Return to Article Details A Reading on Syria: Deconstructing Sectarian Discourse

محاولة لقراءة المجتمع السوري ثلاثون عاماَ بعد ميشيل سورا نقد وتحليل الخطاب الطائفي

A Reading on Syria: Deconstructing Sectarian Discourse

جيروم موكورنت* أكرم كشي **

الملخّص

إن التحولات في مسارات الحراك الشعبي وانتقاله من سلمية ظاهرة إلى جنوح نحو العنف بمزيد من الاضطراد، والتي تطاول العالم العربي، وسوريا على الخصوص، توقذ وتغذي قراءات استشراقية مستمرة. وهي قراءات تجد صعوبة بالغة في اعتبار أن العالم العربي يمكن ان يعرف ثورات حقيقية كتلك التي عرفها الغرب. وغالبا ما يلجأ كثير من الاختصاصيين المتأثرين بالاستشراق إلى قراءة تعتمد اساسا على رؤية للطوائف بعزلها عن سياقها التاريخي الاجتماعي. وبذلك تكون الطائفة مدخلا لقراءة النزاع السياسي او لفهم الأزمات الاجتماعية. تحاول هذه الورقة نقد وتفكيك لجانب من هذه القراءات الاستشراقية، وبخاصة بالنسبة للواقع السوري، وتناقش الخطاب الإيديولوجي حول الثورة وتتناول مقولة أن الثورة لم تحدث. وتقارب الورقة الثورة من وجهة نظر سوسيولوجية تعمل على استظهار الجوانب الثورية التي تحاول الدراسات الاستشراقية طمسها.

Abstract

*** Michel Seurat, L’Etat de barbarie , publ. par Gilles Kepel et Olivier Mongin (Paris: Seuil, 1989).

الكلمات المفتاحية:
  • المجتمع السوري
  • الثورة السورية
  • الخطاب الطائفي
  • ميشيل سورا
  • الاستشراق
  • الطائفة
Keywords:
  • Syrian Society
  • Syrian revolution
  • Sectarian Discourse
  • Michel Seurat
  • Orientalism

نقد وتحليل الخطاب الطائفي

إن تحولات مسارات الحراك الشعبي وانتقاله من سلمية ظاهرة إلى جنوح نحو العنف

بمزيد من الاطراد، وهما اللذان يطاولان العالم العربي، وسورية على وجه الخصوص،

يوقظان قراءات استشراقية مستمرة ويغذيانها؛ قراءات تجد صعوبة بالغة في اعتبار أن العالم

العربي يمكن أن يشهد ثورات حقيقية كتلك التي شهدها الغرب. وغالبًا ما يلجأ كثير من

الاختصاصيين المتأثرين بالاستشراق إلى قراءة تعتمد أساسًا على رؤية للطوائف وتاريخها

وعلى عزلها عن سياقها التاريخي الاجتماعي. وبذلك تكون الطائفة مدخلً لقراءة النزاع

السياسي أو لفهم الأزمات الاجتماعية. تحاول المقالة هذه نقد جانب من هذه القراءات الاستشراقية وتفكيكه، وخاصة بالنسبة إلى

الواقع السوري، ومناقشة الخطاب الأيديولوجي بشأن الثورة ومقولة أن الثورة لم تحدث.

كما أن المقالة تقارب الثورة من وجهة نظر سوسيولوجية تعمل على استظهار الجوانب

الثورية التي تحاول الدراسات الاستشراقية طمسها، وذلك بالتركيز على عمل ميشيل سورا

«الدولة البربرية» الذي غالبًا ما يُستخدم مرجعًا ودليلً لهذه القراءات. منذ بداية الربيع العربي، تبدو سورية اليوم البلد العربي الأكثر تأثرًا بالعنف. وغالبًا ما يشار

إلى حوادثها الدامية بكلمات الحرب والعنف الأهلي بديلً من اصطلاح الثورة أو الانتفاضة أو

الحراك الشعبي؛ ذلك أن هذا الحراك الشعبي ذاته، وعلى الرغم من سلميته الظاهرة في البدايات، جنح

ميشيل سورا، سوسيولوجي مستشرق وباحث في المركز الوطني الفرنسي للأبحاث) CNRS)، اختُطف في بيروت سنة 985 1 من ق بل

الجهاد الإسلامي مع مجموعة من الفرنسيين أُطلقت لاحقاَ، ولكن سورا وجِد مقتولً في 5 آذار/ مارس 986.1 حمّلت الحكومة

الفرنسية حزب الله وسورية مسؤولية اختطافه وقتله.

خريف 2014

نحو العسكرة بمزيد من الاطراد، مع نجاح سياسات الاحتواء والمواجهة التي تبنّاها النظام معتمدًا

أساليب بوليسية قمعية متعددة. يضاف إلى ذلك أشكال مختلفة من التدخل الخارجي، واتضاح تعقيد

الوضع الإقليمي ودوره وأثره في تكوين صورة الثورة السورية، وذلك كله ساهم أخيرًا في التعمية على

الطابع السلمي للحراك منذ بداياته. لا شك أن جملة التحولات التي تطاول العالم العربي اليوم، وسورية على الخصوص، تعرض لوحة معقدة

ومربكة، فضلً عن كونها تبدو مخيّبة ومفاجئة، خاصة حين تقاس بمدى الآمال المنتفخة التي رافقت

البدايات، مذكّرة بثورات ملونة سابقة. ويجد المراقبون اليوم أنفسهم أمام تحول هائل السرعة والعنف

في آن، في «صورة» هذه الثورات، تحوّل يحدث فيه انتقال مروع من صور الميادين المنتفضة والتظاهرات

السلمية الرافعة شعارات مدنية حديثة، إلى صور حشود أصوليين إسلاميين مسلحين يشهرون برامج

قروسطية بكثير من الغبطة والحبور. هذا التحول الحاد يوقظ قراءات استشراقية مستمرة منذ بداية الحراك ويغذيها؛ ذلك أن كثيرًا من

الاختصاصيين المتأثرين بالاستشراق يجدون صعوبة بالغة في اعتبار أن العالم العربي يمكن أن يشهد

ثورات حقيقية كتلك التي شهدها الغرب في أي لحظة من تاريخه. بالنسبة إليهم، يبدو أن مفاهيم، كالعدالة

والمساواة، لما تنضج في العالم العربي، مع أنهم يقرون، بشيء من التفهم والعطف، بأن الظلم وسوء توزيع

الثروات يدفعان الى الاحتجاج بكل تأكيد. يسعى المستشرقون هؤلاء لتفسير حجم عنف الحوادث الجارية في سورية من خلال اللجوء إلى قراءة

تعتمد أساسًا على رؤية للطوائف وتواريخها، وتبحث عن نزاعات «جوهرانية» بين هذه الكيانات بحيث

يسهل في ظلها التعتيم على السياق التاريخي للحوادث. ولن يبدو مجديًا مثلًالإشارة إلى أن الجوانب

الطائفية للنزاع، وهي موجودة بكل تأكيد، إنما تم إيقاظها بالعنف الممارَس على المجتمع، وأنها تندرج في

سياق تاريخي أوسع وفي إطار نزاع سياسي حديث تمامًا، ولن يبدو حقيقيًا وأكاديميًا بالقدر الكافي التشديد

على أن هذا النزاع السياسي وذاك السياق التاريخي إنما يشكلان الإطار الذي يمكن أن تفهم داخله هذه

المسألة الطائفية، لا العكس، أي أن تكون هذه المسألة الطائفية بتضميناتها الاستشراقية مدخلً لقراءة

النزاع السياسي أو دليلً لفهم الأزمات الاجتماعية؛ ذلك أن احتمال بناء دكتاتورية دينية تسعى لتحقيقها

بعض القوى المحاربة ضد النظام يُظهر بشكل كاف، بالنسبة إلى هؤلاء الاختصاصين، أن هذه الثورات لم

تحمل أصلً فكرة التحرر فعلً، بما ينفي عنها صفة الثورة نفسها في آخر الأمر. نحاول هنا تقديم نقد وتفكيك لجانب من هذه القراءات الاستشراقية. إننا نرى أن الحراك في سورية يحمل

طابعًا ثوريًا بالتأكيد؛ ذلك أن السؤال السياسي الرئيسي في مجمل حركة الاحتجاج الوليدة كان متصلً

بالارتقاء الجمعي والفردي، وبهذا المعنى على الخصوص تبدو لنا جملة الحوادث التي عصفت بسورية

سؤالً ثوريًا بامتياز. إن جذور هذه الانتفاضة لا يمكن فهمها في الإطار الطائفي، أو في إطار التدخلات

الخارجية والعوامل الإقليمية في المقابل. العنف الطائفي في سورية هو نتيجة التقاء سياسات النظام وسياسات الثورة المضادة، وهو يعمل بالطبع

ضد تطلعات الثورة الشعبية. وحتى لو افترضنا انتصار النظام، أو الثورة المضادة مثلً، فإن أيًا من هاتين

القوتين لن تتمكن في أي حال من أن تلغي أفكار التغيير والمشاركة التي انتشرت في المجتمع السوري، كما

محاولة لقراءة المجتمع السوري. ثلاثون سنة بعد ميشيل سورا، نقد وتحليل الخطاب الطائفي

أنها لن تستطيع التعتيم على التجربة المعيشة للحوادث الأخيرة والتي كسرت الاستمرارية السكونية بين

الماضي والمستقبل. نرى أن جانبًا مهمًّ من فاعلية الثورة يقوم في هذه النقطة الأخيرة. في القسم الأولالمخصص لمناقشة الخطاب الأيديولوجي بشأن الثورة، نتناول مقولة أن الثورة لم تحدث

أساسًا؛ فبحسب التصور الاستشراقي، يبدو الرجل العربي غريبًا عن فكرة الثورة نفسها، ويسهل اختزاله

إلى كائن ديني (هوموديني Homo religiosus). وفي القسم الثاني، حيث نتناول الثورة من وجهة نظر سوسيولوجية، سنعمل على استظهار الجوانب الثورية

التي تحاول القراءات الاستشراقية طمسها. في هذا السياق نعود لتناول عمل ميشيل سورا الدولة البربرية

الذي غالبًا ما يُستخدم مرجعًا و دليلً لهذه القراءات.

استحالة الثورات العربية بالنسبة إلى المستشرقين

تنتشر في الأوساط العلمية (الغربية) المهتمة بشؤون المنطقة فكرة استحالة الثورات العربية. بالنسبة إلى

المدافع عن وجهة النظر هذه، تؤدي الاختلافات الثقافية دورًا مهمًّ ومحوريًا. وهو يعتبر أن المطالبة بالمساواة

في العالم العربي مثلً ليست مسألة جوهرية كما هي في الغرب؛ فبينما يثور الرجل الغربي من أجل تحقيق

المساواة والعدالة للجميع، يبقى محرك الانتفاضات العربية هو فقدان الكرامة ورفض الإهانة بالدرجة

الأولى، وتلك تطلبات تبدو أقل نبلً، وأدنى من السياسة بأي معنى حديث، على ما يبدو. تنطلق هذه الرؤية الاستشراقية، كما نرى، من نظرة مفرطة في التمحور على الذات، وهي تتكئ على

نزعة المركزية الغربية المعطاة كبداهة ناجزة. يمكن أن نستشهد هنا بالكاتب مارتن ماليا الذي يرى أن

«الثورة هي ظاهرة من أصل غربي كما هي الحضارة المتقدمة من أصل أوروبي». واحتمال الثورة أصلً،

بحسب ماليا، إنما يستند إلى إنتاج ثقافي خاص منجز على نحو مسبق، ولا يبدو أن العرب حصلوا عليه

بعد. لذلك، وقعت الثورة الأوروبية الأولى (1415 – 4361)، المسمّة hussit في تشيكوسلوفاكيا،

ضمن إطار دولة متحدة ومركزية، حيث انتفض الثوار ضد الكنيسة الفاسدة لأنها لم تسمح ب«مشاركة

الجميع في الخلاص». هكذا يمكنه أن يرى، على سبيل المثال، أن التنوع الطائفي في سورية ولبنان يشكل

خصوصية ثقافية تمنع أي مقاربة أو مقارنة بين الحوادث الحالية الجارية في هذه البلدان والثورات التي

قامت في الغرب في أي لحظة سابقة. إن الرغبة في الانتقام، بحسب ماليا دائمً، بين الطوائف المختلفة من

جهة، والأغلبية والأقليات من جهة أخرى، يجعلنا نبتعد عن فكرة الثورة في حد ذاتها. حتى لو اتفقنا مع المفكر السوري جلال صادق العظم في أن التطور السياسي والاقتصادي هو عامل

غربي، فإن هذا لا يعني أن هذه الظواهر ليست ذات طابع «كوني». فعلى سبيل المثال، ولدت الرأسمالية في

إنكلترا، ولكنها تطورت في دول أخرى وثقافات بعيدة، كاليابان مثلً.

(1) Mircea Eliade, Le Sacré et le profane , idées; 76 (Paris: Gallimard, 1965). (2) Martin Edward Malia, Histoire des révolutions , traduit de l’anglais par Laurent Bury (Paris: Tallandier, 2008), p. 17.

(((المصدر نفسه، ص.23

(((المصدر نفسه، ص.87-86

(5) Sadik Jalal Al-Azm, Ces Interdits qui nous hantent: Islam, censure, orientalisme , textes traduits par Jalel El Gharbi (arabe) et Jean-Pierre Dahdah (anglais); révisés par Franck Mermier et Candice Raymond, parcours méditerranéens. Série Savoirs et savants (Marseille: Ed. Parenthèses; [Aix-en-Provence]: MMSH; [Beyrouth]: Institut français du Proche-Orient (IFPO), 2008).

خريف 2014

انطلاقًا من هذه الرؤية، يبدو النظام السوري ممثِّل لتوازن اجتماعي مقبول، لأنه يسمح لكل طائفة على

حدة بمساحة عيش ملائمة لها، ومدروسة بحيث تتعايش مع سواها من الطوائف. هكذا، لا يظهر بشار

الأسد ممثِّلً لحكم سلطوي، أو وارثًا في بلد جمهوري ناشئ، أو أيًا من التوصيفات السياسية التي يمكن

أن نقرأ من خلالها النظام كفاعل سياسي، بل هو يبدو بالأحرى، وبكل تأكيد، سدًّا أمام الحرب الأهلية

والمذابح المحتملة. وفقًا لهذه الرؤية ذاتها، يتسنّى أن نفهم أن الأسد يتعرض لمؤامرة خارجية بسبب من

مقاومته للإمبريالية، وأن الغاية من دعم الاحتجاجات هي إضعاف المجتمع السوري برمّته، كما حدث

في تجربة العراق سنة.2003 لا يبدو أننا بحاجة هنا إلى عناء كبير لنبرهن أن رؤية من هذا النوع تغلق الباب أمام أي فاعلية سياسية

للمواطنين الأفراد، ولا تلبث أن تعيدهم أسرى واقع تتقاسمه كيانات مغلقة وثابتة هي «الطوائف» ذاتها،

وهي تصورات تلغي بالقدر ذاته إمكان تحرير العمل السياسي، واللغة السياسية. بطبيعة الحال، إن هذا ممّا يبدو قدرًا نهائيًا لشعوب المنطقة، وجوهرًا ثابتًا و«طبيعيًا» في تكوين هذه المنطقة

وتكوين سكانها. والتصور الذي يعرضه ماليا يشكل دائرة مغلقة تقوم على تكرار وحدة تكوينية ثابتة

وجوهرية هي «الطائفة»، مع تنويعات عليها. ولا يمكن أن يطرأ أي فعل أو فاعليه، قد يخطر لسكان

المنطقة القيام بها، من دون أن يخلخل هذا «التوازن الاجتماعي». اللافت أن ما ينهار ليس الواقع الاجتماعي

وحده، بل إن القراءة التي تعتمد الطائفة وحدة قياس للنزاعات السياسية والاجتماعية تتخلخل هي أيضًا،

ولا يمكنها أن تستعيد توازنها إلا في اللحظة التي يتصاعد فيها العنف إلى درجة تذرير الصراع والوصول

به مرة أخرى إلى ما دون مستوى السياسة، ما دون مستوى «الثورة» التي هي «من أصل غربي»، ودفعه مرة

أخرى، كما ندفع مارد الحكايات السحرية، للدخول مجددًا في الفوهة الضيقة لمصباح «الخصوصية الثقافية». التصور السابق ليس بعيدًا عن المنطق ذاته الذي تتأسس عليه كل نظرية مؤامرة في المقابل. لنلاحظ

أن هناك أساسًا منطقيًا يمكن تتبّعه لرواج نظرية المؤامرة في المشرق العربي؛ إذ يمكن أن يبدو الشرق

الأوسط فعلً مجرد ساحة لمؤامرات قوى عظمى تواصل «اللعب» و«التلاعب» بمصير المنطقة وتكوينها.

إن الأمثلة كثيرة، وشائعة في الأوساط الثقافية والشعبية، بقدر الهزائم وخيبات الأمل، وهي تستعاد ما

إن تكون هناك حاجة إلى نظريات مماثلة بإزاء أي حادث جديد: اتفاقية سايكس - بيكو؛ وعد بلفور؛

هزيمة 48 وصفقة الأسلحة الفاسدة؛ حربا الخليج الأولى والثانية؛ الانقلاب على مصدّق [في إيران] أو

معاقبة عبد الناصر عقب تأميمه قناة السويس.. إلخ. من هنا تنبع خطورة التحليل الآلي السكوني المعتمد

على نظرية المؤامرة؛ إنها تنكر مبدئيًا كل فاعلية للعمل الجماعي والفردي في التاريخ، وهي لا تعمل على

تفسير الوقائع والتحولات، ولا تكاد تنشغل بها إلا لتستكشف، متأخرة بالطبع، «النيات» و«الإرادات»

و«القوى» الخفية التي تحرك عالمنا وتاريخنا. ومع ذلك، فبعد عقود من هذه «النظريات»، لا يكاد المرء

يقع على ما يضيء فعلً حركة التاريخ وتحولات المجتمع في المنطقة، شأنها في ذلك شأن النظريات المتعلقة

ب«خصائص» المشرقيين و«طبائعهم» أو «قدرهم» السياسي. هكذا يبدو لنا أن التحليل الوحيد الذي يمكن أن يساعد على فهم حوادث وتحولات على هذه الدرجة

من الاتساع، هو تحليل دقيق للواقع يلتقي فيه التناول السوسيولوجي بالتحليل السياسي السياقي، ويتعين

عليه أن يقاوم القراءات التبسيطية و«الجوهرانية»، كما يقاوم إمكانية احتوائه في الدعاية التي ترافق نزاعات

جارية تنطوي على قدر هائل من العنف.

محاولة لقراءة المجتمع السوري. ثلاثون سنة بعد ميشيل سورا، نقد وتحليل الخطاب الطائفي

من الأهمية نقد الخطاب الذي يتأسس على النظر إلى فروق «جوهرية» لا تحول بين المشرق العربي والغرب،

خاصة حين يتعلق الأمر بتحولات وتطلعات وتكوينات سياسية حديثة، وفي سياق من النضال السياسي

بالدرجة الأولى. ما نؤكده هنا هو أن قراءات كهذه تسهّل إلغاء السياق التاريخي أو التعتيم عليه كما على

البشر الفاعلين فيه. ليست المسألة في أن هذه القراءة تلتقي مع أكثر القوى المحلية الفاعلة في الصراع رجعية

ومحافظة، لجهة أنها تذوب تعقيد الصراع السياسي والاجتماعي في واحد من جوانبه فقط، أي الجانب

الطائفي، أو أي من التكوينات السابقة على نشوء الدولة، أو إنها، شأن هذه القوى المحافظة ذاتها، لا تقدم

من أفق للمنطقة والصراع إلا ماضيها ذاته. المشكلة أنها لا ترى ولا تقر بأن صورة هذا «الماضي» هي -

شأن رؤيتها للتكوينات الطائفية أو العشائرية اليوم - ليست إلا «نسخة» ممكنه فقط من «الماضي»، بعد أن

جرى «تعريفه» و«تحليله» وحفظه في كبسولة تسهل استعادتها، وأن تعيين مكونات الصراع وتحديدها، كما

تعيين ماضي الصراع والمنطقة وتحديده، ليسا مسألة من خارج النزاع السياسي بالتأكيد. إنها إذًا انتفاضات أو احتجاجات أكثر ممّا هي ثورات حقيقية كما يشيع في الأوساط الغربية، على أن تعبير

الاحتجاجات لا يُستخدم هنا توصيفًا بقدر ما يبدو مدخلً للتقليل من أهمية الحادث وبالتالي فرض

قراءات من خارجه. وتبعًا لهذه القراءات نفسها، فإن المنطقة لم تعرف حتى الآن إلا ثورة حقيقية واحدة

هي تلك التي أسقطت الشاه. غير أن هذا المنطق ذاته، وهو يبدو لنا استنسابيًا ومتعاليًا، يمكن أن يقودنا

إلى القول إن الثورة الفرنسية أو الثورة الروسية لم تكن كذلك حقًا. كانت الثورة دائما ظاهرة طويلة الأمد، وهي تؤثر في الجسم الاجتماعي بطرق مختلفة. في الكتاب الشامل

الشعب يريد يفضل جيلبير الأشقر استعمال كلمة «انتفاضة» للحديث عن 25 كانون الثاني/ يناير 2 011

في مصر كمرحلة من دينامية ثورية، ونظرًا إلى أهمية التعريف نقتبسه مطولً: «هكذا يحتكر المحافظون من كل لون وصنف (وبعضهم، في منطقتنا، يصف نفسه حتى بالتقدمية ومناهضة

الإمبريالية) الانتفاضات التي تهبّ ضد الظلم التي يتماهون معه، متهمين تلك الانتفاضات بالتخريب إن

لم يكن بالمؤامرة. ولا يغير ذلك شيئًا من حقيقة أن اقتحام الشعب المتحرر من قيوده ومن عبوديته، سواء

كانت عبودية «طوعية» أو مفروضة، وتوكيد إرادته الجماعية قي الميادين العامة، ونجاحه في إسقاط قاهريه

من الطغاة، إنما هي علامات لثورة سياسية لا تخطؤها [تخطئها] عين». في الواقع، ليست المراحل الثورية التدرجية متماثلة دائمً، وهي تختلف بحسب المكان والشرائح الاجتماعية

التي ندرسها. يمكننا القول إن الصفة الثورية لحادث سياسي لا تقاس بمركزيته ولا بحجم الحراك ولا

بمدته الزمنية. خصوصية الثورة، كما تبدو لنا، هي أنها تشكّل قطيعة مع ما يسبقها، تتحول نقطة تفصل

بين قبل وبعد، ما بين شرعية النظام وعدم شرعيته. وبهذا المعنى، يعرف السوريون أكثر من غيرهم

ومن المختصين أن الثورة حدثت حقًا، وأن مجتمعًا آخر سيولد من هذه الفوضى. السؤال الأساسي لا

يتمحور حول معرفة ما إذا حدثت ثورة في سورية أم لا، بل ما إذا كان هناك نظام سياسي جديد سيحل

محل القديم وما إذا كان سيغلق، ولمدة طويلة، كل إمكانية ثورية وتحررية كما حدث في الثورة الإسلامية

الإيرانية وكما حدث في شهر تيرميدور عشية الثورة الفرنسية.

(6) Barah Mikaïl, Une Nécessaire relecture du Printemps arabe , recto verso (Paris: Ed. du Cygne, 2013), p. 8.

(((جلبير الأشقر، الشعب يريد: بحث جذري في الانتفاضة العربية (بيروت: دار الساقي، 0132)، ص.12

(((اسم شهر في تقويم الجمهورية الفرنسية تم تبنّيه إبان الثورة الفرنسية، والتاسع من هذا الشهر يوافق سقوط روبسبير وأتباعه.

خريف 2014

إلى ذلك، تنطوي الحالة السورية على وضع راديكالي أقصى؛ ذلك أن نظام الحكم عمل على كبح الطاقة

الثورية بتقديمه إمكانية حرب لا نهاية لها، كبديل وحيد من الوضع القائم. مع ذلك، فإن الأوضاع التراجيدية التي تعيشها سورية اليوم لا تثبت بحال عدم إمكانية الثورة في هذا

البلد. تبدو لنا الحركات الإسلامية الراديكالية في هذا السياق أعراضًا مرَضية لشدة الثورة المضادة. في

مواجهة الثورة قام النظام بإعادة إحياء الأطر الطائفية، معتمدًا سياسات قوامها الإفراط في استخدام

القوة، كما يمكننا أن نشير إلى أن النظام لم يستطع تخطي الأزمة أو احتواءها بآليات وأدوات داخلية فقط، بل

اعتمد على حلفاء خارجيين (إيران وحزب الله) تدخلوا بشكل مباشر لدعمه. كما أن أطرافًا من المعارضة

اعتمدت على قوى خارجية (قطر؛ السعودية؛ تركيا)، وهذه العوامل مجتمعة بلورت الانقسامات العمودية

الطائفية بين محورين شيعي وسني، وأظهرتها باعتبارها قوام الصراع السياسي ومرتكزه الأساسي، علمً أن

تلك الانقسامات لم تكن حاضرة بمثل تلك الحدة حتى ما قبل سنة 0112، وعلمً أن رئيس الوزراء

العراقي الشيعي [السابق] نوري المالكي نفسه اتّم النظام السوري سنة 0052 وحمّله مسؤولية جرائم

ضد الشعب العراقي من طريق دعمه الجهاديين والإرهاب.

ما بعد سورا

كانت الانتفاضة السورية في بداياتها- مستخدمة أشكالً متنوعة من المقاومة ومواجهة النظام - أكثر

تمنعًا على القراءة الطائفية للواقع السوري. هذه القراءة، التي لا تزال المرجعية المركزية لعدد من المحللين

والمعلقين، راحت تفرض نفسها باطراد مع تصاعد العنف في سورية. ونحن نرى أن كثيرًا من أصحاب

هذه القراءة يستندون في عملهم، بشكل ضمني أو معلن، إلى مؤلَّف ميشيل سورا الدولة البربرية. ولذلك،

من الملائم العودة لكي نقرأ مباشرة عمل الباحث الفرنسي الناطق بالعربية. أنهى سورا كتابة نصوصه في أوائل ثمانينيات القرن الماضي. وجُعت هذه النصوص بعد وفاته في كتاب

مخصص للحديث عن سورية تحت العنوان المشار إليه. يحاجج سورا بأن السلطة في سورية تتركز في يد «العلويين»، وهم أقلية مهمشة تاريخيًا، قبل أن يقارن وضع

حكم الأقلية في سورية، من خلال إحالة تاريخية، بوضع المماليك في مصر. هكذا يصبح العلويون في نظر

سورا هم «المماليك الجدد» في سورية. الدولة البربرية، بحسب سورا، يجب فهمها بوصفها انتقام الصحراء من المدينة، وفي سورية يعني ذلك -

بحسب الصحافي الفرنسي - انتقام الجبل العلوي من المدينة السنية. تعتمد مقاربة صاحب الدولة البربرية مفاهيم خلدونية بالأساس، وتعيد تحيين نموذج خلدوني معروف.

وهكذا، فإن الثلاثية الخلدونية (عصبية، دعوة، ملْك) يعثر عليها في سورية ما بعد الانتداب الفرنسي،

من دون فروق أو اختلافات تستحق الذكر، في ثلاثية مماثلة (الطائفة العلوية، البعث، السلطة الشمولية

لحافظ الأسد، أو الملك الجديد). متتبعًا هذا النموذج، يبيّ سورا كيف أن حزب البعث - كحزب شمولي تحت سيطرة الضباط العلويين

- استُخدم أداةً للسيطرة على الدولة والمجتمع في سورية، وكيف أن هذه السيطرة كانت تقوم أساسًا

.>https://www.youtube.com/watch?v=Sf8iTG-2xrM< ((انظر الموقع الإلكتروني:(

(10) Seurat, p. 31.

محاولة لقراءة المجتمع السوري. ثلاثون سنة بعد ميشيل سورا، نقد وتحليل الخطاب الطائفي

على فكرة «العصبية» التي شكلت رابط ا خاصًا جمع هؤلاء العلويين من خلال حزب البعث نفسه حول

سلطة الأسد. انتشرت نظرية سورا في أوساط المثقفين والمستشرقين، عربًا وغير عرب، وهي تشكل اليوم نوعًا من

الأرثوذكسية الفكرية المهيمنة في تحليل الشأن السوري. وحتى لو ساعدت تلك النظرية جزئيًا في فهم جوانب ممّا يحدث في سورية اليوم، فإنها تبقى، بشكل

أساسي، حبيسة فكرة ناجزة ترى أن الحاضر السوري ليس أكثر من ماض مستمر، وأن الواقع السياسي

الحالي يمكن تأوليه من خلال النظر في تاريخ الطوائف. إن الباحثين المستندين الى هذه النظرية حاليًا، غالبًا ما أهملوا، من دون كثير من البراءة على ما نرى،

المفهوم الأهم في نظرية ابن خلدون، ونعني مفهوم «العمران». وهو ما سنعود إليه لاحقا لتقديم مزيد

من التفصيل. يميل أبناء سورا ونظريته أمام التحولات الاجتماعية في سورية، وفي المشرق عمومًا، إلى الإقلال من أهمية

عوامل التغير الاقتصادي والاجتماعي الذي طرأ على سورية في العقود الأخيرة. فمنذ السبعينيات، لم تكن

النخبة السياسية الحاكمة نخبة عسكرية فقط، ولم يكن قوامها «الضباط العلويين» «المتقنعين» بقناع السلطة

البعثية فحسب، وبالتالي، يبدو تحليل السلطة والنخبة المسيطرة عبر القراءة الطائفية فاقدًا للصلاحية أكثر

فأكثر في ضوء الحوادث الراهنة اليوم، حيث يبدو «النظام» بوضوح، وفي ضوء الصراع على سورية، أكثر

من مجرد تجمع «علوي» باسم «العصبية». لقد تشكل النظام بداية من تحالف واسع مع برجوازيات المدن

ورأس المال المحلي، واستند منذ انقلاب حافظ الأسد، إلى توازن إقليمي وصل فيه الجناح المحافظ في

البعث إلى السلطة في سورية. وهذا النظام دافع ويدافع عن مصالح البرجوازية السنية، كما يواصل الدفاع

عن تحالفات وتوازنات واسعة في المجتمع السوري برمّته. تجاهل هذه العوامل يتيح للمستشرقين حجب

العوامل الاجتماعية والاقتصادية عبر المبالغة في دور العوامل الثقافية والدينية. بشكل عام، نعتقد أن القراءة الطائفية، أو بشكل أكثر دقة، القراءة المؤسسة على اعتبار الطوائف وحدها،

وبشكل أساسي، الفاعل السياسي الأبرز في السياسة والاجتماع السوريين، ليست قراءة غير كافيه وقاصرة

فحسب، بل هي تندرج اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، في سياق النزاع على تثبيت «سردية» تصطنع

بالطبع، شأن كل سردية، على حساب سرديات أخرى، أي إنها قراءات غير محايدة، بل فاعلة في النزاع

القائم بأشكال عدة أو يسهل على الأطراف المتنازعة استخدامها. وما يؤخذ عليها هو أنها تتعامل مع

الطوائف ككتل متجانسة، وتخلط بين مفهومي الطائفة والطائفية، وأن التمييز بينهما ضرورة ملحة

هنا، لأن الطائفة ترتبط بوجود تاريخي ضمن فضاء جغرافي محدد، وتحمل هذه الجماعة رؤية خاصة

لتأويل العالم، دينية أكانت أم فلسفية؛ فهذا الوضع الاجتماعي يتحول الى طائفية في اللحظة التي تصبح

فيها العقيدة (الأيديولوجيا) هي أساس العلاقة مع الآخرين، أي حين تصبح «عقائد» الطائفة عبارة عن

مشروع سياسي أو طبقي يسمح للطبقة الحاكمة المنبثقة عنها بالسيطرة على المجتمع، أو في صراعها مع

الآخر، حيث هنا يتم توظيف تراث الطائفة كله للتحريض ضد الطوائف الأخرى، واستنادًا الى موروث

صراعي قديم.

(((1 سلامة كيلة، «الطائفية والنظام الطائفي في سورية،» الحياة،.2013/11/3

خريف 2014

من هذا المنطلق نجد عند الإخوان المسلمين والسلفيين ميلً إلى احتكار تعريف الإسلام والحديث باسمه،

كما هي الحال عند الجمهورية الإسلامية أو حزب الله؛ فهي قوى تقوم على أساس ديني، وتحدد الأنا

والآخر على هذا الأساس، والحجج المسوقة عادة عن طائفية النظام السوري هي تقديم لوائح بأسماء تشير

إلى أن المناصب المهمة والمفصلية في الدولة هي بيد علويين، وبلغة الأرقام هذا صحيح، ولكن هل يحكم

هؤلاء من المنظور العقائدي العلوي ويعملون على نشره؟ هل قاموا بتجيير إمكانيات الدولة لمصلحة

مناطقهم، أم أن النظام متمركز حول الحفاظ على السلطة فقط؟ هل يعرف المجتمع السوري الكثير عن

المعتقدات العلوية ورموزها غير بعض الصور النمطية والمتخيلة، والتي ساهم الخطاب الاستشراقي في

نحتها وبثها لأسباب وظيفية تخدمه وتخدم مشاريعه؟ ولكن ما حدث هو مناقض الى حد ما لهذه الرؤية،

ويحتاج الى تدقيق. فمع وصول حافظ الأسد إلى السلطة، نلاحظ ميلً متدرجًا ل«تسنين» الطائفة العلوية؛ فالأسد -

وبهدف تمتين سلطته واكتساب المزيد من الشرعية - أظهر تقاربًا تجاه الإسلام السني (إقامة الصلوات في

الجوامع السنية، وبناء جوامع في القرى العلوية، والاحتفال بالأعياد الرسمية بحسب التقويم السني)،

كما أنه طلب من العلامة موسى الصدر إصدار فتوى لضم العلوية كفرع من فروع الشيعة والإسلام. في

فترة حكم الأسد خسرت الطائفة العلوية الكثير من خصوصيتها كحامل ثقافي وديني، وتشتت تراثها،

وهذا التوجه يظهر جليًا في مناهج التدريس العامة التي تحمل نسخة سنية متناقضة مع التعاليم العلوية،

وفي قوانين الأحوال الشخصية المستوحاة من التأويل السني والمطبقة على السوريين جميعًا، ما عدا الدروز،

والأهم هو إلغاء بعض الطقوس الرمزية وعدد كبير من الأعياد العلوية المهمة (مثل عيد الزهورية وعيد

الأربعين) والتي يعود بعضها إلى ما قبل الإسلام. وفي السنوات اللاحقة لوصول الأسد إلى السلطة،

قام بحملة اعتقالات سياسية طاولت شخصيات علوية وحتى الرفاق الأوائل لثورة البعث، خوفًا من

شخصيات من داخل جهاز السلطة تستطيع نقد انحرافه السلطوي. كما تخلى النظام عن أعمدة داعمة

لحكمه بعد أزمة 9841، وأبعد شقيقه رفعت الأسد وقائد الوحدات الخاصة علي حيدر، واحتفظ

بحكمت الشهابي وبمصطفى طلاس وزيرًا للدفاع. مع ذلك، بقيت المعارضة العلوية قائمة طوال حكم الأسد (الأب والابن)، ولكنها ليست معرّفة بذاتها

كمعارضة علوية بل كمعارضة منخرطة في الحركات الديمقراطية ذات الطابع العلماني على الأغلب، أو

الحركات اليسارية والمهتمة بالشأن العام، على الرغم من هذا التقارب المالي والديني من الأوساط السنية.

وقد هاجمت جماعة الإخوان المسلمين النظام واتّمته بالكفر، كما شرّعت وجوب إسقاطه لأنه من الأقلية

النصيرية عوضًا عن انتقاد الممارسات السلطوية للنظام وفساد الطغمة الحاكمة. هذا الخطأ الاستراتيجي

منح النظام فرصة تقوية سلطته باللعب على خوف الأقليات وإقناعها بأن أمنها مرتبط بوجوده، وأصبح

العلويون رهائن للنظام.

(((1 استخدم كتّاب عدة مصطلح «تسنين الطائفة العلوية»، وأعدتُ تفصيله في:

Akram Kachee, «Trajectoires de villes syriennes dans la révolution vers l’émergence d’une citoyenneté ?,» Confluences Méditerranée , no. 85: Villes arabes: Conflits et protestations (Printemps 2013).

(((1 عيد الزهورية، هو عيد للاحتفال بقدوم الربيع، ويتوافق مع عيد النيروز عند الأكراد والفرس، وفي نيسان/ أبريل يُحتفى بعيد

الأربعين، وعيد «أدونيس» إله الخصوبة، وأعياد كنعانية أخرى من الميثولوجيا السورية.

محاولة لقراءة المجتمع السوري. ثلاثون سنة بعد ميشيل سورا، نقد وتحليل الخطاب الطائفي

لئن اعتمد النظام في سورية على عصبية ما، فإنها عصبية الامتيازات، عصبية كل المستفيدين أيًا تكن

طائفتهم، عصبية كل من سيخسر الكثير إذا سقط النظام. وهنا يقدم لنا الباحث سهيل بلحاج في

أطروحته عن «سورية بشار الأسد» تحليله سبب عدم سقوط النظام، وهو أن حجم التداخل والتحالفات

بين السنّة والعلويين والمستفيدين من كل مكونات المجتمع السوري بلغ حد أن سقوط أحدهم يهدد

سقوط الآخر، وهذا ما يفسر عدم تصدع جهاز الدولة والجيش حتى الآن. رؤية ميشيل سورا تجمّد سورية في الزمن والتاريخ، وكأن هذه البلاد معزولة ولم تعش انهيار الاتحاد

السوفياتي والكتلة الشرقية، وهي بمعزل عن الثورة التكنولوجية والاتصالات الحديثة، غير أن المجتمع

السوري، ككل المجتمعات، تغير كثيرًا في العقد الأخير تحت تأثير عوامل متداخلة، كالعولمة والتحرر

الاقتصادي؛ هذه التغيرات أبعدت بشكل خاص الأجيال العلوية المعولمة حديثًا عن بيئتها الريفية، وبدا

أن النظام اتجه بعد مرحلة الحصار الاقتصادي والسياسي في الثمانينيات إلى اقتصاد السوق وإعطاء مجال

أوسع ومراقب للقطاع الخاص عن طريق آلية إنشاء القطاع المشترك بين الخاص والعام، وكان الهاجس

الأساسي للأسد الأب ألاّ يفقد النظام سيطرته على الدولة والمجتمع، ولم يكن هذا سياسة إصلاحية

بالمعنى التوجهي بل كان لأسباب ناتجة من أزمة ما، كالحاجة إلى العملة الصعبة أو الحاجة إلى دينامية

القطاع الخاص في التوظيف لامتصاص البطالة المتنامية، وهو ما تم في قطاعات خاصة بعينها، كالسياحة

والزراعة، وهذه السياسة سمحت بتوسيع التحالف العسكري - التجاري وبإعادة ضم الطبقة البرجوازية

التي تأثرت بسياسات التأميم التي قادها حزب البعث عند وصوله إلى السلطة، وشهدنا في هذه المرحلة

بزوغ شخصيات مقربة من النظام وداعمة له مثل راتب الشلاح وعثمان العايدي وصائب نحاس،

وآخرين ممن استفادوا من هذه الموجة. تبعت ذلك حزمةٌ من القوانين في بداية التسعينيات، مثل قانون الاستثمار رقم 01 لسنة 9911، وهو

القانون الذي شكّل نقلة نوعية بإطلاقه. ثم صدرت مجموعة من القوانين المماثلة بعد وصول بشار

الأسد، وذلك لضم رجال الأعمال الجدد المقربين من السلطة، كابن خال الرئيس رامي مخلوف، في

ما سمّي «رأسمالية الحبايب »، وصعود الشركات القابضة المعولمة المتحررة من سيطرة الدولة وضمن

سياق ما عُرف ب«اقتصاد السوق الاجتماعي». نقرأ للباحث جمال باروت ملخصًا للسياسات الاقتصادية الأخيرة عشية الانتفاضة السورية،

وموضحًا بشكل جلي الأزمات وانسداد الأفق بسبب تأخر بدء سياسات إصلاحية حقيقية لمواجهة

التحديات التي تواجه البلد:

(14) Souhaïl Belhadj, «La Syrie d’Al-Assad: De la résistance du régime,» Moyen-Orient , no. 21 (Janvier-Mars 2014), p. 62.

(((1 راتب الشلاح مدير غرفة التجارة والصناعة في دمشق؛ عثمان العايدي صاحب فنادق سلسلة الشام؛ صائب النحاس رجل أعمال

ويعمل في قطاع التمويل والنقل.

(((1 فولكر بيرتس، الاقتصاد السياسي في سورية تحت حكم الأسد، ترجمة عبد الكريم محفوض؛ مراجعة حازم نهار (بيروت: دار

الريس،.)2012

(((1 صاحب أكبر حصة في شركة «الشام القابضة» وقدّر حجم أعمالها ب 0 6 في المئة من النشاط الاقتصادي السوري.

(18) Caroline Donati,   L’Exception syrienne: Entre modernisation et résistance , cahiers libres (Paris: La Découverte,

(1((المصدر نفسه، ص.225

2(((محمد جمال باروت، العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح (بيروت؛ الدوحة: المركز العربي للأبحاث

ودراسة السياسات، 0122)، ص.164

خريف 2014

«وصل برنامج التحرير الاقتصادي التسلطي في السنوات الثلاث الأخيرة من العشرية المنصرمة إلى

مفرق الأزمة، وأنتج ما أنتجه في شروط وقوع الأزمة المالية، كاتساع الفجوة على صعيد اختلال في

التنمية المناطقية، وارتفاع درجات الفقر والحرمان المادي والإنساني وتزايد تشوهات توزيع الدخل

وإفلاس مئات المصانع الصغيرة بفعل تحرير التجارة الخارجية، وتركز رأس المال السوري في قبضة

‹المئة الكبار› من مؤسسي الشركات القابضة الكبيرة، وارتفاع معدل البطالة مع نشوب هجرة داخلية

قاسية ناتجة عن الجفاف، وارتفاع معدل الفساد.... لقد حكمت هذه الخلفية الاجتماعية - الاقتصادية

حركات الاحتجاج في المدن السورية وطرحت أسئلة حادة عن نهاية حقبة كاملة من نموذج النموّ

التسلطيّ المُلبرل».

ولكن ما حاجتنا إلى النظر إلى الاقتصاد مثلً، أو التحولات التي طاولت الريف السوري مع بداية حكم

البعث، وتحولات سياسات السلطة في مجال القطاع العام؟ ما حاجتنا إلى النظر إلى تحولات «الطوائف»

نفسها طوال عقود خمسة من حكم البعث، ما دام أن هناك «عصبية» تم تعريفها وتعيينها بدءًا كفاعل

رئيسي يُفهَم كل شيء في ضوئه. في الواقع، ليست المشكلة مع قراءة سورا في أنها لا تقرأ الواقع السوري وتحولاته، بل هي تحديدًا في أنها لا

تقرأ هذا الواقع إلا بوصفه مادة العلويين، «أصحاب الملك»، ومجالهم، يمارسون فيها أفعالهم في سياق لا

تاريخ له، حتى بالنسبة إلى هؤلاء العلويين أنفسهم. هكذا مثلً تهبط الطائفة العلوية بعد وصول البعث إلى السلطة من الجبال العلوية نحو العمران،

و«تستوطن» المدن، على حد تعبير سورا، وتفعل فعلها فيها كعصبية ناشئة. يحصل هذا الهبوط مثلً خارج

أي تاريخ، وهو هنا لا يبدو مرتبطًا بسياق الهجرة من الأرياف نحو المدن، كما كانت الحال في القاهرة

أو بغداد أو بيروت. إن ما تفعله قراءة سورا هو أنها تحجب عنا حتى السياق الذي تتمدد فيه «العصبية

العلوية» حتى لو قبلنا بها فرضيةً معقولة لتفسير الواقع السياسي. «يستوطن» العلويون وحدهم المدن، ولكن ماذا عن سكان جنوب سورية وشمالها؟ ألم يخطر لهم أن

يستوطنوا هم أيضًا في العاصمة والمدن الكبرى؟ ألم تطرأ تحولات على علاقة هؤلاء بالمدن مرتبطة

بتحولات سياسية واقتصادية... إلخ؟ بالطبع، غير أن المدخل لفهم ذلك، بحسب سورا، هو تلك

«العصبية» نفسها. في المقابل، لا تتيح نظرية «العصبية» تفسير ما يحصل ل «العصبية» نفسها والتي يفترض - بحسب رؤية

ابن خلدون - أنها تضعف وتتشتّت وما يحصل للأفراد الذين يفعلون باسمها. حين «يستوطن» أبناء

الأرياف في المدن ما الذي يحل بهم؟ ما تكون حال الجيل الثاني منهم مثلً؟ ما تكون حال الجيل الثالث؟

هل يمكن أن تستشرف نظرية سورا أي مستقبل ممكن لهؤلاء ال«مستوطنين»؟ وفي أي سياق؟ تلغي

نظرية سورا عمليًا، كما نرى، أي إمكانية للنظر إلى المجتمع باعتباره حركة مركّبة، وهي تزيح جانبًا أي لغة

سياسية حديثة، و تحل بديلً من الاصطلاح والمفهوم العلمي الحديث، الجهاز الخلدوني القديم. المؤشر

الأبرز على قصور نظرية سورا يمكن العثور عليه هنا بالضبط، هذه نظرية تبحث وتحاول أن تفهم «الملْك»

و كيف يتأسس و يتأبد، أما المجتمع، حيث يمارس «الملك» فعاليته، فهو تال ولاحق. والاجتماعي يبدو في

تحولاته وحركيته أقرب إلى تابع هزيل للملك الجديد.

محاولة لقراءة المجتمع السوري. ثلاثون سنة بعد ميشيل سورا، نقد وتحليل الخطاب الطائفي

هل يمكننا أن نقول: كان لهذا الهبوط تأثير في إضعاف روح العصبية المفترضة إذا آمنّا أن الطائفة كتلة

متجانسة؟ هل بإمكاننا أن نفترض أن تغيرًا قد طرأ على منظومة القيم والملامح الشخصية للطائفة بشكل

ملحوظ بسبب ممارسة السلطة والانخراط أكثر في المجتمع السوري، كالزواج المختلط أو التعيينات

الحكومية، بعيدًا عن مناطقهم كموظفي دولة، والذي أصبح متاحًا نتيجة تطور وسائل النقل الحديثة

ودورها في تمدن الريف؟ إن مجمل هذه الظواهر أضعف البنى الأبوية في مقابل صعود الفرد، وبدأت

الخلية الأسروية الصغيرة تحتل مكانًا أوسع على حساب القبيلة أو العشيرة. كما عرفت أوضاع النساء

بشكل عام، وضمن الأقليات بشكل خاص، ما يسميه يوسف كرباج «التحول الديموغرافي»، أي

انخفاض معدل الولادات 5 في المئة بشكل عام و 2 في المئة ضمن الأقليات، مقتربًا من المعدل الأوروبي،

إضافة إلى انخفاض الأمية وارتفاع مستوى التعليم العالي، وهو ما اعتبره كرباج مؤشرات مهمة توقّع من

خلال دراستها حدوث «زلازل» اجتماعية مفصلية في المنطقة العربية بشكل عام. انعكست هذه التحولات الاقتصادية والاجتماعية بشكل خاص على النشطاء الذين أطلقوا الشرارة الأولى

للتظاهرات، والذين تتراوح سنّهم بين 15 و 25 سنة. وإذا سلّطنا الضوء على خلفية هذا الجيل نجد

أن أبناءه هم الناتج المباشر لهذه التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وهم لم يعايشوا فترة حافظ الأسد

وتداعياتها، ونرى أنهم أكثر براغماتية في خياراتهم الوظيفية بما يتناسب مع سوق العمل، بعضهم يجيد

استخدام المعلوماتية والتكنولوجيا الحديثة ويعمل ضمن القطاع الخاص بنسبة أعلى من الأجيال السابقة،

ولا ينكر انتماءه الديني لكنه غير منشدّ الى الأيديولوجيا الإسلامية. هذا الجيل الجديد ادى دورًا مهمًّ في

بداية الحراك، وأظهر قدرة على التنظيم والابتكار والتضامن على الرغم من الظروف الأمنية القاهرة.

وانتشرت في كل أنحاء سورية مبادرات متعددة الأشكال، منها: إنشاء هيئات التنسيق المحلية؛ تنظيم

المساعدات؛ إقامة مشافٍ ميدانية؛ إدارة ذاتية لبعض المناطق والحارات؛ تطوير وسائل جديدة للتظاهر؛

ملء الفراغ المتروك من قبل الدولة (الخدمات العامة، الأمن، التربية والتعليم...)؛ إصدار جرائد وتقديم

أعمال فنية تعبّ عن الثورة وأهدافها. سمحت هذه التجارب المشتركة بظهور حس مدني ووعي سياسي جديدين، وقدرة على البحث عن

توافقية سياسية بين أطراف عدة بعضها لا يعرف بعضها الآخر مسبقًا، وتعبّ عن تنوّع المجتمع السوري،

مثال ولادة حركة «معًا من أجل سورية حرة وديمقراطية». وعلى الرغم من انحراف الثورة السورية

عن أهدافها، فإن هذه التجارب ساهمت في نزع النظام من المجتمع السوري، ولربما سيكون لها دور إيجابي

في سورية المستقبل، مقارنة بالجمهورية الفرنسية الثالثة التي استعادت قيم الثورة الفرنسية بعد تسعين سنة

من سقوط الباستيل.

(((2 يوسف كرباج، «زمن التحولات الديموغرافية هو زمن الثورات،» (محاضرة، جامعة ليون الثانية، فرنسا، 6 تشرين الأول/ أكتوبر

011.)2 عكف كرباج، وبالتعاون مع المؤرخ الفرنسي إيمانويل تود، على دراسة المجتمعات المتأثرة بالإسلام من خلال مؤشرات

«التحول الديموغرافي» ومقارنتها بالمجتمعات الأوروبية وتوقعوا حدوث ثورات في هذه المجتمعات. لمزيد من التفاصيل:

Youssef Courbage et Emmanuel Todd, Le Rendez-vous des civilisations , la république des idées (Paris: Seuil, 2007). (22) Leïla Vignal, «Syrie, anatomie d’une révolution,» La Vie des idées, 27/7/2012, sur le site électronique: <http://www. laviedesidees.fr/Syrie-anatomie-d-une-revolution.htm>.

(((2 للاطلاع على الأوراق السياسية للحركة، انظر الموقع الإلكتروني:.>http://alhiwaradimocraty.free.fr/20-08-2011-2.htm<

خريف 2014

حدود هذه القراءة

نختم بإعادة طرح السؤال: لماذا تم تجاهل هذه التحولات ي مقابل تكرار سردية تنتهي بأن تصبح «نبوءة

ذاتية التحقق»؟ كنا قد بيّنا أن المجتمعات العربية مرت بتحولات مهمة جعلت بقاء الأنظمة على ما هي عليه أمرًا

مستحيلً، وهو ما أدى الى كسر عقد الطاعة بين الحاكم والمحكوم. ولردم الهوة بين الأنظمة ومجتمعاتها،

كان من الممكن تخيل توافقية تقنن الرغبة في التغيير على الطريقة الصينية مثلً، أي «الثراء الرأسمالي

مقابل الاستسلام للاستبداد»، ولكن اقتصاديات الدول العربية لا تسمح بمثل هذا التبادل بين المجتمع

والسلطة. وبما أن النظام السوري لم يستطع انتزاع شرعية مماثلة، اختار طريق العنف، وبالعنف وحده

يحاول الحصول على الخنوع والاستسلام. من هنا، لا يبدو لنا غريبًا التشديد مرة أخرى على أن الانتفاضة

السورية تحمل دلائل ثورية واضحة. أمام واقعة كالثورة السورية، يمكن لنظرية سورا، حتى بعد مرور أربع سنوات، أن توفر مرجعًا معقولً

لنظريات لا تزال ترى أن جوهر الصراع في سورية هو بين «العصبية» «العلوية» ذاتها والثورة الشعبية

«السنّية» المتطلعة إلى الحرية والكرامة. ويجد فيها المتعاطفون مع السنّية السياسية سردًا عن كونهم ضحايا

عانوا التهميش والإقصاء، ويلائم المفتونين بالنموذج اللبناني كنموذج يماثل واقع الشرق الأوسط بأكمله

ويمكن تعميمه على الحالة السورية، الممر الذي يسهل مأسسة الطائفية والقبول بطائف سوري على

نمط اتفاق الطائف (9901) الذي وضع حدًا للحرب الأهلية اللبنانية وأعاد تعريف الأطراف الجدد،

كما أعاد رسم الحدود بين الطوائف بناءً على معطيات جديدة. ولعل في كتاب أسامة مقدسيثقافة

الطائفية ما يساعدنا على فهم ميكانيزم (آليات) المراحل الانتقالية، أريد لها أن تحمل تغييرًا إيجابيًا، كمرحلة

الإصلاحات العثمانية («التنظيمات»). ويُظهر لنا المقدسي بكثير من التفصيل والدقة، كيف تحولت حركة

طانيوس شاهين في جبل لبنان سنة 8601 من حركة ذات مطالب اجتماعية عادلة إلى حرب أهلية طاحنة

أودت إلى المذبحة المعروفة. ويختم المقدسي بالإشارة إلى أن «الصراعات الإثنية والدينية البادية اليوم ليست

انبعاثات لأهواء بدائية أو أصلية، وإنما تبدأ بإدراك سيرورات تفعل فعلها في مجتمعات حديثة أخرى، وإن

يكن بأشكال وخطابات مختلفة». كيف يمكن إذًا أن نفهم هذه الثورة «الحديثة» ونحن نراها تحدث في سياق الربيع العربي، في تونس،

ومصر واليمن وليبيا؟ هل يجب علينا أن نعثر في كلٍّ من هذه البلدان على مقابل ل«العصبية» العلوية

لكي تستقيم النظرية؟ أم أن سورية حالة خاصة داخل الربيع العربي؟ وإذا كانت حالة خاصة، لَِتزامنت

ثورتها مع الثورات الأخرى؟ وإذا كانت المسألة السورية هي بين أغلبية سنية وأقلية علوية، فلماذا كل هذه

الانقسامات بين الجماعات الإسلامية المتحاربة؟ أسئلة من هذا النوع لا تشكّل إرباكًا لنظرية «العصبية»

بالتأكيد. النظرية تقوم أساسًا على تجاهل «السياق» لمصلحة «الخصوصية»، وتجاهل الحركة لمصلحة

«الثنائيات الضدية»، وتجاهل التاريخ لمصلحة «الطبيعة»، وهي بالتأكيد أداة ممتازة لشغل دعاية ضد النظام

العصبوي، لكنها ليست معنية كثيرًا بأن تشرح لنا أي شيء عن الواقع أو تحولاته الممكنة.

2(((مهدي عامل، في الدولة الطائفية (بيروت: دار الفارابي،.)1996

(((2 أسامة مقدسي، ثقافة الطائفية: الطائفة والتاريخ والعنف في لبنان القرن التاسع عشر تحت الحكم العثماني، ترجمة ثائر ديب

(بيروت: دار الآداب،.)2005

(((2 المصدر نفسه، ص.280