Return to Article Details تقديم لمجموعة من الكتب

تقديم لمجموعة من الكتب

نيروز ساتيك *

الملخّص

تقدم هذه الورقة تقديمًا مختصرًا لثلاثة كتب هي: "المهمَّشون في صعيد مصر: آليات السيطرة والخضوع" للمؤلفة آمال طنطاوي، "البركان قصة انطلاق المقاومة العراقية" للمؤلف وليد الزبيدي، "إشكالية الدولة والطائفة والمنهج في كتابات تاريخية لبنانية: من لبنان الملجأ إلى «بيوت العنكبوت»" للمؤرخ وجيه كوثراني.

الكلمات المفتاحية:
  • الطائفية في لبنان
  • الصعيد المصري
  • المقاومة العراقية
  • الحداثة

الكتاب: المهمَّشون في صعيد مصر: آليات السيطرة والخضوع الكاتب: آمال طنطاوي مكان النشر: القاهرة الناشر: القاهرة/الهيئة العامة المصرية للكتاب تاريخ النشر: 2012 عدد الصفحات 250:

تكمن أهمية الكتاب في سبره أغوار قضية «التهميش الاجتماعي» بين آليات السيطرة الأيديولوجية وأشكال الممارسة السياسية، وذلك في حدود بنية المجتمع الحضري في مصر. وهو دراسة تُعنى بعملية التهميش، بمعنى أن هذه العملية فعل اجتماع يفترض ويستوجب في

* باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

آن واحد وجود فعل السيطرة بمضامينه المادية والثقافية والسياسية. وتجمع الدراسة بين الإطار النظري (دراسات علم الاجتماع الغربي والعالم الثالث في شأن التهميش) والصعيد الميداني (المهمَّشون في محافظة أسيوط.) ينقسم الكتاب إلى أربعة فصول عدا عن المقدمة

والخاتمة. تشير الباحثة آمال طنطاوي، في إطار عرضها مفهوم الهامشية وكيفية استخدامه، إلى أن ظاهرة التهميش قديمة في المجتمع الإنساني، لكن مفهوم الهامشية لم يواكب الظاهرة في تاريخيتها، وإنما انبثق في مرحلة الحداثة، واتخذ أبعاده المختلفة في ما بعد الحداثة. وتوضح أن الصراع بين المركز المسيطر والجماعات الهامشية التي تسعى لاختراق هذا المركز يجري على أرضية ثقافية في الأساس، ومن ثم تصبح قضية وسائل الإعلام محورية في ميكانيزمات التهميش من خلال حجب أصوات وقضايا لمصلحة أخرى؛ أي إن التهميش يُطرح على مستوى الاستبعاد الثقافي من الفضاء كما أن التهميش قد يتم على مستويات أخرى مثل القانون والقيم السائدة في المجتمع. تظهر المشكلة في الدراسات العربية التي حاولت تحديد جذر مفهوم الهامشية في اتخاذها التجربة الديمقراطية بكل ملابساتها في الغرب معيارًا تقاس به المشاركة السياسية في مجتمعات العالم الثالث. تنقل الباحثة عن المفكر العربي سمير أمين أن فكرة الديمقراطية، كما ظهرت بالصيغة الغربية التي تفرض فكرة المواطن صاحب الحق في المشاركة على المستوى الاجتماعي والسياسي، جاءت في سياق حداثة الغرب التي تجمعت فيها عوامل تكامل تعمل على المستويين الاقتصادي والسياسي لتضمن توافقًا اجتماعيًا. لذلك تتيح الباحثة مشروعية التساؤل عن مفهوم الهامشية بالعمل طبقًا لمبدأ الديمقراطية السياسية المفصولة عن المجالات الاجتماعية الأخرى في العالم الثالث، لأن العلاقة الأحادية (تقليد- تحديث) تتجاهل التسويات والمساومات التي أقامتها الحداثة في علاقتها بالبنى الاجتماعية. تستعرض الكاتبة أنماط التهميش كما طُرحت في علم الاجتماع في الغرب والعالم الثالث، والأسس التي استند إليها هذا التنصيف وفق أربعة محاور هي: العِرق والهجرة والدِّين والنوع، ومشكلات تلك التصنيفات. وقد وجدت هذه المحاور متداخلة بعضها مع بعض، وهو ما اعتبرته دليلً آخر على مأزق الهامشية حينما يتم التعامل مع الجماعات الهامشية باعتبارها جماعات ثابتة في زمان ومكان معيّنين ووضعية اجتماعية محددة. استند منهج البحث إلى مفاهيم القوة - السيطرة – السلطة، وشملت أدواته، إلى جانب الاستمارات، الحكاية وكتابة المذكرات والملاحظة والمقابلات الشخصية المفتوحة والملاحظات من الاحتفالات الدينية والإخباريين. عملت الكاتبة، من خلال المادة الميدانية، على تحديد أنماط التهميش في محافظة أسيوط في فترات زمنية، منها ما قبل سنة 1952، ومنها ما بعد ذلك. وفي كل مرحلة كان هناك قوانين سياسية واقتصادية تدفع بفئات إلى داخل السيطرة، وبفئات أخرى إلى دوائر الهامش والمهمَّشين. وقسمت الباحثة أنماط التهميش إلى ستة أقسام: أنماط داخل دائرة السيطرة؛ أنماط كانت في دائرة السيطرة؛ أنماط في

دائرة هامش السيطرة؛ أنماط تحركت من دائرة المهمشين إلى السيطرة؛ نمط افتقد مصادر التمايز الاجتماعي الأساسية؛ أنماط في دائرة التهميش. داخل أنماط دائرة هامش السيطرة صور متعددة. الصورة الأولى: عائلة ذات جذور تركية فقدت الكثير من الثروة والمناصب، لكنها ما زالت في الذاكرة وتجتر ذكرياتها. الصورة الثانية: عائلة كانت في دائرة السيطرة وخرجت إلى الهامش محتفظة بجزء من الثورة والاسم وبعض المناصب التنفيذية في القاهرة. الصورة الثالثة: منتمون إلى دائرة هامش السيطرة عبر مناصبهم التنفيذية المهمة، لكن بينهم تفاوتات أخرى؛ فمنهم من يسعى لتجاوز دائرة هامش السيطرة إلى أعلى، ومنهم من يسعى للحفاظ على موقعه داخل الدائرة، مدركًا عدم إمكانية الحراك إلى أعلى، ولكنه يخشى الحراك إلى الأسفل. الصورة الرابعة: مسؤول في موقع محلي شعبي يحافظ على موقعه هذا من فترة طويلة. الصورة الخامسة: منتمون إلى عائلة ذات اسم معروف في المكان ولها جذور عربية من أوائل العائلات التي أقامت بالمنطقة. الصورة السادسة: مشايخ الطرق الصوفية والمشرفون على الأضرحة. تظهر حركية هذه الأنماط على مستويين: أولهما من كان في دائرة المهمشين ثم انتقل إلى دائرة هامش السيطرة، حيث كانت الثروة هي المؤثر الرئيس، و ثانيهما من انتقل من دائرة المهمشين إلى دائرة السيطرة ثم إلى دائرة المهمشين مرة أخرى؛ هذا النمط الذي أمكن بعضه الولوج إلى دائرة السيطرة وبعضه الآخر إلى دائرة هامش السيطرة بفعل قوانين سياسية هي قوانين المشاركة السياسية بعد سنة 1952 وكانت قد انتقلت بالبعض، نتيجة التفاعل مع عوامل محلية، من دائرة المهمشين داخل عائلات كبيرة إلى دائرة السيطرة، وانتقلت بمهمّشين داخل عائلات فقيرة إلى دائرة هامش السيطرة، وتفاوتت العوامل الذاتية والعوامل التاريخية التي دفعت بكليهما مرة أخرى إلى دائرة المهمَّشين. تركز الكاتبة على الحراك الفردي في هذه الحالات كلها، وتربطه بواقع أن دائرة المهمشين تضم كم متنوعًا من البشر تجمعهم خصائص مشتركة، مثل افتقاد العائلة المشهورة أو الغنية، وافتقاد المناصب السياسية أو التنفيذية العليا، وامتهان وظائف دنيا أو متوسطة أو عاطلين من العمل. وهم يتفاوتون أيديولوجيًا ويختلفون من حيث استجابتهم تجاه عملية التهميش الاجتماعي الممارس عليهم، فتختلف تقويماتهم ورؤاهم لماهية السيطرة الشرعية وغير الشرعية، ومبررات القبول أو الخضوع أو اليأس وكيفية التعامل مع ممثلّي السلطة. هذا اللا تماثل بينهم هو الذي يفسر إمكان حراك بعضهم الفردي إلى دائرة أعلى وبقاء البعض الآخر في مواقعه، ومن ثم يفسر صعوبة كسر حلقة التهميش على المستوى المجتمعي ويلقي الضوء على تفاوت الاستجابات تجاه الشروط الاقتصادية – الاجتماعية نفسها، وتجاه شروط قواعد اللعبة السياسية في المجتمع. وبذلك يقدم الكتاب مساهمة جديدة في التحليل الجزئي للحالة الاجتماعية السياسية للسلطة وحركيتها.

الكتاب: البركان قصة انطلاق المقاومة العراقية الكاتب: وليد الزبيدي مكان النشر: بيروت الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية تاريخ النشر: 2014 عدد الصفحات 192:

نادرة هي الكتابات التي تناولت تأريخ وتوثيق المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأميركي في العراق سنة 2003، وكثيرًا ما تم ربطها بالجماعات الإسلامية المتطرفة، وخلطها بالعنف المجتمعي الذي خلّفه الاحتلال. من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب كونه يعالج أمر المقاومة بشكل موضوعي وفق مناهج البحث العلمي، مقدمًا عرضًا تحليليًا - توثيقيًا لتجربة المقاومة العراقية للغزو الأميركي، التي انطلقت منذ اليوم الأول للاحتلال، فيتناول قضية المقاومة العراقية ضد الاحتلال، مسلطًا الضوء على سرعة انطلاق المقاومة، على الرغم من غياب الدعم الدولي لها، وغياب الدعم الإعلامي، بما فيه العربي والمحلي، والأوضاع الطبيعية غير الملائمة لحرب العصابات، مقارنًا الكتاب بين تجربة المقاومة العراقية وتجارب أخرى في العالم. كما يسلط الكتاب الضوء على قصة انطلاق المقاومة العراقية، ويرصد عمليات المقاومة يومًا بيوم وعدد القتلى الذين سقطوا في صفوف قوات الاحتلال على مدى الأشهر الثلاثة الأولى من االغزو، استنادًا إلى بيانات وزارات الدفاع الأميركية وغير الأميركية، إضافة إلى تقارير مراسلي صحف ووكالات أنباء عربية وعالمية ومقابلات شخصية مع أهالي القرى والبلدات والمدن العراقية. ومن ثم يوثّق يوميات المقاومة وبدايتها وتنامي قوتها. يرفض الباحث اعتبار 9 نيسان/أبريل 2003 (يوم دخول القوات الأميركية بغداد وإسقاط تمثال صدام حسين) يوم بداية الاحتلال، لأن المؤسسات الرسمية العراقية ظلت مستمرة في عملها، ويقدم دلائل كثيرة على ذلك. وينبه إلى ضرورة الفصل بين مهمتي الدفاع عن العراق وبداية المقاومة؛ إذ إن المهمة الأولى (الدفاع) بدأت مع الغزو في 19 آذار/مارس 2003 وتولّتها قوات الجيش والأمن العراقيين وفق دورهما الوظيفي في الدفاع عن الدولة، وتخضع لمبدأ الجزاء والعقاب وفق القوانين العراقية. أمّا المهمة الثانية (المقاومة)، فقد بدأت مع الاحتلال في 10 نيسان/ أبريل 2003 مع وقوع فعل الاحتلال، إذ انهارت المنظومة الرسمية، وما عاد هناك أي وجود لمسألة العقاب والثواب، ولذلك يندرج أي فعل قتالي استهدف القوات المسلحة تحت مبدأ المقاومة. من هنا، يمكن القول إن المقاومة بدأت بعد أقل من 24 ساعة من الاحتلال، حيث سُجّل في

اليوم الأول من الاحتلال مقتل اثنين من الجنود الأميركيين، وفي اليوم الثاني (11 نيسان/أبريل) مقتل جندي واحد، وفي اليوم الذي تلاه مصرع اثنين من المارينز ثم جندي واحد. وفي 14 نيسان/ أبريل وقع أكبر عدد من القتلى يومذاك (6 جنود.) يشير الباحث إلى أهمية دراسة الوضع الدولي الذي نشأت فيه المقاومة العراقية، ويوضح أن تلك المقاومة نشأت في أوضاع دولية يسيطر فيها المحتل (الولايات المتحدة) على العالم، وبالتالي عملت المقاومة العراقية وسط أحوال دولية غير مواتية، وهو ما حرمها دعمً خارجيًا كان من شأنه لو توافر أن يساهم في مؤازرتها في الميدان. أمّا في ما يتعلق بدور الإعلام، فيعتبر الباحث أن المقاومة العراقية حُرمت من الدعم الإعلامي نهائيًا، خلافًا للمقاومات الأخرى ضد الاستعمار. كما أنها تعرضت لعمليات إعلامية واسعة بقصد التأثير في روحية المقاومين وتضييق البيئة الحاضنة لهم. ويدلل على ذلك بأن المقاومة العراقية شنّت أكثر من 220 ألف هجوم ضد الاحتلال الأميركي، منها 100 ألف هجوم موثَّق بالصوت والصورة، وزُوّد بها أغلب وكالات الأنباء والفضائيات العربية والأجنبية، لكن وسائل الإعلام تلك لم تبث ما نسبته واحد في الألف منها. التضاريس عامل مهم في المقاومات الشعبية ضد الاستعمار، لكن الباحث يشرح بالتفصيل كيف أن أراضي ساحات المعارك منبسطة ومفتوحة، وتخلو من الهضاب والجبال التي تُعتبر شرطًا أساسًا لنجاح أي مقاومة، الأمر الذي يعني أن التضاريس أيضًا كانت عائقًا أمام عمليات المقاومة. يضيف الباحث إلى التاريخين السابقين (9 و 10 نيسان/أبريل) تاريخًا ثالثًا مهمًّ هو الأول من أيار/مايو، يوم أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش على حاملة الطائرات (أبراهام لنكولن) انتهاء العمليات العسكرية في العراق. وفيما كان بوش يستعد لإلقاء كلمته، كانت عائلة الجندي الأميركي جيسي جيفنز تتلقى خبر مقتله في العراق، أي إن وقف العمليات العسكرية لم يجد طريقه إلى التنفيذ في أي شكل من الأشكال. وعلى العكس من ذلك، فوجئ الأميركيون بتصريحات القادة العسكريين الأميركيين الموجودين في العراق أن «لا قوات تغادر العراق قبل وصول تعزيزات جديدة.» خلال أيار/مايو 2003، وصل عدد القوات الأميركية في مختلف مناطق العراق إلى 147 ألف عنصر، في حين بلغ عدد القوات البريطانية 15 ألف عنصر. أمّا عدد القتلى من الجيش الأميركي في أيار/ مايو وحده، فبلغ عشرين قتيلً. يوثّق الباحث في الأول من حزيران/يونيو 2003 لتظاهرة بالآلاف في مدينة البصرة لرفض الاحتلال الأميركي والبريطاني، ورفض قرار تعيين حاكم بريطاني على المدينة. وفي الخامس من حزيران/ يونيو، عندما زار بوش العراق لتوجيه الشكر إلى الجنود، لم تحط طائرته على الأراضي العراقية، وبقيت في الجو على ارتفاع 31 ألف قدم وبرفقة أربع مقاتلات «ف 18» بسبب استمرار عمليات المقاومة في حزيران/يونيو والتي يوثّق الباحث منها العديد من العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال. «إن جيلً كاملً من الأميركيين سيعاني من حرب العراق»، جملة اختارها الباحث من خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي أعلن فيه انسحاب القوات الأميركية من العراق سنة 2011، لكي يؤكد فيها انكفاء المشروع الأميركي في العراق.

قدّم الباحث إضافات جديدة إلى توثيق نشوء المقاومة العراقية وتطورها ضد الاحتلال الأميركي منذ بدأها في 10 نيسان/أبريل وحتى نهاية حزيران/يونيو. إلا أن أهمية الموضوع تتطلب

الكتاب: إشكالية الدولة والطائفة والمنهج في كتابات تاريخية لبنانية: من لبنان الملجأ إلى «بيوت العنكبوت» الكاتب: وجيه كوثراني مكان النشر: بيروت/ الدوحة الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تاريخ النشر: 2014 عدد الصفحات 102:

الكتاب من القطع الصغير ومحدود الحجم، إلا أنه يقدم معالجة منهجية نقدية جديدة للدراسات التاريخية اللبنانية التي تناولت مسائل الدولة والطائفة في لبنان. ولصعوبة طرح موضوع الكتابة التاريخية العربية في إطار تأثير الفكر القومي في النظرة إلى التاريخ العثماني، يتناول الكتاب خمسة نماذج رئيسة للمؤرخين اللبنانيين فقط.

النموذج الأول، التأريخ الماروني «المستقطب»

يعود كوثراني إلى كتابات المؤرخين الموارنة لأن نتاجها التاريخي ترافق مع التبرير الأيديولوجي للحركة المطلبية المحلية في الجبل وفي الخارج، وكان قد شكّل محطة أولى في مسار صوغ صورة مزيدًا من الجهد في البحث العلمي لتناول الموضوع بشكل أكثر عمقًا من جانب الباحثين العراقيين والعرب، ولا بد حينها من العودة والاطلّاع على هذا الكتاب.

تاريخية معيّنة للعهود الإسلامية في تاريخ المنطقة، ومن جملتها العهد العثماني. يعرض الباحث نماذج من كتابات لمؤرخين لبنانيين موارنة هم الأب لامنس، صاحب نظرية «الجبل – الملجأ» القائمة على أن يتحمل الأمير مهمات الحماية للمجموعات السكنية التي لجأت إلى الجبل، وهي نظرية كررها المؤرخ جواد بولس، لكنه عممها على «فينيقيا القديمة» التي حضرت في ذهنه في الجغرافيا السياسية الدولية ل «لبنان الكبير». كما جهد مؤرخون لبنانيون موارنة، متأثرين بالصورة السابقة، في تقديم أطروحات أيديولوجية تفرد للجبل نظامًا استثنائيًا وشكلً خاصًا من الملْكية الزراعية تختلف عن جميع ما ساد في أنحاء السلطنة العثمانية. ومن هؤلاء المؤرخين إبراهيم عواد وتوفيق توما.

إن ما يغيب أساسًا في هذا النمط من التاريخ «الوطني» الذي يطرح موضوع «الإمارة» بشكل رئيس، هو، بحسب الكاتب، نظام الأرض والجباية والنظام السياسي القائم على «التولية» ودينامية العصبيات المحددة بين مركز الدولة العامة وأطرافها، وكذلك وظيفة الملتزم في «سستام» العلاقات القائم بين مراتب السلطات، ابتداء من شيخ القرية في الريف إلى السلطة المركزية في عاصمة السلطنة، مرورًا بسلسلة من المراتب «المقاطعجية» التي يحتل فيها «الوالي» حلقة أساسية من حلقات الالتزام والإدارة.

النموذج الثاني، المؤرخ الدرزي:

بين الخصوصية المذهبية اللبنانية

و«الانتماء» القومي العربي

في هذا التاريخ الافتراضي، يقدم التاريخ العثماني، ولا سيما في مجال صراع فخر الدين مع الباشوات العثمانيين، صورة لتأكيد أسبقية الانتساب الدرزي إلى «المؤسس الأول للدولة اللبنانية»، وبالتالي أسبقية ارتباط الدرزية باللبنانية كمقدمة لتأسيس «كيان وطني» مستقل عن السيطرة العثمانية. وفي هذه الصورة التي يرسمها المؤرخان عباس أبو صالح وسامي مكارم رد واضح على صورة ارتباط المارونية باللبنانية وادعاء الامتياز أو التفرد بها. يصف الباحث «سلطة الدروز للإمارة» بأنها تتدرج من النطاق اللبناني غير المحدد وطنيًا في الجغرافيا السياسية للإمارة إلى النطاق العربي وإلى النظرة القومية الأوسع. وقد رسمت تلك الصورة في وعي المؤرخ الدرزي هذه الأيديولوجيا، وهي بالضرورة غير تيوقراطية، وتتوسم في شخصية فخر الدين حسًّا قوميًا عربيًا موروثًا من قبيلة ربيعة العربية، وهو ما كان دافعه الأساس في عدائه للعثمانيين.

النموذج الثالث، المؤرخ المسلم السنّي (محمد جميل بيهم)

يجد الكاتب أن المنحى العروبي نفسه يوجد مسقطًا على التاريخ العثماني لدى المؤرخ المسلم السني المديني في لبنان. تبلورت صيغة «لبنان العربي» بعد أزمة الصراع الداخلي بين الطوائف على مواقع السلطة في لبنان، وقد تُرجمت النزعة العربية بنزعة لتعزيز موقع المشاركة في صيغة «الميثاق الوطني» اعتمادًا على العمل العربي، ولا سيما بعد تكرس كيانات الدول العربية في ميثاق الجامعة العربية. بذلك أضحت العروبة وفق المنهج الإسلامي السياسي اللبناني المستجد صيغة تترافق مع تعزيز موقع المشاركة. ويشير المؤرخ بيهم إلى صور النزعة القومية العربية في حركة محمد بن سعود، ويرى، بالنسبة إلى بلاد الشام، في فخر الدين «أميرًا عربي النزعة.» يتضح من المؤرخين السابقين كيف جرى التقاطع بين الاتجاهات الأيديولوجية التاريخية الصادرة عن المواقع المذهبية الدينية لدى الموارنة والدروز والسنّة في مجال واحد هو مجال البحث عن «بطل قومي» في الفترة العثمانية، وهو ما اعتبره المؤلف محطة لصوغ أيديولوجيا الاستقلال عن الأتراك.

النموذج الرابع، المؤرخ المسلم الشيعي (علي الزين ومحمد جابر آل صفا)

لم يدخل المؤرخون الشيعة في صور أيديولوجية لتبرير «دولة قومية» يبحث عن مؤسسيها

ورموزها في التاريخ العثماني. ويعزو الباحث ذلك إلى التهميش الذي عاناه جبل عامل، والشيعة عامة، خلال فترة بناء الانتداب والاستقلال، وحال دون احتلال مواقع في الدولة تسمح لهم أو تدفعهم إلى المشاركة في سباق ادعاء رموز تاريخية لها من الطائفة الشيعية أو التعرف إلى شخصيات تاريخية من العهد العثماني يتماهى مع الشيعة «قوميًا»، أو في إطار الجغرافيا التاريخية ل «الدولة- الوطن.» لذلك، فإن النص التاريخي الصادر عن مؤرخي هذه البيئة الثقافية لا يحمل همَّ البحث عن شخصية محلية تحمل صورة البطل القومي المناهض للأتراك أو العامل من أجل الاستقلال الوطني. لكن سياق التاريخ عند المؤرخين الشيعة لن يستمر لاحقًا بالخط والمنحى ذاته بدءًا من السبعينيات بل سيبحث عن «بطل شيعي» لبناني من مرحلة العشرينيات للانخراط في المشروع السياسي عبر رموز نضالية ذات منحى وحدوي عروبي، كأدهم خنجر وصادق حمزة وانتفاضة بنت جبيل سنة 1936، حيث تتأرجح عملية الانتماء بين اللبنانية والعروبة وبينهما العاملية.

النموذج الخامس، كمال الصليبي في تأريخه لبنان الحديث وصورة الأمير المعني

يحاول الباحث أن يقرأ معالم المنهج في تناول المؤرخ اللبناني كمال الصليبي محطتين في مسار البحث التاريخي المتعلق بلبنان الحديث: محطة تجريبية إمبريقية أوصلته إلى الرأي القائل إن الإمارة ليست إلا نظام التزام؛ ومحطة توليفية أوصلته إلى نحو من المفهومية في فهم الماضي وعلاقة هذا الماضي بالحاضر، فحرر الصليبي هذا الماضي من شوائب السياسة في ذاكرات الطوائف اللبنانية (بتعبير الصليبي نسيج العناكب في منازل اللبنانيين.) يُمل الباحث خلاصة موقف الصليبي من التاريخ وعلاقته بالحاضر والمستقبل بالقول إنه لا يمكن بناء وطن دولة على تاريخ سياسي مختَلف فيه، فلا بد من الإقرار والاعتراف بهذا الاختلاف على قاعدة البحث التاريخي الموصل إلى حقائق تاريخية، وإن كانت هذه الحقائق لا تحمل معاني الوحدة الوطنية. بناء عليه، يطرح الصليبي على اللبنانيين - كجماعة سياسية مهمة - أن يعرفوا بدقة من هم وما ارتباطهم بالعالم المحيط.