Return to Article Details Social Cohesion in Lebanon’s Secondary School Curriculum: Effects on Students’ Attitudes

دلالات تأثير تهميش التماسك الاجتماعي في المدارس الثانوية في اتجاهات التلامذة السياسية والاجتماعية والمدنية بلبنان

Social Cohesion in Lebanon’s Secondary School Curriculum: Effects on Students’ Attitudes

مها شعيب*

الملخّص

* مديرة مركز الدراسات اللبنانية، حائزة دكتوراه في التربية والتعليم من جامعة كِمبريدج، ومتخصصة بعلم الاجتماع التربوي.

Abstract

Ending Lebanon’s civil war, the 1989 Taif Agreement focused on the role of education in strengthening social cohesion, paving the way for a new Lebanese school curricula that came into effect in 1997. Almost 20 years after its implementation, and given the increase of sectarian strife in Lebanon, Shuayb examines the extent to which Lebanon’s education system contributes to the strengthening of social cohesion in the country. Based on a sample of 24 secondary schools –including government, public, private, religious and secular schools – Shuayb investigates the approaches currently being followed in Lebanese secondary schools to foster social cohesion, and the implications these practices have for the political, sectarian, and social attitudes of pupils. To this end, Shuayb conducted extensive student surveys as well as interviews with Lebanese teachers and administrators. Her findings reveal that most schools under study have a narrow understanding of social cohesion, limited to religious pluralism and citizenship and excluding the concept of social justice.

الكلمات المفتاحية:
  • تماسك اجتماعي
  • مدارس ثانوية
  • لبنان
  • اتفاق الطائف
  • تعددية مذهبية
Keywords:
  • Social Cohesion
  • Secondary Schools
  • Taif Accord
  • Education
  • Citizenship
  • Curricula

ركز اتفاق الطائف 1989)(الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان على الدور المهم الذي

يمكن التربية أن تؤديه في تعزيز التماسك الاجتماعي. وبناء عليه، طُورت سياسة تربوية

تبنّت التربية على المواطنة كأحد الهدفيين الرئيسيين لمناهج ما بعد اتفاق الطائف التي دخلت

حيز التطبيق في سنة.1997 بعد مرور زهاء العقدين على تطبيق المناهج  الجديدة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه

هو: إلى أي مدى  تساهم المدارس والنظام التربوي في تعزيز التماسك الاجتماعي في لبنان؟

وإزاء ازدياد التشاحن الطائفي في لبنان، وبشكل خاص منذ اغتيال رئيس الحكومة السابق

رفيق الحريري، وبلوغه الذروة في الاشتباكات المسلحة سنة ٨٠٠٢، تصبح الإجابة عن

السؤال أعلاه أكثر إلحاحًا.

تعالج هذه الدراسة المقاربات المتّبعة حاليًا في المدارس الثانوية في لبنان لتعزيز التماسك

الاجتماعي، وانعكاسات هذه الممارسات على توجهات التلامذة السياسية والطائفية

والاجتماعية. وقد شملت عيّنة البحث ٤٢ ثانوية، عشر منها حكومية و ٤١ خاصة، بما

في ذلك ثانويات علمانية وأخرى دينية. كما ضمت بعض هذه المدارس تلامذة من طوائف

مختلفة، بينما ضمت أغلبيتها تلامذة من طائفة واحدة. وأُجريت مقابلات مع الأساتذة

والإدارات للوقوف على سياسات المدارس تجاه موضوع التماسك الاجتماعي. كما طُبّق

استبيان لتوجهات التلامذة وآرائهم السياسية والاجتماعية، وذلك بغية معرفة أثر سياسات

المدارس في آرائهم. أظهرت نتائج الدراسة لدى أغلب المدارس مفهومًا ضيقًا للتماسك الاجتماعي انحصر في

التعددية المذهبية والمواطنة، ولم يشمل مفهوم العدالة الاجتماعية. كما لاحظت الدراسة

وجود خمس مقاربات للتماسك الاجتماعي تلازم بعضها مع توجهات طائفية لدى التلامذة.

خريف 2014

مقدّمة

شغل تصميم نظام تربوي يعزز التماسك الاجتماعي حيزًا كبيرًا في عقول صانعي السياسات

التربوية والأخصائيين التربويين خلال العقدين الماضيين. وتنوعت الاستراتيجيات والمفاهيم

المطروحة لتحقيق هذا الهدف، فاختلفت التسميات والتعريفات والمقاربات لهذا المفهوم، منها ما ركز

على تعزيز المساواة في فرص الحصول على التعليم، ومنها ما ركز على جانب الانصهار الوطني. تهدف

هذه الورقة إلى تسليط الضوء على كيفية مقاربة وممارسة المدارس الثانوية للتماسك الاجتماعي في لبنان،

لتعرض تجربته في هذا المجال ومدى فعاليتها. يقدم لبنان حالة مثيرة للاهتمام لدراسة موضوع التربية في سبيل التماسك الاجتماعي؛ فقد أولى هذا البلد

أهمية ملحوظة لتطوير نظام تعليمي يتوخى تعزيز التماسك الاجتماعي بعد الحروب الأهلية التي شهدها.

وقد أشار اتفاق الطائف 989)(1 الذي وضع حدًّا للحرب الأهلية اللبنانية، إلى أن التربية وسيلة أساسية

لنشر التماسك الاجتماعي. بناء عليه، كان الهدف الرئيسي للمناهج الحكومية التي جرى تطويرها في فترة

ما بعد الحرب هو التأسيس لتربية المواطنة. ويجدر الإشارة إلى أن غالبية الثانويات في لبنان هي ثانويات

خاصة (والعديد منها ثانويات دينية) تتمتع، بحسب الدستور اللبناني (المادة 01) بمساحة كبيرة من

الاستقلالية، الأمر الذي يسمح بتطوير ممارسات ونُج متعددة بشأن التماسك الاجتماعي، وهو ما يجعل

لبنان حالة خصبة لفهم دور التعليم الخاص في نشر التماسك الاجتماعي، خصوصًا في الثانويات الدينية. أُجريت هذه الدراسة في 42 ثانوية، عشر منها حكومية و 41 خاصة، بما في ذلك ثانويات علمانية ودينية،

تلامذة بعضها من طائفة واحدة، وتلامذة بعضها الآخر من طوائف متعددة قائمة في المدن والأرياف.

وفي سبيل تحديد النُهج المختلفة التي تتناول التماسك الاجتماعي، وقفت الدراسة على أهداف الثانويات

وأولوياتها وقيمها، ومناهجها الصفية واللاصفية، والبيئة المدرسية، والهيكلية الإدارية وبيداغوجيا التربية

المدنية والتاريخ وعلم الاجتماع والدين.

تعريف التماسك الاجتماعي

للوهلة الأولى يبدو مصطلح التماسك الاجتماعي سهل التعريف؛ إذ غالبًا ما يستخدمه الأكاديميون

والسياسيون لوصف حالة مجتمع ما. ولكن محاولتنا تعريف المفهوم أظهرت مصاعب تحديده، لأن غالبًا

ما يُستخدم بشكل مجازي وغامض. ويعزو جوزيف شان ولارس أُسبيرغ صعوبة تعريف التماسك

الاجتماعي إلى كونه مفهومًا جديدًا، بينما ينتقد شان وآخرون المقاربة السلبية للمصطلح واختصاره

الآفات كلها في المجتمع، كالفقر والعنف والتهميش... إلخ، أو اعتباره عملية أو صيرورة بدلً من

(1) Maha Shuayb, ed., Rethinking Education for Social Cohesion: International Case Studies , Education, Economy and Society (Houndmills, Hampshire; New York: Palgrave Macmillan, 2012).

(((المصدر نفسه.

(((لبنان، وزارة التربية والتعليم العالي، المركز التربوي للبحوث والإنماء، الهيكلية الجديدة للتعليم في لبنان (بيروت: المركز،

(4) Joseph Chan, Ho-Pong To and Elaine Chan, “Reconsidering Social Cohesion: Developing a Definition and Analytical Framework for Empirical Research,” Social Indicators Research , vol. 75, no. 2 (January 2006), and Lars Osberg, ed., The Economic Implications of Social Cohesion (University of Toronto Press, 2003). (5) Chan, To and Chan, “Reconsidering Social Cohesion”.

دلالات تأثير تهميش التماسك الاجتماعي في المدارس الثانوية

اعتباره نهاية أو هدفًا. وعلى الرغم من تعدد تعريفات التماسك الاجتماعي، فإن أغلبها يتفق على أن

التماسك الاجتماعي يتمثل في وجود صلة أو رابط يجمع بين الأفراد ويؤثر في سلوكهم. في الإمكان تصنيف تعريفات التماسك الاجتماعي إلى صنفين: التعددي المعياري

(. Minimalistic and Non-normative (والمبسط غير المعياري (Pluralistic and Normative)

التعددي المعياري

تُعرّف جوديت ماكسويل التماسك الاجتماعي بأنه يمثّل القيم المشتركة والحد من التفاوت في الثروات

والدخل، وأنه شعور عام لدى الناس بقدرتهم على المشاركة في المجتمع ومواجهة التحديات المشتركة،

وبأنهم أعضاء في المجتمع نفسه. تعرّف «شبكة أبحاث التماسك الاجتماعي») The Social Cohesion Research Network (الكندية

التماسك الاجتماعي بأنه العملية الجارية لتطوير المجتمع وخلق قيم وتحديات مشتركة. وفي هذا الإطار

رُكز على أهمية تعزيز تكافؤ الفرص وبناء العملية على أساس الشعور بالثقة المتبادلة والأمل والمعاملة

بالمثل. ويشترط التماسك الاجتماعي وفق هذا التعريف ترابطًا قويًا بين عدد من النتائج الاجتماعية

لسياسات منصفة تشمل الازدهار الاقتصادي والصحة والتعليم والأمن، وتقيّدًا أشد بمعايير السلوك

والقواعد المؤسسية، ومشاركة دؤوبة للمجتمع المدني الاجتماعي، وزيادة الدعم السياسي للرعاية الصحية

الشاملة وسياسات التعليم. ويرتكز هذا النموذج على مفهوم المعاملة بالمثل التي هي الشرط الرئيسي

لتحقيق الاستدامة للنموذج، وإلا تفكَّك التماسك الاجتماعي. فإذا ما شعر الأفراد بأنهم لا يتلقون توزيعًا

متساويًا وعادلً للنتائج الاجتماعية، فإنهم سيصبحون أكثر استياء وأقل استعدادًا للتعاون. ويركز هذا

التعريف على مفهوم توزيعي للعدالة. يرى شان أن المشكلة تكمن في كيفية توزيع الثروات، ولا يزال

النقاش يدور حول أهمية القيم المشتركة في سياسات التماسك الاجتماعي. ولكن لم يحصل مثل هذا التعريف على الإجماع؛ إذ اشتد الجدال حول ما إذا كان ينبغي للقيم المشتركة أن

تكون هدفًا من أهداف التماسك الاجتماعي، كونها تتناقض مع مبادئ الحرية واحترام التنوع. ونتيجة

لذلك، قلَّ التركيز على أهمية وجود القيم المشتركة عنصرًا ضروريًا من عناصر التماسك الاجتماعي.

وأشارت أيريس يونغ إلى أن مفهوم تبنّي قواعد السلوك والقيم التي يعتمدها جمهور متجانس كمعيار

يفرض على الجميع هو مفهوم ظالم، لأنه يضع الأشخاص والمجموعات المهمَّشة في موقع سيئ وأكثر

(6) Judith Maxwell, Social Dimensions of Economic Growth , Eric John Hanson Memorial Lecture Series; 8 (Edmonton: University of Alberta, Dept. of Economics, 1996). (7) Jane Jenson, Mapping Social Cohesion: The State of Canadian Research , CPRN Study; F. 03 (Ottawa: Family NetWork, Canadian Policy Research Networks (CPRN), 1998); J. Lavis and G. Stoddart, “Social Cohesion and Health,” (Working Paper; no. 99–09, Centre for Health Economics and Policy Analysis, McMaster University, Hamilton, Canada, 1999); Mike McCracken, “Social Cohesion and Macroeconomic Performance,” Paper Presented at: CSLS Conference on the State of Living Standards and the Quality of Life in Canada, Château Laurier Hotel, Ottawa, Ontario, 30 – 31 October 1998, and M. Sharon Jeannotte, “Social Cohesion Research Workplan,” (Strategic Research and Analysis; 266, Department of Canadian Heritage, Ottawa, 1997). (8) Dick Stanley, “What Do We Know about Social Cohesion: The Research Perspective of the Federal Government’s Social Cohesion Research Network,” Canadian Journal of Sociology= Cahiers canadiens de sociologie, vol. 28, no. 1 (Special Issue on Social Cohesion in Canada) (Winter 2003). (9) Andy Green and Jan Germen Janmaat, Regimes of Social Cohesion: Societies and the Crisis of Globalization (Hampshire; New York: Palgrave Macmillan, 2011). (10) Iris Marion Young, Justice and the Politics of Difference (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1990).

خريف 2014

تهميشًا، وهو ما يصعب اندماجهم، ويقلل من فرص تنافسهم على المناصب والموارد الشحيحة، ويفرض

عليهم تعديل انتماءاتهم وهوياتهم من أجل الاندماج في المجتمع. ويرى الكاتب أن خطاب الاستيعاب

والقيم المشتركة يحوّل التنوع إلى إقصاء، ويزيد من قوة المجموعة المهيمنة المسيطرة على الأقلية. ويمكن الاستدلال على التقليل من أهمية القيم المشتركة في تعزيز التماسك الاجتماعي في الكثير من المقالات

الأكاديمية والسياسات الحكومية التي كُتبت في هذا المجال مقابل التركيز على التعايش معا.

المبسط غير المعياري

بينما يركز التعريف المتعدد المعياري في المقام الأول على معالجة أوجه عدم المساواة وتعزيز العلاقات

الاجتماعية والتفاعلات، لا ترى التعريفات المبسطة غير المعيارية في المساواة سمة أساسية أو شرطًا

للتماسك، إذ تعتمد المساواة على النظام السياسي والاجتماعي في السياق المحلي. إن أبرز التعاريف المبسطة

غير المعيارية للتماسك الاجتماعي تأتي من غرين وجنمات وتشان وآخرين. عرّف غرين وجنمات التماسك

الاجتماعي بأنه «الميزة التي تجمع مجتمعات بأكملها وأفرادًا من ذاتهم على العمل معًا من دون إكراه، انطلاقًا

من مواقف محددة وسلوكيات وقواعد ومؤسسات تعتمد على توافق الآراء بدلً من الإكراه». أما بالنسبة إلى موقع التربية من التماسك الاجتماعي، فإنه من المستحيل تجنب التعريف المعياري، لكون

التعليم في حد ذاته عملية تحتوي على الكثير من القيم والأهداف الأخلاقية. كما ركز أغلب الأدبيات في

مجال التربية من أجل التماسك الاجتماعي على المساواة وتكافؤ فرص الحصول على التعليم، أقله للمرحلة

المتوسطة والتربية على المواطنة. وجرى نقد هذه المقاربة الضيقة للتربية من أجل التماسك لاعتمادها مفهومًا

توزيعيًا للعدالة هيمنت عليها سياسات النيوليبرالية التي ترى أن أسباب اللامساواة هي سوء توزيع

الثروات، وتركُّز برامج التماسك الاجتماعي على توزيع جزء صغير من هذه الثروات من خلال برامج

الدعم للفئات ذوات الدخل المحدود. وفق يونغ، تتجاهل هذه المقاربة الدور الذي تؤديه المؤسسات

والبنى الاجتماعية والعلاقات في تحقيق العدالة. وهو يدعو إلى مفهوم علائقي للعدالة الاجتماعية يركز

على التعاون الاجتماعي الرسمي وغير الرسمي على الصعيد الشخصي والجماعة والدولة. وتتميز العدالة

التوزيعية بكونها فردية وذرية، بينما تتبنّى العدالة العلائقية مفهومًا شموليًا وغير ذري يُعنى أساسًا بطبيعة

العلاقات القائمة بين الأفراد في المجتمع، وليس مدى حصول الأفراد على الثروات. تشترط العدالة

العلائقية الاعتراف (recongition) بأن عدم المساواة يكمن في النظم والمؤسسات السياسية والاقتصادية

والثقافية، وذلك من أجل القضاء على القمع والسيطرة. لا يستتبع هذا الاعتراف القضاء على الاختلافات

ولكنه يعيد تقييم الأنماط الاجتماعية وتحويلها بالتمثيل والتواصل بطرق من شأنها أن تغيّ الهوية الاجتماعية

للجميع. وذلك يتطلب التوقف عن إعادة إنتاج التفاوتات نفسها عبر تحدي أسس الظلم المتموضع

(((1 المصدر نفسه.

(12) Regina Berger - Schmitt, “Social Cohesion as an Aspect of the Quality of Societies: Concept and Measurement,” (EU Reporting Working Paper; no. 14, Centre for Survey Research and Methodology (ZUMA), Social Indicators Department, Manheim, 2000). (13) Green and Janmaat, Regimes of Social Cohesion , and Chan, To and Chan, “Reconsidering Social Cohesion”. (14) Young, Justice and the Politics of Difference. (15) Nancy Fraser, Justice Interruptus: Critical Reflections on the “Postsocialist” Condition (New York: Routledge,

دلالات تأثير تهميش التماسك الاجتماعي في المدارس الثانوية

داخل المؤسسات، كالظلم الاجتماعي؛ ويستدعي تحقيق ذلك المشاركة الكاملة من الأفراد في أي قرارات

قد تؤثر في حياتهم. فالمساواة في المشاركة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كانت المؤسسات والممارسات

الاجتماعية تقدم للأفراد الموارد الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية اللازمة للمشاركة. وعليه، فإن تحقيق

العدالة في التعليم يوجب التركيز على «التطوير المتساوي لإمكانات كل فرد من أفراد المجتمع» بدلً من

التركيز في المقام الأول على فرص الحصول على التعليم، كما هي الحال في العدالة التوزيعية. اعتمدت هذه الدراسة على تعريف تعدادي معياري للتماسك الاجتماعي يتبنّى مقاربة علائقية للعدالة

الاجتماعية، إذ رُكّز على المنهاج الدراسي والهيكلية التربوية والكتب المدرسية والبيئة المدرسية والجو

داخل الصف، والعلاقات ضمن المدرسة، والديمقراطية في المدرسة، والبيداغوجيات المتبعة والشمولية،

بالإضافة إلى العلاقة بين المدرسة والمجتمع.

سياسات الدولة لتعزيز التماسك الاجتماعي عبر التربية في لبنان ما بعد الحرب

استحدث اتفاق الطائف مبادرة إصلاح تربوي أساسية، داعية إلى تطوير منهاج رسمي جديد ينمّي الوحدة

الوطنية)ينص البند ٥-٣ للاتفاق على إعادة النظر في المناهج  وتطويرها بما يعزز الانتماء والانصهار

الوطنيين، والانفتاح الروحي والثقافي، وتوحيد الكتاب في مادتي التاريخ والتربية الوطنية (. نتيجة لذلك، أعّد المركز التربوي للبحوث والإنماء منهاجًا جديدًا في سنة ٧٩٩١ تم تنفيذه في سنة ٠٠٠٢. وعلى الرغم من التشديد الكبير على برنامج المصالحة الذي نص عليه الاتفاق، لم يذكر معدّو المنهاج

المستحدث بوضوح خطتهم لتحقيق ذلك، إلا أنه يمكن استشراف تلك الخطة من الهدفين الرئيسيين

للمنهاج ل«بناء شخصية الفرد والتأسيس للمواطنة، فقد تبنى المنهاج الجديد مبدأ حقوق الإنسان كنظام

للقيم الذي يشكل الجزء الأساسي من برنامج المواطنة». استندت الآلية التي طوّرها المركز المذكور إلى تدريس التربية المدنية والعلوم الاجتماعية والتاريخ، فأُعدّت

كتب مدرسية جديدة لجميع المواد، باستثناء التاريخ لأن كتب التاريخ تختلف باختلاف الثانويات اللبنانية

التي تدرّس الموضوع. على نحو مماثل، لم ينجح مسعى المركز التربوي للبحوث والإنماء في توحيد تدريس

التعليم الديني في الثانويات واستبداله بثقافة الأديان. إلا أن التغيير الوحيد الذي تمكّن المركز من تحقيقه

هو جعل التعليم الديني غير إلزامي في المدارس والثانويات الحكومية. مرّت ست عشرة سنة على تنفيذ منهاج سنة 9971، وكثرت الأسئلة حول فعالية السياسات التربوية ما

بعد اتفاق الطائف، خاصة في أعقاب الانقسامات السياسية التي ظهرت في أيار/ مايو 0082 وتحولت

إلى صراع مسلح بين الموالاة والمعارضة، ذهب ضحيته أكثر من 001 شخص.

(16) Kathleen Lynch and John Baker, “Equality in Education: An Equality of Condition Perspective,” Theory and Research in Education , vol. 3, no. 2 (July 2005). (17) Stephen P. Heyneman, “Education and Social Cohesion,” in: James W. Guthrie, ed., Encyclopedia of Education , 8 vols., 2 nd ed. (New York: Macmillan Reference, 2003).

1(((لبنان، وزارة التربية والتعليم العالي، المركز التربوي للبحوث والإنماء، الهيكلية الجديدة للتعليم في لبنان.

(19) Mounir Abou Assali, “Education for Social Cohesion in Lebanon: The Educational Reform Experiment in the Wake of the Lebanese War,” in: Shuayb, ed., Rethinking Education for Social Cohesion.

خريف 2014

أظهرت الدراسات الكثيرة التي طاولت المناهج الجديدة عددًا من الثُّغَر في النُهج والممارسات التي اتُبعتِ

لتعزيز التماسك الاجتماعي. فهناك دراسة أعدتها الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية انتقدت غياب خطة ملموسة

لتنفيذ أهداف وغايات المناهج المذكورة، مستدلّة بأن الطموح إلى تعزيز المواطنة والتماسك الاجتماعي

كان جزءًا من تسوية سياسية هدفت إلى إرضاء جميع الأحزاب السياسية والطائفية. وبيّنت دراسة تحليلية

لشعيب الكثير من العقبات أمام تطوير تربية فعلية للمواطنة، تتضمن بيداغوجيات وطرق التعليم

المواعظية أو التوجيهية والبيئة المدرسية التي تتصف بالهرمية واللاديمقراطية. أما دراسة زريق التحليلية،

التي تناولت كتب التربية المدنية، فبيّنت بدورها عددًا من نقاط الضعف، أهمها التمييز الجندري والمثال

النموذجي. كما انتقدت نقص التطبيقات والتمرينات العملية، وتشديدها المبالَغ فيه على معرفة القوانين

والنظام السياسي على حساب إنماء التفكير النقدي وروح المشاركة بين الشباب. وأوضحت دراسة حول

مفاهيم المواطنة عند مدرسّي مواد التربية المدنية والوطنية وممارساتهم وتطبيقاتهم أن أغلبيتهم اعتمدت

التلقين والحفظ، بينما تخوّف البعض من إثارة النقاشات المخطط لها وغير المخطط لها داخل الصفوف.

وأظهرت الدراسة تقدير التلاميذ للسلوك العملي والفعلي المرتكز الى مبادئ الإنسانية والديمقراطية. كما

عبّوا عن إحساس قوي بالهوية الوطنية، مع بعض التنويه إلى الهوية العالمية، أو حتى إغفالها كليًا. وأخيرًا،

أظهرت الدراسة أن الأساليب التقليدية للتعلم، كالحفظ مثلً، والمناخ المتناقض لتعلم السلوك المدني

الديمقراطي في مجتمع تكثر فيه الخلافات الداخلية، قد شكّلت تحديًا إضافيًا لتجارب التلامذة التعليمية. في الخلاصة، فإن الدراسات المذكورة سلطت الضوء على بعض نقاط الضعف في السياسات التربوية

ما بعد الطائف، الهادفة الى نشر التماسك الاجتماعي في لبنان. ومع ذلك، هنالك نقص في الأبحاث التي

عالجت أثر سياسات تربوية معيّنة في تحقيق التماسك الاجتماعي وحول ما إذا كانت بعض تلك الممارسات

أفعل من غيرها في تشكيل مواقف الشباب السياسية والمدنية. يستقصي هذا البحث هذه المسألة عبر

مراجعة مختلف النُهج المتبعة حاليًا في الثانويات اللبنانية في هذا الاتجاه، كما يدرس تأثيرها في مواقف

الشباب وقيمهم السياسية - الاجتماعية.

منهجية البحث

استطلعت الدراسة آراء 42 مديرًا، و 62 أستاذًا، و 900 تلميذ في الصف الحادي عشر في 42 ثانوية

حكومية وخاصة في المحافظات اللبنانية الثماني. يُشار إلى أن عشرًا من الثانويات المستهدفة كانت حكومية،

في حين توزعت الثانويات ال 41 الباقية على ثانويات دينية وعلمانية خاصة. يُذكر أن المجموعات الدينية

الرئيسية في لبنان (الشيعة والسنّة والموارنة والكاثوليك والأرثوذكس والأرمن الكاثوليك والدروز)

كانت كلها متمثّلة في العيّنة، مع التنويه بأن ثلاث عشرة مدرسة ضمّت تلامذة من المذاهب المختلفة، في

حين انحصر تلامذة الثانويات المتبقية في مذهب واحد.

(20) Lebanese Association for Educational Studies (LAES), Evaluation of the New Lebanese Curricula , 6 vols. (Beirut: LAES, 2003), vol. 2: The Evaluation of Subject Curricula. (21) Maha Shuayb, “Education: A Means for the Cohesion of the Lebanese Confessional Society,” in: Youssef M. Choueiri, Breaking the Cycle: Civil Wars in Lebanon (London: Stacey International, [2007]). (22) A. Zoreik, Civics Education: How Do We Deal with it (Beirut: Arab Scientific Publishers, 2000). (23) Bassel Akar, “Teacher Reflections on the Challenges of Teaching Citizenship Education in Lebanon: A Qualitative Pilot Study,” Reflecting Education , vol. 2, no. 2 (2006).

دلالات تأثير تهميش التماسك الاجتماعي في المدارس الثانوية

الجدول 1

توزّع عينات التلامذة في الثانويات

المجموعاملمحافظات
البقاععكارالشمالالنبطيةالجنوبجبل
لبنان
بيروت
36454592601492254عدد التلامذةقطاع
حكومي
نوع
الثانويات
100.014.816.27.10.040.96.014.8(في المئة) نسبة
التلامذة وفق
نوع الثانويات
39.455.177.643.30.080.125.6.128(في المئة) نسبة
التلامذة وفق
المحافظات
247000210735256عدد التلامذةخاص
ديني
100.00.00.00.048.615.010.13.62(في المئة) نسبة
التلامذة وفق
نوع الثانويات
%26.80.00.00.071.019.929.12.62(في المئة) نسبة
التلامذة وفق
المحافظات
31244173449039219عدد التلامذةخاص
عملماني
100.014.15.410.915.70.012.541.3(في المئة) نسبة
التلامذة وفق
نوع الثانويات
33.844.922.456.729.00.045.3.250(في المئة) نسبة
التلامذة وفق
المحافظات
92398766016918686248عدد التلامذةالمجموع
100.010.68.26.518.320.29.3.629(في المئة) نسبة
التلامذة وفق
نوع الثانويات
100.0100.0100.0100.0100.0100.0100.0100.0(في المئة) نسبة
التلامذة وفق
المحافظات

خريف 2014

كما أُجريت مقابلات شبه منظمة مع 42 مدير ثانويات و 62 مدرّسًا لمواد التربية المدنية والعلوم الاجتماعية

والتاريخ والدين، واستُطلعت فلسفة الثانويات وأولوياتها وأهدافها وقيمها والهيكليات الإدارية

والبيداغوجيات والبيئة المدرسية والأنشطة اللاصفية، وحجم مشاركة التلامذة والمدرّسين والأهل في

المدرسة، والعلاقات بين المدرسة والمجتمع. وتبنّى الاستبيان الذي استهدف التلامذة إطار المسح للتربية

المدنية وتربية المواطنة، وهو الإطار الذي ركّز على معرفة التلامذة وقيمهم ومواقفهم ومهاراتهم المدنية.

إلى ذلك، أُدرِجت في الاستبيان الأبعاد المتنوعة التي استقصت آراء الشباب في شأن البيداغوجيات

الحالية والبيئة المدرسية لتحديد دورها في التأثير في مواقف الشباب السياسية والاجتماعية أو في تشكيل

هذه المواقف. تضمن الاستبيان أسئلة متعددة الخيارات، أو إجابات عن عبارات استنادًا إلى مقياس ليكرت (حيث أُتيح

للتلامذة اختيار بين موافق جدًّا، موافق، غير موافق، غير موافق على الإطلاق)، وللتأكد من أن التلامذة

المشمولين بالمسح تلقّوا كلهم معلومات وتوضيحات متطابقة؛ فقد لازم منظمو المسح التلامذة في أثناء

ملئهم الاستبيانات التي طُلب منهم عدم تسجيل أسمائهم عليها. وكمعدل عام، أكمل التلامذة ملء

الاستبيانات خلال 45 دقيقة. أفادت المعلومات النوعية التي استُخرجت من المقابلات مع مديري الثانويات والأساتذة والتلامذة حول

جوانب الحياة المدرسية والممارسات المطبّقة، في تحديد النُهج المختلفة للتماسك الاجتماعي المتبعة في هذه

الثانويات. وأضافت استمارة التلامذة المتعلقة بالبيئة المدرسية والبيداغوجيات منظورًا ثالثًا حول ممارسات

المدرسة، كما أفادت في التحقق من المعلومات التي تم جمعها من المدرّسين والمديرين. وعبر مقارنة النهج

بالمعلومات النوعية التي جُعت من التلامذة، بعد أن عبّوا عن آرائهم السياسية والاجتماعية وخلفيتهم

الاجتماعية، تسنّت دراسة أثر هذه المقاربات أو النهج ومدى فعاليتها.

مقاربات التماسك الاجتماعي في لبنان المتّبعة في الثانويات

حُدِّدت خمسة نُج في ٤٢ ثانوية استهدفها المسح؛ ميزاتها: سلبي (لا فاعل)، التفادي، لا صفي، شمولي

(متعدد الأبعاد)، ومتناقض. وصُنِّفت هذه النماذج واستُخلصت بناء على التعريف التعددي المعياري

للتماسك الاجتماعي في المدارس، بما في ذلك: المنهاج الدراسي؛ الكتب المدرسية؛ البيئة المدرسية؛ الجو

داخل الصف؛ العلاقات ضمن المدرسة؛ الديمقراطية في المدرسة؛ البيداغوجيات المتبعة؛ الشمولية؛

بالإضافة إلى العلاقة بين المدرسة والمجتمع بناء على المعلومات التي جُعت من التلامذة والأساتذة

والإدارات.

النَهج السلبي (اللافاعل)

لم يشدد النهج السلبي (اللافاعل) على موضوع التماسك الاجتماعي؛ فوفقًا لتسع ثانويات استهدفها

المسح، ليس الموضوع ذا أهمية توجب تدارسه من قِبل المدرسة، لأن التلاميذ هم من المذهب عينه. وهنا

نلاحظ المفهوم الضيق للتماسك الاجتماعي والمحصور في النزاعات ذات الطابع الطائفي، بينما يغيب

جانب المساواة والعدالة التوزيعية والعلائقية كعامل في تعزيز التماسك الاجتماعي أو ضعضعته. وبما

(24) Heyneman, “Education and Social Cohesion”.

دلالات تأثير تهميش التماسك الاجتماعي في المدارس الثانوية

أن أغلبية المناطق اللبنانية بعد الحرب الأهلية أصبحت متجانسة لجهة كون سكانها هم في أغلبيتهم من

طائفة واحدة، فالمحصّلة هي أن أغلبية التلامذة في الثانويات اللبنانية هم أيضًا متجانسون. وبالتالي، فمن

الأغلب ألّ يحظى برنامج التماسك الاجتماعي بأهمية عند ثانويات كثيرة في لبنان. ولقد لوحظ وجود هذا

النهج في الثانويات الحكومية بشكل أساسي، وفي عدد قليل من الثانويات الخاصة. يوضح الشكل 1 الخصوصيات الرئيسية للثانويات التي أيدّت النهج السلبي لتحقيق التماسك الاجتماعي.

الشكل 1

مواصفات الثانويات التي مارست النهج السلبي الأولوية للامتحانات الرسمية حصر التماسك الاجتماع في تعليم مادة المواطنة المدرسة مؤسسة وظيفية

ثانويات رسمية وخاصة

دور تقني وآلي للمعلمين الأنشطة المدرسية محدودة علاقة محدودة بين المدرسة والمجتمع

عندما سُئل مديرو الثانويات المستهدفة وأساتذتها عن فلسفة مؤسساتهم التربوية وخصائصها، أكدوا أن

إكمال المنهاج الرسمي وتحقيق نسب عالية من النجاح في الامتحانات الحكومية هما الأولويتان الرئيسيتان.

تميزت هذه الثانويات بأنها وحدة إجرائية، إذ تمثّل دور المدير بشكل رئيسي في السكرتيريا وتأمين الحضور

بين التلامذة والمعلمين وضبط النظام بدلً من القيادة والتحفيز. لم تكن لأيٍّ من الثانويات المذكورة

استراتيجيا حكومية للسنة الدراسية. ولم يعقد المدرّسون اجتماعات إلا نادرًا، وكان الهدف الأساسي حين

انعقادها انتخاب لجان مدرسية (للشؤون المالية والتأديبية) ووضع نتائج التلامذة في آخر السنة الدراسية. تبيّ أيضًا أن طرق تدريس مواد العلوم الاجتماعية والمدنيات والتاريخ والدين ركزت على الوعظ

والتعليم التلقيني. واقتصر تقييم أداء التلامذة في المواد المذكورة بشكل رئيسي على التقييم التقويمي الذي

ركز بدوره على امتحان معلومات التلامذة إلى جانب بعض مهاراتهم التحليلية. أما البيئة الحوكمية في تلك

الثانويات، فاتصفت بالسلطوية والهرمية، إذ كانت فرص مشاركة التلامذة والأساتذة في الحياة المدرسية

وفي القرارات والأنشطة محدودة، خاصة في غياب مجالس الطلبة أو مجالس الأهل الفاعلة. وأخيرًا، كانت

الأنشطة اللاصفية قليلة أيضًا.

نهج التفادي

يمكن وصف هذا النموذج الذي يُعتمد بأنه محاولة لتفادي النزاع وإخفائه، وعدم تسييس المدرسة عبر

منع النقاشات والحوار في أي شؤون أو مسائل تتعلق بالسياسة. تجلّ هذا النهج بشكل رئيسي في الثانويات

الحكومية ذات التنوع الطائفي أو السياسي. كما رُصدت محاولة فصل التلامذة من مذهب معين في ثانويات

مختلفة على أساس طائفي، وتاليًا خلق بيئة أحادية. وقد لوحظ ذلك في مدرسة حكومية استهدفها المسح،

خريف 2014

إذ تحول الاختلاف الطائفي في المجتمع المتاخم، حيث تقوم ثلاث ثانويات حكومية، إلى نزاع مسلح في

سنة 0082 استمر لغاية سنة 009.2 كان هناك سياسة غير معلنة تخصّص على أساسها كل مدرسة من

هذه الثانويات بتلامذة من طائفة واحدة من الطوائف الثلاث الأساسية المكونة للمجتمع. بناء عليه،

نُصح للتلاميذة الراغبين في الالتحاق بمدرسة حكومية مخصصة لطائفة أخرى اختيار مدرسة خصصت

للطائفة التي ينتمون إليها، وذلك لتجنب أي احتكاك محتمل. وفي حالات أخرى، حيث التلامذة أحاديو المذهب لكنهم يدعمون فئات وأحزابًا من الفريق الآخر،

حظرت إدارة المدرسة أي نقاشات أو مناظرات سياسية داخل الصفوف أو في الملاعب، تفاديًا لوقوع

خلافات محتملة بين التلامذة. ولهذا الغرض وضِعت في أنحاء المدرسة لافتات تحذير. أما في ما يخص مواد

التربية المدنية والعلوم الاجتماعية والتاريخ والدين، فهي تدرَّس بطريقة تلقينية. وقد طلبت إدارة المدرسة

من الأساتذة الحرص على تجنب أي نقاش يمكن أن يؤدي الى التوتر والخلاف. وفي بعض الحالات، ارتأى

المدرّسون أنفسهم تفادي أي نقاش لمسائل خلافية أو موضوعات يمكن أن تثير جدالً ساخنًا يؤدي إلى

احتكاك داخل الصف. وعليه، كان الأسلوب الوعظي والتعليم الحفظي هو السائد في هذه الثانويات. وإذا

حاول الأساتذة الشروع في نقاش داخل الصف يتناول المسائل القائمة، تستدعيه الإدارة فورًا للمساءلة.

من الجدير ذكره أن الثانويات المذكورة تتذرّع بأنها تتقيد بتعليمات وزارة التربية والتعليم العالي الداعية إلى

منع مناقشة الأمور السياسية في الثانويات تفاديًا لأي خلاف أو لتمدّد الأحزاب السياسية داخلها. وقد

شاهدت في ثانويات حكومية عدة اللافتات التي تحظّر الجدال السياسي. يبيّن الشكل 2 الخصائص الرئيسية للثانويات التي تتبّع نهج التفادي.

الشكل 2

خصوصيات الثانويات التي تعتمد النهج «التفادي» لتحقيق التماسك الاجتماعي توزيع تلامذة الثانويات وفق الطائفة الحرص على إبعاد السياسة عن المدرسة بيداغوجيات تلقينية الأولوية للامتحانات الرسمية

ثانويات رسمية

المدرسة مؤسسة وظيفية الأنشطة اللاصفية المحدودة الأنشطة المدرسية المحدودة الفصل بين التلامذة خلال فترات التعليم الديني

يمكن وصف تلك الثانويات أيضًا بأنها مؤسسات إجرائية تتركز وظيفتها على تحقيق نسبة عالية من النجاح

في الامتحانات الحكومية. وفي سبيل ذلك، طُبّقت قوانين صارمة في ما يتعلق بتنظيم الأنشطة اللاصفية

والأندية وإدارة مجالس الطلبة باعتبارها مصدرًا محتملً للخلافات. وكما يقول مدير ثانوية حكومية ينتمي

دلالات تأثير تهميش التماسك الاجتماعي في المدارس الثانوية

تلامذتها إلى الطائفتين السنية والشيعية في بيروت: «ينحصر دوري في منع حصول الخلاف بين التلامذة

داخل ثانوياتي. فما يقومون به خارج الثانوية، حتى لو تقاتلوا، ليس من مسؤولياتي. المهم أن لا يتصارعوا

داخل المدرسة». وقد تواجه التلامذة بالفعل أمام باب المدرسة عقب حوادث ٧ أيار/ مايو ٨٠٠٢ عندما انقلبت الأزمة

السياسية إلى أعمال عنف بين الفريق الموالي لتيار المستقبل والآخر الموالي لحزب الله، واتخذ ذلك النزاع

صفة طائفية بين الشيعة والسنّة. ووفق مسح لآراء التلامذة السياسية، تبين أن في الثانويات التي مارست

النموذج السلبي ونموذج التفادي تبنّى التلامذة مواقف طائفية، ولم تكن لهم ثقة بالمذاهب أو الأديان

الأخرى، كما أنهم لم يشاركوا في أنشطة خارج حدود مجتمعهم الطائفي إلا نادرًا.

نهج اللاصفية

اعتمد هذا النهج الأنشطة اللاصفية كوسيلة أساسية لنشر التماسك الاجتماعي وتعزيزه. وتعتبر الثانويات

التي تتّبع هذا الاتجاه أن التماسك هو أحد أهدافها وتسعى لتحقيقه من خلال الأنشطة اللاصفية، كتنظيم

رحلات إلى مناطق مختلفة من لبنان، وخدمة المجتمع والأندية الاجتماعية، بالإضافة إلى تدريس مواد

كالتربية المدنية والتاريخ والعلوم الاجتماعية. لكن مع ذلك، فإن تنظيم تلك الأنشطة جاء عشوائيًا ولم

يعتمد هيكلية متماسكة أو مجموعة محددة من الأهداف والمهارات والقيم. ونادرًا ما تم متابعة أداء التلامذة

أو حتى التأمل الذاتي في التجربة وما تعلموه منها. ومن ناحية أخرى، تبيّ أن هناك انشطارًا شبه كامل بين

المنهاج الرسمي والأنشطة اللاصفية لتعزيز التماسك الاجتماعي؛ فقد اقتصر الدور الرئيسي للمنهاج في

هذا الإطار (خاصة في المدنيات والعلوم الاجتماعية والتاريخ) على المعلومات بحسب ورودها في المنهاج

الرسمي. أما البيداغوجيا المتبناة في تدريس هذه المواد، فاتصفت بالتلقينية غالبًا. لذا، تشابهت إلى حد بعيد

مع بيداغوجيا الثانويات التي تعتمد النموذج السلبي (اللا فاعل) ونموذج التفادي. يُظهر الشكل 3 الخصوصيات الرئيسية للثانويات التي تعتمد منهج اللاصفية.

الشكل 3

خصوصيات الثانويات التي تعتمد النهج »اللاصفي» لتحقيق التماسك الاجتماعي بيداغوجيات تلقينية أنشطة لاصفية متفرقة تجنب التربية الدينية

ثانويات رسمية بعض الأنشطة بين المدرسة والبيئة المحلية مشاركة التلامذة تقتصر على الأنشطة اللاصفية

بدلً من التخطيط

وهناك أوجه تشابه أخرى بين الثانويات التي تعتمد اللاصفية وتلك التي تعتمد النهج السلبي ونهج

التفادي، وهي الاختصاصية والهرمية والسلطوية؛ فالأساتذة يمارسون دورًا اختصاصيًا تقنيًا يقتصر على

خريف 2014

التدريس، في حين ينحصر دور التلميذ في النجاح في الامتحانات، وهو بالتالي متلق سلبي. كما يلاحظ

غياب لمجالس الطلبة أو لأي مساهمة من المدرّسين في اتخاذ قرارات تخص المدرسة.

النهج الشمولي (المتعدد الأبعاد)

يتميز هذا النهج بتركيزه على المساواة كأحد شروط تعزيز التماسك، وبذلك يختلف عن التعريفات

السابقة المعتمدة في الثانويات الأخرى والتي حصرت مفهوم التماسك وممارساته بالمواطنية، وتبني هذا

النموذج مقاربة شمولية ركزت على العناصر الأكاديمية والأنشطة اللاصفية والبيئة الحكومية المدرسية

والعلاقة بين المدرسة والمجتمع كوسيلة لنشر التماسك الاجتماعي. ورُصِد في ثلاث ثانويات، اثنتان منها

دينية والثالثة علمانية، أنها جميعها جعلت التماسك الاجتماعي في صلب فلسفة المدرسة وخصائصها،

وبالنتيجة، طوّرت خطة متكاملة لمقاربة هذا البرنامج. كما تبنّت سياسة تكافؤ الفرص والدمج بشأن

قبول الطلبة وتعيين الأساتذة، بما في ذلك قبول التلامذة والموظفين ذوي الحاجات الخاصة، والفئات

المهمّشة، وتوفير كامل الدعم لهم. وشددّت أيضًا على اتّباع البيداغوجيا الفاعلة والنقدية والتطبيقية. وفي

بعض الحالات، تبنّت كتبًا غير الكتب الحكومية التي ركزّت غالبًا على المعارف. وفي سبيل ضمان فرص

كبيرة للتلامذة لممارسة مهاراتهم المدنية وتطويرها، اعتمدت برنامج أنشطة اللاصفية داخل المدرسة

وخارجها بالتنسيق الوثيق مع المنهاج الصفي. بالإضافة إلى ذلك، عمدت تلك الثانويات إلى توفير

مساحات وقنوات داخل المدرسة وخارجها تسمح للتلامذة بممارسة واختبار القيم والمهارات المتصلة

بالمواطنة الفاعلة والتماسك. على سبيل المثال، قام التلامذة بانتخاب مجالس طلبة وجمعيات للتلامذة

(بما في ذلك نادٍ تطوعي)، وأندية للخدمة المجتمعية، ومجلة خاصة بالمدرسة، وفرق كشفية. كما وفرت

للتلامذة الفرص لاختبار وممارسة القيم والمهارات المتصلة بالمواطنة الفاعلة داخل المدرسة من خلال

مجالس التلامذة المنتَخبة (راجع الشكل.)4

الشكل 4

خصوصيات الثانويات التي تعتمد النهج الشمولي ال»متعدد الأبعاد» لتحقيق التماسك الاجتماعي برنامج شمولي ومنظم للتربية

على التماسك الاجتماعي

بعض الثانويات تلامذتها من

طوائف مختلفة وأخرى من

بيداغوجيات تحليلية وتلقينية

ثانويات دينية

طائفة واحدة

وأخرى علمانية

برنامج مكثف للأنشطة الاجتماعية والمدنية توافر فرص للتلامذة لإبداء الرأي

عكست إدارات الثانويات المذكورة خصائص الديمقراطية والمشاركة. وعلى النقيض من الإدارات

الاختصاصية والهرمية والمركزية التي رصدناها في ثانويات تتبنّى النماذج الثلاثة الآنفة الذكر، تبنّت

الثانويات التي اتّبعت المقاربة الشمولية استراتيجيا لتطوير المدرسة وضعتها لجان متخصصة ضمّت

إداريين وأساتذة. ولمتابعة سير الخطة، أُسست لجان مختصة، مثل لجان المواد والنشاط اللاصفي والإرشاد

الصفي والتنمية المهنية والتوجيه والإرشاد. وتولّ أساتذة كثيرون، بالإضافة إلى اختصاصهم بالمادة التي

يدرّسونها، مسؤوليات أخرى إدارية أو إرشادية للصفوف، وعملوا مقدمين للرعاية الشمولية أو رؤساء

للجان المدرسة. ورأى جميع أعضاء هيئة التدريس أن التغيير والتطوير هما القاعدة.

دلالات تأثير تهميش التماسك الاجتماعي في المدارس الثانوية

النهج المتناقض

يتميز النهج المتناقض بتشديده على برنامج التماسك، خاصة ضمن الطائفة الواحدة، ويتجلّ في الثانويات

الدينية الريفية، أكثر من أي مكان آخر، إذ ينتمي التلامذة وأفراد هيئة التدريس فيها إلى لون طائفي واحد

(راجع الشكل 5). وهناك أوجه تشابه بين هذا النهج ونهج اللاصفية. وقد طوّرت الثانويات المعتمدة

للنموذج المذكور برنامجًا لإنماء مهارات التلامذة المدنية من خلال الأنشطة الصفية واللاصفية. مع ذلك،

تجري الأنشطة ضمن المذهب الواحد، ذلك لأن في الثانويات الريفية والمجتمعات الأحادية المذهب،

بحسب ما يرى مديرو تلك المؤسسات التربوية، تتناقص الفرص لاختلاط التلامذة مع المذاهب الأخرى.

كما أن أنشطة كثيرة نظمتها تلك الثانويات تتمحور إما حول الأعياد الدينية للطائفة وإما حول الجمعيات

الخيرية والاجتماعية. وعليه، تكمن المفارقة في اهتمام الثانويات وتركيزها على التماسك الاجتماعي وتركيز

الأنشطة المتصلة على الطائفة الواحدة أو المذهب الواحد.

الشكل 5

خصوصيات الثانويات التي تعتمد النهج »المتناقض» لتحقيق التماسك الاجتماعي أنشطة للتربية على المواطنة الفاعلة في الطائفة أنشطة لاصفية ثانويات دينية تلامذتها

فرص محدودة لصوت التلامذة

من طائفة واحدة

بيداغوجيات نشطة وأخرى تلقينية أنشطة لاصفية في الطائفة

وبما أن مجالس الطلبة غائبة في هذه الثانويات، كانت أصوات التلامذة محدودة، على الرغم من وجود أندية

اجتماعية خاصة بهؤلاء. وقد تنوعت سياسة الإدارة بتنوع الثانويات؛ ففي إحداها مثلً، عمل المدرّسون

مرشدين للصف. وفي مدرسة أخرى، اقتصر دور الأستاذ على المادة التي يدرّسها على الرغم من السماح له

باستخدام التقنية التي يريدها في التدريس. لكن كان لدى هذه الثانويات كلها لجان صفية ولجان لاصفية

شارك فيها الأساتذة. يستعرض الجزء التالي المواقف السياسية والمدنية والاجتماعية للطلبة في الثانويات وفق النُهج المختلفة

لتحقيق التماسك الاجتماعي. ويبقى السؤال الأهم هو: ما أثر هذه النهج في آراء الطلاب السياسية

والاجتماعية؟

مواقف التلامذة السياسية والاجتماعية في النُهج الخمسة المختلفة لتحقيق التماسك الاجتماعي

بعد تحديد مقاربة الثانويات الخاصة والحكومية والدينية والعلمانية في لبنان لبرنامج التماسك الاجتماعي،

يستعرض هذا الجزء مواقف الشباب السياسية والاجتماعية والمدنية وقيمه وفق النُهج المختلفة. وسوف

انطلق باستطلاع مواقف التلامذة من الزعماء الروحيين مقارنة بالقادة السياسيين في كل نهج.

خريف 2014

المواقف من الزعماء الروحيين والمدنيين

كشف استقصاء لمواقف الشباب من الزعماء الروحيين والمدنيين أن التلامذة في الثانويات التي تعتمد

النُهج السلبية والتفادية والمتناقضة كانوا أكثر نزوعًا نحو الطائفية، مقارنة بأقرانهم في الثانويات التي تتبنى

النُهج الشمولية والنُهج اللاصفية (راجع الجدول 2)؛ فأغلبية التلامذة في الثانويات التي تعتمد النُهج

الثلاثة الأولى أبدت ميلً إلى دعم السياسيين، كونهم من الطائفة نفسها، وأبدوا ثقة بالأحزاب الطائفية

والأشخاص الذين ينتمون إلى طائفتهم، وذلك مقارنة بتلامذة الثانويات التي تتبّع النهج اللاصفي

والنهج المتعدد الأبعاد.

الجدول 2

آراء التلامذة في الطائفية والعلمانية بحسب نهج التماسك الاجتماعي

نسبة الموافقة (في المئة)المجالات المطروحة
الشمولياللاصفيالمتناقضاملتفاديالسلبي
2927424263تأييد السياسيين لأنهم من الطائفة نفسها
4363222172الثقة بالأحزاب العلمانية
1835543933الثقة بالأحزاب الطائفية
5366785676الثقة بالأشخاص من الطائفة نفسها
3342392739الثقة بالناس من دين آخر
4760695654النظام الطائفي مبرّر إذا كان سببًا
للاستقرار
4062836464ينبغي إعطاء أهمية كبيرة لآراء الزعماء
الروحيين عند اتخاذ قرارات بشأن مسائل
حيوية للبلد

حيوية للبلد إن النسبة الإجمالية للإجابات الناقصة في البيانات أعلاه كانت أقل من 2. تجدر الإشارة الى أن الثانويات التي اعتمدت النهجين السلبي والتفادي كانت في معظمها مؤسسات

حكومية. من جهة أخرى، وعلى وجه العموم، كانت الثانويات التي تبعت النهج اللاصفي ثانويات

خاصة دينية أو علمانية، في حين كانت واحدة منها فقط حكومية. يعود ذلك بصورة كبيرة إلى توافر كثير

من الموارد في الثانويات الخاصة مقارنة بالمؤسسة التربوية الحكومية. ويمكن ربط ذلك أيضًا بحقيقة أن

التركيز الأساسي لبعض الثانويات الحكومية ينصبّ على نتائج الامتحانات، وعليه، ارتأت تجميع جهودها

على الأنشطة الأكاديمية. في المقابل، وبحسب ما قاله لي مدير مدرسة ثانوية خاصة، كلّنا ثقة بأن تلامذتنا

سوف ينجحون في الامتحانات الحكومية، لذلك لدينا المتسّع من الوقت والجهد لجعل الحياة المدرسية

أغنى وأمتع. والجدير بالإشارة أن اثنتين من هذه الثانويات ضمّتا تلامذة من طوائف مختلفة، علمً أن

النهج المتعدد الأبعاد يمكن ملاحظته في الثانويات الخاصة، العلمانية منها والديني، التي تضم تلامذة

من مذهب واحد أو من مذاهب عدة. لذلك، وبهدف رصد دور العوامل الاجتماعية- الاقتصادية في

دلالات تأثير تهميش التماسك الاجتماعي في المدارس الثانوية

تشكيل آراء الشباب، أجريت المسح الإحصائي نفسه مرة أخرى، مع تحليل للاختلافات في وجهات

النظر بين الثانويات الخاصة والثانويات الحكومية. ولم يُظهر التحليل وجود اختلافات إحصائية تُذكر

بين آراء التلامذة في الثانويات الخاصة والثانويات الحكومية حول المسائل المطروحة سابقًا، باستثناء الثقة

بالأحزاب العلمانية (درجة الثقة الإحصائية 0.5)؛ فتلامذة الثانويات الخاصة أبدوا ثقة أكبر بالأحزاب

العلمانية مقارنة بتلامذة الثانويات الحكومية. تأكدنا من حجم تبنّي التلامذة للمواقف الطائفية من خلال مدى استعدادهم للاختلاط مع لبنانيين

من طوائف أو مواقف سياسية مختلفة (يعرض الجدول 3 لبعض من تلك النتائج). وقد آثر التلامذة في

الثانويات التي اعتمدت النهجين السلبي والمتناقض الالتحاق بمدرسة تلامذتها وأساتذتها من المذهب

نفسه. أما التلامذة الذين فضّلوا ارتياد مدرسة دينية، فقد برّروا ذلك بصعوبة بناء صداقات مع من اختلفوا

معهم سياسيًا، في حين لم يجد التلامذة في الثانويات التي تمارس النهج المتعدد الأبعاد أي إشكالية في الأمر.

الجدول 3 استعداد التلامذة للاختلاط مع أشخاص من طوائف أخرى

نسبة الموافقة (في المئة)المجالات المطروحة
المتعدد الأبعادامللاصفيالمتناقضاملتفاديالسلبي
2927504663من الصعب تكوين صداقات مع من
يخيتلف معي سياسيًا
1824643130أىفضّ ل أن يكون أساتذتي من طائفتي
1930705873أفضّ ل الذهاب إلى مدرسة دينية
ومييليس علمانية
2219651313أفضّ ل لو كان أقراني في المدرسة من
طائفتي

طائفتي إن النسبة الإجمالية للإجابات الناقصة في البيانات أعلاه كانت أقل من.2 تجدر الإشارة مجددًا إلى أن نهج التفادي جُرِّب في الثانويات الواقعة في منطقة أو محلّة تشهد توترًا سياسيًا

وطائفيًا، أو حتى ضمن المدرسة نفسها. وكما ذكرت سابقًا، كان التلامذة في بعض الحالات التي فيها نزاع

طائفي في المنطقة التي يقيمون فيها قد توزّعوا على ثانويات تبعًا لطائفتهم، ولم يتسن لهم بالتالي الاختلاط

مع طوائف أخرى. بناء عليه، استمرت التوترات بلا معالجة، وهو ما يفسر تردد التلامذة الذين اختاروا

نهج التفادي في الاختلاط مع الطوائف الأخرى. كما أن تلامذة الثانويات التي تمارس النهج المتناقض لم

يُعطَوا فرصة الاختلاط، وربما هذا الأمر وحده برّر ترددهم في القيام بذلك.

المشاركة السياسية

من المسائل الأخرى التي تسعى الدراسة للإجابة عنها تأثير الممارسات التعليمية للثانويات في مواقف

الشباب من المشاركة السياسية والمدنية؛ ففي حين أن أغلبية التلامذة ممن شملهم المسح أبدت اهتمامًا

كبيرًا بالمشاركة السياسية والمدنية، فإن آراءها اختلفت في شأن فعالية الأنواع المختلفة من الأنشطة المدنية.

وكما يبيّن الجدول،4 رأى التلامذة أن الانتماء إلى حزب سياسي ومقاطعة المنتوجات هما من أقوى طرق

المشاركة المدنية وأفعلها. إلا أن التلامذة في الثانويات التي تعتمد النهج الشمولي والنهج اللاصفي كانوا

أكثر ترددًا في الانخراط في الأحزاب. وربما السبب هو أن أغلبية الأحزاب في لبنان أحزاب طائفية، أو

هو الموقف السلبي العام من جميع الأحزاب اللبنانية، بما فيها الأحزاب العلمانية. وكما بيّ الجدول 2، لم

يُبدِ التلامذة ثقة بالأحزاب الطائفية. وبحسب هؤلاء دائمً، فإن أنجع وسيلة للمشاركة هي التصويت

في الانتخابات النيابية. في المقابل، رأى التلامذة في الثانويات التي تمارس النهجين التفادي والمتناقض

وأولئك الذين بدوا أكثر ثقة بالأحزاب الطائفية، أن الانخراط في حزب سياسي وسيلة فعالة للمشاركة.

ومن الجدير ذكره أن الاختلافات في وجهات نظر التلامذة عبر النُهج كافة كانت ذات دلالة إحصائية،

باستثناء مسألة الالتحاق بميليشيا.

الجدول 4 وجهات نظر التلامذة بشأن فعالية الأنشطة المدنية

ا نسبة الموافقة (في المئة)المجالات المطروحة
متعدد الأبعاداللاصفيالمتناقضاملتفاديالسلبي (اللافاعل(
2716112032الالتحاق بميليشيا
6452424250الانتخابات النيابية
5858787769الانخراط في الأحزاب
5345617459مقاطعة المنتوجات

مقاطعة المنتوجات إن النسبة الإجمالية للإجابات الناقصة في البيانات أعلاه كانت أقل من 2. إلى ذلك، سُئل التلامذة عن مدى قبولهم المشاركة في جميع الأنشطة المدنية والسياسية المذكورة أعلاه. وكما

هو مبيّ في الجدول 5، أبدى التلامذة في الثانويات التي تتبنى نهجي التفادي والتناقض اهتمامًا كبيرًا بتلك

المشاركة، وكانوا ميّالين إلى التصويت والانضمام إلى حزب سياسي أكثر من تلامذة الثانويات التي تمارس

نهجي اللاصفية وتعدد الأبعاد.

الجدول 5 مشاركة التلامذة في الأنشطة المدنية

ا نسبة الميل الى القيام (في المئة)اايلمجالات المطروحة
متعدد الأبعاداللاصفيالمتناقضاملتفاديالسلبي (اللافاعل)
5565802615اأيالتصويت في الانتخابات
5857787769الانخراط في الأحزاب
3632533541قطع الطرقات

قطع الطرقات 41

خريف 2014

دلالات تأثير تهميش التماسك الاجتماعي في المدارس الثانوية

تأثير تلك الممارسات في تعطيل التماسك الاجتماعي في لبنان أو في تعزيزه.

عدد المدارس الدينية الخاصة المشمولة بالبحث.

المجموعنموع المدرسة
خاص
علماني
خاص
ديني
حكومي
404660338عادد التلامذةالسلبينهج التماسك
م الاجتماعي
43.821.20.092.9نسبة التلامذة وفق نوع
الثانويات (في المئة)
260062عادد التلامذةالتفادي
2.80.00.01.7نسبة التلامذة وفق نوع
الثانوية (في المئة)
247162850عادد التلامذةاللاصفي
26.851.934.40.0نسبة التلامذة وفق نوع
الثانوية (في المئة)
12384390عادد التلامذةالشمولي
13.326.915.80.0نسبة التلامذة وفق نوع
الثانوية (في المئة)
12301230عادد التلامذةالمتناقض
13.30.049.80.0نسبة التلامذة وفق نوع
الثانوية (في المئة)
923312247634عادد التلامذةالمجموع
100.0100.0100.01 00.0نسبة التلامذة وفق نوع
الثانوية (في المئة)

الثانوية (في المئة)

مع ذلك، تبيّن أن هؤلاء التلامذة المتحفزين والناشطين سياسيًا في الثانويات التي تتّبع نهجي التفادي

والتناقض هم الأكثر طائفية وأقلّهم استعدادًا للاختلاط مع تلامذة من طوائف أخرى، مقارنة بالتلامذة

في الثانويات التي تمارس النهج الشمولي (المتعدد الابعاد). تطرح هذه المعلومات تساؤلات خطِرة حول

يبيّ الجدول التالي أن النهج السلبي كان سائدًا في العدد الأكبر من الثانويات الحكومية على وجه

الخصوص، بينما تركز وجود النهج المتناقض الذي تميز بتوجهات طائفية شديدة لدى التلامذة في نصف

الجدول 6

توزّع الثانويات وفق نماذج التماسك الاجتماعي

نوع المدرسة

خريف 2014

خاتمة

أظهرت الدراسة مفهومًا ضيقًا للتماسك الاجتماعي لدى أغلب المديرين والأساتذة؛ إذ انحصر في

التعددية المذهبية والمواطنية، ولم يشمل مفهوم العدالة بتعريفيها التوزيعي والعلائقي. وقد يعود تفسير

ذلك إلى المقاربة الضيقة لأسباب الحرب الأهلية في لبنان التي يختزلها البعض بالتعصب الطائفي بدلً من

رؤيتها أيضًا من زاوية غياب العدالة الاجتماعية. وتعكس السياسات التربوية في لبنان منذ نهاية الحرب

الأهلية هذه الرؤية الضيقة. وبناء عليه، فإن المقاربات الحالية للتماسك الاجتماعي التي تتبنّاها الدولة لا

تعالج جذور المشكلة. حدّدت هذه الدراسة للتماسك الاجتماعي خمسة نُج معتمدة في الثانويات اللبنانية الحكومية والخاصة، مع

تحليل لتأثيراتها على مواقف التلامذة السياسية -الاجتماعية. وأظهرت أن تأثير النهجين السلبي والتفادي

القائمين في الموضوع والمعرفة في مقاربة مسألة التربية على المواطنة والمتّصفين بالهرمية واللاديمقراطية،

كان محدودًا في معالجة العقبات الأساسية أمام تعزيز التماسك الاجتماعي والسلم في لبنان، كالطائفية مثلً،

وعدم الانفتاح أو الحذر من المواطنين اللبنانيين من مذاهب أو طوائف أخرى. ربما اتضح الدور الذي

تؤديه تلك النُهج فعليًا في نشر السلم والاستقرار في لبنان عندما نتبيّن مدى حرص التلامذة على القيام

بأنشطة سياسية، حتى لو لم يتلقوا تدريبًا على المواطنة الفاعلة، ولم يمارسوا أو يختبروا مميّزات الديمقراطية

في ثانوياتهم. من جهة أخرى، أوضحت الدراسة أن في حين كان للنهج اللاصفي لتحقيق التماسك الاجتماعي تأثير ربما

في مواقف التلامذة السياسية والاجتماعية والمدنية، فإن الانقسام بين بيئة مدرسية ناشطة وأخرى قائمة

على التعلم التلقيني يعيق قدرات التلامذة على تطوير مهارات التفكير النقدي التي يمكن أن تساعدهم في

مواجهة بعض الآراء المسبقة الموروثة من خلفية دينية أو اجتماعية. إن تبنّي نهج شمولي (متعدد الأبعاد)

يشمل الجانب الصفي واللاصفي ويركّز على تنفيذ خصائص نهج فاعل من أجل المواطنة يراعي حقوق

الإنسان، تتضح أهميته وضرورته في المواقف السياسية والاجتماعية لتلامذة الثانويات التي تمارس هذا

النهج. وعلى الرغم من الحاجة إلى المزيد من الدراسات لفهم تأثير الممارسات التعليمية في مواقف التلامذة

السياسية والاجتماعية، تشدد هذه الدراسة على ضرورة تغيير وزارة التربية والتعليم العالي سياسة التربية

على المواطنة والتي تُتصر في تعليم مادة المواطنة ساعة واحدة في الأسبوع إلى نهج متعدد الأبعاد. كما تؤكد

الدراسة أهمية البيداغوجيا الفاعلة والنقدية والتطبيقية المترافقة مع بيئة مدرسية للتلامذة تساعدهم على

اكتساب الكفاءات وتبنّي خصائص المواطنة الفاعلة والنقدية.