Return to Article Details مسألة المواطنة في الفكر الإسلامي السوداني: المقاربات التقليدية والتجديدية وما بعد السلفية

مسألة المواطنة في الفكر الإسلامي السوداني: المقاربات التقليدية والتجديدية وما بعد السلفية

شمس الدين الأمين ضو البيت*

الملخّص

ظلت قضية المواطَنة المتساوية محور النزاعات المتطاولة في السودان منذ ما قبل استقلاله؛ فقد قام الانتقال من الأطر التقليدية التي حكمت مسألة المواطَنة في مرحلة ما قبل الاستعمار على «لصق» مفاهيم حديثة للمواطَنة في المرحلة الاستعمارية من دون أن تسندها ثقافة مواطنية، أكان على مستوى النخب أم على المستوى الجماهيري. ومع نشأة تيارات الإسلام السياسي ودعوتها إلى الدستور الإسلامي، بدأت في التبلور جوانب تعارض بين المحمولات الأيديولوجية والدستورية لهذه التيارات ومفهوم المواطنة المتساوية، كما بدأ بدواعي الواقع السوداني الشديد التنوع جهد تجديدي وإصلاحي قابل للمواءمة بين الفكر الإسلامي واستحقاقات المواطنة. وينصبّ جهد البحث على تقصي جوانب التعارض مع استحقاقات المواطَنة المتساوية في فكر التيارات الإسلامية في السودان، كما الجهود الفكرية التجديدية والإصلاحية التي أطلقها هذا التعارض، وذلك من زاوية موقف التيارات الإسلامية من المرأة والأقليات المذهبية.

الكلمات المفتاحية:
  • المواطنة
  • الفكر الإسلامي السوداني
  • ما بعد السلفية
  • الإسلام السياسي
  • المرأة
  • الأقليات المذهبية

المقاربات التقليدية والتجديدية وما بعد السلفية **

ظلت قضية المواطَنة المتساوية محور النزاعات المتطاولة في السودان منذ ما قبل استقلاله؛

فقد قام الانتقال من الأطر التقليدية التي حكمت مسألة المواطَنة في مرحلة ما قبل

الاستعمار على «لصق» مفاهيم حديثة للمواطَنة في المرحلة الاستعمارية من دون أن تسندها

ثقافة مواطنية، أكان على مستوى النخب أم على المستوى الجماهيري. ومع نشأة تيارات

الإسلام السياسي ودعوتها إلى الدستور الإسلامي، بدأت في التبلور جوانب تعارض بين

المحمولات الأيديولوجية والدستورية لهذه التيارات ومفهوم المواطنة المتساوية، كما بدأ

بدواعي الواقع السوداني الشديد التنوع جهد تجديدي وإصلاحي قابل للمواءمة بين الفكر

الإسلامي واستحقاقات المواطنة. وينصبّ جهد البحث على تقصي جوانب التعارض مع

استحقاقات المواطَنة المتساوية في فكر التيارات الإسلامية في السودان، كما الجهود الفكرية

التجديدية والإصلاحية التي أطلقها هذا التعارض، وذلك من زاوية موقف التيارات

الإسلامية من المرأة والأقليات المذهبية.

ما الذي ترمي إليه هذه الدراسة؟

سيكون مدخلنا إلى مسألة المواطَنة الصراع الذي يدور حولها في السودان، والذي اتخذ أشكاالً

عنيفة وصلت إلى حروب أهلية عدة، بدأت منذ ما قبل الاستقلال، وظلت مستمرة حتى اليوم.

وسيكون التركيز في هذا الإطار على رصد الأطروحات الإسلامية: السلفية والتجديدية وما بعد السلفية

ونظام الحكم الديموقراطي»، نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، -2829 أيلول/ سبتمبر 013.)2 وننشرها

هنا مقتضبة، أي بعد حذف أجزاء الدراسة المتعلقة بأسس التجديد ومذاهبه، لتتناسب مع الحجم الملائم للمجلة.

من هذا الصراع، بناءً على موقفها من حقوق النساء والأقليات الثقافية والدينية والإثنية، ومدى مساهمتها

في تأجيجه أو إمكان تخفيفه، باعتبار أن هذه الحقوق تكشف أكثر من غيرها حجم الإصلاحات الدينية

والسياسية التي يجب تحقيقها، ثم وصل هذه الأطروحات بما يجري في الساحة الفكرية الإسلامية في

عموميتها، وصوالً إلى أطروحات إصلاحية إسلامية وسياسية يمكن أن تضع الأساس لمعالجات لهذه

القضية التي تعكس أوضاع الديمقراطية وحقوق الإنسان بصورة عامة في المجتمعات العربية الإسلامية.

في مفهوم المواطَنة

تزخر الأدبيات المعاصرة بكثير من التعريفات لمفهوم المواطَنة. ولكن أغلب تعريفات المفهوم الذي ذاع

مع الثورتين الأميركية والفرنسية يشتمل على عناصر تشكّل معًا مضمون المواطَنة وجوهرها، وتقوم على

الانتماء إلى وطن وكفالة المساواة وتكافؤ الفرص بين أبناء هذا الوطن بحيث لا يترتب على مصادفة المولد

في ثقافة معيّنة أو عِرق معنيّ أو دين معنيّ أو نوع (جندر) معنيّ، أو الانتماء إلى دين أو إثنية معيّنة - مفارقة

في المعاملة داخل ذلك المجتمع. ويشمل ذلك فرص التعليم والرعاية الصحية والمسكن والعمل وتقلّد

الوظائف العامة، كما يشمل الحريات الفردية والمساواة أمام القانون والمساواة النوعية وإزالة جميع أشكال

التمييز ضد النساء كما توافقت عليها الإنسانية وصاغتها في المواثيق والعهود الدولية لحقوق الإنسان. ويترتب على هذا التعريف للمواطَنة أنها متعلقة بصورة أساسية بالحقوق المدنية وبالدولة المدنية، وذلك

من أجل التفريق بينها وبين الدولة الديمقراطية التي تعنى بالحقوق السياسة، من واقع أن كل واحدة منهما

تستجيب – على الرغم من التداخل - لحقوق فئات وطنية محددة: فتتأسس الدولة المدنية على ضمان الحقوق

المتساوية للفئات الاجتماعية الثابتة نسبيًا: النوعية والدينية والعرقية والثقافية والمذهبية، أكانت هذه تشكل

أقلية أم أغلبية في مجتمعاتها، بينما تركز الدولة الديمقراطية على تأمين الحقوق السياسية للفئات المتحركة. ومن ثمّ، فإن الدولة المدنية هي المعنية بالحفاظ على الحقوق المتساوية للنساء اللائي يشكّلن أغلبية ثابتة

في معظم المجتمعات البشرية، ولكنهن مع ذلك يعانين التمييز ضدهن وانتهاك حقوقهن، خاصة في

المجتمعات العربية والإسلامية. كذلك تُعنى الدولة المدنية بالحقوق المتساوية للجماعات الدينية والمذهبية،

أكانت أقلية أم أغلبية- على سبيل المثال المسيحيون والمنتمون إلى الديانات الإحيائية في السودان- مهما

تصغر نسبتهم، والأقباط في مصر الذين يشكلون نسبة ثابتة تتراوح ما بين 01 و 12 في المئة، وكذا الأمر مع

المجموعات الإثنية والثقافية مثل النوبة في السودان، والأكراد في العراق. وغني عن الذكر أن هذه الحقوق

تشمل أيضًا حقوقًا جماعية هي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كما عرّفتها المواثيق الدولية.

غير أن مفهوم المواطَنة في الأدبيات السياسية تطور أيضًا لكي يضم الحرية إلى المساواة، وأصبحت المواطَنة

تبعًا لذلك «لا تنفصل عن التركيبة الديمقراطية للدولة الحديثة، حيث تشير إلى العضوية الكاملة في الجماعة

السياسية والشراكة في اتخاذ القرار عبر آليات متفق عليها». وقد ظل مفهوم المواطَنة في حالة سيرورة

مطردة، بدأت بالماغنا كارتا التي صدرت سنة 2151 في بلاد الإنكليز، ثم وثيقة الحقوق الإنكليزية سنة

6691، ثم مبادئ الثورة الفرنسية سنة 778 1 ووثيقة الحقوق الأميركية التي أُجيزت سنة 7911، وحتى

1 عبد الوهاب الأفندي، «الإسلاميون ومفهوم المواطنة،» (الجزيرة نت،.)2006/4/26

المواثيق والعهود الدولية الحديثة لحقوق الإنسان بأجيالها الثلاثة. وقد كانت جميع هذه المواثيق التي

أرست لثقافة المواطَنة نتاجًا لصراعات وثورات، بعضها دموي عنيف، بدءًا بالصراعات بين النبلاء

والملوك وبين البرلمانات والملوك، وحتى الثورات الشعبية الكبرى في أوروبا، وضد الحكام المستبدين

والقوى الاستعمارية في أماكن أخرى. وقد ارتبط كثير من جوانب المواطَنة والتطورات الجديدة باتجاه

توسيع قاعدتها وترسيخ معانيها وزيادة الحقوق المترتبة عليها بإصلاحات سياسية تعربّ عنها تطورات

وتغييرات في طبيعة الدولة وتوجّهاتها، وفي شكل مؤسساتها ومضمونها لاستيعاب ما استجد من حقوق،

والاستجابة لما ظهر من مطالب في المشاركة والمساواة؛ ذلك أن ترسيخ مفاهيم جديدة للمواطَنة وتثبيت

قيمها في الممارسة يتطلبان إقرار مبادئ وإنشاء مؤسسات وتوظيف أدوات وآليات تضمن تطبيقها على

أرض الواقع. وما زالت صراعات المواطَنة مستمرة في مناطق كثيرة من العالم، من أجل الوصول إلى

مواطَنة متساوية أو إلى درجات أرفع من المواطَنة المتساوية، خاصة في بلدان العالم الثالث، وبصورة أخص

في العالم العربي والإسلامي، حيث تتعرض الأقسام الأضعف في المجتمع، كالنساء والأقليات الدينية

والثقافية والإثنية، للتهميش والتمييز السلبي والتعدي عليها وسلب حقوقها في المواطَنة المتساوية.

صراعات المواطَنة في السودان

شكّل الصراع بشأن قضايا المواطَنة المتساوية للنساء والأقليات الدينية والثقافية والإثنية، في بُعديها

المدني والسياسي، مجرى الحوادث، وحكم تطورات الوضع السياسي في السودان منذ ما قبل الاستقلال،

واتخذ هذا الصراع في أغلب الأحيان مسارًا عنيفًا ودمويًا، خاصة في ما يتعلق بحقوق المواطَنة المتساوية

للمجموعات الثقافية والدينية والإثنية، بدءًا بالحرب الأهلية بين الشمال والجنوب التي بدأت سنة 9551

واستمرت على فترتين ثمانية وثلاثين عامًا وانتهت بانفصال الجنوب سنة 0112، ثم الحرب في شرق

السودان منتصف التسعينيات، وفي دارفور منذ نهايات سنة 002 2 وصوالً إلى الحرب في جنوب كردفان/

جبال النوبة منذ حزيران/ يونيو 0112، وفي النيل الأزرق منذ أيلول/ سبتمبر.2011 وقد دار الصراع الذي وصل إلى مرحلة الحروب الأهلية الدامية بين توجهين في الحياة السياسية السودانية،

يتطلع أحدهما إلى نيل الحقوق المتساوية في المواطَنة، بينما يناهض الآخر ويقاوم هذا الجهدَ الساعي إلى

الحصول عليها. ويعطي تتبّع مسار الصراع السياسي وحوادث الحرب والسلام في السودان مؤشرات عدة

لهذا الصراع وأطرافه، والمنطلقات الفكرية التي استند إليها كل طرف. فعلى مستوى الصراع السلمي لنيل الحقوق، ناضلت المرأة السودانية على كلا المسارين المدني والسياسي

للحصول على حقوقها في المواطَنة المتساوية. غير أن نضالات المرأة السودانية وتطلعاتها لنيل حقوقها

الانتخابية والسياسية لم تثمر إالّ مع ثورة تشرين الأول/أكتوبر الشعبية سنة 9641، وهي الثورة التي

2 الجيل الأول لحقوق الإنسان هو الحقوق السياسية والمدنية، وأضاف الجيل الثاني إلى حقوق الحرية والمساواة المضمنة في ذينك العهدين

شروطًا مادية كالمسكن والغذاء والتربية في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ثم أضاف الجيل الثالث إلى هذين الجيلين الحقوق

البيئية مثل الحق في محيط سليم والحق في السلم.

3 مشروع وثيقة دستور يراعي منظور النوع الاجتماعي (الجندر)، المرأة السودانية وقضايا ما بعد الاستفتاء: سلسلة المرأة السودانية

والدستور المرتقب؛ 2 (الخرطوم: جامعة الخرطوم، معهد الدراسات والبحوث الإنمائية، 0112)، ص.4

4 لدراسة تتناول موضوع الاستثناء الديمقراطي العربي الذي هو استثناء في المواطنة المتساوية أيضًا. انظر: ابراهيم البدوي وسمير

المقدسي، محرران، تفسير العجز الديمقراطي في الوطن العربي، ترجمة حسن عبد الله بدر، وقفية جاسم القطامي للديمقراطية وحقوق

الإنسان (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2011

كان تحرير المرأة أحد مبادئها الأساسية. ثم أعطت اتفاقية السلام الشامل والدستور القومي الانتقالي لسنة

0052 دفعة قوية لنضالات المرأة السودانية باشتمالها على نصوص عديدة أقرت الحقوق المتساوية بين

النساء والرجال. غير أن هذه المكتسبات الانتخابية بقيت على مستوى الحقوق السياسية فحسب؛ فقد ظل وضع المرأة

السودانية على مستوى الحقوق المدنية التي تشكّل العمود الفقري لمفهوم المواطَنة وللقدرة على الاستفادة

من الحقوق السياسية- محكومًا بقوانين للأحوال الشخصية تنتهك بشدة حقوقها في المواطَنة المتساوية،

وتسلبها القدرة على تفعيل المكتسبات التي حققتها على المستوى السياسي؛ ذلك أن القانون الذي صاحب

تطبيق اتفاقية السلام الشامل والدستور الانتقالي لسنة 0052 كان قانون الأحوال الشخصية لسنة 9911

والذي استند إلى ما هو معروف في الفقه الحنفي التقليدي؛ إذ اشتمل على أبواب تشمل النفقة وأحكام

طاعة الزوجة لزوجها والطلاق – على أنه حق فقهي للرجل - والطلاق للظهار واللعان والإرث بحسب

الفرض، وهو الحصة المحددة للوارث في التركة، وتحصل فيها المرأة على نصف نصيب الرجل.. إلخ. وقد

أجاز القانون تعدد الزوجات، وزواج القاصر والمجنون (ما دام هناك مصلحة)، وكانت هذه تُعدّ جرائم في

القوانين السابقة.. إلخ، والأحكام الفقهية التقليدية المعروفة في قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين.

و«أُصّل» قانون الأحوال الشخصية لسنة 9911 مع قوانين أخرى لوضع النساء بصورة عامة، فأنشئت

منظومة قانون النظام العام، وهي توليفة من القانون الجنائي والمدني وآليات إنفاذ شرطية وقضائية تقوم

على النظرة الفقهية التقليدية لما يجب أن يكون عليه مظهر الناس وهيئتهم وسلوكهم في الحياة العامة

والخاصة، واستهدفت هذه المنظومة حياة النساء على وجه الخصوص، فحظر القانون عمل النساء في

«المجالات التي تعرض حياتهن للخطر أو تتطلب بقاءهن فترة طويلة خارج المنزل». كما اشتمل القانون

الجنائي على المادة (521) المتعلقة بما يعتبره القانون الزي الشرعي، وتُرك تفسير ما يعنيه «الزي الفاضح»

فيها لتقدير رجال الشرطة. وقادت منظومة قوانين النظام العام، بالإضافة إلى مادة الزي الفاضح، إلى قهر

واسع للنساء في الحياة العامة. كذلك نص قانون الإثبات على أن الشهود في الجرائم الحدية «رجل وامرأتان» وأربعة ذكور عدول لجريمة

الزنا، أو ما يعادلها في حالة كان الشهود من النساء. بل يعاقب القانون المرأة بالزنا إذا ادّعت اغتصابها

وفشلت في إثبات الواقعة. ولصعوبة الإثبات، حوكمت نساء كثيرات، كما قلّت حالات التبليغ عن جرائم

الاغتصاب أيضًا. ويجدر ذكر أن القانون لا يقبل شهادة غير المسلمين في الحدود.

ولم يجرِ منذ سنة 8919 تعيين امرأة قاضيةً، بحجة أن التاريخ الإسلامي لم يشهد وجود قاض من النساء.

كما رفضت الحكومة السودانية الاتفاقية الدولية لإزالة جميع أشكال التمييز ضد المرأة بحجة أنها تتنافى مع

الخصوصية الإسلامية بتعارضها مع أحكام القوامة والأسرة الواردة في الشرع الإسلامي.

5 الفقرات الأربع التالية بشأن القوانين التي تحكم الأوضاع المدنية للمرأة السودانية مأخوذة من: شمس الدين ضو البيت، «تجربة

الإسلاميين في الحكم في السودان»، ورقة قدمت إلى: «الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي: تجارب واتجاهات» (مؤتمر علمي نظمه

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 8-6 تشرين الأول/ أكتوبر.)2012

6 قانون الأحوال الشخصية السوداني لسنة 1991.

7 «ما وراء البنطال: قانون النظام العام وحقوق النساء والفتيات في السودان،» ورقة قدمت إلى: الدورة العادية ال 46 للجنة الأفريقية

لحقوق الإنسان والشعوب، بانجول، غامبيا، 12 تشرين الثاني/ نوفمبر.2009

8 عواطف عبد الماجد، رؤية تأصيلية لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (الخرطوم: مركز دراسات المرأة، 1999)،

ص 8 و.24

حقوق الأقليات الثقافية والدينية والإثنية

لم تخلُ السنوات الطويلة منذ الاستقلال من جهد وافر وجاد لوضع نهاية للحرب المستعرة في جنوب

السودان ذي الأغلبية السكانية الأفريقية إثنيًا وثقافيًا وغير المسلمة دينيًا، وأبرز وأقوى وأول من تصدى

– آنذاك - للمطالبة بحقوق المواطَنة المتساوية، ولوضع الأسس لإدارة سليمة للتنوع في السودان. وقد

كانت أهم المحاولات في السنوات الخمسين الماضية هي: مؤتمر المائدة المستديرة سنة 9651، إبان فترة

الديمقراطية الثانية، واتفاقية أديس أبابا سنة 7219، إبان الحكم المايوي لنميري، وأخيرًا اتفاقية السلام

الشامل لسنة 0052، في ظل حكم الحركة الإسلامية السودانية. لقد كان المبدأ الرئيس الذي قام عليه هذا

الجهد وتبلور بصورة واضحة وقوية في كل من اتفاقيتي أديس أبابا والسلام الشامل هو ضمان حقوق

المواطَنة المتساوية والحقوق الأساسية وتأمينها، والاقتسام العادل للسلطة والثروة بالنسبة إلى جنوب

السودان، وهي التي تمثّلت في الحكم الذاتي الإقليمي في اتفاقية أديس أبابا، ثم في نظام فدرالي غير متواز

أقرب إلى أن يكون نظامًا كونفدراليًا في اتفاقية السلام الشامل- وذلك في مقابل السلام والوحدة الوطنية.

ومعروف على مستوى دراسات السلام أن هذه الصيغة أو المعادلة هي المبدأ العام المعتمد لحل النزاعات

والصراعات المماثلة على نطاق العالم.

في ما يتعلق بالسودان، فشلت هذه الصيغة في تحقيق السلام المستدام في الحالات الثلاث، فلم

تلتزم الائتلافات الحزبية الحاكمة بتوصيات لجنة الاثني عشر المنبثقة عن مؤتمر المائدة المستديرة في

سنة 6519، ونقض نميري اتفاقية أديس أبابا من أساسها سنة 8319، لتشتعل الحرب مجددًا في

جنوب السودان، كما بدأت اتفاقية السلام الشامل باشتعال الحرب في دارفور وانتهت بانفصال

الجنوب واشتعال الحرب في الجنوب الجديد.

لقد كان واضحًا من المصائر التي آلت إليها هذه الاتفاقيات والجهود أن مبدأ تأمين حقوق المواطَنة المتساوية

والحقوق العادلة في السلطة والثروة لم يستطع الصمود في مواجهة قوى واجهته وأجهضته كما في اتفاقية

أديس أبابا؛ إذ لم يكفِ النص على هذا المبدأ في الاتفاقية والدستور لتحقيق أيٍّ من هدفي السلام والوحدة

كما دلت على ذلك تجربة اتفاقية السلام الشامل.. ويستدعي هذا بحثًا معمَّقًا عن جذور القوى المناوئة

ومكوناتها، وتقيصّ حقيقتها واستكناه أمرها وطريقة اشتغالها، للوقوف على أسباب فشل الاتفاقيات،

وتطاول النزاع، مع تفاقمه، واستعصائه على الحلول. في هذا الإطار، يقدم ما نقله بشير محمد سعيد، عميد الصحافة السودانية آنذاك، حول مناقشات مؤتمر

المائدة المستديرة لسنة 9651، بعض المؤشرات على نوع الصراعات التي دارت داخل المؤتمر. يقول

بشير محمد سعيد: «مضت لجنة الاثني عشر [المنبثقة عن مؤتمر المائدة المستديرة] في دراساتها ومداولاتها،

على الرغم من العقبات والتحديات والشد والجذب الذي قام بين أعضائها، خاصة بين ممثلّي الأحزاب

الجنوبية وممثلّي جبهة الميثاق الإسلامي، وهي تنظيم أصولي مبادئه مستمدة من مبادئ الإخوان المسلمين

في مصر». وتبع ذلك أنه بدالً من أن يتوجه الجهد إلى تنفيذ النتائج الإيجابية التي توصلت إليها اللجنة

سنة 7196، بعد ستة عشر شهرًا من المداولات المكثفة، المتعلقة بالحكم اللامركزي الذي تم الاتفاق عليه

9 بشير محمد سعيد في مقدمته في: أبيل ألير، جنوب السودان: التمادي في نقض المواثيق العهود، ترجمة بشير محمد سعيد (لندن: شركة

ميدلايت، 1992)، ص «ج».

والذي يتيح للجنوب قدرًا أوسع من الاستقلالية في إدارة شؤونه الإقليمية يسمح بقدر أوسع من حقوق

المواطَنة، خاصة الحقوق الجماعية، ظهرت بدالً من ذلك حملة واسعة وقوية -بقيادة جبهة الميثاق الإسلامي،

وضعت أمام الجمعية التأسيسية، وسعت إلى إجازة دستور إسلامي ينص على نظام رئاسي لا يسمح لغير

المسلمين بالترشح لرئاسة الدولة، ويعتمد الشريعة الإسلامية مصدرًا للقوانين والسياسات. ولم يضع

حدًا لتلك الحملة إالّ الانقلاب العسكري الذي قاده نميري في أيار/ مايو 9691 وقام في إثره بحل

الجمعية التأسيسية. كذلك واجهت اتفاقية أديس أبابا (7219) عقبات مماثلة منذ طرح مسودة «الدستور الدائم للسودان»

الذي يتضمن الاتفاقية للمداولة أمام الجمعية التأسيسية سنة 7319؛ إذ «أخذ الأصوليون الإسلاميون

يضغطون على الأعضاء لتغيير المسودة بإدخال مواد من الشريعة الإسلامية، بحجة أن الإسلام لا يمكن

إغفاله في وثيقة قانونية أساسية... واقترحوا -1 أن يكون الإسلام دين الدولة؛ -2 أن يكون رئيس

الدولة مسلامً؛ -3 أن تُستمد القوانين من الشريعة الإسلامية أو أن تطابقها». وكان موقف جبهة الميثاق

الإسلامي من هذه الاتفاقية - كما جاء في خطاب أرسله أحد قادتها إلى القذافي إنابة عن الجبهة الوطنية -

أنها ستؤدي إلى «اجتثاث العروبة والإسلام من الجزء الجنوبي لجمهورية السودان». وقد انتهى أمرها

بانقلاب جعفر نميري عليها سنة 8319، منهيًا أكبر إنجازات نظامه وأهمها. عن هذا الانقلاب، يقول

أبيل ألير الذي شغل منصب نائب رئيس الجمهورية إبان حكم نميري، إن حوادث سبقته ومهدت له،

جاء على رأسها بند في اتفاق المصالحة الوطنية لسنة 7719 بين نظام مايو والجبهة الوطنية المعارضة له،

والتي تضم أحزاب الأمّة والاتحادي الديمقراطي وجبهة الميثاق الإسلامي، ينص على «تعديل المادة (16)

من الدستور [دستور 7319 الذي تضمن اتفاقية أديس أبابا]، التي وضعت المسيحية وكريم المعتقدات

(الأديان التقليدية) على قدم المساواة مع الإسلام». وقد غطى الجزء الخاص بتقسيم الإقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقاليم - في مخالفة صريحة لاتفاقية

أديس أبابا- على غيره من محتويات القرار الجمهوري رقم (1) الذي أصدره نميري في حزيران/

يونيو 83 19، وأدى إلى إجهاض الاتفاقية؛ إذ ألغي ذلك القرار أيضًا الكثير من مكتسبات المواطَنة

التي حققتها الاتفاقية للمواطنين السودانيين الجنوبيين. يقول أبيل ألير: في الواقع ألغى ذلك الأمر

الجمهوري «ما تم الاتفاق عليه حول المسائل الحساسة الخاصة بالثقافة وحماية التقاليد والعادات

وترقية اللغات...وجعل [القرار الجمهوري] اللغة العربية وحدها لغة الأعمال الرسمية في الجنوب

ووسيلة التعليم المنتظم». وكما حدث من قبل مع قرارات لجنة الاثني عشر، تبع إلغاء اتفاقية

أديس أبابا في حزيران/ يونيو 8319 إجازة مجلس الشعب القومي في أيلول/ سبتمبر 8319

«عددًا من القوانين القائمة على الشريعة الإسلامية التي سلب بعضها الحقوق السياسية والثقافية

0 1 انظر النقاش الذي دار بين حسن الترابي والأب فيليب عباس غبوش حول ذلك الدستور، في: محمود محمد طه، الدستور الإسلامي:

نعم ولا (الخرطوم: مطابع سودان ايكو، 8196)، ص.2-1

11 ألير، ص.135

12 «حول إتفاقية اديس ابابا» رسالة من عثمان خالد مضوي إلى العقيد القذافي، في: حسن مكي، الحركة الإسلامية في السودان، 1969

– 1985: تاريخها وخطابها السياسي، ط 2 (الخرطوم: الدار السودانية للكتب، 9991)، ملحق 1، ص 32. 7

13 ألير، ص.242

14 المصدر نفسه، ص -231234

والاقتصادية لأهل الجنوب». وجرت في سنة 8419 محاولات في مجلس الشعب لإجازة دستور

إسلامي كامل بديالً من دستور 73، قبل أشهر معدودة من الانتفاضة الشعبية في نيسان/ 91

أبريل 8519 التي أنهت حياة النظام المايوي. أيضًا مثّلت اتفاقية السلام الشامل لسنة 0052 بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان

معلامً مه وتحوالً جذريًا وتاريخيًا في المقاربات السياسية والاقتصادية والإدارية على نطاق السودان؛

فمضامينها ومبادؤها وتوجهاتها العامة المستندة إلى المواطنة وفقًا للمواثيق والعهود الدولية لحقوق

الإنسان، وعلى أفضل الممارسات العالمية في إدارة التنوع: من حرية وديمقراطية وعدالة اجتماعية ومساواة

أمام القانون ومشاركة واقتسام عادل للسلطة والثروة ودعوة إلى احترام التعدد الثقافي- تلك المضامين

عربّت عن أشواق السودانيين وتطلعاتهم منذ أن بدأ وعيهم الوطني يتشكّل. ولكن على الرغم من الطرح

المتقدم والمفصَّل لمبادئ المواطَنة والاقتسام العادل للسلطة والثروة والمشاركة على المستوى الوطني، انتهت

الاتفاقية إلى يأس الجنوبيين من الوحدة الوطنية، وانفصالهم عن السودان، واشتعال الحرب في الجنوب

الجديد – وهو جزء من الاتفاقية - وبدء حروب مباشرة أو بالوكالة مع الدولة الوليدة. ذلك أن المرجعية الحقوقية القائمة على المواطَنة المتساوية لم تكن هي المرجعية الوحيدة في الاتفاقية

والدستور في ما بعد، بل اعتمدت الاتفاقية إلى جانبها مرجعية أخرى هي الشريعة كمصدر وموجِّه

للقوانين والتشريعات والسياسات؛ إذ نص دستور السودان الذي تضمن الاتفاقية في المادة 5 على أن

«تكون الشريعة الإسلامية والإجماع مصدرًا للتشريعات التي تُسن على المستوى القومي وتُطبَّق على

ولايات شمال السودان». وقد وضعت هاتان المرجعيتان فاصالً يستند إلى أسس دينية بين السودانيين

حتى قبل أن يقع الانفصال. ثم ألقى حزب المؤتمر الوطني/ الحزب الحاكم للحركة الإسلامية منذ سنة

8919 بكامل ثقله الذي بناه منذ استيلائه على السلطة خلف هذه المرجعية الأخيرة والتي قال عنها ألير

– كما رأينا من قبل - إنها تؤثر في حقوق الجنوبيين في «مسائل حساسة» متعلقة بالكرامة الإنسانية، وهي

عناصر المواطَنة، مثل المساواة والهوية الجامعة والمشاركة، خاصة على المستوى الوطني. وقد دفعت التحيزات الثقافية والإثنية والممارسات الدينية المتشددة -وبقاء الأوضاع على حالها خلال

الفترة الانتقالية- السودانيين الجنوبيين إلى اختيار الانفصال عن السودان. ثم تكرر للمرة الثالثة ما حدث

مع الجهد السابق المماثل؛ إذ أعلن الحزب الحاكم على لسان رئيس الجمهورية عشية الانفصال، في كلمة

ألقاها في مدينة القضارف: «إذا اختار الجنوب الانفصال سيعدَّل دستور السودان وعندها لن يكون هناك

مجال للحديث عن تنوع عرقي وثقافي.. وسيكون الإسلام والشريعة هما المصدر الرئيسي للتشريع».

وأكد أيضًا في هذه الكلمة أن «اللغة الرسمية للدولة ستكون العربية». وشرعت مجموعات في الحركة

الإسلامية في إعداد دستور إسلامي لما بعد الانفصال، نشرته في تشرين الأول/ أكتوبر 0112، وهو ينص

على نظام رئاسي لا يسمح لغير المسلمين ولا للنساء بالترشح لرئاسة الدولة..!!

15 المصدر نفسه، ص.236

16 المصدر نفسه، ص.236

71 خطاب البشير في مدينة القضارف، 19 كانون الأول/ ديسمبر 0102، على الموقع الإلكتروني: <http://www.albayan.ae/one-

world/arabs/a17-2010-12-20-1.4814>.

حقوق المواطَنة في مواجهة الدِّين

يثور سؤال بشأن طبيعة وماهية البنى والمكوِّنات الدينية الإسلامية المصادمة للمساعي المشروعة في المواطنة

المتساوية. وتأتي أهمية هذا السؤال من أن تحديد طبيعة هذه البنى وماهيتها، والتعرف إليها يشكّلان الخطوة

الأولى في تحييدها أو إزالتها والتخلص منها، وفتح الطريق أمام إصلاح سياسي يستوعب قيم المواطَنة

بصورة مستدامة لا تسمح بالارتداد عنها.

الإصلاح السياسي والإصلاح الديني

يتّضح من جانب آخر أيضًا أن هذا الإصلاح السياسي المنشود تجاه حقوق المواطَنة والديمقراطية هو في

المقام الأول إصلاح ديني، بسبب الطبيعة الدينية للعوائق التي تعرقل الطريق إلى حقوق المواطَنة المتساوية،

والتي كانت السبب في الارتداد عن جهد سياسي كبير لتأمين حقوق المواطَنة المتساوية لجميع السودانيين،

وفي عدم استدامتها، والفشل في وقف الحروب الأهلية المتطاولة التي اشتعلت بسببها، وذلك مع الأخذ

في الاعتبار أن تحقيق الإصلاح الديني يقتضي حريات في التفكير وفي النشر، وبيئات تسمح بالحوار

وحرية الرأي والضمير، وهو ما يتطلب أيضًا حدًا أدنى من إصلاحات سياسية تتيح المجال للدفاع

عن قيم الابتكار والاجتهاد والإبداع. ومن ثم، فإنه لا يمكن الحديث عن إصلاح سياسي بمعزل عن

الديني أو العكس: الحديث عن إصلاح ديني بمعزل عن السياسي؛ فهما مرتبطان بعضهما ببعض ارتباطًا

وثيقًاومحكامً في المجتمعات الإسلامية، وهو ما سنتطرق إليه لاحقًا بتفصيل أكبر. من جانب ثالث، تكشف المتابعة التاريخية للثقافة الإسلامية السودانية أن هذه البنى والمكوِّنات المعيقة

تبدو دخيلة على الثقافة الدينية الإسلامية في السودان، وقد ظلت بمكونّها الصوفي الرئيس مستوعبة

للتنوع، وحافظة للمساواة، ومتسامحة مع الآخر عبر تاريخها الطويل في المجتمعات السودانية التاريخية.

الصوفية والتنوع السوداني

ذلك أن دخول الإسلام إلى السودان بدأ على عهد بتبادل المنافع وعدم الاعتداء (اتفاقية البقط سنة 641

م بين العرب المسلمين بقيادة عبد الله بن أبي السرح وأهل النوبة من السودانيين القدامى)، ومن ثم كان

دخول الإسلام إلى بلاد السودان على مدى سبعمئة سنة تالية -حتى ظهور أول الحكام المسلمين في القرن

الرابع عشر- من باب الرضا والمصاهرة والتمازج. ويبدو أن اختيار السودانيين للمذهب الصوفي من بين

المذاهب الإسلامية الأخرى جاء لأن الصوفية كانت - بسبب انصرافها عن الأفعال والهيئات المتعلقة

بالشعائر، وتركيزها على إصلاح النفس وتهذيبها- الأقرب إلى احترام تعددهم وتنوعهم. فكان شيوخ

الصوفية الزاهدون وأتباعهم الخلوقون هم الذين نشروا الإسلام في السلطنات السودانية وأرجائها القصية،

8 1 نصر حامد أبو زيد، التجديد والتحريم والتأويل: بين المعرفة العلمية والخوف من التكفير (الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي

العربي، 0102)، ص.85

19 انظر في هذا الموضوع: الباقر العفيف مختار، الأصيل والدخيل في الثقافة الإسلامية السودانية، ترجمة شمس الدين ضو البيت

([الخرطوم]: المجموعة السودانية للديمقراطية أولا،.)2013

0 2 محمد بن الطيب، إسلام المتصوفة (بيروت: دار الطليعة، 0072)، ص.16

وحافظوا عليها (دار صلح) مكانًا للالتقاء الإنساني العفوي المفتوح. وفي إطار هذه المجتمعات الصوفية

التي نشأت في سلطنات السودان الإسلامية، سادت روح التمازج الرفيق بين المكوّنات المتنوعة، فكانت

«الحرية في سلطنة سنار مكفولة لكل الأجناس والأديان [وكان] التسامح سمة السكان». وفي مملكة

تقلي، «كانت تسود المجتمع روح عميقة من السماحة والتماسك، وهو ثمرة قرون من التعايش والتاريخ

المشترك في ظل الإسلام [الصوفي] الذي كان العامل الأساسي في بناء المملكة ونموها وتطورها».

من الصوفية إلى السلفية

لكن مع اجتياح الجيوش التركية المصرية للسودان سنة 8211، دخل عامل جديد على الثقافة الإسلامية

السودانية؛ فقد اصطحب الجيش التركي معه ثلاثة من علماء الأزهر يمثّلون المذاهب المالكي والشافعي

والحنفي، وكانت مهمة هؤلاء العلماء الأزهريين «أن يحثّوا أهل البلاد على الاستسلام والطاعة دون

حرب، لأن واجبهم الديني كمسلمين هو الخضوع والطاعة لجلالة السلطان أمير المؤمنين». وقد أدخل

الاستعمار التركي معه إلى السودان صيغة متشددة للإسلام، وبرر لجوانب قاتمة من الدِّين، مثل الرق، بل

إنه مارس الرّق بصورة واسعة من خلال حملات قنص الرقيق البشعة، الأمر الذي ترك آثارًا اقتصادية

ونفسية مدمرة على أجزاء من جنوب السودان، هي التي شكّلت جذور الغبن الذي انفجر مع الحرب

الأهلية في الجنوب سنة 955.1 كذلك سعى الاستعمار التركي إلى فرض «إسلام رسمي دوغمائي جامد

يتولى نشره خريجو جامعة الأزهر من رجال الدين»، بينما قُمع الإسلام الصوفي الشعبي الأقل تراتبية

والذي تعتنقه جماهير السودانيين؛ وكان «يحمل إمكانية توحيد المجموعات الإثنية» السودانية. وقد حدث

الأمر ذاته في ما يتعلق بعلاقات النوع، إذ أدى الطابع الذكوري للإسلام الذي فرضه الأتراك قسرًا على

السودان إلى تخريب العلاقات المحلية التي كانت سائدة، وإلى القضاء على أي أثر لثقافة الأمومة التي كانت

جزءًا من حياة النوبيين. بدأت بهذه الحوادث عملية انتقال حثيثة على مستوى أجهزة الدولة ومؤسساتها -ولاحقًا على مستوى

المجتمع بدرجة أقل- إلى ما يُعرف بمذاهب أهل السنّة والجماعة. وقد بُني هذا الانتقال على الرواسب

الجنينية لهذه المذاهب داخل المنظومة الصوفية، وعلى الصلات التي رعتها السلطنات مع الأزهر ومصر،

ثم على الجهد الرسمي للحكومات التركية والمهدية والاستعمارية البريطانية لنشر وتثبيت هذه المذاهب

التي وافقت وخدمت التوجهات السلطوية لهذه الحكومات. وقد تواصل هذا الانتقال بعد ذلك من

خلال انفتاح البلاد على التأثيرات السياسية والثقافية القوية لمصر والسعودية، خاصة تأثير جماعة الإخوان

المسلمين المصرية ودخولها إلى السودان في أربعينيات القرن الماضي، وهجرات السودانيين إلى بلدان الخليج

21 محمد الخير عبد القادر، نشأة الحركة الإسلامية في السودان، 1956-1946 (الخرطوم: الدار السودانية للكتب، 1999)، ص.31

22 المصدر نفسه، ص.31

23 محمد سليمان، دور الأزهر في السودان (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 8519)، ص 0.5

24 أحمد أحمد سيد أحمد، تاريخ مدينة الخرطوم تحت الحكم المصري، 1885-1820 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 0002)،

ص -200.255

25 سوندرا هيل، سياسات النوع (الجندر) في السودان، ترجمة شمس الدين ضو البيت (الخرطوم: مركز سالمه لمصادر ودراسات المرأة،

0112)، ص 65 (النسحة الإلكترونية).

26 المصدر نفسه، ص.64

ومساهمتهم هناك في دخول وانتشار الوهابية في السودان في السبعينيات. وقد تسارعت من بعد

ذلك وتيرة انتشار هذا التوجه وتغلغله -خاصة في العقود الأربعة الأخيرة- وتوّجت بوصول الحركة

الإسلامية السودانية إلى السلطة سنة 89.19

إعادة إحياء حياة السلف

تقوم مذاهب أهل السنّة والجماعة، بصورة عامة، على «إعادة إحياء الشكل ذاته لحياة السلف»، وهي

تستوحي الماضي «لا في روحه فقط وإنما أيضًا في طريقة تفكيره وفي نظمه وآلياته». وتنتقي من هذا

الماضي قرونه الأربعة الأولى، وتعتبر – على اختلاف في المدى - أن ما قام به السلف خلالها، وما وصلوا

إليه من معرفة في أثنائها، هو المعرفة الشاملة، والمرجع الكامل الذي لم يتبق بعده من شيء يمكن أن يأتي

به الخلف، مستخدمة المنظومات والأدوات الفكرية التي استقر عليها السلف، وهي أدوات الفقه، وعلم

أصول الفقه، الذي وُضعت قواعده في القرن الثاني الهجري. وبالتالي يدخل في إطار السلفية، كمذهب

فقهي وتيار فكري عريض، جميع التنظيمات والجماعات التي تدعو – بدرجات ووسائل متفاوتة - إلى

تطبيق الشريعة، وتعتبرها صالحة لكل زمان ومكان. وتتمثّل الخصائص الرئيسة لهذا الفكر أولا في رؤيته الشمولية للإسلام بوصفه يتولى تنظيم جميع جوانب

الحياة الإنسانية؛ فهو ليس بحاجة، بالتالي، إلى غيره من التصورات والتجارب الإنسانية الأخرى. ثانيًا،

ينتقي هذا الفكر فترة محدودة من مجمل التاريخ الإسلامي لتشكل المرجعية الأساسية والوحيدة للفكر

والممارسة، ويعتمد بذلك منهجًا لا تاريخيًا في الفكر والممارسة. كما أنه يستبطن، ثالثًا، تراتبية اجتماعية

وسياسية تخلط بين الشوفينية العرقية والتوجه الإسلامي، وتحدد للناس مواقعهم الاجتماعية والسياسية

استنادًا إلى معايير دينية، يأتي في أعلاها من له - أو يزعم أن له- نسب بآل البيت، يليهم العرب المسلمون،

فنساؤهم، فأهل الكتاب، فغير المسلمين من غير أهل الكتاب، فأصحاب الديانات غير الكتابية...إلخ. وقد أعطى العامل الديني الذي يحيط بهذه الخصائص، في إطار صعود متشدد للسلفية الدينية على مدى

قرنين، وقوة الاندفاع الحركي لإعلاء كلمة الدِّين بالأقوال والأفعال، والتي هي خصيصة لصيقة بالحركات

السلفية السياسية، ثم الطاقات العملية لأجهزة الدولة السودانية ومؤسساتها في العقود الأخيرة، قوة دفع

هائلة للطاقات والديناميات الكامنة في هذه الخصائص، وللسياسات المتولدة عنها. على وجه الخصوص،

أعطى الاستيلاء على الدولة، وهو ما يميز السلفية السياسية من السلفية الاجتماعية - التي تركز على

أسلمة المجتمع من خلال التربية والأخلاق- قوة الدفع الأكبر للسلفية في هذا السياق. وكان زعيم الحركة

الإسلامية في السودان قد عربّ عن أهمية الدولة للسلفية بقوله: «إن الدولة الحديثة هي من الاندغام في

72 مختار، ص.50-49

8 2 حسين علي رحال، إشكاليات التجديد: دراسة في ضوء علم اجتماع المعرفة (بيروت: دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، 2004)،

الهامش، ص.15

29 سعد الدين إبراهيم، «المسألة الاجتماعية بين التراث وتحديات العصر،» في: السيد يسين [وآخرون]، التراث وتحديات العصر في

الوطن العربي (الأصالة والمعاصرة): بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، ط 2 (بيروت: مركز

دراسات الوحدة العربية، 8719)، ص.499

03 يضيف سعد الدين ابراهيم إلى الشمولية واللاتاريخية: القطعية والانتقائية خصائص لهذا الفكر. انظر: المصدر نفسه، ص -490 31 الأفندي، «الإسلاميون ومفهوم المواطنة.»

النسيج الاجتماعي بحيث لا يجوز [للحركات الإسلامية] ترك حبل إدارتها على غارب العلمانيين»...

«لأن الدِّين لا يستطيع ببساطة إيكال واجباته الأساسية في تربية الناس إلى دولة ملحدة – فعودة الدولة إلى

الدِّين هي عودة الوجدان للسلطان». حكمت خصائص الفكر السلفي التي سبق ذكرها- من شمولية لا تقبل بغير تصوراتها، ولاتاريخية تقدم

إجابات الماضي حلوالً لأسئلة الحاضر والمستقبل، وتراتبية تحدد للناس مواقعهم وفقًا لمعايير دينية أو

منسوبة إلى الدِّين – حكمت هذه الخصائص وجهة الطاقات الكامنة في السلفية السياسية نحو السعي إلى

صهر جميع مكونات التنوع السوداني وصبّها في قالب عربي – إسلامي سلفي، وذلك على مستوى الدولة

والمجتمع. هذا بينما كانت هذه المكونات تطمح وتعمل من أجل حقوقها المشروعة في المشاركة والمساواة

والتعبير عن الذات على كل المستويات، كما أسلفنا. وتماثل هذه العملية الاجتماعية والسياسية، والطاقات الكامنة فيها الناتجة من اصطدام هذين التيارين

الاجتماعيين السياسيين ذوي الاتجاهين المتعارضين تصادم «فكتورين» (vectors) («الفكتور» في الفيزياء

هو جسم من الطاقة له اتجاه)؛ إذ اكتسب «فكتور» حركة الحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية قوة دفعه

من عدالة مطالبه، ومن نضالات المجموعات السودانية للتحرر من القهر والظلم، ومن تصاعد الحركة

العالمية لحقوق الإنسان، بينما اكتسب «فكتور» السلفية السياسية المقاومة له في السودان زخمًا وقوة لعوامل

خارجية وداخلية - وردت إشارات إليها في الأسطر السابقة- على مدى القرنين السابقين. وكان الناتج

من هذا الاصطدام اشتعال الحرائق في كل مكان في السودان، وازدياد وتيرة العنف وتحوله في أشكال

ومجالات مختلفة إلى جند للحياة اليومية في السودان. زاد من حدة هذا الصدام أن الفكر السلفي ينحو - بطبيعة دينامياته الداخلية- إلى التشدد مع الزمن

ومع المنافسة في الفضاء العام؛ إذ يتيح له تحوّل الخطاب العام على مستوى المجتمع إلى خطاب ديني،

خاصة في ظل تفيشّ الأمّية النقدية والقرائية – ميزة تفضيلية على الأحزاب الأخرى، بما فيها الأحزاب

الدينية، وذلك لأنه بسبب اعتماده على ظاهر النصوص، يكون الأوضح دليالً والأوفر حجة، بالإضافة إلى

الأسانيد الكثيرة التي توفرها الممارسة التاريخية الإسلامية. هذا بينما تجد المكوِّنات الإسلامية التجديدية،

أو الأكثر اعتداالً ومرونة، نفسها في موقف الدفاع، لأنها غالبًا ما تلجأ، من أجل إيجاد السند لاعتدالها،

إلى تأويل النصوص بدلا من الأخذ بظاهرها. لذلك، باطراد الانتقال من الصوفية المتصالحة مع التنوع إلى

فكر أهل السنّة والجماعة، وتسارع وتيرة «التسلف» والتشدد داخل فضاء هذه المنظومة الفكرية السلفية،

تصاعدت أشكال العنف وتطورت وتنوعت، فانتقل من أن يكون عنفًا بين الدولة ومواطنين خارجين

عليها إلى صراع بين الشمال والجنوب، ثم إلى صراع بين المركز والهامش، ثم إلى عنف بين المسلمين وغير

المسلمين وبين العرب والأفارقة، ثم بين المسلمين العرب والمسلمين «الزرقة» ثم بين إثنيات مختلفة، ثم إلى

صراع وعنف بين قبائل وبطون داخل القبيلة الواحدة. ويكفي هنا للتدليل على ما ذكرت مراجعة التقارير

التي صدرت منذ بداية سنة 0132 بشأن عدد الضحايا الذين سقطوا في صراعات قبلية أو بين بطون في

قبائل، وحجم العتاد الحربي المستخدم في المعارك التي دارت بينها. ويتضح من ثم كيف أن صعود الفكر السلفي على حساب التوجّه الصوفي العام للبلاد في القرنين

32 عبد الله علي إبراهيم، الشريعة والحداثة: مبحث في جدل الأصل والعصر (القاهرة: دار الأمين، 0042)، ص.119

33 المصدر نفسه، ص.121

الماضيين، ثم الميول الداخلية لهذا الفكر نحو التشدد في العقود القليلة الماضية انتقلا بالأوضاع في السودان

في متوالية بدأت بنزاع على مستوى المواطَنة بين الدولة وخارجين على القانون إلى حرب جهادية على

مستوى انتماء أولّي أدنى من المواطَنة هو الانتماء العقيدي، وهي تدور الآن على مستوى الانتماء الأولّي

الأدنى من العقيدة: الإثني والقبلي والعشائري. ويشكل هذا التطور الأخير خلفية المخاوف المتزايدة الآن

من «صوملة» واكتمال تفكك الدولة والمجتمع في السودان. يتضح من هذا السرد التاريخي أيضًا أن السلفية – كمذهب فقهي وتيار فكري يروم إعادة إحياء حياة

السلف- كانت هي الصخرة التي تحطمت عليها تطلعات المواطَنة المتساوية في السودان، وتكسرت على

جنباتها محاولات الإصلاح السياسي والمؤسسي الذي يستوعب هذه التطلعات.

السلفية السياسية التقليدية والمواطَنة

يقدم «مشروع دستور دولة السودان» لجبهة الدستور الإسلامي نموذجًا قانونيًا ودستوريًا للمنطلقات

الفكرية السلفية التقليدية والمتشددة في السودان. وجبهة الدستور الإسلامي هي تحالف تأسس رسميًا في

شباط/ فبراير 012 2، ويضم الجماعات «المتسلفة» في الحزب الحاكم وفي الحركة الإسلامية الرئيسة،

وبقايا حركة الإخوان المسلمين التاريخية، وبعض القيادات «المتسلفة» من الأحزاب الطائفية والمجموعات

الوهابية والحركات السلفية الجهادية. وقد وضعت هذه المجموعة التي كانت تسمي نفسها مجموعة

«العمل الإسلامي» مشروع دستور السودان من 263 مادة في سنة 0112، ونشرته في حلقات صحيفة

الانتباهة التي تعربّ عنها في أواخر سبتمبر/ايلول وبداية تشرين الأول/ أكتوبر 2. 011 يعربّ مشروع الدستور عن خلاصة التوجهات السياسية لتيار أهل السنّة والجماعة لجهة أن دخوله البلاد

وتغلغله على مستوى الدولة بدآ مع الغزو التركي المصري للسودان سنة 8211، وتواصل بعد ذلك عبر

المحاكم الشرعية، وتأثير الجوارين المصري والسعودي. هذا الدستور، هو، كما قال عنه واضعوه، غير قابل

للاستفتاء الشعبي عليه [ولا يقبل] الاجتهاد في ما هو معلوم من الدِّين بالضرورة، وهو ينص على بطلان

القوانين والتشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية، ويحرّم قيام أي أحزاب أو هيئات يقوم فكرها السياسي

ونظامها الأساس على تقويض [هذا] الدستور الإسلامي. ينص مشروع الدستور الإسلامي، في ما يتعلق بحقوق المواطَنة للنساء وغير المسلمين، على أن: «دولة

السودان هي دار إسلام تجري عليها أحكام الإسلام وتحدد هويتها وطبيعة الانتماء إليها» (المادة 2)، وأن

«الإسلام هو دين الدولة شريعة وحياة» (4)، وأن «الجنسية السودانية يحددها القانون وفقًا للمادة 2 [دار

الإسلام] من الدستور» (9)، وأن «الحقوق والواجبات تضبط بأحكام الشريعة الإسلامية التي تعتمد

مبدأ العدالة لا المساواة» (35)، وأن «الناس سواسية أمام القضاء [لا أمام القانون!]، ويجوز لأي شخص

اللجوء إلى المحاكم» (36).

43 الأحداث (السودان)،.2012/2/29

35 انظر: «أحزاب سودانية توقع ميثاق الفجر الإسلامي ردًا على وثيقة «الفجر الجديد»،» الأهرام، 013/2/252، على هذا الموقع

. < http://digital.ahram.org.eg/Policy.aspx?Serial=1196823> الإلكتروني:

وبينما يقصر المشروع حرية الدِّين والاعتقاد على أهل الكتاب، ويستثني المسلمين، وينص في المادة

(21) على أن «تكفل الدولة للأقليات الدينية من أهل الكتاب خاصة إقامة مؤسساتها التعليمية

الخاصة بها وإدارتها وفقًا للقانون، يعود فينص في المادة (-42 2) الخاصة بحرّية التعبير والنشر

والصحافة على أنه لا يجوز لأي شخص أن يروّج أو أن يسعى إلى نشر الشيوعية والإلحاد والعلمانية

والنصرانية واليهودية أو الأديان الوثنية. كما يشترط مشروع الدستور للاشتراك في الانتخابات

العامة أن يكون المواطن مسلامً (44)، وينص على أن «عقيدة الولاء والبراء هي التي تحكم الدولة في

علاقاتها الخارجية» (32). ويؤسس مشروع الدستور الإسلامي لجميع قوانين الأحوال الشخصية للنساء التي سبقت الإشارة إليها

أعلاه، حينما يقرر أن السودان «دار إسلام» وأن «الإسلام دين الدولة عقيدة وشريعة»، وأن الناس ليسوا

سواسية أمام القانون كما تقتضي حقوق المواطَنة المتساوية، وإنما أمام القضاء. وواضح أن هذه المادة (35)

تؤسس للحقوق على أساس العقيدة، وتقر بعدم المساواة أمام القانون، بينما تقفل في الوقت ذاته الباب أمام

النساء وغير المسلمين للمطالبة بها أمام القضاء. ويفصل مشروع الدستور في جوانب أخرى من الحقوق:

من ذلك أنه يحظر صراحة تولي النساء لرئاسة الدولة، فينص على أنه «يكون أهالً لرئاسة الدولة كل رجل

مسلم من أهل الكفاية توفرت فيه الشروط المعتبرة في الشريعة الإسلامية (52)». بصورة عامة، يتبنّى مشروع الدستور الإسلامي أكثر المواقف تطرفًا في مذاهب أهل السنّة والجماعة في

المجالات كافة. وللمفارقة، يبدو أن هذا هو ما انتهت إليه تجربة الحركة الإسلامية السودانية القائمة في

الأصل على فكر الإخوان المسلمين، وما انتهت إليه تجربة ربع قرن من حكم الحركة الإسلامية للسودان،

وما قادت إليه حالة «التسلف» التي تعرضت لها الحركة الإسلامية السودانية. فبالإضافة إلى دعم

عدد مقدّر من قيادات الحركة الإسلامية لجبهة الدستور الإسلامي، فإن هذا التوجه السلفي المتشدد هو

الذي يتبنّاه حزب المؤتمر الوطني الحاكم، ذراع الحركة الإسلامية في السلطة، وهو الذي يعتمد عليه في

عمليات التعبئة السياسية في الإعلام ودور العبادة، وفي حملات التعبئة العسكرية من أجل الانخراط في

معسكرات التدريب، والمشاركة في العمليات العسكرية في دارفور والجنوب الجديد. كذلك، وفي مقابل

الطرح الواضح والمباشر الذي يعتمده مشروع الدستور، ليس هناك طرح آخر يعتمد مبادئ أو أسسًا

مختلفة تقدمه الحركة الإسلامية الأم. والأهم من ذلك أن بعض الاعتراضات على الدستور التي جاءت من بعض قادة الحركة الإسلامية لم

يكن اعتراضًا على الأسس والمبادئ وإنما كان اعتراضًا على الصياغات، كما نقل عن محضر الاجتماعات

أحد المشاركين في وضع الدستور. فقد ذكر ذلك المشارك أن البعض في مجموعة «العمل الإسلامي» التي

تعد الدستور يرى عدم النص على هوية البلاد على أنها (دار إسلام) بتلك الصورة الواضحة والدقيقة التي

وردت بها (لأن من السياسة الشرعية أن نقول أشياء ونضمر أخرى، لأننا عشنا ردحًا من الزمن في ظل

ثقافة وافدة ومن الأفضل أن نسكت عما يمكن السكوت عليه)، ثم يُفصل [ذلك] في سياسة الدولة [في

36 جبهة الدستور الإسلامي، «مشروع دستور دولة السودان،» نشُر في حلقات في: صحيفة الانتباهة السودانية، 82 أيلول/سبتمبر – 5

تشرين الأول/ أكتوبر 011.2

7 3 شمس الدين الأمين ضو البيت، الحركات الإسلامية في السلطة: إشكال المنهج والتطبيق (السودان نموذجًا)، قراءة من أجل التغيير

(الخرطوم: المجموعة السودانية للديمقراطية أولا، 0132)، ص.87

ما بعد)]. ويكشف ما نقله هذا المشارك أن الخلاف ليس بحال خلافًا حول المبدأ، وإنما هو خلاف

إجرائي حول كيفية إخراج المتفق عليه بين مجموعة ترى النص صراحة على كل شيء، ومجموعة أخرى

ترى أن الناس لا يحتملون ذلك لحداثة عهد به، وأن الأوفق هو قول شيء مخفف نوعًا ما في الدستور،

ولكن عند ممارسة الحكم وسن القوانين، يُطبَّق الشيء الآخر الذي يقول به الأولون..!! ومكمن المفارقة في هذا الأمر أن الحركة الإسلامية السودانية قدمت نفسها، في الأساس، على أنها حركة

تجديدية ومتمردة ومتجاوزة للفكر السلفي التقليدي. وقد عربّ عن ذلك أحد مفكريها عندما قال:

«تلاشت الدعوة للدستور الإسلامي بصورته التاريخية التي تقوم على حكومة إسلامية وإطار عقائدي

إسلامي.. إمامة، أهل ذمة، شوكة جهادية.. إلخ، نسبة لأن التجربة العملية أثبتت صعوبة ذلك، حيث

انتهت رؤية القائمين على الحركة [الإسلامية] أن لا بديل لفكرة المواطنة». كذلك قام الجهد التجديدي للدكتور حسن الترابي انطلاقًا من موقف يرى أن منهج أصول الفقه الذي يقوم

عليه الفكر السلفي ب«طبيعة نشأته بعيد عن واقع الحياة العامة، وبتأثره بالمنطق الصوري وبالنزعة الإسلامية

المحافظة الميالة نحو الضبط، والتي جعلته ضيقًا – لا يفي بحاجاتنا اليوم، ولا يستوعب حركة الحياة

المعاصرة». ويضيف الترابي أن الفكر السلفي التقليدي هو فكر منقطع عن أصوله الشرعية في القرآن

والسنّة بالتقادم والبلى، ومنقطع عن العلوم والمعارف العقلية؛ إذ إنه باقتصاره على النقل قد تأخر عن العلوم

الطبيعية التي تشمل العلوم الاجتماعية الإنسانية، ومنقطع عن واقع اليوم لأنه يعربّ عن «الواقع الذي

جابه أبا حنيفة أو مالكًا أو الشافعي»، ولأنه «لا يتسع لعلاج قضايا الاقتصاد في المجتمع الصناعي المكثف

القائم اليوم.. ولا نجد من الفقه إالّ أحكامًا لا يمكن أن تؤسس لنا بناءًاقتصاديًا للمجتمع الحديث»‘

ولأنه حدثت فيه بسبب الانقطاعات الثلاث «ثغرة واسعة من جراء انحساره عن الحياة العامة والحياة

السياسية بالذات»، تسببت في الفجوة الحضارية التي أصابت المسلمين وأدت إلى تخلفهم. إضافة إلى ذلك، يرى الترابي أن المذهب السلفي الوهابي الذي شكّل العمود الفقري لمشروع جبهة

الدستور قد قام ل«يعالج الشرك الشعائري الذي استشرى في المجتمع الإسلامي في ذلك المكان والزمان

[الجزيرة العربية]»، وأن دوره قد انتهى بذلك لأنه غير قادر على علاج الوجوه الجديدة من الشرك السياسي

والاقتصادي الذي ظهرت... بسبب عدم تكيفه لعلاجها. بهذه المنطلقات الفكرية، قدمت الحركة

الإسلامية السودانية نفسها كحركة إصلاحية تسعى إلى تجاوز قصور الفكر السلفي التقليدي، وبوصفها

الحركة الإسلامية الأقدر - بحكم منطلقاتها التجديدية وقاعدتها الحداثية- على التعامل بكفاءة مع قضايا

وإشكالات الدولة والمجتمع في السودان وإيجاد الحلول الملائمة لها.

8 3 ياسر عثمان جاد الله، «قضية الهوية الإسلامية بين ثوابت الشريعة ودعاة التمييع والدغمسة (3/1)،» صحيفة التيار (السودان)، 39 حسن مكي، «الحركة الإسلامية.. المفاهيم وشهادة الميلاد،» في: هويدا صلاح الدين العتباني، المحرر، أوراق ورشة عمل قضايا

وإشكاليات الدولة الإسلامية المعاصرة: السودان نموذجًا (الخرطوم: جامعة جوبا، مركز دراسات السلام والتنمية، 0062)، ص 8.1

0 4 حسن الترابي، تجديد الفكر الإسلامي (الرباط: دار القرافي للنشر والتوزيع، 1993)، ص.34

41 المصدر نفسه، ص.4

42 المصدر نفسه، ص.11

43 الترابي، تجديد الفكر الإسلامي، ص.4

44 المصدر نفسه، ص.21

45 المصدر نفسه، ص -20.21

السلفية التجديدية وحقوق المواطَنة المرأة في الفكر الإسلامي التجديدي

يستند وصف الحركة الإسلامية السودانية بالسلفية في هذه الدراسة إلى تعريف السلفية الذي سبق ذكره،

من أنها مذهب فقهي، وتيار فكري عريض يشمل جميع التنظيمات والجماعات التي تدعو – بدرجات

ووسائل متفاوتة- إلى تطبيق الشريعة، وتعتبرها صالحة لكل زمان ومكان، وهو ما شكّل أساس برنامج

الحركة الإسلامية السودانية للحكم، وما يقول به زعيمها حسن الترابي. وهي تجديدية لأنها –

بالإضافة إلى موقفها من الفكر السلفي الذي وردت الإشارة إليه أ علاه- تعاملت مع نفسها باعتبارها

«ظاهرة الانتقال من مجتمع الجمود والطوائف والتخلف إلى مجتمع الحياة والدعوة والتقدم»، كما

يقول عنها قادتها، ولأن مفكرها الأول الدكتور حسن الترابي يرى أن التدين هو في الأصل حركة دائبة

ومتواصلة لتكييف الدِّين مع الواقع، وأن الحركة الإسلامية السودانية تقدر «الفجوة الهائلة التي وقعت

نتيجة الخمول المتطاول الذي اعترى حياة المسلمين وفكرهم، فتخلفت عن التطور الهائل في أوضاع الواقع

المادي والبشري. وقد نظرت الحركة إلى نفسها «وبحكم عناصرها الشبابية المتعلمة والتحدي الفكري

الذي واجهته من اليساريين والعلمانيين- منذ البداية على أنها حركة تجديدية مقارنة بالطرق الصوفية

المنتشرة في السودان». لذلك، عرّفت نفسها في وثائقها بأنها «حركة أصولية تجديدية شمولية الأهداف،

واقعية المنهج، تسعى للإصلاح الديني والتغيير الاجتماعي». وقد انخرطت الحركة الإسلامية السودانية بدءًا من الثمانينيات في طرح رؤى تجديدية تهدف إلى تحقيق

إصلاح ديني تحدثت عنه وثائقها، ينعكس إصلاحًا سياسيًا على مستوى الدولة والمجتمع في السودان،

وذلك بعد أن ووجهت بتحديات الواقع السوداني لبرامجها، أكان ذلك من خلال المنافسة مع اليسار على

كسب دعم النساء أم بتحدي جنوب السودان بخصائصه الثقافية والدينية والإثنية المختلفة، والحرب

الطويلة التي يديرها ضد الدولة في الشمال - لمشروعها الإسلامي في السودان. فأصدر حسن الترابي في

سنة 85 19 كتاب المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع، وهو أكثر أدبيات الحركة الإسلامية رواجًا

لفترة طويلة، ومرجعها الأساس في تأهيل مشاركة المرأة في العمل العام، وفي تغيير نظرتها وتعاملها

مع المرأة. وينطلق الترابي في هذا الكتاب من أن الفقه السلفي يضيِّق على النساء باستغلال باب سد الذرائع، ويفرض

عليهن قيودًا مفرطة بحجة خشية الفتنة، وأنه (الفقه السلفي) سحب النصوص والعزائم التي وردت في

46 المصدر نفسه، ص.68

7 4 حسن الترابي، الحركة الإسلامية في السودان: التطور والكسب والمنهج، ط 2 (الخرطوم: معهد البحوث والدراسات الاجتماعية،

1992)، ص.120

84 الطيب زين العابدين، «تجربة الحركة الإسلامية في مجال حقوق الإنسان،» ورقة قُدمت إلى: «الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي:

تجارب واتجاهات،» ص.3

49 العتباني، المحرر، ص.5

0 5 حسن الترابي، الاتجاه الإسلامي يقدم المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع (جدة، السعودية: الدار السعودية للنشر والتوزيع، 51 طارق أحمد عثمان، «الحركة الإسلامية الحديثة في السودان ومسألة التغيير الاجتماعي،» (ورقة بحثية، مركز التنوير المعرفي)، على

. < http://tanweer.sd/arabic/modules/smartsection/item.php?itemid=40> الموقع الإلكتروني:

52 زين العابدين، «تجربة الحركة الإسلامية،» ص.7

شأن النبي (ﷺ) ونسائه على سائر النساء على الرغم من خصوصية تلك الأحكام، وأنه انتهى، بسبب

التخلف والانحطاط، إلى ترجيح الحذر والتحفظ والتوقي على دواعي الإيجاب وابتغاء الخير للمرأة.

ومن ثم يقرر «أن النساء شقائق الرجال لا يتميزن من دونهم بشريعة خاصة إالّ أحكامًا فرعية ميزت بين

الرجل والمرأة ليتمكن كل منهما من التعبير الأصيل عن تدينه..انطلاقًا من طبيعته البشرية»، وأن

الله خفّف عن النساء «أمر الوجوب الأول في بعض الشؤون العامة، كالنفقة على الأسرة، وإقامة صلاة

الجماعة، والنفرة إلى القتال، فما عليها أن تفعل شيئًا من ذلك إذا كفاها الرجل، ولكن لها أن تشارك في كل

ذلك ولو توافر الرجال». من هذه المقدمات يواصل الترابي ليجيز اتصال الرجال بالنساء لأن «جلب المصالح الجليلة في اجتماع

المسلمين [رجاالً ونساء] اعتبار يعادل سد الذرائع إلى الفتنة في كل وجه علاقة بين الرجال والنساء لم

تقطع فيها النصوص بحكم فاصل»؛ فللمرأة أن تستقبل ضيوف الأسرة رجاالً ونساء وتخدمهم..

وتجوز لها المصافحة العفوية.. وأن الحجاب بغطاء الوجه والكفين مقصور على نساء النبي وحدهن...

وللمرأة أهلية وحرية مثل الرجل تخطب وتختار الزوج.. وترفض من تُكره عليه.. وتفارق الزوج وهو

راغم.. ويجوز اعتزال الرجل والمرأة على مرأى وملأ من الناس.. وتجوز مجالس الأسر وأكلها مجتمعة في

البيوت وغيرها.. وللمرأة أن تخرج لحاجتها في الطريق.. وتشهد السوق، ولو تاجرة أو مترفة... ولها أهلية

الامتلاك والتصرف.. وأن تشهد مجتمعات المسلمين العامة ومهرجاناتها.. فالحياة العامة ليست للرجال

وحدهم.. بل هي حياة مشتركة لا عزل فيها بين النساء والرجال. وغطى الدكتور الترابي ما توصل إليه باستشهادات غزيرة من الأحاديث النبوية والممارسات العملية

على عهد الرسول (ﷺ)، مثل حديث ابن عمر «لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل»، وقول

الرسول لزوجه سؤدة «إن الله قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن»، ووقائع مثل: أن من النساء من كان

النبي يزورهن ويأكل عندهن.. وشهود النساء لصلاة الجماعة على عهد النبي كله بما في ذلك صلاتا الفجر

والعشاء، وشهودهن المغازي ومشاركتهن فيها، وخروجهن للعيدين حتى غير المصليات منهن... وقد أفادت الحركة الإسلامية السودانية من هذه التجديدات فائدة كبيرة، وتزايد عدد النساء في

صفوف عضويتها حتى طغى عدد الإناث على الذكور، «وأصبح جل قيادة الحركة النسائية

السودانية من الإسلاميات»، بعد أن كانت حكرًا على اليسار السوداني. واستطاعت الحركة أن

تحشد عن طريقها المزيد من الطاقات عبر النساء، وأن تدعم قدراتها بأعداد جديدة من المؤمنات

بفكرها السياسي.

53 الترابي، الاتجاه الإسلامي، ص.19

54 المصدر نفسه، ص.4

55 المصدر نفسه، ص.4

56 الترابي، الاتجاه الإسلامي، ص 1. 7

75 المصدر نفسه، ص.16-5

85 المصدر نفسه، ص.20-4

59 مكي، الحركة الإسلامية في السودان، ص.178

0 6 عثمان، «الحركة الإسلامية الحديثة،» على الموقع الإلكتروني: <http://tanweer.sd/arabic/modules/smartsection/item.

. php?itemid=40>

غير أن زيارة ثانية لهذه النجاحات تكشف أنها لم تكن نجاحات عامة، بل «إن جانبًا كبيرًا من هذه

التغييرات التي تمت كان أمرًا ظاهريًا فحسب»، ذلك أن معظم القضايا التي أباحتها وسمحت بها هذه

الاجتهادات التجديدية هي ممارسات وأساليب حياة معتادة للجانب الأعظم من نساء الريف السوداني.

أمّا المشكلات الحقيقية للمرأة في المجتمع السوداني، وعلى رأسها الفقر والعادات الضارة، وقوانين

الأحوال الشخصية التي تميز ضدها، والتنميط الذكوري لها، والعنف الأسري.. فذلك ممّا لم تقدم فيه

الحركة الإسلامية شيئًا جديدًا. فقد ترك الترابي في كتابه المذكور هذه الجوانب من الفكر السلفي على

حالها، وبرر لها، أحيانًا، بالتقليل من شأنها، كقوله - الذي سبق ذكره- إن النساء لا يتميزن إالّ بأحكام

فرعية محدودة ميزت بين الرجل والمرأة ليتمكن كل منهما من التعبير الأصيل عن تدينه انطلاقًا من طبيعته

البشرية..! أو قوله «ولا سلطان للرجال على النساء إالّ في إطار الزوجية.. وليس للرجل فيها إالّ قوامة

الإنفاق والأمر والتأديب بالمعروف».. ذلك أن هذه الاستثناءات تبقي على جوانب من قانون الأحوال

الشخصية لسنة 991.1

الأقليات في الفكر الإسلامي التجديدي

كذلك أصدرت الحركة الإسلامية في ثمانينيات القرن الماضي ورقة «ميثاق السودان» تفصّل فيها موقفها

من الأقليات الثقافية والدينية والإثنية. خلاصة القول عن ذلك الميثاق كانت إنه يقيد كل الحديث الذي

ورد فيه عن المواطَنة وسيادة الحرية وعلوية الدستور وحكم القانون، والحكومة النيابية - بحكم الشريعة

العام، وبأغلبية «ديموغرافية» يسمّيها الميثاق «الأغلبية الديمقراطية الإسلامية»، لا وجود لها في الواقع

السياسي السوداني. لذلك، بينما يزيل الميثاق الحواجز القانونية المتعلقة بالمساواة أمام القانون، فإنه يبقي

على الحواجز الدينية. وقد شرح أحد قادة هيئة علماء السودان، وهي تنظيم يضم رجال دين معظمهم

من أعضاء الحركة الإسلامية (طلب من الصحيفة التي أجرت معه الحوار عدم ذكر اسمه)، هذه المعادلة

بقوله، إنه «رغم أن دستور السودان ينص على أن المواطَنة هي أساس الحقوق والواجبات ولم ينص على

أن يكون رأس الدولة مسلامً، لكن ذلك معروف ضمنًا لأن المسلمين هم الغالبية ولا يمكن أن يصوّتوا

لغير مسلم في أي انتخابات». فالنص على أن المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات لا يصدر عن

إيمان أو قناعة حقيقية بالمساواة، وإنما اعتمادًا على أن هناك عنصرًا آخر سيعيد الأمور إلى نصابها في عدم

جواز ولاية غير المسلم.

أطروحة المذهب الجمهوري

كان الإخوان الجمهوريون - وهُم حزب سوداني تستند مضامينه إلى الثقافة الصوفية لشمال السودان،

أسّسه في سنة 9451 المفكر الإسلامي محمود محمد طه مع لفيف من المثقفين السودانيين ذوي التوجهات

الفكرية المتقاربة - قد طرحوا منذ الخمسينيات مذهبية إسلامية تنتقد الدعوة إلى دستور إسلامي يستند إلى

61 المصدر نفسه.

26 الحياة (لندن)،.2007/6/6

63 مختار، ص 8.6

الشريعة، وتصف من يدعون إلى ذلك بالجهل بطبيعة كلٍّ من الدستور والشريعة. وقد جاء ذلك بالتزامن

مع أولى الدعوات للدستور الإسلامي التي كان يقف وراءها ويدعمها الإخوان المسلمون السودانيون في

منتصف عقد الخمسينيات. وبدءًا من منتصف الستينيات، وبالتزامن مع الدعوة والحملة الثانية للدستور

الإسلامي، صارت المقولة التي رفعها الحزب وأصبحت بمنزلة العلامة المسجلة للجمهوريين ولزعيمهم

محمود محمد طه، والعلامة الأكيدة ل«ما بعد السلفية» في فكرهم، هي: أن «الشريعة بصورتها التي نزلت

بها في القرن السابع الميلادي.. لا تصلح لإنسانية القرن العشرين». تقوم أسس المذهبية الإسلامية للفكر الجمهوري على ضرورة تطوير التشريع الإسلامي «بالانتقال من

الآيات المدنية التي قامت عليها بعض صور الشريعة إلى الآيات المكية - التي نُسخت في ذلك الوقت

لعدم تهيؤ المجتمع لها- حيث الدعوة إلى الديمقراطية والاشتراكية والمساواة الاجتماعية». وذلك لأن

الإسلام، بحسب هذه المذهبية، رسالتان: رسالة أولىتقوم على فروع القرآن، وهي مرحلية في كثير من

صورها، وما عادت ملائمة لحاجة اليوم؛ ورسالة ثانية تقوم على أصول القرآن، وهي سنّة النبي (ﷺ)،

عاشها وحده، ولم تعشها الأمّة المؤمنة في ذلك الوقت لأنها أكبر من حاجتها، ونحن نقول إنها كانت

مدَّخرة ليوم الناس هذا.

حقوق المرأة في الفكر الجمهوري

انطلق الجمهوريون من هذه القاعدة لتطوير جوانب الشريعة وتفصيلها، حيث كان موضوع المرأة من

أهم الموضوعات التي عالجها محمود محمد طه الذى دعا إلى تطوير التشريع في ما يتعلق بحقوقها، وفصل

الفكر الجمهوري الكثير من هذه التطويرات بحيث تضع المرأة في موضعها الصحيح، متجاوزًا بذلك

القصور الفكري الذي ظل طابعًا للفكر الإسلامي السلفي تجاه وضع المرأة. وظلت قوانين الأحوال

الشخصية المستندة إلى الشريعة هي المستهدف الرئيس بالنقد والتطوير في الفكر الجمهوري. فدعت

الأخوات الجمهوريات المرأة السودانية سنة 7319 إلى عدم الاهتمام فقط بالحقوق السياسية، بل: «عليكن

أن تعلمن أن حقوقكن التي يجب أن تطالبن بها، وتسعين إليها بكل سبيل، وتوظفن لها كل طاقة، إنما هي

أساسًا حقوقكن في بيوتكن، تلك الحقوق التي ينظّمها ما يسمّى بقانون الأحوال الشخصية.. إن الظلم

والضيم الواقع على المرأة إنما يأتي أساسًا من قانون الأحوال الشخصية.. ذلك القانون الذي جعل المرأة

في منزلها خادمة وضيفة، مهددة بشبح الطلاق والتعدد». وبناءً على الأسس السالفة الذكر، يتوصل

64 محمود محمد طه، أسس دستور السودان لقيام حكومة جمهورية فدرالية ديمقراطية اشتراكية، ط 2 (أمدرمان: مطابع سودان

ايكو، 8196) (نسخة الكترونية بدون ترقيم)، على الموقع الإلكتروني: <http://www.alfikra.org/chapter_view_a.php?book_

. id=4&chapter_id=2>

وكانت الطبعة الأولى صدرت 1955، وجاء في مقدمة الطبعة الثانية (وظهرت الحاجة اليوم لإعادة طبعه، فلم نجد ما نحذفه منه، ولم

نجد ضرورة لإضافة شيء عليه).

65 محمود محمد طه، الرسالة الثانية من الإسلام (أمدرمان: الحزب الجمهوري، 7196)، الغلاف الخلفي، «هذا الكتاب».

66 «لمحات من سيرة الأستاذ محمود محمد طه،» (الفكرة الجمهورية (موقع إلكتروني:)) http://www.alfikra.org/index.php> <.

7 6 يتكرر هذا المبدأ في معظم الكتابات الجمهورية، مأخوذ هنا (حيث ورد بالدارجة السودانية) من: الإخوان الجمهوريون، المرأة في

أصول القرآن، عام المرأة العالمي 7519؛ 8 (أمدرمان: [الإخوان]، 7519) (النسخة الإلكترونية من دون ترقيم)، على الموقع الإلكتروني:

. < http://www.alfikra.org/book_view_a.php?book_id=57>

8 6 الأخوات الجمهوريات، أضواء على شريعة الأحوال الشخصية (أمدرمان: [الأخوات]،.)1973

الجمهوريون إلى أن «مساواة النساء بالرجال هي مساواة قيمة.. ومعنى ذلك أن المرأة كإنسان وفي المجتمع

كمواطنة ذات قيمة مساوية لقيمة الرجل في نفسه كإنسان وفي المجتمع كمواطن.. وهذه المساواة تقوم

وإن وقع الاختلاف في الخصائص النفسية والعضوية في بنية الرجال والنساء، وإن اختلفت الوظيفة

الاجتماعية وميدان خدمة المجتمع».ويدعو الجمهوريون المرأة إلى التمسك ببعث آيات الأصول، «فإنه

لا كرامة لك إالّ فيها»، حيث إن وضع المرأة في آيات الأصول يكفل لها: المساواة أمام القانون بدالً من

وصاية الرجال عليها من خلال القوامة في آيات الفروع، ويساويها في الشهادة أمام المحاكم، ويجعل لها

الولاية على نفسها من دون حاجة إلى ولي أيًا يكن، ويسقط عنها المهر المادي في الزواج. كذلك ينتفي عنها

بيت الطاعة، ولا يكون الطلاق حقًا للرجل وإنما يتطلب تدخّل الحكمين أولا كما أن الاختلاط في آيات

الأصول ضرورة لا ينصلح المجتمع والأفراد إالّ به...

حقوق الأقليات في الفكر الجمهوري

في ما يتعلق بحقوق الأقليات في المشاركة والمواطَنة المتساوية، أفاد الحزب الجمهوري من نشأته السودانية

الملتصقة بالواقع السوداني والمتفاعلة مع تنوعه، فكانت مشكلة جنوب السودان التي تعربّ – كما سبق

القول- عن صراع المواطَنة على مستوى الأقليات الثقافية والدينية والإثنية، هي احدى قضيتين أخرج

من أجلهما الحزب الجمهوري منشوراته التي واجهت الإنكليز سنة 9461 والتي جرى في إثرها سجن

مفكر الحزب وزعيمه محمود طه سجنه الأوّل (القضية الثانية: الوصاية الاجتماعية على السودانيين). ثم

كانت مشكلة الجنوب أيضًا هي إحدى القضايا التي من أجلها أخرج الجمهوريون منشورهم الشهير (هذا

أو الطوفان) سنة 8419، يطالبون فيه بإلغاء قوانين الشريعة التي فرضها نظام نميري في أيلول/ سبتمبر

8319، درءًا للفتنة الدينية بين أبناء الوطن، وصونًا لوحدة ترابه، وهو المنشور الذي تصاعدت تداعياته

إلى محاكمة محمود وإعدامه فى كانون الثاني/ يناير 85.19 كذلك كان الحزب الجمهوري هو أول حزب

سوداني يدعو إلى النظام الفدرالي لحكم السودان، وذلك حتى قبل أن يدعو إليه الجنوبيون أنفسهم. يتأسس الموقف الفكري للجمهوريين من قضية جنوب السودان حول مقولة شهيرة لمحمود طه قال فيها

إن «حل مشكلة الجنوب في حل مشكلة الشمال»، يريد بذلك أن «مشكلة الجنوب إنما هي بنت افتقار

القوى السياسية السودانية إلى المذهبية الفكرية الرشيدة». ويقصد الجمهوريون بهذه المذهبية الرشيدة

الانتقال من آيات الفروع – المرحلية – المدنية إلى آيات الأصول – سنّة الرسول في خاصة نفسه – المكية

والتي يجري بها الانتقال بالإسلام «من مستوى العقيدة إلى مستوى الإيقان، وفي هذا المستوى الناس لا

يتفاضلون بالعقيدة، وإنما يتفاضلون بالعقل والخلق (...)، [كما] لا يقع تمييز ضد مواطن بسبب دينه». تبعًا لذلك، يرفض الجمهوريون الدساتير الإسلامية التي تقوم على الشريعة، لأنها تؤدي إلى قيام الدولة

الدينية. ويقولون إنهم لا يسمّون دستورهم إسلاميًا على الرغم من أن مصدره القرآن، لأنه «لا يسعى

69 الإخوان الجمهوريون، عام المرأة العالمي عام 1975، عام المرأة العالمي 7519؛ 1 (أمدرمان: [الإخوان]، 7519)، على الموقع

. < http://www.alfikra.org/book_view_a.php?book_id=36> الإلكتروني:

70 الإخوان الجمهوريون، المرأة في أصول القرآن.

71 «لمحات من سيرة الأستاذ محمود محمد طه.»

72 محمود محمد طه، أسس حماية الحقوق الأساسية (أمدرمان: الحزب الجمهوري، 1969) (نسخة إلكترونية من دون ترقيم)، على

. <http://www.alfikra.org/book_view_a.php?book_id=17> الموقع الإلكتروني:

لإقامة حكومة دينية، وإنما يسعى لإقامة حكومة إنسانية يستظل بظلها كل البشر بصرف النظر عن ألوانهم

وألسنتهم ومعتقداتهم، على قدم المساواة في الحقوق والواجبات». فالرسالة الأولى المرحلية من رسالتي

الإسلام – بحسب الجمهوريين السودانيين - تقوم «على التمييز بين المسلمين وغير المسلمين، وبين الرجال

والنساء، في نظامها الاجتماعي الداخلي، وعلى الحرب الجهادية في علاقاتها الخارجية. أمّا الرسالة الثانية

[التي يدعون إلى الانتقال إليها] فتقوم - في نظامها الاجتماعي الداخلي- على المساواة العامة بين أفراد

البشر بغضّ النظر عن أديانهم، أو نوعهم الجنسي، أو ألوانهم، أو ثقافتهم، أو لغاتهم».

الهوية في مقابل النهضة

لقد برهنت هذه التجارب على صحة ما ذهب إليه باحثون ومفكرون كثيرون من أن الفكر الإسلامي

السلفي يعاني ع الً أساسية – كما ورد أعلاه - يأتي في مقدمتها انقطاعه - بسبب اعتماده على النقل- عن

العلوم والمعارف الحديثة المادية والمعنوية، وأن ذلك ترك أثرًا في تديّن المسلمين وفهمهم لدينهم. ثم ترتب

على هذا الانقطاع عن العلوم والمعارف مفارقة للواقع المعاصر وانقطاع عنه. وذلك بالإضافة إلى علة ثالثة

هي أن الفقه، بلجوئه إلى الشروح وشروح الشروح واتصافه بالفروعية و«النزعة التجزيئية الذرية»،

قد ابتعد وانقطع أيضًا عن غاياته الكلية في أصوله المرجعية من القرآن والسنّة النبوية. فالإسلام في الحديث النبوي الشريف الذي رواه أبو داؤود في سننه: «إن الله يبعث لهذه الأمّة على رأس كل

مائة سنة من يجدد لها دينها»، يقر بالحاجة إلى تجديد الدِّين بعد كل فترة، وذلك إقرار أيضًا بأنه سيستجد

من أحوال الحياة وشؤونها ما يقتضي هذا التجديد. فالتجديد هو، إذًا، المبدأ الذي يستجيب به الإسلام

للتحديات التي يطرحها كل عصر على المجتمعات الإسلامية، وهو أيضًا آلية تكييف الدِّين مع الواقع

الجديد وقاعدته للحركة مع التاريخ. فالإسلام، وفقًا لهذا الحديث، هو دين تجديدي تطوري: أولا لأن

أحكامه وشرائعه جاءت لتجديد الحياة وتطويرها باتجاه إرادة الخلق في «تعمير الأرض بالقسط»، وهذا

على وجه التحديد ما فعلته الأحكام والشرائع الإسلامية بالمجتمع الذي نزلت عليه: إنها قادته إلى أطوار

جديدة، وحققت بذلك أغراضها وما هو مطلوب منها. وثانيًا لأنه بدعوته للتجديد المرحلي يفسح لذلك

المجتمع وغيره من المجتمعات الإسلامية السير مع سنّة كونية، وتحقيق حاجتها إلى أحكام وشرائع جديدة

تلائم مرحلة التطور التي تحققت، وتقود هذه المجتمعات - في تطور جديد ومتواصل- إلى مرحلة أرقى

وأرفع في مراقي تعمير الأرض بالقسط. وقد اتخذ هذا الترقي على المستوى الإنساني المعاصر مسارًا يتجه باطراد نحو درجات أرفع من التطوير

الاقتصادي والرفاه المادي، والعدالة الاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية السياسية التي تجد أفضل

أساس لها في المواثيق والعهود الدولية للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية

والثقافية، بما فيها الحقوق المتساوية للمرأة، وحقوق المواطَنة في المساواة والمشاركة وتشكيل الهوية الوطنية

لجميع مكوِّنات المجتمع المعني.

73 المصدر نفسه.

74 مختار، ص.63

75 زكي الميلاد، الإسلام والتجديد: كيف يتجدد الفكر الإسلامي؟ (بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 0082)، ص.74

76 لورانس آي. هاريزون وصمويل بي هنتجتون، محرران، الثقافات وقيم التقدم، ترجمة شوقي جلال، ط 2 (القاهرة: المجلس الأعلى

للثقافة، 0092)، ص.22

مقتضيات التجديد

كانت إجابة الإمام محمد عبده أننا – لكي نصحح الوضع - يجب أن نعتمد النظر العقلي لتحصيل الإيمان،

وأن نقدّم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض، وأن نعتبر بسنن الله في الخلق، وأن ننفتح على علوم

الآخرين حتى لو كانت علومًا غير دينية، وأن نفهم عن الله ورسوله بلا وساطة أو سلطة دينية، وأن لا

نلجأ لتكفير من نختلف معه.... وأجاب الفيلسوف الإسلامي محمد إقبال بأن الأسباب التي أوصلت

الفكر الديني التشريعي في الإسلام إلى حالة الجمود التي وصل إليها هي: -1 تعثّر وفشل الحركة العقلية

التي ظهرت في صدر الدولة العباسية؛ -2 ظهور التصوف متأثرًا بطابع نظري يهمل الجوانب الاجتماعية

في الإسلام؛ -3 تخريب بغداد، مركز الحياة الإسلامية، في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي. وهو يرى

أن حكم القرآن على الوجود أنه «خلق يزداد ويترقى بالتدريج»، وأن ذلك يقتضي «الاجتهاد المطلق الذي

يُعطي كامل الحق في التشريع». ويذهب محمد البهي، المدير الأسبق لجامعة الأزهر والوزير في عهد

عبد الناصر، أن هناك حاجة إلى إصلاح ديني يعرّفه بأنه «محاولة السير بالمبادئ الإسلامية من نقطة الركود

التي وقفت عندها في حياة المسلمين إلى حياة المسلم المعاصر، حتى لا يقف مسلم اليوم موقف المتردد بين

أمسه وحاضره عندما يصبح في غده». ويقول الدكتور الطيب زين العابدين إن من يقرأ مؤلفات حسن الترابي «يجد [أنه] يؤمن بمبادئ حقوق

الإنسان المتعارف عليها عالميًا، ويبحث لها عن نصوص دينية من القرآن الكريم والسنّة النبوية ليقنع الجماهير

المسلمة أن هذه الحقوق لا تتعارض مع تعاليم الإسلام، بل سبق بها الإسلام التجربة الغربية». هذا

عن فكر حسن الترابي، أمّا عن موقفه هو نفسه، فيقول: «عادة ما يستشهد المسلمون بدولة النبوة ودولة

الخلافة الراشدة على أنها النموذج الأعلى في تطبيق مبادئ الإسلام وأحكامه، ولا يعني ذلك أنها كانت

خارج إطارها الزماني والمكاني، وهو ممّا يقيم الحجة على أن الإسلام لا يعني استنساخ تلك الفترة الذهبية

في كل زمان ومكان. والحقيقة أن استنساخ فترة تاريخية ماضية قبل مئات السنين يستحيل عقالً وواقعًا

مهما رغب الناس في ذلك». وقد عزز الفكر العربي المعاصر مطالب الإصلاح الديني، وذلك بدءًا بمساعي الموسوعيين الشوام لتوطين

المعارف الإنسانية الجديدة المتعلقة بمفاهيم التسامح الحرية والمساواة والعلم، والتي تلتقي في تصوراتها

العامة مع مقدّمات الإصلاح الديني، مرورًا بمساهمات عبد الله العروي وهشام جعيط اللذين دعوَا إلى

الاستفادة من مكاسب التاريخ المعاصر ودروسه في تعزيز أفق الإصلاح الديني، وحتى جهد نقد العقل

الإسلامي الذي بذله أركون والجابري وساهم بقدر كبير في تفكيك المنظومة السلفية والتقى بذلك مع

جهد الإصلاح الديني وجهد آخر لمفكرين عرب.

77 محمد عبده، «أصول الإسلام،» في: محمد عبده، الإسلام دين العلم والمدنية، تحقيق ودراسة عاطف العراقي (القاهرة: دار مصر

المحروسة، 0082)، ص.128-113

78 الميلاد، ص -40.42

79 المصدر نفسه، ص.124

80 زين العابدين، «تجربة الحركة الإسلامية،» ص.8

81 الطيب زين العابدين، «المواطنة والدين،» ورقة قُدمت إلى: «المواطنة في ظل التعدد العرقي والثقافي،» (ورشة حوار نظمها المنتدى

المدني القومي، الخرطوم،.)2011/10/5-4

82 كمال عبد اللطيف «ما بعد الثورات العربية: الإصلاح الديني والعلمانية،» ورقة قُدمت إلى: «الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي:

تجارب واتجاهات.»

نتيجة لهذه الجهود والمساهمات، ما عاد السؤال: هل هناك ضرورة للتجديد والإصلاح أم لا، فذلك سؤال

قد حُسم بضرورته، وبصورة ملحة وعاجلة من أجل مخاطبة ومعالجة قضايا مركزية في حياة المجتمعات

الإسلامية، وللخروج من الأزمة العميقة التي تعيشها هذه المجتمعات منذ عدة قرون، والتي تعود في

المقام الأول إلى فشل أطرها الفكرية والمعرفية والثقافية التقليدية في مجابهة واقع الفقر والتخلف والاستبداد

والتبعية، وفي توليد معارف تواجه بها تحديات التنمية والمشاركة والمساواة والهوية بالصورة المطلوبة.

كذلك حسمت هذه المساهمات والآراء ما هو المقصود بالتجديد والإصلاح على أنه الجانب التشريعي

القانوني المتحرك من الإسلام، وليس الجانب العقيدي الثابت نسبيًا. لقد وصل الفكر الإسلامي بصورة

عامة إلى المرحلة التي أصبح عليه فيها إنجاز أعمال تنتقل به من مرحلة البحث عن الحاجة للتجديد،

وتأكيد ضرورته، إلى أعمال تؤسس لفعل التجديد في ذاته، وتفصل أسسه (العلم والعدل) ومناهجه.

مداخل سياسية ل«ما بعد السلفية»

طرح عدد من المفكرين الذين ينتمون إلى التيار الإسلامي العام، وإن لم يكونوا أعضاء في الحركات الإسلامية

الناشطة سياسيًا، أطروحات تدعو إلي استيعاب الآخر وضمان الحقوق المتساوية لجميع المواطنين، وذلك

من منطلقات «تستلهم التراث الإسلامي وتستند إلى فهم جديد للنصوص والتاريخ والواقع».

ويستعرض الدكتور عبد الوهاب الأفندي هذه الأطروحات قائالً: إن من أبرز هذه المحاولات كتابات

الدكتور محمد فتحي عثمان (مصر) الذي نشر في مطلع الستينيات كتابه الفكر الإسلامي والتجديد ودعا

فيه إلى تبنّي خطاب إسلامي يستند إلى حقوق الإنسان. وأنه قد استجاب لدعوته عدد من الكتّاب

والمفكرين كان من أبرزهم الكاتب (المصري أيضًا) فهمي هويدي في كتابه مواطنون لا ذمّيونالذي دعا

فيه إلى التخلي عن المنهج القديم في التعامل مع الأقليات غير المسلمة والتعامل معها على أساس المساواة. ويستطرد الأفندي قائالً: جاءت بعد ذلك إضافات مهمة، أبرزها مساهمة الدكتور سليم العوا، الذي

برر لهذا التحول بالانتقال من شرعية الفتح إلى شرعية التحرير. وبحسب العوا فإن وضع غير المسلمين

في الدولة الإسلامية التقليدية انطلق من كونهم كانوا خاضعين للفتح الإسلامي. ولكن غير المسلمين

أصبحوا شركاء كاملي العضوية في الدولة الحديثة من منطلق مشاركتهم المتساوية في النضال من أجل

التحرير. وكانت هناك أيضًا مساهمة المستشار طارق البشري الذي نبّه إلى أن قيام الدولة التي تقوم على

الأساس الجغرافي يتطلب التحول من اعتبار الدين أساس المواطنة كما كان الأمر في الدولة الإسلامية

التقليدية، إلى اعتبار الانتماء الجغرافي هو المعيار. ويمكن إضافة مساهمة الصادق المهدي إلى هؤلاء؛ إذ قدم مساهمة كبيرة على طريق الإصلاح الديني

بمعايير السعي إلى مصالحة الإسلام مع العلم والعدل التي تعتمدها هذه الدراسة، وتبنى في أكثر اجتهاداته

نهج المقاصد. ومن ثم عربّت جهوده الفكرية الغزيرة عن فكر إسلامي تقدمي يستوعب الديمقراطية

الليبرالية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة، بما في ذلك موافقته على اتفاقية إزالة جميع أشكال التمييز ضد

المرأة، والتعددية الثقافية والدينية. لكن على العكس ممّا يذهب إليه الأفندي، لا يبدو على الأطروحات التي ذكرها أنها طورت إطارًا فكريًا

83 الأفندي، «الإسلاميون ومفهوم المواطنة.»

أو أخلاقيًا مقنعًا يشير إلى أن هذه المبادرات تنبع من فهم لقيم الإسلام؛ ذلك أن تصورها للعنصر الزمني

أو التاريخي في الدين هو تصور فجائي غير متدرج، لا يأخذ في الاعتبار أن التاريخ هو سلسلة من المراحل

المتتابعة. كما أنها لا تكشف عن آلية انتقال واضحة مع الزمان. كذلك لا تغطي أطروحة (التحرير) حقوق

المواطَنة المتساوية للنساء، لأن حجتها ونقطة البدء فيها تقومان على التخلي عن فقه الذمة الذي لا يحكم

وضع النساء. كما أنه ليس من الواضح كيف يستلهم الانتماء الجغرافي التراث والنصوص الإسلامية في

أطروحة التحول من الدِّين إلى المعيار الجغرافي كأساس للمواطَنة. ويتضح ممّا سبق أنه بالإضافة إلى الموافقة

لقيم العدل والعلم، فإن الآلية والإطار الفكري الموافق لأصول الإسلام والمستند إلى نصوص القرآن هما

عنصر بالغ الأهمية في عملية الإقناع بمنهج التجديد وتحقيق قبوله، أكان في الأوساط الإسلامية أم بين غير

المسلمين في ما يتعلق بحقوقهم في المواطَنة المتساوية.

الانتفاضات العربية ترسخ لما بعد السلفية

لقد غطت زحمة الصراعات السياسية العنيفة والمخاوف الواسعة لفئات غير إسلامية، والتي انفجرت بعد

صعود الحركات الإسلامية والسلفية إلى السلطة في كل من مصر وتونس- غطت على التطورات البالغة

الأهمية التي حدثت على مستوى الفكر السياسي للحركات الإسلامية ذات المرجعية الإخوانية في البلدين،

والمتمثّلة في تخلّيها عن مطلبها التاريخي بتطبيق الشريعة؛ ففي حين أراد، مثالً، حزب النور السلفي في مصر

تغيير مضمون المادة الثانية من الدستور التي يُقرأ نصها «الإسلام دين الدولة الرسمي، واللغة العربية

لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع- تغييرها عن طريق استبدال «أحكام الشريعة»

ب«مبادئ الشريعة» أو حذف كلمة مبادئ والإبقاء على «الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع»، أصر حزب

الحرية والعدالة على ضرورة الإبقاء على المادة الثانية على حالها «سعيًا إلى التوافق الوطني وخروجًا من

دائرة الخلاف مع القوى السياسية الأخرى». كذلك قررت حركة النهضة الاحتفاظ بالفصل الأول من دستور 9591 الذي ينص على أن «تونس دولة

حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها-» «كونه محل إجماع جميع

فئات المجتمع التونسي»، بحسب ما جاء على لسان الناطق الرسمي باسمها في آذار/مارس 2012.

كما أبقت حركة النهضة على مجلة الأحوال الشخصية التونسية كما هي، على الرغم من تعارضها مع الشريعة

كما يقررها الفقه السلفي. وقد مهّد الدستور التونسي، بامتناعه عن الإشارة إلى قضية الشريعة، «لفهم

متطور لها باعتبارها تحيل على التوجيهات الأخلاقية التي سنّها الإسلام، وليست الأحكام التفصيلية

الواردة في الكتب الفقهية القديمة، فهذه الأحكام قد تكون بررتها طبيعة عصرها لكنها ليست ملزمة

لمسلمي هذا العصر». كذلك أقر حزب العدالة والتنمية المغربي مبدأ الحرية العقدية وحماية الحريات الفردية والجماعية انطلاقًا من

أنه «لا يجوز ولا يمكن اللجوء إلى أي أشكال الإكراه في الدِّين: عقيدة وشريعة وأخلاق، وأن هذه القضايا

84 عبد الله تركماني، «الدولة والمواطنة في فكر الإسلام السياسي المعاصر وتجربتة،» ورقة قُدمت إلى: «الإسلاميون ونظام الحكم

الديمقراطي: تجارب واتجاهات.»

85 المصدر نفسه.

86 المصدر نفسه.

تقدم أساسًا من خلال الإقناع، وأنها مجال للضمير والفكر والوجدان، وليست مجاال لسلطة الدولة أو

إكراهات القانون». وعرّف حزب العدالة والتنمية نفسه في قانونه الأساس بأنه «حزب سياسي وطني

يسعى انطلاقًا من المرجعية الإسلامية إلى الإسهام في بناء مغرب حديث وديمقراطي». وقبل الانتفاضات العربية، أسس حزب العدالة والتنمية التركي نموذجًا أسماه البعض «العلمانية

المؤمنة»، قدّم فيه إسلامًا متعايشًا مع العصر، منفتحًا على العالم، معترفًا بالحداثة، حريصًا على الهوية

الإسلامية بلا تحفّظ أو إكراه.. حيث أعلن قادة الحزب التزامهم الكلي بقواعد التعددية السياسية، وعزمهم

على حماية حقوق الإنسان، وعدم التدخّل في الحياة الخاصة لمواطنيهم، أو التعسف بتغيير نمط حياتهم عن

طريق سلطة الدولة. إن هذه التجارب والتطورات في بلدان الانتفاضات العربية، بالإضافة إلى أجواء الديمقراطية والحرية

التي تعيشها هذه البلدان، والمعارضة والمقاومة القوية التي تواجهها الأحزاب الإسلامية الحاكمة فيها

عند أي إيحاءات أو محاولات ل«تمكين الأسلمة»، إضافة إلى ما أحدثته التجارب السلفية الفاشلة، خاصة

في السودان، – هذه كلها ساهمت في الانتقال بالفكر الإسلامي أولى وأهم الخطوات: مرحلة ما بعد

السلفية، وهي التخيلّ عن الإصرار على تطبيق الشريعة، وانتقلت بذلك بالمجتمعات الإسلامية، عمليًا،

خطوة بالغة الأهمية إلى مرحلة تاريخية جديدة، وذلك على الرغم ممّا يبدو على السطح من صعود وفوران

للتنظيمات السلفية. لكن، وكما كانت الحال مع المداخل السياسية لما بعد السلفية، فإن نقطة ضعف جهود الإصلاح السياسي

التي قامت بها الحركات الإسلامية المذكورة هي ضعف تأصيلها الفكري الإسلامي؛ إذ لا يؤسس لها أو

يعززها اجتهاد ديني واضح ومتسق، أكان على مستوى نقد المنظومة السلفية وتفكيكها أم على مستوى

التعايش مع الآخر، وذلك على الرغم من أنها تحمل في أحشائها قناعة مستبطنة بأن تطبيق الشريعة

أصبح يثير من المشكلات أكثر ممّا يقدم من حلول، ويعرّض وحدة البلد وتماسك نسيجها الاجتماعي

للمخاطر والتهديدات. وبذلك أصبح الانتقال إلى مرحلة ما بعد السلفية هو الحقيقة الواقعة التي تنتظر

تأسيسها الفكري وتأصيلها الديني المتوافق مع القرآن والسنّة النبوية.

87 أمحمد جبرون، «الإسلاميون في طور تحول من الديمقراطية الأداتية إلى الديمقراطية الفلسفية (حالة حزب العدالة والتنمية المغربي)،»

ورقة قُدمت إلى: «الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي: تجارب واتجاهات.»

88 محمد همام، «الإسلاميون المغاربة والديمقراطية: جماعة العدل والإحسان نموذجا،» ورقة قدمت إلى: «الإسلاميون ونظام الحكم

الديمقراطي: تجارب واتجاهات.»

89 تركماني، «الدولة والمواطنة».

09 المصدر نفسه.

91 جبرون، «الإسلاميون في طور تحول ”.

المراجع كتب

إبراهيم، عبد الله علي. الشريعة والحداثة: مبحث في جدل الأصل والعصر. القاهرة: دار الأمين،.2004

ابن الطيب، محمد. إسلام المتصوفة. بيروت: دار الطليعة،.2007

أبو زيد، نصر حامد. التجديد والتحريم والتأويل: بين المعرفة العلمية والخوف من التكفير. الدار البيضاء؛

بيروت: المركز الثقافي العربي،.2010

أحمد، أحمد أحمد سيد. تاريخ مدينة الخرطوم تحت الحكم المصري، 1885-1820. القاهرة: الهيئة المصرية

العامة للكتاب،.2000

الأخوات الجمهوريات. أضواء على شريعة الأحوال الشخصية. أمدرمان: [الأخوات]،.1973

الإخوان الجمهوريون. المرأة في أصول القرآن. أمدرمان: [الإخوان]، 75.19 (عام المرأة العالمي 7519؛

8)، على الموقع الإلكتروني: http://www.alfikra.org/book_view_a.php?book_id=57< >.

الإخوان الجمهوريون. عام المرأة العالمي عام 1975. أمدرمان: [الإخوان]، 75.19 (عام المرأة العالمي 7519؛

. > http://www.alfikra.org/book_view_a.php?book_id=36< على الموقع الإلكتروني:1)

ألير، أبيل. جنوب السودان: التمادي في نقض المواثيق العهود. ترجمة بشير محمد سعيد. لندن: شركة

ميدلايت، 992.1

البدوي، ابراهيم وسمير المقدسي (محرران). تفسير العجز الديمقراطي في الوطن العربي. ترجمة حسن

عبد الله بدر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 011.2 (وقفية جاسم القطامي للديمقراطية

وحقوق الإنسان)

الترابي، حسن. الاتجاه الإسلامي يقدم المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع. جدة، السعودية: الدار

السعودية للنشر والتوزيع،.1984

الترابي، حسن. تجديد الفكر الإسلامي. الرباط: دار القرافي للنشر والتوزيع، 993.1

الترابي، حسن. الحركة الإسلامية في السودان: التطور والكسب والمنهج. ط.2 الخرطوم: معهد البحوث

والدراسات الاجتماعية، 992.1

رحال، حسين علي. إشكاليات التجديد: دراسة في ضوء علم اجتماع المعرفة. بيروت: دار الهادي للطباعة

والنشر والتوزيع،.2004

سليمان، محمد. دور الأزهر في السودان. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1985

ضو البيت، شمس الدين الأمين. الحركات الإسلامية في السلطة: إشكال المنهج والتطبيق (السودان

نموذجًا). الخرطوم: المجموعة السودانية للديمقراطية أولا، 013.2 (قراءة من أجل التغيير)

طه، محمود محمد. أسس حماية الحقوق الأساسية. أمدرمان: الحزب الجمهوري، 969.1 على الموقع

. > http://www.alfikra.org/book_view_a.php?book_id=17< الإلكتروني:

طه، محمود محمد. أسس دستور السودان لقيام حكومة جمهورية فدرالية ديمقراطية اشتراكية. ط.2

أمدرمان: مطابع سودان ايكو،.8196

طه، محمود محمد. الدستور الإسلامي: نعم ولا. الخرطوم: مطابع سودان ايكو،.8196

طه، محمود محمد. الرسالة الثانية من الإسلام. أمدرمان: الحزب الجمهوري،.7196

عبد القادر، محمد الخير. نشأة الحركة الإسلامية في السودان، 1956-1946. الخرطوم: الدار السودانية

للكتب، 999.1

عبد الماجد، عواطف. رؤية تأصيلية لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. الخرطوم: مركز

دراسات المرأة، 999.1

عبده، محمد. الإسلام دين العلم والمدنية. تحقيق ودراسة عاطف العراقي. القاهرة: دار مصر المحروسة،.2008

العتباني، هويدا صلاح الدين (المحرر). أوراق ورشة عمل قضايا وإشكاليات الدولة الإسلامية المعاصرة:

السودان نموذجًا. الخرطوم: جامعة جوبا، مركز دراسات السلام والتنمية،.2006

مختار، الباقر العفيف. الأصيل والدخيل في الثقافة الإسلامية السودانية. ترجمة شمس الدين ضو البيت.

[الخرطوم]: المجموعة السودانية للديمقراطية أولا،.2013

مشروع وثيقة دستور يراعي منظور النوع الاجتماعي (الجندر). الخرطوم: جامعة الخرطوم، معهد

الدراسات والبحوث الإنمائية، 011.2 (المرأة السودانية وقضايا ما بعد الاستفتاء: سلسلة المرأة

السودانية والدستور المرتقب؛ 2)

مكي، حسن. الحركة الإسلامية في السودان، 1969 – 1985: تاريخها وخطابها السياسي. ط.2 الخرطوم:

الدار السودانية للكتب، 999.1

الميلاد، زكي. الإسلام والتجديد: كيف يتجدد الفكر الإسلامي؟. بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي

العربي،.2008

هاريزون، لورانس آي. وصمويل بي هنتجتون (محرران). الثقافات وقيم التقدم. ترجمة شوقي جلال. ط

.2 القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2009

هيل، سوندرا. سياسات النوع (الجندر) في السودان. ترجمة شمس الدين ضو البيت. الخرطوم: مركز

سالمه لمصادر ودراسات المرأة،.2011

يسين، السيد [وآخرون]. التراث وتحديات العصر في الوطن العربي (الأصالة والمعاصرة): بحوث

ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية. ط.2 بيروت: مركز

دراسات الوحدة العربية،.1987

ندوات ومؤتمرات

«الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي: تجارب واتجاهات.» (مؤتمر علمي نظمه المركز العربي للأبحاث

ودراسة السياسات, الدوحة، 8-6 تشرين الأول/ أكتوبر.)2012

الدورة العادية ال 46 للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، بانجول، غامبيا، 12 تشرين الثاني/

نوفمبر.2009

«مسائل المواطنة والدولة والأمة.» (المؤتمر السنوي الثاني في موضوع «الإسلاميون ونظام الحكم الديموقراطي»،

نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، -2829 أيلول/ سبتمبر.)2013

«المواطنة في ظل التعدد العرقي والثقافي.» (ورشة حوار نظمها المنتدى المدني القومي، الخرطوم،

وثائق

الأفندي، عبد الوهاب. «الإسلاميون ومفهوم المواطنة.» (الجزيرة نت،.)2006/4/26

عثمان، طارق أحمد. «الحركة الإسلامية الحديثة في السودان ومسألة التغيير الاجتماعي.» (ورقة بحثية، مركز

التنوير المعرفي)، على الموقع الإلكتروني: http://tanweer.sd/arabic/modules/smartsection/<

. > item.php?itemid=40

«لمحات من سيرة الأستاذ محمود محمد طه.» (الفكرة الجمهورية (موقع إلكتروني:)) http://www.<

. > alfikra.org/index.php