Return to Article Details A Reading of the Arab Revolutions: Arab Societies between Acceptance of Revolution and the Potential of Counterrevolution

قراءة في الثورات العربية: المجتمعات العربية بين القابلية للثورة واحتمالات الثورة المضادة

A Reading of the Arab Revolutions: Arab Societies between Acceptance of Revolution and the Potential of Counterrevolution

وليد نويهض *

الملخّص

تمثل هذه الورقة الحلقة الأولى من قراءة الكاتب لكتب صادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في ما يتعلق بالثورات العربية. وهي تتناول ما طرحته هذه الكتابات من القابلية للثورة في المجتمعات العربية واحتمالات الثورة المضادة.

Abstract

This paper is the first part of the author’s reading of books published by the ACRPS around the Arab revolutions. It deals with these books in terms of their acceptance of revolution in Arab societies and the potential for counterrevolution.

الكلمات المفتاحية:
  • الثورات العربية
  • الثورات المضادة
  • القابلية للثورة
  • المجتمعات العربية
Keywords:
  • Arab revolutions
  • Counterrevolutions
  • Arab Societies

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات حتى الآن 15 كتابًا تلاحق الانتفاضات العربية التي هبت على المنطقة من نهاية سنة 2010، وتقرأها وتحللها وتفكر فيها، ويرجَّح أن تستمر هذه الانتفاضات في تفاعلاتها وانفجاراتها إلى وقت غير معلوم. وقد بدأ المركز العربي للأبحاث منذ سنة 2012 إصدار الكتب التي تغطي بالوقائع واليوميات والوثائق تلك الثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية، معطوفة على متابعة التحولات التي حدثت في المحيط العربي والاحتمالات المتوقّعة في دول الجوار. ترتدي الكتب أهمية بالغة في توقيتها؛ فهي تُعتبر ذاك الشاهد على عصر سيكون له وقعه على الأجيال المقبلة، كما أنها تكشف عن خريطة النخبة العربية وموقعها ودورها في لحظة انفجار الحدث. فالكتب في مجملها غنية

بالمعلومات والمراجعات، وثرية في تعاملها التحليلي مع أخبار لم تكتمل، ومتغيرات تحتاج إلى فترة زمنية حتى تستقر وتتوضّح معالم صورتها. الكتابة في لحظة الحدث تُعتبر عادة من المغامرات الفكرية، لأنها تتطلّب دقة في التعاطي مع شبكة الأخبار، وقدرة عقلانية للمخاطبة والسيطرة على النص، وتحتاج إلى مستوى من الإدراك لمعرفة التعامل مع موضوع شديد الحساسية. إلى المغامرة، هناك أيضًا المخاطرة في اعتبار أن الانفجارات العربية لا تزال في طور التشكّل، وقد تسفر عن تداعيات ربمّا تفتح الباب لنهوض قوى وتيارات كانت مكبوتة ومعزولة في زوايا التاريخ المعاصر وهي تخرج من الظلمة إلى النور أول مرة، وتحتاج إلى وقت كي تتعرف إلى الطريق الصالحة لعبوره. بهذا المعنى تتصف كتب المركز العربي للأبحاث بأن لها أهمية خاصة لأنها تعكس

شبكة من القراءات الفردية أو الجماعية لجأت إليها النخبة في لحظة زمنية لم يحدث ما يشبهها في التاريخ العربي المعاصر. وما يرفع من قيمة الكتب وخصوصيتها أنها غير موحدة في القراءة ولا في الاستنتاجات وغير متفقة على منهج مشترك للكتابة، وتبدو أحيانًا مختلفة في أسلوب التعامل بين مؤيّد ومتحفظ ومتخوّف. وهذا التنوع في رؤية الحوادث المشتعلة من تونس ومصر وليبيا إلى اليمن وسورية سيكون له وظيفة معرفية لكل الباحثين أو المهتمين بقراءة ما جرى في الدراسات المتوقَّع صدورها في المستقبل. ليست أهمية الكتب آنية فقط بل مستقبلية أيضًا، بسبب تلك المروحة المعرفية في استخدام مناهج متخالفة للتعاطي مع موضوعات لا تزال تتخبط في المقدمات ولم تصل إلى نهاية الحادث ونتائجه، وهذا بدوره يضفي قيمة اعتبارية وعلمية على جهود توثيقية قدمت للقارئ معلومات ثرية معالَةً بمناهج بحثية وآليات تفكير معاصرة. سنعرض هذه الكتب انطلاقًا من تدرج يبدأ بالعام (النظرية) وينتهي إلى عرض الوقائع التاريخية (العيّنات). ولن يكون في مقدورنا أن نشملها جميعها في مراجعة واحدة، وسنكتفي في هذه المراجعة باستحضار ما يتعلق منها بثورتي تونس وليبيا. ونبدأ في الإطار النظري بكتاب الدكتور عزمي بشارة (في الثورة والقابلية للثورة)، لتجري بعدها مراجعة عناوين الموضوعات التي ساهم في صوغها ومعالجتها وكتابتها نخبة مؤلفة من الباحثين العرب من المغرب إلى مصر والمشرق واليمن. في الثورة والقابلية للثورةينطلق الدكتور عزمي بشارة من كتاب أرسطو في السياسة الذي يقسم الثورات إلى نوعين: نوع يؤدي إلى تغيير الدستور القائم فينقل نظام الحكم إلى آخر، ونوع يغيّ الحكام وتبقى بنية النظام (ص ٧). الثورة الفرنسية مثلً كانت «ثورة وطنية لا ثورة ديمقراطية فحسب»، كذلك ثورات 1848-1820 في أوروبا (ص ٩). وفي رأيه «أن الثورات الديمقراطية العربية سوف تساهم في بلورة الهوية الوطنية التي لم تحظ بشرعية كافية حتى الآن في الكيانات التي اعتبُرت دول قطرية، حيثما تنجح في بناء المؤسسات الديمقراطية» (ص. ٠١-٩). وينتقل بشارة إلى تحديد مفهوم الثورة وتعريفها العلمي، فهي «في اللغة العربية نفسها استُخدم التعبير لوصف تحركات شعبية من أنواع عدة مثل ‹ثورة الزنج› و‹ثورة القرامطة.› وقد استخدمها عرب القرن العشرين المتأثرون بثورات عصرهم لفهم الماضي بمفاهيم الحاضر» (ص ٢١ فإن). و«لهذا، مفهوم المؤرخين العرب لما يصفه المؤرخون المعاصرون ب«الثورة» خاضع للسياق الذي حكم إنتاجه، وهو اعتبار الخروج على الجماعة تقويضًا للعمران» (ص. ٣١). وتصبح أقرب كلمة إلى مفهوم الثورة المعاصرة «هي ‹الخروج›، بمعنى الخروج لطلب الحق »، و«هذا هو المشترك بين الخروج بالمعنى المستخدم في التاريخ الإسلامي والثورة بالمعنى الحديث»(ص ٤١). كذلك «قد يكون (التغلب)، وهو المصطلح الذي استخدمه

الفقهاء مدخلً لإضفاء الشرعية الواقعية على السلطة في إطار الخلافة الإسلامية » (ص ٥١.) يرى المؤلف، بعد أن يعطي فكرة عن استخدام المصطلح في التراث الإسلامي (ابن جماعة، ابن تيمية، ابن حنبل، أبو يعلي الفرّاء، الماوردي، أبو مجاهد البصري، ابن حزم، الطحاوي، الجويني، ابن قدامة، النووي، البناني، ابن عبد الوهاب، وغيرهم) واختلاف الموقف السلفي الظاهري عن الموقف التأويلي، أن الخروج والتغلب ليسا نظرية في الثورة في اعتبار أن «الإجماع يرفض الرأي المخالف» (ص 9.)1 لذلك يرى بشارة أنه «يصعب التوصل إلى أي شكل من أشكال نظرية الثورة في ظل ثنائية الخروج والغلبة» (ص ٥٢.) بعد قراءة الموقف الفقهي السلبي من الفتنة، يعود بشارة إلى معنى مفرده ثورة في القاموس العربي (لسان العرب)، فيرى أنها تعني الهياج والغضب والوثبة، وهي «من هنا ترتبط كلمة ثورة بالحركة السريعة الانفعالية التي تتضمن فعل النهوض، مثل (الوثبة) و (الانتفاضة)و (الهبة)» (ص ٦٢)، لذلك استخدم الكتّاب تلك المفردات لوصف الحركات السياسية العربية في القرن التاسع عشر إضافة إلى «قومة» و«العامية» وغيرهما من تسميات. انطلاقًا من هذه الخلفية التاريخية يقرأ بشارة أسباب تشكيك وسائل الإعلام العربية بالثورات العربية الراهنة. وتردد بعض المثقفين العرب في استخدام مفردة ثورة، وظهور «موقف سلبي من الثورات العربية عند بعض المثقفين» (ص ٩٢.) وينتقل الكاتب بعد المراجعة التاريخية واللغوية للمفهوم إلى تحديد المقصود من الثورة و«هو تحرك شعبي واسع خارج البنية الدستورية القائمة، أو خارج الشرعية، يتمثّل هدفه في تغيير نظام الحكم القائم في الدولة». وبهذا التعريف يمكن تمييز الثورة من الانقلاب العسكري أو من الانتفاضة الاحتجاجية أو التمردات (ص ٩٢.) الثورة تعتبر «أن الإصلاح غير ممكن في إطار النظام القائم، ولا بد من تغيير النظام بالكامل وإقامة نظام جديد يقوم على أسس جديدة (...). أمّا الانقلاب، فمن الواضح أن القصد به هو أنه يجري في داخل النظام القائم على أيدي جزء من النخبة الحاكمة أو أيدي جزء من المؤسسات الحاكمة (...). والثورات بهذا المعنى المتميز ظاهرة راديكالية حديثة، فهي تقوم على الجدّة والتجديد» (ص ٤٣-٦٣)، وهي تتضمن «رفض التسليم بوجود مبررات ثابتة للنظام القائم»، لذلك فإن «الثورة الحديثة شأن علماني حتى إذا كانت دينية» (ص ٧٣)، لأن الثورة في عصرنا «ترتبط بالجدة والانقطاع في مسار التطور التاريخي. إنها الانقطاع الذي يأتي بجديد» (ص ٩٣.) بعد تقديم الكاتب أمثلة للثورات التي حدثت في أوروبا وأميركا، يطالب بأن «يستفيد الديمقراطيون العرب من هذه التجارب لإدراك عمق أهمية القضية الوطنية عند بناء الدولة الوطنية الديمقراطية» (ص ٧٥). وكي تتوضح الصورة، يعود بشارة إلى بلورة المفهوم في إطار شرح «الحالات التي تؤدي إلى الثورة» (ص ١٦)، والظروف الناضجة (القابلية) التي تبرر قيامها، كاستحالة «الأنظمة الحاكمة الحكم من دون تغيير»، وعندما «تزداد معاناة

الطبقات المضطهدة حدّة بشكل استثنائي»، وعندما «يزداد نشاط الطبقات المضطهدة وتململها نتيجة للأزمة وممارسات الطبقات المضطهِدة» (ص. ٢٦-٣٦) بناء على تلك الدوافع (القابلية)، يرى بشارة أن الحالة الثورية العربية «ترتبط بوعي حقيقة أن هذه المعاناة هي نتاج ظلم» معطوف على وقوع انشقاقات داخل الطبقة الحاكمة (مسألة توريث الحكم في مصر ورفض الجيش فكرة التوريث)، وهو ما يؤكد أن «من الصعب الاستيلاء على الحكم من دون انشقاق الطبقة الحاكمة، وانضمام الجيش أو قسم منه على الأقل إلى الثوار» (ص ٦٦.) لذلك يرى الكاتب أن الثورات العربية قدمت «نموذجًا جديدًا لم يكتمل بعد)...(فلم تنشب الثورة بواسطة حزب سياسي منظم، يسعى للوصول إلى السلطة، ويبحث عن اللحظة الملائمة (...) لكن الثورات العربية أفسحت، وسوف تفسح، في المجال للأحزاب السياسية المنظمة كي تتنافس على السلطة» (ص ٧٦-٨٦.) يلاحظ بشارة، استنادًا إلى المشهد العربي سنة 2011، مدى الحاجة «إلى تطوير نماذج جديدة» تقوم «على المواطَنة والديمقراطية وتعدد الهويات، وبناء دولة جميع المواطنين، بدلً من تأجيج النزعات الإثنية والهوياتية الأخرى (...) فمهمة الثورة تقضي بالبحث عمّ يجمع المواطنين في الدولة وليس ما يفرقهم» (ص ٧٧-٩٧). والثورة «لا تقود إلى الديمقراطية بفعل واحد هو قلب نظام الحكم، بل من خلال عملية إصلاح وبناء طويلة المدى تعقب تغيير النظام» (ص ٤٨.) لذلك يطالب ب«وجود خطة وبرنامج تتفق عليهما أوسع قوى سياسية ممكنة لضبط عملية التحول الديمقراطي وتوجيهها»، لأن «ثورة تقوم على تجييش طائفي أو هوياتي بشكل عام، وينقسم خلالها المجتمع إلى هويات، لن تقود إلى تعددية سياسية وفكرية في إطار المجتمع ككل، بل تقسم المجتمع إلى مجتمعات)...(فالدول القطرية لم تستطع أن ترتقي إلى مستوى دول وطنية تشكل عنصرًا إيجابيًا في التكامل العربي» (ص ٠٩-١٩.) ثورة تونس المجيدة (٢) انطلاقًا من هذه الرؤية النظرية العامة يقرأ بشارة الثورة التونسية وغيرها. في رأيه «أن الثورات العربية نشبت في الجمهوريات التي يُعدّ فيها للتوريث». وفي هذه «الحالات يحتدم التناقض بين مصدر الشرعية لنظام الحكم (...) ومصدر الحكم الممارس فعليًا »... (ص ٨١.) بدأت ثورة تونس بانتفاضات خبز محلية تكررت مرارًا «لكن الانتفاضة الأخيرة دامت زمنًا يكفي كي تنضم إليها المدن والجهات (الأقاليم)... والولايات الطرفية الأخرى». فالثورة كانت إلى «حد بعيد ثورة الأطراف المهمشة ضد المركز السياسي والاقتصادي» (ص. ٠٢)؛ فهناك الفساد وصعود النخب الطفيلية والانتهازية المتزلفة وعجز الاقتصاد عن المنافسة وتوفير فرص عمل يلبي متطلبات «التفجر السكاني الشبابي» المترافق مع ضعف معدلات النمو الاقتصادي (ص ٤٢.) هذه العناصر اجتمعت كلها لتشكّل حالة ثورية هي «عدم تمكّن النظام القائم من

الاستمرار في الحكم بالوسائل القديمة، وعدم استعداد المحكومين للاستمرار في العيش في ظل الأوضاع القائمة» (ص ٤٢.) يرى بشارة أن هناك «المشترك» بين حالات الاستبداد العربية وهي، في حالة تونس، كانت «دولة بوليسية لم تتح فيها فسحة حرية للإعلام، ولكنها أتاحت العمل النقابي إلى حد ما (...) كما أتاحت منطقة رمادية لأحزاب نقدية غير برلمانية (...) ولم يترك النظام أي مجال، أو هامش لفئات وسيطة بين الدولة والشعب. وقد قام الاتحاد العام التونسي للشغل بدور مزدوج (...) تراوح بين الاحتواء والمعارضة...» (ص ٦٢.) وفي رأيه أن علمانوية السلطة «أعمت أعين الكثير من المثقفين والفنانين وغيرهم عن رؤية طبيعة النظام الحقيقية» (ص ٧٢). كان النظام في «عهد بورقيبة جمهوريًا وطنيًا تقوده شخصية كاريزمية طاغية (...) أما زين العابدين)...(نظام سلطوي بوليسي غير كاريزمي، وبلا قضية» (ص. ٧٢). لذلك لم يكن الانقسام السياسي بين متدينين وعلمانيين لأن الأوساط المتضررة من نظام بن علي توسعت و«شملت فئات متدينة وعلمانية» (ص ٨٢) في وقت أصبحت الفئات البرجوازية الجديدة المستفيدة من الخصخصة والبرامج الليبرالية - التسلطية «أكثر تصالحًا مع الاستبداد السياسي » (ص ٠٣)، وهذا «أحد أهم أسباب حالة الارتباك التي أصابتها مع نشوء الثورات ضد الاستبداد» (ص ٠٣.) ويميز بشارة بين ثورات تندلع في مجتمعات متعددة الهويات وأخرى متجانسة؛ إذ «في المجتمعات غير المتجانسة يراهن فيها النظام الاستبدادي على التفرقة الاجتماعية» بينما المجتمع التونسي «متجانس على الهوية الوطنية، ولا تتحول فيه الصراعات الطبقية والسياسية إلى صراعات على مستوى الهويات الجزئية» (ص ٢٣). كذلك توجد في تونس «طبقة وسطى واسعة، ونسب تعليم عالية» وهي «تطمح للمشاركة السياسية لأسباب عديدة متعلقة بالوعي والوعي الوطني والمساهمة الفاعلة في الإنتاج الاقتصادي والاجتماعي»، لذلك ف «إن المجتمع التونسي جاهز للتحول الديمقراطي، حتى بموجب نظريات الحداثة»، وكانت «الثورة التونسية مفاجأة سياسية للجميع، بمن فيهم الكاتب، ولكنها لم تكن مفاجأة نظرية» (ص ٤٣-٥٣.) بعد هذه القراءة التاريخية والمفهومية يعود بشارة إلى وقائع الحدث؛ فالانتفاضة انطلقت من سيدي بوزيد ووصل الاحتجاج إلى العاصمة بعد أسابيع. ليس المهم نقطة الانطلاق، «المهم أنها امتدت» وأنها «وجدت حالة اجتماعية شعبية جاهزة لاستقبالها». وهذه «القابلية للثورة هي عنصر أساسي في تشكيل الحالة الثورية» وتعيين تلك اللحظة «التي تم فيها الانتقال النوعي من أعمال الاحتجاج المتلاحقة إلى الثورة المطالبة بتغيير النظام» (ص ٦٣-٧٣.) لم تكن الثورة مخطَّطًا لها؛ الجمهور انضم بالتدريج إلى «النواة السياسية المنظمة » و«انضمت النقابات والمنظمات الحقوقية » و«اتحادات الطلاب»، وبدأ «الانضمام على المستوى الجهوي»، و«اضطرت قيادات المؤسسات النقابية والحزبية للانضمام مع انضمام قواعدها في عدة مناطق» (ص ٨٣.) أخيرًا «غادر الرئيس على عجل مخلّفًا وراءه مبنى هرميًا مقلوبًا (...) هرب الرأس، فتمايل

الهرم مترنحًا، ثم راح يتداعى». الأجهزة الأمنية «فقدت توازنها، فهي من دون رأس لا تدرك حتى ذاتها»، ورئيس الحكومة «عيّ نفسه رئيسًا خلفًا لولي الأمر للحفاظ على استمرارية الحكم ومنعًا للفوضى» (ص ٩٣.) في المرحلة الانتقالية تولّ موظفو فترة بن علي المسؤولية (محمد الغنوشي، فؤاد المبزع، والباجي قائد السبسي) واستمر الاحتجاج حتى حدث التغيير على إيقاع الشارع (حل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم سابقًا) (ص ١٤-٢٤.) السلطة قبل السقوط يقرأ بشارة تاريخ تونس السياسي وتوجهات بورقيبة نحو الغرب وتأسيسه طريقًا منفصلة عن مفاهيم الأمّة وصولً إلى اندلاع الثورة التي تميزت بخصائص حددها الكاتب في تسع نقاط (ص ٦٥-٨٥)؛ فالدولة «اتسمت منذ وقت مبكر بنوع من المركزة الشديدة المتجاوزة للبنى الأهلية والمحلية»، والحكم كان «أقرب إلى الشمولي الحديث منه إلى السلطوي الرث» (ص ٣٦ والسلطوية)، المنظمة يمكن «أن تعمل بتضافر آليات القمع مع آليات الرقابة والهيمنة الثقافية» (ص ٤٦)، والعلماني «يمكن أن يكون ديمقراطيًا أو ليبراليًا أو فاشيًا، متدينًا أو غير متدين، أو مجرد انتهازي يتبع النظام القائم لمجرد أنه قائم» (ص ٥٦)، وبورقيبة لم يكن ديمقراطيًا «ولكنه حاسب الآخرين على فشل قراراته الفردية» أكان داخل الحزب أم داخل الاتحاد التونسي للشغل (ص ٨٦-١٧). كان بورقيبة «يعتقد أن الحفاظ على مكانته أمر مقدس يشبه الحفاظ على وحدة الوطن»، وكان «مصممً على بناء دولة حديثة، من ضمن ذلك تغيير عقلية التونسيين وبناء ثقافة جديدة (...) وتفكيك المؤسسات الدينية التقليدية (...) وحضر إنشاء أوقاف عامة جديدة (...) وربطت تلك الإصلاحات نفسها بالثقة بضرورة التحديث وحتمية التطور، وولدت ثقافة مختلفة ورأيًا عامًا يعتبرها إنجازات ولا يقبل التنازل عنها» (ص ٠٨-١٨). كان «متأثرًا بأوغست كونت (...)، وكان تكوينه في ذلك قريبًا من تكوين مصطفى كمال أتاتورك » (ص ٢٨)، وهو لم «يسمح لأي حزب خارج الحزب الدستوري بالتنظيم» (ص ٣٨.) يأتي بشارة إلى مرحلة بن علي حين «تحوّل النظام لدى خليفته إلى دولة بوليس برقابة أمنية مشددة (...)، وأصبحت الدولة البوليسية نمطًا راسخًا ودائمً في إدارة الحكم وتسيير شؤون السياسة (...). ولهذا عرفت تونس منذ بداية التسعينات تراجعًا كبيرًا على صعيد الحريات العامة أو الشخصية» (ص ٤٨). وبدأ «النظام الأمني بانتهاج سياسة قمعية عارية تشمل مختلف تكوينات الطيف السياسي والمجتمعي التونسي » (ص ٥٨.) وبعد أن يتحدث عن الأوضاع الاقتصادية والديون المالية والفوضى في القرارات وسوء الانفتاح على الأسواق الأوروبية والبنك الدولي وتراجع النمو وتهميش الأطراف والنزوح إلى المدينة والهجرة بما أدى إلى الاحتقان والانفجار، أخذ يصف المشهد التونسي؛ فما جرى في تونس «هو ثورة الأطراف التي تتمتع بقيادات محلية والتي امتدت لتشملها جميعًا في الطريق إلى العاصمة (...) وما يميّز حالة تونس أن هذا الاحتجاج

الاجتماعي وجد فئات واعية من الطبقة الوسطى الواسعة نسبيًا وذات الطموح في التخلص من الاستبداد والمشاركة وتأدية دور سياسي» (ص ٤١١.) كيف تراكمت الأمور حتى وصلت إلى درجة الاحتقان ثم الانفجار؟ للإجابة يعود بشارة إلى ما يسمّيه «الفقر والنيوليبرالية في ظل التسلطية»، حين حاول الاتحاد الأوروبي مساعدة بن علي في اعتبار «أن السياسة الديمغرافية التونسية منذ أيام بورقيبة قد جعلت المجتمع التونسي يقترب كثيرًا من معدلات ‹الإحلال›، وانفتاح ‹نافذته الديمغرافية› بما يعنيه ذلك من ارتفاع حجم الفئة البشرية في سنّ العمل، مقابل انخفاض حجم الفئات العمرية الطفلية (وما دون 15 سنة)، وارتفاع نسبي في فئة المعمّرين» (ص ٧١١). وساهم اعتماد الحكومات التونسية على اقتصاد السوق من دون ضوابط في «تكدّس رؤوس الأموال في أيدي شريحة صغيرة من رجال الأعمال الجدد»، وعجزها «عن تأمين فرص عمل جديدة للعاطلين عن العمل»، وبدء تخلي الدولة «عن جزء كبير من دورها الاجتماعي الاقتصادي»، ونشوء «فئات طفيلية داخل القطاع العام تعيش على العمولات والفساد» (ص ٨١١.) في رأي الكاتب أن «تآكل الطبقة الوسطى من حيث القدرات لم يعنِتآكل الطبقة الوسطى من حيث الحاجات»؛ إذ في مثل هذه الدول تتوسع الطبقات الوسطى «باستمرار من حيث الثقافة نتيجة لانتشار التعليم العالي، وازدياد أعداد الخريّجين، وتتقلّص اقتصاديًا في الوقت ذاته». وفي حالة تونس، «يبلغ عدد الخريّجين ثمانين ألف خريج سنويًا بأرقام عام »2010 (ص ٩١١)، وهو ما يعني أن الاستثمار في التعليم «لم يعد عاملً في التقدّم الفردي والاجتماعي، بل قد يتحوّل إلى عبء مع بطالة الخريجين» (ص ٠٢١.) أدّت زيادة معدلّات البطالة والهجرة وتراكم الديون وغلاء الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية إلى توليد احتجاجات «أبرزها احتجاجات منطقة الردّيف في عام 2008، واحتجاجات منطقة بن قردان في عام »2010، اختلطت فيها «النقمة على الفقر بالنقمة على الفساد والمحسوبية في الدولة، لتشكل مادة مشتعلة تسعّر نار الغضب» التي واجهتها السلطة بالقمع، الأمر الذي يوضح عجزها «عن تلبية مطالب المحتجين» (ص. ٢٢١) ويرى الكاتب أن انتفاضة الحوض المنجمي التي اندلعت في كانون الثاني/يناير 2008 شكّلت «حدثًا مفصليًا في تاريخ العمل النقابي في عهد الرئيس المخلوع (...) باعتبارها أوّل انتفاضة ‹احتجاجية› انتشرت واتّسع مداها، ورفعت مطالب سياسية منذ انتفاضة الخبز عام 1984 (...) كما شكّلت (...) مقدمة لسلسلة من الاحتجاجات التي قادت إلى الثورة الأخيرة» (ص ٤٢١). انتهت الانتفاضة آنذاك إلى وعود شفوية من السلطة، لكنها شقّت الطريق لنمو حركة متواصلة من الاحتجاجات أخذت تظهر في الأطراف لتصبح ثورة شاملة بدأت بحوادث ولاية سيدي بوزيد (معتمدية الشرقية)، وهي المركز الإداري والاقتصادي للولاية، بعدها معتمدية المكناسي، ثم ولاية القصرين (ص ٨٢١.) بدأت الثورة في الولايات الطرفية لكنها انتقلت إلى المدن، والسبب «أنه في الدول التي تنقسم بموجب نمط التنمية الاقتصادية الاجتماعية إلى مركز وأطراف، يكون للأطراف ذاتها

مراكز جهوية، ويكون للمركز أطرافه المحلية» (ص ٥٢١)، لذلك استقبلت الأحياء الفقيرة في ولاية تونس الانتفاضة «التي أشعلتها الولايات الطرفية» (ص ٩٢١.) لماذا بدأت الانتفاضات في مناطق الوسط والجنوب؟ يرى الكاتب «إنها المناطق الأكثر تضرّرًا من النمو المناطقي اللامتكافىء على المستويات كافة» (ص ٢٣١)، وذلك عندما قرر بن علي «التخلي نهائيًا عن دولة القطاع العام لصالح الليبرالية الاقتصادية، ما أدى إلى ارتباك أو تخلخل في العقد الاجتماعي لدولة بورقيبة والشعب التونسي» (ص ٣٣١.) وساهمت تلك السياسات في توزيع غير عادل للتنمية، وهو ما دفع الأفراد إلى الانكفاء والبحث عن مظلة للحماية، إذ تمثّل الجماعة الأهلية أو صلة القرابة «في هذه المناطق نفسها ملجأ للفرد» (ص ٥٣١). وفي حالة سيدي بوزيد، «تمثل الجماعة الأهلية، سواء أكانت العشيرة أم العائلة أم غيرها، ملجأ للفرد في الملمات»، وأدّت هذه الحالة «مع قواعد الناشطين الحزبيين وغير الحزبيين دورًا لا يتناقض مع كرامة الفرد، بل يحتضن كرامة الفرد كجزء من كرامة الجماعة عندما تقوم الدولة بإذلال الأطراف» (ص ٨٣١.) إلى هذه العوامل المركّبة من عناصر اجتماعية واقتصادية وأهلية، معطوفة على تهميش وإذلال وفساد، أدى الإعلام دوره في الربط والنقل والتثوير؛ فعدد مستخدمي الفيسبوك في تونس أكثر من مليونين ومئتي ألف مستخدم (نسبة 25 في المئة من سكان البلاد)، وبلغ عدد مستخدمي الإنترنت 4 ملايين (34 في المئة من عدد السكان.) وهذه «الشبكة العنكبوتية ووسائل الاتصال الاجتماعية والنيوميديا تشكّل سوية مجالً اجتماعيًا جديدًا لتشكّل قوى اجتماعية وسياسية قادرة على الارتفاع عن شروط الحياة المادية» (ص ٦٤١). فالإعلام «الجديد هو جزء من الواقع الجديد الذي يجري فيه العمل السياسي» (ص ٩٤١)؛ إذ كان «التقاء عالم الصورة المنقولة بواسطة ‹يوتيوب› مع التعليق عليها وتحويلها إلى رمز بواسطة الشبكات الاجتماعية فاعلً منذ اللحظة الأولى» (ص ٠٥١.) إلى الإعلام، قامت الأحزاب المحظورة (حركة النهضة الإسلامية، وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وحزب العمال الشيوعي) إلى جانب الحركة النقابية (قواعد وفروع الاتحاد العام التونسي للشغل) والاتّاد العام لطلبة تونس والمنظمات الحقوقية بدور خفي في التلاقي مع حركة الشارع وتمرده على السلطة (ص ٢٧١-٦٨١). و«كان هناك مشاركة ودعم من الجمعيات الأهلية في التغطية الأمنية للبلاد وحراسة المنشآت والتعاون مع الجيش والشعب في ذلك بعد انسحاب قوات الأمن وفراغ الشارع (...) وفي يوم الجمعة 14 كانون الثاني/يناير انطلقت من أمام مقر الاتحاد التونسي للشغل مسيرة في اتجاه شارع الحبيب بورقيبة، حيث مقر وزارة الداخلية التونسية. وكانت تلك المسيرة خاتمة للمرحلة الأولى من الثورة وإيذانًا بنهاية بن علي كرئيس للبلاد» (ص ٨٧١.) الأسباب والسياقات والتّحديات أصدر المركز العربي للأبحاث كتابه الثاني عن «ثورة تونس» ساهمت في كتابته مجموعة مؤلّفين تناولت مختلف الأسباب والسياقات

والتحديات، بدءًا من القرن التاسع عشر حتى لحظة سقوط النظام. منذ القرن التاسع عشر بدأت الإرهاصات الدستورية تطرق أبواب تونس؛ فهي كانت السبّاقة في العهد العثماني في إصدار ميثاق «عهد الأمان» سنة 1857، وهو ما ساهم لاحقًا في صوغ دستور 1861 الذي أعطى مشروعية سياسية لاندلاع ثورة 1864 وانتزاع استقلال جزئي تحت مظلة الحكم العثماني. لكن تونس، وبحكم موقعها الجغرافي القريب من أوروبا، تعرضت في سنة 1881 للتدخل الاستعماري والاحتلال الفرنسي (٣). أخّر الاحتلال نمو هيئات «المجتمع المدني» لكنه لم يعطله، إذ تأسس أول حزب سياسي سنة 1920 (الحزب الحر الدستوري)، وتشكلت أول نقابة في سنة 1924، وهو ما أعطى قوة دفع للتصادم مع الاستعمار في سنة 1946 (ص ١٢١-٧٣١.) تُعتبر الحركة النقابية في تونس من أعرق التنظيمات الاجتماعية في المنطقة العربية؛ إذ بدأت نواتها الهلامية تتكون في أواخر القرن التاسع عشر، الأمر الذي ساعدها على المشاركة في أول إضراب اندلع في سنة 1902 والبدء في تشكيل نواة تأسيسية أخذت تجذب أصحاب المهن والحِرف والعمال للتنسيق والتعاون على صوغ برامج مطلبية تجمع ما بين السياسي والاجتماعي، وهو ما أعطى المجال الحيوي لتشكيل الاتحاد العام التونسي للشغل واضطلاعه لاحقًا بدور الشريك في بناء الدولة الوطنية (ص ١٧٢-٥٩٢.) تأسس الاتحاد رسميًا في سنة 1946 على قاعدة تلازم الكفاح السياسي والكفاح الاجتماعي. وجاء التأسيس في سياق تراكمي بدأ بهبوب انتفاضات عمالية في السنوات 1924 و 1937 و 1946، وبالتزامن مع نمو دور الحزب الحر الدستوري الذي تعرض لانشقاق قاده جناح الحبيب بورقيبة وإعلانه تشكيل «الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد» سنة.1934 بدأ المسار المدني للانتفاضات يأخذ أبعاده السياسية – النقابية حين عادت القيادات من فرنسا (فرحات حشاد) وسارعت إلى إنشاء مشروع تعاوني (التعاضديات) بقيادة النقابي محمد علي الحامي، وبدعم من المصلح الاجتماعي الطاهر الحداد، فجرت إضرابات وتلتها إضرابات أخرى، وهو ما استوجب تأسيس جامعة نقابية أخذت تقوم دور المُدافع عن المطالب العمالية (الشغيلة) بالتوازي مع دعم التوجه الوطني للحزب الدستوري الذي كان يقود عملية التحرر بزعامة بورقيبة وصالح بن يوسف (ص ٢٧٢-٤٧٢.) شن الاتحاد العام التونسي للشغل إضرابًا في سنة 1947 ليتلاءم مع استراتيجية الحزب الدستوري الجديد الذي قاد معركة تحرير البلاد من السيطرة الاستعمارية، وصولً إلى إعلان حركة مقاومة في سنة 1952 (أحمد التليلي) واغتيال فرحات حشاد في سنة 1953، واضطرار فرنسا إلى إجراء مفاوضات في سنة 1955 وموافقتها على استقلال تونس في سنة 1956 (ص ٥٧٢-٧٧٢.) كان الاتّاد (جامعة النقابات) شريكًا مدنيًا لنضال الحزب الدستوري وطموحه في تحقيق الاستقلال. ولكن الشراكة التي عبّ عنها أحمد بن صالح في سنة 1955 بتوقيع بروتوكول التعاون أخذت تتبدل بعد الاستقلال، حين بدأت السلطة الضغط لفصل المسار الاجتماعي

عن السياسي. وأدى الضغط إلى ظهور الحزب الحاكم في حال ضياع وفراغ بسبب عدم امتلاكه برنامجًا واضحًا يبني عليه مفهومه للدولة الجديدة المستقلة عن فرنسا. وترافق الأمر مع نمو الخلاف بين أجنحة الحزب وظهور صراع داخلي حاد بين تيار بورقيبة وتيار بن يوسف (ص ٨٧٢-٩٧٢.) اعتمد بورقيبة آنذاك على دستور 1959 الذي أعطى منصب الرئاسة أولوية ليتطور لاحقًا إلى نظام رئاسي يجمع السلطات كلها في يد رئيس الجمهورية، وهو ما جعله يمتلك القدرة على التلاعب بالنصوص والقوانين، مستخدمًا «المركزية الإدارية» التي تساهم في تعزيز نفوذ الرئيس وتوسع مجال الامتداد التراتبي للسلطة وعدم تداولها والتحكم في قراراتها والانقلاب عليها عند الاضطرار (٤). انحاز الاتحاد إلى بورقيبة الذي دعمته فرنسا، فأدى ذلك إلى تغيير قيادته وعزل صالح بن يوسف وانتخاب أحمد التليلي (رفيق فرحات حشاد) لرئاسته في سنة 1956، وهو ما ساعد على عودة التجانس مع الحزب وتواصل التنسيق إلى درجة التحالف في سنة 1959 (٥). استفاد بورقيبة منذ البداية من تراث ابتعاد تونس عن المركز العثماني في فترة خير الدين باشا التونسي في القرن التاسع عشر (دولة التنظيمات)، وصدور عهد الأمان في سنة 1857 ليؤسس على قاعدة تلك التجربة المتوارثة سلطة قررت «التوجه العصري العلماني» لبناء الدولة الحديثة. كانت العلمانية واضحة في سياسة بورقيبة، حين تأثرت توجهاته بقرارات كمال أتاتورك (العلمانية الفجة) وبدستور فرنسا لسنة 1958 (الجمهورية الخامسة)، الأمر الذي أعطاه ذريعة أيديولوجية للابتعاد عن العروبة والقضايا الإسلامية والأفريقية والآسيوية (٦). أدّى فشل تجربة السنوات الست الأولى من الاستقلال إلى عودة سياسة «التعاضد» الاجتماعية في سنة 1962، مترافقة مع إبعاد الاتحاد التونسي عن الشراكة في اتخاذ القرارات، فاندفعت النقابات إلى الاحتجاج بدءًا من سنة 1964، ما عزز عودة التنافس بين الحزب الحاكم والاتحاد، فاضطرت السلطة لاحقًا إلى إبعاده، خلال محاكمة الحبيب عاشور في سنة 1965، ثم الارتداد على سياسة التعاضد ووقف التوجهات الاشتراكية في سنة 1969 (٧). ويؤشر الاختلاف والاتفاق ثم الاختلاف والاتفاق بين الحزب السياسي والاتحاد النقابي إلى عدم وجود نزعة أيديولوجية صارمة في توجهات السلطة. كان الاتحاد التونسي للشغل قد انتقل وقتذاك من المعارضة إلى المساومة، وبدأت السلطة عملية تدجينه بعد هبوب حركات احتجاجية عمالية ضربت مختلف القطاعات من سنة 1970 إلى سنة 1977، تلتها أزمة هيكلية للنظام بسبب فشل خطط التنمية الاقتصادية وظهور معالم انهيار في سنوات 1977 و 1978 و 1979. وخوفًا من سقوط الحزب الحاكم، اضطرت السلطة إلى مد خطوط الاتصال والتواصل مع الاتحاد الذي اتسعت شعبيّته وامتدت قاعدته النقابية بعد إذ تجاوز عدد المنتسبين الأعضاء حدود 400 ألف عامل؛ ذلك أنه استقطب في فترة السبعينيات جميع المتضررين من سياسة الحكومة، فتحول إلى ما يشبه الملاذ الآمن لمختلف الراغبين في الانخراط في صفوفه من متعلمين ومهمّشين ومناضلين (٨).

خلال فترة التعايش بين حزب السلطة واتحاد الشغيلة، جرى ما يشبه الانفتاح السياسي على المعارضة المدنية، فتأسست الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، وصدرت صحيفة الرأيفي سنة 1977. لكن التوتر عاد حين اكتشف الحزب الحاكم أن الاتحاد تحوّل إلى قوة بديلة للمعارضة ودخل في تنافس نقابي ضد الحزب، وهو أمر قد يشكّل ازدواجية في السلطة، فأخذت العلاقات تتدهور وصول إلى التصادم مع حكومة الهادي نويري في سنة 1977 وحصول مواجهة دموية حين أعلن الاتحاد الإضراب العام سنة.1978 وأسفر الاصطدام (الخميس الأسود)، الذي استخدمت فيه السلطة ميليشيات الحزب لقمع العمال، عن تراجع موقع الاتحاد وانكماشه (٩). على خط مواز لجأ نظام بن علي بعد الانقلاب إلى اتباع سياسة اقتصادية انفتاحية على العالم وأوروبا، فوقّع اتفاقات مع المنظمة العالمية للتجارة في سنة 1994 واتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في سنة 1995، وبدأ يقلص القطاع العام، متّبعًا سياسة الخصخصة (فوق القانون بين سنتي 1987 و 1998) وبيع المؤسسات والتهرب الجبائي، الأمر الذي ساهم لاحقًا في تحقيق نمو ضعيف وتردّي الأوضاع وتراجع التحويلات وتأخر المناطق الداخلية وظهور فوارق جهوية وانعدام التوازن بين القطاعات المنتجة والاستهلاكية. وأدى هذا التراجع العام إلى تعاظم حركات الاعتراض وظهور احتجاجات بين سنتي 1998 و 2000، وهو ما دفع السلطة إلى استخدام القوة لوقفها أو منعها. وعلى الرغم من انتشار قواعد الاتحاد وتحالف قيادته مع السلطة، فإنه لم ينجح في الحد من تنامي الاضطرابات العمالية وامتدادها إلى مناطق جهوية؛ فمع أن الاتحاد أقر بضرورة استمرار الهدنة مع النظام، فإنه تحول بحكم الضرورة السياسية إلى ملجأ دفع بالكثير من الخائفين والهاربين للانضمام إليه، فتحولت مقاره المدجنة إلى مربعات آمنة للمعارضة. أتاح ضعف الأحزاب في بداية الانتفاضة المجال لفروع الاتحاد كي تقوم بدور قيادي لتحريك غضب الناس؛ فهو يضم أكثر من مليون عضو في صفوفه، ويتمتع بصدقية سياسية معطوفة على تراث نضالي وعراقة تاريخية في الجمع بين الوطنية والمطالب النقابية الاجتماعية (٠١). ساهمت عوامل ضعف دور الاتحاد وعدم استعداده للضغط على السلطة، وإفراط النظام في استخدام القوة، وبدء تردّي الأوضاع الاقتصادية بعد تطبيق توصيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، في مراكمة أزمة أخذت تنتفخ والتدحرج بسبب ارتفاع نسبة الفقر والبطالة والعطالة في قطاع الخريجين وأصحاب الشهادات، إضافة إلى ظهور رأسمالية طفيلية أضاعت الكثير من فرص العمل وأفلست عشرات المؤسسات في سنة 2007. وترافق ذاك التراجع الاقتصادي مع نمو طموح الرئيس في احتكار السلطة وضبط مراكزها في دائرة واحدة. إلى جانب مأسسة الرئاسة واختصارها في شخص الرئيس، قام بن علي بإضعاف هيبة الجيش وموقعه ودوره حين تسلم مقاليد الحكم بدعم من وحدة الطلائع التابعة للحرس الوطني. وحين حصل الانقلاب لم يضع القيادات العسكرية في صورته إلا في اللحظات الأخيرة. وزيادة في التهميش، أنشأ

بن علي مجلس الأمن القومي وعهد إليه مهمة جمع المعلومات بشأن السياسات الداخلية والخارجية وتحليلها وتقييمها، ولم يكن للجيش دور يُذكر في القرارات. كذلك أقدم على تطهير المؤسسة العسكرية على دفعتين (في سنة 1991 وفي سنة 1994) لضمان عدم تدخّله أو اعتراضه؛ فالأمن عنده قبل الجيش، لذلك لجأ إلى إضعافه رويدًا وتغيير مهماته وتعطيل تجهيزاته وعدم تحديث أسلحته وإقرار موازنة هزيلة (1.4 في المئة من الناتج المحلي، وهي ضئيلة قياسًا بمصر التي تصل نسبة موازنة جيشها إلى 4.3 في المئة من ناتجها المحلي) (١١). اختلف موقع الجيش ودوره في تونس منذ قيام حركة الاستقلال ولحظة تأسيس الدولة؛ فالمؤسسة العسكرية منذ عهد بورقيبة تُعتبر فريدة في نوعها مقارنة بالمؤسسات العربية. وهي تميزت بالمهنية ولم تتورط في انقلابات بعد أن وضع الرئيس المتفرد بالحكم ضوابط صارمة تمنع الجيش من التدخل في السياسة، وحدد دوره في المهمات الدفاعية والولاء للوطن والدولة. جرى أحيانًا إقحامه في ضبط الأمن كما حدث في السبعينيات، حين تدهور الوضع السياسي والاقتصادي. إلا أن تلك الواقعة استثنائية وليست قاعدة للحكم الرئاسي الفردي. وحتى حين ترهل النموذج البورقيبي للدولة، كان الجيش غير مجهز لدور ضابط القمع للاحتجاجات الاجتماعية، كما أن بنيته غير مستعدة أيديولوجيًا (تربيته السياسية) للقيام بدور الأداة القمعية الطيعة لأوامر السلطة، لذلك استعان بن علي بوحدة الطلائع التابعة للحرس الوطني للقيام بمهمة إطاحة بورقيبة (٢١). في العهد السابق نجح بورقيبة جزئيًا في حماية رأسه، لكنه أُخرج في النهاية من السلطة بالقوة. وتكرر الأمر مع بن علي الذي حاول الالتفاف على القوانين من دون اهتمام بالأزمة الاقتصادية وصعوبات احتواء تداعياتها، فلجأ إلى إجراء ترتيبات تسمح له بالتمديد على الرغم من أنه دخل مرحلة شيخوخة لا تضمن له الإمساك بأوضاع بلد يتعرض لضغوط أمنية وسياسية من جيرانه. مرّة أخرى تكرّرت تجربة بورقيبة: الجيش لم يتدخّل لحماية رأس السلطة فاضطر بن علي إلى الانسحاب والخروج من البلاد. ليبيا وتونس: القبيلة والجهة كيف كان الوضع في تونس مقارنة بالجار الليبي والمتغيرات المصرية؟ يرى الكاتب محمد نجيب أبو طالب أن «بقايا البنى التقليدية، وبخاصة القبلية، ظلت تعرقل نشأة مكونات المجتمع المدني وتطورها وأداءها في هذه المجتمعات» (٣١). هناك اختلاف بين ليبيا وتونس في البنية القبلية؛ فهي في ليبيا لا تزال ذات دور قوي وفاعل بينما في تونس «عرفت [...] تفككًا حقيقيًا في بنيتها الفاعلة» لكنها «احتفظت ببقايا من الإرث القبلي، بأبعادها النفسية والرمزية»... (ص ٧١.) في رأي بو طالب أن دوافع الانتفاضات العربية «لا تكمن في العوامل الاقتصادية والسياسية وحدها، وهي ليست بمعزل عن تأثير العوامل الاجتماعية والثقافية المرتبطة أساسًا بالظاهرة القبلية» (ص ٢٥). ويوضح كيف أن النظام وكذلك المعارضة في ليبيا استخدما القبيلة حين اندلعت انتفاضة

17 شباط/فبراير 2011؛ إذ عُمل على «إعادة تشكيل هذه التحالفات، من خلال تبدل أسس الولاء للنظام» (ص ٢٧)، حين «انخرطت الجماعات في هذا الموقف، على نحو تدريجي يحمل هويات المناطق والمدن والقرى والقبائل والعائلات» (ص. ٥٧)، فقد نجحت المعارضة في الاستفادة من «السياسات القائمة على نظام المحاصصة القبلية» (ص ١٨)، وهو ما أدّى إلى تسارع «في تغيير مواقف القبائل المعروفة بتحالفاتها القديمة مع النظام وولائها له» (ص ٢٨.) بعد سقوط نظام القذافي، بدأت «عودة الحميميات إلى المناطق والجهات وإلى المناطق القبلية (...) وبروز ولاءات قوية للمناطق والجهات لدى الفاعلين السياسيين تكاد توازي ولاءهم الوطني (...) وازدياد ‹افتخار الجماعة أو المنطقة بذاتها الجماعية›» (ص ٣٨- ٤٨)، وهذا ما أدّى إلى وقوع صدامات قبلية – جهوية في معظم الأراضي الليبية بعد انهيار النظام والتنافس للحصول على الغنيمة (ص ٥٨-٨٨.) الفارق بين ليبيا وتونس «أن ليبيا لم تعرف نزعة المطلبية الجهوية كما عرفتها تونس خلال الثورة وبعدها». وسبب الاختلاف أن «الثورة ذات بُعد اجتماعي في تونس، بينما كانت في ليبيا ذات بُعد سياسي» (ص ٩٨). كما أن هناك روابط قبلية بين ليبيا وتونس ناتجة من هجرات متواصلة وموجات كبيرة جرت في سنوات 1858 و 1863 و 1913 (ص ٣٩-٤٩.) وتعززت المسألة باللجوء السياسي أو النزوح، كما حدث حين اندلعت الثورة في ليبيا واضطر 100 ألف شخص إلى الاستقرار في مناطق الجنوب التونسي (ص ٩٩.) حاولت الدولة في تونس بعد الاستقلال دمج القبلية في الهوية الوطنية، ولم يترك بورقيبة فرصة إلا وهاجم القبلية (ص ٦٠١)، لكن المحاولات لم تستطع «أن تلغي كل الهياكل الأهلية أو تحل محلها»، فهناك مبالغة «في تعميم ونشر فكرة أن المجتمع التونسي قد تغير بطريقة جذرية» (ص. ٨٠١-٩٠١). وكل أساليب بورقيبة التدخلية العنيفة فشلت في القضاء على البنى التقليدية ولم تستطع «إلغاء كل مظاهر الانتماء إلى القبيلة ثقافيًا ونفسيًا واجتماعيًا» (ص ٠١١-١١١)، وهذا ما أخذ يظهر بعد سقوط نظام بن علي حين انفجرت صراعات بين جماعات قبلية «في جهات محددة تميزت بالتهميش الاقتصادي والسياسي خلال عدة عقود» (ص ٢١١). لكن هذه الحوادث لا تعني أن تونس مهددة بالانهيار؛ إذ إن التركيبة «المجتمعية لا توحي بإمكان حصول انقسامات مهددة أو صراعات معطلة» (ص ٤١١.) هناك إشارات تدل على نهوض نزعة قبلية، مثل عملية الانتماء إلى بعض الأحزاب على أساس عائلي وجهوي، وحشد الدعم للمرشحين وتعبئة الأتباع من خلال «استنهاض الحمية القبلية»، والاستنجاد بالأقارب في معارك جهوية (ص. ٠٢١-٢٢١)، وهو ما يثير مجددًا «مفهوم اللااندماج» الاجتماعي والاقتصادي والسياسي «لدى المجموعات السكانية ذات الأصول المتعددة، في عدد كبير من القرى والمدن»، كما جرى في «بعض مظاهر السلوك السياسي ذي الأبعاد القبلية والجهوية» في انتخابات المجلس التأسيسي في 2011/10/23 (ص ٨٢١.) تدل المؤشرات على وجود جهوية سياسية تمثّل «أقصى درجات اللامركزية في إطار

الدولة الموحدة» (ص ٨٣١)، بسبب استفحال «ظاهرة التهميش الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإعلامي، في عدد من الجهات، وبخاصة في الشريط الداخلي المقابل للشريط الساحلي» في عهد بورقيبة (ص ١٤١)، وهو ما ساهم في ظهور «جهوية ثورية» حين اندلعت الثورة (ص ٢٤١.) مظاهر الصورة في ليبيا تختلف بسبب امتدادها الجغرافي الذي «أدى إلى ظهور تنوع اجتماعي تبدو ملامحه باقية حتى اليوم » (ص ٤٤١)؛ إذ كشفت الثورة «عيوب النظام السابق، وبخاصة ما يتعلق بتفاوت التنمية بين المناطق والجهات الليبية» (ص ٥٤١)، وظهرت علنًا بوصفها نتيجة «انعكاسات لبقايا النزاعات المركزية والأبوية» (ص ٦٤١)، وهذا ما يؤشر إلى احتمال ضمور الظاهرة وزوالها بزوال أسبابها (ص ٨٤١). والاختلاف بين تونس وليبيا يكمن في أن القبيلة في تونس كانت «وسيلة لاحتماء الأفراد من الدولة»، بينما في ليبيا كانت «وسيلة لاحتماء الدولة من الأفراد» (ص ١٥١.) أخيرًا يدعو بو طالب إلى الاعتراف بوجود مشكلة حتى تتمكن السلطات البديلة من وضع تصورات وخطط تنمية، تتجاوز فترة التمييز بين المناطق وتهميش جهات وفئات من المجتمع. فالنزعة القبلية تعود إلى الاشتعال «خلال فترات التأزم الاجتماعي» وعدم «قدرة المجتمع المدني على تحقيق عملية إدماج المواطنين جميعًا في نسيجه وهياكله» (ص ٤٦١-٥٦١.) مخاوف وتحفظات هناك إذن مشكلة مركّبة من عوامل تقليدية متوارثة مضافة إلى عناصر «حداثوية» اختلطت مع أجهزة القمع وتحكم السلطة في مصير الناس وحياتهم اليومية. وقد أدى انفجار المشكلة المركّبة إلى ظهور خريطة سياسية غير متجانسة في هوياتها الصغيرة وتوجهاتها الأيديولوجية. وشجّع هذا الاختلاف إلى صدور قراءات تعيد النظر بالتوقعات، كما فعل سهيل الحبيّب في مراجعاته. يشكّل كتاب المفاهيم الأيديولوجية في مجرى حراك الثورات العربية مجموعة قراءات (أوراق) كُتبت «خلال عامين ونصف العام تقريبًا، أعقبت ثورة 14 يناير 2011، وهو تاريخ هروب الرئيس زين العابدين بن علي من تونس ودخول البلاد في مسار انتقالي غايته تحقيق التحول الديمقراطي وبقية الأهداف التي رفعت شعاراتها الجماهير الثائرة منذ 17 كانون الأول/ديسمبر 2010 (الكرامة والعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد والرشوة... إلخ») (٤١). تحدّثت الورقة الأولى عن علاقة إشكالية (تفارق) بين «الطابع الاجتماعي العفوي الذي اتخذه الحراك الاحتجاجي، والطابع السياسي المنظم الذي يفترضه العمل الديمقراطي»، لذلك أبدت تخوفها «من تحوّل الانفتاح السياسي إلى فرصة لانفجار المشاعر الانقسامية والتقسيمية»، وهو ما يعني «أن مسير الثورات الشعبية إلى صيرورة التغيير الإيجابي ليس محسومًا سلفًا» (ص ٢١-٣١ وتحدّثت). الورقة الثانية عن انتخابات 23 تشرين الأول/ أكتوبر، ورأت فيها «أن إشكالات عديدة كامنة خلف هذا المشهد الانتخابي تتطلب المعالجة والحسم...» (ص ٤١ وأشارت). الورقة الثالثة إلى «التدافع الديني» واحتمال أن يتخذ «صيغة المواجهة العنيفة أو الدموية»

وظهور «دراماتيكية الصدام بين الديمقراطية والوطنية» (ص ٤١.) يرى الحبيّب أن هذه الورقات لم تكن «مجرد تحليل للوقائع والحوادث، إنما كانت تحليل نظريًا نقديًا لإشكالات الانتقال الديمقراطي في الوطن العربي» (ص ٧١)، وهو ما يؤكّد «أن ثمة مآزق ومخاطر حقيقية تهدد مسارات بلدان الثورات العربية» (ص ٨١)، لأن القيم الحديثة والدنيوية تحوّلت إلى أسس لعصبيات وتكتلات عضوية، الأمر الذي يؤشر إلى افتقار هذه القيم الحديثة «إلى الجذور الشعورية والتاريخية»، وأيضًا إلى «ضعف ما يُسمّى بالمجتمع المدني الذي كان ولا يزال بعيدًا عن المجتمع» (ص ٥٥-٧٥.) لذلك، يقول الكاتب إن المسار التونسي «لا يأخذ في اعتباره الشطر الاجتماعي» بل شمل «أبعادًا ذات طابع هوياتي عقائدي (...) وذات طابع هوياتي جهوي وقبلي» (ص ٧٦)؛ فهناك تباين في المشهد «بين إيقاع المسار السياسي (...) وإيقاع المسار الاجتماعي» (ص. ٨٦)، وهذا ما أدى إلى تحوّل في خطاب النخب التونسية وتجسد «في الانزياح من الحديث عن العوائق التي تسكن البنى السلطوية والتشريعية إلى الحديث عن العوائق الكامنة في البنى المجتمعية» (ص ٣٠١). وأصبح الحكام الذين أتت بهم الشرعية الانتخابية ينظرون إلى المظاهر الاحتجاجية في المناطق المحرومة «من موقع السلطة المسؤولة لا من موقع الأطراف السياسية التي تخشى على الثورة من التفاف الثورة المضادة» (ص ٨٠١)؛ فقد «انقلب سُلّم الأولويات ومعايير الفعل الإيجابي في خطاب الأطراف المنتصرة في الانتخابات» (ص ١١١.) ودخل خطاب المنتصرين انتخابيًا «في تناقض جوهري مع الخطاب الثوري اليساري الراديكالي السابق» (ص ٥١١)، والسبب هو «أن التحول الديمقراطي إنما هو تحوّل إصلاحي مجتمعي شامل، وأساسه تحوّل ثقافي، وليس تحوّلً ثوريًا» (ص ٨٣١-٩٣١)؛ إذ يفضي مسار الديمقراطية «بهذا المنطق الأيديولوجي (...) إلى نتائج عكسية تمامًا، أي يفضي إلى الفوضى التي تمهد لاستبداد جديد كما يشهد على ذلك سيناريو ما بعد 30 يونيو 2013 في مصر» (ص ٦٣٢.) لذلك يرى الحبيّب أنه لا بد من «تشغيل الأيديولوجيا العربية المعاصرة باعتبارها مفهومًا تحليليًا نقديًا، بهذا المعنى يساهم في تقديرنا في تحقيق المناط النقدي في المعرفة النظرية والعقلانية التي تحتاج إليها الثورات العربية الراهنة من أجل تصحيح مساراتها المتعثرة» (ص ٣٣٢.) تصحيح المسارات المتعثرة مسألة وقت، وهي تحتاج إلى إعادة نظر في خطاب المعارضة التي انتقلت فجأة من الشارع (أو خرجت بسرعة من السجون) إلى السلطة لتكتشف تلك المفارقة بين البرنامج النظري وتعقيدات الواقع. هذا الاختلاف بين المستويين لا يعني أن النظرية (حق الشعوب في التغيير والاختيار) غير صحيحة، كما يذكر بشارة في كتابيه، بل الواقع غير صحيح ويحتاج إلى إصلاح وتصحيح. إشكالية الموضوع المذكور لا تقتصر على تونس وليبيا، وإنما تنسحب على مصر واليمن وسورية... أيضًا، وهذا ما سيتم التطرق إليه في مراجعات لاحقة للكتب التي صدرت عن المركز العربي للأبحاث بشأن تلك الانتفاضات والمتغيّ. ات

الهوامش