النشاط السياسي والأكاديميا: حالة فلسطين
Activism and Academia: The Case of Palestine
الملخّص
تتناول هذه الورقة صعود النقد الأكاديمي والفكري للصهيونية وهبوطه ضمن المجتمع اليهودي في إسرائيل. ظهر هذا النقد في أواخر ثمانينيات القرن الماضي نتيجة التطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي بدأت مع حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وبلغت ذروتها مع الانتفاضة الأولى سنة 1987، فحثت الشكوك في شأن السياسات الداخلية والخارجية والأمنية للدولة على إجراء بحوث أكثر نقدًا في شأن واقع إسرائيل حاضرًا وماضيًا. وأنتج الكشف عن وثائق سرية جديدة تتعلق بحرب 1948 "تاريخًا جديدًا" بالنسبة إلى مجموعة من المؤرخين المحترفين الذين اعترفوا بالفصول الرئيسة للسردية الفلسطينية عن الحرب، وتبعها تشكيك علماء الاجتماع بالصلاحية الأخلاقية للصهيونية ولسياسات الدولة في خمسينيات القرن الماضي. وعُرفت هذه النزعة بـ "ما بعد الصهيونية"، وأثّرت في المنتجين الثقافيين في جميع مناحي الحياة في تسعينيات القرن الماضي. إلّا أن مثقفي ما بعد الصهيونية تراجعوا في أغلبيتهم عن نقدهم لدى اندلاع الانتفاضة الثانية وموت عملية أوسلو، أو غادروا البلاد. لقد استعاد المثقفون والأكاديميون الصهيونيون الحيزَ العام، وفي الواقع، تبنى هؤلاء نسخة من الصهيونية أكثر تشددًا.
Abstract
This paper addresses the rise and fall of the intellectual and academic critique of Zionism within Jewish society in Israel. Such critique emerged in the late 1980s as a result of social, political, and economic developments that began with the 1973 October War, and culminated with the first Intifada in 1987. Doubts about the state’s foreign, security, and domestic policies motivated more critical research on the past and present realities in Israel. The declassification of new documents on the 1948 War produced a “new history” among a group of professional historians who recognized the major chapters of the Palestinian narrative of the war, followed by the questioning of Zionism’s moral validity and the state policies in the 1950s by sociologists. This trend was called post-Zionism, and it affected cultural producers in all walks of life in the 1990s. Since the second Intifada and the death of the Oslo process, however, most of the post-Zionists retracted from their criticism or left the country. The public space was recaptured back by Zionist academics and intellectuals who, in fact, subscribed to an even tougher version of Zionism. Pappe argues that there is very little chance for change from within the Israeli Jewish society without pressure from the outside.
- الحركة الفلسطينية
- تقسيم العمل غير المرئي
- الجهات المانحة الدولية
- النمذجة الفكرية
- إجماع واشنطن
- Political Activism
- Academic Criticism
- Palestine
- Post-Zionism
- Palestinian Uprising
تتناول هذه الورقة صعود النقد الأكاديمي والفكري للصهيونية وهبوطه ضمن المجتمع
اليهودي في إسرائيل. ظهر هذا النقد في أواخر ثمانينيات القرن الماضي نتيجة التطورات
الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي بدأت مع حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973،
وبلغت ذروتها مع الانتفاضة الأولى سنة 1987، فحثت الشكوك في شأن السياسات
الداخلية والخارجية والأمنية للدولة على إجراء أبحاث أكثر نقدًا في شأن واقع إسرائيل
حاضرًا وماضيًا. وأنتج الكشف عن وثائق سرية جديدة تتعلق بحرب 1948 «تاريخًا
جديدًا» بالنسبة إلى مجموعة من المؤرخين المحترفين الذين اعترفوا بالفصول الرئيسة
للسردية الفلسطينية عن الحرب، وتبعها تشكيك علماء الاجتماع بالصلاحية الأخلاقية
للصهيونية ولسياسات الدولة في خمسينيات القرن الماضي. وعُرفت هذه النزعة ب«ما بعد
الصهيونية»، وأثّرت في المنتجين الثقافيين في جميع مناحي الحياة في تسعينيات القرن الماضي.
إلّ أن مثقفي ما بعد الصهيونية تراجعوا في أغلبيتهم عن نقدهم لدى اندلاع الانتفاضة
الثانية وموت عملية أوسلو، أو غادروا البلاد. لقد استعاد المثقفون والأكاديميون
الصهيونيون الحيزَ العام، وفي الواقع، تبنى هؤلاء نسخة من الصهيونية أكثر تشددًا.
خلال عقد التسعينيات، أضحت الجامعات الإسرائيلية مسرحًا لنقاش مثير وصاخب دار حول
التاريخ الإسرائيلي والسوسيولوجيا الإسرائيلية. وفي أواخر العقد، انتقل هذا النقاش إلى المجال
العام عبر عدد من المقالات التي نشُرت في الصحف الرئيسة وعبر العديد من الجدالات الحامية التي
دارت حول هذه الموضوعات في الإعلام الإلكتروني. لو نظرنا عن كثب إلى الحقول الأخرى خلال تلك
الفترة، لوجدنا أن هذا النقاش خرج عن النطاق الأكاديمي المختصّ إلى مجالات الفنون والسينما والشعر
والأدب والصحافة. السّمة الأبرز لهذا النقاش الدائر كانت في استعداد عدد معتبر من اليهود في إسرائيل
* مؤرخ وناشط إسرائيلي وأستاذ التاريخ في جامعة إكزتر – بريطانيا.
لإعادة تقويم الأيديولوجيا المهيمنة في الدولة اليهودية - الصهيونية. صحيح أن حدّة هذا النقد تباينت،
وأيضًا مقدار الشجاعة التي كان يعبّ بها عنه، إلّ أنه كان يأتي من أناس عرّف بعضهم عن نفسه بأنه
صهيوني، في حين قدّم البعض الآخر نفسه كمعادٍ للصهيونية. جرت على حركة النقد هذه تسمية «ما بعد الصهيونية»، وكما في حالة «ما بعد الحداثة»، كان هذا النقد
يهدف إلى إيجاد أيديولوجيا بديلة، إلّ أن تفكيك الأيديولوجيا الصهيونية السائدة كان أسهل كثيرًا من
تقديم بديل متّسق. ولم يستقطب نقاش «ما بعد الصهيونية» أحدًا في إسرائيل خارج إطار الطبقات التي
تعمل في الكتابة وتنغمس في الجدالات الثقافية. بهذا المعنى، كان هذا النقاش عبارة عن ممارسة نخبوية
ذات تداعيات محتملة أوسع على المجتمع ككل.
النقاش الأكاديمي – الباحثون ما بعد الصهيونيين
في أواخر الثمانينيات، نشر عدد من الباحثين الإسرائيليين – مقيمين داخل البلد وخارجه – دراسات
عن المجتمع اليهودي في فلسطين-إسرائيل تاريخًا وواقعًا جاءت مناقضة للسردية الصهيونية السائدة
وللتاريخ الإسرائيلي الرسمي. قامت هذه الكتابات بدحض أقدس «الحقائق التاريخية» بالنسبة إلى
السردية الصهيونية وشكّكت بصدقيتها أمام الأجيال الحالية. إضافة إلى ذلك، قام هؤلاء الباحثون بنقد
الدور الذي أدته المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية في تشكيل صورة الصهيونية عن نفسها وفي توصيفها
للواقع الفلسطيني. أدّت هذه الأبحاث، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى تفكيك أعمال المؤرخين الذين
هيمنوا في الماضي على الكتابة الأكاديمية الإسرائيلية عن تاريخ فلسطين وعن المجتمع اليهودي المعاصر. تحوّل هؤلاء الباحثون بسبب بروزهم على الساحة العامة إلى ظاهرة ثقافية حقيقية. قامت الصحافة
المحلية، في تلك الأيام كما اليوم، بالإشارة إليهم تحت تسمية «الباحثين ما بعد الصهيونيين»، وهو تعبير
– مع أنه مرفوض من جانب بعض هؤلاء الكتّاب أنفسهم – يعبّ بشكل عملي ومختصر عن ماهية ما
يفعلونه، وهو المصطلح الذي سنستعمله في هذه الورقة. على الرغم من أن بعض هؤلاء الباحثين نشر
أعمالً تؤرخ لنشوء حركتهم، فإننا سنحاول أن نحدد أهم السمات السياسية والأكاديمية التي تطبع هذا
التيار القائم والّذي يعبّ عن نقد إسرائيلي داخلي للأيديولوجيا الصهيونية.
الخلفية السياسية
منذ سنة 1948، قام الباحثون والكتّاب الفلسطينيون بتحدّي السردية التاريخية والأيديولوجيا
الصهيونيتين في أدبياتهم الأكاديمية والشعبية. وجرى قبول هذا التحدي السردي من عناصر هامشية
ضمن النظام السياسي الإسرائيلي، إلّ أنه اكتسب زخمًا بعد حرب 1967 وتطوّر في اتجاهين: اتجاه نخبوي
ضمن اليسار الصهيوني واتجاه شعبي داخل مجتمع اليهود المهاجرين من شمال أفريقيا، إضافة إلى الأقلية
العربية الفلسطينية في إسرائيل. نشأ التيار النخبوي في إطار اعتراض أخلاقي على استمرار الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة.
وهذا الاتجاه لم يكن معاديًا للصهيونية البتة، على العكس، كان قائمً على التزام قوي بالمواقف الصهيونية
(((كتب السوسيولوجي الإسرائيلي أوري رام أكثر الأبحاث شمولية في موضوع «ما بعد الصهيونية»: Uri Ram, «The Post-
.Zionism Debate: Five Comments of Clarification,» Davar – Masa , 8/7/1994
الأساسية التي تحظى بتوافق. وما دامت منظمة التحرير الفلسطينية وفية لأهدافها الاستراتيجية، فإن
اليسار الصهيوني لم يكن ليقبل قط بالمواقف الفلسطينية الأساسية في المسائل المركزية، كمصير لاجئي
ال 1948 ومستقبل القدس. تمّت مأسسة هذا التيار النخبوي سنة 1978 حين أُسّست حركة «السلام
الآن» التي نشأت في البداية كمجموعة ضغط من أجل السلام مع مصر، ثمّ برزت بشكل مثير للإعجاب
في معارضتها حرب لبنان، وخصوصًا بعد مجزرة صبرا وشاتيلا سنة 1982. ظلّت الحركة نشطة طوال
فترة الانتفاضة الأولى (1993-1987)، ولكن نشاطها خبا وصارت شبه صامتة في ظلّ حكومة رابين لم تشكّل ردة فعل الحركة على حرب لبنان – ولاحقًا، على الانتفاضة – خروجًا عن التصوّر الصهيوني
للواقع. وبشكل أكثر تحديدًا، كان نقد حركة «السلام الآن» وما زال موجّهًا حصرًا إلى السياسات
الإسرائيلية التي تلت حرب 1967، والهمّ الأساس للحركة يتمحور حول تأثير هذه السياسات – أو
تأثيرها المحتمل – في الشخصية الأخلاقية الإسرائيلية. انضمّ العديد من الأكاديميين إلى هذه الحركة،
إلّ أن وجودهم فيها لم يُدث أي تغييرات في الأعمال البحثية السائدة بشأن تاريخي فلسطين وإسرائيل
وواقعهما. لكن هذه الحركة، وكما سنرى لاحقًا، شكّلت نقطة بداية للعديد من مخرجي السينما وكتّاب
المسرحيات بالخصوص لتطوير رؤاهم الخاصة «ما بعد الصهيونية» عن الحياة في إسرائيل. بيد أن التغير
الجذري في الطريقة التي ينظر بها الإسرائيليون إلى «المسألة العربية» أو إلى «الفلسطينيين»، أو إلى المشروع
الصهيوني برمّته، لم يحدث إلّ حين اعتنق الأكاديميون مواقف لاصهيونية أو معادية للصهيونية كتلك التي
كان يحملها، على مدى سنوات، الحزب الشيوعي في إسرائيل. أمّا التيار الثاني في إطار هذا التحدي السياسي الذي برز بعد سنة 1967، فقد كان أعمق تأثيرًا في صوغ
العالم النظري للباحثين ما بعد الصهيونيين. كان هذا الاتجاه في عمقه عبارة عن احتجاج اجتماعي على
الظلم الذي ألحقته الدولة بالجماعات اليهودية المحرومة، وخصوصًا تلك ذات الأصل الشمال الأفريقي
(مزراحي). في تلك الفترة، حاول عدد من الناشطين الشباب المتحمسين تقليد أشكال التمرد التي قام بها
الأفارقة الأميركيون حين أسسوا في بداية السبعينيات منظمة «الفهود السود». وعبّ ت الحركة اليهودية
الشرقية عن مطالب اجتماعية بتوزيع أعدل للموارد الاقتصادية للدولة وبدور أكبر في تعريف هوية البلد
الثقافية. فشل أعضاء هذه الحركة في تحريك اليسار الإسرائيلي، إلّ انهم جذبوا اهتمام اليمين الذي استغل
الحركة الاحتجاجية وتلاعب بها بمهارة لتحويلها إلى حركة شعبية عارمة جاءت بمناحم بيغن إلى الحكم
سنة 1977. هكذا، خسر اليسار الإسرائيلي قسمً مهمً من جمهوره الانتخابي الطبيعي، ولم يكن في يد اليسار
أكثر من أن يعبّ عن قضاياه بالطريقة الأكاديمية. لم تكن محنة اليهود الشرقيين العامل الوحيد الذي ولّد تفكيرًا جديدًا ضمن المؤسسة الأكاديمية؛ فقد
ساهم بروز حسٍّ واضح بالهوية الوطنية لدى المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل في صوغ الأجندة «ما بعد
الصهيونية» في الأكاديميا الإسرائيلية. وقد أدى الفلسطينيون في إسرائيل دورًا أساسًا في تذكير الجمهور
الإسرائيلي بوجود سردية مضادّة للسردية الصهيونية، وافسحوا الطريق أمام كلّ الذين يشعرون بأن
السردية التاريخية الصهيونية همّشتهم، وبأن تواريخهم زُيّفت في المناهج المدرسية والجامعية.
(2) Ilan Pappe, «Critique and Agenda: Post-Zionist Scholars in Israel,» History and Memory: vol. 7, no. 1 (Spring- Summer 1995), pp. 66-90.
كان هذا التيار الثاني، تحديدًا، هو الذي غيّ الجامعات في إسرائيل؛ إذ قام عدد كبير من أفراد المؤسسة
الأكاديمية الإسرائيلية بتبني قضايا المجموعات المهمّشة وبتقديم سردياتها، بواسطة البحث التاريخي
والسوسيولوجي، على أنها سرديات صحيحة بالمعنى العلمي. في الوقت نفسه، جرت محاولة لربط ثلاث
من أهمّ الفئات المحرومة في إسرائيل، الفلسطينيون واليهود الشرقيون والنساء، بغية إنشاء جبهة سياسية
مشتركة. ومع أن هذه المحاولة السياسية تمخّضت عن فشل كامل، فإنها ظلّت رؤية رائجة بين الأعضاء
الأكثر تفاؤلً ضمن حركة الاحتجاج الأكاديمية. نضجت هذه التفاعلات بعد حرب لبنان سنة 1982
حين بدا أن النقاش العام حول الحرب يشجّع الروائيين والمخرجين والمسرحيين والموسيقيين والشعراء
والفنانين على بناء تفسير غير صهيوني للواقع التاريخي والحالي.
الخلفية الأكاديمية
من الناحية الزمنية، يبدو أن أولى المحاولات الأكاديمية في هذا الإطار كانت تسعى إلى إعادة كتابة كتب
التاريخ في إسرائيل. إلّ أنه سرعان ما ذهبت هذه الحركة النقدية (وهو ما قد يكون أمرًا طبيعيًا) إلى ما
هو أبعد من مساءلة «الحقيقة»، وبدأت تبحث في الطريقة التي جرى بها بناء هذه «الحقيقة» وتقديمها
عبر المؤسسة الأكاديمية. في إثر ذلك، كُشف الدور الأيديولوجي للمؤسسة الأكاديمية بشكل منهجي
وتوثيقي. وحاول الباحثون النقديون، بالاعتماد على الوقائع البحتة، استخلاص ما اعتبروه الطبيعة
الحقيقية للمشروع الصهيوني في فلسطين وإعادة كتابة فصول التاريخ الإسرائيلي. نظروا إلى التاريخ من
وجهة نظر الضحية، وقُدّمت الصهيونية على أنها حركة ظالمة. وبشكل خاص، أعاد هؤلاء الأكاديميون
كتابة تاريخ التعامل الإسرائيلي – أو بالأحرى سوء التعامل الإسرائيلي – مع العالم العربي والفلسطينيين
في الماضي وفي الحاضر. أثارت الصورة الناتجة من هذه الأبحاث ردات فعل غاضبة من شخصيات
عامة ومعلقين صحافيين، إذ كانت صورة يجهلها أغلب الإسرائيليين. في هذه السردية، تُقدَّم السياسة
الإسرائيلية والصهيونية تجاه الفلسطينيين والمجتمعات العربية المحيطة، في الماضي والحاضر، كسياسة
عدوانية، بل وحشية وغير إنسانية في بعض الحالات، وغير قابلة للتبرير بالمقاييس الأخلاقية. قام باحثون،
من بينهم بني موريس، بتحميل الأكاديميا المحلية المهيمنة مسؤولية إخفاء هذه الوقائع والحقائق المزعجة
عن العموم وطمسها. كانت إحدى نتائج عملية المراجعة هذه انبثاق ثورة صغيرة على المستوى المنهجي داخل الأكاديميا
الإسرائيلية، وكانت هذه الحركة المنهجية ذات طابع نسبوي وبعد حداثي، وقد تأثرت بالتطورات النظرية
العالمية في مجال العلوم الانسانية. كما في العديد من المراكز الأكاديمية في العالم الغربي، عبّ ت هذه الحركة
عن نزق تجاه المغالطات والأوهام التي خلقها «التنوير» و «الحداثة» والمفاهيم الغربية الأخرى التي ترمز
إلى انتصار العلم والمنطق على المفاهيم «غير المتحضرة» التي تصدر من خارج العالم الغربي. قام الباحثون
الذين تحدوا السردية الرسمية، أوري رام مثلً، باعتماد منهج يشكك في مفهوم الحقيقة والمعلومة، وخاصة
الحقيقة والمعلومة التي تصوغها في إطار قومي النخبة وأكاديميو البلاط التابعون لها. على اعتبار أن الأكاديميا الإسرائيلية جزءٌ لا ينفصل عن الأكاديميا الغربية، فانه لم يكن من الغريب أن
يعتنق المؤرخون وعلماء الاجتماع الإسرائيليون تجاه تاريخهم نفس النظرة التشكيكية والذاتية والعابرة
للتخصصات التي راجت في الغرب. وسمحت هذه المنهجية للأكاديميين الإسرائيليين برواية التاريخ
من وجهة النظر الفلسطينية واليهودية الشرقية والنسوية، تمامًا كما حاول الباحثون الأميركيون التعبير عن
الواقع المتعدد الثقافات في مجتمعهم.
إعادة النظر في حرب 1948
بدأ التحدي الأكاديمي مع نشر مجموعة من الكتب الجديدة تعيد صوغ تاريخ حرب 1948. قبل ظهور
هذه الأدبيات الجديدة، كانت الحرب وفترة الانتداب البريطاني بكاملها (1948-1922) تُدرس حصرًا
ضمن الأقسام الجامعية المختصّة بالتاريخ الصهيوني. بالنسبة إلى هذه الأقسام، كانت حوادث 1948
تتويجًا لمسار غائي طويل لخلاص الشعب اليهودي ونهضته، وكان دور المؤرخين مقتصرًا على إعادة تركيب
هذه «المعجزة» التي ابتدأت مع نشوء الحركة الوطنية اليهودية في ثمانينيات القرن التاسع عشر واكتملت
بحرب «التحرير» سنة 1948 ضد البريطانيين. واختيرت التعابير الإسرائيلية التي توصّف الحرب بشكل
حريص بغية إعطاء الصهيونية موقعًا مشابهًا لباقي حركات التحرر الوطني في العالم الثالث – لهذا السبب،
لم يكن من الممكن أن يجري الكلام في هذا السياق عن حرب ضد العرب. لا يشي التعبيران المستعملان في إسرائيل لتوصيف حرب 1948 «أزمأوت» (الاستقلال عن البريطانيين)
و«شهرور» (التحرر من عتق المنفى)، بأي صراع مباشر مع العالم العربي. هذا لا يعني، بالطبع، أن
«العرب» لا يظهرون في التأريخ الإسرائيلي لحرب.1948 حين تُروى قصة حرب 1948 وسنوات الانتداب السابقة عليها، أو يجري تدريسها والكتابة عنها، يُذكر
الجانب العربي كإحدى المشقات التي كان يتعين على اليهود التعامل معها. على طول هذه السردية، فإن
الرسالة واضحة: انتصر اليهود في فلسطين على الرغم من الصعوبات كلها، ولم يكن التفاوت في القوى
واضحًا يومًا كما كان في سنة 1948 حين واجه المجتمع اليهودي، المؤلف من الكثيرين ممن نجوا من
المحرقة والقادرين بالكاد على القتال، حكومة بريطانية معادية وعالم عربي موحّد يستعدّ لشن حرب إبادة
عليهم. كان النصر، إذًا، إعجازيًا بفضل عبقرية دافيد بن غوريون وبطولة الجنود في الميدان. بقي على
المؤرخين مهمة إعادة تركيب هذه البطولة في ساحة المعركة وتتبّع القرارات التكتيكية التي اتُّذت في هذا
المفصل أو ذاك، وهم كانوا حريصين على عدم التشدد في انتقاد قرارات القيادة وخياراتهم آنذاك.
أُوكلت مهمّة توصيف سردية الجانب العربي وتحليلها إلى الباحثين الإسرائيليين من أصولٍشرقية، إلّ
أنهم بدوا غير مهتمين بحرب 1948. مثلً، أنهى يشوع بوراث الذي كتب أفضل الأعمال المتوافرة حول
الجانب الفلسطيني، أبحاثه مع سنة 1939، معفيًا نفسه من المهمّة الحساسة التي تتمثّل في معالجة موضوع
تعامل الصهيونيين مع الفلسطينيين سنة 1948. بعد ذلك بسنوات عديدة، حين قام مؤرخ إسرائيلي
رائد آخر، آنيتا شابيرا، بدراسة موضوع استعمال الحركة الصهيونية العنف، جرى تجنّب التطرّق إلى
استعمال القوّة خلال حرب 1948. في الواقع، فإن العدد القليل من المؤرخين الشرقيين الذين كتبوا
حول حرب 1948 تجنب بالكامل الكلام على الفلسطينيين في تلك الحرب، مكتفيًا بتحليل المناورات
السياسية والعسكرية التي قامت بها دول العالم العربي خارج فلسطين قبل الحرب وبعدها. لم تُظهر هذه
الكتابات أدنى استيعاب لأهمية «النكبة» وموقعها من وجهة نظر الجانب الفلسطيني، ومنها كتاب ايتامار
رابينوفيتش السبيل الذي لم يُطرق: المفاوضات العربية المبكرة (1991). بالمعنى نفسه، حين قامت أجيال
(((لنقاش مستفيض حول الموضوع، انظر: المصدر نفسه.
(4) Yehoshua Porath: The Emergence of the Palestinian-Arab National Movement, 1918-1929 (London: Cass, [1974]), and The Palestinian Arab National Movement (London; Totowa, NJ: F. Cass, 1977), vol. 2: 1929-1939: From Riots to Rebellion. (5) Anita Shapira, The Dove’s Sword (Tel-Aviv: Am Oved, 1993) (in Hebrew).
لاحقة من الباحثين من أصول شرقية بالتعامل مع موضوع منظمة التحرير الفلسطينية، فانهم – باستثناء
موشيه شيميش– لم يأخذوا سنة 1948 كنقطة انطلاق لأبحاثهم. هكذا، مُحي فلسطينيو ال 1948
من الساحة الأكاديمية في إسرائيل. كان غياب المأساة الفلسطينية عن التوثيق التاريخي الإسرائيلي مؤشرًا إلى النظرة الاستشراقية الإسرائيلية
العامة. كانت النظرة التأريخية إلى الفلسطينيين، حتى الثمانينيات، نظرة أحادية وقائمة على صور نمطية
مغرضة للجانب الفلسطيني. لم يُذكر السكان المحليون في أواخر العهد العثماني إلّ استطرادًا كمركّب
هامشي في المساحة الجغرافية للأرض «الموعودة» و«الفارغة» التي تنتظر خلاصها. أمّا بعد سنة 1948،
فقد صُوِّر الفلسطينيون كإرهابيين وكخطر «تكتيكي». لم يُنظر إلى الفلسطينيين كخطر «استراتيجي» أو
وجودي قادر على تهديد وجود دولة إسرائيل. غير أنه، حتى في إطار هذه الصورة الشيطانية، لم يعط
الفلسطينيون أي دور مستقل خاصّ بهم، بل قُدّموا على الدوام بيادق في المؤامرة العربية الشاملة لتدمير
الدولة اليهودية. كان من الضروري أن يقدّم الفلسطينيون ك«جزء» من مخطط أكبر. ولو اعتُ ف بهم
كمجموعة وطنية صغيرة وضعيفة، ولكنها مستقلّة وتقاتل دفاعًا عن حقوقها، لناقض ذلك صورة
الصهيونية عن ذاتها بوصفها الطرف المستضعَف، إضافة إلى الأسطورة الصهيونية عن «القلّة التي هزمت
– بإعجاز- الكثرة.» كان هناك سبب إضافي لعدم البحث بدقّة في الدور الفلسطيني سنة 1948. كان المؤرخون الإسرائيليون
يعرفون الطبيعة غير المحاربة للمجتمع الفلسطيني، وهو واقع يناقض الصورة البطولية التي نشأت في
إسرائيل بشأن الحرب. ادّعى التأريخ الإسرائيلي أن الفلسطينيين فرّوا ولم يقاتلوا. ولكن، ما داموا هربوا
ولم يخوضوا معركة في وجه الصهيونيين، فأين هو هذا العنصر البطولي في حرب 1948؟ إضافة إلى ذلك،
حتى لو لم يقم المؤرّخ برواية قصة عن البطولة الفلسطينية، فانه سيجد نفسه ملزمًا برواية سردية عن المأساة
الفلسطينية. لهذه الأسباب، فان الطريقة الأمثل للتصرف مع هذا المأزق كانت في تجنب التعامل الأكاديمي
مع جانبي الرواية، إذا كان ذلك ممكنًا، تجنب الحديث عن حرب 1948 بالمطلق. جرى أول تغيير أساس في الطريقة التي يُنظر بها إلى الفلسطينيين في الأكاديميا الإسرائيلية حين صار
الباحثون الإسرائيليون مستعدين للتعامل مع حرب 1948 كموضوع تاريخي، مع تحليل جانبي القصة
وعدم الاستنكاف عن تقديم رؤية نقدية لسلوك جميع الأطراف التي شاركت في الصراع وفي الحرب.
كانت النتيجة، كما شرحت في كتاب يلخّص النظرة الإسرائيلية المحدثة لحرب 1948، صورة تأريخية
مختلفة تمامًا عن تلك التي تنشرها المؤسسات الدراسية والثقافية والأكاديمية في إسرائيل. تبنت هذه النظرة
الجديدة عناصر أساسية من السردية التاريخية الفلسطينية، ولكنها أضافت أيضًا فصولها الخاصة إلى هذه
السردية. بشكل عام، قامت أعمال المراجعة التاريخية هذه بانتقاد السلوك الإسرائيلي خلال حرب 1948
(من دون ادعاء أن سلوك الحكومات العربية والفلسطينيين خلال الحرب كان مثاليًا.) يمكن بوضوح أن يُقرأ من خلال كتابات المؤرخين الجدد عدم رضا هؤلاء المؤرخين عن السياسات
اليهودية والإسرائيلية في أثناء الحرب. وهم يرفضون، الافتراضات الأساسية التي بُنيت عليها الذاكرة
(6) Moshe Shemesh, The Palestinian Entity, 1959-1974: Arab Politics and the PLO (London, England; Totowa, NJ: F. Cass, 1988). (7) Ilan Pappe, The Making of the Arab-Israeli Conflict, 1947-51 (London; New York: I. B. Tauris, 1992).
الجماعية الإسرائيلية تجاه الحرب. في المحصلة، شكّل مجموع هذه الكتابات هجومًا مباشرًا على الأساطير
التأسيسية لدولة إسرائيل. كانت أولى هذه الأساطير تدّعي أن إسرائيل كانت واقعة تحت خطر الإبادة عشية الحرب. فقامت الأعمال التاريخية الحديثة بدحض هذه الأسطورة عبر توضيح أن المجتمع اليهودي في فلسطين كان قد عقد تفاهمات ضمنية مع المملكة الأردنية الهاشمية، البلد العربي الذي كان يملك أكثر الجيوش فعالية على تخوم فلسطين. وتمكّنت القيادة اليهودية، بفضل هذا الاتفاق مع الأردن، من تحييد الجبهة الشرقية خلال
الحرب. إضافة إلى ذلك، لم يعان المجتمع اليهودي في فلسطين أي دونية عسكرية في الميدان، وقد استفاد من عدم قدرة العالم العربي، نظرًا إلى تشتته، على القيام بفعل حقيقي يتجاوز الخطابات الحربية ضد الدولة
اليهودية. كان الجو الدولي أيضًا في مصلحة الصهيونيين، إذ دعمت الدولتان العظميان إسرائيل، كما فعل
– بسبب الهولوكوست – أغلب الرأي العام العالمي. الأسطورة الثانية التي فُنّدت في الأعمال التاريخية الجديدة تتعلق بهجرة الفلسطينيين أرضهم «طوعًا.»
تتحدّث هذه الكتب، بدرجات متباينة من الاقتناع، عن أعمال تهجير جماعية ومخططة ارتُكبت في حق الفلسطينيين قبل بدء القتال وخلاله وبعده. ترافق هذا التهجير مع تدمير 400 قرية فلسطينية على الأقل والعشرات من الأحياء المدينية، إضافة إلى مجازر عدة (يفوق عددها كثيرًا المجزرةَ الوحيدة التي تعترف بها
الدولة اليهودية، أي مجزرة دير ياسين.) أخيرًا قامت الأعمال التاريخية الجديدة بتحدّي أسطورة إسرائيل كدولة تسعى إلى السلام، وتصويرها
كطرف متعنت يرفض الرغبة العربية في البحث عن تسوية محتملة بعد انتهاء القتال سنة 1948. عُرضت
فكرة السلام أوّلً عبر الأمم المتحدة وقرار الجمعية العامة رقم 194 (11 كانون الأول/ ديسمبر 1948)
ومؤتمر السلام الذي عقدته هيئة الأمم المتحدة في لوزان بسويسرا في ربيع 1949. في المؤتمر، كانت الوفود
العربية مستعدة لقبول القرار 194 كأساس للتفاوض، إلّ أن الحكومة الإسرائيلية رفضت. نتيجة لذلك، قامت الإدارة الأميركية بتأنيب إسرائيل بسبب موقفها الرافض، غير أنها استسلمت بعد فترة وجيزة للضغط اليهودي الداخلي في أميركا وانطفأت مبادرة السلام بأكملها. هذه الصورة الجديدة عن تاريخ إسرائيل قامت على المواد الأرشيفية التي أصبحت في متناول الباحثين بفضل قوانين رفع السرية عن الوثائق في إسرائيل وبريطانيا والولايات المتحدة. غير أن المؤرخين الإسرائيليين الذين تفحصوا هذه الوثائق لم يصلوا جميعًا إلى النتائج عينها، وهذا يدفعنا إلى افتراض أن
«التاريخ الجديد» في إسرائيل كان أيضًا نتيجة استعداد المؤرخين الإسرائيليين الشباب للاعتراف بصحة
الادعاءات التي ساقها الفلسطينيون على مدى أربعين سنة. هذا الانفتاح كان نتيجة لحرب ال 1982 التي لم تحظ بتوافق عام في إسرائيل، ونتيجة للانتفاضة. في بعض الحالات، كان الاعتراف بالجانب الآخر من
الرواية، وصولً إلى اعتماده كرواية صحيحة، نتيجةً لموقف أيديولوجي معين، في حالات أخرى، كان هذا السلوك نتيجة لاعتماد المنهجية ما بعد الحداثية المتعددة السرديات في دراسة التاريخ، وبالنسبة إلى صنف
ثالث من المؤرخين، كان الأمر مزيجًا من العامليَن.
«نزع الصهيونية» عن حقب أخرى
عاد هؤلاء «المؤرخون الجدد» في إسرائيل، كما سُمّيت مجموعة الباحثين التي تكتب عن فترة 1948،
إلى ما قبل سنة 1948 وقاموا بدراسة بدايات التاريخ الصهيوني. أجرى هذه الأبحاث، أساسًا، علماء
اجتماع إسرائيليون وظّفوا نظريات ومنهجيات لم يستعملها أقرانهم، وقد سمحت باستبدال ادعاءات
أيديولوجية أكثر حدّة وتثبيتها. سمح الإطار النظري لهؤلاء الباحثين بأن ينظروا إلى الصهيونية كحركة
استعمارية من دون اتهامهم باعتماد الخطاب الفلسطيني بشأن المسألة. غير أنه، حتى لو لم يُعتمد على
العدسة الكولونيالية في تحليل المشروع الصهيوني، فان استعمال الأدوات المنهجية الموضوعية سمح لعلماء
الاجتماع، بمساعدة من نظريات الهيمنة والإخضاع، بدراسة الطبيعة الدكتاتورية والعشوائية للنظام
السياسي اليهودي كما تطور خلال فترة الانتداب البريطاني. أوجدت هذه المنهجيات الموضوعية خطابًا
احترافيًا يعترف به اليوم أغلب الباحثين الذين يكتبون عن الصهيونية، باستثناء أولئك الذين يرتبطون
بعلاقات وثيقة بالمؤسسة الصهيونية. هكذا تحوّلت تعابير «تخليص الأرض» إلى «الاحتلال» و«عوليه»
إلى «مهاجر»، و«العمل العبري» إلى «ترحيلً»، إلخ... قام «المؤرخون الجدد» أيضًا بتحليل مراحل زمنية لاحقة وبدأوا «إعادة تركيب» مرحلة أوائل الخمسينيات.
مرة أخرى، كان علماء الاجتماع هم من رسموا صورة تتحدى الذاكرة الوطنية الجماعية التي قدّمت إسرائيل
وعاءًاستوعب كلّ الشتات اليهودي الذي عاش فيه بسعادة إلى الأبد. الخطوة الأولى في هذا الاتجاه تمثّلت
في ذبح «البقرة» الأكثر قداسة في إسرائيل – الأمن يأتي قبل كل شيء. رفض علماء الاجتماع تبريرات
الحكومة التي كانت تدّعي أن الاعتبارات الأمنية واعتبارات الدفاع الوطني كانت وحدها هي التي
دفعت باليهود الآتين من شمال أفريقيا إلى هامش الجغرافيا والمجتمع، وهي التي فرضت نظامًا للفصل
العنصري على الفلسطينيين المقيمين في إسرائيل. تمّ فضح هذه السياسيات كسياسات عنصرية وقومية.
وكما أسلفنا، فقد ربط أغلب هؤلاء الباحثين بين سوء معاملة اليهود الشرقيين والتمييز القائم ضد الأقلية
الفلسطينية في إسرائيل. في هذا المجال، كان كتاب إدوارد سعيد الاستشراقنقطة انطلاق مهمة لتفكيك
النظام الإسرائيلي باعتباره نظامًا «استشراقيًا». حصل أيضًا تقدّمٌ ملحوظ في الأبحاث في مجالات أخرى متعلقة بمعاناة الأقلية الفلسطينية في إسرائيل.
كان قد جرى نشر أعمال نقدية عن هذا الموضوع في الماضي، ولكن التطوّر الأساس في هذا المجال كان ذا
شقيّن: انطوى على تقويم نقدي للعلاقات العربية-اليهودية داخل الدولة، إضافة إلى عامل أكثر أهمية هو
(((على سبيل المثال، انظر:
Baruch Kimmerling ,Zionism and Territory:The Socio-territorial Dimensions of Zionist Politics , Research Series; no. 51 (Berkeley [Calif.]: Institute of International Studies, University of California, 1983), and Gershon Shafir, Land and Labor in the Shaping of Israeli Nationalism: The Origins of the Israeli-Palestinian Conflict, 1882-1914 , Cambridge Middle East Library (Cambridge, [England]; New York: Cambridge University Press, 1989).
(((من الأمثلة المعروفة:
Sammy Smooha, Israel: Pluralism and Conflict (Berkeley: University of California Press, 1978), and Yonathan Shapira, «The Historical Origins of Israeli Democracy», in: Ehud Sprinzak and Larry Diamond, eds., Israeli Democracy under Stress , Israel Democracy Institute policy Study (Boulder, Colo.; London: Lynne Rienner Publishers, 1993).
(((1 حول موضوع التعابير المستخدمة، انظر: «.Pappe, «Critique and Agenda
(11) Ella Shohat, Israeli Cinema: East/West and the Politics of Representation (Austin: University of Texas Press, 1989).
أن عدد الأكاديميين الفلسطينيين في إسرائيل الذين أرادوا البحث في تاريخهم قد ازداد بشكل كبير.
هذا على الرغم من أن عدد الفلسطينيين الذين يدرّسون في الجامعات الإسرائيلية لا يزال محدودًا للغاية ولا
يتجاوز عشرين أستاذًا من مجموع 900 أستاذ. ذهب علماء السياسة إلى ما هو أبعد من ذلك، فقاموا بربط التاريخ بالحاضر وبدأوا تقويم دولة إسرائيل
على أنها مجتمع عسكري. اعتمد هؤلاء الباحثون بشكل كبير على أبحاث المؤرخين، كبني موريس،
الذين نبشوا الأرشيفات العسكرية الإسرائيلية لفترة 1948 وعقد الخمسينيات حتى يوثّقوا بدقة وعناية
للاعتداءات والتجاوزات التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي. وجرى توصيف سياسة «الردّ» التي مارستها
إسرائيل في الخمسينيات، وهي أسطورة تربى عليها أكثر الإسرائيليين (إسرائيل لا تبدأ أبدًا بالاعتداء)،
عبر بني موريس (1993) كسياسة عنيفة وعدوانية من سياسات التوسع الإسرائيلي. قدّم علماء السياسة
هؤلاء تحليلات تُظهر إسرائيل كلاعب فاعل – بدلً من لاعب يقوم بردّة الفعل فحسب – في الخريطة
الإقليمية. كما أ رجع عدم الاستقرار والصراع في الشرق الأوسط أيضًا إلى أفعال إسرائيل، بدلً من الاكتفاء
بلوم «الجذرية العربية» أو «التعنت العربي». لم تتجنب موجة النقد الجديدة حتّى مسألة الهولوكوست، ذات الحساسية الشديدة، وجعلتها موضوعًا
للبحث الأكاديمي. وقد ركّز الباحثون بشكل خاص على دراسة سلوك القيادة اليهودية خلال فترة
الهولوكوست. في كتاب توم سيغيف المليون السابع نجد أن القيادة اليهودية المحلية في فلسطين، عشية
الهولوكوست، كانت مهتمة فقط بإنقاذ اليهود الذين كانوا مستعدين للهجرة إلى فلسطين، أو الذين
كانوا قادرين – جسديًا وفكريًا – على المساهمة في إنجاح المجتمع اليهودي في فلسطين. وفي كتاب ايديت
زارتال من الكارثة إلى السلطة نكتشف أن اليهود المولودين في فلسطين كان لديهم سلوك فوقي ومهين
تجاه الناجين من الهولوكوست ومحنتهم، وهو سلوك سيترك ندوبًا عميقة في نفوس أولئك الذين نجوا من
المحرقة وتمكنوا من الوصول إلى فلسطين. مع نهاية العقد، خرجت حركة «ما بعد الصهيونية» من الأكاديميا إلى المجال العام. وبدأ هذا التحول
بالظهور على الحد الفاصل بين الأكاديميا والأدب والسينما والمسرح، اذ بدأ عدد كبير من الكتب العلمية
تفكيك دور الأيديولوجيا الصهيونية في ميادين غير الأكاديميا. قام الكتّاب بتحليل دور الصهيونية في
الروايات والأفلام والمسرح. وضعت هذه الأعمال الأسس لمجال الدراسات الثقافية في إسرائيل، وكانت
قادرة على التواصل بسهولة أكثر مع العالم خارج البرج العاجي الأكاديمي. يُعتبَر ما كتبته إيلا شوحات،
التي ذكرناها أعلاه، ونوريت غيرتز وإسحاق لأور دليلً ممتازًا على فهم التغير الذي طرأ على نظرة
هيئات ثقافية عدة في إسرائيل إلى الصهيونية وضحاياها، وأيضًا لأجل تقويم أهمية هذا التحوّل ومعناه.
(((1، راجع (بالعبرية) عزمي بشارة مثلً:
Azmi Beshara, «On the Question of the Palestinian Minority in Israel,» Theory and Criticism , no. 3 (1993), pp. 7-20 (in Hebrew). (13) Dani Rabinowitz, «Oriental Nostalgia: The Transformation of the Palestinians into «Israeli Arabs,» Theory and Criticism: no. 4 (1993), pp. 141-152 (in Hebrew).
(((1 انظر (بالعبرية:)
Uri Ben-Eliezer, The Emergence of Israeli Militarism 1936-1956 (Tel-Aviv: Dvir, 1995) (in Hebrew). (15) Nurit Gertz, Motion Fiction: Israeli Fiction in Film (Tel-Aviv: Open University of Israel, 1993) (in Hebrew). (16) Yitzhak Laor, «Ephraim Goes to the Army» A Play staged in 1989.
تأثير تحدّي «ما بعد الصهيونية»
مع بداية الألفية الثالثة، صار في الإمكان تقويم التأثير الذي مارسته ما بعد الصهيونية، كظاهرة ثقافية، على
مجمل المجتمع الإسرائيلي. ولأن ما بعد الصهيونية لم تتطور إلى خيار سياسي أو إلى موقف سياسي، فإنها
ظلّت عبارة عن طريقة تفكير يمكنها أن تؤثّر في المجالات الإنسانية الأخرى، وأهمها التعليم والإعلام.
كان الأكاديميون ما بعد الصهيونيين قادرين، بحكم مناصبهم الاستشارية، على التأثير في المناهج والكتب
التعليمية والأفلام الوثائقية التي تُعرض على شاشة التلفزيون و، إلى حدٍّ ما، في الخطاب العام عبر الإعلام
المكتوب والإلكتروني. إذا نظرنا إلى أسماء المستشارين الذين استخدمتهم صناعة الأفلام الوثائقية في النصف الثاني من التسعينيات،
نجد هنا وهناك أسماءً لباحثين نقديين ومنفتحين قدّموا مشورتهم في صناعة منتجٍ يصل إلى ملايين البيوت
في إسرائيل. ولكننا نتكلّم هنا على «معلومات مفتوحة»، بمعنى أننا غير قادرين على معرفة تأثير هذه
الرسالة الجديدة في المتلقيّن. غير أن التأثير الأكبر لما بعد الصهيونية كان في مجال النظام التعليمي؛ ففي تلك السنوات، دُعي الباحثون
إلى المساهمة في كتابة المناهج الدراسية. ولكن من الصعب أيضًا، ومن المبكر بالتأكيد، أن نحكم على تأثير
هذه المشاركة. إضافة إلى ذلك، فإن المربيّن في إسرائيل لم ينضموا إلّ حديثًا إلى موجة البحث عن الذات
الأكاديمية والثقافية هذه، وقلّة من هؤلاء المعلمين مستعدة لتفكيك النظام التعليمي وكشف الدور المهيمن
للأيديولوجيا في ثناياه. من الأسباب التي تردع المعلمين عن الخوض في هذا الاتجاه أن محاولة تفكيكية
من هذا النوع تتطلب قدرًا معيّنًا من المعرفة في مجال النقد ما بعد الحداثي والنيوماركسي، وهي أدبيات
لا تبدو ملائمة لتأسيس منهج تعليمي بديل ومتّسق. بالفعل، ما دام الباحثون النقديون غير قادرين على
تقديم نظام تعليمي بديل – مبني على التعددية الثقافية أو الماركسية أو مناصرة الفلسطينيين أو حتى نظام
إنسانوي ببساطة – فسيظلون عاجزين عن إقناع الجمهور العريض بأهمية النقد الذي يكتبونه. بالمعنى العمومي، يمكن القول إن الروايات والمسرحيات والأفلام التي تتجاوز بشكل جدي السردية
الصهيونية وتصويرها السلبي للعرب لم تكن قد احتلّت مع نهاية التسعينيات مكانًا بارزًا في ميدان
الأدب الإسرائيلي. ولا يمكن أخذ هذه الأعمال على أنها تعبّ عن موقف ثقافي مهيمن: فهي لا تنتمي
إلى المجموعة المهيمنة ضمن صانعي الثقافة الإسرائيلية. على الرغم من ذلك، يمكن تلخيص الظاهرة ما
بعد الصهيونية على النحو التالي: إن هؤلاء «المؤرخين الجدد» والشعراء والكتّاب والمخرجين والمسرحيين
موجودون ضمن النظام الذي ينتج ويشكّل الهوية الثقافية لإسرائيل، وهم بالتأكيد حازوا تأثيرًا ما خلال
هذه السنوات، مع أنه تأثير محدود نظرًا إلى موقعهم الهامشي. كان النقد «ما بعد الصهيوني» أحد تمظهرات أزمة الهوية التي مرّ بها المجتمع اليهودي في إسرائيل بعد أن
واجه فعليًا احتمال السلام في سنة 1993؛ اذ إن السلام قادر على إضعاف اللُّحمة التي تربط المجتمع
وعلى تسعير الخلاف الداخلي والصراع، خاصة حين يكون تماسك المجتمع قائمً على وجود عدو خارجي
مشترك. إضافة إلى ذلك، فإن الرخاء الاقتصادي النسبي والهدوء يدفعان بالمجموعات المحرومة إلى
المطالبة بحصتها، ويكشفان التوتر الذي لا يمكن حلّه بين الرغبة - أو التظاهر – في كون إسرائيل دولة
ديمقراطية والإصرار على الحفاظ على دولة- أمّة يهودية. يتطلب السلام الحقيقي تغييرًا جذريًا وعميقًا في
العقلية الإسرائيلية وفي النظرة إلى العرب بشكل عام، وإلى الفلسطينيين بشكل خاص. تثبت الظاهرة التي
شرحناها أعلاه أن عددًا قليلً من الأفراد الذين يملكون إمكانية التواصل مع الجمهور عبر الجامعات
والصحافة والمتاحف قدّم نقطة انطلاق لتحوّل من هذا النوع. تتمثّل نقطة التحول الرئيسة في قبول حقيقة
أن الأصوات التي تتحدى الحقائق المكرسة في إسرائيل يمكن تفسيرها بطريقة غير صهيونية، أو، على
الأقل، أن الهوية الثقافية لإسرائيل هي في الحقيقة غير صهيونية وتعددية. تصاغ الهوية الثقافية لمجتمع ما عبر الوقائع التاريخية والمعاصرة من جهة، وعبر ما يمكن تسميته ال«وعي
الثقافي» الذي يُنتج «من فوق» من جهة أخرى. يقوم هذا «الوعي الثقافي» في بعض الأحيان بتحوير
الواقع، وهو يحاول باستمرار أن يغيره. يمكن تلخيص الهوية الثقافية لإسرائيل مع نهاية العقد ما بعد
الصهيوني، أي في بدايات ال 2000، بأنها منتج ثقافي صاغه التراث والجغرافيا البشرية لأرض فلسطين،
من جهة، و«الوعي الثقافي» الصهيوني من جهة أخرى، الذي ما زال يحاول أن يسبغ على الأرض هوية
جديدة. ولكن الواقع على الأرض يتحدى هذه المحاولة الصهيونية – عبر الفلسطينيين، داخل إسرائيل
وخارجها، كما عبر المجموعات الثقافية المحرومة ضمن الدولة. هذا الفشل لم يكن في فرض هوية جديدة
على الأرض بالقوّة – فالصهيونية وإسرائيل هما عاملا تغيير شديدا الفعل – ولكنه كان فشلً في التوصل
إلى مصالحة مع ضحايا النجاح الصهيوني، ومع نتائج هذا التغيير الكبير في طبيعة البلد وهويته. القدرة
على التحدي لا تزال موجودة، وهي تُستعمل بكثرة من جانب الفلسطينيين الذين يعيشون داخل البلد
وخارجه، وأيضًا من جانب يهود جُلبوا قسرًا إلى إسرائيل من دول عربية، ومن جانب عدد صغير من
الأفراد، مثل كاتب هذا النصّ، الذين ولدوا في البلد بعد تأسيس الدولة وهم الآن يعبّون عن معارضتهم
للنظام القائم. خلال ما أسميته «العقد ما بعد الصهيوني»، لم يجر دحض الهوية الصهيونية للأرض والمجتمع فقط
عبر «المؤرخين الجدد» أو الروائيين المعادين للصهيونية؛ فقد ساهمت عوامل مثل المطالب السياسية
للمجموعات المحرومة واستمرار الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة وعملية السلام، في عملية تحويل
الصهيونية إمّا إلى شيء خارج التاريخ وإمّا، وهذا أسوأ، إلى مفهوم لا يمكن تطبيقه إلّ عبر سياسة عدوانية
كالّتي يعتمدها المستوطنون. بدأت هذه التحولات في سنة 1977، حين جرى أول مرة تحدّي هيمنة
النخبة السياسية الأشكنازية، ثم استمرّت مع حرب لبنان سنة 1982 والانتفاضة الفلسطينية، ووصلت
إلى ذروتها مع اغتيال رابين سنة 1996 وانتخابات سنة 1999. ولكن، حتى قبل هذه الحوادث الجسام،
كانت هجرة اليهود من الدول العربية قد أعطت المجتمع اليهودي هوية ثقافية «شرق أوسطية». وجرى
اقتلاع الثقافة العربية من الجيل الأول من المهاجرين بوسائل قسرية – إذ حُرموا، مثلً، حق استعمال
لغتهم الأم، العربية، في العلن – ولكن هذه الثقافة استمرّت عبر الموسيقى التي كانت تُسمع في البلدات
المبنية حديثًا كما في الطعام والفولكلور. اليوم، تظهر هذه الثقافة على السطح من جديد عبر الأدب والشعر
والسياسة. في هذه الأعمال الأدبية، يمكن تمييز حنين إلى الجذور «العربية»، وإن يكن ممزوجًا، في بعض
الحالات، بكراهية وعنصرية تجاه الفلسطينيين والعرب عمومًا. أدّى هذا إلى خليط متناقض وغير منطقي
تغذّيه باستمرار الأحزاب الأشكنازية السياسية الحاكمة. غير أنه لو حُرّرت الرغبة في كشف الهوية الثقافية
الحقيقية والأصيلة لشعب هذه الأمّة من حصرية التفاسير القومية للتاريخ، فان هذه الرغبة ستصير قوّة
فاعلة في نزع الصهيونية عن إسرائيل.
أفول عقد «ما بعد الصهيونية»
جرى تعطيل للتطوّرات التي وصفناها أعلاه في أيلول/سبتمبر 2000 مع انطلاق الانتفاضة الثانية. لقد
كانت تداعيات الانتفاضة، في الأراضي المحتلّة و - بشكل خاص - في إسرائيل نفسها، على حركة النقد ما
بعد الصهيونية من الشدة بحيث إنها تستدعي إعادة النظر في الافتراضات التفاؤلية التي سقناها في المقال
أعلاه. على الرغم من ذلك، فإننا ما زلنا نعتقد أن إسرائيل مرّت بعقد «ما بعد صهيوني» طوال التسعينيات
تقريبًا. انضم البعض إلى هذه الحركة لأهداف تكتيكية أو متعلقة بالتماشي مع الأفكار الدارجة، فقد كانت
«ما بعد الصهيونية» تمثّل، في آن معًا، «موضة» دارجة ووسيلة مجدية من أجل تقديم صورة أكثر سلمية
عن إسرائيل إلى العالم. ولكن البعض الآخر في هذه الحركة النقدية كان يعتبر بصدق أن الأيديولوجيا
الصهيونية عائق أمام السلام والتطبيع في إسرائيل وفي فلسطين. بعد مرور بضعة أسابيع على تشرين الأول/ أكتوبر 2000، كان الخطاب العام في إسرائيل قد أ عيد تشكيله
ضمن حدود إجماعية صارمة. انضوى الجميع تحت عباءة الخطاب الجديد القائم على الوحدة، ومن ضمنهم
مجالات الإنتاج الثقافي التي ذكرناها في هذا المقال. في تلك الفترة، خرج كثير من الأفراد الذين سمّيناهم
«بعد صهيونيين» في هذا المقال ليعترفوا ب«ذنبهم» ويكفّروا عنه، مؤكّدين ولاءهم للصهيونية، ومعلنين
عدم ثقتهم بالفلسطينيين وعداءهم للأقلية الفلسطينية في إسرائيل. كشف الخطاب العام الجديد عن شعور بالارتياح في إسرائيل؛ إذ انتهى عقد من التشتت والفرقة، وجاءت محلّه
الوحدة، وهي وحدة استوعبت حتّى حركة المستوطنين في الأراضي المحتلّة. يكفي أن نورد أربعة أمثلة لتأكيد
هذه النزعة الجديدة، وتأتي هذه الأمثلة كلّها من المكان الذي كان يُعتبر معقل «ما بعد الصهيونية»: الأكاديميا. المثال الأول يكشف عدم التسامح في الأكاديميا الإسرائيلية، وهو ظهر في طريقة تعامل جامعة حيفا،
والأكاديميا الإسرائيلية بشكل عام، مع خبر اكتشاف تلميذ ماجيستير في الجامعة مجزرة ارتُكبت خلال
حرب 1948. لقد ناقشنا هذه القضية بالتفصيل في مكان آخر، ولكننا نوردها هنا كعلامة على انتهاء
التعددية وحرية الرأي في الأكاديميا الإسرائيلية. كتب تيدي كاتز رسالة الماجيستير سنة 1998، ولكنها
لم تُنشر حتى بدايات سنة 2000. وثّق كاتز مجزرة ارتُكبت في قرية الطنطورة خلال ليل وفجر 33-22
أيار/ مايو 1948 وذهب ضحيتها حوالى 250 فلسطينيًا. اعتمد الباحث بشكل أساس على التاريخ
الشفوي، فأجرى مقابلات مع اليهود والفلسطينيين الذين شهدوا المجزرة أو وصلتهم أخبارها. تعرّض
كاتز للمقاضاة من طرف قدامى المحاربين في الوحدة الإسرائيلية التي ارتكبت المجزرة، وحين وصلت
القضية إلى المحكمة، تبرّأ كاتز بدايةً من أبحاثه واعترف بأن بعضها ملفّق، ثمّ قام بسحب اعترافه هذا بعد
أقلّ من يوم. أثارت القضية جدالً أكاديميًا وقانونيًا في إسرائيل، إذ ادّعت جامعة حيفا أن رسالة الماجيستير تشوبها
أخطاء، ولكنها لم تحدّد ما اذا كان كاتز قد لفّق المجزرة. وجدنا، كما وجد غيرنا ممن قرأوا الرسالة بتمحيص
وحقّقوا في الأدلّة المقدّمة، أنها كانت رسالة ماجيستير ممتازة، ونحن مقتنعون بلا أدنى شكّ بأن اليهود في
الطنطورة قتلوا أكثر من 200 فلسطيني في سنة.1948
((1(نُشرت محاضرات من هذا النوع أُلقيت في جامعة حيفا في الصحيفة الحيفاوية المحلّية: كول بو،.2001/5/11
(18) Ilan Pappe, «The Tantura Case in Israel: The Katz Research and Trial,» Journal of Palestine Studies , vol. 30, no. 3 (Spring 2001), pp. 19-39.
المثال الثانييتعلّق بتقرير أعدّته مؤسسة أكاديمية شديدة الوسطية: جامعة هرتسيليا العابرة للاختصاصات،
وهي شيء يشبه «دار التقاعد» للأكاديميين الإسرائيليين المشهورين، الذين ينتمي أغلبهم إلى حزب
العمل. حدّد التقرير الذي طلبته حكومة الوحدة الوطنية في إسرائيل سنة 1988، الأجندة القومية
للسنوات المقبلة، وقد تضمّن توصية مضمَّنة ترحيل الفلسطينيين من إسرائيل إذا تضاعفت نسبتهم من
إجمالي السكان (من 20 في المئة إلى 40 في المئة)، وإعادة التعبئة القومية إلى النظام التعليمي – وهي توصية
دعمتها بحماسة وزيرة التعليم آنذاك ليمور ليفنات. المثال الثالثهو قرار وزيرة التعليم المذكورة بتطهير المنهاج التعليمي من أي كتب يُشتبه في تأثّرها بالأدبيات
ما بعد الصهيونية. أمّا المثال الأخير فهو دعوة أطلقها أعضاء بارزون في الكنيست لطرد الأساتذة «ما بعد
الصهيونيين» من الجامعة.
السنوات العشر الأخيرة، 2013-2003
في كتاب سيصدر قريبًا بعنوان فكرة إسرائيل، نشرح بالتفصيل انتشار العقلية الصهيونية الجديدة
وتوسّعها في الأكاديميا الإسرائيلية وفي الميادين الثقافية الأخرى. سنحاول في ما يلي تلخيص ما جرى في
الأكاديميا الإسرائيلية خلال العقد الأخير بشكلٍمختصر. جرى بشكل عام قمع الأصوات الأكاديمية النقدية وإسكاتها بصورة كاملة تقريبًا، وكان مردّ ذلك إلى
الرّقابة الذاتية جزئيًا، وفي حالات أخرى، كما مع المؤرّخ بني موريس والفيلسوف الراحل إيلان غور-
زئيف، كان الدافع هو الندم على اعتناق وجهة نظر « ما بعد صهيونية » في يوم من الأيام. هكذا يصف
غور- زئيف استدارته والأسباب التي دفعته إليها: «لقد كنت جزءًا من موضة غير متسامحة كان من المفترض أن أتعاون معها، بل وأن أكون أحد أبرز أبطالها
... ما كنا ندعو إليه كان عداء السامية». ولكن العامل الأهم كان الترهيب الذي مارسته المنظمات غير الحكومية المدعومة من الحكومة، وأشهرها
«مرصد الأكاديميا الإسرائيلية» و «ايم تيزو» (القسم الأول بالعبرية من مقولة ثيودور هيرتسل الشهيرة
«إذا أردت، فلن يكون الأمر حلمً»). تقوم هذه المنظمات بالضغط على المحاضرين الذين تعتبرهم «ما بعد
صهيونيين» في الصف، وعبر الإدارة الجامعية التي تتعاون معها، وبفضل صمت زملائهم. وقد قام كاتب
هآرتسأور قشتي بتوصيف هذا الواقع بدقّة: «في مواجهة حملة (المنظمات الصهيونية) اليمينية لإعادة تشكيل الواقع، لم ترفع الأكاديميا – باعتبارها
مؤسسة قائمة على قيم كالتشكيكية والتسامح والتعددية- أي صوت. أقلّه ليس في العلن. يقلّ باطراد
عدد الأكاديميين الذين يعتبرون النشاط العام جزءًا من عملهم. ولكن حتى المنظمات الأكبر، مثل
مجموعات الأساتذة والجامعات والأكاديمية الإسرائيلية للإنسانيات والعلوم، تحاول دومًا منع أي تعبير
يوصّف الوجه القبيح بازدياد للمجتمع الإسرائيلي. الرقابة الذاتية والميل إلى الامتثال هما وسيلتان أكثر
فاعلية من القمع المباشر.»
(((1 نشر ملخّص عن التقرير في: هآرتس،.2001/3/27
((2(يديعوت أحرونوت،.2001/5/21
(21) Ilan Pappe, The Idea of Israel: A History of Power and Knowledge (London; New York: Verso, 2014).
(((2 راجع المقابلة معه، في:
»The New Anti-Semitism: A Threat to the Spirit of Freedom and Humanity,« Makor Rishon. 23/7/2010.
((2(هآرتس،.2013/10/16
ما زال هناك حفنة من الأكاديميين الذين يجهدون للتمسّك بآرائهم. ينتمي بعض هؤلاء إلى قسم العلوم
السياسية في جامعة بن غوريون في النقب، إلّ أن القسم مهدد بالإقفال بسبب العدد المرتفع نسبيًا
للأصوات النقدية فيه. ولكن التطوّر الأبرز يتمثّل في التأريخ الجديد لحرب 1948؛ هذه الموجة الجديدة لا تنفي الاكتشافات
التاريخية التي وثّقها «المؤرخون الجدد» في الثمانينيات، وهي تقبل بأن الفلسطينيين هُجّروا وارتُكبت فظائع
في حقّهم، إلّ أنهم يبررون هذه الممارسات كأفعال بطولية لأمّة تحارب من أجل البقاء. في مقال أخير، قمنا
بمراجعة الكتابات الحديثة للمؤرخين الإسرائيليين الشباب الذين يبحثون في حرب 1948، ووجدنا
أنهم يوافقون، من دون أي تردد أخلاقي، على ضرورة المشروع الصهيوني وشرعيته لاجتثاث العرب من
فلسطين في تلك السنة، فيما يتراجع النظام التعليمي إلى السردية الصهيونية القديمة بشأن حرب 1948،
كحرب واجهت القلّة فيها كثرةً وانتصرت فيها بإعجاز، بينما قرر الفلسطينيون بغباء ومن تلقاء أنفسهم،
المغادرة، وتتصرّف الأكاديميا المحترفة في إسرائيل كمجلس حكماء مغلق يكتب عن التطهير العرقي
ويمدحه. لا يزال التفكير المختلف موجودًا لدى منظمات غير حكومية وأفراد شجعان يعملون على هوامش المجتمع
اليهودي. يمكن مشاهدة هؤلاء وهم يتظاهرون ضد جدار الفصل العنصري في بعلين، وضد هدم البيوت
في الشيخ جرّاح في القدس، وضد التهجير القسري للبدو في النقب وجنوب الخليل. على الرغم من قلة
عدد هؤلاء الناشطين، فإنهم مصدر أمل بنشوء حركة معارضة أكثر تأثيرًا في المستقبل.
أمّا بالنسبة إلى الأكاديميين الذين تنقصهم الشجاعة والأوفياء للصهيونية، فقد صار عدد كبير منهم اليوم
جزءًا من فريق شكّلته الحكومة الإسرائيلية سنة 2005 لتحسين صورة إسرائيل في الخارج. وسُمّيت حملة
الحكومة «حملة ماركة إسرائيل»، واستُثمرت فيها ملايين الدولارات لإظهار إسرائيل واحة للديمقراطية
والثقافة المثالية والحياة الجيدة بشكل عام. في سنة 2013، كان هناك حاجة إلى استثمار ملايين إضافية من
الدولارات لأن الحملة فشلت. ونصح الأكاديميون في جامعة تل أبيب للحكومة بعدم محاولة السعي إلى
الفوز في النقاش ضد الفلسطينيين، بل الدفاع عن إسرائيل عبر إسكات عدوّها الرئيس والجديد: آلاف
الشباب في الفضاء الإلكتروني الذين يصوّرون إسرائيل دولةً قمعية واستعمارية، ويخشى الأكاديميون أن
رسالة هؤلاء قد تقتنع بها، في نهاية المطاف، الحكومات الغربية. من المبكر أن نقرّر في ما إذا كان الاتجاه الصهيوني الجديد داخل إسرائيل سيستمرّ وسيهيمن على
الساحة المحلية. نحن نخشى أن هذا ما سيحصل، وأن «ما بعد الصهيونية» لن تعدو أن تكون طرفة قد
تتحوّل، في المستقبل البعيد، إلى فصل من واقع جديد في إسرائيل وفلسطين. مع الأسف، يشير اضمحلال
القوة السياسية والثقافية لليسار الصهيوني إلى أن عقد الانفتاح في تاريخ الدولة اليهودية قد يُستبدل بحقبة
مظلمة لا يُعرف ما إذا كانت ستطول أو تقصر، وتهيمن خلالها «الصهيونية الجديدة»، وهي نسخة أصولية
متشددة من الصهيونية تحل محل «ما بعد الصهيونية».
(((2 انظر: هآرتس،.2012/10/5
Ilan Pappe, «The Vicissitudes of the 1948 Historiography of Israel,» Journal of Palestine Studies , Vol. 39, ((2(انظر:
no.1 (Autumn 2009), pp. 6-24 (((2 انظر: pp. 150-151 The Idea of Israel, Pappe,
(((2 المصدر نفسه، ص.315-295
Ilan Pappe, «Israel at a Crossroads between Civic Democracy and Jewish Zealotocracy,» Journal of Palestine ((2(انظر:
Studies , vol. 29, no. 3 (Spring 2000), pp. 33-44