي بحل البرلمان. وكانت المحكمة الدستورية
قد ألغت قرار مرسي بعودة المجلس بعد صدور القرار بثلاثة أيام فقط. المثير للانتباه هنا هو أن أعضاء
جماعة الإخوان المسلمين بدأوا يتدفقون على ميدان التحرير بعد صدور قرار مرسي مباشرة، لدعمه في هذا
القرار ضد المجلس العسكري. وكان من الواضح أن المجلس العسكري متمسك بالسلطات التي منحها لنفسه في الإعلان الدستوري
الذي أصدره قبل إعلان فوز مرسي بالرئاسة، ومن ضمنها سلطة التشريع؛ إذ أصدر في 15 تموز/ يوليو
2012 خمسة قوانين جديدة، وأبرمها مرسي في مبادرة منه لعدم اعتراضه على تمتع المجلس العسكري بهذا
الاختصاص. إلا أن إقالة المشير طنطاوي ومعظم أعضاء المجلس العسكري بعد هذا بأسابيع قليلة أثبتت
خطأ هذا الاعتقاد، وأوضحت أن الرئيس مرسي كان ينتظر الوقت الملائم ليقتنص باقي صلاحياته. ومع مضي الوقت وتشكيل الحكومة والفريق الرئاسي وإلغاء الإعلان الدستوري الذي أصدره المجلس
العسكري، أصبح من الواضح أن مرسي ومِن خلْفه جماعة الإخوان المسلمين أصبح لهما سيطرة كبيرة على
عملية صنع السياسات العامة، وأن المجلس العسكري توارى إلى خلفية المشهد. إلا أن استمرار انتشار ضباط
الجيش المتقاعدين في أجهزة الإدارات المحلية أبقى على بعض نفوذ الجيش في مجال صنع السياسات العامة. كما أن ازدياد الاحتقان بين مؤيدي الرئيس مرسي ومعارضيه في تشرين الثاني/ نوفمبر وكانون الأول/
ديسمبر 2012، بعد إصدار مرسي إعلانًا دستوريًا اعترضت عليه الأحزاب والقوى الثورية، قد أعاد
المؤسسة العسكرية إلى المشهد السياسي وصنع السياسات العامة، من خلال توجيه الجيش دعوة للحوار
بين القوى السياسية بحضور رئيس الجمهورية تحت عنوان «لمِّالشمل» في 12 كانون الأول/ ديسمبر
36 المصري اليوم،.2012/6/18
37 المصري اليوم،.2012/7/9
2012. وقد كشفت تلك الدعوة عن انعدام التنسيق بين المؤسسة العسكرية ومؤسسة الرئاسة، إذ نفت
وكالة الأنباءالرسمية بعد فترة قصيرة صحة الدعوة على لسان مصدر عسكري. كما أصدرت الرئاسة بيانًا
أكدت فيه أنها وجهت الدعوة إلى باقي القوى السياسية التي لم تشارك بعدُ في الحوار الوطني الذي دعا
إليه رئيس الجمهورية برئاسة نائبه المستشار محمود مكي، من دون أي إشارة إلى دعوة وزير الدفاع. وقد
أكد حينها اللواء محمد العصار مساعد وزير الدفاع على وجود الدعوة، وأن الحوار ليس حوارًا سياسيًا بل
هو في إطار لمِّشمل الأسرة المصرية. كما أشار إلى أن القوات المسلحة لا تتدخل في السياسة، وأنها خرجت
من المشهد ولن تعود. وقد أورد الفريق أول السيسي في بيان 3 تموز/ يوليو 2013 أن القوات المسلحة
حاولت أكثر من مرة منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 إجراء مصالحة وطنية بين جميع القوى السياسية،
بما فيها مؤسسة الرئاسة. وأشار في كلمته إلى أن دعوة الحوار في كانون الأول/ ديسمبر 2012 استجابت
لها القوى السياسية الوطنية كلها إلا أنها قوبلت بالرفض من مؤسسة الرئاسة في اللحظات الأخيرة. ومع اقتراب 30 حزيران/ يونيو 2013، عاد الجيش إلى المشهد السياسي مجدَّدًا؛ ففي 23 حزيران/ يونيو
كرر الفريق أول السيسي دعوته الجميع إلى إيجاد صيغة تفاهم لعبور الأزمة بأمان، وأكد أن إرادة الشعب
المصري وحدها هي التي تحكم القوات المسلحة، وأن القوات المسلحة مسؤولة عن حماية تلك الإرادة. كما صدر عن القوات المسلحة في 1 تموز/ يوليو 2013 بيان يمهل الجميع 48 ساعة لحل الأزمة، وانتهى
بعزل مرسي وتنصيب رئيس المحكمة الدستورية رئيسًا للجمهورية في 3 تموز/ يوليو، كما سبق أن أشرنا.
وبهذا تكون المؤسسة العسكرية قد عادت إلى صدارة عملية صنع السياسات العامة، إلا أن الحكومة
مُنحت، وفقًا للتصريحات المختلفة، كامل الصلاحيات.
ج- التحكم في الأمن الداخلي
(1) قبل الثورة بعد أن خفّت حدة عسكرة الدولة وتراجع تدخّل القوات المسلحة في الأمن الداخلي مع تويلّ مبارك
للحكم، حدث أن استُدعيت القوات المسلحة إلى شوارع القاهرة سنة 1986 للسيطرة على انتفاضة الأمن
المركزي وفرض حظر تجوال يومًا كامالً. وقد أدرك مبارك حينها مدى خطورة استدعاء القوات المسلحة
للتصدي لحدث سياسي. لذا، حاول منذ إقالة المشير أبو غزالة الحيلولة قدر المستطاع دون إشراك القوات
المسلحة في مسائل الأمن الداخلي. وقد كانت الدولة البوليسية التي أنشأها مبارك في أواخر حكمه تعمل
على إبعاد الجيش عن مسائل الأمن. (2) بعد الثورة كانت مهمات حفظ الأمن الداخلي بعد الثورة مباشرة مقتصرة على الجيش الذي كان يتوىلّ فض
الاعتصامات وتأمين المنشآت، ومواجهة الحوادث الطائفية كالتي شهدتها منشأة ناصر في القاهرة يوم
38 <http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&article=708331&issueno=12433#.UkOBKoaAofw>.
39 نص بيان الجيش المصري بعزل مرسي، على الموقع الإلكتروني: <http://www.alhadath-yemen.com/news28390.html>.
40 خطاب السيسي في أثناء حضوره الندوة التثقيفية الخامسة في مسرح الجلاء، 23 حزيران/ يونيو 2013، على الموقع الإلكتروني:
<http://www.youtube.com/watch?v=z3Y0qnK-xCA>.
41 تم الترويج بشدة لهذا الانطباع بعد الثورة لكن لم يتسنَّ للباحث التأكد منه بشكل منهجي.
9 آذار/مارس 2011 وغيرها. ولم يكن للشرطة أي دور يذكر في تلك المرحلة، وهو ما كان يؤكد
قبضة العسكر على الحكم، فهُم المتحكمون في الأمن الداخلي والمدافعون عنه. وبعد تنحّي مبارك،
سيطر المجلس الأعلى للقوات المسلحة على جهاز مباحث أمن الدولة وعلى جهاز المخابرات العامة،
واستخدمهما للحفاظ على الأمن الداخلي. وقد أعلن المجلس العسكري تفعيل قانون الطوارئ واتخاذ الإجراءات الرادعة ضد التظاهرات التي
تعطل حركة العمل ردًا على حوادث السفارة الإسرائيلية في 9 أيلول/ سبتمبر 2011. وطوال الفترة
الانتقالية، كانت الشرطة العسكرية، جنبًا إلى جنب مع الشرطة المدنية، المسؤولتين معًا عن حفظ الأمن
الداخلي في مصر. (3) بعد انتخاب مرسي كان أهم التحديات التي واجهت مرسي عقب انتخابه هو إصلاح المنظومة الأمنية، حتى أنه أكد عودة
الأمن ضمن وعود أول مئة يوم له في الرئاسة. وعلى الرغم من أنه غريّ وزير الداخلية، فإنه لم يتمكن من
إصلاح أو إعادة هيكلة الوزارة كما كان يطالب الكثيرون. كما اضطر مرسي إلى استدعاء القوات المسلحة
عدة مرات للحفاظ على التوازن الأمني الهش. وفي أعقاب الهجمات الإرهابية في سيناء في آب/
أغسطس 2012، أكد الجيش أنه الفاعل الوحيد القادر على الحفاظ على الأمن في سيناء، وذلك من خلال
الكم الهائل من المعدات العسكرية التي أُرسلت إلى سيناء للمشاركة في عملية تطهيرها من «الجهاديين». وأثبت الجيش أن من غير الممكن الاستغناء عنه في الحفاظ على الأمن الداخلي؛ ففي عملية الاستفتاء على
الدستور، وفي ظل ضعف الشرطة الواضح، كان لقوات الجيش دورها الرئيس في تأمين سلامة سير عملية
الاستفتاء. وليس من المتوقّع ان يخرج الجيش في المدى القريب من معادلة الحفاظ على الأمن الداخلي،
خاصة في ظل الأوضاع الأمنية المتوترة التي انتهت بقيام جماعات إرهابية باختطاف سبعة جنود في سيناء
والمطالبة بالإفراج عن معتقلين تابعين لها. ويتأكد ذلك في ظل تدخّل الجيش وعزله لمرسي وإعادة نشر
أفراد القوات المسلحة ومعدّاتها في جميع المدن المصرية. لكن، بعد مضي عامين ونصف عام على ثورة 25
كانون الثاني/ يناير 2011 وما تلاها من انفلات أمني وجفاء بين الشرطة والمواطنين، يمكن أي مراقب
دقيق أن يلاحظ عودة جاهزية الشرطة نوعًا ما. ويضاف إلى ذلك الأثر الإيجابي الذي خلّفه خلع مرسي
على العلاقة بين المواطنين والشرطة، إذ أخذ الناس يستقبلون قوات الشرطة بالهتاف لها كلما نزلت إلى
الميادين لفضّ الاشتباكات بين مؤيدي عزل مرسي ومعارضيه. إلا أن الوضع الأمني بلغ عقب عزل الرئيس مرسي حالة يرثى لها، فالقاهرة وكثير من المحافظات تشهد
يوميًا اشتباكات دامية تخلّف عشرات القتلى ومئات الجرحى بين مؤيدي مرسي ومعارضيه، كما عادت
اللجان الشعبية إلى المشهد مرة أخرى في القاهرة والمحافظات، في ظل استخدام طرفي النزاع أسلحة بيضاء
وذخيرة حية في الاشتباكات، وهو ما ينذر بازدياد تدهور الوضع الأمني بما قد يترتب عليه مطالبة البعض
بتويلّ العسكر مقاليد السلطة واللجوء إلى إجراءات استثنائية ضد مؤيدي الرئيس المعزول، الأمر الذي قد
يعرقل فرض السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية.
42 لعل أشهرها تلك المرة التي استدعي فيها الجيش وحاول فرض حظر التجوال على مدن القناة عقب الحكم على المتهمين بقتل
مشجعي النادي الأهلي في مجزرة بورسعيد الشهيرة.
د- مجال الدفاع الخارجي
بالنسبة إلى مجال الدفاع الخارجي، من البديهي أن يكون من مسؤولية القوات المسلحة، لكن مسار الخلاف
والنزاع هنا بين النخب المدنية والجيوش في مختلف دول العالم التي تشهد تحوالً ديمقراطيًا يكمن في الجهة
التي تملك اليد العليا، أو بمعنى آخر الجهة التي تتخذ القرارات الحاسمة. بالنسبة إلى الحالة المصرية، لم يتغير الكثير في هذا الخصوص بعد الثورة عامّ كانت عليه الحال قبل الثورة؛
فوفقًا للدستور الجديد، ما زال رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة (مادة 146). كما أنه
يملك الحق في إصدار قرار الحرب بعد موافقة البرلمان. إلا أن الأمر الذي اختلف عامّ قبل هو مجلسا الدفاع
الوطني والأمن القومي اللذان أنشأهما الدستور الجديد وجمع في عضويتهما بين المدنيين والعسكريين؛ إذ
يُتوقع من هذا الجمع أن يزداد اضطلاع النخب المدنية في مسائل الدفاع الخارجي والأمن القومي. إلا أن
غموض وظائف كلٍّ من المجلسين قد يفتح الباب أمام سيناريوات مختلفة في المستقبل. بيد أن الحالة بعد 30 حزيران/ يونيو 2013 أعادت الغموض إلى وضع النخب المدنية حيال الدفاع
الخارجي نظرًا إلى تعطيل العمل بالدستور وعودة الضبابية إلى المشهد مرة أخرى كما كانت الحال قبل
إصدار دستور كانون الأول/ ديسمبر.2012 ويُعتبر التحكم في مؤسسة الجيش من أكثر المسائل حساسية في العلاقات المدنية – العسكرية؛ فإذا ما تيسر
للنخب المدنية الجديدة أن تتحكم في هيكل القوات المسلحة وتنظيمها الداخلي، يكون فرض السيطرة
المدنية في غاية السهولة. وفي الحالة المصرية، حرص المجلس العسكري على ألا يتوىلّ منصب وزارة الدفاع
شخص غير عسكري، وهذا ما نص عليه الدستور الجديد. كما حرص الجيش، كي يكمل سيطرته على
هيكله وتنظيمه الداخلي، على تأمين أغلبية للعسكريين في مجلس الدفاع الوطني الذي يتمتع باختصاصات
شتى، من بينها مناقشة ميزانية القوات المسلحة؛ إذ إن الدستور الجديد خصّ هذا المجلس بتلك الوظيفة.
كذلك حرص المجلس العسكري على الإبقاء على المحاكمات العسكرية للمدنيين، بل وضمّنها في الدستور
الجديد، بحيث يحاكَم المدنيون عسكريًا في حال ارتكابهم جرائم ضد القوات المسلحة. ويمتد أثر ثورة 30 حزيران/ يونيو كذلك إلى مجال التحكم في مؤسسة الجيش؛ فمع عودة الجيش مرة
أخرى إلى صدارة المشهد السياسي، لا يُتوقع أن تتمكن النخب المدنية الجديدة من التحكم في مؤسسة
الجيش حتى انتخاب رئيس جديد على الأقل. ختامًا يمكن القول إن الرئيس مرسي تمكّن إلى حد ما من قلب التوازن لمصلحته في الدائرتين الأوليين
(تجنيد النخبة وصنع السياسات العامة) على الأقل، إلا أن الحديث عن فرض السيطرة المدنية بالكامل في
المستقبل القريب يظل محض آمال غير واقعية.
ثالثًا: مستقبل السيطرة المدنية في مصر
على الرغم من أن إدارة مرسي للمرحلة الانتقالية كشفت عامّ يشبه الاستراتيجيا المدروسة لفرض السيطرة
المدنية، أو لنقل ولاء القيادة العسكرية إلى الإدارة المدنية الجديدة على أقل تقدير، فإن الجيش المصري
خالف التوقعات كلها بتصدّيه الواضح والتدريجي للنظام الحاكم. وقد اختلفت الاستراتيجيات التي
اتبعها الرئيس مرسي بين ترضية القيادة العسكرية واختيار القيادات بناء على الولاء، ووضع آليات لمعاقبة
العسكريين أو مكافأتهم، وأخيرًا فرض الرقابة على العسكريين.
إلا أن حركة الجيش المناصرة لتظاهرات 30 حزيران/ يونيو 2013 ضد نظام الإخوان المسلمين والرئيس
مرسي، وعودته مرة أخرى إلى المشهد السياسي بعزله للرئيس أثبتتا فشل تلك الاستراتيجيا في إبعاد
العسكر عن المشهد. سندرس في ما يلي تحرك الجيش في 30 حزيران/ يونيو لمعرفة أسبابه وما يمكن
استنتاجه من هذا بالنسبة إلى عقيدة الجيش المصري ومستقبل العلاقات المدنية - العسكرية في مصر. لكن
قبل ذلك، سنتعرض للاستراتيجيات التي استخدمتها النخب المدنية لفرض السيطرة المدنية على المؤسسة
العسكرية منذ شباط/ فبراير 2011 وحتى حزيران/ يونيو 2013 لمعرفة ما إذا كان هناك نقص أدى إلى
المشهد الحالي.
-1 استراتيجيات فرض السيطرة المدنية في عهد مرسي
أ- ترضية العسكر تمثّلت الخطوة الأولى في تعامل مرسي مع المؤسسة العسكرية في ترقية بعض القادة واستبدال آخرين،
وترضية بعض المقالين بنياشين أو بمناصب مرموقة في أجهزة الدولة أو بمناصب وزارية؛ ففي أول وزارة
شكّلها هشام قنديل في 2 آب/ أغسطس 2012، احتفظ المشير طنطاوي بمنصبه كوزير دفاع، ليقال
بعدها بأيام معدودة عقب الهجوم الإرهابي على جنود الجيش المصري في سيناء. وقد أقيل معه الفريق عنان
وبعض الأعضاء البارزين في المجلس العسكري نتيجة تداعيات ذلك الهجوم الإرهابي. إلا أن المقالين لم
يغادروا القوات المسلحة خاليي الوفاض، فعقب إحالتهم إلى التقاعد بيومين فقط، منح الرئيس مرسى
المشير طنطاوي وسام قلادة النيل، وهو الوسام الأعلى في مصر، كما منح الفريق عنان وسام الجمهورية،
وعيّنهما مستشارَين لرئيس الجمهورية.
وجرى تعيين اللواء عبد الفتاح السيسي- أحد أعضاء المجلس العسكري ومدير المخابرات الحربية –
وزيرًا للدفاع وقائدًا عاما للقوات المسلحة بعد ترقيته إلى رتبة فريق أول.كما عنُيّ اللواء صدقي صبحي –
قائد الجيش الثالث الميداني وأحد أعضاء المجلس العسكري أيضًا- قائدًا لأركان الجيش المصري بعد
ترقيته إلى رتبة فريق.
وبالنسبة إلى باقي أعضاء المجلس العسكري، فقد احتُفظ ببعضهم بينما أُقيل البعض الآخر وعنُيّ في
مناصب مرموقة، وهذا ما حدث مع قادة ثلاثة أفرع رئيسة في الجيش المصري، إذ أُعفي الفريق مهاب
مميش، قائد القوات البحرية، من منصبه وعنُيّ رئيسًا منتدبًا لهيئة قناة السويس، وهي إحدى أكبر الهيئات
المدرّة لعوائد مالية على خزينة الدولة. كما عنُيّ الفريق عبدالعزيز سيف الدين - قائد قوات الدفاع الجوي
- رئيسًا لمجلس إدارة الهيئة العربية للتصنيع، وعنُيّ الفريق طيار رضا حافظ، قائد القوات الجوية، وزيرًا
للإنتاج الحربي في وزارة الدكتور هشام قنديل. الجدير بالذكر هنا هوأن اللواء محمد العصار صرح لوكالة رويترز للأخبار أن إعادة تشكيل المجلس الأعلى
للقوات المسلحة جرت بالتشاور مع المشير طنطاوي وباقي أعضاء المجلس. كما أكدت تسريبات صحافية
43 «مرسي يمنح المشير طنطاوي الوسام الأعلى في مصر: أصدر قرارا جمهوريا بتعيين قادة جدد للقوات الجوية والبحرية والدفاع
الجوي،» (العربية نت، 2012/8/14)، على الموقع الإلكتروني: <http://www.alarabiya.net/articles/2012/08/14/232265.html>.
للحوار الأخير بين الفريق أول السيسي والرئيس مرسي قول السيسي إن تولّيه منصبه كان برغبة الجيش
كله لا برغبة مرسي. وتجدر الإشارة ايضًا إلى التغير العمري في تشكيل المجلس العسكري الجديد؛
فالفريق عبدالفتاح السيسي الذي عنُيّ وزيرا للدفاع ما زال في الخمسينيات مقارنة بطنطاوي الذي تقترب
سنّه من الثمانين (78 عامًا بالتحديد).
وقد تشير تلك التعيينات - إذا استُعرضت في ضوء تصريحات اللواء محمد العصار- إلى وجود نوع من
اتفاقات الخروج الآمن التي جرت بموجبها تنحية قادة المجلس العسكري وضمان أمانهم واستبدالهم
بأعضاء أصغر سنًا من قيادات القوات المسلحة. ب- اختيار القيادات بناء على الولاء كان أول القرارات التي اتخذها مرسي بخصوص الجيش يتعلق بالتخلص من القيادات التي لا تدين
له بالولاء؛ ففي آب/ أغسطس 2012، أقال كلاًّ من قائد الحرس الجمهوري ومدير المخابرات العامة
ورئيس الشرطة العسكرية، ثم أقال المشير طنطاوي وباقي أعضاء المجلس العسكري الرئيسين بالطريقة
التي عرضنا لها من قبل. وقد اتجه أغلب الآراء إلى أن مرسي استغل التنافس والصراع الخفي بين المشير طنطاوي والجيل الأصغر
من قيادات الجيش، مع التيقن من حصول طنطاوي وعنان على خروج مشرّف بتقليدهم أوسمة الشرف
السابق ذكرها. ج- نظام مكافأة المؤسسة العسكرية أو معاقبتها يُعتبر قيام النخب المدنية الجديدة بمكافأة المصيب ومعاقبة المخطئ من قيادات القوات المسلحة من
الاستراتيجيات التي تستعرض من خلالها النخب المدنية الجديدة سيطرتها على القوات المسلحة، وتؤكد
هذه السيطرة في آن معًا. وقد قام الرئيس مرسي منذ تولّيه الحكم بمعاقبة العديد من قادة القوات المسلحة
بإحالتهم إلى التقاعد بقرارات رئاسية واستبدالهم بغيرهم، فأقال مدير المخابرات في اليوم التالي لهجمات 5
آب/ أغسطس 2012 على جنود للجيش بسيناء، كما أقال قائد الشرطة العسكرية الذي كان مسؤوالً عن
تأمين سلامة جنازة شهداء الجيش في سيناء في آب/ أغسطس 2012 والتي هوجم فيها رئيس الوزراء
هشام قنديل، علامً بأنه لم يصرح بسبب الإقالة. واستبدل أيضًا قائد الحرس الجمهوري بعد جنازة شهداء
الجيش في سيناء، من دون إبداء الأسباب أيضًا. د- الرقابة على العسكر لم يجرِ قبل عزل مرسي التوصل إلى أي آلية مؤسسية تتمكن من خلالها القيادة المدنية من مراقبة الجيش
وقياداته، إلا أن استبدال طنطاوي وعنان وباقي قيادات المجلس العسكري بقيادات أخرى قد يعطي
44 نُسب إلى السيسي قوله: «أنا مسكت وزيردفاع برغبة الجيش كله ومش بمزاجك وأنت عارف كدا كويس.. وبعدين أنت متقدرش
تشيلني.أنت خلاص لم يعد لك أي شرعية.»
45 «مرسي يحيل المشير طنطاوي والفريق عنان للتقاعد: الرئيس المصري يقرر إلغاء الإعلان الدستوري وتعيين محمود مكي نائبا
للرئيس،» (العربية نت، 2012/8/12)، على الموقع الإلكتروني: <http://www.alarabiya.net/articles/2012/08/12/231883.html>, and “Morsy Assumes Power: Sacks Tantawi and Anan, Reverses Constitutional Decree and Reshuffles SCAF,“ Daily News , 12/8/2012, on the Web: <http://dailynewsegypt.com/2012/08/12/morsy-assumes-power-sacks-tantawi-and-anan- reverses-constitutional-decree-and-reshuffles-scaf/>.
مؤشرًا على أن الرئيس مرسي كان قد أصبح بالفعل في موقع أعلى من قادة الجيش، ما يمكنه من مراقبتهم
وتوجيههم، هذا علاوة على كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة بمقتضى الدستور الجديد.
ووفقًا للدستور الجديد، أُنشئ جهازان مستقلان لمتابعة أمور الجيش بصفة عامة، وهما مجلس الأمن
القومي (ذو الأغلبية المدنية)، ومجلس الدفاع الوطني (ذو الأغلبية العسكرية). ونظرًا إلى عدم وضوح
الفروق بين اختصاصات كلٍّ من المجلسين حتى الآن، فإنه يصعب الجزم بمدى قدرة النخب المدنية على
ممارسة مراقبتها للمؤسسة العسكرية. إلا أن تعطيل العمل بالدستور وعزل الجيش لمرسي يعكسان عودة
الجيش إلى خارج نطاق مراقبة النخب المدنية، كما كانت الحال في المرحلة الانتقالية الأولى، ولا يتصورنّ
أحد أن تراقب النخبة التي عينتها المؤسسة العسكرية من عيّنها.
بعد استعراض الاستراتيجيات السابقة التي استخدمها الرئيس مرسي في العام الذي أمضاه في السلطة في
تنحية العسكر عن الساحة السياسية، يمكن القول إن مرسي حاول إلى درجة ما تقديم بعض الحوافز إلى
المؤسسة العسكرية للبقاء خارج المجال السياسي والإذعان للسلطة المدنية المنتخبة. وقد نجح في ذلك إلى
حد ما، إلا أن تحرك الجيش أثبت أن طبيعة الجيش المصري عصية على التحييد في صراع النظام السياسي
مع الجماهير، خاصة في حالة خروج تلك الجماهير إلى الشوارع رفضًا لهذا النظام، وهو ما سيتضح في ما يلي.
-2 حزيران/ يونيو وتداعياته على السيطرة المدنية (خاتمة)
شهد حكم الرئيس مرسي العديد من دعوات التظاهر ضده والعديد من دعوات إسقاط حكمه. وشهدت
تلك التظاهرات سقوط عدد كبير من الضحايا، إلا أن الزخم الذي سبق الدعوة للتظاهر يوم 30 حزيران/
يونيو دفع إلى خروج ملايين المصريين إلى الشوارع بدءًا من يوم الجمعة 28 حزيران/ يونيو رفضًا لحكم
الإخوان ومطالبة بإسقاطه. وقد كانت ردات فعل الرئيس مرسي متأخرة وأدنى من سقف التوقعات،
وكان أن تدخّل الجيش، أولا بإمهال الجميع فرصة ثمان وأربعين ساعة للخروج من الأزمة. ومع مضى
المهلة المحددة وعدم ارتقاء خطاب مرسي إلى مستوى حجم التوقعات، تدخّل الجيش ببيان العزل في 3
تموز/ يوليو، وجرى التحفظ على الرئيس مرسي وتسليم إدارة البلاد إلى رئيس المحكمة الدستورية، مع
ضمان الجيش لإجراءات المرحلة الانتقالية وخطة المستقبل. كان تدخّل الجيش أول مرة بعد ثورة تموز/ يوليو 1952 ذلك الذي جرى في كانون الثاني/ يناير 2011
ثم في حزيران/ يونيو 2013. ويمكن أن نستشف من هذا بعض الملامح التي تميّز تدخّل الجيش المصري
في الحياة السياسية على النحو التالي: • إن مراجعة العوامل المحيطة بالتنافس بين المدنيين والعسكريين في مصر تُظهر أن معظمها يصب في
مصلحة المؤسسة العسكريةالتي تتمتع باستقلالية اقتصادية وتنظيمية واسعة، كما أنها موحدة أمام أي
تدخلات خارجية، ولم يثبت في لحظة من اللحظات أن فيها أجنحة يمكن للمدنيين النفوذ من خلالها
للتدخّل في الشأن العسكري والسيطرة عليه، فضالً عن أن الدراسة أثبتت أن التيارات المدنية تعاني
انقسامات بنيوية وتنظيمية عميقة تمنعها من تبنّي أجندة موحدة في مواجهة المؤسسة العسكرية في مصر.
• الجيش المصري لا يزيح الحاكم متدخالً في الشأن السياسي إلا إذا خرجت الجماهير إلى الشوارع تطالب
بإسقاط هذا الحاكم، كغطاء لأي تدخّل سياسي من جانبها، ذلك بأن زمن الانقلابات العسكرية (بالمعنى
التقليدي) في مصر ولى.
• في أوقات الاضطرابات، وعند اللجوء إلى الجيش لضبط الأوضاع الأمنية في البلاد من خلال انتشار
وحداته، تزداد قدرته التفاوضية مع الحاكم ضغطًا عليه للخروج من الأزمة، وهو أمر من المتوقع أن يتكرر مع أي رئيس مدني تال منتخب في مصر بحيث لن يكون أمام الأخير إلا الإبقاء على دعم عسكري لحكمه وإلا أصبح بقاؤه محل شك. • عقيدة الجيش المصري تتعارض مع التدخّل المباشر في شؤون الحكم. كما أن تجربة تويلّ المجلس
العسكري المرحلة الانتقالية عقب كانون الثاني/ يناير 2011 ترتبت عليها إحباطات للقيادات العسكرية تحول دون تدخّلها لإدارة شؤون البلاد مباشرة، وهو ما انعكس على نموذج التدخّل في تموز/ يوليو
2013، إذ سلمت المؤسسة العسكرية الحكم إلى رئيس المحكمة الدستورية، واكتفت بأن تكون ضامنًا
وحكامً للعملية الانتقالية. • أثبتت التجربة أن هناك حساسية واضحة لدى المؤسسة العسكرية تجاه تيارات الإسلام السياسي، ولاسيما جماعة الإخوان المسلمين. ولاتبدو لأي تيار منتمٍ الى الإسلام السياسي فرصة حقيقة في حكم
البلاد في المستقبل القريب. • أسس الجيش في مصر لإمكانية التدخل في الشأن السياسي مستقبالً، وذلك عبر تفرقته بين ما سامّه الدور الوطني والدور السياسي، وهو ما أكده بيان الجيش؛ إذ إن الدور الوطني للقوات المسلحة يدعوها إلى الوقوف ضد الحاكم الجائر الذي خرج الشعب عليه، وإن كان هذا لا يعني إدارتها لشؤون البلاد وإنما التيقن من تحقق رغبة الجماهير في التخلص من هذا الحاكم، وهو ما يعني بشكل أو بآخر أن الجيش في مصر
لن يحكم مستقبالً ولكنه سيحتفظ لنفسه بحق الفيتو بدعوى تأديته دوره الوطني. ختامًا يمكن القول إن تدخّل الجيش للمرة الثانية في فترة تقل عن ثلاث سنوات يجعل من الصعب فرض
السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية في السنوات المقبلة، خاصة بعد أن نجحت القوات المسلحة في إقناع الشارع بأن تدخّلها في الشأن السياسي ينبع من دورها الوطني لا من دورها السياسي الذي قررت بنفسها
أن تقلله إلى أبعد الحدود. ويمكن القول إن الأيام التالية ستتجه إلى ثلاث سيناريوات في مصر تراوح بين السيطرة العسكرية الكاملة على شؤون البلاد، وهو أمر غير مرجَّح وإن يكن واردًا في ضوء مزاج شعبي مؤيد
للحكم العسكري وفي ظل غياب بديل منظَّم من جماعة الإخوان المسلمين، واتجاه مصر إلى الديموقراطية الكاملة والسيطرة المدنية، وهو سيناريو غير مرجَّح بدوره في ظل المؤشرات التي ظهرت منذ 3 تموز/ يوليو
وحتى الآن، وتُبنيّ أن الجيش ومؤسسات الدولة العميقة، جنبًا الى جانب شبكات المصالح المرتبطة بالنظام
القديم، تدفع في اتجاه مغاير للديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وتشجع على تسلط الجيش على المشهد
السياسي، بينما يبدو أن السيناريو المرجَّح هو أن تشهد مصر حكامً مدنيًا في الواجهة وسيطرة عسكرية من وراء
الستار، يكون فيها الجيش «حكامً» لا حاكامً بين السلطات، وهو ما يعني أن استدعاءه إلى المشهد لن يتوقف عند هذه المرة. وإذا وضعنا ذلك بجوار حقيقة مؤداها أنه بقدر ما تغيب إرادة سياسية حقيقية من أجل توزيع الدخول والثروات ومن أجل الانحياز إلى برامج العدالة المجتمعية، ستظل فئة المهمشين والفقراء في مصر
جاهزة للانفجار في أي لحظة، الأمر الذي يعني في التحليل الأخير أن موجات ثورية وتبديالً للمعادلات السياسية سيكونان سيدَي المشهد في الأجلين المتوسط والطويل.