Return to Article Details Why Do We Care So Much About What Others Think? An Introduction to Sociological Epistemology

لماذا نحن كثيرو الاهتمام بما يفكر فيه الآخرون؟ مدخل للمعرفية الاجتماعية

Why Do We Care So Much About What Others Think? An Introduction to Sociological Epistemology

هشام خبّاش *

الملخّص

سنحاول من خلال هذه الدراسة، واعتمادًا على اختصاص المعرفية الاجتماعية، الإجابة عن سؤال مركزي وهو: «لماذا نحن شديدو الاهتمام بما يفكر فيه الآخر؟»، وسنكشف عن جملة من الحاجات والرغبات المتضاربة أحيانًا، والتي تحرك فضولنا لاستكشاف حالات الآخرين الذهنية والعاطفية، بدءًا من حاجتنا إلى التفاهم مع الآخر، ورغبتنا في استكشاف ذواتنا واستشراف مستقبلنا من خلال التعرف إلى الآخر وأخذ العبرة من تجاربه، إلى نزوعنا إلى التحكم فيه بشكل مكيافل وتسخيره لأغراضنا الشخصية. وتظل عملية الاستكشاف هذه، في مجملها، عبارة عن قراءات تأويلية وتخمينية لما يدور في ذهن الآخرين من أفكار وعواطف، تختلف نتائجها باختلاف الآليات والاستراتيجيات المعتمدة فيها. فإذا اعتمدنا على الاستراتيجيا الازدرائية والأحكام الجاهزة والشائعات، من حيث هي نشاط غير مكلف من ناحية الطاقة الذهنية، فسننتهي إلى تصورات نمطية وتوصيفات قدحية وأحيانًا صيغ عنصرية. وإذا لجأنا إلى الاستراتيجيا التنظيرية الحدسية، فإننا سنضع مسافة اختبارية بيننا وبين الآخر، وستنظر إليه بوصفه موضوعًا تجريبيًا ليس إلا. أمّا إذا استدعينا الاستراتيجيا القياسية التي تتميز بكونها مكلفة من حيث المجهود الذهني، فإن هذا سيؤشر في حضور البُعد الإنساني في تعامل الأنا مع الآخر؛ إذ إننا سنضع بذلك أنفسنا مكانه وسنحاول التعامل مع ظروفه ومعاناته باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من ظروفنا ومعاناتنا. وبهذا سننتقل من مستوى فهم الآخر إلى مستوى التفاهم معه.

Abstract

In this study, Shabbat draws upon the expertise of sociological epistemology in an attempt to answer a central question, namely why do we care so much about what others think of us? The study addresses the sometimes contradictory needs and desires whetting one's curiosity to discover the mental and emotional states of others: from the need to reach mutual understandings with others, the desire to explore the self through getting to know others, to the Machiavellian propensity to try to gain control over the other. The scientific basis of such exploration is almost entirely bound up with interpretive and conjectural readings of emotions and thoughts of others. Assumptions made thus vary according to the instruments and strategies used. Khabbash argues that if one were to rely upon pejorative strategies and pre-conceived judgments, one will likely come up with stereotyped and possibly racist formulations. Resorting to an intuitive strategy, on the other hand, risks putting oneself at an experiential distance from others, transforming the other into a subject of investigation. Khabbash suggests instead that relying upon analogy allows one to put oneself in the other's place and deal with the other's circumstances and sufferings, which are part and parcel of our own. In this way, argues the author, we can shift from the level of understanding others to the level of reaching a mutual understanding with them.

الكلمات المفتاحية:
  • الفردانية
  • الفرد
  • المجتمع التونسي
  • علم اجتماع الفرد
  • تجربة التحديث الوطنية
  • الحقوق المدنية والإنسانية
Keywords:
  • The Other
  • The Self-Intuitive Theorizing Strategy
  • Analogical Strategic Reasoning

سنحاول من خلال هذه الدراسة، واعتمادًا على اختصاص المعرفية الاجتماعية، الإجابة

عن سؤال مركزي وهو: «لماذا نحن شديدو الاهتمام بما يفكر فيه الآخر؟»، وسنكشف

عن جملة من الحاجات والرغبات المتضاربة أحيانًا، والتي تحرك فضولنا لاستكشاف

حالات الآخرين الذهنية والعاطفية، بدءًا من حاجتنا إلى التفاهم مع الآخر، ورغبتنا

في استكشاف ذواتنا واستشراف مستقبلنا من خلال التعرف إلى الآخر وأخذ العبرة من

تجاربه، إلى نزوعنا إلى التحكم فيه بشكل مكيافل وتسخيره لأغراضنا الشخصية. وتظل

عملية الاستكشاف هذه، في مجملها، عبارة عن قراءات تأويلية وتخمينية لما يدور في

ذهن الآخرين من أفكار وعواطف، تختلف نتائجها باختلاف الآليات والاستراتيجيات

المعتمدة فيها. فإذا اعتمدنا على الاستراتيجيا الازدرائية والأحكام الجاهزة والشائعات،

من حيث هي نشاط غير مكلف من ناحية الطاقة الذهنية، فسننتهي إلى تصورات

نمطية وتوصيفات قدحية وأحيانًا صيغ عنصرية. وإذا لجأنا إلى الاستراتيجيا التنظيرية

الحدسية، فإننا سنضع مسافة اختبارية بيننا وبين الآخر، وستنظر إليه بوصفه موضوعًا

تجريبيًا ليس إلا. أمّا إذا استدعينا الاستراتيجيا القياسية التي تتميز بكونها مكلفة من

حيث المجهود الذهني، فإن هذا سيؤشر في حضور البُعد الإنساني في تعامل الأنا مع

الآخر؛ إذ إننا سنضع بذلك أنفسنا مكانه وسنحاول التعامل مع ظروفه ومعاناته

باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من ظروفنا ومعاناتنا. وبهذا سننتقل من مستوى فهم الآخر إلى

مستوى التفاهم معه.

السياسي المعرفي.

مقدمة

إن طرحنا للسؤال التالي: «لماذا نحن كثيرو الاهتمام بما يفكر فيه الآخرون؟» يجعلنا نلج

حقلً معرفيًا حديث النشأة هو «المعرفية الاجتماعية» التي تهتم بكيفية اشتغال أذهاننا في

أثناء تواصلنا مع الآخر، إن بوصفه قريبًا منا وشبيهًا بنا أو مختلفًا عنا ثقافيًا وعرقيًا ودينيًا. ويبقى

أن نشير في هذا الصدد إلى أن أهم النتائج التي خرجت بها المعرفية الاجتماعية (Cognition Social)

هي تميز الإنسان من بقية الكائنات بكونه يتوفّر على نظريات ذهنية تمكّنه من إدراك أن الآخر يتوفّر

مثله على حالات ذهنية من قبيل القصدية والفهم والتنبؤ، وحالات عاطفية مثل الحب والكراهية

والغيرة، الشيء الذي يحث فضوله على التعرف عليها وسبر أغوارها، وذلك من خلال عميلتي

قراءة أذهان الآخرين (Mentalizing) وقراءة عواطفهم (Empathizing) وهما تؤسسان لمختلف

الأنشطة التواصلية والتفاهمية مع الآخر. تأسيسًا على ما سبق، سنحاول في هذه الدراسة الإجابة عن الأسئلة التالية: لماذا نحن شديدو

الاهتمام بما يفكر فيه الآخر؟ بمعنى لَِ نحن منشغلو الذهن بقراءة أفكار الآخر؟ هل من أجل فهم

طبيعة شخصيته وتيسير عملية التفاهم معه، أم من أجل التحكم فيه بشكل مكيافيلٍّّ وتسخيره

لتحقيق جملة من الغايات الشخصية؟ وما هي الاستراتيجيات التي نعمد إليها للكشف عمّ يفكر

فيه الآخر؟ وما حدودها؟ بعبارة أوضح، هل نحن قادرون على معرفة دقيقة لما يتوارى في ذهن

الآخر من أفكار وتصورات، أم أن الأمر يخرج عن كون معرفتنا ذهن الآخر تظل مجرد نشاط

افتراضي قد يصيب وقد يخطئ؟ ومتى نكون أكثر رغبة في معرفة ما يدور في أذهان الآخرين؟ أي

ما هي السياقات الأكثر تحفيزًا للمرء لقراءة حالات الآخرين الذهنية والعاطفية؟ محدودية معرفة حالة الآخرين الذهنية والعاطفية والدوافع الكامنة وراءها، وطبيعة السياقات المحفزة لها

محدودية معرفة حالة الآخرين الذهنية والعاطفية

من المعلوم أن المرء يعرف إلى حد ما نياته ورغباته ومقاصده وعواطفه، ولكن ليس بمقدوره

الولوج إلى ذهن الآخر لمعرفة ما يفكر فيه هذا الآخر، وما يحسه وما يحبه وما يكرهه؛ فنحن

(((ما يميّز الإنسان من بقية الكائنات كونه يتوفّر على القدرة على إسناد حالات ذهنية وعاطفية إلى ذاته وإلى الآخرين، وهو ما ليس

قائمًا بشكل متطور لدى الحيوان؛ فتصرفات الحيوان لا تتضمن أي نشاط لتقفّي الحالات الذهنية لنوعه. فهو مثل، غير قادر على

توجيه أصبعه إلى شيء ما لإخبار الآخرين بمكانه. كما لا يستطيع أخذ موضوع ما ليريه للآخرين. زد على ذلك أن ليس في مقدوره

إحضار الآخرين إلى موقع ما ليريهم موضوعًا ما لم يتمكنوا بعد من رؤيته. ولا يستطيع تعليم خبراته واكتشافاته للآخرين. انظر:

Matteo Mameli, «Mindreading, Mindshaping, and Evolution,» Biology and Philosophy , vol. 16, no. 5 (November 2001), p. 598. (2) Nicholas Epley and Adam Waytz, «Mind Perception,» in: Susan T. Fiske, Daniel T. Gilbert and Gardner Lindzey, eds., Handbook of Social Psychology , 2vols., 2 nd ed. (Hoboken, NJ: Wiley, [2010]).

بالطبع لسنا كائنات تخاطرية. وعلى الرغم ممّا توصل إليه الإنسان في العصر الحالي من اختراعات

مذهلة، فهو لم يكتشف بعدُ جهازًا منظاريًا معرفيًا) Cognoscope) يوصله إلى قراءة حالة الآخرين

الذهنية والعاطفية. لذا علينا الاعتراف بعدم قدرتنا على النفاذ إلى ذهن الآخرين. بالتالي، فإن أي

معرفةتوصلنا إلى نتائج يقينية لدواخل الآخر تظل معرفة تخمينية وافتراضية لا. وعليه، ربما

يصيب المرء أحيانًا ويخطئ كثيرًا عندما يخلع المعنى على بعض حالات الآخرين الذهنية والعاطفية

الكامنة وراء تصرفاتهم، ومع ذلك نجده يتحدث بلا أدنى حرج، وبشكل ادّعائي أحيانًا،

عن هموم الآخر ورغباته وأحاسيسه ومواقفه ونياته ومقاصده، لينخرط في ضرب من المجازفة

ويتحدث بلسانه، وبلا أدنى حرج، عن معتقدات هؤلاء الآخرين وتصوراتهم وهمومهم، مدعيًا،

في ذلك، أنه يمثّلهم ويمثّل قضاياهم ومعاناتهم أفضل تمثيل. الدوافع الكامنة وراء المعرفة الذهنية، ونوعية السياقات الداعمة لها غني عن البيان كون الإنسان مهووسًا بالتساؤل عمّ يفكر فيه هؤلاء، ومهتمًّ بالكشف عن نياتهم

وطبائعهم؛ إذ نجده يستنفر مجهودًا معرفيًا كبيرًا من أجل البحث عن إجابات وإن كانت،

أحيانًا، غير يقينية، عن أسئلة ذهنية من قبيل: هل الآخر صادق في طبعه أم مخادع؟ جش ع أم

معطاء وكريم؟ هل تصرفه هذا عفوي وبريء أم قصدي ومتضمن نيات مبيّتة؟ كما نجده في

(3) D. M. Peterson and K. J. Riggs, «Adaptive Modeling and Mindreading,» Mind and Language , vol. 14, no. 1 (1999) p. 80. (4) Nicolas de Malebranche, De la recherche de la vérité: Où l’on traite de la nature de l’esprit de l’homme et de l’usage qu’il en doit faire pour éviter l’erreur des sciences, Tome I (Paris: J. Vrin, 1674), p. 5.

(((بحسب المعرفية الاجتماعية، لا يمكن في أي حال من الأحوال اعتبار السلوك الادعائي أو التظاهري (Pretending behavior)

سلوكًا سلبيًا؛ فمن خلاله يتمكن الطفل من إدراك وجود عالم متخيل في جوار العالم الواقعي، ومن خلاله كذلك يتعلم كيف يستخدم

جملة من الروابط اللغوية التي تحيل إلى ما هو مفترض، وذلك من قبيل: لو، ما إذا، وإن كان... فعندما يدّعي الطفل في أثناء لعبه

أنه كلب أو ما صنعه من الوحل كعكًا، لا يعني أنه يؤمن بما يدّعيه على أنه حقيقة. وهذا يعني أن الطفل في لعبه الادعائي يكشف عن

قدرته على التمييز بين العالم كواقع والعالم كمتخيل. وهكذا، فكون اللعب الادعائي يسمح للطفل بتمثّل الأشياء من زوايا متعددة،

فهو يطور لديه القدرة على فهم دلالة الرسوم والصور والرموز، كما ينمّي لديه القدرة على تمثّل وضعيات ممكنة الحدوث مستقبلً

أو تلك التي لم يعشها ولم يعاين حوادثها، مثل الحوادث التاريخية والروائية. من هنا ينتهي تميز الطفل بين تمثّله لوضعيات واقعية

ووضعيات غير واقعية إلى بناء ما يُطلَق عليه النشاط المطا تمثلي، ونعني به تلك القدرة على التمييز، بشكل واع، بين مختلف التمثلّات

التي تصوغها الذات أو يصوغها الآخر حول موضوع ما وتصنيفها والحكم عليها، هل هي قائمة بالفعل في الواقع أم غير قائمة، وهل

هي ممكنة التحقق أم لا. انظر:

Cristina Meini and Alberto Voltolini ,»How Pretence Can Really Be Metarepresentational,» Mind and Society:Cognitive Studies in Economics and Social Sciences, vol ,9.no ,)2010(1.p.31. (6) Epley and Waytz, «Mind Perception».

(((إننا بهذا التصرف لا نختلف كثيرًا عن القبائل البدائية التي تؤنسن مجموعة من الظواهر الطبيعة، بحيث نجد بعض الشعوب

الأصلية في أستراليا تصنف كلًّ من الشمس والنار والماء والمعارك في الفئة التي تصنف فيها النساء؛ فهي تنظر إلى تلك الموضوعات

بوصفها تنتمي إلى فئة الأشياء الخطِرة. من هنا ندرك أن قيمة الأشياء وأهميتها بالنسبة إلينا هي التي تجعلنا نخلع عليها حالات ذهنية

وعاطفية، وذلك على غرار ما تفعله الشعوب البدائية بموضوعات الطبيعة، نظرًا إلى صلتها الوثيقة بها. انظر:

George Lakoff, «Women, Fire, and Dangerous Things,» in: George Lakoff, Women, Fire, and Dangerous Things: What Categories Reveal about the Mind (Chicago: University of Chicago Press, 1987), p. 31.

وضعيات معينة مشدود البال لمعرفة ما إذا كان الآخر يشبهه في معتقداته وعواطفه وأذواقه

ومقاصده. وإذا كان يشبهه، هل سيتفق معه في مخططاته وبرامجه؟ وإذا أ جيب بنعم فهل يمكن

الوثوق به؟ من هنا نفهم أن التصور الذي يركن إليه المرء في تعامله مع الآخر، وهو كالتالي: ما دمت أنا

والآخر نتشابه في حالاتنا الذهنية والعاطفية، ونشترك في أذواقنا ومواقفنا وأحكامنا، يحق لي أن

أخلع عليه سمات إنسانية عدة. لكن إذا ما نظرت إلى الآخر بوصفه غريبًا عني، وليس شبيهًا بي،

فإنني أجد نفسي ملزمًا بأن أنزع عنه أي سمة إنسانية وأصد أي رغبة لي للتعاطف معه. وبهذا،

يمكن الحكم بأن الإنسان بوصفه كائنًا غريب الأطوار يسند حالات ذهنية وعاطفية إنسانية

إلى كيانات غير بشرية، من قبيل الكيانات الميتافيزيقية أو حتى بعض الآلات والحيوانات

التي تحكمه بها علاقة ألفة وتعاطف. وفي المقابل نجده ينزع تلك الحالات الذهنية والعاطفية

عن أناس يختلفون عنه عرقيًا أو دينيًا أو طبقيًا... أو تحكمه بهم عداءات معينة، إذ ينظر إليهم

بوصفهم موضوعات وأشياء ليس إلا. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو:

متى يهتم الإنسان بقراءة أذهان الآخرين؟ أي ما نوعية الوضعيات المحفزة للمرء للاهتمام أكثر

بما يفكر فيه الآخرون؟ لا شك في أنه كلما كان المرء محتاجًا إلى الآخر، انشدّ أكثر لمعرفة أذواق هذا الآخر ورغباته ومقاصده

ومخططاته. فعندما نرغب، مثلً، في اتخاذ قرار يتعلق بوضعية قد نواجهها مستقبلً، فإننا سنهتم

كثيرًا بمعرفة الحالات الذهنية والعاطفية لقريب سبق له أن عاش تلك الوضعية، الشيء الذي

يعني أن الأشخاص الذين هم في حاجة إلى الآخرين هم أكثر ميلً إلى معرفة حالات هؤلاء

الآخرين الذهنية والعاطفية، مقارنة بمن يتمتعون بنوع من الاستقلال الذاتي عنهم. بناء على

(8) Nicholas Epley, Adam Waytz and John T. Cacioppo. «On Seeing Human:A Three-Factor Theory of Anthropomorphism,» Psychological Review , vol. 114, no. 4 (2007), p. 864.

(((ومن الأمثلة على ذلك الجندي الأميركي الذي تربطه بكلبه علاقة حميمة جدًا، إذ نجده حزينًا إذا أصابه مكروه، وفي المقابل يقوم هذا

الجندي بقتل أطفال أفغانستان والعراق معتبرًا إياهم كيانات لا ذهنية (Subjects Mindless انظر:).

Nick Haslam, « Dehumanization: An Integrative Review,» Personality and Social Psychology Review, vol. 10, no. 3 (2006), p. 252. (10) Epley and Waytz ,«Mind Perception».

(((1 ننوه إلى جملة من الدراسات الميدانية الحديثة التي خرجت بنتيجة مؤداها أن الفرد الذي يتمتع بقوة اجتماعية لا يكترث بحالة

الآخر الذهنية والعاطفية، لكونه ببساطة ليس بحاجة إليه. ومن هنا نراه يعزف عن استثمار طاقاته المعرفية لقراءة حالات الآخرين

الذهنية والعاطفية، الشيء الذي يجعل منه شخصًا غير موفقًا في الإصغاء إلى مشكلاتهم ومعاناتهم، وأقل قدرة على التعرف إلى

مواقفهم ووجهات نظرهم، وأقل تعاطفًا مع المعوزين وأقل إشفاقًا عليهم:

Stephanie A. Goodwin [et al.], «Power Can Bias Impression Processes: Stereotyping Subordinates by Default and by Design,» Group Processes and Intergroup Relations , vol. 3, no. 3 (2000), p. 256; Dacher Keltner, Deborah H. Gruenfeld and Cameron Anderson, «Power, Approach, and Inhibition,» Psychological Review , vol. 110, no. 2 (2003), p. 265; Adam D. Galinsky [et al.]. «Power and Perspectives Not Taken,» Psychological Science , vol. 17, no. 12 (December 2006), p. 1068, and Gerben A. van Kleef [et al.], «Power, Distress, and Compassion Turning a Blind Eye to the Suffering of Others,» Psychological Science , vol. 19, no. 12 (December 2008), p. 1315.

هذا المعطى، نفهم أن الأشخاص الذين يتوفّرون على مراكز اجتماعية رفيعة تمكنهم من الاكتفاء

بذواتهم في تدبير مشاريعهم، هم أقل مراعاة لوجهات نظر الآخرين في أثناء اتخاذهم جملة من

القرارات المهمة والمصيرية، وذلك إذا ما قورنوا بأولئك الذين يحتلون مراكز اجتماعية هشة والذين

هم دائمً في حاجة ماسة إلى الآخرين لتحقيق مشاريعهم وطموحاتهم؛ إذ نجدهم يبذلون ما في وسعهم للتعرف إلى حالات الآخرين الذهنية والعاطفية، لكي يكون بمقدورهم التأثير فيهم

واستدرار عطفهم لإقناعهم بضرورة دعمهم لهم. لا جدال في كون الأفراد الممتلكين مصادر القوة الاجتماعية –ًالأغنياء مثل - يتمتعون باستقلالية

أكبر عن الآخرين في تخطيطهم لمستقبلهم، الشيء الذي يقلص من مستوى انفتاحهم على وجهات

نظر الآخرين. لكن هل يعني ذلك الجزم بشكل قطعي والركون كليًا إلى الفكرة القائلة بوجود

علاقة تلازم بين سلطة الفرد الاجتماعية وقصوره في قراءة أذهان الآخرين وعواطفهم؟ إجابة عن هذا السؤال، كشفت نتائج دراسة ميدانية عن توفّر من يتمتعون بسلطة اجتماعية،

بدورهم، على كفاءات نوعية لقراءة أذهان الآخرين وعواطفهم، بحيث إن الشخص النافذ

اجتماعيًا يرغب أحيانًا كثيرة في أن يحظى بنوع من التقدير لذاته، وذلك بتشجيعه للآخرين على

امتداحه والتفاخر بإنجازاته. ولكي يبلغ مراده هذا يتخلى، ولو جزئيًا، عن أنانيته وتعاليه على

الناس. ويشرع، في المقابل، في التفاعل مع الآخرين بإنصاته إلى مشكلاتهم وبالتعاطف مع

معاناتهم، من دون أن ننسى أن بلوغ الفرد مراتب عليا في سلّم السلطة مقرون بمدى

تمتعه بكفاءات متقدمة لقراءة أذهان الآخرين وعواطفهم، بما يمكّنه من إقناع جمهور عريض

والتحكم فيه وتسخيره لأغراضه الشخصية. إغناء لما سبق، نود التنبيه إلى أن تطور كفاءة قراءة أذهان الآخرين وعواطفهم لا يرتبط بعاملي

القوة والهشاشة الاجتماعيتين فقط، وإنما هو مرتبط كذلك بنوعية التنشئة الثقافية والاجتماعية التي

يحصّلها الفرد؛ فعلى مستوى المحيط الأسري، توصل الباحثون إلى أن الطفل الذي لديه إخوة

(((1 من بين هذه الدراسات الميدانية نذكر:

Judith A. Hall, Amy G. Halberstadt, «‘Subordination’ and Sensitivity to Nonverbal Cues: A Study of Married Working Women,» Sex Roles, vol. 31, nos. 3-4 (August 1994), p. 149; Judith A. Hall, Amy G. Halberstadt and Christopher E. O’Brien, «‘Subordination’ and Nonverbal Sensitivity: A Study and Synthesis of Findings Based on Trait Measures,» Sex Roles , vol. 37, nos. 5-6 (September 1997), p. 295, and Jennifer R. Overbeck and Bernadette Park, «When Power Does Not Corrupt: Superior Individuation Processes Among Powerful Perceivers,» Journal of Personality and Social Psychology, vol. 81, no. 4 (2001), p. 549. (13) Marianne Schmid Mast, Klaus Jonas and Judith A. Hall, «Give a Person Power and He or She Will Show Interpersonal Sensitivity: The Phenomenon and Its Why and When,» Journal of Personality and Social Psychology, vol. 97, no. 5 (2009), p. 835. (14) Deborah H Gruenfeld [et al.], «Power and the Objectification of Social Targets,» Journal of Personality and Social Psychology, vol. 95, no. 1 (2008), p. 111. (15) Anna McAlister and Candida Peterson, «A Longitudinal Study of Child Siblings and Theory of Mind Development,» Cognitive Development, no. 22 (2007), p. 258.

أقدر ممن هو وحيد والديه على قراءة أذهان الآخرين وعواطفهم. كما أن الأطفال الصم البكم

الذين اهتم آباؤهم بتنمية لغة الإشارات لديهم في أثناء تحاورهم معهم هم أكثر قدرة على التعرف

إلى حالات الآخرين الذهنية العاطفية، ممّن لم يحظوا بهذه الرعاية. أمّا على مستوى المجتمع،

فعلينا التمييز بين مجتمع محكوم بثقافة فردانية تعزز لدى المرء ميوله نحو الاستقلال عن الآخرين،

والاعتماد كليًا على ذاته في حله لمشكلاته وفي إعداده لمشاريعه، كما تربيه على فكرة مؤداها أن أي

جهد يُبذل لمساعدة الآخر سيشكل لا محالة ضربًا من المجازفة غير المحسوبة ربما تؤثر سلبًا في

إمكاناته المختلفة التي عليه استنفارها في سبيل إنجاز مشاريعه الشخصية فقط (الثقافة الغربية

نموذجًا)، ومجتمع آخر ينشئ أفراده على قيم تعاونية، وذلك من قبيل: علاقة الاعتماد المتبادل

والمشاركة الجماعية وتغليب مساحة الفضاء العام المشترك على الفضاء الشخصي. هكذا يُفترض أن يكون أفراد المجتمعات التشاركية أكثر اهتمامًا بمنظور الآخرين ووجهات

نظرهم، وأكثر إدراكًا لحالاتهم الذهنية والعاطفية، وذلك مقارنة بالمجتمعات الفردانية، حيث

نجد المرء مستغرقًا كليًا في التفكير في حالاته الذهنية الذاتية وأموره الشخصية، وغير مبال بمعرفة

الآخر، الشيء الذي يؤثر سلبًا في تنمية كفاءته في قراءة أذهان الآخرين وعواطفهم. تجدر الإشارة هنا إلى دراسة تجريبية قدم فيها من وو وكيسار لعَيّنة مكونة من أفراد ينتمون إلى

ثقافات جماعية ومن آخرين ينتمون إلى ثقافات فردية جملة من التعليمات لإنجاز مهمة ما؛ إذ

لوحظ أن أصحاب الثقافة الجماعية، على عكس المنتمين إلى الثقافة الفردانية، يهتمون بحركات

عيني مقدم التعليمات وحركاته الجسدية ويحاولون الكشف عن نياته ومقاصده. أهمية معرفة حالات الآخرين الذهنية والعاطفية والغاية منها

أهمية معرفة حالات الآخرين الذهنية والعاطفية

إن الآخر في فلسفة سارتر عبارة عن مرآة تكشف لنا صورتنا الشخصية، فيكفي أن ينظر إليّ هذا

الآخر لأعرف من أكون وما سأكون عليه مستقبل. يبدو أن هذا التصور الوجودي لا يخرج

(16) Peter A. de Villiers, «The Role of Language in Theory-of-Mind Development: What Deaf Children Tell Us,» in: Janet Wilde Astington and Jodie A. Baird, eds., Why Language Matters for Theory of Mind (Oxford; New York: Oxford University Press, 2005), p. 266. (17) Dov Cohen and Alex Gunz, «As Seen by the Other…: Perspectives on the Self in the Memories and Emotional Perceptions of Easterners and Westerners,» Psychological Science , vol. 13, no. 1 (January 2002), p. 55, and K. L. Leung and D. Cohen, «The Soft Embodiment of Culture: Camera Angles and Motion through Time and Space,» Psychological Science , vol. 18, no. 9 (2007), p. 824. (18) Shali Wu and Boaz Keysar, «The Effect of Culture on Perspective Taking,» Psychological Science , vol. 18 no. 7 (July 2007), p. 600. (19) Jean-Paul Sartre, L’Être et le néant: Essai d’ontologie phénoménologique , bibliothèque des idées (Paris: Gallimard, 1943), p. 316. (20) Randy L. Buckner and Daniel C. Carroll, «Self-Projection and the Brain,» Trends in Cognitive Science s, vol. 11, no. 2 (2007), p. 49; Emily Pronin, Christopher Y. Olivola and Kathleen A. Kennedy, «Doing Unto Future Selves As You Would Do Unto Others: Psychological Distance and Decision Making,» Personality and Social Psychology Bulletin , vol. 34, no. 2 (2008), p. 224, and Emily Pronin and Lee Ross, «Temporal Differences in Trait Self-Ascription: When the Self Is Seen as an Other,» Journal of Personality and Social Psychology , vol. 90, no. 2 (2006), p. 197.

عمّ انتهت إليه بعض أطروحات المعرفية الاجتماعية الحديثة، من كون تعرفنا إلى حالات الآخر

الذهنية والعاطفية يمكّننا من توقّع الحالات الذهنية العاطفية التي سنكون عليها مستقبل.

بعبارة أدق، يبني الفرد تصوره لحالاته الذهنية المستقبلية من خلال ما رصده من معطيات في أثناء

قراءته حالات الآخرين الذهنية والعاطفية. وهكذا، برجوعنا إلى فلسفة سارتر، يصبح

الآخر تلك الأنا المفترض أن أعيشها مستقبلً. وهنا تتجلى أهمية قراءة أذهان الآخرين في تمكيننا

من استباق الزمن والتعرف إلى الحالات الذهنية والعاطفية المتوقع أن نكون عليها مستقبلً؛ فكون

الناس محكومين بهاجس السؤال عن حالاتهم الذهنية والعاطفية، والكيفية التي سيكونون عليها

مستقبل - بمعنى هل سيكونون سعداء وفي وضعية مريحة أم سيتعرضون لأوضاع صعبة ومقلقة؟!

- فهم يتخذون جملة من القرارات التي يُعتقد أنها ستفيد وضعهم المستقبلي، وذلك من قبيل أن

يُقْدموا على الزواج أو يقبلوا عملً ويستقيلون من آخر أو يدخروا بعض المال يعينهم على التقاعد.

وفي اتخاذهم مثل هاته القرارات، يعمدون إلى استقراء وضعيات سابقة خبرها الآخرون، وهُم

في ذلك يعتمدون نوعًا من التعلم غير المباشر: أي إنهم يتعلمون من حالات الآخرين الذهنية

والعاطفية عند مباشرتهم مشكلة ما، طبيعة الاحتياطات الواجب اتخاذها إذا ما ووجهوا بالمشكلة

عينها مستقبل. كما تتجلى أهمية الأنشطة القرائية لحالات الآخرين الذهنية والعاطفية في كونها تدعم بشكل إيجابي

عملية التواصل، لأنها تسمح بفهم مضمر لما قاله الآخر وما يتوجب عليّ قوله له. فنجاح العملية

التواصلية مرتبط بمعرفة حالات الآخر الذهنية ومقاصده ونياته أكثر من الاتقان الجيد للغة

التخاطب. كما لا يفوتنا تأكيد الدور الفعال لهذه الأنشطة القرائية لأذهان الآخرين في كيفية

(21) Timothy D. Wilson and Daniel T. Gilbert, «Affective Forecasting Knowing What to Want,» Current Directions in Psychological Science , vol. 14, no. 3 (June 2005), p. 131. (22) Sartre, p. 115. (23) Nicholas Epley, «Solving the (Real) Other Minds Problem,» Social and Personality Psychology Compass , vol. 2, no. 3 (2008), p. 1455, and Leaf Van Boven and George Loewenstein, «Social Projection of Transient Drive States,» Personality and Social Psychology Bulletin , vol. 29, no. 9 (September 2003), pp. 1159-1168.

((2(تجدر الإشارة إلى أن فعل التعلم ليس فعلً مباشرًا دائمًا يُبنى من خلال تحصيل مباشر للفرد من تجارب عايشها في الواقع.

ولكن هو كذلك فعل غير مباشر يعتمد على جملة من المعلومات الاجتماعية المستفادة من معاينة الآخرين وهم يعيشون وضعيات

معينة في الواقع من دون أن يكون المتعلم ملزمًا بأن يعيش تلك الوضعيات، وهذا أمر ينطبق، كذلك، على عالم الحيوانات، فالفأر

عندما يتعامل مع طعام غير مألوف يرسل جملة من الإشارات لبقية الفئران ليتجنبوا تناول ذلك الطعام. والطفل الصغير السن يلجأ

بدوره إلى استراتيجية التعلم غير المباشر، من خلال ملاحظة تجارب الآخرين وتفاعلاتهم مع الواقع. انظر:

Chris D. Frith «Social Cognition: Hi There! Here’s Something Interesting,» Current Biology, vol. 18, no 12 (2008), p.

(25) Boaz Keysar and Dale J. Barr, «Self-Anchoring in Conversation: Why Language Users Do Not Do What They «Should»,» in: Thomas Gilovich, Dale Griffin and Daniel Kahneman, eds., Heuristics and Biases: The Psychology of Intuitive Judgement (Cambridge, UK; New York: Cambridge University Press, 2002), p. 150.

(((2 يتلخص دور الذاكرة التفاعلية)Transactive Memory(في تخزين المعلومات المستفادة من الإجابة عن السؤال التالي: من

يعرف ماذا؟ (Who Knows What)، فهي تسجل كل ما يتعلق بخبرات الأشخاص وكفاءاتهم المهنية. ويؤدي التنسيق بين الذاكرات

التفاعلية لأفراد منتمين إلى وحدة إنتاجية ما إلى تطوير مجموعة ذهنية (group minds)، يكون بمقدورها اختيار الرجل الملائم مهنيًا

لإنجاز مهمة ما. انظر:

Daniel M Wegner, « Transactive Memory: A Contemporary Analysis of the Group Mind, » in: Brian Mullen and George R. Goethals, eds, Theories of Group Behavior, Springer Series in Social Psychology (New York: Springer-Verlag, 1987), p. 185.

تدبير وتسيير مهمات أفراد جماعة ما ووظائفهم. فالتعرف مثلً ضمن جماعة عمل معيّنة إلى «من

يعرف ماذا؟» يؤدي بنا إلى رصد من هم أكثر خبرة لأداء مهمة ما، وذلك وفقًا لمبدأ وضع الرجل

المناسب في المكان المناسب. ونكون بالتالي، بصدد تشغيل ذاكرتنا التفاعلية التي تعمل على

تخزين سمات الأشخاص الأكثر خبرة واستذكارها لإنجاز مهمة ما. هكذا، وبناء على مدى فعالية

تلك الذاكرة، نتمكن من اتخاذ القرارات الملائمة والفعالة، وفي وقت وجيز. وتتضح أهمية قراءة أذهان الآخرين، كذلك، في أثناء عمليات التفاوض بين المجموعات،

فتعرّف كل مجموعة إلى رغبات المجموعة الثانية واختياراتها، يسهّل مهمة حل المشكلات العالقة

بين المجموعتين، ويحقق بيسر عملية التفاهم بينهما، كما يؤدي إلى اقتصاد في الوقت وفي الجهد

المعرفي. إجمالً، وسواء على مستوى العلاقات القائمة بين الأفراد أو بين المجموعات، يؤدي تعرفنا إلى

رغبات الآخر في أثناء قراءتنا حالاته الذهنية وإمساكنا بمنظوره الشخصي إلى تقارب أكثر معه.

ولكنْ حري بالتنبيه أن عملية الإمساك بمنظور الآخر قد تعيق أحيانًا عملية التواصل، لكونها

تكشف عن نيات الآخر الأنانية والعدائية تجاه محاوره أو تجاه موضوع التفاوض. ومع ذلك، لا

يمكن الاستغناء عن المعلومات التي توفرها لنا عملية قراءة أذهان الآخرين بشكل عام، أو عملية

الإمساك بمنظورهم الشخصي بشكل خاص، في ضبطنا للعلاقة البينذاتية (Interpersonnel) التي

تجمعنا بهؤلاء الآخرين ومراقبتها وتوجيهها؛ فالشروع في الانخراط في علاقة تعارف مع الآخر

ليس بالأمر السهل والعفوي، ولا بالأمر المباشر والتلقائي، فهو لا يمر دائمً في أجواء هادئة، إذ

نجده محاطًا بجملة من الطقوس العلائقية والمركّبة، وعدم احترامها سيؤدي لا محاله إلى خلافات

وخصومات مع الآخر. من هنا، فإن معرفتنا في ما يفكر الآخر، والتعرف إلى حالاته الذهنية

والعاطفية سيسمحان لنا بالتعرف إلى تلك الطقوس التي يسيج بها فضاءه الشخصي أو الجماعي،

(27) Zhi-Xue Zhang [et al.], «Transactive Memory System Links Work Team Characteristics and Performance,» Journal of Applied Psychology , vol. 92, no. 6 (November 2007), p. 1722, and Yuqing Ren, Kathleen M. Carley and Linda Argote, «The Contingent Effects of Transactive Memory: When Is It More Beneficial to Know What Others Know?,» Management Science , vol. 52, no. 5 (May 2006), p. 671. (28) Hillary Anger Elfenbein [et al.]. «The Benefit of Understanding Others’ Emotions for Effectiveness in Negotiation,» Journal of Nonverbal Behavior , vol. 31, no. 4 (2007) p. 205, and Galinsky [et al.], p. 1068.

(((2 الإمساك المنظوري: إحدى المهارات المعتمدة في قراءة أذهان الآخرين والتي تمكن الفرد من فهم وجهة نظر الآخرين بشأن

موضوع ما، وأخذها بعين الاعتبار، والإلمام بالحيثيات والظروف التي دعت هؤلاء إلى اعتماد وجهة النظر تلك دون غيرها.

(30) Daeyeol Lee, «Game Theory and Neural Basis of Social Decision Making,» Nature Neuroscience , no. 11 (2008), p. 404; Kevin A. McCabe, Vernon L. Smith and Michael LePore, «Intentionality Detection and «Mindreading»: Why Does Game form Matter?,» Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS), vol. 97, no. 8 (April 2000), p. 4404, and James K. Rilling [et al.], «The Neural Correlates of Theory of Mind within Interpersonal Interactions,» NeuroImage, no. 22 (2004), p. 1694. (31) Dominique Picard, Les Rituels du savoir-vivre , la couleur de la vie (Paris: Ed. du Seuil, 1995), p. 67. (32) Jean-François Dortier, «Les Mystères de la communication,» Sciences humaines (Hors-série), no. 16: La Communication: Etat des savoirs (Mars-Avril 1997), p. 11.

والتي يتوجب علينا احترامها في أثناء تواصلنا معه، الشيء الذي سيمكّننا من ضبط عملية تواصلنا

معه وتوجيهها نحو غايات حددناها سلفًا، مراعين في ذلك حرمة فضائه الشخصي والجماعي. زد

على ذلك أننا سنحقق نوعًا من الاقتصاد التواصلي (L’économie communicative) يسمح لنا

بالتركيز في حديثنا معه على نقط التلاقي بين وجهتي نظرنا، من دون أن نهدر طاقتنا المعرفية في

اللغو والكلام الفارغ غير المفيد لكلينا. الغاية من معرفة حالات الآخرين الذهنية والعاطفية من المعلوم أن غايتنا من عملية التواصل لا تنحصر في الإخبار فقط، بل أيضًا التأثير في الآخرين

والتحكم فيهم وإبراز ذاتنا أمامهم وجذب اهتمامهم والدفاع عن مواقفنا الشخصية. وهنا،

لا يمكن بأي حال من الأحوال وسم مقصدنا من معرفة ما يجول في ذهن الآخر بسِمة النبل

والبراءة؛ إذ إننا لا نبتغي دائمً من وراء اجتهادنا في البحث عن مكنونات الآخر الذهنية والعاطفية

بناء صداقة معه، ولا مساعدته على الخروج من مشكلة نفسية، وإنما تحركنا في الكثير من الأحيان

غايات ذاتية مصلحيه، منها ما هو طبيعي فينا ولا يثير إشكالً أخلاقيًا حقيقيًا، وهو عامل الرغبة

في إثبات الذات والاستئثار بإعجاب الآخر، وإن كنا، في غالب الأحيان، نحجم عن الاعتراف

للآخرين بكون هذا العامل هو الذي يشكل، في حقيقة الأمر، حافزًا قويًا لرغبتنا في التعرف إلى

حالاتهم الذهنية والعاطفية. فالشخص يشرع قبل بدء التحاور والتفاوض مع الآخر في محاولة التعرف إلى حالات هذا الآخر

الذهنية والعاطفية ليؤثر فيه من جهة، وليحظى بإعجابه من جهة ثانية، وخصوصًا إذا كان مهم

بالنسبة إليه. وإذا كان كذلك، فسيحاول ما أمكن أن يكيف ما يود بسطه من أفكار مع توقّعات

هذا الآخر ورغباته وأذواقه، متسائلً في ذلك، في أثناء العملية التواصلية وبعدها، هل ترك انطباعًا

إيجابيًا لديه؟ وهل كان محط إعجابه؟ يؤكد غوفمان في هذا الصدد أن رغبتنا في معرفة الآخر يحركها رهان أساس، وهو رغبتنا في أن

نموضع ذاتنا أمامه (Positionnement de soi). ويتلخص هذا الرهان بكوننا نود معرفة ما

يفكر فيه الآخر، لنستبين حدود فضائه الشخصي التي علينا احترامها وعدم تخطّيها من دون إذنه،

ولنُعرّفه، كذلك، إلى حدود فضائنا الشخصي التي عليه بدوره احترامها. وبهذا يكون بمقدورنا

معرفة ما يجب قوله - إلى حد كبير - للآخر، والطريقة المثلى لقوله، وما يجب التحفظ فيه وعدم

(((3 المصدر نفسه، ص.6

(34) Erving Goffman, Les Rites d’interaction , traduit par Alain Kihm, le sens commun (Paris: Editions de Minuit, 1974), p. 15. (35) Hicham Khabbache, «Are You a Mind Reader ?,» dans: Le Travail social à l’épreuve des coopérations ouvertes et des copérations fermées: Enjeu capital pour le développement humain, deuxième Spring institute international du 10 au 16 mai 2010 (Fès: Université Sidi Mohamed Ben Abdellah, 2010), p. 129.

البوح به. وغايتنا من ذلك هي التأثير فيه، وأسره بقوة شخصيتنا، وتسويق صورة نموذجية ومثالية

لذاتنا، والتمكن من الدفاع عن هويتنا الشخصية، وإقناعه بوجهات نظرنا؛ فعندما أعرف توجهات

الآخر وقناعاته وما يحب وما يكره، فإنني سأنتقي عبارتي لينسجم كلامي مع توقّعاته. وبالتالي لن

أجازف بقول شيء يزعجه ويدخلني في خلاف مباشر معه. كما أنني لن أخاطر بالكشف له عن

أسراري الشخصية التي من الممكن أن يستغلها ضدي يومًا ما. هكذا، فإن الغاية من أخذ الحيطة

والحذر في التعامل مع الآخر هي تجنب ما أمكن الخسارة، وتحقيق أكبر قدر من الربح المادي

(التمكن من إنجاز مشروع ما بدعم من الآخر) أو الرمزي (كأن أظل موضع رضا من طرف

الآخر). بناء على ما سبق، نؤكد أن الرغبة في معرفة حالات الآخر الذهنية والعاطفية تحركها مجموعة من

الحاجات الذاتية، منها، كما أسلفنا: حاجتنا إلى أن نظل موضع اهتمامه واحترامه، وأن يأخذ وجهة

نظرنا بعين الاعتبار، وأن يفضّلنا على الآخرين في تعامله معنا؛ حاجتنا إلى مراقبة علاقتنا بالآخر،

وهي تتمثّل في وضعنا جملة من المعايير التي نسمح – أو لا نسمح- من خلالها للآخر بأن يلج

فضاءنا الشخصي وينخرط معنا في علاقات حميمة. وتتجلى كذلك في المجهود الذي نبذله للحفاظ

على تلك الصورة الإيجابية لشخصنا التي صغناها في ذهن الآخرين، أي الحفاظ على سمعتنا الطيبة

لدى الآخرين؛ حاجتنا إلى التميز، بمعنى أن نهتم بقراءة أذهان الآخرين وعواطفهم لنستطيع

إقناعهم بكوننا نتمتع بشخصية متميزة، وبأن عليهم تقبّلها بوصفها أنموذجًا يُتذى به؛ حاجتنا

إلى الاندماج: ننتظر من معرفتنا بحالة الآخرين الذهنية والعاطفية أن نكسب ود هؤلاء وثقتهم،

ليسمحوا لنا بالانخراط في فضاءات انتمائهم (حزب، جمعية...)، وأن يتعاملوا معنا لا كدخلاء ولا

كمبتدئين، وإنما كأناس لديهم حظوة، أو على الأقل أن يُنظَر إلينا على قدم المساواة مع بقية أفراد

الجماعة. ارتباطًا بما سبق ذكره، نود الإشارة إلى غاية أخرى تتميز بكونها، خلافًا لسابقتها، تطرح إشكال

أخلاقيًا حقيقيًا يتمثل في الاستثمار المكيافيلِّّ للآخر، بناء على استغلال ما تم تجميعه من معطيات

من عملية قراءة حالاته الذهنية والعاطفية، فلا يخفى على أحد الكلام المأثور عن مكيافيلي في

كتابه الأمير الذي أوضح فيه لمن يرغب في أن يظفر بأصدقاء كثر وحلفاء مهمين، ان عليه أن

يدّعي، أولً، الاستقامة في سلوكه والنزاهة في مواقفه، وأن ينظر، ثانيًا، إلى الأشياء لا وفقًا لمنظوره

الشخصي، بل بناء على وجهات نظر الآخرين ورغباتهم واختياراتهم. وهنا يطرح على المرء إشكال

(36) Edmond Marc Lipiansky, Identité et communication: L’Expérience groupale , psychologie sociale (Paris: Presses universitaires de France, 1992), p. 9. (37) T. Paal and T. Bereczkei, «Adult Theory of Mind, Machiavellianism, and Cooperation: The Effect of Mindreading on Social Relations,» Personality and Individual Differences , no. 43 (2007), p. 541. (38) Nicolas Machiavel, Le Prince; Choix de lettres , le livre de poche, le livre de poche classique; 879 (Paris: le Livre de poche, 1972), p. 92, (39) Mark Snyder, «Self-Monitoring of Expressive Behaviour,» Journal of Personality and Social Psychology , vol. 30, no. 4 (October 1974), p. 526.

بينذاتيًا حقيقيًا، مفاده: هل تود من خلال رغبتك في التواصل مع الآخر ومن خلال إصرارك على

معرفة حالاته الذهنية العاطفية أن تظل وفيًا لذاتك ولقناعاتك ومواقفك، أم أن همّك الوحيد

أن تظل موضع إعجابه، وذلك بمجاراته في معتقداته وتصوراته؟ وما دام يصعب الجمع بين

المعادلتين، بحسب سيندر، فإن اختيارك أن تظل موضع إعجاب الآخرين يحيلك إلى الشخصية

القوية في مراقبتها الذاتية (Good Self Monitoring) التي تتميز بكونها تعمل، من خلال معرفتها

ببواطن الآخرين، على تكييف وجهات نظرها مع مواقفهم وقناعاتهم واتجاهاتهم. فهي تتحدث

لغة تتماشى وتوقّعات الآخرين ورغباتهم. كما أنها تتميز بكونها شخصية منفتحة على الآخرين؛

فهي تعمل جاهدة على فهم طبائعهم واستيعاب ميولهم وأذواقهم. من هنا نجدها تستنفر طاقة

معرفية أكبر مقارنة بغيرها لقراءة أذهان الآخرين وعواطفهم. وتتميز، كذلك، بكونها تتقبّل

إمكانية مراجعة قيمها والتفاوض في شأن هويتها لإرضاء الآخرين؛ فهي تعمل على حل خلافاتها

مع الآخرين لا بالمواجهة والحزم، وإنما عن طريق التسويات (Les Compromis) والتراضي.

وعلى الرغم من كون هذا النمط من الشخصية مقبولً ومحبوبًا من طرف أغلب الناس، ومحط

إعجاب حتى من طرف الخصوم أحيانًا، فإنه يتميز بجنوحه نحو مسلكيات براغماتية نفعية

ومصلحيه؛ إذ نجده يعتمد على ذكائه المكيافلِّّ كي يخطط لكيفية تسخير الناس من أجل تحقيق

أهدافه الشخصية ومطامعه الذاتية. وعلى النقيض من ذلك، نجد الشخصية الهشة في مراقبتها

الذاتية (Bad Self Monitoring) تناضل لتظل منسجمة مع قناعتها الأخلاقية ومبادئها؛ فهي

تتصرف دائمً لا وفقًا لرغبات الآخرين وتوقّعاتهم، بل وفقًا لمنظومة القيم التي تؤمن بها بشكل

صارم وغير قابل للتفاوض، الأمر الذي يجعل منها شخصية صداميه، وغير مقبولة من طرف

الآخرين ومنكمشة على ذاتها، ومحدودة في علاقاتها الاجتماعية. وما دامت هي على هذا النحو،

فستظل أقل اهتمامًا بقراءة أذهان الآخرين وعواطفهم. الاستراتيجيات المعرفية المعتمدة في قراءة الذهن إن مستوى حميمية العلاقة التي تجمعنا بشخص ما، إلى حد الاعتقاد أنه شبيه بنا، يدعونا إلى فهم

تصرفاته ومواقفه وتفهّمها، وذلك من خلال قياس ظروفه وحالاته الذهنية العاطفية بظروفنا

وحالاتنا الذاتية. ولكن في حالة اعتبار هذا الشخص غريبًا عنا، فإننا نلغي أي وجه من أوجه

التشابه معه ولا نبذل أي مجهود ذهني مكلف لمعرفته، وبالطبع لن نلجأ إلى استراتيجية القياس

لفهم حالاته الذهنية والعاطفية التي هي مكلفة من الناحية المعرفية والتي نذخرها لمعرفة

(40) Gruenfeld [et al.], «Power and the Objectification of Social Targets,» p. 111. (41) E. Herrmann, «Response to de Waal et al.,» Science , no. 319 (February 2008), p. 570. (42) Alvin I. Goldman, «Précis of ‘Simulating Minds: The Philosophy, Psychology, and Neuroscience of Mindreading’,» Philosophical Studies: An International Journal for Philosophy in the Analytic Tradition , vol. 144, no. 3 (June 2009), p. 432.

المقربين منا، ومن يشاطروننا أفكارنا ومعتقداتنا ومواقفنا، بل نلجأ هنا إلى الأحكام الجاهزة والمسبقة

والإجابات النمطية التي لا تتطلب مجهودًا ذهنيًا كبيرًا، لتعريف هذا الآخر المختلف عنا. خلاصة القول، في بعض الأحيان يعتمد الإنسان لمعرفة الآخر استراتيجيات غير مكلفة معرفيًا،

وذلك من قبيل لجوئه إلى الشائعات والأحكام الجاهزة والنمطية والأفكار المسبقة التي استقاها

من المجتمع، وأخرى مكلفة من الناحية المعرفية، والمتضمنة استراتيجيتين أساسيتين: الأولى

استراتيجية القياس أو المحاكاة، ومؤداها الاعتماد على الحالات الذاتية بوصفها مقياسًا للتعرّف إلى

حالات الآخرين الذهنية والعاطفية، والثانية استراتيجية التنظير الحدسي التي تفيد بأن الإنسان،

وإن كان لا ينتمي إلى فئة العلماء والباحثين، يصوغ في مسار تعرفه إلى الآخر، ومثل أي باحث في

أي تخصص علمي إمبريقي، فرضيات حدسية بشأن حالات الآخر الذهنية. وليتحقق من مدى

مصداقيتها، يستدل بجملة من المعطيات التي استقاها من وقائع معايشة، فيبني بهذا نظريات

سيكولوجية ساذجة (Folk and Naive Theory) حول الآخر وتصرفاته، ويعمد أحيانًا إلى تعميم

نتائجها على جملة من السياقات والوقائع. أهمية استراتيجية القياس للتعرف إلى حالات الآخر الذهنية والعاطفية ودواعي استعمالها بحسب أصحاب النظرية القياسية، تتحقق عملية قراءة أذهان الآخرين من خلال قياس حالاتهم

الذهنية والعاطفية بحالاتنا الذهنية والعاطفية، وذلك بناء على معطى سبق أن أكده الفيلسوف

راسل ومؤداه: ما دام سلوك الآخر شبيهًا بسلوكي، فإنني أفترض أن الأسباب المؤدية إلى تلك

السلوكيات متماثلة. وفي هذا الصدد يلجأ الإنسان إلى نوع من الاستبطان الداخلي المتمثّل في

قيامه بفحص دقيق لأحاسيسه وعواطفه الداخلية ومعارفه حول ذاته وحول تجاربه الخاصة،

مشكّلً بذلك قاعدة بيانات، تسمح له بالاستدلال على مقاصد الآخرين ونياتهم، وعلى فهم

الحالات العاطفية التي تتوارى وراء انفعالاتهم. في السياق ذاته، يبسط لنا الفيلسوف مالبرانش، اعتمادًا على مفهومه «العودة إلى الذات لمعرفة

الآخرين»، الصورة التوضيحية التالية: ما دمت أجد نفسي عاجزًا عن الخروج من ذاتي لولوج

ذوات الآخرين، فإنني ألجأ إلى عملية القياس بواسطة المماثلة للتمكن من معرفتهم. ومن مأثورات

مالبرانش، في هذا الصدد، قوله: «مادام الآخر يهتم بي كثيرًا فهو قطعًا يحبني، إذ سبق لي أن اهتممت

بالآخرين بهذا الشكل فكنت، بالطبع، أحبهم. إنها تجارب داخلية سبق لي أن عشتها».

(43) Bertrand Russell, Problèmes de philosophie , introduction et trad. par François Rivenc, bibliothèque philosophique Payot ([Paris]: Payot, 1989), p. 23. (44) Nicholas Epley [et al.], «Perspective Taking as Egocentric Anchoring and Adjustment,» Journal of Personality and Social Psychology , vol. 87 (2004), p. 327. (45) Malebranche, p. 23. (46) Goldman, p. 433.

هكذا تكشف عملية القياس بواسطة المماثلة أن المرء يميل عمومًا إلى ضرب من التمركز حول ذاته

في استقصائه أحوال الآخرين الذهنية والعاطفية. ويتجلى هذا الميل بوضوح في كون السواد الأعظم

من الناس يعمدون إلى إسقاط عواطفهم الشخصية على الآخرين لمعرفة نياتهم ومقاصدهم.

ومرد اعتماد المرء على ذاته لتعريف الآخرين إلى اعتقاد راسخ في أذهاننا مؤداه: ما دمنا متشابهين

بيولوجيًا فسنكون قطعًا متشابهين في حالاتنا الذهنية والعاطفية ومعتقداتنا. وبالتالي، فإن فهم أي

شخص ذهن الآخر لا يتحقق إلا برجوعه إلى نظامه الذهني الذاتي. بعبارة أدق، يتوجب لفهم

الآخر قياس حالاته الذهنية والعاطفية بحالاتنا الذهنية والعاطفية، بالاعتماد على استراتيجية

التفكير في الذات (Self-reflection Strategy) التي تتلخص بقيامنا بنوع من الاستبطان الداخلي

(Introspection) الذي سيسمح بأن نعي حالاتنا الفكرية والعاطفية المختلفة وتمظهراتها السلوكية

والانفعالية، والعمل، بعد ذلك، على إسقاطها (Projection) على الآخرين لكي نستطيع فهمهم

ومعرفة أحوالهم الذهنية والعاطفية. بشكل عام، إن لعملية القياس بواسطة المماثلة وجهًا إنسانيًا إيجابيًا، يجد مضمونه في كونها تحفز

المرء المقيس على طرح السؤال التالي لفهم تصرفات الآخرين: ماذا أفعل لو أنني في وضعية الآخر

وأواجه ظروفه؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستمكّن الفرد من تفهّم أوضاع الآخرين ومعاناتهم،

والبحث أحيانًا عن أعذار لتصرفاتهم؛ إذ يمكن اعتبار عملية القياس بواسطة المماثلة مصدرًا

أساسًا لمختلف أشكال تعاطفاتنا مع الآخرين. لكن يبقى أن نسجل، كذلك، محدودية عملية القياس بواسطة المماثلة، وذلك لكونها تتضمن ضربًا

من التمركز حول الذات في تعريفها للآخر، وهي تنتهي إلى اعتبار أن أذواق الآخر وأحكامه

ليست إلا انعكاسًا لأذواق الأنا وأحكامها. وهكذا، عندما يدر ك مستخدم هذه العملية مدى

محدوديتها، يشرع في استدعاء معطيات موضوعية لفهم الآخرين، وهذا ما تسمّيه أنيكا ولين

الانحياز الواقعي (Reality Bias) الذي يمكّن الأشخاص من بناء نظريات تفسيرية وسببية حول

الآخرين وسلوكاتهم، الشيء الذي يحيلنا إلى الحديث عن الاستراتيجيا التنظيرية التفسيرية

لمعرفة حالات الآخرين الذهنية والعاطفية.

(47) Ian A. Apperly, «Beyond Simulation–Theory and Theory–Theory: Why Social Cognitive Neuroscience Should Use its Own Concepts to Study ‘Theory of Mind’,» Cognition , vol. 107, no. 1 (April 2008), p. 266. (48) Remy Debes, «Which Empathy? Limitations in the Mirrored «Understanding» of Emotion,» Synthese , vol. 175, no. 2 (July 2010). (49) Hisashi Nakao and Shoji Itakura, «An Integrated View of Empathy: Psychology, Philosophy, and Neuroscience,» Integrative Physiological and Behavioral Science , vol. 43, no.1 (March 2009), pp. 42-52.

(((5 من الأمثلة التوضيحية لانحياز الفرد إلى التمركز حول ذاته لمعرفة الآخر، توهمه أن الموضوعات المهمة لديه والتي تربطه بها

علاقات عاطفية أو ذاكرة طيبة، هي، كذلك، مهمة حتى بالنسبة إلى الآخرين الذين يعتقد أنهم ينافسونه على اقتنائها، بينما هُم في الواقع

غير مكترثين لتلك الموضوعات ولا يأبهون لها، وليس لها حضور في مجال اهتمامهم.

(51) Annika Wallin, «Is Egocentric Bias Evidence for Simulation Theory,» Synthese , vol. 178 (2011). (52) Derek W. Strijbos and Leon C. de Bruin, «Making Folk Psychology Explicit: The Relevance of Robert Brandom’s Philosophy for the Debate on Social Cognition,» Philosophia , vol.40, no. 1 (March 2012), p. 7.

الاستراتيجيا التنظيرية التفسيرية لمعرفة حالات الآخرين الذهنية والعاطفية كشف الفيلسوف مالبرنش منذ سنة 1674 كون الإنسان يلجأ إلى استراتيجية القياس بواسطة

المماثلة لمعرفة مكنونات الآخر الذهنية والعاطفية، والتي تظل بحسب الفيلسوف نفسه إجراء

افتراضيًا وتخمينيًا لا يوصلنا إلى نتائج يقينية. وما دام الإنسان يطمح دائمً إلى بلوغ مستوى معي

من اليقين في إدراكه لذهن الآخر، فإنه يستنفر أنشطة تنظيرية وتفسيرية تعمل، في كثير من الأحيان،

على تعميم ما رُصد من تصرفات ناجمة عن حالات بعض الناس الذهنية على مجموعات عرقية أو

دينية. بناء عليه، فإن رغبة الإنسان في فهم أذهان الآخرين تحثه على الكشف عن الأسباب والدواعي

التي أدت بهؤلاء إلى أن يعيشوا هاته الحالة العاطفية أو الذهنية دون سواها. وهنا يتعامل الفرد

في تواصله مع الآخرين كعالِنفس أو عالِاجتماع؛ إذ نراه يجتهد لرصد طرائق تفكيرهم ولتبيان

دلالات انفعالاتهم. والسؤال المطروح علينا بهذا الصدد هو: لماذا نشبّه الفرد في أثناء محاولته

الكشف عن حالات الآخرين الذهنية والعاطفية بعالِالنفس أو عالِالاجتماع؟ يجيبنا هيدر بأن الإنسان يعتمد في إدراكه محيطه الاجتماعي على الأسلوب نفسه المتَّبع من طرف

الباحث في العلوم الإنسانية الوضعية؛ إذ تحركه نزعتان أساسيتان: تتجلى الأولىفي إصراره على إبراز

مدى تماسك المحيط الاجتماعي واستقراره وانسجامه؛ فكلٌّ من الجهاز النفسي والمحيط الاجتماعي

هو في اعتقاده مثل العالم الفيزيقي، محكوم بقوانين وأسباب لا مخرج له منها، وأي انفعال هو نتيجة

حتمية لحالة عاطفية ما، ووراء كل حالة عاطفية سبب وجيه إمّا نفسي داخلي وإمّا اجتماعي/ بيئي

خارجي. من هنا، يعمل المرء بشكل مستمر على إسناد النتائج إلى أسباب، وعلى تصنيف حالات

الآخرين العاطفية والذهنية ضمن قوائم ذهنية تجمع عناصر كلٍّ منها سمات وخصائص مشتركة. إضافة إلى ما سبق، يميل الإنسان إلى صوغ الفرضيات المتعلقة بحالات الآخرين العاطفية

والذهنية. كما أنه يعمل بشكل مستمر ودؤوب على التحقق من مدى مصداقيتها، بتتبعه تصرفات

الآخرين والتعرف إلى أساليب تعاملهم وطرائق تواصلهم، فلا يُبقي في آخر الأمر إلا على

الفرضيات المنسجمة مع ملاحظاته ومع ما جمعه من معطيات ميدانية. وضمن السياق ذاته، يمكن

فهم مضمون العبارة التالية الشائعة التداول:«كنت أظنه شخصًا منغلقًا على نفسه، منعزلً عن

الآخرين، وإذا بي أجده شخصًا منفتحًا واجتماعيًا.»

(53) Fritz Heider, The Psychology of Interpersonal Relations (New York: Wiley, [1958]), p. 12. (54) Fritz Heider, «Social Perception and Phenomenal Causality,» Psychological Review , vol 51, no. 6 (November 1944), p. 358.

نود التنبيه هنا إلى أن الإنسان يميل في الكثير من الأحيان، وبشكل جزافي، إلى إسناد الدلالات

والمعنى إلى مختلف حالات الآخرين العاطفية والذهنية، وذلك لكي يبدو له عالمه الاجتماعي

أكثر وضوحًا وتماسكًا، وأكثر تحديدًا ودقة، وأقل غموضًا وغرابة، وخاليًا من التشوش وعدم

الانتظام. وتأسيسًا على ذلك، يبدأ الاعتقادَ بكونه قادرًا على الإحاطة بمختلف المتغيرات

المؤثرة في عالمه الاجتماعي وفي كيفية سيره. وهنا تبرز لدى الإنسان النزعة الثانية التي غايتها

التحكم في العالم الاجتماعي والتنبؤ بمستقبله. وعليه، يمكن وسم الإنسان في عمله الدؤوب على

ابتكار تصورات اجتماعية جديدة بعالِالاجتماع أو عالِالنفس الوضعي؛ فهو مهووس بالبحث

عن الأسباب الكامنة وراء تصرفات الآخرين، فيُ جعها إلى أسباب عرقية أو دينية أو بيئية ثقافية

أو نفسية اجتماعية، ويحولها إلى قوانين وقواعد، ويعممها على فئات عريضة من الناس. ويهيئ، من

خلال ذلك، قاعدة معطيات يعتمدها في الكثير من الأحيان لفهم تصرفات أشخاص جدد على

فضائه الاجتماعي والثقافي، والتنبؤ بهذا التصرفات. لكن مع ذلك تظل تصوراته في هذا الصدد موسومة بالنظرية النفسية/ الاجتماعية الساذجة أو

النظرية النفسية/ الاجتماعية الشعبية – Folk theory - لكونها تتأسس، أولً، على عملية

عقلنة) Rationalisation) مبالَغ فيها – أحيانًا- لتصرفات الناس، إذ يُفترَض أن وراء أي تصرف

سببًا ما، وإذا كان السبب غير موجود يجري اختلاقه، وتنبني، ثانيًا، على نوع من التداخل بين

الذات والموضوع؛ فالإطار المرجعي التفسيري والتنظيري الذي يعتمده الفرد في دراسة محيطه

الاجتماعي، هو ذاته وأناه، وذاته تشكل قاعدة بيانات أساسية لمعرفة الآخرين. الأحكام الجاهزة ومعرفة الآخر ممّا لا شك فيه أننا لا نلجأ إلى استراتيجية التفكير في الذات لفهم حالات الآخرين الذهنية

وتوقع مقاصدهم ونياتهم، إلا إذا اعتبرناهم شبيهين بنا وقريبين منا. وإذا غرّبناهم عنا، نركن

في حكمنا عليهم إلى مصادرات جاهزة وآراء شائعة وتصورات نمطية (Stereotype opinion.) من هنا ندرك أن قصور بعض الحالات النرجسية في فهمها للآخرين والتعاطف مع معاناتهم،

مرده إلى تضخّم أناها، وعدم قدرتها على تقويم ذاتها بشكل موضوعي وحيادي. ويترتب على ذلك تغييبها استراتيجية التفكير في الذات خلال تعرفها إلى الآخرين، وعجزها عن وضع ذاتها

(55) Susan T. Fiske and Shelley E. Taylor, Social Cognition , McGraw-Hill Series in Social Psychology, 2 nd ed. (New York: McGraw-Hill, 1991), p. 24. (56) L. A. Hirschfeld, «Do Children Have a Theory of Race?,» Cognition , vol. 54, no. 2 (February 1995), p. 209. (57) Strijbos and de Bruin, p. 12. (58) Andrew N. Meltzoff, «The ‘Like Me’ Framework for Recognizing and Becoming an Intentional Agent,» Acta Psychologica , vol. 124, no. 1 (January 2007). (59) Apperly, p. 267.

موضع هؤلاء الآخرين لتفهّم ظروفهم، وبالتالي ركونها إلى ضرب من الإجابات النمطية في

تقويمها لتصرفاتهم، وذلك من قبيل إدلائها بالأحكام التالية: «لم يقم فلان بأداء ما هو مطلوب

منه لأنه غير كفء، أو لقد تصرف بهذا الشكل لأنه شخص عدواني». ويبقى أن نشير إلى أن من

بين مؤشرات استجابة بعض الحالات النرجسية للعلاج النفسي، تراجع أعداد أحكامها النمطية

لمصلحة الإجابات القياسية، بحيث تصبح الحالة أقدر على فهم ظروف الآخر والتعاطف معه

قياسًا بظروفها الشخصية. إن اعتماد الأحكام النمطية على الإجابات القياسية سلوكيات لا تخص الحالات النرجسية المرَضية

فقط، وإنما تهم أشخاصًا طبيعيين أيضًا؛ إذ نجدهم يحصرون استخدامهم للاستراتيجيا القياسية

(Simulation strategy) على من ينتسبون إلى جماعتهم أو يشاركونهم ذاكرتهم الجماعية. وهُم،

في هذا، يستدعون تاريخهم الشخصي وتجاربهم الذاتية ومعاناتهم السابقة، لتفهُّم ظروف أفراد

جماعتهم والتعاطف معها. ويعتبرون، في المقابل، من هم خارج جماعتهم غرباء عنهم. ويعمدون

في تقويمهم لهم إلى ما يسمّيه آبرلي الاستراتيجيا الازدرائية (Derogatory strategy)، بحيث

يجردونهم من جملة من السمات الإنسانية، ويعتبرونهم، أحيانًا، موضوعات لا ذهنية. تأسيسًا

على ذلك، تتشكل لدى الجماعة الأحكام النمطية والمواقف العنصرية التي تصدرها، بوعي أو بلا

وعي منها بحق جماعة أخرى مختلفة عنها سياسيًا أو عرقيًا أو دينيًا. عمومًا، حين يُعرّف المرء شخصًا ما يعتبره غريبًا ومختلفًا عنه، نجده لا يستنفر سيرورات

ذهنية تستوجب مجهودًا معرفيًا كبيرًا، ولا يشغل عمليات ذهنية مركّبة، مثل عملية الاستدلال

على حالات الآخرين الذهنية والعاطفية قياسًا بحالاته ذاتية، وإنما يركن إلى إجابات جاهزة

وأحكام مسبقة وتوصيفات نمطية؛ فمثلً، في وضعيات مشحونة بالخوف والعدائية

(activation fearful)، يعمد عدد من الأشخاص ذوي الأصول الأوروبية إلى إسناد بعض

التصرفات العدائية إلى العرب والسود بشكل متسرع وتعسفي. كما أن المرء، أيًا يكن، بطبيعته

يميل في حياته اليومية إلى تفسير تصرفات شخص غير مرغوب فيه، بإرجاعها إلى سمات ثابتة في

شخصيته لا إلى عوامل سياقية ولا إلى أسباب موضوعية؛ ففي حواراتنا اليومية نلاحظ، في كثير

(60) Joël Candau, Anthropologie de la mémoire , collection Cursus. Sociologie (Paris: A. Colin, 2005), p. 34. (61) Apperly, p. 281. (62) Daniel R. Ames, «Inside the Mind Reader’s Tool Kit: Projection and Stereotyping in Mental State Inference,» Journal of Personality and Social Psychology , vol. 87, no. 3 (2004), p. 340, and Giancarlo Dimaggio [et al.], «Know Yourself and you Shall Know the Other… to a Certain Extent: Multiple Paths of Influence of Self-Reflection on Mindreading,» Consciousness and Cognition , vol. 14, no. 3 (September 2008), p. 778. (63) Kurt Hugenberg and Galen V. Bodenhausen, «Ambiguity in Social Categorization: The Role of Prejudice and Facial Affect in Race Categorization,» Psychological Science , vol. 15, no. 5 (May 2004), p. 342. (64) Lorraine Chen Idson and Walter Mischel, «The Personality of Familiar and Significant People: The Lay Perceiver as a Social–Cognitive Theorist,» Journal of Personality and Social Psychology , vol. 80, no. 4 (April 2001), p. 585.

من الأحيان، سيطرة واضحة المعالم لهذا النمط من الإجابات عن تعابيرنا: كقولنا إن فلان غاضب

لأن طبعه دائمً غاضب، بدل قولنا إنه غاضب لكونه يمر بظروف صعبة. ويبقى أن نشير هنا إلى أن مرد هذه الأحكام النمطية إلى كون الإنسان بوجه عام محكوم في

تمثله لسلوك الآخر، بخطاطة ذهنية يطلق عليها اسم خطاطة التمركز حول أنموذج الفئة

(Protocentrism): فمن خلال رصد هذا الإنسان للتشابهات القائمة بين الحوادث، ومن خلال

إدراكه العلاقات السببية القائمة بين الموضوعات، وبناء على استدخاله سمات نماذج أشخاص

أثّروا فكريًا وعاطفيًا وأخلاقيًا في مسار حياته، وتأسيسًا على الذاكرة المشتركة التي تجمعه بوسطه

الاجتماعي، يبني تمثلات عامة (Generic Representation) تشكّل بالنسبة إليه أنموذج الفئة

(Prototype). وعندما يرغب في تفسير سلوك الآخرين، يركن كليًا إلى أنموذجه للفئة مخزون في

ذاكرته، وفي حالة عدم توافق سمات الآخرين مع سمات أنموذجه للفئة، يظل هؤلاء مرفوضين من

طرفه. تجدر الإشارة إلى أن أنموذج الفئة يختلف لدى الشخص باختلاف مجتمعه ودينه وثقافته وانتمائه

الطبقي ومعيشه السيكولوجي. من هنا، سيعتقد كل فرد أن مراجعه الثقافية تشكل أنموذجًا للفئة

يُتذى به، وعليه اعتمادها لتفسير تصرفات الآخرين وتقبّل أو رفض الظواهر الاجتماعية المختلفة

المحيطة به، الشيء الذي سيُسقطه من جديد في ضرب من التمركز حول الذات وإنتاج المزيد من

الأحكام النمطية. خاتمة لا أحد يجادل في كون بلوغ مستوى التفاهم مع الآخر، وإن كان مختلفًا عنا عرقيًا وثقافيًا ودينيًا،

يقتضي فهم حالاته الذهنية والعاطفية. وعملية الفهم هاته ليست بالعملية السهلة والميسرة، وذلك من حيث كونها تُبنى من خلال نشاط قرائي وتأويلي لبواطن ذهن الآخر، يختلف في نتائجه

باختلاف الآليات والاستراتيجيات المعتمدة فيه وباختلاف مقاصده. فإذا ما اعتمدنا الاستراتيجيا الازدرائية والأحكام الجاهزة والشائعات التي لا تتطلب أي مجهود ذهني مكلف، سننتهي إلى تصورات نمطية وتوصيفات قدحية وأحيانًا صيغ عنصرية. وإذا لجأنا إلى الاستراتيجيا التنظيرية

الحدسية، فهذا يعني أننا سنضع مسافة اختباريه بيننا وبين الآخر، وبالتالي سننظر إليه بوصفه موضوعًا تجريبيًا ليس إلا. أمّا إذا استدعينا الاستراتيجيا التقييسية المكلفة من حيث المجهود

الذهني، فهذا سيؤشر على حضور البُعد الإنساني في تعاملنا مع الآخر؛ إذ سنضع أنفسنا مكانه

(65) Rachel Karniol, «Egocentrism Versus Protocentrism: The Status of Self in Social Prediction,» Psychological Review , vol. 110, no. 3 (July 2003), p. 564.

وسنحاول التعامل مع ظروفه ومعاناته كأنها جزء لا يتجزأ من ظروفنا ومعاناتنا، وبهذا سننتقل

من مستوى فهم الآخر إلى مستوى التفاهم معه. بناء على ما سبق، نرى أن ترسيخ قيم التفاهم، ومنها حق الاختلاف وقبول التعددية في وجهات

النظر، يتم من خلال الاعتماد على منظومة تربوية تنمي لدى الناشئة ملَكة الإمساك بمنظور الآخر،

وكذا كفاءة قراءة أذهان الآخرين وعواطفهم، الأمر الذي سيمكّن الأجيال الصاعدة من أن يعوا

كون منظور الآخر ليس بالضرورة مماثلً للمنظور الشخصي، وليس خطأ أو جريمة أن يختلف عن

هذا المنظور الشخصي. كما لا يفوتنا أن نؤكد ضمن السياق نفسه، أن فتح حوار فعال ومفيد بين الثقافات بشكل عام وبين

الأديان بشكل خاص، يقتضي الانفتاح على أدوات منهجية حديثة للحوار، ومنها تلك التقنيات

وطرائق التفكير الواعدة التي تؤسس لها المعرفية الاجتماعية، والتي تحاول الإجابة عن سؤال

محوري هو: ماذا يحدث في أذهان الأطراف المتحاورة؟ وقد أبانت عن أهميتها في تخصصات حديثة

النشأة، ومن بينها أنثروبولوجيا الأديان المعرفية وعلم النفس السياسي المعرفي.