سياسات التنمية الريفية والزراعية في مصر: مساراتها التاريخية وآثارها في الفلاحين
Rural Development and Agriculture Policies in Egypt: Historical Roots and Effects on Farmers
الملخّص
* مدرّس الاجتماع الريفي في كلية الزراعة في قنا - جامعة جنوب الوادي، مصر. ** يشكر الباحث هيئة sida لتمويلها عبر المجلس العربي للعلوم الاجتماعية المشروع البحثي الذي تُعَدّ هذه الورقة من مخرجاته.
Abstract
Al-Nour’s paper examines the historical roots of rural development and agricultural policies in Egypt, and their effects on Egyptian farmers. In an attempt to gain an understanding of Egypt’s rural and agricultural development model, the author examines the theoretical structure and practical applications of agricultural and rural development programs followed in Egypt since the beginning of the 1950s. The paper provides an in-depth exploration of the structure and history of successive agricultural and rural policies, along with an ethnographic study of their effects on the local level. It also provides case studies of Egyptian farmers so as to shed light on the strategies used by social actors towards these polices. Al-Nour’s research method combines socio-analytical tools on the macro and micro levels as well as an analysis of the political and social economy of development. Field work was centered on a group of villages in the Egyptian south (in Assyut, Qena, Sohag, and Minya governorates), with particular focus on the village of Nazlet Salman in Assyut. Al-Nour concludes that the general trend in Egypt has switched from rural development and agricultural development being linked to them being separated, giving rise to an agriculture without farmers and a rural development without agriculture, with all its inherent implications for the Egyptian farmer.
- التنمية الريفية
- السياسات الزراعية
- الفلاحون
- الصعيد
- نزلة سالمان
- Rural Development
- Agricultural Policies
- Egyptian Countryside
- Peasants
يقوم هذا البحث على دراسة تحليلية للمسارات التاريخية التي اتخذتها سياسات التنمية
الزراعية والريفية في مصر، وآثارها في الفلاحين والريف المصري. وهدفه هو الحصول
على فهم أعمق للجذور التاريخية لنموذج التنمية الريفية والزراعية من خلال تحليل البنية
المرجعية والتطبيقات العملية لبرامج التنمية الزراعية والريفية التي اتُّبعت في مصر منذ
بدايات الخمسينيات. مدخل البحث هودراسة بنية وتاريخ السياسات الزراعية والريفية المتعاقبة، بالإضافة
إلى الدراسة الإثنوغرافية لآثارها على المستوى المحلي، وتحليل استراتيجيات الفاعلين
الاجتماعيين تجاه تلك السياسات عبر دراسة سير حياتهم وسبل عيشهم. يجمع هذا المنهج
البحثي بين آليات التحليل الاجتماعي الكلي والجزئي، بالإضافة إلى تحليل الاقتصاد
السياسي والاجتماعي للتنمية. ويتمركز العمل الميداني للبحث في مجموعة من القرى
المصرية في صعيد مصر (أسيوط وقنا وسوهاج والمنيا) لكنه يركز بشكل رئيسي على قرية
نزلة سالمان في محافظة أسيوط. ويوضح البحث من خلال رصد مسارات التنمية الريفية
والزراعية وتحليلها أن الاتجاه العام انتقل من الارتباط بين التنمية الريفية والتنمية الزراعية
إلى الفصل بينهما، لنصل في نهاية المطاف إلى زراعة بلا فلاحين وتنمية ريفية بلا زراعة، مع
ملاحظة أثر ذلك في الفلاحين.
مقدّمة
منذ سنة 9521، مرت السياسات الاقتصادية في مصر بثلاث مراحل أساسية على الأقل:
الأولىمرحلة الاعتماد على مركزية اقتصادية بقيادة الدولة واقتصاد موجَّه نحو الداخل،
* مدرّس الاجتماع الريفي في كلية الزراعة في قنا - جامعة جنوب الوادي، مصر.
** يشكر الباحث هيئة sida لتمويلها عبر المجلس العربي للعلوم الاجتماعية المشروع البحثي الذي تُعَدّ هذه الورقة من مخرجاته.
خريف 2014
والثانية مرحلة الانفتاح الاقتصادي (المحدود)، أما الثالثة فهي مرحلة التثبيت والتكيف الهيكلي
والتوجهات الليبرالية الجديدة. كان لسياسات الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي التي اعتمدتها مصر منذ منتصف السبعينيات تأثير
كبير في المجتمع بشكل عام وفي الريف بشكل خاص، إذ أدت إلى زيادة معدلات التفاوت الاجتماعي
والإفقار لقطاعات كبيرة من سكان الريف. فبعد أن كانت معدلات المساواة الاجتماعية مرتفعة وحدّة
الفقر منخفضة خلال الفترة 957-19521، نتيجة قوانين الإصلاح الزراعي الذي ساهم في تحقيق تحسّن
ملموس في أوضاع المساواة والنفاذ إلى الموارد والخدمات وخطط التنمية المرتكزة على محاربة الفقر، أدى
الإصلاح الاقتصادي المضاد، الذي بدأ مع الانفتاح الاقتصادي وورقة تشرين الأول/ أكتوبر 9751
واستمر مع توقيع برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي
سنة 9911 ثم مدد في سنة 9971، وصولًالى السياسة الليبرالية الفجة، إلى إزالة مكتسبات الحقبة
الناصرية ورفع معدلات اللامساواة والفقر. يعتبر بوش أن النموذج الليبرالي الجديد في مصر وصل إلى مرحلة «احتقار» الشعب، أي استبعاد
المواطنين تمامًا من عملية التنمية وكأنهم غير موجودين أو غير معنيين بالتنمية. لم تكن ردة فعل المجتمع المصري، وخاصة الريف، ساكنة تجاه تلك التحولات؛ إذ أدى تطبيق قانون
المالك والمستأجر (قانون 96 لسنة 9921) في تشرين الأول/ أكتوبر 9971 (بعد مرور السنوات الانتقالية
الخمس التي أقرها القانون قبل تحرير أسعار الإيجارات) إلى حدوث حركة احتجاجية قوية في ما بين تشرين
الأول/ أكتوبر 9971 وأيار/ مايو 9981، وصلت حد الاشتباكات العنيفة في أكثر من 001 قرية. وقد
وثّق مركز الأرض لحقوق الإنسان 32 حالة وفاة و 751 إصابة، واعتقالات شملت 4102 فلاحين في
الريف المصري نتيجة الاحتجاجات والصدامات مع الشرطة والملّك جراء تنفيذ ذلك القانون. وتعرض
عدد كبير من الفلاحين للترهيب والاحتجاز غير القانوني والتعذيب من جانب قوات الشرطة.
(1) Nadia Ramsis Farah, Egypt’s Political Economy: Power Relations in Development (Cairo: American University in Cairo Press, 2009).
(((جلال أمين، ماذا حدث للمصريين (القاهرة: دار الهلال،.)1989
(3) Mohemad Abdel Aal, «Agrarian Reform and Tenancy in Upper Egypt,» in: Ray Bush, ed., Counter-Revolution in Egypt’s Countryside: Land and Farmers in the Era of Economic Reform (London; New York: Zed Books, 2002), pp. 139–159, et Habib Ayeb, La Crise de la société rurale en Egypte: La Fin du fellah? , hommes et sociétés (Paris: Ed. Karthala, 2010), et «Cinquante ans d’aménagements et de réformes agricoles en Egypte,» dans: Pierre Blanc [et al.], Du Maghreb au Proche-Orient: Les Défis de l’agriculture , sous la dir. de Pierre Blanc (Paris; Budapest; Torino: L’Harmattan, 2002), pp. 145-176.
(((إبراهيم عامر، الأرض والفلاح: المسألة الزراعية في مصر (القاهرة: الدار المصرية للطباعة والنشر والترجمة، 9581)، و
Mohamad Riad El Ghonemy, «Agrarian Reform Policy Issues Never Die,» Paper Presented at: «Agrarian Reform and Rural Development: Taking Stock,» (Conference organized by the Social Research Center of the American University (London; The Political Economy of Rural Poverty: The Case for Land Reform and 2002), Mars 7 - 4،Egypt Cairo, in New York: Routledge, 1990).
(((راي بوش، «تهميش أم امتهان؟ الاقتصاد السياسي لإنتاج الفقر في مصر،» في: حبيب عائب وراي بوش، محرران، التهميش
والمهمشون في مصر والشرق الأوسط (الإسكندرية، مصر: دار العين للنشر، 012 2)،.56-41 ص
(((كرم صابر [وآخرون]، إعداد، أحوال الفلاحين في ريف مصر: دراسة حول أحوال الفلاحين والأوضاع في الريف المصري، في
الفترة من يناير ٨٩٩١ حتى ديسمبر ٠٠٠٢، الأرض والفلاح (القاهرة: مركز الأرض لحقوق الإنسان، 0012)، ومركز الأرض لحقوق
الإنسان: أوضاع الفلاحين وقطاع الزراعة في ظل العولمة، الأرض والفلاح (القاهرة: المركز، 002 2)؛ حقوق الفلاحين في خطر
(القاهرة: المركز، 003 2)، ومستقبل الحركة العمالية والاحتجاجية، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية؛ 87 (القاهرة: المركز،.)2010
سياسات التنمية الريفية والزراعية في مصر مساراتها التاريخية وآثارها في الفلاحين
كما أن السنوات التالية شهدت احتجاجات عمالية واجتماعية كثيرة؛ فقد زاد عدد الاحتجاجات من 202
في سنة 0052 إلى 266 في سنة 0062، وإلى 461 في سنة 0072، وإلى 063 في سنة 008.2 كما شهدت
سنة 0092 نحو 096 احتجاجات، وارتفع عددها في سنة 0102 إلى 4 65 احتجاجًا. حدثت ثورة كانون الثاني/ يناير 0112 على خلفية هذه التفاعلات وامتدادًا لحركات احتجاجية مجتمعية
متقطعة على مدار العشرين سنة الأخيرة، كانت في معظمها لأسباب اقتصادية واجتماعية، وبالنسبة إلى كثير
من الباحثين، كان ارتفاع معدلات الفقر وزيادة اللامساواة محركين أساسيين للثورة المصرية. يدرس هذا البحث سياسات التنمية الريفية، مفترضًا أنه كان لفشل نموذج التنمية المتبعة في مصر
دور أساسي في انفجار الأوضاع، كما يدرس تأثير هذه السياسات الزراعية وسياسات التنمية الريفية
في الفلاحين.
الاعتبارات النظرية والمنهجية
يعتمد هذا البحث استخدام مدخل يمزج بين دراسة بنية سياسات التنمية الزراعية والريفية وتاريخها، هذا
من ناحية، ومن ناحية أخرى فهم استراتيجيات الفاعلين الاجتماعيين وآثار تلك السياسات على مستوى
الأسرة والفرد في الريف المصري. يهدف المدخل البنائي التاريخي للسياسات الزراعية والريفية إلى تحليل
السياسات ومحدداتها ومقوماتها المحلية والدولية وطريقة تفاعلها، وبنية العلاقات الاجتماعية داخلها.
كما أنه يقارب الموضوع من زاوية الاقتصاد السياسي والاجتماعي للتنمية، بما يعني وضع الخطط التنموية
في إطار أوسع من العلاقات الاجتماعية تسمح بتحليل وفهم المحددات والقيود السياسية والاقتصادية
والاجتماعية للتنمية الزراعية والريفية في مصر. أما دراسة استراتيجيات الفاعلين الاجتماعيين، فتمكّننا،
بوصفها مدخلً، من فهم سياسات التنمية وآثارها الاجتماعية والاقتصادية بصورة أعمق. هذا المدخل
يبُرز الجزء غير المرئي من آثار السياسات في بنية المجتمعات المحلية وفي مسارات الأفراد والأسر. كما أن
الربط بين دراسة الاقتصاد السياسي والاجتماعي للتنمية الريفية والزراعية ودراسات الحالة المتعمقة لآثار
هذه السياسات، إنما يهدف إلى محاولة تصحيح النتائج المتحصل عليها من الدراسة عبر الجمع بين الرؤية
الكلية والرؤية الجزئية. لتحقيق هذه الثنائية، نستعين بالمساهمات النظرية لبورديو، تحديدًا في ما يتعلق ب «منطق أو نظرية الممارسة»،
بالإضافة إلى المساهمات النظرية والتطويرات المنهجية للمدرسة الكيفية في دراسة المسارات العائلية
والاجتماعية والحراك الاجتماعي، لكلٍّ من تومبسون وبيرتو. يوضح بورديو أن العلاقة بين البناء الاجتماعي والخيارات الفردية تتجاوز التعارضات والتناقضات
بين الذاتية - الموضوعية/ الجزئي - الكلي. ويؤكد: «إذا كان الواقع بتقسيماته هو شيء يقوم الفاعلون
الاجتماعيون بصنعه وبنائه فرديًا وأساسًا جمعيًا، بالتعاون والصراع، فإنه يبقى أن هذه البناءات لم تتم في
(((مركز الأرض لحقوق الإنسان، احتجاجات العاملين والمستقبل المجهول، سلسلة حقوق اقتصادية واجتماعية؛ 88 (القاهرة:
مركز الارض لحقوق الانسان، 011.)2 ومحمد العجاتي، الحركات الاحتجاجية في مصر والأمل في إصلاح عادل (الجيزة: منتدى
البدائل العربي للدراسات،.)2010
(((عائب وبوش، محرران، التهميش والمهمشون، وآصف بيات، «الهامشية لعنة أم فرصة؟،» في: عائب وبوش، محرران، ص
خريف 2014
الفراغ الاجتماعي». العلاقة إذًا بين البنى الاجتماعية والأفعال الاجتماعية ليست علاقة انفصالية بل هي
علاقة معقدة بين الممكن بنيويًا والحادث فعليًا. يوضح بورديو أن الفاعلين يقومون عبر الممارسة بإعادة
إنتاج البناء. هذا، بينما يركز كلٌّ من تومبسون وبيرتو على أهمية المناهج الكيفية، وخاصة السِيّر الذاتية، في فهم العمليات
الاجتماعية والحراك الاجتماعي، ويعتبران أنها بديل منهجي لتطوير دراسة عمليات الحراك الاجتماعي؛
فهما يوضحان أن سيَ الحياة تقدم «دليلً على الحقائق (المواقف والسياقات والأفعال) جنبًا إلى جنب
مع التصورات والتقييمات». يرى بيرتو أن المنهجية الإثنوسوسيولوجية القائمة على سيَ الحياة تحقق
«دراسة جزء معيّ من الواقع الاجتماعي- التاريخي، كهدف اجتماعي؛ لفهم كيف يعمل وكيف يتغير،
مع التركيز على إعادة تشكّل العلاقات الاجتماعية وآليات وعمليات ومبادئ الفعل التي تتميز بها». يقول بورديو إننا «لا نستطيع أن ندرس خط مترو من دون أن نفهم بنية شبكة المواصلات التي هو جزء
منها». فدراسة الأحداث والمسارات الفردية والعائلية، لا بد، وفقًا لبورديو، أن يُنظر إليها كحراك
داخل الفضاء الاجتماعي، أي داخل البناء الاجتماعي الذي يخضع للتوزيعات المتعددة لرؤوس الأموال
الاجتماعية المتفاعلة داخل مجال معيّ. لذلك، فإن الجزأين التاليين للدراسة والخاصين بالمسارات
التاريخية للسياسة الزراعية (البنية) واستراتيجيات الفلاحين (الفعل) يأخذان بعين الاعتبار الملاحظات
التي أبداها بورديو على منهجية سيَ الحياة وإمكانية إغفالها العلاقة بين الخيارات الفردية والبناء الاجتماعي،
إذ يشير في الفصل المعنون ب«الخداع البيوغرافي» إلى خطورة إغفال العلاقة بين الذاتي والموضوعي والجزئي
والكلي عند دراسة مسارات الأفراد والأسر. استخلاصًا من تلك الدراسات، سوف نستخدم ثلاثة مستويات لتحليل السياسات الزراعية
والاجتماعية وآثارها: - على مستوى الدولة: استراتيجيات التنمية والثابت والمتحول فيها على مستوى الخطاب السياسي
والفعل (من الإجراءات والقوانين واللوائح المنظمة)، ويدخل فيها أيضا تأثير كلٍّ من الفاعلين الدوليين
في قرارات الدولة. - على مستوى المجتمع المحلي: الآثار الاجتماعية لخطط وبرامج التنمية في التركيب الاجتماعي وعلاقات
القوة والحراك الاجتماعي داخل القرية. - علىمستوى الوحدة المعيشية والفرد: سبل العيش واستراتيجيات الفاعلين والاستقلال الغذائي
والحراك الاجتماعي والجغرافي. نريد من خلال هذه المستويات الثلاثة للتحليل أن نركز على العلاقة بين عمليتين مرتبطتين بإشكالية
الدراسة: الأولىهي تحليل السياسات الكلية والتصورات العامة للدولة التي حددت طبيعة وبنية
برامج التنمية الريفية والزراعية خلال الحقب المتعاقبة، والثانية هي الآثار الاجتماعية والاقتصادية لتلك
(((بيار بورديو، أسباب عملية: إعادة النظر بالفلسفة، تعريب أنور مغيث (بيروت: دار الأزمنة الحديثة، 9981)، ص.36
(10) Daniel Bertaux and Paul Thompson, Pathways to Social Class: A Qualitative Approach to Social Mobility , with Contributions by Rudolf Andorka [et al.] (Oxford: Clarendon Press; New York: Oxford University Press, 1997), p. 13. (11) Daniel Bertaux, L’Enquête et ses méthodes: Le Récit de vie , sous la direction de François de Singly, 128. Sociologie, 2eme ed. (Paris: A. Colin, 2005), p. 13. (12) Pierre Bourdieu, Raisons pratiques: Sur la théorie de l’action (Paris: Seuil, 1994), p. 88.
(((1 المصدر نفسه.
سياسات التنمية الريفية والزراعية في مصر مساراتها التاريخية وآثارها في الفلاحين
السياسات في المسارات الاجتماعية للأفراد والمجتمعات المحلية والتي نستطلعها من خلال تحليل قصص
حياتهم الشخصية والعائلية، ومن خلال الدراسة الميدانية لعدد من القرى في جنوب مصر. يقوم تحليلنا للديناميات الاجتماعية على دراسة الممارسات الاجتماعية، والطرق المختلفة التي يتعامل بها
الفاعلون الاجتماعيون (جماعات أو أفرادًا) مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية المعيشة. ويمكن أن يفيد
تحليل الممارسات، التي تتخذها السياسة العامة للدولة أو التي ينتهجها الأفراد والجماعات، في فهم الواقع
الاجتماعي ليس فقط في جانبه النموذجي- المثالي، أو المخططات التي تتحكم في الفاعلين جزئيًا، بل أيضًا
في جانب الأفعال اليومية والممارسات الحياتية وحراك الفاعلين أنفسهم التي تبيّ أن أي مجتمع هو في
عملية مستمرة من الحركة والتغير.
مسارات التنمية الزراعية والتنمية الريفية (1952 - 2002)
انتقل الاقتصاد المصري من اقتصاد موجَّه سنة 9521 إلى اقتصاد منفتح جزئيًا سنة 9751 إلى اقتصاد
ليبرالي سنة 990 1، ثم تمددت الإصلاحات الليبرالية الجديدة (النيوليبرالية) في السنوات التالية. هذا
الانتقال احتاج إلى تغييرات جذرية في دور الدولة وفي البنية القانونية الحاكمة للعلاقة بين مؤسسات
الدولة والمواطنين، وإلى تغييرات جذرية أيضًا في آليات نفاذ المواطنين إلى الموارد والخدمات. لم يكن القطاع
الزراعي والفلاحون بمعزل عن تلك التحولات، بل على العكس تمامًا؛ فقوانين الإصلاح الزراعي
(قانون الإصلاح الزراعي الأول: القانون رقم 817 لسنة 9521، والثاني: القانون رقم 127 لسنة
9611، والثالث: القانون رقم 05 لسنة 9691) كانت حجر الزاوية في إعادة توزيع الموارد ورسم خط
سياسات الدولة في حقبة عبد الناصر. هذا، في حين شكل قانون المالك والمستأجر (القانون رقم 96 لسنة
9921) حجر الزاوية في السياسات الليبراليةالجديدة واستجاباته لمطالب المؤسسات الدولية في تحرير
القطاع الزراعي. ما يعنينا في هذا الجزء هو فهم التحولات في سياسات التنمية الريفية والزراعية خلال
الحقب التاريخية السابقة، لنرى أثر ذلك في القطاع الزراعي والفلاحين. تهدف سياسات التنمية الريفية والزراعية بالضرورة إلى تحسين نوعية حياة السكان في المناطق الريفية
وتحقيق الأمن الغذائي. والعلاقة بين التنمية الريفية والتنمية الزراعية لم تكن دائمً واحدة في السياسات
العامة المصرية خلال الحقب المتلاحقة. والهدف من فصل ما هو زراعي عمّ هو ريفي هنا يأتي بغرض
التحليل ومحاولات تفكيك سياسات الدولة خلال الفترة الماضية منذ تموز/ يوليو 9521 للوصول إلى
فهم أعمق للتحولات التي أحدثتها تلك السياسات في الريف المصري.
اندماج التنمية الريفية في التنمية الزراعية (1952 - 1973)
بعد اندلاع ثورة يوليو 9521، كان هناك تلازم بين المجال الزراعي والمجال الريفي، حتى أن الخطاب
الرسمي كان عن « مدارس لأبناء الفلاحين وعلاج لأبناء الفلاحين ». كان مصطلح «فلاح» في الخطاب
الرسمي واستراتيجيات التنمية يعبّ بشكل مباشر عن كلٍّ من ساكني الريف وممارسي الزراعة معًا. هذا
(14) Georges Balandier, Sens et puissance: Les Dynamiques sociales , bibliothèque de sociologie contemporaine; 36 (Paris: Presses universitaires de France, 1971), et “Phénomènes sociaux totaux et dynamique sociale,” Cahiers Internationaux de Sociologie, vol. 30 (Janvier-Juin 1961), pp. 23-34. (15) Farah, Egypt’s Political Economy.
(((1 من خطاب للرئيس جمال عبدالناصر، وقد كان الحديث عن الفلاحين متكررًا في خطاباته الجماهيرية.
خريف 2014
التلازم بين ما هو ريفي وما هو زراعي يظهر بوضوح في استراتيجية التنمية الريفية في ذلك الوقت، وهي
الاستراتيجيا التي كانت قائمة على التوسع في إنشاء الوحدات الاجتماعية المجمّعة وكانت تشتمل على
المدارس والوحدات الصحية، بالإضافة إلى الوحدات الزراعية والاجتماعية. ووضع المدرسة والوحدة
الصحية مع الوحدة الزراعية يعبّ بشكل مباشر عن مدى رؤية الدولة في التلازم بين ما هو تنمية اقتصادية
اجتماعية وما هو تنمية بشرية في استراتيجياتها للتنمية الريفية/الزراعية. بين سنتي 9521 و 9561 انتشرت الوحدات الاجتماعية المجمّعة في الريف. وقامت الدولة بإنشاء 025
وحدة مجمّعة، تخدم كلُّ واحدة منها 15 ألف مواطن، وتضم وحدة صحية ومدرسة ابتدائية ووحدة
زراعية ووحدة اجتماعية. كما أن عدد الوحدات الصحية في الريف قبل سنة 9521 كان 222 وحدة،
ووصل إلى 855 وحدة في سنة 958.1 وقد وضِعت في سنة 9621 خطة لتعميم الخدمات الصحية في
الريف، وأُقر مشروع ناصر للرعاية الصحية الذي يقضي بإنشاء 400. هذا وحدة قروية في الريف
بالإضافة إلى قرار الثورة بمجانية التعليم في جميع مراحله، وصرف مكافآت شهرية للمتفوقين، وهو ما
أتاح لأبناء الريف فرصة أكبر للالتحاق بالتعليم. في القطاع الزراعي، وعلى الرغم من نموه خلال الفترة 960-19521، أدى ضخ الاستثمارات في القطاع
التصنيعي على حساب القطاع الزراعي إلى انحسار النمو في القطاع الزراعي. ويشير جويلي والمنياوي
(9931) إلى أن الاهتمام بالاستثمار في الزراعة انخفض بشكل كبير، ففي سنة 9601، كانت نسبته 23 في
المئة من جملة الاستثمارات العامة، ثم انخفضت سنة إلى 9 في المئة في أواسط السبعينيات. وهذا يفسر أن
الفترة الاولى من الحقبة الناصرية شهدت نموًا ملحوظًا في القطاع الزراعي، إلّ أن عدم ضخ الاستثمارات
واستنزاف العائد من القطاع الزراعي في قطاعات أخرى أثّرا سلبًا في القطاع، هذا بالإضافة إلى القيود
المتعلقة بتدخّل الدولة في القرارات المزرعية (فرض الدورة الزراعية، والتسليم الجبري للمحاصيل،
والتسعير الجائر من قِبل الدولة للمحاصيل الأساسية مثل: القطن والقمح والقصب والأرز والبصل
والفول البلدي والفول السوداني والسمسم والعدس والموالح). في تلك الاثناء، بدأت الدولة استصلاح
الأراضي الزراعية في منطقة ابيس جنوب محافظة الإسكندرية منذ سنة 9541، وبدأت توطين الفلاحين
المعدمين سنة 9591، والاستصلاح في منطقة مريوط سنة 9711، و مشروع مديرية التحرير الواقع في
جنوب غرب الإسكندرية، وخطة واسعة لاستصلاح 1.2 مليون فدان، وتشييد 132 قرية جديدة
لاستقبال ملّك الأراضي الجديدة التي كانت مخصصة بالأسبقية لصغار الفلاحين والفلاحين الذين لم
تتسنّ لهم الاستفادة من إعادة توزيع الأراضي التي بادر إلى تنفيذها الإصلاح الزراعي. شهدت هذه المرحلة إذًا ارتباطًا واضحًا بين السياسة الزراعية والسياسة الريفية في مجال التنمية، لكن
الارتباط بدأ يتباعد تدريجيًا بامتصاص العائد من النمو الزراعي واستثماره في قطاعات أخرى، وتخفيض
الاستثمارات في القطاع الزراعي، هذا بالإضافة إلى بداية دخول الملكيات الشاسعة للدولة ابتداء من سنة
(((1 جمهورية مصر العربية، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، المسح الاجتماعي الشامل للمجتمع المصري، 1952
1980 -، تقديم أحمد محمد خليفة (القاهرة: المركز، 985.)1
(1((المصدر نفسه.
(19) John Waterbury, The Egypt of Nasser and Sadat: The Political Economy of Two Regimes , Princeton Studies on the Near East (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1983). (20) Ayeb, La Crise de la société rurale en Egypte.
سياسات التنمية الريفية والزراعية في مصر مساراتها التاريخية وآثارها في الفلاحين
971 1، وأيضًا تقليص الإنفاق على تنمية القرى تحت تأثير مصاريف الحربين اللتين خاضتهما مصر خلال
هذه الفترة (9561 و.)1967
الانفتاح الاقتصادي وتفكيك الوحدات المجمعة (1975 - 1991)
في سنة 9751 أعلن الرئيس الراحل السادات الملامح الأساسية لسياسته الاقتصادية عبر ورقة أكتوبر
التي وافق عليها البرلمان. عُرفت هذه السياسة بالانفتاح الاقتصادي، ورافقها إصلاح «ليبرالي» للقطاع
الزراعي بدأ في السنة نفسها، وأدى ذلك تدريجيًا إلى ما أشرنا إليه من قبل، أي انهاء الامتيازات التي حصل
عليها الفلاحون خلال الفترة الناصرية. شهدت هذه المرحلة أيضًا فصلً تدريجيًا بين ما هو تنمية ريفية وما هو تنمية زراعية في استراتيجيات
الدولة وبرامجها للتنمية، وفي الخطاب الرسمي بشكل عام؛ فما هو زراعي أصبح بشكل أساسي مرتبطًا
بمسألة الاستصلاح، وما هو ريفي أصبح يرتبط بتوفير الخدمات الاجتماعية الأساسية للقرى. بدأت الدولة تولي الاستصلاح الزراعي في الصحراء مزيدًا من الاهتمام. وخلافًا للفترة الناصرية، أخذ
الاستصلاح يجري بواسطة القطاع الخاص، فرُفع سقف الملْكية التي أقرها قانون الإصلاح الزراعي
الناصري من 05 فدانًا للفرد إلى 00 1 فدان، بينما لم يكن للشركات أي سقف يخص المساحة. تغيرت نظرة الدولة إلى عمليتي التنمية الريفية والزراعية؛ فمن جهة دُعمت الزراعة الاستثمارية في الصحراء
بواسطة شركات خاصة يحمل أغلب مسمياتها «شركة تنمية زراعية»، وتحصل على دعم من الدولة وقروض
ومياه وخدمات وتسهيلات في سداد قيمة الأرض. ومن جهة أخرى أُسس في سنة 9731 جهاز بناء وتنمية
القرية المصرية الذي مثّل حجر الزاوية في رؤية الدولة للتنمية الريفية. شهدت هذه الفترة أيضًا زيادة
تأثير هيئة المعونة الأميركية في رسم السياسات الزراعية واستراتيجية التنمية الريفية المصرية. وعرفت هذه الفترة بروز الاهتمام بمصطلح «التنمية الريفية»، وبدأ مصطلح «فلاحي» أو «قروي» يختفي
تدريجيًا من الخطاب السياسي والأكاديمي ليحل محله مصطلح الريف. كما شهدت هذه الفترة بناء منشآت
تعليمية ووحدات صحية في القرى، واختفاء الوحدات الاجتماعية المجمّعة وتفكيكها من دون وجود أي
اهتمام بالزراعة في الوادي والدلتا.
زراعة بلا فلاحين وتنمية ريفية بلا زراعة (1992 - 2002)
استمر برنامج الإصلاح الليبرالي في القطاع الزراعي في استقطاع المكتسبات التي تحصّل عليها الفلاحون
خلال ثورة يوليو 9521، وإلغاء الدعم لمستلزمات الإنتاج، وتعطيل فعالية الجمعيات التعاونية الزراعية
(21) Timothy Mitchell, Rule of Experts: Egypt, Techno-Politics, Modernity (Berkeley: University of California Press,
(((2 يشير ميتش ل إلى دور الخبراء في نشر صورة نمطية معيّنة عن الريف ظلت سائدة ويعاد إنتاجها من قبل المؤسسات الأكاديميةِ
والخبراء المحليين والدوليين، انظر: Rule of Experts،.Mitchell
ففي سنة 9871 نشرت مجموعة من الباحثين تقريرًا عن أسباب تخلّف القرية المصرية، مرجعةً ذلك إلى اتكالية الفلاح. انظر: محمد
نبيل جامع [وآخرون]، أسباب تخلف القرية المصرية (القاهرة: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، 9871)، واستخدم التقرير
مفهوم التنمية الريفية الذي أصبح في ما بعد سائدًا.
(23) Timothy Mitchell, “The Object of Development: American’s Egypt”, in: Jonathan Crush, ed., Power of Development 129-157. pp. 1998),،Routledge York: New (London;
خريف 2014
الفلاحية، إلى أن بلغ مداه في سنة 992 1، حين أ قر القانون رقم 62 المسمّى قانون تنظيم العلاقة بين
المالك والمستأجر، وبالتوازي مع ذلك استمرت الدولة في التركيز على اعتماد سياسات داعمة لاستصلاح
الصحراء والزراعات التصديرية؛ إذ شهدت هذه الفترة توسع الزراعات في منطقة غرب الدلتا
الصحراوية، كما شهدت سنة 9951 ميلاد مشروع توشكي العملاق لاستزراع مساحات شاسعة في
جنوب غرب البلاد بمياه النيل. وفي سنة 9941 أقرت الدولة مشروع «شروق» القومي للتنمية الريفية
المتكاملة، بهدف تحسين نوعية الحياة في الريف، وتقليص الآثار الاجتماعية الناجمة عن تطبيق الإصلاح
الاقتصادي في القطاع الزراعي. جاء هذا المشروع بعد فترة طويلة من غياب أي خطة للتنمية الريفية
عقب الفترة الناصرية. وهنا تتحول ملامح الفصل بين التنمية الزراعية والتنمية الريفية التي تأصلت منذ
إقرار برنامج الإصلاح الاقتصادي الليبرالي إلى خطة واضحة المعالم من خلال تبنّي مشروع «شروق»
كاستراتيجيا عامة للدولة في التنمية الريفية. أُعلن مشروع «شروق» أساسًا لسياسة التنمية الريفية في إطار السعي لمواجهة جملة التحديات التي
واجهت الريف في تلك الفترة، نتيجة تطبيق سياسات الإصلاح الزراعي الليبرالي في الزراعة المصرية.
وظهر الالتزام السياسي تجاه دعم المشروع حين عُقد المؤتمر القومي للتنمية الريفية المتكاملة سنة 1 994
برعاية رئيس الجمهورية. وأعقب المؤتمرَ تشكيلُ اللجنة القومية للتنمية الريفية برئاسة رئيس الوزراء.
وجاء التشديد على أهمية «شروق» أيضًا في خطاب الرئيس الأسبق مبارك أمام الاجتماع المشترك لمجلسي
الشعب والشورى (كانون الأول/ ديسمبر 9951)، وفي خطبه في سنتي 9961 و 997.1 وأصبح
«شروق» مكونًا أساسيًا في حكومة الدكتور عاطف عبيد سنة 999.1 وأُنشئت وزارة للتنمية الريفية، كما
تم تشكيل مجموعة وزارية لتنمية المناطق الريفية. يحدد إبراهيم محرم، مدير جهاز بناء وتنمية القرية في ذلك الوقت وصاحب فكرة مشروع «شروق»،
أهداف المشروع في هدفين اثنين: تحسين نوعية الحياة للمواطنين في القرية المصرية، والمشاركة الواسعة
والعميقة لأبناء هذا المجتمع المحلي الريفي في تحسين مجتمعهم المحلي. وعلى الرغم من أن المشروع أُقر في
الأساس لتلافي الآثار السلبية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الليبرالي في الريف المصري، كانت الزراعة في
المشاريع المزمع تنفيذها غائبة بشكل ملحوظ؛ إذ أُهملت الزراعة في نواح عدة باستثناء خدمات الإرشاد
الزراعي وبعض القروض المتناهية الصغر. ويشير أحد العاملين في جهاز بناء وتنمية القرية عبر القروض
المتناهية الصغر إلى أن «كل خطط التنمية ومكافحة الفقر ليست مجدية لأنها تعتمد على منح قروض. هذه
القروض غير مجدية، حيث إنها لا تتعدى الثلاثة آلاف جنيه [أي] أقل من ثمن بقرة أو جاموسة، ويقوم
المزارع بصرف القرض ثم يستدين مرة أخرى ولكنه لا يحسّن وضعه». كان التركيز في الإنفاق منصبًّا على مشاريع البنية التحتية، فجرى حتى /31 /12 0012 تنفيذ 9046
مشروعًا في مجال البنية الأساسية، بتكلفة قدرها 401 مليون جنيه، و 4873 مشروعًا في مجال التنمية
(24) Mohamed H. A. Nawar, «Rural Development Policies in Egypt: Historical Background and Evolution of the Institutional Framework,» Options méditerranéennes (serie A. Séminaires Méditerranéens), no. 71 (2006), sur le site: <http://ressources.ciheam.org/om/pdf/a71/06400056.pdf>.
(((2 علي الصاوي، «الغموض المقصود: نظرة المشرع إلى الحكم المحلي في مصر،» مجلة النهضة، السنة 4، العدد 13 (تشرين
الأول/ أكتوبر 0022)، ص 44.75-
(((2 ابراهيم محرم، شروق: التنمية الريفية، ط 2 (القاهرة: دار التعاون،.)1997
سياسات التنمية الريفية والزراعية في مصر مساراتها التاريخية وآثارها في الفلاحين
البشرية والاجتماعية، بتكلفة قدرها 031 ملايين جنيه، و 9637 مشروعًا في مجال التنمية الاقتصادية،
بتكلفة قدرها 36 مليون جنيه. إذًا تركز «شروق» على مشاريع البنية التحية وبناء المؤسسات التعليمية
والصحية وشبكات الصرف الصحي، ولم يلتفت إلى الزراعة وتأمين الحيازة أو صيانة التربة والنفاذ إلى
المياه. وبشكل عام، اختفى مشروع «شروق» تدريجيًا ابتداء من سنة 9991 وغُيّ اسم وزارة التنمية الريفية
إلى وزارة التنمية المحلية. كما أن المجموعة الوزارية لتنمية المناطق الريفية، التي شُكّلت في ذلك الوقت
ولم تعقد اجتماعات كثيرة، حُلَّت بإلغاء الوزارة المنسقة (وزارة التنمية الريفية) وتقليص التمويل المادي
تدريجيًا إلى أن انتهى ذكر المشروع تمامًا في الخطاب الرسمي للدولة ابتداء من سنة 002.2 في هذه الأثناء زاد التباعد بين ما هو زراعي وما هو ريفي، نظرًا إلى التناقض بين المسارين: التنمية الريفية
التي تتجاهل الزراعة وتهمِّشها، وتركز على «تشييد» المؤسسات التعليمية والصحية وشبكات الصرف
الصحي، والتنمية الزراعية التي تتجاهل الفلاحين وتهملهم، وتركز على المستثمرين والزراعة الصحراوية
التصديرية. لقد نُظر إلى عقلية الفلاحين وطريقة حياتهم كأحد معوقات التنمية، وإلى الزراعة الفلاحية
كزراعة «غير قابلة للتطوير» ولا تستحق الدعم. يؤكد ذلك ما لاحظه حبيب عايب (0102) من
نظرة «المهندسين الزراعيين» و«مهندسي الري» و«الوسائل الإعلامية» و«متخذي القرار» إلى الفلاحين
باعتبارهم عراقيل بسبب جهلهم المفترض وارتباطهم بقيم تقليدية وممارسات وتقنيات قديمة. وظلت السياسات الزراعية وخطط التنمية تتمركز حول رعاية الزراعات التصديرية في الصحراء على
حساب الزراعات الفلاحية والعائلية. وازدادت أزمات الزراعة الفلاحية في الريف جراء القوانين
التعسفية، وعدم ضخ الاستثمارات، والإفقار المنظَّم للفلاحين، ولجأ الفلاحون إلى تهميش الزراعة
باستراتيجيات بقائهم، واضطروا إلى الهجرة وتنويع مصادر دخلهم، وانتقلت الزراعة إلى هامش سبل
عيشهم. ولم تؤد أزمة الغذاء العالمي سنة 008/20072 إلى تغيرات في السياسات الزراعية المصرية على
الرغم من أن مصر كانت من أكبر الدول التي تأثرت بها.
آثار السياسات الزراعية في سبل عيش الفلاحين
يشير بورديو إلى أن الفاعلين الاجتماعيين يتحلّون في الواقع ب«حس عملي»، وهو نسق مكتسَب من
صنوف التفضيل ومن البنى المعرفية الدائمة ومن مختزلات عمل توجّه الإدراك العملي للوضع والإجابة
الملائمة، بمعنى أن الفاعلين يستفيدون من تراكم المعرفة والعلاقات التي يجري تناقلها عبر العائلة،
وأحيانًا عبر المجتمع المحلي، لتحسين استثماراتهم وتحسين استغلال رؤوس أموالهم المتاحة بشكل أفضل؛
فهم ليسوا متلقيّن سلبيين لأشكال العنف والسيطرة المختلفة من دون مقاومة أو مواءمة أو تفاعل. لكي نفهم الاستراتيجيات التي يتبنّاها الفلاحون، يجب أولً رسم تصور عن مجموعة المحددات التي
تشكّل مساحة الممكن وحيز الحركة في الإطار العام للقرية، وتتشكل من خلال تراكم الخبرات المحلية
والعائلية لأهل القرى.
(((2 يشير كثير من الباحثين إلى تأثيرات أزمة الغذاء وتسببها في إحداث شغب من أجل الحصول على الخبز، انظر:
pp. 2010), (January 1 no. 10, vol.، Journal of Agrarian Change Ray Bush, “Food Riots: Poverty, Power and Protest,” 119–129, and Philip McMichael, “A Food Regime Analysis of the ‘World Food Crisis’,” Agriculture and Human Values , vol. 26, no. 4 (December 2009), pp. 281-295. (28) Bourdieu, p. 49.
خريف 2014
تتميز سبل عيش القرويين بتنوع مصادر الدخل وتشابك العلاقات المرتبطة؛ هذه الشبكة من المصادر
والآليات ليست بالضرورة ثابتة وغير قابلة للتغير. فكما يشير بيفان، يتفاعل الناس «من المهد إلى
اللحد» مع الآخرين ومع «الأشياء» من مختلف الأنواع، وفي علاقات تنطوي على «القوة» التي تبني
اجتماعيًا مجموعة مترابطة من مختلف «سبل العيش» الدينامية. واستخدام مصطلح «سبل العيش» في هذه
الجزئية من البحث لا يشير فقط إلى المفهوم الاقتصادي المرتبط بالتوليفات التي تحددها الأسر لإشباع
متطلباتها الأساسية، وإنما يشتمل أيضًا على الإطار الاجتماعي المرتبط بالأمان أو «البقاء»، ويتضمن كذلك
العلاقات الاجتماعية والمؤسسية التي تساعد أو «تحد» من نفاذ الوحدات المعيشية إلى الأصول والمصادر
المختلفة، الطبيعية منها وغير الطبيعية. وتنويع سبل العيش هو العملية التي من خلالها تبني «الوحدات
الأسرية المعيشية» مجموعة متنوعة من الأنشطة والقدرات والدعم الاجتماعي في كفاحها من أجل البقاء
ومن أجل تحسين مستويات معيشتها.
قصة حياة
في البداية رفض أبو أحمد الحديث، معتقدًا أني من الشؤون الاجتماعية، وقد سئم طلب
الإعانة من دون جدوى قائلً «الشكوى لله فقط». ثم قال بعد ذلك «ماذا أقول لك، بيتي
من خص، أنا أعرف أن الحكومة ترى كل شيء بالقمر الصناعي. تدخل على الكمبيوتر
وتضرب اسم القرية ستجد أهل القرية وهم يتقاتلون عند المخبز». يعيش في بيت من
الطوب الأحمر، غير مطلي، ومسقوف بخوص النخيل، وأرضيته ترابية، لكنه على درجة
عالية من النظافة. ويعتمد على العمل باليومية في مرسى مطروح في «الفاعل» هو وأولاده
الذكور الثلاثة في أوقات الإجازات، في حين تجالس ابنته الوحيدة زوجته المريضة وتخدمها. يختصر حالته قائلً: «أنا الآن واقف مكاني، هل أستطيع أن أصل إلى الدكة المجاورة؟....
لكن غيري يستطيع ان يقفز إليها، من يقف على أرض صلبة»، في إشارة إلى افتقاده النفاذ
إلى الموارد التي تمكّنه من الوقوف على أرض صلبة. ويسرد أبو احمد قصة حياته بقوله: «أيام عبد الناصر طبعا كان لا يوجد لا غني ولا فقير.
كان هناك مساواة في توزيع الأرض.... وأخذ من الغني وأعطى الناس التعبانة، وقام بتوزيع
‹الطين›، كل واحد يزرع نص فدان ولا فدان وغيره حتى جاء الجنزوري الله يخرب بيته». تطبيق قانون المالك والمستأجر لسنة 9971 كان نقطة مركزية في حياة أبي أحمد. يوضح
ذلك بأنه كان لوالده وعمه فدان أرض بالضريبة، وقد ورث هو نصف فدان عن والده،
واستمر في زراعته بالإضافة إلى العمل باليوميات الزراعية واستئجار أراض في الثمانينيات،
(29) Philippa Bevan, Researching Wellbeing Across the Disciplines: Some Key Intellectual Problems and Ways Forward , Wellbeing in Developing Countries (WeD) Research Group Working Paper; 25 (UK, Bath: University of Bath, 2006). (30) Frank Ellis, «Household Strategies and Rural Livelihood Diversification,» Journal of Development Studies , vol. 35, no. 1 (1998), pp. 1–38, and Sara Berry, «Social Institutions and Access to Resources,» Africa: Journal of the International African Institute, vol. 59, no. 1: Access, Control and Use of Resources in African Agriculture (1989), pp. 41-55.
سياسات التنمية الريفية والزراعية في مصر مساراتها التاريخية وآثارها في الفلاحين
عندما كان أغلب أهل القرية يسافرون إلى الخليج. وكانت الأرض، كما يقول، توفر الغذاء
له وللبقرة التي كان يربيها، وأيضًا كان هناك نخلتان توفر التمر للأولاد. يقول إن قانون
«فك الضريبة» الذي طُبق سنة 9971 غيّ حياته تمامًا «أنا حُرمت نهائيًا مثل من في القبر،
قدمي لم تقرب الأراضي مرة أخرى». ويقول: «عندما كان لدي أرض.... جاري يهديني
شيء من زراعته وأنا أهديه بشيء من زراعتي. أنا أعطيه ذرة وهو يعطيني بطيخة، أنا أعطيه
كرنب وهو يعطيني جرجير.... أنا أعمل عندهم هم يشتغلون عندي... أما الآن، أنا لا
أذهب إلى الأراضي كي لا أتحسر». يستطرد: «في تلك الأيام كنت أزرع قمحًا وذرة على
أساس أتحصّل على (مونة) البيت وأسلّم الباقي». يقول أبو أحمد أيضًا إنه بعد تطبيق القانون ترك العمل في الزراعة ولم يستأجر أرضًا
معلّلً ذلك بقوله: «الأرض فاتحة فمها والعيال فاتحة فمها كيف أكفي الاثنين؟»، أي
إن الأرض تحتاج إلى تكاليف طوال السنة في ظل الإيجارات الجديدة وعدم تمكنه من
الاقتراض بضمانه الأرض والسداد بعد الحصاد، كما كانت الحال سابقًا. وبدأ منذ سنة
9971 يستغل رخصة القيادة التي كان قد حصل عليها في أثناء التجنيد، فجدّد صلاحيتها
وأخذ يعمل على خط ديروط - عواجة. ويتحدث عن هذه الفترة بقوله: «كنت أحسن
حالً من الآن. كنت أتقاضى في البداية خمسة جنيهات في اليوم. كان كيلو اللحمة ب 5
جنيهات، وعندما ارتفع سعر كيلو اللحمة إلى 6 جنيهات كنت أتقاضى 6 جنيهات،
وبعد ذلك كنت آخذ 01 جنيهات، ثم أصبحت يوميتي تكفي لشراء كيلو لحم، وكنت
يوميًا أشتري العيش من المخبز بتاع ديروط». منذ 6 سنوات ترك أبو أحمد قيادة السيارة
لأن السيارة أصبحت قديمة وكثيرة الأعطال، وصاحبها لا يريد الإنفاق على صيانتها،
فكان أبو أحمد لا يعمل أيامًا كثيرة ولا يستطيع شراء سيارة. بدأت رحلته مع السفر في
سنة 0002، وكان ابناه في أثناء ذلك يعملان في مطروح خلال الإجازات الدراسية وهو
يذهب للعمل في ليبيا. وقد كانت السنوات الأخيرة الأصعب في حياة الأسرة، ويصف
ذلك بالقول: «في السنوات الأخيرة كنت أستلف علشان الولد يروح الجامعة بأسيوط».
ويقول إن أهم شيء هو تأمين القمح: « لوعندي نقود كثيرة أشتري 3 إردب قمح، لو
معي أقل أشتري نصف إردب ذرة وكيلة (15 كلغ) قمح يكفونا شهر، وعشان مفيش
بهيمة مبنعملش كشك». يعتبر أبو أحمد أن مشروعه ورأس ماله المستقبلي هما أولاده الذكور؛ فقد أنهى الأول تعليمه
وحصل على مؤهل متوسط، بينما أتم الثاني دراسته في الجامعة هذه السنة وحصل على
بكالوريوس تربية، ويعمل في انتظار موقفه من التجنيد مع الابن الأصغر الذي أنهى
المؤهل المتوسط، في حين أن الثالث في السنه النهائية من دراسته في كلية الآداب في أسيوط،
ويعملون ثلاثتهم الآن في مرسى مطروح بانتظار السنة الدراسية، ويخشى والدهم تجنيد
ولديه الاثنين في وقت واحد فلا يستطيع تأمين متطلبات أسرته.
المصدر: الدراسة الميدانية سنة 0092 (الاسم مستعار).
خريف 2014
تمثّل قصة حياة أبي أحمد نموذجًا لقصص الحياة التي جمعتُها في كثير من القرى، لفهم مسارات الفلاحين
وتأثراتها بالسياسات الزراعية المتَّبعة خلال العقود المتتالية. نلاحظ، من خلال الدراسة الميدانية التي
أجريتها في الفترة 2008 - 011 2، المرونة العالية التي تتمتع بها الكثير من أُسر الفلاحين في التعاطي
مع تحولات السياسات العامة. وبالإضافة إلى أهمية حراك الأفراد الذاتي والعائلي، فإن شبكة العلاقات
الاجتماعية ونسق القرابة مع الإدارة المحلية يحددان نفاذهم إلى الموارد، مثل الأرض الزراعية أو معاش
الضمان الاجتماعي. في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، حين قلصت الدولة دعمها للقطاع الزراعي ووضح انحياز
سياساتها إلى كبار الملّك في مقابل صغار الفلاحين، بدأ الفلاحون التصويت على هذه الإجراءات
بأقدامهم. كانت الأفواج الأولى من المهاجرين إلى العراق والخليج بشكل عام من الريف بنسبة تفوق
كثيرًا نسبتها من الحضر، وفاقت النسبة من ريف صعيد مصر النسبة من باقي الريف، في إشارة إلى
العلاقة بين التهميش والفقر والهجرة سعيًا وراء الرزق. كما أن قطاعًا كبيرًا من أبناء الفلاحين انتقل إلى
المدن الكبرى للعمل في البناء في المدن الجديدة، أو انتقل إلى المدن الساحلية والمناطق السياحية للعمل في
السياحة؛ فخلال فترة الانفتاح، تضخمت الاستثمارات العقارية، وحدثت في قطاعي البناء والسياحة
طفرة استوعبت قطاعًا لا يستهان به من الفلاحين وأبنائهم كعمال بناء. وفقدت الزراعة موقعها المتميز
في استراتيجيات كثير من الفلاحين، وبدأت الهجرة (الداخلية والخارجية) تتحول الى جزء مركزي من
استراتيجياتهم، وتحولت «أول سفرة» لشباب القرى إلى طقس عبور من المراهقة إلى الرجولة، وهو ما يشير
إلى القيمة الرمزية التي اكتسبتها الهجرة، بالإضافة إلى قيمتها المادية. بعد ذلك أدت حروب الخليج المتتالية، بالإضافة إلى ارتفاع أجور السفر للعمل في الخليج، والهجمات
الإرهابية التي شهدتها فترة التسعينيات وتأثيرها في قطاع السياحة، أدى ذلك كله إلى استعادة الزراعة
مكانتها في استراتيجيات الفلاحين. تلا ذلك في نهاية التسعينيات قانونُ المالك والمستأجر الذي رفع بدلات الإيجار (التي كانت في ذلك الوقت
لا تتعدى 005 جنيه لتصل إلى 0002 جنيه). وقد سبّب ذلك القانون شكلً من أشكال المضاربة العقارية
في سوق الإيجارات الزراعية حتى وصل بإيجارات الأرض إلى 0005 جنيه بعد أربع سنوات من تطبيق
القانون. قاوم الفلاحون القانون، واصطدموا بالملّك والشرطة، فسقط بعضهم قتلى وأُصيب آخرون أو
أُلقي القبض عليهم. انحسرت الزراعة مرة أخرى في استراتيجيات الفلاحين الذين لجأوا إلى العمل ك«عمال بناء» في المدن أو
«عمال زراعة» في المزارع الكبرى في الصحراء، أو لجأوا إلى الهجرة غير الشرعية إلى ليبيا. لكن أزمة الغذاء
العالمية في سنة 0072 أدت إلى عودة الكثير منهم إلى الزراعة؛ فازداد عدد رُقع الأرض المزروعة قمحًا في
كثير من القرى التي قمنا بزيارتها. ومع ارتفاع أسعار الأراضي وتكاليف الهجرة، وقيام كثيرين بالربط بين
(((3 عادة ما يشار إلى الملكيات القزمية بما هو أقل من فدان واحد والملكيات الصغيرة من -25 والمتوسطة من 0-5.1 والأكثر من
01 في الوادي والدلتا تعد ملكيات كبيرة. أما في الأراضي الصحراوية فالملكيات تصل إلى مئات الأفدنة.
(((3 نادر فرجاني، سعيًا وراء الرزق: دراسة ميدانية عن هجرة المصريين للعمل في الأقطار عربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة
عربية،.)1988
سياسات التنمية الريفية والزراعية في مصر مساراتها التاريخية وآثارها في الفلاحين
السفر إلى ليبيا فترات قصيرة (3 - 6 أشهر) بغرض توفير بدل إيجار أرض زراعية لموسم زراعي (نصف
سنة)، يكون الموسم الشتوي عادة، لزراعة القمح، بالإضافة إلى العمل في المدن أو في ليبيا (قبل سنة
0112) أو في المزارع الصحراوية. على الرغم من أن ثورة يوليو 9521 أنهت ظاهرة «عمال التراحيل» الذين كانوا ينتقلون من قرى
الجنوب ليعملوا في حقول القطن المملوكة لكبار الملّك الرأسماليين في الدلتا، ظهرت في مصر أشكال
متنوعة من هؤلاء العمال خلال الثلاثين سنة الأخيرة؛ من تلك الأشكال الجديدة عمال البناء الواقفون
بملابسهم الريفية في الميادين العامة في المدن الكبرى بمصر، ومعهم أدوات البناء بانتظار مقاول الأنفار
الذي يساومهم على أجر عملهم اليومي.. كما أن العمالة الموسمية في الزراعة الرأسمالية في غرب الدلتا
والصحاري المحيطة بالقاهرة والإسكندرية هي أيضًا من عمال التراحيل. وهناك أيضًا العمال المهاجرون
إلى ليبيا عبر الحدود، والمتجمعون في «أسواق» ونقاط تجمّع العمال في المدن الليبية الكبيرة. يقف هؤلاء
العمال بانتظار مقاول يفاوض ويختار، ثم ينقلهم إلى مكان العمل (بنايات قيد الإنشاء)، حيث يبيت
بعضهم أو يعود ليبيت في سوق العمال أو في الأماكن العامة. ويشار أيضًا إلى ارتكاز الزراعة الصحراوية
على عمالة الأطفال والنساء. لاحظنا أن استراتيجيات الفلاحين في القرى المدروسة ترتكز بشكل أساسي على ما يمكن تسميته
«الاعتماد الذاتي»، كما تقول سيدة في إحدى القرى: «اخواتي ليس لهم أذرعتهم»، أي بأيديهم يحصلون
على معايشهم، وهذا لم يمنعهم من التقدم من وحدة التضامن أكثر من مرة لطلب «مساعدة الدولة»، كما
أنه «أجبرهم» على الحفاظ على علاقات ودية مع الجميع للحصول على يوم عمل («يومية») في أي مجال
يحتاج إلى «السواعد». الدولة وسوق العمل والأسرة أو العائلة والمجتمع المحلي، كل أولئك حاضرون في استراتيجيات الفقراء
للخروج من الفقر أو ل«البقاء الآمن»، أو على العكس، لإضعاف أو لتقليص تلك الاستراتيجيات.
ويرتبط مدى «تحسّن» أو «تدهور» أحوال الأسر المعيشية التي درسناها بتفاعل أدوار هؤلاء الشركاء
مع أدوار الفاعلين المحليين. لكن العلاقات الزبونية تحكم الحصول على كثير من الخدمات الحكومية؛
فالنفاذ إلى الضمان الاجتماعي لم يكن عادلً تمامًا، ولاحظنا حصول البعض عليه بسبب صلات قرابتهم
بالمسؤولين في القرية في حين مُنع عن آخرين أكثر استحقاقًا. يبدو من خلال الملاحظات الميدانية أن التنوع في سبل العيش مكون أساسي في استراتيجيات أغلب
الأسر الفلاحية، ولكن ما المختلف بين أسرة وأخرى هو مدى القدرة على الحصول على رؤوس الأموال
«المختلفة»، وإمكانات تحويلها إلى إحداث تنوع «الارتقاء» لا تنوع «الاستغلال»؛ فالتنوع في مصادر
الدخل يكون أداة للحراك الاجتماعي والارتقاء الطبقي بالنسبة إلى حملة «رؤوس الأموال الحقيقية
والرمزية»، ويكون «ضرورة» بالنسبة إلى المتضررين بشكل أكبر من السياسات الزراعية في القرية والأقل
قدرة على صنع توليفات تمكّن من الحراك الاجتماعي.
(33) Zhour Bouzidi, Saker El Nour et Wided Moumen, «Le Travail des femmes dans le secteur agricole: Entre précarité et empowerment: Cas de trois régions en Egypte, au Maroc et en Tunisie,» (Gender and Work in the MENA Region Working Paper; no. 22, Population Council, Cairo, June 2011).
خريف 2014
لمواجهة آثار التحولات النيوليبرالية وفقدان الحيازات أو آثار ارتفاع بدلات الإيجار، يضطر الفلاحون
إلى البحث عن توليفات غالبًا ما تكون بالجمع بين القطاعات الأكثر «صعوبة وعدم استقرار» والأكثر
تأثيرًا في المستقبل، مثل تسرب الأطفال من المدارس والعمل في سن مبكرة جدًا، والعمل في القطاعات
الشاقة غير المؤمَّنة اجتماعيًا أو صحيًا، والعمل بالزراعة واستئجار الأرض، وزراعة المساحات الضيقة
التي يملكها. تجمع هذه الاستراتيجيات بين الاستغلال من قِبل الغير في علاقات عمل وقوة غير متكافئة (قبول بدلات
إيجار غير عادلة للأراضي؛ قبول العمل لقاء أي أجر؛ عدم وجود تأمين؛ التعرض لمخاطر الهجرة غير
الشرعية...) والاستغلال الذاتي، أي استنزاف الطاقات في أكثر من عمل وفي أعمال شاقة، والالتحاق
بسوق العمل في سن مبكرة، والخضوع لعلاقات استغلال وتبعية، خاصة لمن يعمل بالزراعة كأجير داخل
القرية، في حين تكون التوليفات الدافعة إلى درجات أعلى على سلّم التصنيف الاجتماعي من نصيب
الفئات الأكثر قوة وقدرة على امتلاك الأصول «المالية والاجتماعية والثقافية» القائمة على تراكم رؤوس
الأموال وتحويلها، مثل: «تعليم الفتيات وتزويجهن من قيادات محلية»؛ تعليم الأبناء وإدخالهم قطاعات
مميزة («الشرطة والجيش والنيابة»)؛ العمل في الخارج في قطاع المقاولات وأعمال إ دارية.... إلخ.؛ زراعة
محاصيل رأسمالية؛ رفع بدلات الإيجار الزراعية وتأجير الأرض للفلاحين. وعادة ما يكون للعلاقات
الاجتماعية والانتماءات العائلية وحيازة الأرض والنفاذ إلى مراكز القوى على المستوى المحلي دور رئيسي
في تراكم رؤوس الأموال. يظهر دور «السياسات الزراعية» بشكل واضح في مسارات الفقراء، عبر التلازم بين تزايد الاتجاهات نحو
الهجرة وفقدان الأمل في الزراعة بسبب «السياسات الزراعية» بشكل أساسي، وهي السياسات التي بدأت
تأخذ منحى متسارعًا نحو إلغاء الدعم ل«صغار الزراع»، وفي المقابل دعم «مستثمري الصحراء»، وهذا
ما يتضح بشكل كبير في عبارات الأفراد بشأن البقاء في القرية («اللي باقي في القرية باقي إجباري»)، أو في
الحديث عن الزراعة على النحو التالي: «الأرض لا تحسّن أوضاع الناس لكنها تبقيهم على قيد الحياة وتوفر
المونة فقط». وتبدو هنا مركزية الهجرة ليس فقط في الخروج من التبعية الاقتصادية، بل أيضًا في الخروج
من التبعية السياسية والاجتماعية المحلية. وهذا يوضح إلى أي مدى كان الخروج من نطاق الدولة لزامًا
للخروج من حالة الفقر والتهميش في القرية. هذا يعني تحوّل الزراعة إلى نشاط هامشي في سبل عيش كثير من الريفيين؛ فالزراعة دخلت وسط دائرة
واسعة من الاستراتيجيات والموارد التي يخدم كل منها الآخر أساسًا لضمان الغذاء، ولكن أيضًا لتوفير
الاحتياجات المادية وغير المادية للأسرة. يمكن القول إجمالً إن مسارات الفلاحين كانت مركّبة ومعقدة ومحتوية على شبكة متداخلة من المصادر
ورؤوس الأموال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادية والرمزية). كما أنها كانت متأقلمة مع الظروف
ومتغيرة وفقًا للفرص والأزمات التي تعترض مسار الأسرة وأهدافها (أكانت هذه الأزمات عائلية أم
مرتبطة بسياسات الدولة)، بينما كانت مسارات الدولة خطية ومتصلة منذ بداية عهد السادات وسياسة
الانفتاح وحتى نهاية عهد مبارك وتوغل الليبراليةالجديدة؛ ذلك الخط الذي لم يتعرج بسبب أزمة اقتصادية
أو غذائية، محلية أكانت أم عالمية.
سياسات التنمية الريفية والزراعية في مصر مساراتها التاريخية وآثارها في الفلاحين
وكما أن من غير الممكن فصل مسارات الفقراء عن المحتوى الاقتصادي الاجتماعي والتاريخي الذي
بنيت فيه هذه المسارات، سواء على المستوى المحلي أو على مستوى الدولة والدولي، فإنه لا يمكن أن
نفصل مسارات الدولة عن المحتوى الاقتصادي العالمي المسيطر من قِبل وجهة النظر الليبراليةالجديدة،
وتوغل المؤسسات الدولية وهيئة المعونة الأميركية في الزراعة المصرية. كما لا يمكن أن نتجاهل في تحليلنا
للمسار الأحادي الذي اتخذته الدولة مصالح الفاعلين الأساسيين داخلها، أي رجال الدولة وخبرائها
وخلفياتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتلاقي المصالح أو تعارضها وعلاقتها ببنية مشاريع
التنمية أو منظور التنمية؛ فمنذ بدايات الثمانينيات، تبنّى الأكاديميون المتخصصون بالتنمية والمخططون
التابعون للدولة رؤية زراعية ترى أن رؤية «الفلاحين لا تتطابق وتحديث التنمية الزراعية». وقد
طُبق هذا في مشروع «شروق للتنمية» الذي نُفّذ سنة 9961، في حين أن مشروع الاستهداف الجغرافي
كان يمثّل ضخ الأموال في أشكال من الاستثمارات العقارية تضمن نمو القطاع ورواج تجارة أعضاء في
الحكومة ولجنة السياسات في الحزب الوطني (الحديد، الأسمنت، السيراميك) بالإضافة إلى الشركات
العقارية. إن الفاعلين داخل جهاز الدولة ليسوا مجرد منفذين لتصورات ورؤى مفروضة عليهم من قوى
خارجية، بل هم أيضًا فاعلون يجْنون، جرّاء تبنّي سياسات معيّنة، مكاسب فردية لذواتهم واجتماعية
لطبقاتهم، متجاهلين، بل محتقرين الطبقات والفئات الاجتماعية المتضررة بسبب هذه السياسات، التي لم
تؤد فقط إلى تهميش الأكثر فقرًا أو الأطراف الجغرافية والاجتماعية، بل أدت أيضًا إلى تقلص «جماعات
المستفيدين» إلى بضع مئات من الأسر الرأسمالية والتكنوقراطية، وهو ما أدى إلى استبعاد جل الطبقة
الوسطى التي بدت متآكلة جرّاء التهميش والإفقار اللذين طاولاها كما طاول مهمَشّي المدينة وغالبية
سكان الريف من الفلاحين. ويمكن القول إن الفصل بين التنمية الريفية والتنمية الزراعية في ظل التحولات الليبرالية المتسارعة في
السنوات الأخيرة أدى إلى تهميش المركز (الوادي والدلتا) بما يحتويه من آلاف الفلاحين الذين يعملون في
الأرض، وفي المقابل تحولت الصحراء الغربية والساحل الشرقي إلى مركز بفعل اهتمام الدولة وحصول
أصحاب المزارع والمنشآت السياحية الكبرى على الدعم والتسهيلات والتمويل. ونظرًا إلى ارتفاع
معدلات الفقر والتهميش في الريف، قررت الدولة في سنة 0072 تبنّي سياسة «الاستهداف» كإطار
للسياسة العامة لمكافحة الفقر. تمركزت استراتيجية الدولة على نوعين من الاستهداف: الأولجغرافي
(«الاستهداف الجغرافي للفقر») والآخر اجتماعي («التحويل النقدي»). وجرى تبنّي المفهوم التزامًا
بتوصيات البنك الدولي الذي قام، بالتعاون مع وزارة الاستثمار، بإجراء الدراسة المرجعية للمشروع الذي
تقرر تطبيقه على 000 1 قرية تم تحديدها كأفقر المناطق في مصر. ومع أن المشروع يهدف أساسًا إلى
مكافحة الفقر في الريف، فإن مسألة النفاذ إلى الموارد وتمكين فقراء الفلاحين من مصادر الإنتاج الزراعي
كانت غائبة تمامًا، على الرغم من أن خصائص الأسر «الأكثر فقرًا» في الريف المصري غالبًا ما تتصف بأنها: - لا تستطيع النفاذ إلى الأراضي، فغالبية الأسر الفقيرة إما لا تملك أرضًا ولا تستطيع دفع قيمة بدلات
الإيجار المرتفعة، وإما هي من أصحاب حيازات صغيرة جدًّا.
3(((انظر: جامع [وآخرون]، أسباب تخلف القرية المصرية.
(((3 صقر النور، «نقد الاستهداف الجغرافي للفقر: دراسة حالة لقرية مستهدفة بصعيد مصر،» في: عائب وبوش، محرران، التهميش
والمهمشون.
خريف 2014
- محدودة فرص الحصول على الخدمات الصحية والاجتماعية الأخرى بشكل جيد وفي الوقت المناسب. - يصعب عليها أن تحصل على العمل بأجر ثابت لانخفاض التعليم، وأيضًا لغياب الاستثمارات في
مناطقها. والفقراء في المناطق الريفية أقل قدرة على الوصول إلى الموارد الطبيعية؛ فالمزارعون الصغار يعانون
قلة مياه الري، وغالبًا ما يضطرون إلى استخدام المياه المأخوذة من قنوات الصرف. كما أن صغر الحيازات
وارتفاع تكاليف الزراعة وانخفاض المحصول، كل ذلك يزيد من أعباء الفقراء في الريف المصري. كما أن هذه التغيرات الهيكلية أثّرت في شكل مجتمع القرية؛ فتطبيق قانون المالك والمستأجر زاد الصراعات
العائلية والنزاعات حول الأرض الزراعية، كما أن تقلص الزراعة المعاشية ونمو الهجرة كاستراتيجيا بديلة
في حالات كثيرة زادا من تحوّل القرية إلى مكان مؤقت لتمضية العطَل السنوية والإجازات للمهاجرين،
وهذا بدوره زاد التنافس على أنماط من الاستهلاك الترفي، والبنايات الفارهة، ورفع قيمة الأرض للبناء،
وتجريف بعض الأراضي. إن تقليص دور الزراعة في استراتيجيات الريفيين لم يغير فقط سبل عيشهم، بل
ساهم أيضًا في تغيير مفهوم القرية وشكلها في قرى الدراسة، وزاد من التقسيمات الاجتماعية ومعدلات
التفاوت الاجتماعي.
خاتمة
قدم هذا البحث تحليلً للسياسات الزراعية والتنموية في مصر وتحولاتها خلال الستين سنة الماضية،
وتأثيراتها في سبل عيش الفلاحين. وأوضح العلاقة بين زيادة معدلات الفقر في الريف وتدهور القطاع
الزراعي والسياسات الزراعية المتّبعة في الريف بشكل متسارع خلال الثلاثين سنة الماضية، وهي العلاقة
التي أضرت بالقطاع وأدت إلى تهميش الفلاحين الصغار والمتوسطين الذين يمثلون حوالى 90 في المئة من
المنتجين للغذاء، وتحولت الزراعة إلى نشاط هامشي لدى كثير من الأسر الريفية التي اضطرت إلى اللجوء
إلى سبل عيش معقدة ومركّبة للحفاظ على وجودها. إن الفصل بين التنمية الريفية والتنمية الزراعية في
ظل التحولات الليبرالية المتسارعة في السنوات الأخيرة أدى إلى تهميش المركز (الوادي والدلتا) بما يحتويه
من آلاف الفلاحين الذين يعملون في الارض، وفي المقابل تحولت الصحراء الغربية والساحل الشرقي
إلى المركز باهتمام الدولة وحصول أصحاب المزارع والمنشآت السياحية الكبرى على الدعم والتسهيلات
والتمويل. إن أزمة نموذج التنمية المتّبع في مصر كان سببًا في حدوث الثورة وتضامن فئات ريفية كبيرة مع
الأحداث في المدن والمراكز الكبرى، وانخراط عدد كبير منهم فيها. أما الأزمة المستمرة للقطاع الزراعي
وتنامي عدد فقراء الريف، واحتمالات تجدد أزمات الغذاء العالمية، بالإضافة إلى الحراك الاجتماعي القائم
في مصر، كل ذلك يفتح الباب أمام امكانيات بناء سياسات زراعية وتنموية بديلة.