اختراق الجُدران: الحرب غير المرئية- ساحرة بليبلة
Walking Through Walls: The Invisible War
الملخّص
تعرض هذه المقالة الآثار المترتبة عن الحروب الحديثة داخل المدن، وذلك من خلال بحث إثنوغرافي في التجربة الفلسطينية للاجتياح الإسرائيلي سنة 2002. وهي محاولة بحثية لتوثيق استجابة المجتمع المحلي – والتحقيق فيها وتحليلها – للاستراتيجيا العسكرية الإسرائيلية الجديدة «اختراق الجدران» بوصفها حربًا غير مرئية داخل المدن. تربط هذه المقالة بين التجربة المجتمعية في بلدة نابلس القديمة والتجربة الأوسع للحرب وحالة الغموض السياسي. وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: يتناول الأول «اختراق الجدران» بوصفه استراتيجيا حربية حديثة، بينما يعرض الثاني منهجية سرد تبعات الحرب من خلال دراسة حالة تتناول تعطّل الحياة اليومية في أثناء الحرب. أمّا القسم الثالث، فيسرد البدائل الطارئة التي لجأ إليها المشاركون لمواجهة الاستراتيجيات القمعية. وبعد تحليل يشمل الإثنوغرافيا النوعية والسرد، تقدم المقالة منظورًا متنوعًا للتبعات الزمنية والمكانية والسلوكية التي تعرّض لها الناس، وذلك بناءً على قصص المشاركين وتجاربهم. وتستنتج المقالة أن من شأن الحرب الحديثة المستمرة التي تشنها القوى الاستعمارية أن تؤخر التخطيط الطويل الأجل والتنمية وسيادة الدولة من خلال تعطيل حياة الفلسطينيين اليومية.
Abstract
This paper presents the implications of modern urban warfare through ethnographic research of the Palestinian lived experience of the 2002 Israeli invasion Edjteyah. It is a scholarly attempt to document, investigate, and analyze the community’s response to Israel’s new military strategy of “walking through walls” as invisible urban warfare. This article connects the community experience in the old town of Nablus with the broader experience of warfare and political uncertainty. It is structured in three parts. The first discusses “walking through walls” as a modern warfare strategy, the second presents the methodology to capture the consequences of war with a case study of suspended everyday life, and the third narrates the participants’ “making-do” emergent tactics to counter the oppressor’s strategies. Following an analysis that encompasses qualitative ethnography and storytelling, it provides an interdisciplinary perspective of people’s temporal, spatial, and behavioral aftermath based on the participants’ narrations and experiences. In conclusion, the colonial power’s extended contemporary war delays any long-term planning, development, and sovereignty statehood by suspending the Palestinians’ everyday life.
- الحروب الحديثة
- الإثنوغرافية
- الاجتياح الإسرائيلي
- الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية
- اختراق الجدران
- Modern Wars
- Cities
- Ethnography
- Israeli Invasion
- Israeli Military Strategy
تعرض هذه المقالة الآثار المترتبة عن الحروب الحديثة داخل المدن، وذلك من خلال بحث
إثنوغرافي في التجربة الفلسطينية للاجتياح الإسرائيلي سنة 2002. وهي محاولة بحثية
لتوثيق استجابة المجتمع المحلي – والتحقيق فيها وتحليلها – للاستراتيجيا العسكرية
الإسرائيلية الجديدة «اختراق الجدران» بوصفها حربًا غير مرئية داخل المدن. تربط هذه
المقالة بين التجربة المجتمعية في بلدة نابلس القديمة والتجربة الأوسع للحرب وحالة
الغموض السياسي. وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: يتناول الأول «اختراق الجدران» بوصفه
استراتيجيا حربية حديثة، بينما يعرض الثاني منهجية سرد تبعات الحرب من خلال دراسة
حالة تتناول تعطّل الحياة اليومية في أثناء الحرب. أمّا القسم الثالث، فيسرد البدائل الطارئة
التي لجأ إليها المشاركون لمواجهة الاستراتيجيات القمعية. وبعد تحليل يشمل الإثنوغرافيا
النوعية والسرد، تقدم المقالة منظورًا متنوعًا للتبعات الزمنية والمكانية والسلوكية التي
تعرّض لها الناس، وذلك بناءً على قصص المشاركين وتجاربهم. وتستنتج المقالة أن من شأن
الحرب الحديثة المستمرة التي تشنها القوى الاستعمارية أن تؤخر التخطيط الطويل الأجل
والتنمية وسيادة الدولة من خلال تعطيل حياة الفلسطينيين اليومية.
وأنتَ تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيركَ لا تنس مَنْ يطلبون السلام.
محمود درويش
كان الإسرائيليون يخترقون الجدران كم لو كانت البيوت غير مأهولة وكم لو كنا غير مرئيين. من قال أن الجنود الإسرائيليين يُسمح لهم بالتواجد داخل غرفة المعيشة في منزلي؟
أبو فادي، في اتصال شخصي به (19 تموز/ يوليو 2010)
Sahera Bleibleh, «Walking Through the Walls: The Invisible War,» Space and Culture, published online, 11 February 2014.
مقدّمة ليس من السهل إزالة الندوب الخفية للحرب. ويستحيل تقريبًا تلخيص تبعات
أي حرب لأنها تتضمن طبقات من المعاناة والتجريد من الإنسانية والآثار الصحية
الخطِرة والأضرار المادية والبيئية، إضافةً إلى الصدمة المستمرة. تستكشف هذه المقالة الاستجابة
الفلسطينية للاستراتيجيا العسكرية الإسرائيلية الجديدة «اختراق الجدران»، بوصفها حربًا غير
مرئية داخل المدن، كما تقدم المقالة الرواية الإثنوغرافية للتجربة الفلسطينية في أثناء الاجتياح
الإسرائيلي سنة 2002 بوصفها مثالً لمواجهة مع الحرب الحديثة داخل المدن. وإلى جانب
التجارب الشخصية وملاحظات المشاركين، أجري العمل الميداني في بلدة نابلس القديمة بين
سنتي 2009 و.2011 تُظهر قصص حياة المشاركين مدى صدمتهم وشعورهم بالمكان وارتباطهم به من خلال توضيح
تجربتهم مع الحرب وإعادة بناء منازلهم، وكيف يجري التعامل مع ذلك في حالة عدم الاستقرار
الناجمة عن الاحتلال الإسرائيلي المستمر. بدأت الانتفاضة الثانية (الأقصى) سنة 2000، عقب الزيارة المستفزة التي قام بها رئيس الوزراء
الأسبق أريئيل شارون للموقع الإسلامي المقدس، المسجد الأقصى (الحرم الشريف) في القدس،
الذي حملت الانتفاضة الثانية اسمه. ولكنها أيضًا جزء لا يتجزأ من النضال الفلسطيني المتواصل
من أجل التحرر الوطني وتحقيق العدالة وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، ولا سيما بعد فشل
اتفاقات أوسلو في تحقيق السلام. وتحت ادعاء «الحرب على الإرهاب» والبحث عن «المفجرين
الانتحاريين»، أطلقت إسرائيل في سنة 2002 ما أسمته عملية الدرع الواقي في الضفة الغربية
للقضاء على المقاومة وإعادة احتلال معظم المدن الفلسطينية الرئيسة. في نيسان/ أبريل 2002، شنّت القوات الإسرائيلية هجومًا واسع النطاق على بلدة نابلس القديمة
استمر 19 يومًا. دخلت القوات نابلس من ثلاث نقاط وقطعت الكهرباء وخطوط الهاتف والماء
عن المدينة بأكملها. ووُضع القناصة في مواقع ذات فائدة استراتيجية على الجبال وفوق المباني
العالية، كما أحيطت المدينة بالحواجز لعزلها بالكامل. في أثناء هذا الاجتياح، قتلت القوات
الإسرائيلية ما لا يقل عن 96 فلسطينيًا ودمرت البنية التحتية للمدينة، كما دمرت حوالى 64 مبنى
بالكامل، واعتبُر 221 من المباني الأخرى غير سليمة هيكليًا. وشُدت مئات العائلات. ووثّقت
تقارير قليلة التبعات المأساوية على حياة السكان، وخاصة آثار الاستراتيجيا العسكرية الجديدة
«اختراق الجدران». ولا يمكن للأرقام الأولية للمباني المدمرة أن تعبّ عن الأضرار النفسية التي
عاناها الناس.
(((تمثّل كلمة اجتياحالعربية - لغويًا وفعليًا - عملً قسريًا لهيمنة السلطة والقمع على الأرض ومن عليها؛ أي مجازًا مثل تسونامي
من صنع الإنسان: مفاجئ لكنه متوقَّع من دون وعي. كما أنها تمثّل صدمة جديدة في حياة الفلسطينيين. يشير الناس إلى الحوادث
على أنها ما قبل الاجتياح أو ما بعده، حتى لو كانت الكلمة لا تعني سوى «غزو». هكذا كانت وحشية غزو سنة 2002 لدرجة أن كلمة
اجتياح أصبحت تشير إليه بالذات. وقد بدأت تظهر في الحديث اليومي، وما عادت الحياة كما كانت، إذ غير الاجتياح حياة الناس
وربطهم بحوادث مأساوية أخرى في التاريخ الطويل للمعاناة الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي.
(2) Israel/Palestine: The Black Book , Edited by Reporters without Borders (London; Sterling, Va.: Pluto Press; Reporters without Borders, 2003).
استنادًا إلى الأبحاث الإثنوغرافية، تقدّم هذه المقالة وجهة نظر متعمقة بشأن التجربة الفلسطينية
خلال الاجتياح الإسرائيلي سنة 2002، واستراتيجية «اختراق الجدران» التي استُخدمت في بلدة
نابلس القديمة. وباستخدام سرد القصص كنهج تفاعلي وتحليلي في ما يتعلق بالجوانب المختلفة
للحياة اليومية، تشير هذه المقالة إلى مفاهيم هنري ليفيفرللقوة والإنتاج الاجتماعي للمكان،
وممارسات وروايات ميشيل دو سيرتوالمكانية، وأفكار باولو فرير عن الظواهر والثقافة
الاجتماعية وخطاب الموضوعات الناشئة. وبشكل جماعي، تقدم نظرياتهم أداة للكشف عن طرق
التفاوض على استراتيجيات القوى الاستعمارية من خلال خطط السكان التي لا تهدف إلى تعزيز
السلطة، بل إلى القيام بأعمال تكتيكية وغير مرئية لمقاومتها. وبذلك، يعكس السكان درجات
وأشكالً لا تعد ولا تحصى من المقاومة والصمود، إضافة إلى استمرار إعادة تعريف المكان. وفي
أثناء مفاوضاتهم، يتمكن السكان من تغيير المشهد السياسي بشكل مؤقت على الرغم من التفاوت
في القوة العسكرية. تعكس قصص الناس الكثير من الاستجابات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية
والمكانية والجمالية في شكل الخطط اليومية. وتجادل هذه المقالة بأنه يجب وضع هذه الخطط في عين
الاعتبار، إلى جانب أنواع أكثر رسمية من المدخلات، من أجل فهم كيف يتصرف الناس من أجل
البقاء وتدعيم شعورهم بالأمانخلال الحرب. تفعيل الحروب الحديثة داخل المدن تحت الاحتلال الإسرائيلي
قام الجيش الإسرائيلي بثقب فتحة ضخمة في الجدار ودخل... وتعامل مع المنزل من الداخل على أنه حارة رئيسة. كان جنوده يخترقون الجدران بين المنازل حتى لا يراهم أحد... وكانوا يتفادون الأبواب
ويستخدمون الفُتح في الجدران بدلً منها. كان هذا شيئًا لم يسبق لنا تجربته من قبل، وهو ما زادنا خوفًا.
ما عاد هناك خصوصية أو أمان.
يجعل الاحتلال الإسرائيلي الفلسطينيين هُم الآخر، الأمر الذي يُفقدهم آدميتهم كشعب، وبالتالي
يصبحون غائبين أو مُغيَّبين. وقد خدمت المقاومة الفلسطينية للاحتلال الحكومة الإسرائيلية
بشكل مباشر: «قام الجهاز الدعائي الفائق للاحتلال بتحويل كل ما فعلناه [نحن الفلسطينيين]
ضد احتلال أراضينا وتدمير قرانا وقمع شعبنا إلى ‹إرهاب›». ويسلط البحث في التجربة
الإنسانية في أثناء اجتياح سنة 2002 الضوء على تبعات الصراع التاريخي الطويل وكيفية تعامل
(3) Henri Lefebvre: The Production of Space, Translated by Donald Nicholson-Smith (Oxford, UK; Cambridge, Mass.: Blackwell, 1991); Critique of Everyday Life, Translated by John Moore; with a Preface by Michel Trebitsch (London ; New York: Verso, 1991), and Rhythmanalysis: Space, Time, and Everyday Life, Translated by Stuart Elden and Gerald Moore; with an Introduction by Stuart Elden (London ; New York: Continuum, 2004), and Kanishka Goonewardena [et al.], eds., Space, Difference, Everyday Life: Reading Henri Lefebvre (New York: Routledge, 2008). (4) Michel de Certeau, Luce Giard, Pierre Mayol, The Practice of Everyday Life, volume 2: Living and Cooking, Translated by Timothy J. Tomasik, New rev. and augm. ed. (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1998). (5) Paulo Freire: The Politics of Education: Culture, Power, and Liberation , Introduction by Henry A. Giroux; Translated by Donaldo Macedo (South Hadley, Mass.: Bergin and Garvey, 1985); Pedagogy of the Oppressed , Translated by Myra Bergman Ramos; with an Introduction by Donald Macedo, 30th Anniversary ed. (New York: Continuum, 2000), and Education for Critical Consciousness (New York: Continuum, 2002). (6) Abu Saleh, Sahera Rasheed Bleibleh, Personal Communication, 3 August 2010 and 20 July 2011. (7) Edward W. Said, After the Last Sky: Palestinian Lives , Photographs by Jean Mohr (New York: Columbia University Press, 1999), p. 107.
الناس مع الوضع. يُعَدّ هذا أمرًا بالغ الأهمية، أولً لأنه يقدم فهمً إنسانيًا نوعيًا لما وراء الكميات
المتراكمة من الخسائر والأضرار. وثانيًا لأن التوتر العالمي المتزايد - خاصة بعد حوادث 9/11 في
الولايات المتحدة - رُبط بالمقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي. و ثالثًا لأنه يضيف إلى أدبيات
الحرب والمقاومة كمثال على التجربة الإنسانية التفاعلية وتداعيات العيش مع الخوف وعدم
الاستقرار. إلى جانب تهديد الحاجات الإنسانية الأساسية، تتضمن الحروب الحديثة تدمير جيوش الدولة
للبُنى التحتية الأساسية للمدن. ودائمً ما تفوق تبعات أي حرب أعداد الخسائر وتشمل الكثير من
الآثار غير المرئية لهذه الأعمال على المدنيين وحياتهم اليومية. يقترح ديريك غريغوري أن جدة مثل
هذه العلاقة تكمن في:
التحويل (العام) للوجود الإنساني إلى أدوات والدمار المادي للجسد البشري والشعوب، والذي يسعى أداؤه المكاني إلى عقلنة الاضطهاد الاستعماري وتجذيره. لا يعتدي هذا الأداء على الحياة المؤهلة سياسيًا
فحسب - المساحة التي يمكن إقامة الدولة الفلسطينية فيها - بل إنه يعتدي أيضًا على «الحياة» ذاتها.(((
كما يجادل غريغوري بأن فكرة الإرهاب تسمح للإسرائيليين بالمضُي قدمًا في «الحرب على
الإرهاب» المزعومة، مع مراعاة ضئيلة أو منعدمة للقوانين الدوليةأو المدنيين الأبرياء. تقول مها
التي شهدت اجتياح سنة 2002: «كنا نحاول تفادي أن يرانا أحد، وظللنا صامتين قدر المستطاع،
بلا حراك تقريبًا، أو كما نقول ‹على الحافة.»› يهدد التوسع الحضريالفعالللأرض الفلسطينية القوة الجيوسياسية الإسرائيلية والمراقبة
العسكرية. وبالتالي تُرَّد المدن الفلسطينية وتُصوَّر على أنها مساحات غير مأهولة تتحدى قوة
السيطرة التكنولوجية الإسرائيلية التي تهدف إلى تأخير أي محاولة لقدرة البنية التحتية المستعمَرة
على العمل، حتى بعد انتهاء الحرب. أصبحت نظم الدعم التكنولوجي والبُنى التحتية للمدن
عناصر أساسية في الحروب والعنف السياسي؛ والاجتياح الإسرائيلي سنة 2002 أحد أمثلة كثيرة
على ذلك. إن جزءًا من الحرب العالمية على الإرهاب هو الهجوم على البنى التحتية في المدن بوصفها
القوة المنظمة للنظام الحضري: «نحن نتعامل مع استخدام المناطق الحضرية كسلاح، فالمبنى
سلاح». يقترح ستيفن غراهام أن عملية الدرع الواقي الإسرائيلية سنة 2002 تُعَدّ حالة «إبادة
حضرية» تهدف إلى تدمير الأسس الحضرية والهيكلية والثقافية للدولة الفلسطينية في مراحلها
الأولية. وهذا يعني قتل المدينة من خلال تدمير «البنية التحتية الاجتماعية التي نشأ عليها المقاتلون
والتي تعتمد عليها أسرهم [المقاتلون الفلسطينيون]». وقد استُهدفت بشكل واسع نظم الحياة
اليومية للسكان والبنية التحتية للمدينة في أثناء هذا الاجتياح. ويُعتبر أن الغرض من استهداف
(8) Derek Gregory, The Colonial Present: Afghanistan, Palestine, and Iraq (Malden, MA: Blackwell Pub., 2004), p.
(((المصدر نفسه.
(10) Abu Rouhi, Sahera Rasheed Bleibleh, Personal Communication, 2 August 2010. (11) Stephen Graham, ed., Cities, War, and Terrorism: Towards an Urban Geopolitics, Studies in Urban and Social Change (Malden, MA: Blackwell Publishing, 2004), p. 204. (12) Dove Tamari (2001), Cited in: Graham, ed., Cities, War, and Terrorism , p. 194.
شبكة البنية التحتية اليومية هو خلق تأثير ما بعد الحرب في السكان والمدن، بحيث لا تنتج المعاناة
في الأساس عمّ كاد يصيبهم، بل من خلال الحكم على المجتمع بأسره بمستقبل غير معلوم لسنوات
قادمة، حتى وإن حصلوا على مساعدات مالية من المانحين الدوليين من أجل إعادة البناء.
اختراق الجدران
كانوا يعاملوننا كما لو أننا كائنات غير مرئية أو أننا لا نشغل حيزًا في الفراغ، كما لو أننا لا شيء ولا أحد.
في سنة 2002، قدّم الجيش الإسرائيلي استراتيجية «اختراق الجدران» التي تضمنت تفجير الجدران
والأرضيات والأسقف للمنازل المجاورة. وبدلً من القيام بدوريات في الشوارع الرئيسة وحارات
المدينة، استُخدمت الاستراتيجيا لتلافي أي مواجهة مباشرة أو أفخاخ متفجرة، والأهم من ذلك،
لأخذ الناس على حين غرة في منازلهم. باستخدام المتفجرات أو المطارق الضخمة، كان الجيش
الإسرائيلي يصنع فتحة كبيرة تكفي المرور من منزل إلى آخر، وهو ما تسبب في الفوضى والخوف
بين السكان. وقد ورد في تقرير مؤسسة مراسلين بلا حدود سنة 2003 أن في حالات عدة، كان
الجيش الإسرائيلي يصنع فُتَحًا من منزل إلى آخر حتى وإن كان من الممكن أن يدخل جنوده من
النافذة أو الشرفة. وعندما يعبر الجنود الإسرائيليون من خلال الجدار المفكك، يجمعون سكان
المنزل الذي تعرض للغزو ويحبسونهم في غرفة منفصلة طوال فترة احتلال البلدة. وكانوا أحيانًا
يجبرون السكان على البقاء محبوسين أربعة أو خمسة أيام، عادةً من دون مياه أو طعام أو أدوية أو من
دون دخول المرحاض. كان الجنود الإسرائيليون يغزون المنازل بشكل منظم ويشيعون الفوضى بها
ويفتحون الأدراج وينثرون محتوياتها ويمزقون الملابس ويتلفون الصور ويحطمون أجهزة التلفاز
أو الكمبيوتر. ووفقًا لما صرحت به تقارير منظمة العفو الدولية ومركز بتسيل م الإسرائيلي، كانت
هناك حالات من السلب والنهب في كثير من المناطق. تمثّل هذه الاستراتيجيا منطق إعادة تنظيم التركيبة الحضرية المبنية لأنها تتلاعب بالنمط الحالي
للشوارع والحركة أو تتجاهله وتستبدل به نظامًا أكثر انسيابية. وبتصفية البنية الحضرية، يصبح من
السهل السيطرة على موقع التخطيط حيث تُدد المسارات باستجابة للفرص. يقول إيال وايزمان
إن ذلك لا يهدف إلى الاحتلال فحسب، بل يهدف عادة أيضًا إلى تنظيم المدن المستعمَرة حتى
تسير الحرب الحديثة بأسلحتها ذات التقنية العالية وأنظمة المراقبة لمصلحة المستعمِر. وبوصف
الاستراتيجيا «تصميمً بالتدمير»، يؤكد وايزمان أن «الحرب الحديثة داخل المدن تقوم من خلال
تشييد بنيان، حقيقي أو خيالي، وعن طريق تدمير المكان وبنائه وإعادة تنظيمه وتخريبه.»
وهكذا طُوِّر التفكير الاستراتيجي العسكري ليتخطى تعقيد المدينة، وبالتالي تطورت الحرب من
(13) Derek Gregory and Allan Pred, eds., Violent Geographies: Fear, Terror, and Political Violence (New York: Routledge, 2007). (14) Abu Rouhi, Sahera Rasheed Bleibleh, Personal Communication, 19 July 2010. (15) Eyal Weizman, Hollow Land: Israel’s Architecture of Occupation (London; New York: Verso, 2007). (16) Phillip Misselwitz and Eyal Weizman, «Military Operations as Urban Planning,» in: Anselm Franke, ed., Territories: Islands, Camps and Other States of Utopia (Berlin: KW, Institute for Contemporary Art; Köln: Verlag der Buchhandlung Walther König, 2003), pp. 272-275.
كونها «داخل المدينة ولكن من أجل المدينة، من خلال المدينة. ما عادت المدينة موقعًا للحرب، بل
أصبحت جهاز الحرب». وقد نفّذ الجيش الأميركي هذا الاختراق الحربي المفاجئ لخصوصية
المنازل في العراق أيضًا وأصبحت الاستراتيجيا – بناءً على التدريب العسكري المشترك بين
جيشي الولايات المتحدة وإسرائيل – أعمق أشكال الذل والصدمة بالنسبة إلى المجتمعات التي
تعرضت للغزو. إن التكنولوجيا الحربية الإسرائيلية، العسكرية والسياسية، وإعادة تعريف المكان تفرضان استخدام
الاستراتيجيا لتبرير إعادة احتلالها معظم المدن الفلسطينية. ولا تؤدي التركيبة الحضرية والسكنية
الغرض الذي صُممت من أجله. لم تحوّل استراتيجية «اختراق الجدران» الأماكن الداخلية إلى
أماكن خارجية والمجال الخاص إلى طريق عام فحسب، بل غيّ ت أيضًا معنى المكان اليومي إلى
«مكان محرم»، فأصبحت وسيلة للحرب. لا يحيلنا مصطلح «المكان المحرم » إلى المعنى الجدلي
بين الأماكن الداخلية والخارجية في أثناء الاجتياح فقط، ولكنه يشير أيضًا إلى الحياة اليومية بشكل
عام. وفي حين أن الغرض من الأماكن الداخلية غرض منزلي يوفر الحميمية والأمان والخصوصية،
لا يستطيع السكان في النهاية أن يشعروا بأي من ذلك داخل منازلهم بسبب عدم إمكانية التنبؤ
بالهجمات، والشعور العام بعدم اليقين تحت الاحتلال. أمّا بالنسبة إلى الأماكن الخارجية، فمن
ناحية، يخشى السكان استخدام الشوارع أو الحارات خلال الاجتياح، ومن ناحية أخرى، يمنعهم
من استخدامها حظرُ التجول الذي يفرضه الجيش الإسرائيلي. وعلى نحو مماثل، لا يستخدمها
الجيش الإسرائيلي حتى يتجنب الهجمات المضادة. إضافة إلى ذلك، تعطل شعور الناس بالسيطرة
على الأماكن الداخلية والخارجية بشكل يومي. لا يتضمن أسلوب «اختراق الجدران» التلاعب بمعنى المكان في أثناء الحرب فحسب، ولكنه
يتماشى أيضًا مع فكرة اكتساب المعرفة والقوة من خلال فهم سبُل عيش الضحايا وتحويل مجالهم
«النووي» الداخلي إلى مجال خارجي ومكان حياتهم الخاصة إلى طريق عام، كما يجسد أيضًا
استراتيجية القوة لدى الظالم. وصف كثير من المشاركين من بلدة نابلس القديمة تجربتهم؛ وقد
شهدتْ إحداهن، أم جهاد، قائلة:
فوجئت بوجود الجنود وسطنا [أسرتنا]؛ لحسن الحظ كنا نعلم من جيراننا أن الجيش الإسرائيلي يصنع فجوات في الجدران والأسقف والأرضيات، لذا ظللنا مرتدين ملابسنا... حتى أنني وابنتي أبقينا الحجاب على رأسينا. لم أستطع القيام بأي شيء إلا حماية ابنتي ذات الستة عشر عامًا بجسدي... لا أستطيع أن
أصدق حتى الآن أننا نجونا، الحمد لله.
(((1 المصدر نفسه، ص 279، و , and «Walking through Walls: Soldiers as Architects in the Hollow Land Eyal Weizman:
.)Israeli/Palestinian Conflict,» Radical Philosophy, vol. 136, no. 8 (March-April 2006 (18) Misselwitz and Weizman, p. 279. (19) Sahera Rasheed Bleibleh, «Everyday Urbanism between Public Space and «Forbidden» Space»: The Case of the Old City of Nablus, Palestine, Paper Presented at: The Proceedings of Spaces of History / Histories of Space: Emerging Approaches to the Study of the Built Environment (Conference at the University of California, Berkeley, 30 April-1 May 2010), on the Web: <http://escholarship.org/uc/item/699616jk#page-4>. (20) Weizman, Hollow Land.
أدت البنية المضغوطة الفريدة لبلدة نابلس القديمة إلى استخدام مثل هذه الاستراتيجيا لمباغتة
مجموعات المقاومة الفلسطينية المحلية في أثناء تحركهم بين المنازل. تخلق استراتيجية «اختراق
الجدران» «مكانًا محرمًا» من خلال «تدمير الجدران»، أي تفكيك مفهوم الجدران في سياق الصراع
الإسرائيلي- الفلسطيني. وقد تم التعامل مع الجدران الداخلية بسيولة ومرونة بسبب تغيير
الإسرائيليين المستمر للاستراتيجيات العسكرية. كانت الجدران عناصر قابلة للاختراق، فمر منها
الجنود الإسرائيليون الذين تلقوا الأوامر بالتصرف بحسب الضرورة، وبالتالي استخدموا تقنيات
متطورة لاختراق الجدران كما لو كان المكان «غير مأهول ». وعلى خلاف ذلك، بينما كان يتم تدمير
الجدران الخاصة في نابلس واختراقها، استخدمت الحكومة الإسرائيلية استراتيجيا أكبر لبناء جدار
ضخم حول الأراضي الفلسطينية، وهو ما وضع المنطقة بأكملها تحت الحصار وأكد أن سكانها
غير مرئيين. المنهجية: دراسة حالة عن تعطل الحياة اليومية
لا تترك منزلك أبدًا حتى وإن قُتلت داخله.
بتتبّع ظاهرة «اختراق الجدران»، يقدم هذا القسم وصفًا لتجربة السكان في الفرص والقيود
المكانية. بينما كان الناس محتجزين في جو من الخوف وعدم الاستقرار في أثناء اجتياح سنة 2002
وبعده، كانوا يتفاوضون أيضًا على خطط الصمود. وبالإضافة إلى كون بلدة نابلس القديمة الموقع
التاريخي الوحيد الذي يتعرض لاختراق الجدران، فإن لديها صفات اجتماعية وسياسية وثقافية،
فضلً عن إرث كبير لا يُقهر. تقع البلدة وسط مدينة نابلس، ويتضح نسيجها الحضري المضغوط من خلال أحيائها الستة
المكوَّنة من منازل متداخلة ومجتمعة، وهو ما يجعل من الصعب للغاية رسم الحدود بين المباني.
يعني نسيجها الحضري المكوَّن من كتلة واحدة أن المباني التالفة أو غير المستقرة ستُضعف الهياكل
القريبة الأخرى وتعرضها للخطر من الأعلى أو الأسفل في حال وقوع أي هجوم. كان سكان
نابلس ينتظرون في خوف وعدم يقين بينما انتشرت أخبار اجتياح مدن فلسطينية أخرى. وعلى
الرغم من أنه لم يكن أول هجوم إسرائيلي يتعرض له السكان، إلا أنه كان الأكثر وحشية ووصل
إلى مستوى لم تشهده الأرض الفلسطينية منذ الحرب العربية - الإسرائيلية سنة 1948. أعدت بلدية نابلس، بالتعاون مع مؤسسات أخرى، تقريرًا لتقويم أضرار ما بعد الكوارث
)PDDAR(في أيار/مايو 2002. توضح الخريطة رقم 1 مواقع المباني المتضررة في بلدة
نابلس القديمة وفقًا لما ورد في التقرير.
(21) Abu Alaa, Personal Communication, 19 July 2010. (22) Muna Hamzeh and Todd May, eds., Operation Defensive Shield: Witnesses to Israeli War Crimes (London; Sterling, Va.: Pluto Press, 2003).
(((2 أدار تقرير تقويم أضرار ما بعد الكوارث)PDDAR(بلدية نابلس وممثلون عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وجامعة النجاح
الوطنية واتحاد المهندسين الفلسطينيين ونقابة المقاولين الفلسطينيين، تحت رعاية الحكومتين اليابانية والألمانية وبرنامج الأمم
المتحدة الإنمائي. يسرد الجرد حجم الضرر الواقع بعد الاجتياح الإسرائيلي سنة 2002. وقد كانت اللجنة الطارئة التي أسستها مدينة
نابلس في بداية الاتفاضة الثانية تتكوّن من البلدية والمحافظة والأشغال العامة برعاية الحكومة الفلسطينية وجامعة النجاح ومانحين
دوليين كاليابان والنرويج.
خريطة 1
موقع المباني المتضررة سنة 2002 كما وثّقتها بلدية نابلس، وحدة التأهيل، 2010
لا تكفي أعداد الخسائر والأضرار لتعكس واقع تأثيرها في الناس. أمّا روايات المشاركين فتوفر
الأفكار والمعرفة عن تجاربهم، ولا تتيح المجال لصوتهم فحسب بل تحيي ذكرى «غيابهم» أيضًا
وتأتي بهم إلى «الحاضر» ليتعلموا ويساهموا في وضع خطط «التصرف» اليومية. تتطلب الطبيعة
المتغيرة بسرعة للاستراتيجيات الحربية الإسرائيلية – في ما يتعلق بالممارسة والشدة – توثيق آثارها،
خاصة عند غياب نوعية الحياة عن التقارير الإعلامية وعن أي مطبوعات أكاديمية أخرى. على الرغم من الفروق الفردية، تتشارك روايات المشاركين في تجاربهم المتشابهة في التعامل مع
اجتياح سنة 2002. وتعبّ موضوعاتهم الناشئة عن الطرق العديدة التي يواصلون التعامل بها
مع الفرص من أجل مواجهة عدم اليقين. وبالتالي تجري الحياة اليومية وتتكرر داخل الديناميات
الحضرية المحلية بطرق تعكس بقاء الشعب ومقاومته وتعتز بهما. تعبّ قصص المشاركين عن
ضعفهم وخوفهم وتهجيرهم، إلا أنها تعكس دروسًا عن المقاومة والتأقلم مع الوضع، كما أنها
تردد التاريخ الصادم للنكبة سنة 1948 وآثاره المستمرة. تتيح هذه الروايات المجال أمام أصوات
المشاركين، وتقدم فهمً أوضح لتجاربهم، وهو ما يفتح الباب أمام التشكيك في التخطيط الشعبي
بشكل عام وفي أثناء الحروب بشكل خاص. ويكشف التحليل المتعمق في رواياتهم عن القواسم
المشتركة في تجاربهم التي تسلط الضوء جزئيًا على استراتيجيات الاحتلال المستمر، ومع ذلك
لاتزال تتطور. المنهجية إن مسألة كيفية تقصّ أساليب صمود الفلسطينيين وفهمها في بيئة تقع تحت السيطرة السياسية
والمكانية تلخص حالة عدم الاستقرار تحت الاحتلال الإسرائيلي. ولاستكشاف آثار ظاهرة
«اختراق الجدران»، بدأت بعمل ميداني أولي في أحد أحياء بلدة نابلس القديمة الستة ببعض
الأسئلة والملاحظات الأساسية. بينما كنت أسير في أزقة البلدة القديمة، التقطت صورًا قدر
المستطاع لأي دلائل على الأماكن المدمرة أو المحفوظة أو المضافة أو الناقصة أو المهجورة، إضافة إلى
صور لرسم الغرافيتي والآثار وقوائم الأسماء وملصقات صور الشهداء على الجدران وواجهات
الأزقة والساحات. كما بادرت إلى إجراء محادثات عابرة مع السكان الذين كانوا متحمسين لسرد
قصصهم. ومن خلال هذه المحادثات، لقيت ترحيبًا من الناس وفضولً لمعرفة ما إذا كان هناك من
يهتم لسماع قصص تجاربهم في أثناء الاجتياح الإسرائيلي سنة.2002 في غياب أي أبحاث تتناول الآثار «الإنسانية» للسياسة، تهدف هذه المقالة إلى توثيق هذا الجانب
من خلال تضمين المشاركين الذين اختيروا على أساس المعايير المشتركة المتعلقة بتجربتهم مع
الاجتياح الإسرائيلي سنة 2002. استخدمت الدراسة نهجًا متعدد الطرائق يستند إلى منهجيات
إثنوغرافية وروائية وسردية. في أثناء سرد المشاركين قصصهم، جرى توثيق رواياتهم وتجاربهم
ومشاعرهم وأفكارهم وتأملاتهم ومعلوماتهم الشخصية. وقد استخدمت خريطة الأضرار المادية
وقوائم جرد الأضرار من أرشيف البلدية لتحديد مواقع الزيارة في كل حي. وبناء على نتائج العمل
الميداني الأولي وشبكتي الخاصة، وضعت استبيانًا شبه منظم لمجموعتين من المشاركين في البحث:
السكان وأصحاب المتاجر وممثلو المؤسسات. تتكوّن بلدة نابلس القديمة من ستة أحياء، وبالتالي توسع العمل الميداني ليشملها، وتمت زيارة
ما لا يقل عن خمسة منازل أو متاجر في كل حي. ساهم ما مجموعه 40 مشاركًا و 17 ممثّل
للمؤسسات في الدراسة بين سنتي 2009 و 2011. كان المشاركون موزعين بين الأحياء الستة
في البلدة القديمة: الغرب، الياسمينة، العقبة، القريون، الحبلة، القيسارية. وجرى التواصل مع
المشاركين إما في منازلهم وإما في متاجرهم. وقد كان تقرير تقويم أضرار ما بعد الكوارث مفيدًا
في تنظيم العمل الميداني والمتغيرات البحثية وتوقع نموذج الرسم البياني الترابطي كما هو مبين في
الشكل 1. لا يسلط هذا الرسم البياني الضوء على المتغيرات البحثية لتقصّ آثار «اختراق الجدران»
الشكل 1
النموذج المتوقع للرسم البياني الترابطي (٤٢))Bleibleh, 2012(
(24) Sahera Rasheed Bleibleh, «Everyday Life: Spatial Oppression and Resilience under the Israeli Occupation, the Case of the Old Town of Nablus, Palestine,» (Ph. D. Dissertation, University of Washington, 2012).
(الصراع، الناس، المكان) فحسب، ولكنه يوضح أيضًا الموضوعات الناشئة المتوقعة في أثناء تحليل
الروايات المجمعة. أُجريت المقابلات باللغة العربية، وهي لغة المشاركين والباحثة. وبعد كتابة نص المقابلات
بالعربية، راجعها المشاركون للتعديلات. وقد كتبت نص المقابلات وترجمتها بنفسي. في أثناء
كتابة نص المقابلات، راجعتها بحثًا عن احتمال وجود موضوعات مشتركة تميز تجارب المشاركين
في منازلهم وعندما تم إجلاؤهم وفي أثناء عملية إصلاح الأضرار والعودة إلى المنزل. وهكذا،
أُبرزت جميع الكلمات التي عبّت عن موضوعات متشابهة وجُدولت وجرى تتبّعها في النصوص
الأربعين، كما قورنت جميع الروايات بحثًا عن الموضوعات الاشتقاقية المشتركة، مع مراعاة علاقة
الأفراد بمنازلهم وخوفهم وذكرياتهم وإجلائهم أو بقائهم في المنزل وعلاقاتهم الاجتماعية. وهكذا
استخدمت جداول إكسل البيانية لمقارنة جميع الروايات بالموضوعات الاشتقاقية. وقد اتضح أن
الروايات الأربعين تتشارك في سبعة وعشرين موضوعًا ناشئًا. واستنادًا إلى مدى انعكاس هذه
الموضوعات الناشئة في كلٍّ من الروايات، اختيرت عشر قصص للتحليل المكاني المتعمق وتفسير
الموضوعات الناشئة. آثار الاجتياح الزمنية والمكانية والسلوكية
نحن لا نتحكم في الزمن أو في المكان الخاص بنا؛ فالإسرائيليون ما زالوا يجتاحون البلدة القديمة والمدينة بأسرها كل ليلة.
أشير في هذه المقالة إلى نظريات المكان والحياة اليومية لفك تعقيد العيش في خوف وعدم يقين،
وللتواصل مع أبحاث أكاديمية أخرى بشأن الخوف وتبعات الحرب الحديثة. تأتي الروايات
التي يستند بحثي إليها من عيّنة دراسية اشتملت على سكان المنازل وأصحاب المتاجر من النساء
والرجال الذين يعيشون في بلدة نابلس القديمة، وكانوا قد تعرضوا للاجتياح سنة 2002، فضل
عن ممثلي المؤسسات الذين شاركوا في إصلاح الضرر في ذلك الوقت. يشكل ذلك جزءًا من
مشروع بحثي أكبر يستكشف الآثار المكانية والسلوكية للاجتياح وتبعاته التاريخية والمستقبلية على
الحياة اليومية والهوية والوطن والانتماء والدولة في فلسطين. إن عملية تحليل السرد بالتداخل مع كل من التجربة والرواية تعكس موضوعات ناشئة عن البنى
الظاهراتية التفاعلية لأساليب التصرف من أجل التعامل مع الصراع العسكري والسياسي. وقد
تحدث المشاركون في الدراسة عن تجربتهم الصادمة سنة 2002 وكيف ذكّرتهم بالمنفى في النكبة سنة
1948، والتي عززت شعورهم بجذورهم وارتباطهم. تدور قصصهم حول تخطيط الوقت والمكان
في إطار من الخوف وانعدام اليقين واستراتيجيات القوة. وفي مجموعات من القوة والبيئة المقيدة،
يتم اعتماد العنصرين الزمني والمكاني وتعزيزهما وإعادة تعريفهما والتفاوض بشأنهما وبناؤهما. تحدد الصفات الحضرية المضغوطة لبلدة نابلس القديمة ارتباط الناس بمنازلهم، وهو ما يجعل
العنصر المكاني نموذجًا محوريًا لفهم الطرق التي يرتبون بها أولويات المناورة. ويقوم البحث
(25) Raed, Personal Communication, 25 July 2010 and 3 August 2011.
عن الموضوعات المشتركة بين الروايات المجمعة بالكشف عن الخطط التي تنشأ لتعكس مختلف
المجالات المكانية التي تبدأ من أماكنهم المنزلية «النووية» حتى انتقالهم للسكن مع أقربائهم أو
جيرانهم أو في مكان عام أو في سكن مؤقت. تحدد لنا قصصهم مختلف الطرق التي عانوا بها
التهجير، وعملية إعادة البناء والعودة إلى المنزل. وتقدم رحلة السكان القسرية وجهة نظر حول
مواجهة الخوف عند انعدام الاستقرار، فضلً عن التعامل مع المؤسسات المحلية التي شاركت ولا
تزال تشارك في هذه الرحلة. تهدف الاستراتيجيا الجديدة التي تتضمن الهجوم المفاجئ على منازل الفلسطينيين وغزوها إلى
استعراض قوتها وسيطرتها العسكرية وإلى خلق حالة من الارتباك وعدم الاستقرار، كما تُظهر
عزم الاحتلال على تحويل أماكن الحياة اليومية للناس إلى وسيلة للحرب، ممّا يجعلهم يعيشون
في حالة دائمة من الحرب طوال اليوم. تيسّ الروابط الاجتماعية والثقافية في المجتمع المشاركة
في الحاجات الأساسية من مأوى وغذاء وأمن. وباتباع نهج سياقي تصاعدي، تكشف الروايات
المجمعة عن الكثير من الخطط التي يبتكرها السكان لتحويل المكان الخاص بهم ليعكس تصورهم
عن الاجتياح الإسرائيلي. يوضح التحليل أن قراراتهم القسرية بالانتقال أو البقاء في منازلهم
استندت في البدء على شعورهم بالأمان. وعلى الرغم من خوفهم، فإنهم اعتبروا إعادة بناء منازلهم
ضرورة ووسيلة للشفاء تعبّ عن ارتباطهم ومقاومتهم. حتى بعد تدمير منازلهم، استمروا في
زيارة الأنقاض لتأكيد ارتباطهم. يقدم كلٌّ من المقتطفات التالية جزءًا من الموضوعات المتعددة لتجارب المشاركين لتجتمع الأجزاء
وتلخص حياتهم اليومية. فعلى سبيل المثال، يقول أبو فادي:
استشهد ابني في أثناء الاجتياح ولم أتسلم جثمانه حتى الآن... فهو لا يزال مع الإسرائيليين. وعلى الرغم من ذلك، فإن إجلائي من منزلي أصعب... أشعر بالحنين إلى منزلي لنسفه وأموت إذا بترك هالمكان... ولأننا كنا نظن أننا في أمان، كنا ننام تحت النوافذ حتى لا يرانا من في الخارج... لم يكن هناك مكان آمن... اخترق الصاروخ القبة السميكة في السقف ووجدنا أنفسنا تحت السماء، ومنذ تلك اللحظة فقدنا الحياة التي كنا نعيشها.
يمكن النظر أيضًا إلى ما قاله أبو فادي من خلال عدسة الارتباط والحنين والذكريات
والصدمة المستمرة بعد تدمير منزله ومقتل ابنه. ولكن الأولوية كانت للسلامة و الأمان،
واعتبُرت لاحقًا أسلوبًا مكانيًا في أثناء عملية الإصلاح، حيث قلل معظم المشاركين من
حجم نوافذهم لتأمين مساحة تحتها. ومع كون المشاركين محتجزين مكانيًا وزمنيًا، تعكس
روايات تجاربهم اليومية كيف كانوا يحاولون الحفاظ على النشاطالعاديقدر المستطاع من
أجل التأقلم مع البيئة المقيدة من حولهم. فعلى سبيل المثال، كانت أم رائد مصممة على
الاستمرار في أداء صلواتها الخمس في مسجد قريب. كانت هذه الأفعال اليومية أساسية
بالنسبة إليها للتعامل مع قيود الحركة في أثناء الاجتياح. رسخت صلوات أم رائد إحساسها
بالوقت والانتماء والأمان:
(26) Abu Fadi, Personal Communication, 30 July 2009, 19 July 2010, and 3 August 2011.
والله يا بنتي مررنا بأيام صعبة وانكشف حالنا. كنت أؤدي الصلوات الخمس في الجامع الكبير. وفي أثناء الاجتياح حاصر الإسرائيليون المكان ولم يسمحوا لأحد بالخروج. لكنني لم آبه لذلك، فأخذت المصباح وخرجت لأصلي... أنا فقط أريد أن أحافظ على تأدية فروض الصلاة التي اعتدت عليها. ودائمً ما أقول
توكلت على الله.
روى ابنها رائد تجربته في الصدمة والخوف والعجز في ذلك الوقت. وركز حديثه على الاجتياحات
المتواصلة حتى بعد سنة 2002. وعبّ أيضًا عن إثارة الاجتياح لذكريات نكبة 1948. وهكذا،
فإن «سلامة» المنزل جزء لا يتجزأ من سلامة ساكنيه، فلا يمكن تصور الحياة من دون جدران.
وكما يؤكد جاكسون، «المنزل المحطم يعني حياة محطمة». وبالنسبة إلى رائد، كما هي الحال
بالنسبة إلى السكان الآخرين، فإصلاح منزله أمر أساس ليؤمن بأن لديه سيطرة على المكان
الخاص به.
نحن لا نسيطر على الزمان أو المكان الخاصبنا؛ فالإسرائيليون ما زالوا يجتاحون المدينة بأسرها كل ليلة. نسمع اتصالاتهم اللاسلكية ومعداتهم التي تضرب المتاجر، ولكننا نواصل حياتنا ونعمل حتى مع الإسرائيليين. نرغب في تصديق أننا نسيطر على الأماكن الخاصة بنا. ولكن الإسرائيليين يملكون الليل حيث يُطلق رصاص القناصة ويُسمع دوي الدبابات ويمكن للطوافات أن توقظ الموتى وتقلق راحة
الأحياء وتحرمهم من الأمل... تعلمنا أيضًا من الانتفاضة الأولى ألا نترك منازلنا، وهذا ما تعلمناه من النكبة الفلسطينية سنة 1948.
انتقل أبو رضا إلى قبو منزله سنة 2002 مع خمسين من جيرانه وأقربائه حيث مكثوا ثمانية أيام.
كانوا من الرجال والنساء والأطفال. وللتعامل مع المكان المقيد، استخدموا بطانية لتقسيم القبو
إلى قسمين، أحدهما للنساء والأطفال والآخر للرجال. ونتيجة للقصف المستمر، كان استخدام
المرحاض أكثر التجارب صعوبة وإثارة للرعب. فقد كانوا يراقبون الطريق لبعضهم البعض
للتأكد من أنه آمن للخروج. وبسبب الخوف ولتفادي إحراج النساء، قرر الرجال حفر حفرة في
الأرض المبلطة لاستخدامها كمرحاض.
كنا حوالى خمسين شخصًا في غرفة واحدة. أحضر كل منا ما استطاع إيجاده من طعام وجلسنا في الخلف. كنا جميعًا مذعورين ولذلك كان بإمكاننا وللمرة الأولى أن نسمع صوت إشعال السيجارة أو صوت الغاز أو المياه المغلية أو ضوء السيجارة. كنت أشعر للمرة الأولى في حياتي أن التدخين يمكن أن يكون بهذا الصخب!
في حالة أبي علاء، بينما أخذ ابنه أسرته إلى ملاذ آمن مع أقربائه، انهمك أبو علاء في بعض أعمال
البناء التي كان قد بدأها قبل الاجتياح. وكان يزين أيضًا جدارًا خارجيًا بينما كان محاطًا بالجنود
الإسرائيليين الذين كانوا قد انتهوا للتو من تحطيم الجدار ذاته. وكما أكد أبو علاء بنفسه، فإن
(27) Um Raed, Personal Communication, 25 July 2011. (28) Michael Jackson, At Home in the World (Durham: Duke University Press, 1995), p. 85. (29) Raed, Personal Communication, 25 July 2010. (30) Abu Alaa, Personal Communication, 3 August 2010.
إعادة التصميم تنم عن أسلوبه الخاص لمواجهة الإسرائيليين. وتعكس كلماته إيمانًا داخليًا عميقًا
كأسلوب ضمني آخر للتأقلم نفسيًا مع الواقع. توضح رواية أبي علاء إيمانًا عميقًا بإرادة الله
للحفاظ على توازنه حتى يتخطى الوضع الراهن الذي لا يمكنه التحكم فيه أو التعايش معه.
وكان قد تعرض للنفي مرة ويعترف بقسوته:
مكثت في منزلي خلال الاجتياح ورفضت الرحيل، على الرغم من مغادرة ابني وزوجته... كنت محاطًا بالجنود الإسرائيليين الذين دخلوا المنزل بعدما فجروا الجدار الخارجي وأتلفوه... كنت أقوم ببعض أعمال الترميم والإصلاحات في المنزل قبل الاجتياح... يحتوي هذا المكان على عائلتي بأكملها وحياتي وذكرياتي... أنشئ هذا المنزل سنة 1913 وأنا أعتني بإرثه وسأواصل فعل ذلك... أصلح كل شيء بيدي.
استخدم أبو خالد الذي دُمر متجره بالكامل أسلوبًا آخر للتأقلم مع الاجتياح؛ فعلى الرغم من
قسوة الوضع الإقتصادي، فإن روايته تعكس طرق عنايته بمتجره، حتى عندما تحوّل إلى أنقاض،
إلى أن تمكن من إعادة بنائه:
ظل المتجر مدمرًا لوقت طويل. بدأ الناس يستخدمون المكان كأنه مقهى أو موقف سيارات، مما أثار قلقي
حينها من أن أفقد المتجر إن لم أعتن به. حتى أنني كنت أزوره خلسة لأطمئن إليه في أثناء حظر التجول على الرغم من الخطر....كان امتلاك متجر أو أي عقار في البلدة القديمة يعني انتماءك إليها وأنك من أبنائها. أشعر بالفخر لامتلاك هذا العقار، فهذا يعني أصالة البلدة القديمة وتاريخها وثقافتها.
تروي مها تجربتها بشكل مؤثر، فقالت إن بسبب مرض حماتها والخوف من التعرض للسرقة مكثت
مع عائلتها في المنزل على الرغم من كونه مدمرًا جزئيًا. وقد أمضت وقتها في تطريز بعض الكلمات
عن الصبر، ولا تزال محتفظة باللوحة ذات الإطار معلقة على جدار غرفة المعيشة.
مكثنا في المنزل على الرغم من الدمار؛ وكنا قلقين إزاء حدوث الكثير من السرقات في ذلك الوقت، لذا كان من الأفضل أن نبقى. كنا نحاول تفادي أن يرانا أحد وظللنا صامتين قدر المستطاع، بلا حراك تقريبًا، أو
كما نقول «على الحافة».
حكت أم جمال وبناتها عن ذكرياتهن بشأن حدث في أثناء الاجتياح. كان الحديث يتدفق كأن
أفراد الأسرة مروا بتجارب مختلفة، وأكمل كل منهم قصة الآخر. تعكس رواياتهم التفاعلية
تجربتهم الصادمة.
كانت تلك الأيام صعبة للغاية، الله لا يعيدهم. غادرنا منزلنا ثاني أيام الاجتياح وعدنا بعد مرور عام واحد عقب الانتهاء من الإصلاحات. لن أرضى أبدًا بالعيش في أي مكان آخر؛ كان من الصعب بما فيه الكفاية أن نبتعد لمدة عام كامل.
اضطرت أم جهاد إلى الرحيل بعد قصف منزل جيرانها. فقد قُتل عشرة من أفراد عائلتهم، وتم
إنقاذ اثنين آخرين بعد أن بقيا تحت الأنقاض بضعة أيام. أ جبرت أم جهاد وأسرتها على الانتقال
(31) Abu Alaa, Personal Communication, 19 July 2010. (32) Abu Khaled, Sahera Rasheed Bleibleh, Personal Communication, 27 July 2010. (33) Maha, Sahera Rasheed Bleibleh, Personal Communication, 2 August 2010. (34) Um Jamal, Sahera Rasheed Bleibleh, Personal Communication, 27 July 2010.
إلى منزل عائلة زوجها الراحل ثم إلى منزل عائلتها. وقد قاموا لاحقًا باستئجار سكن مؤقت قرب
مقر عمل زوجها الراحل.
فررنا ليلً عندما دُمر المنزل من الجهة الخلفية. كان لدينا باب خلفي يقود إلى منزل حمواي حيث مكثنا.
وكان هناك جدار مشترك بين منزلنا وحوش الشعبي الذي دُمر بالكامل فوق ساكنيه [دمر الإسرائيليون
هذا الحوش لتأمين مدخل إلى البلدة القديمة من الجنوب. وقد استشهد عشرة أشخاص من نفس العائلة تحت الركام]. كنا نذهب لنطمئن إلى حالة المنزل كل يوم.
فقدَ أبو صالح عمله ومنزله خلال الاجتياح. على الرغم من إصلاح متجره بعد فترة، لم يجر إصلاح
منزله إلا بعد مرور عشرة أعوام على اجتياح 2002 ولم ينتقل إليه حتى الآن. وعلى الرغم من أن
إعادة بناء منزل أبي صالح كانت جزءًا من عقد موقّع بين البلدية ومؤسسة التعاون، فإن المشكلات
الإدارية والخاصة بالملكية كانت أيضًا جزءًا من المشروع.
تم إجلاؤنا ليلً ومكثنا في الحي فترة من الوقت حتى سحبنا الجنود الإسرائيليون إلى جامع الساطون. كان الجنود الإسرائيليون يوزعون المتفجرات في المنزل لنسفه بحجة أنه مليء بالمتفجرات، كان قلبي يبكي... مهما كان الأمر فينبغي إصلاح منزل العائلة، إن لم أفخر بالمكان الذي ولدت فيه... يصبح كل شيء آخر
بلا قيمة.
تجسِّد هذه الروايات أمثلة للأساليب المكانية والسلوكية التي يلجأ إليها الناس للشعور بالأمان
المؤقت. وفي القسم التالي تقويم لروابط أوسع من المقتطفات المختلفة لفهم تفسير المشاركين
لتجاربهم في أثناء الاجتياح. ملاحظات ختامية عن العيش في حالة عدم الاستقرار
في ظل كابوس هذا الصراع، نتوقع دائمً زيارتهم [الإسرائيليين] في أي وقت....
تُعَدّ هذه المقالة جزءًا من مشروع بحثي أكبر، وسوف تليها سلسلة من الأوراق البحثية الأخرى
بشأن الممارسات التكتيكية للسكان في أثناء تجاربهم مع الصراعات العسكرية والسياسية. يجب
أن يُنظر إلى الأساليب الناشئة في الروايات المجمعة على أنها الطريقة التي يتعامل بها السكان
المحليون مع الزمان والمكان لتوفير الفرص التي يمكنها تغيير استراتيجيات المستعمر. تختلف
الاستجابات التكتيكية عن الاستراتيجيات في أن الأولى تخالف أو تخرب أو تعطل الأخيرة بطريقة
طارئة ومؤقتة وغالبًا غير منطقية. ووفقًا لدو سيرتو، فإن التكتيك هو النشاط اليومي مثل السير
والحديث والتفاعل مع الناس والاستهلاك والحركة في المكان، حيث «تستمر الحياة اليومية من
خلال انتهاك ملكيات الآخرين بطرق لا تعد ولا تحصى». وهذه عملية مستمرة وخفية ولكن
(35) Um Jehad, Sahera Rasheed Bleibleh, Personal Communication, 12 August 2010. (36) Abu Saleh, Sahera Rasheed Bleibleh, Personal Communication, 3 August 2010 and 20 July 2011. (37) Um Usama, Sahera Rasheed Bleibleh, Personal Communication, 10 August 2009. (38) Freire, The Politics of Education. (39) Michel de Certeau, The Practice of Everyday Life, Translated by Steven Rendall (Berkeley: University of California Press, 1984), p. xii.
عفوية للتعامل مع الوقت والمكان من أجل تغيير حالة العجز لمصلحة المستخدمين من خلال
تكتيكات اغتنام الفرص مكانيًا أو زمنيًا. تعكس روايات السكان شبكة متداخلة من تفاعلهم مع مختلف المجالات المكانية التي مروا بها.
وتمثل الموضوعات المشتركة تجاربهم بشكل جماعي في أماكنهم «النووية» مع أقربائهم وجيرانهم
والإجلاء والتعامل مع الإصلاحات والعودة إلى المنزل، أي إن الضعفاء تحت الاحتلال قد
لا يتمكنون من تحقيق السيطرة أو القوة اللتين تُعتبران عادة من مظاهر التعبير عن الاستقلال
والسلطة، ولكنهم يتأقلمون تكتيكيًا للحفاظ على ممارستهم للسياسة والشعور بالهوية والصمود.
وبالتالي، فإن تأثير دراسة ظاهرة «اختراق الجدران» من خلال تجارب السكان يقدم الفرصة
للتخطيط للمدى القريب والبعيد في ظل حالة عدم اليقين، كما هو موضح في الشكل 2 في العلاقة
المتداخلة بين الخوف والتجربة الحية والتخطيط.
الشكل 2
تدفق مفاهيمي بحثي للتقصّي والمنهجية وتبعات التخطيط)(40)Bleibleh, 2012(
إن مفهوم إدراك الحياة الواقعية كما عبّ عنه فرير يعكس ازدواجية في العلاقة التفاعلية بين
الظالم (السلطة) والمظلوم (الشعب)، وهو ما يسمح لثقافة الصمت أن تتراخى وتكشف عن أنه
يمكن استخدام أي جهاز للسلطة أو ثقافة مهيمنة لقمع الصورة الذاتية للمظلوم. بعبارة أخرى،
يصبح الظالم مدركًا لثقافة المظلوم، الأمر الذي ييسر قمع أي محاولة لمقاومة الجهاز. ولكن التعامل
الصامت في ثقافة المظلوم مع المكان والزمان يستمر في دعم تكتيكاتهم للتصرف. يحفز مثل هذا
التوتر حدوث نقلة نوعية وإن كانت موزعة بشكل مؤقت على المستوى اليومي. يجد دو سيرتو
أن الحل يكمن في «التكتيك»، وهو ما يصفه بأنه فعل يتدخل في مكان الآخر ويتسلل إلى المنطقة
التي يسعى إلى تخريبها، كنملة صغيرة تزحف من خلال الشقوق في أي مكان. يعتمد مثل هذا
التكتيك على الوقت، «ودائمً يترقب الفرص التي يجب اغتنامها ‹وهي متاحة›». كما يجري دائم
(40) Bleibleh, «Everyday Life». (41) Freire: The Politics of Education ; Pedagogy of the Oppressed , and Education for Critical Consciousness.
تجاهل مكاسبه من انقلاباته الصغيرة: «أيًا كان ما يكسبه، فإنه لا يحتفظ به». وبالتالي، يستخدم
الناس النشاط والممارسات اليومية على مستوى مصغر لتحدي القوى التأديبية بشكل مؤقت.
بعبارة أخرى، في التعامل مع المكان والزمان، يجد المستخدمون الفرص ليزعموا الاستيلاء المؤقت
على أرض الغير، وذلك باستخدام القواعد والمنتوجات الموجودة أصلً في الثقافة بطريقة تتأثر
جزئيًا بهذه القواعد والمنتوجات. تكشف التكتيكات اليومية عن الطرق التي يتعامل بها الناس مع المكان والسلوك داخل بيئة
مضطهدة ومحصورة باستمرار، وذلك بحرّية حركة أو فعل محدودة أو منعدمة. يفرض العيش
في خوف قيود على وقت الناس ومكانهم، وهو ما يجبرهم على التصرف بعفوية وإبداع لمواجهة
مثل هذه القيود أو تخطّيها أو التلاعب بها من أجل تحقيق الاستقرار لأي حالة جديدة من عدم
اليقين. وعلى الرغم من أن كل فرد يتفاعل بشكل مختلف، فإن المشاركة في بيئة متشابهة توفر منبرًا
مشتركًا للروتين اليومي الجماعي. يعبّ المنظور الظاهراتي للتجربة الإنسانية في الحياة اليومية عن
تكتيكات تحوّلالوضع الراهن لمصلحة المظلوم. ويتعلق استخدام القيم الثقافية بالمعرفة والخبرة
المخزنة في الذاكرة، ويصبح متاحًا في اللاوعي بحسب الحاجة. وترتبط القيم الثقافية بالظواهر
النفسية وكيفية تضمينها في السياق التاريخي والظرفي والمادي. بربط ذلك كله، تروي الموضوعات الناشئة الخاصة بالزمان والمكان والثقافة والسلامة والأمان قصة
القيم المشتركة التي تحافظ على صمود المجتمع والمدينة. يقدم ليفيفر نموذجًا لفهم علاقات القوى
التي تؤثر على عمليات إنتاج المكان. وتجسّد التجربةُ المعيشةُ للمشاركين تعقيد الرموز المرتبطة
أساسًا بسردية الحياة الاجتماعية، «الجانب السري أو الخفي»، وبالتالي، فإن المكان الذي يسعى
الخيال لتغييره وتخصيصه يتماشى مع المكان الفعلي لتحقيق الاستفادة الرمزية من مكوناته. وكما ورد في مفهوم أغامبن عن الرجل المقدس)homo sacer(، تدفع الاستراتيجيات العسكرية
الإسرائيلية بحياة الفلسطينيين إلى حافة عدم الاستقرار، وهو ما يسبب الاختناق البطيء ولكن
القاسي للحياة الطبيعية، ويضيف تحديات لممارسة النشاط اليومي مثل النوم وتناول الطعام
والذهاب إلى العمل أو المدرسة أو المستشفى وزيارة الأصدقاء والأقارب. يؤثر انتهاك المكان
الشخصي والحياة اليومية في سيادة السكان ويجردهم من إنسانيتهم كضحايا حرب؛ وبالتالي
تفتقد الحياة اليومية الأمان أو اليقين. ونتيجة للاحتلال الإسرائيلي المستمر، أصبح الفلسطينيون
محاصرين بعدم اليقين المتزايد وبما أسمته نادرة شلهوب - كيفوركيان «منطقة عدم الوجود».
(42) Certeau, The Practice of Everyday Life , p. xix. (43) H.M. Proshansky, The field on environmental psychology: securing its future. Handbook of Environmental Psychology (New York: John Wiley & Sons, 1987). (44) Lefebvre, The Production of Space , p. 33. (45) Giorgio Agamben, Homo Sacer: Sovereign Power and Bare Life , Translated by Daniel Heller-Roazen, Meridian (Stanford, Calif.: Stanford University Press, 1998). (46) Nadera Shalhoub-Kevorkian, Militarization and Violence against Women in Conflict Zones in the Middle East: A Palestinian Case-Study , Cambridge Studies in Law and Society (Cambridge; New York: Cambridge University Press,
وتقول نادرة إن في هذه المنطقة نجد «مجالات جديدة من الفحش في سياسة الحياة اليومية» حيث
يعامَل القيام بالنشاط اليومي العادي في الحياة والعمل – الذهاب إلى المدرسة، زيارة الجيران،
السفر إلى الخارج، زرع شجرة، زرع خضروات، بيع منتوجات في سوق قريب – على أنه جريمة
تعاقب أحيانًا بالقتل. يمثّل الهجوم الإسرائيلي و«اختراق الجدران» استراتيجيا عسكرية مزدوجة؛ فمن ناحية، يقوّض
التحديث البطيء أصلً للمجتمع الحضري الفلسطيني. كما يقول غريغوري، فإن «العناصر
الأساسية للحد الأدنى للحياة معرضة لتهديد حاد... العناصر الأساسية لحياة إنسانية كريمة ».
ومن ناحية أخرى، يعتبر الهجوم تدميرًا متعمدًا للمدن ويتماشى مع جهود الاستعمار الإسرائيلية
من خلال التخطيط الحذر للمكان كاستراتيجيا أكثر شمولً للقضاء على الأرض الفلسطينية.
وعلى وجه التحديد، لخصت استراتيجية «اختراق الجدران» المدن والناس على أنهم ليسوا إلا
تهديدات وأهداف مجردة من الإنسانية. وقد حوّل الهجوم الإسرائيلي جوهر الحياة اليومية ومكان
الحياة الفلسطينية بأسره إلى مسرح للحرب، حيث يتم تجريد منازلهم وحياتهم الاجتماعية من
الإنسانية، وهو ما يتعارض مع المعنى الأساس للوطن. وتهدف مثل هذه الاستراتيجيا العسكرية
في المكان المنزلي إلى القضاء على التكتيك اليومي للمقاومة تحت الاحتلال، ويشبه التلاعب بشن
أي حرب – حتى وإن لم تكن بين جيشين متساويين – لتضم أغلبية الحرب العالمية على الإرهاب في
الشرق الأوسط وأفغانستان ومواقع أخرى. ولعل هكذا يكون مصطلح الحرب موضوع نقاش،
خاصة عندما يشن الحرب جيش مجهز ضد مدنيين عزّل وجوهر حياتهم اليومية وأي مستقبل آمن.
سينظر التحليل المستقبلي في قانونية هذا النهج العسكري ضد المدنيين العزّل. وبيانات هذه المقالة
تتعلق بالوضع في بلدة نابلس القديمة، إلا أنها تقدم أيضًا منهجية لإجراء دراسة إثنوغرافية حول
السياقات المشابهة في الصراعات. تدل هذه المقالة على أن الحرب – مثل أي شيء آخر – تتجه إلى الأماكن الحضرية، والمدن هي المواقع
الرئيسة لها: «دخلت الحرب إلى المدن مرة أخرى – إلى الحياة اليومية وخصوصية المنزل». ينطوي
تجريد المكان على التجريد من الإنسانية؛ وبالتالي تصبح الحرب عملً قابلً للتبرير ويقام به من
خلال مرآة أحادية الاتجاه. وبحسب هذه الفكرة، فإن الحرب على نابلس لا يمكن فصلها عن أي
حرب عالمية تُشن بناءً على تصور «الآخر». وقد أكد معظم المشاركين فكرة الآخر وتحدثوا عن
أنفسهم بصفتهم «غير مرئيين» وعن مكانهم بصفته « غير مأهول ». ترتبط هذه النقطة بتجريد المكان،
حيث تُشن الحروب بناءً على تصوّر معيّ أو صورة «للآخر» وكيف يقوم الناس ب «إنشاء اختلاف
الآخرين وتشابه أنفسهم من خلال التمثيل». إن الحرب في نابلس ليست فريدة من نوعها لأننا
نرى هذه الاستراتيجيات التي تحول المدن وحياة سكانها إلى ألعاب حرب في سياقات أخرى، مثل
الفلوجة وبيروت وكابول وما إلى ذلك. وبالتالي، فإن الاستراتيجيا السياسية التي تعطل الحياة
(47) Gregory, The Colonial Present , pp. 130 and 133. (48) Graham, ed., Cities, War, and Terrorism. (49) Misselwitz and Weizman, p. 272, and Graham, ed., Cities, War, and Terrorism. (50) Stephan Graham, «Lessons in urbicide», New Left Review, 19 (January-February 2003), pp. 63-78.
اليومية وتشن حروبًا داخل المدن ترتبط بالحوادث العالمية والقوة الاستعمارية. إن مزيج تعريف
غريغوري للحاضر الاستعماري (2003) الذي يستند إلى مفهوم إدوارد سعيد عن الاستشراق
و«مكان الاستثناء» لأغامبن و«استراتيجية الحرب داخل المدن»)urbicide war strategy(
لغراهام تتداخل مع مفاهيم « الأماكن غير المأهولة » و «الأماكن المحرمة ». إنهم يمثّلون العدسة
التي يستمر الاحتلال الإسرائيلي في النظر من خلالها وتمييز الفلسطينيين، وتمتد السياسات المطبّقة
لقمعهم وفضحهم والقضاء عليهم لتشمل سياقات حروب عالمية أخرى. في أثناء أي حرب، سواء أتعمدتَ إطلاق النار على قلب شخص ما أم حرمته من منزله ومصدر
رزقه والموارد التي تسمح له برعاية أطفاله، فإنك تقول لهذا الانسان حرفيًا أنه ليس لديه الحق
في الوجود. ومن خلال سرد القصص، تعني هذه المقالة بوضع سياق لآثار الحرب التي تكمن
فيها الحكايات المضادة للتجربة الحية وصورها الطبيعية المضادة. تكسر قصص المشاركين حاجز
الصمت وتصبح بالتالي أعمال مقاومة يومية تحول علاقاتنا بالأماكن وداخلها. ومن خلال فهم
الآثار الإنسانية للحرب، تتجاوز الجغرافيا السياسية للعنف حدود المواجهة العسكرية والموقع
الفعلي لتشمل جوهر الحياة اليومية للإنسان. وعلى الرغم من ضعفهم، فإن المشاركين هم
«الخطوط الأمامية» النشطة في هذه الحرب، فقوة أملهم وانتمائهم وقدرتهم على البقاء تتجسد في
رواياتهم، وقد رفضوا الرحيل وأصروا على إعادة بناء منازلهم. يصنعون أماكن مضادة من أجل
بقائهم استجابة لوضع لا يمكنهم التحكم فيه، ولكنهم لا يزالون يعانون تبعاته. مراجع إضافية
Books Darwish ,Mahmoud. Almond Blossoms and Beyond. Translated by Mohammad Shaheen. Northampton, Mass.: Interlink Books, 2009. Graham-Brown, Sarah. Palestinians and their Society, 1880-1946: A Photographic Essay. London; New York: Quartet Books, 1980. Graham, Stephen. Cities under Siege: The New Military Urbanism. Pbk. ed. London; New York: Verso, 2011. Periodicals Graham, Stephen. «Bulldozers and Bombs: The Latest Palestinian–Israeli Conflict as Asymmetric Urbicide.» Antipode: vol. 34, no. 4, September 2002. Gregory, Derek. «Palestine and the «War on Terror».» Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East: vol. 24, no. 1, 2004.
(51) Giorgio Agamben, State of Exception , Translated by Kevin Attell (Chicago: University of Chicago Press, 2005). (52) Sahera Bleibleh, Everyday urbanism between public space and «forbidden» space: The case of the old city of Nablus, Palestine, 2010. Retrieved from http://escholarship.org/uc/item/699616jk#page-1