Return to Article Details ديمقراطية امتلاك الملْكية: رولز وما بعده نظرية

ديمقراطية امتلاك الملْكية: رولز وما بعده نظرية

مراد دياني*

الملخّص

* باحث مشارك في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

الكلمات المفتاحية:
  • الديمقراطية
  • امتلاك الملكية
  • جون رولز
  • الليبرالية
  • الطريق الثالث

نظرية «الطريق الثالثة»

الكاتب: مارتن أونيل وثاد ويليامسون مكان النشر: بريطانيا الناشر: وايلي- بلاكويل تاريخ النشر: 2012 عدد الصفحات 336:

ما انفكّت الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة تُسائل استدامة السياسات النيوليبرالية المؤسِّسة للنظام الرأسمالي المهيمن منذ انهيار القطبية الثنائية الحادّة. في هذا السياق، انتعشت آمال الكثير من المقاربات البديلة من الرأسمالية والاشتراكية معًا، مجدّدةً النقاش بشأن معالم « الطريق الثالثة » الكفيلة برفع تحدّيات الحاضر والمستقبل، أكان ذلك على المستويات الاقتصادية أم على المستويات الاجتماعية والبيئية. في هذا الصّدد تحديدًا، يأتي كتاب ديمقراطية امتلاك الملْكية: رولز وما بعدهليطرح أرضية خصبة للنقاش حول هذه القضايا الجوهرية.

أهمية الكتاب

تنبع أهمية هذا الكتاب من أنه يكاد يكون الكتاب الوحيد الذي يعرض بالتفصيل لنظرية «ديمقراطية امتلاك الملْكية» التي ظلّت عقودًا طويلة غير مألوفة وغير مفهومة بشكلٍ كاف، على الرغم من أنها متُثّل مثالية واعدة للسياسات الاقتصادية وللأشكال المجتمعية البديلة من النظامين الرأسمالي والاشتراكي. في هذا الكتاب الغنيّ، والذي لاقى ترحيبًا واسعًا في العالم الأكاديمي الغربي، جمع محرّرا الكتاب، مارتن أونيل M. O’Neill() وثاد ويليامسون (T. Williamson)، أربعة عشر ورقة بحثية مميَّزة تشمل

مجموعة وافية من الاهتمامات المعاصرة لحقول الفلسفة والعلوم السياسية والاقتصاد السياسي. ويمكن اعتبار الكتاب، وفقًا لذلك، بمنزلة «خارطة طريق» بحثيّة في مجال هذه الحقول المعرفية. تتمثّل إحدى أبرز مزايا الكتاب في التعريف الدقيق بمسار تبلور مفهوم «ديمقراطية امتلاك الملْكية»؛ فهذا المفهوم استخدمه أول مرّة المحافظون البريطانيون في عشرينيات القرن الماضي، قبل أن ينتقل إلى النظرية السياسية على يد الاقتصادي البريطاني جيمس ميد، ليكتسي مع جون رولز وأتباعه دلالات مساواتية أكثر راديكالية. بَيْد أن على الرغم من بعض الاهتمام المتقطّع في العقود الأخيرة، فإن نظرية ديمقراطية امتلاك الملْكية ظلّت زمنًا طويالً غير مستكشَفة إلى حدٍّ كبير، أكان في الفكر السياسي أم في الفكر الاجتماعي المعاصرَيْن. ومن ثمّ تأتي الأهمية البالغة للكتاب في هذه المرحلة الدقيقة بكلّ المقاييس.

ديمقراطية امتلاك الملْكيّة عند جون رولز

ينصبّ اهتمام الكتاب بشكل أساس على جون رولز، كما يبَرُز ذلك بجلاء من خلال عنوانه الفرعي. وعلى هذا الصعيد، نأسف لأن المحرّرين لم يضمِّنا الكتاب مقاالً مُكرّسًا حصريًّا لجيمس ميد ولمساهمته الغنية عن البيان في نشوء وتبلور هذه النظرية. فالاقتصادي البريطاني الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 7719، يُعتبر أول من أصّل تحليليًّا لمفهوم «ديمقراطية امتلاك الملْكية»، إذ إنه قدّمه في كتاب النجاعة والمساواة وتوزيع الملْكية في سنة 4691، من خلال تصوّر للمساواة موصول بتملّك الملْكية، خلافًا للتصوّرات المساواتية الأخرى (الاشتراكية منها والليبرالية) القائمة على تجميع «فائض الموارد» عن طريق الضرائب، ومن ثمّ توزيعها في اللاحق البُعدي (ex post). وبالتالي، فإن تركيز ميد على إعادة توزيع الثّروة بدالً من مجرّد إعادة توزيع الدّخلهو أحد أهم العناصر المُميّزة لمنظور نظرية ديمقراطية امتلاك الملْكية. غير أن مفهوم «ديمقراطية امتلاك الملْكية» لن يكتسي شهرته الحالية سوى مع رولز في كتاب نظرية العدالة سنة 71 91، ذلك أن الكاتب الأميركي سوف يعتبر أن مبادئ العدالة التي أصّل لها يمكن أن تتحقّق، أكان من خلال نظام ديمقراطية امتلاك الملْكية أم من خلال شكلٍ من أشكال الاشتراكية الليبرالية، وبالقطع ليس من خلال مؤسّسات دولة الرّفاه الرأسمالية. في كتاب العدالة كإنصاففي سنة 001، سوف 2يُوضّح رولز هذه الفكرة بشكل أوفى من خلال تأكيده أن دولة الرفاه الرأسمالية ترفض القيمة العادلة للحريات السياسية، على الرغم من أن لديها اهتمامًا أكيدًا بتكافؤ الفرص. فضالً عن ذلك، تسمح دولة الرفاه الرأسمالية بدرجات تفاوتٍ كبيرة جدًّا في ملْكية الأملاك العقارية والأصول الإنتاجية والموارد الطبيعية بحيث إن السيطرة على الاقتصاد (وعلى جزء كبير من الحياة السياسية) تقع بين أيدي قلّةٍ من الناس. وعلى الرغم من أن أساسها ينطوي على رعاية قد تكون سخية جدًّا في بعض الأحيان وتضمن الحدّ الأدنى الاجتماعي اللائق لتغطية الحاجات الأساسية، فإن دولة الرفاه الرأسمالية لم تقم قط على مبدأ المعاملة بالمثل لتنظيم أوجه عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية. في مقابل ذلك، من شأن المؤسّسات الخلفية لديمقراطية امتلاك الملْكية أن تعمل على تفريق ملْكية الثروة ورأس المال، وبالتالي على منع جزءٍ صغير من المجتمع من السيطرة على الاقتصاد، وبشكل غير مباشر، على الحياة السياسية أيضًا. بعبارة أدق، يعتقد رولز أن لدى ديمقراطية امتلاك

4 المصدر نفسه، ص.138-137

الملْكية ميزة حاسمة على دولة الرّفاه، أقلّه على مستويين: أولهما، أن دولة الرّفاه بتركيزها على إعادة التوزيع في ا الّحق البُعدي لا تقوم بشيءٍ لمنع التركيز الحادّ لرأس المال بين أيدي قلّة قليلة، وأن تصبح الثروة دُولَةً بين الأغنياء دون سواهم، وهذا ما سوف يؤدّي إلى تأثير غير متناسب في المجال السياسي ومن ثمّ إلى تركيز مُقابل للسلطة السياسية. وثانيهما، أن دولة الرّفاه تعتبر المتلقيّن لإعادة التوزيع المالية عبارةً عن ضحايا مُسْتَكِنين للظّلم الاجتماعي والاقتصادي الذي يحتاج إلى تصحيح، عوضًا عن كونهم مواطنين كاملين وعلى نفس قدر المساواة مع غيرهم. وفقًا لرولز، القصد من ديمقراطية امتلاك الملْكية «ليس مجرّد شدّ أزر أولئك الذين تلحق بهم خسارةٌ جرّاء حادث أو مصيبة (على الرغم من أنه يجب القيام بذلك)، وإنمّا بالأحرى وضع جميع المواطنين في وضعية تمكّنهم من إدارة شؤونهم على أسس من درجة ملائمة من المساواة الاجتماعية والاقتصادية». يؤكد منظور ما بعد أزمة الرهن العقاري هذا الرأي ويعطي أسبابًا وجيهة لازدراء رولز ل«البنوك الكبيرة ولطبقة الأعمال الرأسمالية الذين يكون هدفهم الرئيس هو ببساطة ربحًا أكبر»، والذين يرغبون فقط في «النموّ الاقتصادي، إلى الأمام وإلى الأعلى دومًا، مع عدم وجود أي نهاية محدّدة في الأفق». بشكلٍ واضح، لا يمكن لمجتمع عادل أن يكون مجتمعًا تحدد المصالح الرأسمالية حصرًا جدول أعماله السياسي وبنية حياته الاقتصادية، كما هو ديدن العديد من البلدان اليوم.

الديمقراطية الاقتصادية كمدخل للديمقراطية السياسية

يُفرد الكتاب جزءًا كبيرًا منه لمناقشة إشكالية التأصيل المعياري لقِيَم العدالة داخل نموذج

5 المصدر نفسه، ص.139

ديمقراطي بديل، فضالعن بلورة مبادئ العدالة التوزيعية في بوتقة تصاميم مؤسّساتية وسياسات وضعية عملية. ومع أنها ليست أبدًا بالمهمّة السهلة، فهذا ما قد أفلح في تحقيقه أونيل وويليامسون عبر تجميعهما لهذه المجموعة القيّمة من الأوراق العلمية. فعبر ربط متجدّد للفلسفة السياسية بالاقتصاد السياسي، يدعونا هذا الكتاب إلى التفكير من جديد في الترتيبات الاقتصادية التي تجعل الديمقراطية ممكنة؛ ففكرة ديمقراطية امتلاك الملْكية هي في الأساس جعل جميع المواطنين في وضع يمكّنهم من إدارة شؤونهم على أساسٍ من درجة ملائمة من المساواة الاجتماعية والاقتصادية. وبالتالي، فإن ديمقراطية امتلاك الملْكية تضع الإطار الدستوري للسياسة الديمقراطية؛ الإطار الذي يضمن الحريات الأساسية والقيمة العادلة للحريات السياسية والمساواة المنصفة في الفرص، ويُنظّم عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية من خلال مبدأ التبادلية. الهدف من ديمقراطية امتلاك الملْكية هو تحقيق فكرة المجتمع – داخل المؤسّسات الأساسية – باعتباره نظامًا منصفًا للتعاون بين المواطنين الذين يُنظَر إليهم باعتبارهم أحرارًا ومتساوين. وهذا يعني، من منظور الهياكل الأساسية للمجتمع، منح المواطنين وسائل الوصول إلى إنتاجية كافية لكي يصبحوا أفرادًا مستقليّن ومتعاونين بشكل كامل. تشتمل هذه الوسائل – وفقًا لرولز – على رأس المال البشري، بالإضافة إلى رأس المال الحقيقي والمعرفة وفهم المؤسّسات، والمهارات المتدرّبة والقدرات المتعلّمة، وما إلى ذلك. حيُاجِج رولز بأن بهذه الطريقة فقط يمكن للبنية الأساسية تحقيق الخلفية المحضة للعدالة الإجرائية من جيلٍ إلى جيل. يعتبر أونيل وويليامسون من جهتهما أن من شأن ديمقراطية امتلاك الملْكية أن تسهر على «التشتيت الواسع لملْكية وسائل الإنتاج»، «مع تحكّم المواطنين - الأفراد في رأس المال الإنتاجي

(وربما مع فرصة للتحك م في أحوال العمل الخاصة بهم)». وفقًا للكاتبين، تشمل هذه الديمقراطية أيضًا فرض قانون ضرائب مهمّة على العقار والميراث والهبات، عاملةً بذلك على الحدّ من ا الّمساواة الواسعة في الثروة، خاصة من جيل إلى جيل. وسوف تسعى هذه الديمقراطية عبر ذلك إلى الحدّ من آثار الثروات الخاصة وثروات الشركات في السياسة، من خلال إصلاح أنظمة حملات التمويل الانتخابية، والتمويل العام للأحزاب السياسية، وغير ذلك من التدابير، لمنع الثروة من التأثير في السياسة. فحتى لو أن ضمان القيمة العادلة للحريات السياسية يمكن أن يتحقّق (نظريًّا) في رأسمالية دولة الرّفاه، فإنه لا يتحقّق (على أرض الواقع) في معظم الحالات الموجودة. فكما تُظهِر الأمثلة الأوروبية العديدة، تظل رأسمالية دولة الرفاه متوافقة مع التمويل العام للحملات الانتخابية، ومع الضمانات الأخرى التي تهدف إلى الحدّ من تأثير الثروات الخاصة في النتائج السياسية. وبالتالي، فإن ما يميّز ديمقراطية امتلاك الملْكية هو التزامها بالتشتيت الواسع لملْكية وسائل الإنتاج، على اعتبار أن هذا ضروري لتلبية المبادئ الرولزية للعدالة، خاصة مبدأ الفرق. وعن طريق تشتيت ملْكية الأصول الإنتاجية على نطاق واسع؛ عن هذه الطريق فقط، يمكن أن نؤكّد أن الناس سوف يحصلون على مناصب الحكم والسلطة، وهو ما يعجز عن تقديمه مجرّد تلقّي مدفوعات الرعاية الاجتماعية. يقترح وحيد حسين من جهته أن الحركة النقابية الديمقراطية سوف تحظى بمستوى أعلى من الديمقراطية في مكان العمل في ظل ديمقراطية امتلاك الملْكية، وعبر مفهوم «الحركة النقابية الديمقراطية»، يقصد الكاتب الترتيبات المؤسّساتية، سوف تضمن «التّمثيل الرسمي لكلٍّ من وجهتي نظر رأس المال والعمل»، ضمن «عدد من الجمعيات الرئيسية في كلّ صناعة أو قطاع من قطاعات الاقتصاد». هذه الجمعيات سوف تلتقي بشكل منتظم لوضع معايير المنافسة بين الشركات، عبر عملية تداول تشاركي عوضًا عن الصراع والمفاوضة المتوتّرة في ظل الأنظمة الرأسمالية. كشرطٍ مرخِّص للديمقراطية السياسية، تقتضي الديمقراطية الاقتصادية من هذا المنظور أن يكون رأس المال والثروة دُولةً بين جميع الفئات الاجتماعية عبر الأجيال، وأن يكون التّداول المتّسق على المناصب الاقتصادية والاجتماعية رديفًا للتداول السلمي على السلطة، وهو ما يمثّل أبرز عامل في تعريف النظام الديمقراطي في مقابل النظام الأرستقراطي.

أسواق حرّة ومجزية من غير رأسمالية

إذا كانت «ديمقراطية امتلاك الملْكية» و«دولة الرفاه الرأسمالية» تشتركان في الهدف نفسه، أي أن يحصل الجميع على قطعة من «الكعكة الاجتماعية» بحيث يتوافر لديهم ما يحتاجون إليه لتحقيق مشاريع حياتهم، فإن الوصول إلى تحقيق هذا الهدف يختلف بينهما إلى حدٍّ كبير؛ ظاهريًا أو صوريًا، قد يبدو أن «ديمقراطية امتلاك الملْكية» و«دولة الرفاه الرأسمالية» تُفضيان إلى نتائج متقاربة نسبيًّا، بيد أن فرقين جوهريين يفصلان بينهما في واقع الأمر: (أ) في حين أن ديمقراطية امتلاك الملْكية تسعى إلى تحقيق هذه الأهداف المساواتية قبليًّا (ex ante)، فإن دولة الرفاه الرأسمالية تسعى وراءها بُعديًّا ex () post فقط، وهو ما يجعلها – على خلاف ديمقراطية امتلاك الملْكية – تنتقص من النظام التحفيزي لدى الأفراد؛ (ب) يظل الفرق الجوهري «الأساس» هو الجانب النفسي المركزي الذي يسمّيه رولز في منظومته البنائية «مبدأ احترام الذات»، إذ تنتقص دولة الرفاه الرأسمالية من أُسس احترام الذات لدى «الفئات الأقل حظًّا» على اعتبارهم «عناصر سلبية» لتلقّي تحويلات «الفئات المحظوظة» في المجتمع،

في حين أن ديمقراطية امتلاك الملْكية تصون هذه الأُسس الجوهرية. فضالعن الخصائص الأساسية لأيّ نظام ديمقراطي (وجود خلفية نظام سياسي يحترم الحريات الأساسية؛ المساواة في الفرص المنصفة في النظام التعليمي؛ قوانين مكافحة التمييز؛ الضريبة التصاعدية على الدخل؛ ضمان الحد الأدنى المكفول للدّخل...)، يمكن إبراز ثلاث خصائص مميّزة لديمقراطية امتلاك الملْكية: (أ) التشظّي الواسع لرأس المال وللثروة (ولا سيما عبر إشراك العمال في ملْكية وإدارة الشركات الكبرى والمتوسّطة وتعزيز الشركات الصغرى)؛ (ب) درء نقل الأفضليات من جيل إلى جيل (ولا سيما عبر سن قانون الضرائب الحادّة على الهبات والمواريث)؛ (ج) آليات الوقاية ضد الفساد في السياسة (ولا سيما عبر إصلاح تمويل الحملات الانتخابية، والتمويل العمومي للأحزاب السياسية، وتوفير المنتديات العامة للنقاش السياسي، ودمقرطة صناديق الاستثمار السيادية). في هذا السياق، تبُرز مساهمة بين جاكسون في هذا الكتاب أن مفهوم «ديمقراطية امتلاك الملْكية» قد استُخدم تاريخيًّا في سياقات مختلفة ومن مناظير متعددة، خاصة من لَدُن التيارات المحافظة والمساواتية التي أساءت فهمه وتوظيفه؛ فقد وظّف التيار المحافظ هذا المفهوم بشكل محدود جدًّا واختزله في حقّ وصول الجميع إلى تملّك «السّكن الفردي»، غافالً أو متجاهالً أبعاده العميقة التي تقتضي التفتيت الاقتصادي والسياسي للثروة وللسلطة على أوسع نطاق اجتماعي ممُكن. في حين أن جاكسون يوضح أنه ينبغي تعريف ديمقراطية امتلاك الملْكية من المنظور المساواتي على نحو نظام سوسيو- اقتصادي ينطوي على الملْكية الخاصة للأصول الإنتاجية والتوزيع على نطاق واسع لرأس المال البشري. يتعلّق الأمر إذًا بنوع من اقتصاد السوق يكون توزيع مختلف أشكال رأس المال داخله متساويًا قدر الإمكان، عبر فرض ضرائب تصاعدية على الهبات و المواريث لا تروم جمع الأموال لدعم الفقراء والمحتاجين بقدر ما تهدف إلى تشجيع التشتّت على أوسع مدى وعلى أعلى درجة مساواة للممتلكات العقارية والأصول الإنتاجية. وفي الاقتصادات المعاصرة، حيث يجري جزءٌ كبير من الإنتاج الاقتصادي في سياق مشاريع اقتصادية واسعة النطاق، إذا ما تمّ توزيع ملْكية الأصول الإنتاجية على حدٍّ سواء، فمن المرجّح أن أي مؤسّسة سوف تصبح مملوكة من جانب عدد كبير من المساهمين، لكُلٍّ منهم حصّة ملْكية صغيرة نسبيًّا للقيمة السوقية الإجمالية للمؤسّسة. في ظل هذه الأوضاع، من غير المرجّح أن تكون حصة ملْكية أيّ عامل فرديّ كبيرةً بما يكفي منحه درجةً من السيطرة الفعلية على الشركة. غير أن هدف ديمقراطية امتلاك الملْكية في سبيل تلبية مقتضيات العدالة كإنصاف هو غير ذلك، وهو بشكل عام، ذو طبيعة مزدوجة: • لا تهدف ديمقراطية امتلاك الملْكية إلى «السيطرة الفعلية» لصغار المساهمين بقدر ما تسعى إلى تجنّب «السيطرة الفعلية» لكبار المساهمين (عبر الحدّ من تركّز رأس المال وملْكية الشركات الكبرى والمتوسطة). • تسعى هذه الديمقراطية الاقتصادية أيضًا إلى ضمان استقلالية الفرد وسيادته على نفسه وعلى عمله، على اعتبار أن فقدان هاته الاستقلالية وهاته السيادة هو المدخل الأساس (ولكن ليس الحصري كما افترضت ذلك المادية الديالكتيكية الماركسية) لاستلاب الفرد وتغريبه عن ذاته. وبذلك، يسمح نموذج ديمقراطية امتلاك الملْكية بالإجابة أيضًا عن سؤال أساس آخر يطرحه النظام الرأسمالي وتثيره التحليلات الماركسية: سؤال الاغتراب والاستلاب في العمل؛ فعلى غرار التصوّرات الطوباوية الماركسية لحرية الإنسان «الكاملة» غير المنتقَصة في المرحلة الشيوعية، عن طريق إزالة جميع أشكال الاستلاب، أكانت

سياسية أم اقتصادية أم دينية، فإن ديمقراطية امتلاك الملْكية تُقدّم تصوّرًا أكثر واقعية ل«تحقيق الذات» عبر ربطها بالملْكية الخاصة عوضًا عن إلغاء الملْكية والعيش الرومانسي في مشاع؛ فوحدها الملْكية الخاصة من شأنها أن تضمن قدرة الأفراد على تحقيق الذات وإنجاز أنماط العيش المختلفة التي يرغبون فيها، من دون قيد ودونما إكراه أو تغريب أو استلاب، وهو ما يتوافق مع تحقيق الكرامة الإنسانية التي تتبلور في أبعاد احترام الذات وتحقيق الذات. فقط عن طريق التأكد من أن البنية المسبقة (ex ante) للاقتصاد هي على نحوٍ يضمن التفريق على نطاق واسع للسيطرة على الموارد الإنتاجية، يمكننا ضمان أن يكون جميع المواطنين قادرين على تملّك مثل هذا «الشعور الحيّ» بقدراتهم الذاتية، وبذلك إجهاض الإمكانات المجحفة للتفاوت في السلطة والوضعية الاجتماعية. بهذه الطريقة، ينبغي أن يكون سنّ أشكال الديمقراطية الاقتصادية قادرًا على التغلّب على مشكلات السيطرة وعدم المساواة الاجتماعية بطريقة تعجز عنها دولة الرفاه الرأسمالية الهرمية، مهما يكن مستوى إعادة التوزيع داخلها. وبالتالي، يذهب رولز، في معرض مناقشته نقد كارل ماركس لتقسيم العمل في ظل الرأسمالية، إلى أن «الخصائص التضييقية والمُهينة لتقسيم العمل ينبغي أن يتمّ التغلّب عليها إلى حدٍّ كبير حالما يتم تحقيق مؤسّسات ديمقراطية امتلاك الملْكية»، حيث يجب أن يُنظر إلى إنشاء تلك المؤسّسات على أنها تنطوي على تحقيق مستوى عال من الديمقراطية الاقتصادية.

نحو نظرية ل«الطّريق الثالثة» في السياق العربي

يخلص الكاتب إلى أنه لا يمكن اختزال ديمقراطية امتلاك الملْكية في تقليص أو استئصال الفروق الطبقية بين من يسمّيهم رولز «الفئات الأقلّ حظ» ا في المجتمع و«الفئات الأكثر حظًّا»، أو حتى في «استخلاص» الديمقراطية السياسية «الجوهرية» من الدمقرطة الاقتصادية. بل إن مداها يتعدّى ذلك كثيرًا إلى التسوية الحقيقية (وليس فقط الصورية) بين جميع المواطنين، أكانوا نساءً أم رجاالً، ذوي حاجات خاصة، أم ذوي حاجات عامة، وذلك بمنحهم القدرة الحقيقية (بمفهوم أمارتيا سِن) (ونقصد بها هنا بدرجة أساسية القدرة الاقتصادية التي يُستمد منها باقي القدرات السياسية والاجتماعية والثقافية والنفسية) على اختيار نمط الحياة الذي يجتبيه كل واحد لنفسه، مع انخراطه في هذا الاختيار بكلّيته (أي أن يكون مالكًا لما يعتبره رولز أسمى الخيرات الاجتماعية الأساسية على الإطلاق: «احترام الذات وتقديرها»). من هذا المنظور، ينبغي أن تشكّل الدولة والسوق والمجتمع بنى حكمٍ متكاملة وغير متنافسة، وينبغي للسياسات العامة أالّ تسعى إلى الحلول محلّ الأسواق والمجتمعات، بل بالأحرى إلى ضمان المساءلة وتعزيز القدرة على دعم نتائج منصفة وناجعة في آن. لا يسعنا أخيرًا إالّ أن نرجو أن يساهم هذا الكتاب في إشراك وتوطين نظرية ديمقراطية امتلاك الملْكية داخل النقاشات الجارية في عالمنا العربي بخصوص شروط الخروج من منطق الثنائيات القطبية السائدة، أي من منطق «إمّا... وإمّا»، لفائدة «طريق ثالثة» قائمة على تصوّرات تعدّدية لخيارات العيش المشترك ومآلات التفاعل السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

12 راجع في ذلك: عزمي بشارة، «›نحن› و ‹هُمْ› ومأزق الثّقافة الديمقراطية»، الكلمة الافتتاحية للمؤتمر السنوي الثاني للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، «الإسلاميّون ونظام الحكم الديمقراطيّ»، الدوحة، 82 سبتمبر/أيلول 013.2