Return to Article Details Colonial States as Intelligence States: Security Policing and the Limits of Colonial Rule in France’s Muslim Territories, 19

الدول الاستعمارية بوصفها دولًا استخبارية حفظ الأمن وحدود الحكم الاستعماري في الأراضي الإسلامية الخاضعة لفرنسا بين سنتي 1920 و1940

Colonial States as Intelligence States: Security Policing and the Limits of Colonial Rule in France’s Muslim Territories, 19

مارتن توماس*

الملخّص

* جامعة إكستر، المملكة المتحدة. ** قُدمت نسخة أوّلية من هذه الدراسة في الاجتماع السنوي لجمعية العلوم السياسية الأميركية في واشنطن بتاريخ 1 أيلول/ سبتمبر

Abstract

At the heart of most colonial states lay a contradiction. On the one hand, colonial state institutions defined themselves in opposition to indigenous networks of power associated with the pre-colonial period, whether based on ethnicity, tribal kinship or religious affiliation. On the other hand, few colonial states had sufficient bureaucratic substance to operate separately of indigenous society. This paper suggests that a more catholic vision of the parameters and purpose of state intelligence gathering may aid our understanding of how colonial states endured. These intelligence activities were multifaceted. They were designed, on the one hand, to provide sufficient information about local social organization to enable government to function. On the other hand, intelligence gatherers were also intelligence disseminators. Those same agencies of the colonial state that amassed information about indigenous populations also sought to control the movement of knowledge within local society in order to mould popular opinion, or, at the very least, shape the views of influential elites. Only then could local authorities set about influencing these differing forums of opinion to European advantage. In this sense, the paper argues, colonial states were ‘intelligence states’.

الكلمات المفتاحية:
  • الاستعمار الفرنسي
  • حفظ الأمن
  • الأراضي الإسلامية
  • القرابة
  • الاستخبارات
Keywords:
  • Colony
  • Intelligence
  • Colonial State
  • French Empire
  • Policing

حفظ الأمن وحدود الحكم الاستعماري في الأراضي الإسلامية الخاضعة لفرنسا بين سنتي 1920 و**1940

تعاني أغلبية الدول الاستعمارية تناقضًا في صميم بنيتها؛ فقد عرّفت مؤسسات الدولة

الاستعمارية نفسَها بأنها تتعارض وشبكات ممارسة السكان المحليين السلطة في فترة ما قبل

الاستعمار، أكانت تلك الشبكات قائمة على العِرق أو القرابة القبلية أو الانتماء الديني. من

ناحية أخرى، قليلة كانت الدول الاستعمارية التي نَعمتْ بجهاز إداري كافٍ أهّلها للعمل

بشكل منفصل عن مجتمع السكان الأصليين. يشير هذا البحث إلى أن رؤية أكثر شمولية لمعايير جمع الدولة المعلومات الاستخبارية

ولغايتها من ذلك، قد تساعد في فهمنا الكيفية التي أمّنت بها هذه الدول الاستعمارية

استمراريتها. وكانت هذه الأنشطة الاستخبارية متعدّدة الأوجه؛ فهي استُحدثتْ بهدف

تأمين معلومات كافية عن التنظيم الاجتماعي المحلي، بغية تمكين الحكومة من القيام

بوظائفها؛ كما يعمل جامعو المعلومات الاستخبارية في الوقت نفسه على تعميم تلك

البيانات. فوكالات الاستخبارات لدى الدولة الاستعمارية التي كانت تجمع المعلومات

عن السكان الأصليين، كانت تسعى أيضًا للتحكّم في حركة المعرفة أو المعلومة ضمن

المجتمع المحلي، بغية قولبة الرأي العام، أو على الأقل تشكيل آراء النخبة النافذة. عندئذ

فقط، تستطيع السلطات المحلية التأثير في منتديات الآراء المتنوّعة لما فيه مصلحة أوروبا.

وبهذا المعنى، تبرهن هذه الورقة على أن الدول الاستعمارية كانت «دولاًاستخبارية». لم تكن الدول الاستعمارية في الوطن العربي تكوينًا حظِي بالإجماع، بل جرى فرضها من الخارج،

وبشكل عام، بالقوة القاهرة. كان بالتالي المسؤولون الأوروبيون في الدول الإسلامية يخشون

* جامعة إكستر، المملكة المتحدة.

** قُدمت نسخة أوّلية من هذه الدراسة في الاجتماع السنوي لجمعية العلوم السياسية الأميركية في واشنطن بتاريخ 1 أيلول/ سبتمبر

. Journal of Strategic Studies , vol. 28, no. 6 (2005), and Published Online 8 August 2006 005 ونُشرت الدراسة في:2.

خريف 2014

نشوءَ معارضة في مناطق الانتداب الممتدّة من الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط وصولً إلى مناطق

الانتداب في الشرق الأوسط. وكانت مناطق الانتداب تلك قد تشكّلت في إثر الصفقة التي عُقدت في

الحرب العالمية الأولى. ومن الطبيعي افتراض أن على سياسة الأمن هنا، كما في أي مكان آخر، أن تعكس

مدى قدرة الدولة على الاحتفاظ بالسيطرة السياسية. تشير هذه الورقة إلى رأي أكثر دقة، ومفاده أن الإقرار

بقيود سلطة الدولة الاستعمارية في المجتمعات التي تحكمها أنظمة غير مستقرّة قائمة على المحسوبية وعلى

كسب النخبة، يؤدّي في الواقع إلى الحفاظ على الأمن السياسي وتجميع المعلومات الاستخبارية. في

النهاية، وجدت المستعمرات نفسها بأشكالها المختلفة -أكانت حكومات وصاية أم حكومات انتداب-

تتأرجح باستمرار بين تبعية سياسية واقتصادية للحاكم الإمبريالي من جهة، ونمو وعي وطني يُعرّف

غالبًا بأنه نقيض للقوة الإمبريالية من جهة أخرى. في الحقيقة، إن تحديد المستعمرة بأنها فرع ثانوي للدولة

يُغفل حقيقة أن القوى الإمبريالية حجبتْ، بانتظام، السماتِ الأساسية المكوّنة لسيادة الدولة عن الدول

المُسْتَعْمَرة التابعة لها. أما الحقوق التي تمنع الدولةُ الاستعمارية ممارستَها، فتتضمّن عادةً سنّ القوانين

بشكل مستقل، والتحكّم في السياسة الخارجية والسياسة الدفاعية، والسيطرة على قوى الأمن الوطنية.

وقد درس اختصاصيو علم السياسة بعناية، تعقيدات الدول المستعمرَة التي كانت يومًا دولً ومجتمعات

قيد التشكّل، محرومةً من المكوّنات الأساسية لهوية وطنية مهمّة، أكانت تلك المكوّنات عرقية أم ثقافية أم

بنيوية. ولذلك أيضًا، صاغ بعض علماء الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية نظريات أكثر تعمّقًا في

«الطوبوغرافيا السياسية» لدول- أمم ما بعد الاستعمار، وتناولت المصطلحات الحافلة بالمعاني ل«الدول

الفاشلة» في العالم النامي. إن انتشار العنف السياسي في الدول التي كانت مستعمَرة، وجذور هذا العنف العائدة إلى عمليات القوى

الأمنية التي شُنّت في أثناء المخاض الوطني الموجع لإنهاء الاستعمار، يشغلان باحثين يسعون لربط التاريخ

الاستعماري بالصراعات المجتمعية المعاصرة. وفي الوقت الذي تركِّز فيه أغلبية دراسات إنهاء الاستعمار

وانهيار قوة الدولة الاستعمارية على مرحلة ما بعد فترة 9451، تركّز المقالة هذه على ترتيب زمني يعود إلى

عشرين سنة سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية، في حين يقتصر التركيز الجغرافي فيها على الإمبراطورية

الفرنسية في الوطن العربي؛ إذ كانت أغلبية التهديدات الأمنية للدولة داخلية لا خارجية حتى سنة 9361

(1) Colin Newbury, Patrons, Clients, and Empire: Chieftaincy and Over-Rule in Asia, Africa, and the Pacific (Oxford; New York: Oxford University Press, 2003), pp. 269–271.

(((اضطلع أستاذ العلوم السياسية الأميركي كروفرد يونغ بدور طليعي في هذا المجال. انظر كتابه:

Crawford Young, The African Colonial State in Comparative Perspective (New Haven: Yale University Press, 1994).

والفصل الذي كتبه عن «الدولة الاستعمارية والأزمة ما بعد الاستعمارية:»

Crawford Young, “The Colonial State and Post-Colonial Crisis,” in: Prosser Gifford and W. Roger Louis, eds., Decolonization and African Independence: The Transfers of Power, 1960-1980 (New Haven: Yale University Press, 1988), pp. 1–31. (3) Catherine Boone, Political Topographies of the African State: Territorial Authority and Institutional Choice , Cambridge Studies in Comparative Politics (Cambridge, UK ; New York: Cambridge University Press, 2003), and Robert H. Jackson, Quasi-States: Sovereignty, International Relations, and the Third World, Cambridge Studies in International Relations; 12 (Cambridge, [England]; New York: Cambridge University Press, 1993). (4) Patrick Chabal and Jean-Pascal Daloz, Africa Works: Disorder as Political Instrument , African Issues ([London]: International African Institute in association with James Currey; Oxford; Bloomington: Indiana University Press, 1999); Jeffrey Herbst, States and Power in Africa: Comparative Lessons in Authority and Control , Princeton Studies in International History and Politics (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2000), and Gil Merom, How Democracies Lose Small Wars: State, Society, and the Failures of France in Algeria, Israel in Lebanon, and the United States in Vietnam (Cambridge, UK; New York: Cambridge University Press, 2003).

على الأقل. ويتناول هذا البحث المشكلات التي اعترضت عملية التصدّي لهذه الأخطار، ويتطرّق إلى

الدور المركزي لأجهزة الأمن في بلورة الحكم الاستعماري في العالم العربي. بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، بذلت السلطات الإمبريالية الفرنسية في أقاليم شمال أفريقيا،

في المغرب والجزائر وتونس والمفوضية العليا للجمهورية الفرنسية المسؤولة عن الانتداب في سورية

ولبنان، جهودًا حثيثة للتوفيق بين ضرورات السيطرة على المجتمع بالوسائل القسرية المحدودة المتوافرة

لديها. ووقعت هذه الإدارات الإمبريالية في فخ التناقض، وعرّفت مؤسسات سلطة الدولة الاستعمارية

نفسها، مرارًا وتكرارًا، بأنها في موقع النقيض لشبكات السلطة التي أنشأها السكان المحليون في مرحلة ما

قبل الاستعمار، أكانت تلك الشبكات قائمة على العِرق أم الرابطة القبلية أو الانتماء الديني. إلا أن بعض

الدول الاستعمارية، وخاصة في القارة السوداء، تمتّعت بجهاز إداري كافٍ يؤهلها للعمل بصورة منفصلة

عن مجتمع السكان المحليين أو تضعه في موقع التحدّي له. ضمن هذا التوصيف للحكم الاستعماري،

أصبح من الواضح أن قدرة أوروبا على إدارة المستعمرات لم تنطلق مباشرة من فوهة البندقية؛ فالقوة، أو

على حد تعبير حاكم المغرب اللواء لويس هوبرت ليوتي، «القدرة على التهديد بحكمة باستخدام القوة»،

لم تستطع وقف المد الشعبي المتنامي المعادي للحكم الاستعماري. أما سر بقاء الإمبريالية فيكمن في

مكان آخر. كان لا بد من إيجاد بعض الوسائل لردم الفجوة التي تفصل السلطات الإمبريالية عن جميع الشرائح

الاجتماعية للسكان المحليين، أو على الأقل تضييقها. تكمن الحجة التي تعتمدها هذه المقالة في اعتماد

السلطات الفرنسية في العالم العربي على نظام متقن من جمع المعلومات الاستخبارية، يؤمّن استمرارها. وهذا

لا يعني أن التحليل الاستخباراتي كان مرادفًا لصنع السياسات؛ إذ إن في ذلك مقاربة أحاديّة البعد، وإنما

ذلك يوحي بأن وجهة نظر أكثر شمولية لمعايير جمع الدولة المعلومات الاستخبارية ولغايتها من ذلك، قد

تساعد في فهم كيف تمكّنت هذه الدول الاستعمارية من البقاء. وكانت هذه الأنشطة الاستخبارية متعدّدة

الأوجه، فقد وُجدت أولً وأخيرًا لتأمين معلومات كافية عن تنظيم المجتمع المحلي لتمكين الحكومة من

القيام بوظيفتها. ويتراوح هذا المجال الاستخباراتي بين عمليات الشرطة وتقييم التهديدات وتصنيف

المجرمين وتصفية مجموعات الوطنيين الأصلييّن، وصولً إلى جمع بيانات غير مؤذية، مثل الدراسات

الاستقصائية الطوبوغرافية وتقديرات الضرائب والتعداد السكاني والإحصاءات الاقتصادية ومجموعة

الدراسات الأنثروبولوجية للانتماءات القبلية والعشائرية. إلا أن العمل الاستخباراتي لم يتوقف عند

هذا الحد، وكان جامعو المعلومات الاستخبارية أيضًا هم من يعمّمونها. وقد جمعت وكالات الدول

الاستعمارية نفسها المعلومات عن السكان الأصلييّن، ساعية للتحكّم بحركة المعرفة ضمن المجتمع المحلي

لتقولب الرأي العام الشعبي، أو على الأقل، لتشكّل آراء النخب النافذة في هذه المجتمعات. وقد تطلّب أمن

الدول الاستعمارية اتخاذ تدابير للتحكّم في المد والجزر اللذين كان الجدل السياسي يشهدهما، فاستطاعت

السلطات المحلية وقتها فقط أن تبدأ التأثير في منتديات الرأي المتنوّعة هذه، لمصلحة الأوروبيين؛ إذ كان

(5) Hubert Lyautey, “Du rôle colonial de l’armée,” Revue des deux mondes , no. 157 (Janvier 1900), pp.11–17.

بالنسبة إلى التعاليم الإدارية التي وضعها ليوتي للمغرب، انظر:

William A. Hoisington, Lyautey and the French Conquest of Morocco (Basingstoke: Macmillan, 1995), pp. 41–53.

(((أثيرت تلك المسألة في الكتاب التالي:

Antony Best, British Intelligence and the Japanese Challenge in Asia, 1914-1941 , Studies in Military and Strategic History (Houndmills, Hampshire; New York: Palgrave/Macmillan, 2002), p. 2.

خريف 2014

الحظر القانوني للمجموعات التخريبية سلاحًا فظًا لا يمكن استخدامه بصورة عشوائية. وكان يمكن أن

يؤدي الحلّ القسري للأحزاب الوطنية أو للنقابات إلى نتائج عكسية، لأنه يعزّز نمو المنظّمات السرية التي

كانت أكثر تماسكًا وأكثر عنادًا في مناهضتها سياسة الإكراه التي تنتهجها الدولة. إضافة إلى ذلك، ربما

يقوّض الحظر الكامل لأنشطة السكان الأصليين السياسية مؤسسات المجتمع المدني - المجالس القبلية

والقروية وأندية النقاش والصالونات المنزلية غير الرسمية والمجموعات الطالبية والنقابات المهنية -

والتي يدّعي الحكم الغربي أنه يعزّز وجودها، ولا سيما أن تلك الحكومات كانت تستقي المعلومات من

هذه المنتديات لتُحكم سطوتها الاستعمارية. في ظل هذه الأوضاع، كانت المراقبة السرية والقمع المستهدف

مبرّرًا كافيًا لحكّام فرنسا للتدخل في شمال أفريقيا والشرق الأوسط في فترة ما بين الحربين العالميتين. كانت مساهمة الاستخبارات في الأعمال اليومية والقرارات التنفيذية للسلطات الإمبريالية الفرنسية

جوهرية، تمامًا كما كانت في الهند البريطانية. ويثبت [المؤرخ البريطاني] كريستوفر بيلي (Ch. Bayly) أن

الحكم الاستعماري ال«جيد» في الراج البريطاني [الهند البريطانية]، بمعنى الحكم الإمبريالي الآمن، ارتكز

بأغلبيته على ما أسماه بيلي «نظام المعلومات»، وهو نظام يمثّل عملية استغلال جمع المعلومات الاستخبارية

من أجل تنظيم وسائل الاتصال الاجتماعية الأهلية، أو يشكّل، وفقًا لمصطلحات بيلي، «إمبراطورية من

المعلومات» للتحكّم في «إمبراطورية الرأي» المتمايزة. تطلَّب الحفاظُ على النظام الاستعماري الانتفاعَ بأنظمة

المعلومات الخاصة بالحكومات المحلية والإقليمية والوطنية. وكانت تلك الأنظمة قد شهدت بيروقراطية

متنامية مكّنت الحكم الاستعماري من ممارسة نفوذه على الشبكات المستقلّة للتواصل الاجتماعي في

المجتمع الهندي - من وسائل الإعلام باللغة المحلية والمنتديات الدينية والتجمّعات الاجتماعية الجماهيرية

والأسواق الشعبية وأماكن اللقاء لنخبة السكان الأصليين. وفق المنطق نفسه، فإن الحكم الاستعماري السيئ، المتجلي في الاضطراب والتمرّد، يدل على انهيار في

استخبارات الدولة المتعلّقة بمجتمع السكان الأصليين. وفي ظل هذه الأوضاع، غالبًا ما انصاع المسؤولون

الرسميون للحكم الاستعماري ومجتمعات المستعمرين ل«هلع المعلومات» لسدّ الفراغ الناجم عن جمع

المعلومات الاستخبارية، بشائعات وهمية، وكانت العملية نفسها جليّة في الأقاليم الفرنسية الإسلامية.

وتبرهن الحجة الرئيسية في هذه المقالة على أن مناطق الانتداب والوصاية والمستعمرات في شمال أفريقيا

والشرق الأوسط تميّزت بالسّمة الرئيسية ذاتها، ألا وهي أنها جميعها في الأساس كانت دولًاستخباراتية.

يصف المؤرخون العسكريون عمومًا عمليةَ تجميع المعلومات الاستخبارية كمضاعِفة للقوة تقليديًا؛

فالمعلومات عن استعدادات العدو أو عن الأخطار الداهمة أو عن عمليات التخريب المحتملة، قد تُضاف

(((مؤرخ بريطاني متخصّص بتاريخ الإمبراطورية البريطانية، وتاريخ الهند وتاريخ العالم، يدرّس في جامعة كمبريدج البريطانية (قسم

الترجمة والتحرير الإنكليزي).

(((تمثّل الهند البريطانية أو الراج البريطاني المرحلة التاريخية التي استعمرت الإمبراطورية البريطانية فيها مناطق الهند وباكستان

وبنغلادش وميانمار منذ بداية القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين (15 آب/أغسطس 947.)1 أما كلمة «راج» في اللغة

الهندية فتعني «الحكم»، أي فترة الحكم البريطاني في المنطقة (قسم الترجمة والتحرير الإنكليزي).

(9) C. A. Bayly, Empire and Information: Intelligence Gathering and Social Communication in India, 1780-1870 , Cambridge Studies in Indian History and Society; 1 (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1996), pp. 3–6 and 365.

(1((شدّد روجر برايس على أن الوظيفة الأساسية لعملية حفظ النظام في الريف الفرنسي في أواسط القرن التاسع عشر كمنتْ في منع

تعميم الشائعات عن الحرمان الاجتماعي أو الاضطرابات المحلية، انظر:

Roger Price, “Techniques of Repression: The Control of Popular Protest in Mid-Nineteenth Century France,” Historical Journal , vol. 25, no. 4 (December 1982), p. 865.

بشكل أساسي إلى قدرات الدول والجيوش أو قوى الشرطة، لتساعدها على تحقيق النتائج المتوخاة في

السياسة وفي ميدان المعركة أو على الحفاظ على النظام. لم يعمد مؤرخو الإمبراطورية إلى المقارنة لدى البحث في المعلومات التي تحصل عليها الدول الاستعمارية

عن الشعوب الخاضعة لسيطرتها. وربما يعود أحد أسباب ذلك إلى أن الدول المستعمرة اضطلعت بدور

وسَطي يجمع بين البعديْن المحلّ والأجنبي، نظريًا وعمليًا. وكما ذُكر سابقًا، عانتْ المستعمرات التي لم

يكن معترفًا بها، توتّرات تنظيمية أساسيّة كونها مكوّنات خاضعة للنظام الإمبراطوري الذي تشكّل

الأمم الأوروبية جوهره. وقد عزّز عاملان إضافيان من تعقيد تلك المشكلة، أولهما أنه على الرغم أن

الدول المستعمَرة مقيّدة بعلاقتها بالقوة الإمبراطورية الأم، فإنها تحتفظ ببعض الاستقلالية كلاعب

سياسي. والعاملالآخر هو أن النظام الدولي الحديث رأى ربما في الأراضي المستعمَرة أقاليمَ بريطانية

أو فرنسية، وفي مكان آخر بلجيكية أو دنماركية أو برتغالية، أميركية أو يابانية، ولكن الأغلبية الساحقة

للسكان المستعمَرين كانت بكل تأكيد «أجانب» من ناحية العِرق والثقافة، وبدرجة أكبر من ناحية الولاء

السياسي؛ إذ من المستبعد أن يقبل الخاضعون للاستعمار بتبعيتهم لسلطة خارجية إلى أجل غير مسمى،

ذلك أن العلاقة بين القوة الإمبراطورية وأقاليمها في أنحاء العالم كانت - في أحسن الأحوال - في حالة

نشوء، وكانت - في أسوأ الأحوال - غير مستقرة. يتطرّق الباحث الأميركي كروفورد يونغ إلى جوهر المشكلة؛ إذ إن تحليله للمستعمرات الأفريقية يلقى

صدى خاصًا عند الدول الخاضعة للوصاية الأوروبية في شمال أفريقيا وفي مناطق الانتداب في الشرق

الأوسط التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى:

تتمتّع المستعمرة بسِمات متعدّدة مميّزة، كونها تنتمي إلى تصنيف الدول. فقد كانت طرفًا ملحقًا وتابعًا لكيان

خارجي ينعم بالسيادة، ولكنه غريب عن جوهر ذلك الكيان. أما منطقها الداخلي فقام على النزعة إلى

الهيمنة. وقد شكّل نجاحُ مشروع هيمنتها مجتمعًا مدنيًا كان من المحتم أن يرفض مع الزمن، شرعيتها.

وهكذا تجاوزت عملية تجميع المعلومات الاستخبارية الاستعمارية حدودَ الاستخبارات العسكرية

التقليدية التي ركزت على جمع المعلومات عن القوى الأجنبية والاستخبارات الأمنية الداخلية، والتي

كانت مكرّسة أساسًا لحفظ الأمن السياسي للسكان المحليين؛ فقد استهدفت مراقبة السكان المستعمَرين

أولً وأخيرًا التآمر الداخلي، وهو مصطلح شمل أوجه النشاط السياسي كلها التي كان من الممكن أن

تشكّل نقطة انطلاق لمعارضة منظّمة تناهض السلطة الاستعمارية. وسيطرت المجموعات الوطنية

الناشئة المناهضة للاستعمار التي ذكرت آنفا، على سياسة حفظ الأمن في فترة ما بين الحربين العالميتين،

كما كانت حركات عصيان وطني أكثر تنظيمً تستنفد جزءًا كبيرًا من الموارد العسكرية والسياسية للدولة

الاستعمارية بعد سنة 945.1 ومن المفارقات أن القلق من خطر التآمر والتخريب الداخليين شغل كلا

الطرفين اللذين خاضا الحرب العالمية الثانية، وهو ما أدى إلى ضرورة الإبقاء على اهتمام خارجي كان

أقرب إلى اهتمامات الاستخبارات العسكرية. وفي عشرينيات القرن الماضي، تواصلت رقابة جهاز

(11) Christopher Andrew, “The Nature of Military Intelligence,” in: Keith Neilson and B. J. C. McKercher, eds., Go Spy the Land: Military Intelligence in History (Westport, Conn.: Praeger, 1992), pp. 1–16. (12) Young, “The Colonial State,” p. 7.

(((1 لمناقشة معايير الاستخبارات العسكرية والأمنية، انظر:

Michael Herman, Intelligence Power in Peace and War (Cambridge ; New York: Royal Institute of International Affairs, Cambridge University Press, 1996), pp. 16–21.

خريف 2014

الأمن الاستعماري لترصد الجهود الألمانية والعثمانية الساعية للتحريض على التمرّد في الأقاليم الإسلامية

التي كان الفرنسيون والبريطانيون يحكمونها في الحرب العالمية الأولى، مع تغيير طفيف في الاهتمام الذي

بات يتمحور حول الدعم الأجنبي للوجهات الإسلامية وحركة الخلافة والمجموعات الوطنية الأولى.

وقد اتّسمت الاضطرابات التي شهدتها المدن، وموجات الإضراب ضد الاستعمار وحركات الاحتجاج

الشعبية بعد سنة 9451، بكونها نتيجة هجينة تسبّبت بها قيادات تدرّبت في الخارج، وضغوطات الحرب

الباردة المفروضة على أفريقيا والشرق الأوسط، إضافة إلى تلوث المجتمع المدني المحلي بأيديولوجيات

تحرّرية غربية. وكانت النزعة الدائمة لدى وكالات الاستخبارات العسكرية والأمنية للمبالغة لدى تناول

العلاقة التي تربط بين مذهب المساواة الذي تتبنّاه الشيوعية من جهة والقومية المناهضة للاستعمار من

جهة أخرى، تدل على أن تقييم الاستخبارات في المستعمرات كان يتعلق بالتهديدات الأجنبية بقدر تعلقه

وبالتهديدات المحلية. إلا أن تجميع معلومات الاستخبارات الاستعمارية لم يكن دومًا مصدرًا للتصوّر الخاطئ والمخاوف

الوهمية؛ فقد كانت قوى الأمن الاستعمارية تستشفّ أوجه التفاوت في المجتمعات المحلية، وتلحظ

الاختلافات الثقافية، وتتبيّ الشرائح الاجتماعية المعقّدة في المستعمرات التي تخضع لحكمها. وفي زمن

الأزمات السياسية العصيبة، عمد عاملو الاستخبارات الأمنية إلى نمطية أبسط؛ فعندما كان خطر ما

يتهدّد النظام الاستعماري، كان يُنظر مجدّدًا إلى السكان الأصليين باعتبارهم كتلة واحدة متراصّة، قد تكون

عدوّة إن لم تكن هي بالفعل كذلك، بدلً من اعتبارهم مجموعة سكانية وطنية متباينة غير متجانسة، فيها

أقلية صغيرة محدودة تثير الشغب والفتنة. وعكَس هذا الخلط بين السكان التابعين وفئة العدو المحتمل -

وهي حالة كلاسيكية لما يُعرف ب«الغيرية» في اللغة الأكاديمية لما بعد الحداثة - الضعفَ الهيكلي العميق

للدول الاستعمارية. وللإحاطة الكاملة بكل ما يتعلق بحدود هيمنة الدول الاستعمارية، لا بدّ من التطرّق إلى الموارد المالية

الشحيحة ضمن هذه المعادلة؛ إذ إن الأنظمة الإمبريالية التي انبثقت غداة سنة 9191 لم تسطع قط أن

توفّر لنفسها الدعم المالي والدعم العسكري الذاتييّن، فقدرتها على الإنفاق الداخلي لتحسين مستوى

المعيشة كانت محدودة جدًا، بغضّ النظر عمّ إذا كانت الإرادة السياسية للقيام بهذا الاستثمار موجودة.

وعلى نحو مشابه، كانت موارد الشرطة محدودة هي أيضًا. ونتيجة لذلك، كان إخضاع سكان المستعمرات

مشروطًا، بصرف النظر عن منشئه، غزوًا أكان أم استعمارًا أم تبادل أراض، أو نتيجة حروب كبرى. لكن

من أجل بقاء السلطة الإمبريالية على المدى الأبعد، كان لا بدّ من وجود مزيج من القوة القسرية والتقدّم

(14) National Archives (NA): Memo Captain J. E. Philipps (Chief Intelligence Officer, East Africa), “‘Africa for the Africans’ and ‘Pan Islam’: Recent Developments in Central and Eastern Africa,” (WO 106/259 , 15 July 1917), and “Political Intelligence Summary of Events in Persia,” (CO 732/21/2, 21 December 1925- 2 December 1926); Thomas G. Fraser, “Germany and Indian Revolution, 1914-18,” Journal of Contemporary History , vol. 12, no. 2 (April 1977), pp. 255–272; Edmund Burke, “Moroccan Resistance, Pan-Islam and German War Strategy, 1914–1918,” Francia , vol. 3 (1975), pp. 434–46 4, and Richard J. Popplewell , Intelligence and Imperial Defence: British Intelligence and the Defence of the Indian Empire, 1904-1924 (London; Portland, Or.: F. Cass, 1995).

وبشأن موضوعات مماثلة تتعلّق بشرق آسيا، انظر: 4 7 – 4 8 Best, pp.13–14, 23–28 and.

(15) Jean-Jacques Becker et Serge Berstein, Histoire de l’anticommunisme. 1, 1917-1940 , avec la collab. de Pierre- Marc Renaudeau (Paris: O. Orban, 1987), chap. 6; Sophie Coeuré, La Grande lueur à l’Est: Les Français et l’Union soviétique, 1917-1939 , archives du communisme (Paris: Ed. du Seuil, 1999); Frédéric Monier, Le Complot dans la République: Stratégies du secret, de Boulanger à la Cagoule , l’espace de l’histoire (Paris: Ed. la Découverte, 1998), and Michael B. Miller, Shanghai on the Métro: Spies, Intrigue, and the French between the Wars (Berkeley: University of California Press, 1994).

الاقتصادي الملموس والقدرة على تغيير التسلسل الهرمي الجامد للمجتمعات الاستعمارية. يُعتبر ذلك

كله جيدًا من الناحية النظرية، إلا أن النتيجة والنطاق الزمني لمثل هذا التغيير الاجتماعي الأساسي نادرًا ما

كانا جلييّن من الناحية العملية، فكانت الدول الاستعمارية محكومة بالعيش في منطقة وسطى تفصل بين

الإفصاح عن أهداف السياسات وتحقيقها، بسبب نقص الدعم المالي الضروري للنمو الاقتصادي المحلي،

وازدياد تعرّضها للتحديات الشعبية، وبذلك كانت الاضطرابات السياسية والاجتماعية ملازمة لأوضاع

هذه الدول. في ضوء ما تقدم، تبدو جميع المصطلحات التي يستخدمها المؤرخون ليصوّروا الحفاظ على السلطة الإمبريالية

-مثل مصطلحات «السيطرة الاستعمارية» و«حفظ أمن الإمبراطورية» و«التهدئة-» مضللة؛ فهناك

مخاطر مرتبطة بالتوصيفات العامة هذه، فمن ناحية، يفترض كل مصطلح منها ضمنًا وجودَ نموذج سلطة

سياسية وعسكرية، عمودية قسرًا، وهو ما يؤدي إلى إنكار أي دور لفاعلين محليين -سواء أكانوا سكانًا

أصليين أم فرنسيين- في صوغ طبيعة العمليات الاستعمارية أو حفظ الأمن أو فرض القانون. ومن ناحية

أخرى، يتجاهل تطبيق أيٍّ من تلك المصطلحات على السياق العابر للحدود الاختلافات الاستعمارية

والإقليمية المهمة في أنماط السلطة الإمبريالية. وعلى الرغم من هذه المشكلات التأويلية، فإن هناك معيارًا

واحدًا لا شك فيه، إذ اعتمدت الأساليب المتّبعة لإخضاع الشعوب المستعمَرة في نهاية المطاف على قوة

مادية متفوّقة وعلى تهديد، سواء كان فعليًا أو ضمنيًا، مفاده انتشار هذه القوة في المستعمرة.

وبينما كان خطر القمع الذي تمارسه الدولة دائم الحضور، لم تكن السيطرة الإمبريالية مطلقة أبدًا؛ فقد

تلاعبت الإدارات الفرنسية في كلٍّ من سورية ولبنان وتونس والمغرب بالاتفاقيات التي تحكم العلاقات

بنخب السكان الأصليين، وذلك لمنعهم من القيام بأي دور في القرارات المهمة في الدولة. ولكن هكذا

إقصاء لم يكن كاملا قط؛ ففي سياق حفظ الأمن وجمع الضرائب والقوانين الجنائية والعرفية، كانت

المشاركة في السلطة في مناطق الوصاية في شمال أفريقيا ومناطق الانتداب في كل من سورية ولبنان نتيجة

حتمية لعجز السلطة السياسية الفرنسية عن الوصول إلى هذه المناطق. وحتى في الجزائر، حيث كانت

السلطة الاستعمارية الفرنسية أكثر تطورًا ومطبّقة بالكامل، كانت سلطة الدولة في المجتمعات الريفية

النائية بعيدًا عن المناطق الساحلية التي كان يقطنها المستعمرون، أقل حضورًا، إضافة إلى أنها كانت تلقى

مقاومة أشدّ بأسًا. أما بالنسبة إلى الداخل الصحراوي التابع لأقاليم الجنوب، وهي منطقة شاسعة لا تزال

تحت الإدارة العسكرية المباشرة، فلم تكن الأنظمة الفرنسية فيها سوى غشاء رقيق يخفي الأعراف البدوية

والقبلية الراسخة. ويكتسب عمل الوكالات الاستخباراتية الفرنسية هذه الأهمية في ظل هذا الوضع الذي يعاني وسائل

عسكرية محدودة، وموارد شرطة مبدّدة، ومراكز حضرية تنمو سريعًا، وبقاع شاسعة قليلة السكان. وفي

فترة ما بين الحربين العالميتين، ناشدت الإدارات الإمبريالية الممتدّة من المغرب إلى سورية، دائرةَ المعلومات

وجهازَ الاستخبارات العسكرية والفرعَ الخاص بالشرطة -جهاز الأمن العام- والضباطَ المسؤولين عن

مراقبة القبائل، والشبكات غير الرسمية، لردم الفجوة بين السلطة الفرنسية الرمزية والهشاشة الفعلية

للنظام الإمبريالي؛ فقد كان جمع المعلومات الاستخبارية عن جميع جوانب حياة السكان الأصليين، بدءًا

(16) Susan L. Carruthers, Winning Hearts and Minds: British Governments, the Media, and Colonial Counter-Insurgency, 1944-1960 (London; New York: Leicester University Press, 1995), p. 1. (17) Service Historique de l’Armée (SHA), Vincennes, Carton 7N4133/Dossier 4, no. 1876, Etat-Major de l’Armée (EMA), Section d’études (Afrique/Orient/Colonies), War Minister to Direction des affaires algériennes, 3 June 1926.

خريف 2014

بالنشاط السياسي، مرورًا بالأعراف القبلية، وصول إلى البيئة المحلية، مسألة أساسية في عملية صنع

القرارات الإدارية. وبين سنتي 9209401 و 1، توسّع الجهاز الأمني الإمبريالي لمواجهة المخاوف الرسمية المتنامية من

حركات معارضة وطنية واضطرابات عمالية وتمرد الشيوعي؛ فقد احتاج حفظ الأمن في المناطق الحضرية في

الجزائر، على سبيل المثال، إلى موارد واهتمام متنام في أوائل عشرينيات القرن الماضي بسبب النمو السكاني في

المدن، وتصاعدت حدّة الاحتجاجات المنظّمة المناهضة للاستعمار. وفي المقابل، كان الأوروبيون وأعوانهم

المحليون لا يزالون أكثر عرضة للعنف في المجتمعات الريفية بسبب ضعف الوجود الأمني الفرنسي فيها.

وفي تموز/ يوليو 9221 سُجّل وقوع سبع جرائم عقوبتها الإعدام، وكان ضحيتها إما مستعمرين وإما

موظّفين رسميين مسلمين، كالقادة ورجال الشرطة في الريف. واستهدفت ست جرائم منها -تضمّنت

جريمتيْ قتل وحادثتيْ إطلاق رصاص- مديري بلديات، ولم تسجل أي جريمة عقوبتها الإعدام خلال

الشهر المذكور لم تكن تستهدف الدولة الاستعمارية. وساد الجزائر، والأقاليم العربية الأخرى التابعة

لفرنسا، توجّه رسمي يميل إلى تصنيف الوطنيين ثوارًا وفقًا للعرف اليعقوبي. ولكن المجموعات الوطنية

الأولى انبثقت من طبقة عربية برجوازية تتمتع بامتيازات وتحوز مستوى تعليميًا جيدًا، فسعت أغلبية

أعضائها للاندماج في فرنسا بدلا من مقاطعتها بالكامل. وحدها، منظمة نجم شمال أفريقيا (ENA) التي أسّسها مصالي الحاج في أوساط المهاجرين الجزائريين في

باريس سنة 9251، كانت الاستثناء لما سبق. وخلال الثلاثينيات، أطلّت المنظمة بصفتها حزب الجزائر

ذا التوجه اليساري والقائم على كتلة متجانسة. وكان ذلك الحزب يمثّل خطًا وطنيًا جديدًا تمامًا: حداثويًا

علمانيًا ملتزمًا بالاستقلال الوطني من دون تقديم تنازلات محدودة لمجموعات اجتماعية محدّدة ضمن

المجتمع الجزائري المسلم. وفي افتتاحية مؤتمر عُقد في بروكسل للرابطة العالمية المناهضة للإمبريالية

(18) Centre des Archives d’Outre-Mer (CAOM) à Aix-en-Provence, Gouvernement Général d’Algérie (GGA), 11H46, no. 10272, Direction de la sécurité générale (Algiers), «Etat des crimes et délits importants commis par les indigènes contre les européens ou de fonctionnaires indigènes pendant le mois de Juillet 1922».

الجريمة الكبرى السابعة المسجلة هي الاغتصاب الجماعي لامرأة من المستعمرين انتحرت قبل أن تصل قضيتها إلى المحكمة.

(1((من أجل المقدمات العامة، انظر:

Rashid Khalidi [et al.], eds., The Origins of Arab Nationalism (New York: Columbia University Press, 1991); Israel Gershoni, “Rethinking the Formation of Arab Nationalism in the Middle East, 1920 - 1945. Old and New Narratives,” in: James Jankowski and Israel Gershoni, eds., Rethinking Nationalism in the Arab Middle East (New York: Columbia University Press, 1997), pp. 3–25; C. Ernest Dawn, “The Formation of Pan-Arab Ideology in the Interwar Years,” International Journal of Middle East Studies , vol. 20, no. 1 (February 1988), pp. 67–91, and Mahmoud Haddad, “The Origins of Arab Nationalism Reconsidered,” International Journal of Middle East Studies , vol. 26, no. 2 (1994), pp.

بشأن خلفية الجزائريين الوطنيين، انظر:

Le Mouvement national algérien: Textes, 1912-1954 , choisis et présentés par Claude Collot et Jean-Robert Henry; préface de Ahmed Mahiou (Paris: Editions l’Harmattan, 1978); Monique Gadant, Le Nationalisme algérien et les femmes , préf. de Mohammed Harbi, histoire et perspectives méditerranéennes (Paris: Ed. l’Harmattan, 1995); Ahmed Koulakssis et Gilbert Meynier, L’Emir Khaled; premier zaim?: Identité algérienne et colonialisme français , collection histoire et perspectives mediterraneennes (Paris: L’Harmattan, 1987), et Mahfoud Kaddache, Histoire du nationalisme algérien: Question nationale et politique algérienne, 1919-1951 , 2nd ed. (Alger: Entreprise nationale du livre, 1993). Regarding the Levant states, see:Gérard D. Khoury, La France et l’Orient arabe: Naissance du Liban moderne, 1914-1920 ,histoires Colin (Paris: A. Colin, 1993); Philip S. Khoury, Syria and the French Mandate: The Politics of Arab Nationalism, 1920- 1945 , with a Foreword by Albert Hourani (London: I. B. Tauris, 1987), and Meir Zamir, Lebanon’s Quest: The Road to Statehood, 1926-1939 (London; New York: I. B. Tauris, 1997). (20) Kaddache, p. 202.

والاضطهاد الاستعماري سنة 9271، أصبح حزب نجم شمال أفريقيا أول حزب وطني يطالب علنًا

باستقلال الجزائر. تناقضت مطالبة الجزائريين الأوائل، نخبويين أو شعبويين، بالحكم الذاتي، مع التكامل القومي الذي يدعو

اليمين الفرنسي إليه. واكتسب ذلك أهمية مضاعفة، إذ حكم فرنسا، في أغلبية الفترة الممتدّة بين الحربين

العالميتين، تضافرٌ متقلّب من ائتلاف اليمين والوسط. وفي الجزائر، كما في كل مكان آخر، لم تكن فكرة الحوار

البنّاء مع القادة السياسيين العرب مطروحة. ويشير هذا الإدراك المتأخر إلى تبدّد فرصة كانت متوافرة؛ إذ

إن القادة في شمال أفريقيا والمحتجين الوطنيين السوريين لم يتمتعوا، في الفترة الممتدة بين الحربين العالميتين،

بالنفَس النضالي ذاته الذي تميزّت به ذريتهم لاحقًا بعد أن وضعت الحرب أوزارها سنة 945.1 إلا أن

الأهم هو التعريف الرسمي الملتبس للحركة القومية المنظّمة في الأقاليم الإسلامية، حيث إنه وصفها بأنها

ظاهرة يسارية في جوهرها، إذ يوحي بأن المخاوف التي اعترت الإدارات الاستعمارية حرفتْها الانشغالات

السياسية الفرنسية المحلية. وفي فترة ما بين الحربين، عزّز تعميق الانقسامات السياسية الاجتماعية في المناطق

الفرنسية الحضَية الهاجسَ بحفظ الأمن الإمبريالي والرقابة السرية. وكانت الإدارات الخارجية قد

ساوت العروبة العلمانية بالشيوعية الأممية، ووازنتْ، من دون تردّد، بين تشدُّد المستعمرين الرجعي وعنف

روابط اليمين المتطرّف في شوارع العاصمة. على نحو مماثل، أدّى النضال العمالي المتنامي في فرنسا إلى حظر

النقابات العربية طَوال فترة ما بين الحربين. ولم يكن العنف المعادي للسامية الذي اجتاح شرق الجزائر في

صيف 9341 هو وحده وراء المخاوف الرسمية من العصيان والاحتجاجات الجماهيرية التي شهدت

زخمًا سنة 9341، بل كان توثيق أواصر التعاون ضمن التجمع الشعبي في فرنسا في السنة ذاتها -وهو

تجمع ضم المجموعات اليسارية والجمهورية والمناهضة للفاشية- هو النذير بحكومة الجبهة الشعبية التي

يقودها الاشتراكيون في سنتي 9369371 و 1. هنالك عوامل أخرى دفعت بالسلطات الإمبريالية كي توازن بين المخاطر الجدية التي تتهدّد الجمهورية

الفرنسية واحتمال اندلاع احتجاجات مناهضة للاستعمار. وكان أول هذه العوامل الدور البارز الذي

أدّاه الطلبة العرب الذين يقطنون المدن الفرنسية، ضمن مجموعة تنظيمات وطنية كانت تأسست حديثًا

في سورية وتونس، ولا سيما المغرب. وعلى نحو مماثل، أجّج المهاجرون الجزائريون الذين يشكّلون

(((2 «مطالب جزائرية» عرضها مصالي في مؤتمر بروكسل (0-41 شباط/فبراير 9271)، وهي واردة في الكتاب التالي:

«Revendications algeriennes , presentees par Messali au Congres de Bruxelles (10-14 Février 1927),» dans: Le Mouvement national algérien: Textes, 1912-1954 , recueillis par Claude Collot et Jean-Robert Henry; préf. de Ahmed Mahiou (Paris: Editions L’Harmattan, 1978), p. 39.

(((2 أبرز كلٌّ من ميللر ونواريال في كتابيهما التالي تنامي هوس الرقابة الأمنية في أواخر الجمهورية الثالثة:

Miller, Shanghai on the Métro , and Gérard Noiriel, Les Origines républicaines de Vichy , collection histoires (Paris: Hachette Littératures, 1999). (23) SHA, Archives Repatriated from Moscow: «Renseignement, Tunisie: Agitation nationaliste,» (C286/Dossier 429, EMA-2, no. 1039, 10 July 1934), et Direction des affaires indigènes (Rabat), «A/S des incidents de Constantine et de leur répercussion possible au Maroc,» (Dossier 428, no. 1780, 23 August 1934), and EMA Section d’Outre-Mer, “La Crise marocaine et le parti socialiste,” (3 April 1936). (24) Guy Pervillé, Les Etudiants algériens de l’université française, 1880-1962: Populisme et nationalisme chez les étudiants et intellectuels musulmans algériens de formation française, préface de Charles-Robert Ageron, recherches sur les sociétés méditerranéennes (Paris: Editions du Centre national de la recherche scientifique, 1984), et “Le Sentiment national des étudiants algériens de culture française de 1912 à 1962,» Relations internationales , no. 2 (Novembre 1974), pp. 233–259, et Charles-Robert Ageron, «L’Association des étudiants musulmans nord-africains en France durant l’entre-deux-guerres. Contribution à l’étude des nationalismes maghrébins,” Revue française d’histoire d’outre-mer, vol. 70, nos. 258-259 (1983), pp. 25–56.

خريف 2014

أساس الدعم لمنظمة نجم شمال أ فريقيا، مخاوفَ جهاز الأمن العام من أن عدوى النزعة القومية (وهي

في هذه الحالة أكثر قليلً من مجرّد تنظيم لجبهة شيوعية) قد تنتقل من فرنسا العاصمة إلى مناطق مستعمَرة

كانت هامدة. في أواخر عشرينيات القرن العشرين، كانت لافتة تلك الدلالات التي أشارت إلى كون الأنشطة الوطنية

أكثر انتشارًا بين مجموعات الطلاب والمهاجرين والمنفيين سياسيًا في المدن الفرنسية وفي أوروبا الغربية

عمومًا، إلا أن الدروس المستفادة من أجهزة الأمن الإمبريالية كانت فاضحة؛ فقد تسبّبت التقارير الواردة

عن المنظمات القومية العربية في فرنسا إلى تعزيز الجهود الحثيثة لحرمان سكان المستعمرات من حرية تأسيس

تجمّعات وروابط مماثلة. وازدادت مراقبة الاتصالات بين المهاجرين والطلبة والمنفيين، وبين عائلاتهم

ومعارفهم في دول المغرب والمشرق. وفي المقابل، كانت العنصرية جلية في الافتراض السائد حينها بأن

الطلاب العرب المتعلّمين يكتسبون الوعي السياسي الضروري لتنظيم أنفسهم ضمن مجموعات معارضة

فعالة، من خلال اختبارهم العيش في فرنسا. وأخيرًا أدّت التوقعات المتنامية باندلاع حركات معارضة إلى

تورّط عسكري مباشر في الرقابة السرية، ونجم عن ذلك نشر عمليات حفظ الأمن في الحيز الحضري في

شمال أفريقيا الفرنسي وفي المشرق. قبل الحرب العالمية الأولى، أجازت السلطات المدنية الجزائرية عمومًا، نشرَ القوات كي تكبح اضطرابات

المستعمرة في الجزائر، ولكن منذ سنة 919 ح قادة القوات العسكرية مرونة أكبر تتيح لهم التصرّف 1، مُنِ

وفقا للمعلومات الاستخبارية التي تفيد باحتمال وقوع أي حالة فوضى. وكما تبيّ أعلاه، تم التعبير عن

الخوف من الاضطرابات بصورة عامة بمصطلحات عنصرية وشبه طبية؛ فقد هدّدت عدوى الأيديولوجيا

الشيوعية والشعور القومي والنضال العمالي التي أصابت المدن، بالانتقال إلى أراضي شمال أفريقيا. وكان

المهاجرون وطلاب الجامعات والمنفيون السياسيون القادمون من بلاد المغرب، هم الحمَلة الأساسيين

لهذه العدوى، إلا أن فيروس الثورة قد يُعزى دائمً إلى المصادر نفسها: الأممية الشيوعية (أو الكومنترن) في

موسكو وشبكة المجموعات العروبية المتنامية واللجان الإسلامية في برلين وسويسرا، إضافة إلى القاهرة

التي كان يُنظر إليها على أنها المركز الرئيسي للقومية العربية المتكاملة في الشرق الأوسط.

وخلال الثورة السورية بين سنتي 9259261 و 1، نسّق المؤتمر السوري- الفلسطيني الذي كان يتخذ من

القاهرة مقرًا له، حملة دولية لجمع التبرعات للثورة. واستخدم المؤتمر اتصالاته في جنيف لحشد المزيد من

الدعم من مندوبي عصبة الأمم المعادية لفرنسا، وأكد تمرّس هذا الجهد تقديرات أجهزة الاستخبارات بأن

القومية العربية كانت على ارتباط وثيق بألمانيا والاتحاد السوفياتي. ونشأت في لبنان وسورية وفلسطين

(25) Archives de la Préfecture de Police (APPP), Paris, Service des renseignements généraux, 1er bureau, «A/S de l’organisation communiste musulmane – L’Etoile Nord-Africaine,» (Série BA, Carton BA2170, fo. 7, 30 Novembre

(26) SHA, Fonds Privés, Papiers du Général de Monsabert, 1K38o/Carton 2, «Instruction rélative à la participation de l’armée au maintien de l’ordre public,» (20 August 1907).

(((2 في أفريقيا السوداء والهند الصينية، جرى توزيع المسؤوليات بين السلطات المدنية والعسكرية والأمنية من خلال سبعة مراسيم

صدرت في الفترة 1889 - 909.1 واستُكملت هذه التشريعات بمراسيم إضافية صدرت في سنوات ما بين الحربين العالميتين لدمج

أجهزة الاستخبارات في جهاز أمن. بالنسبة إلى تشريع المرسوم قبل الحرب العالمية الأولى، انظر:

SHA, Ministère des Colonies Services militaires, 1er bureau circulaire (7N4196/D1, 19 July 1912). (28) SHA (Moscow), EMA Section d’Outre-Mer renseignement, «A/S Préparatifs pour action musulmane en Afrique du Nord,» (C1109/D667, no. 6620, 7 Septembre 1935). (29) AN (Paris), Commissaire spécial (Annemasse), «Rapport: A/S du mouvement syrien,» (F7/13411, Syrie, no. 1446, 14 May 1926).

بين سنتي 9249251 و 1 أحزاب شيوعية موحدة من مجموعات كانت مشرذمة من قبل. وانتقل اهتمام

الأممية الشيوعية التنظيمي في منطقة الشرق الأوسط، وبشكل متنامٍ، من الجماعات اليسارية الصهيونية

في فلسطين، إلى المجموعات الشيوعية العربية في الهلال الخصيب. واشتدّت وتيرة نضال العمال العرب

بشكل ملحوظ بعد سنة 9251، ولا سيما في سورية التي ارتفعت فيها قيمة الضرائب وتفاقم ضغط

التضخّم، بسبب اندلاع ثورة الدروز في جنوب البلاد، وهو ما تسبّب باحتجاجات حاشدة أطلقها

موظفو القطاع العام والنساء العاملات والحرفيون. أما مصادرة الشرطة لوثائق الكومنترن في سورية

وفلسطين بين سنتي 9249261 و 1، فقد صبّت الزيت على النار، إذ قدّمت دليلً ملموسًا على أن عملاء

موسكو كانوا يوجهّون نشاط المجموعات الشيوعية العربية. وفي أوج الثورة السورية في أوائل سنة

9261، هنّأ جهاز الاستخبارات العسكرية الفرنسي في بيروت نفسَه على الدور الذي اضطلع به بوصفه

«كان العقبة الرئيسية التي حالت دون الحضّ على الثورة السورية». وفي واقع الأمر، لم يكن للشيوعيين

ولا لعمال القطاع الصناعي دور أساسي في تغيير مسار الثورة السورية الاستراتيجي؛ فالحراك الذي انطلق

في بداية انتفاضة شعبية بين زعماء العشائر في جبل الدروز سرعان ما وظّفه السياسيون والوجهاء في دمشق

وفي أماكن أخرى، لمصلحة قضايا سياسية وقومية أوسع، مصممين في ذلك على تحقيق تقدم في قضية

الحكم الذاتي. وفجّرت حوادث جبل الدروز صحوة وطنية. وكان الزخم الثوري الحاشد هذا هو ما

أخذ السلطات الفرنسية على حين غرة، ووجدت وكالات الاستخبارات أن من الصعب، إن لم يكن

مستحيلً، التوصل إلى تفاهم مع النزعة الوطنية الشعبوية التي تلبي الرغبة العارمة لدى أطياف الشعب

السوري كافة في خروج الفرنسيين من هذا البلد الواقع تحت انتدابهم. كان هذا النموذج مشابهًا إلى حد بعيد لما حدث في المغرب الفرنسي، ولا سيما في عهد الجنرال لويس

هوبير ليوتي، أول مقيم عام فرنسي في المغرب. هنا أيضا، وخلال سنة 9251، رأتْ أجهزة الاستخبارات

الفرنسية أن كلًّ من عملاء الكومنترن واتحاد المصارف الألمانية والإسلاميين الأتراك، هم عناصر ينتمون إلى

شبكة دولية تقدّم الدعم لثورة عبد الكريم الخطابي في الريف المغربي. وكان يجري نقل الأموال والأسلحة

والتجهيزات الطبية والمستشارين العسكريين إلى المغرب ظاهريًا عبر لجنة إسلامية تتخّذ من برلين مقرًّا لها،

في حين كان عملاء الكومنترن يزوّدون عبد الكريم الخطابي بأحدث المعلومات الاستخبارية بشأن انتشار

الجيشين الإسباني والفرنسي. وفي المغرب، كما في بقية الأقاليم الإسلامية التابعة لفرنسا، شكّل عناصر الجيش وضباط الشرطة الذين

كانوا مسيطرين على عمل جهاز الأمن، جماعة استخبارات إمبريالية متماسكة؛ إذ توحّد أعضاؤها مفترضين

أنه يجب أن تكون حدود صلاحياتهم القضائية والتشغيلية واسعة النطاق قدر الإمكان. وانبثقت هذه

(30) Zachary Lockman, Comrades and Enemies: Arab and Jewish Workers in Palestine, 1906-1948 (Berkeley: University of California Press, 1996), pp. 80 – 82, and Elizabeth Thompson, Colonial Citizens: Republican Rights, Paternal Privilege, and Gender in French Syria and Lebanon , History and Society of the Modern Middle East (New York: Columbia University Press, 2000), pp. 100–103. (31) AN, «Le mouvement communiste en Palestine et en Syrie,» (F7/13411, Syrie, SCR-2, 25 March 1926). (32) SHA (Moscow), «Le SR de Beyrouth et la S.D.N.,» (C623/D1419, EMA-2, April 1926). (33) Michael Provence, “A Nationalist Rebellion without Nationalists?: Popular Mobilizations in Mandatory Syria 1925–26,” in: Nadine Méouchy [et al.], eds. The British and French Mandates in Comparative Perspectives (Leiden ; Boston: Brill, 2004), pp. 673–692. (34) SHA (Moscow), “La Mouvement Riffain et l’aide inter-musulmane,» (C878/D997, EMA-2, no. 126, 16 Septembre

خريف 2014

الخلاصة من فرضيات مشتركة في شأن الحدود الدنيا للعناصر الأساسية للأمن الإمبريالي في كل إقليم.

وقد اختلفت هذه التصوّرات الاستخبارية بين الأقاليم الفرنسية في شمال أفريقيا وولايات بلاد الشام،

وإن اعتمدت، بصورة عامة، معايير مماثلة. وكمن الشرط الأساسي الأهم لتلك التصوّرات في أنه ينبغي

أن تكون سلطة الإدارة الإمبريالية الملاذ الأخير في الشؤون القانونية والمالية والعسكرية، بالإضافة إلى

مسألة إلزامية أهم، ألا وهي السيطرة على الحيّز العام الحضري. وكان هذا واضحًا من خلال تنظيم حرية

التنقل وتعزيز درجات متفاوتة من الفصل العنصري بين مناطق الاستيطان الأوروبي ومناطق السكان

الأصليين والتحكّم في سياسة الإسكان وتقسيم المناطق التجارية في فترة شهدت نموًا حضريًا لم تشهد له

مثيلا من قبل. وتنعم مثل هذه السيطرة بدينامية خاصة بها، فكلما فُرض المزيد من التنظيم، زاد الالتزام

بتنفيذه أكثر؛ ففي لبنان وسورية، وفّرت دور السينما مكانًا ملائمً يستقطب لقاءات المجموعات السياسية،

وأمّنت منتديات صريحة تتيح مهاجمة تفوّق الثقافة الفرنسية كما تعرضها الشاشة عادة، فكان جهاز الأمن

العام يراقب عن كثب سلوك الجمهور؛ إذ حدّدت الرقابة نوعيّة الأفلام وعروض النشرات الإخبارية

التي قد تعرض، ومع ذلك، ارتأت الشرطة السرية ضرورة مراقبة ردة فعل الجمهور. ساعدت أجهزة الأمن الإدارات الإمبريالية في تنفيذ السياسات على الصعيد الوطني. وحاولت كل حكومة

إمبريالية التحكم في تأثير النخب السياسية للسكان الأصليين، وكانت تقوم بذلك عادة عن طريق ربطها

حق الاقتراع والوصول إلى المكاتب الفرعية، بالتجنيس وبالمؤهلات العلمية و/أو بالموارد الاقتصادية.

واكتسب البُعد الاقتصادي أهمية مماثلة للبُعد السياسي هذا: جرى تنظيم الاقتصاد الاستعماري بصورة

يلبي فيها حاجات العاصمة والمدن الكبرى قبل تلبية حاجات الاستهلاك المحلي. وفي المجالات كلّها،

شكّل جمع المعلومات الاستخبارية والتجسس على المعارضة ومراقبة الأوضاع الاقتصادية المحلية عناصر

أساسية لدى اتخاذ القرارات الإدارية. لذلك، فإن كل صورة لسلطة مركزية متشدّدة ونظام حكم عمودي مفروض في شمال أفريقيا الفرنسي

أو ولايات المشرق العربي، هي صورة مضلّلة؛ فقد أبقت السلطة الفرنسية القوانين المرعية بطريقة غير

مباشرة، واستمرّت في تطبيق سياسة الضرائب وفق النمط العثماني والتجنيد العسكري الذي كان يسري

بشكل مختلف وفقًا لنظرية العِرق القتالي.

(((3 الأدبيات التي بحثت العمران الاستعماري الفرنسي مستفيضة. وقد تناولت المؤلفات التالية تنظيم الحيز العمراني في شمال

أفريقيا خلال الحربين العالميتين:

Janet L. Abu-Lughod, Rabat, Urban Apartheid in Morocco , Princeton Studies on the Near East (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1980); Paul Rabinow, French Modern: Norms and Forms of the Social Environment (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1989); David Prochaska, Making Algeria French: Colonialism in Bône, 1870-1920 (Cambridge, [England]; New York: Cambridge University Press; Paris: Editions de la Maison des Sciences de l’Homme, 1990); Gwendolyn Wright, The Politics of Design in French Colonial Urbanism (Chicago: University of Chicago Press, 1991); Zeynep Çelik, Urban Forms and Colonial Confrontations: Algiers under French Rule (Berkeley: University of California Press, 1997); Allen Christelow, “The Mosque at the Edge of the Plaza: Islam in the Algerian Colonial City,” Maghreb Review , vol. 25, nos. 3-4 (2000), pp. 289–308, and Shirine Hamadeh, “Creating the Traditional City: A French Project,” in: Nezar AlSayyad, ed., Forms of Dominance on the Architecture and Urbanism of the Colonial Enterprise , Ethnoscapes; 5 (Aldershot; Brookfield: Avebury, 1992), pp. 241–259. (36) Thompson, pp.200–201.

(((3 وضع الضباط البريطانيون في الهند البريطانية مصطلح «العِرق القتالي (» Marital Race) بعد التمرّد الهندي سنة 8571، إذ

صنّفوا الطبقات الاجتماعية وفق فئتين، فئة «قتالية» وأخرى «غير قتالية». واعتبر البريطانيون أن من انتمى إلى «العِرق القتالي» كان

عادة شجاعًا ومتين البنية، في حين كانت «الأعراق غير القتالية» تشمل أولئك الذين يعيشون حياة مستقرة تجعلهم غير مؤهلين لخوض

المعارك (قسم الترجمة والتحرير الإنكليزي).

وهكذا، في سورية على سبيل المثال، بقي القانون العرفي عند الدروز والعلوييّن على ما هو عليه في مجال

تسوية الجنح البسيطة والنزاعات بين العشائر. وجلس القضاة الفرنسيون إلى جانب نظرائهم السوريين

واللبنانيين في المحاكم الشرعية، من دون أن يكونوا بدائل منهم. وقد سعى ضباط أجهزة الاستخبارات

الفرنسية، الذين كانوا يعملون في مناطق البدو الرحل، للاضطلاع بدور تحكيمي في المسائل المتعلقة

بالقانون العرفي، ولكنهم لم يتمتعوا بثقة كافية تؤهلهم للاستغناء عنها تمامًا. وكثيرًا ما أشرف عناصر الشرطة والاستخبارات العسكرية على تحصيل الإيرادات الضريبية السنوية، ولا

سيما في المناطق الريفية؛ فقد كان هذا عملً مهمًّ. وفي بلاد المغرب، لم تكن السياسية المالية منفصلة عن

المسألة الأوسع المتعلقة بحيازة الأراضي ومصادرة الأوروبيين الحيازات العقارية الأفضل. أما في سورية

ولبنان، فاعتُمِدتْ السياسة الضريبية على نطاق واسع وسيلةً لتحسين أوضاع الأقليات غير السنّة، وتدمير

الزراعة التقليدية الجمعية في المجتمعات العربية. وكان صغار الفلاحين في دول المشرق العربي وأقاليم

شمال أفريقيا يدفعون إيرادات ضريبية أكثر من أي قطاع آخر في الاقتصاد المحلي، وهو ما جعل عملية

فرض الضرائب على الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية مسألة حساسة جدًا سياسيًا. أما في ما يتعلق

بالتجنيد العسكري، فقد اختلفت ممارسات الجيش من إقليم إلى آخر، وكانت تُدَّد، بصورة متنامية،

وفق الحاجات الأمنية المحلية والخشية من المعارضة المحلية. في المغرب، حيث كانت الحاجة إلى التهدئة

الداخلية أكبر، شُكلت أفواج «جيش أفريقيا» كلّها من المحترفين ذوي الخدمة الطويلة. أما في الجزائر،

فشُكّل الجيش من المجنّدين إلزاميًا وذوي الخدمة الطويلة والقصيرة، بناء على فرضية أن أفواج القناصة

الجزائرية ستنفع لاحقًا في الساحة الأوروبية، في حين كان الأمن الداخلي يقع على عاتق الفيلق الأجنبي

ذي الخدمة الطويلة ووحدات القناصة السنغاليين، على عكس ما حدث في تونس، حيث لم تكن أفواج

«جيش أفريقيا» المحترف قد اعتمدتْ الخدمة العسكرية الإلزامية القصيرة الأجل معيارًا.

عمومًا، كان ثمة ثلاثة عوامل تحدّد إعادة انتشار الجيش والشرطة وأجهزة الأمن وهي: نطاق الاستيطان

الأوروبي ومستوى النشاط الاقتصادي المحلي والإحساس السائد بالتوتر بين الطوائف؛ فقد كانت مديرية

الأمن وغيرها من أجهزة الأمن المدنية هي الأكثر عددًا في مراكز الاستيطان الأوروبي الرئيسية في المناطق

الحضرية في الجزائر والمغرب، في حين كانت المستعمرات الاستيطانية أقل أهمية في المناطق الأخرى. لذا

كان للاقتصاد والافتراضات الرسمية في شأن ولاء السكان الأصليين دور كبير في التخطيط الأمني. ولهذا

السبب شُنّت العمليات العسكرية، على سبيل المثال، خلال حرب الريف لضمان السيطرة على الموارد

الزراعية والمعدنية القيّمة في المناطق الداخلية لنهر ورغة، إذ كانوا على وشك إخضاع اتحاد القبائل الريفية

الذي كان عبد الكريم الخطابي يقوده. صحيح أن المناطق الريفية السورية لم تكن قط مناطق مهمة

للمستوطنات الفرنسية، إلا أن الوجود الكثيف للجيش والشرطة فيها كان نتيجة طبيعية لنظام التفرقة

(38) AN, «Renseignements sur les populations musulmanes,» (F7/13411, Syrie, 22 March 1926). (39) Centre des Archives Diplomatiques, Nantes, Fonds Beyrouth, Cabinet Politique, vol. 986, Dossier bédouin, Capitaine Terrier memo., «Essai de législation bédouine,» (Octobre 1924). (40) SHA, General Serrigny to Paul Painleve´, report on Moroccan tour of inspection (2N243/D2, 4 June 1925).

للاطلاع على الخلفية، انظر:

C.R. Pennell, A Country with a Government and a Flag: The Rif War in Morocco, 1921-1926 (Outwell, England: Middle East and North African Studies Press, 1986), Still Useful Is: David S. Woolman, Rebels in the Rif; Abd el Krim and the Rif Rebellion (Stanford, Calif., Stanford University Press, 1968). The Outstanding Examination of Spain’s Involvement in the Rif conflict is: Sebastian Balfour, Deadly Embrace: Morocco and the Road to the Spanish Civil War (Oxford; New York: Oxford University Press, 2002).

خريف 2014

الإداري للدويلات السورية المحلية التي أُنشئت بين سنتي 9209241 و 1، وهو النظام الذي نجم عنه

تأجيج الانقسام الطائفي بين العرب وغير العرب، وبين السنّة وغير السنّة. غالبا ما كان لاندلاع الاضطرابات المحلية تداعيات هائلة على الاستقرار في أقاليم إمبراطورية؛ ففي

المناطق التي لم يجرِ فيها احتواء حركات العصيان بشكل عاجل، كان تأثير تلك الحركات يرتدّ إلى الخارج،

ويؤدي بداية إلى تعطيل الزراعة الفلاحية في المناطق المتضرّرة، ومن ثم تُنى التبادلات التجارية بين

المنتجين الريفيين وتجار المناطق الحضرية في المناطق المجاورة بالخسائر، وتتوقّف أخيرًا عملية توفير المواد

الغذائية الضرورية للمستهلك المحلي في جميع أنحاء الإقليم المستعمَر. وكانت العمليات التي جرتْ في

المناطق الجبلية الشمالية في الريف المغربي بين سنتي 9239241 و 1 قد سبّبت هذه المشكلات الهائلة،

وهو ما أدى إلى تعطيل الأنماط المعتمدة في التجارة، وتسبّب في نقص في الحبوب، وقوّض الثقة المالية في

جميع أنحاء الدول الموضوعة تحت الوصاية، فتنامت المعارضة السياسية عندما أصبح الحراك المناهض

للفرنسيين مرتبطًا بالاحتجاجات على شحّ الإمدادات الغذائية وعدم استقرار العملة. بعد مرور سنة واحدة، في آذار/مارس 9251، تغيّ الوضع كثيرًا؛ إذ شاركت أرتال القوات الفرنسية

المتحرّكة على طول الحدود الشمالية للمناطق تحت الوصاية، وحول مدينة تازة، في عمليات التطهير، بدلً

من قيامها بمهمات دفاعية أساسية كما في السنة السابقة. وكان حصاد سنة -1924 9251 وفيرًا أكثر من

السنوات السابقة بفضل هطول أمطار غزيرة، وفرض الجيشُ النظامَ في حزام الريف المزروع بالحبوب قبل

موسم الحصاد. واستقرّت أسعار المواد الغذائية بشكل لافت، وخصوصًا أسعار الحبوب والسكر. ووضع

استعادة استقرار الأسعار حدًا للاحتجاجات العامة. ولكن لو كانت إدارة المقيم العام الفرنسي، الجنرال

ليوتي، غير آبهة لاحتمالات اندلاع اضطرابات واسعة النطاق، لكانت أقل دموية تجاه تغلغل الشيوعية في

المغرب. فقد كان العصيان الشيوعي، لا تفاقم تمرّد البربر، يُعتبر المشكلة الأمنية الأكثر استدامة والتي

نجمت عن الحرب في أقاليم الريف الخاضعة لإسبانيا. وحدث هذا قبل أقل من أربعة أسابيع من

اجتياح قوات عبد الكريم الحدود التي تفصل المناطق المغربية الخاضعة للوصاية المغربية الفرنسية عن

تلك الخاضعة للوصاية الإسبانية، مخترقة الدفاعات الفرنسية على طول ما يسمّى الجبهة الشمالية. ومع

حلول نهاية الصيف، واجهت السيطرة الفرنسية على إمبراطوريتها الإسلامية اختبارها الأقسى خلال

سنوات فترة ما بين الحربين. وكان هدير حرب الريف لا يزال مدويًا، عندما هدّدت ثورة الدروز في

سورية بتفكيك الانتداب الفرنسي على المشرق، حاشدة الدعم الشعبي من جميع الأطياف الإثنية والدينية

في سورية في معارضتها للحكم الفرنسي. واستغرق الأمر سنتين أخريين قبل استعادة النظام. وفي كلتا

الحالتين، وقد اعتمدت السياسات العسكرية - التي اتّبعها القائدان العسكريّان الفرنسيّان فيليب بيتان في

المغرب وموريس غاملان في سورية - على الاستخدام المدمر لسلاح المدفعية ولقصف الطائرات وللقوة

النارية العسكرية الساحقة التي كانت شائعة في الحروب الأوروبية أكثر من اعتمادها على دروس قمع

حركات التمرّد المناهضة للاستعمار.

(41) Itamar Robinovich, “The Compact Minorities and the Syrian State, 1918-45,” Journal of Contemporary History , vol. 14, no. 4 (1979), pp. 693–697. (42) Ministère des Affaires Etrangères (Paris), Série M: Maroc 1917–40, Vol. 89, Direction des affaires indigènes/SR, «Rapport mensuel d’ensemble du protectorat: Situation politique et militaire, Janvier 1924». (43) Ministère des Affaires Etrangères (Paris), Direction des affaires indigènes/SR, «Rapport mensuel d’ensemble du protectorat: Situation politique et militaire, Mars 1925».

الأمن الداخلي في شمال أفريقيا الفرنسي خلال ثلاثينيات القرن العشرين

بعد أن بدأ الركود الاقتصادي يصيب المغرب في شتاء -1929 9301، اكتشف كلٌّ من محللي جهاز

الاستخبارات العسكرية والمسؤولين عن الشؤون العربية والعاملين في مديرية الأمن أن هنالك فجوة

تتسع باطراد بين الحاكم والمحكوم. وفي كانون الأول/ ديسمبر 9311 شخّص قسم الشؤون العربية في

أركان الجيش الوضع السياسي في تونس على النحو التالي:.....إن هناك تعارضًا خفيًا بين «فرنسا في تونس»، [ما يعني] الموظفين الرسميين والمستوطنين من جهة،

والأقلية النخبوية من وطنيي السكان الأصليين الذين يسعون جاهدين لكسب دعم البروليتاريا المسلمة

في المدن الرئيسية المتفرنجة، وتأييد بلاط البكوية الذي لا يزال ولاؤه مثار شك، والطلبة التونسيين الذين

يتلقون تعليمهم برعايتهم من جهة أخرى. توصّل مكتب الاستخبارات العسكرية في الرباط إلى استنتاجات مشابهة بشأن النضال الوطني في

المغرب. وفي سنة 9331 حذّر جهاز الاستخبارات العسكرية في الرباط من استحالة كبح الشعور الوطني

الجماهيري في المغرب. ولدى ربطه حركة الشباب المغربي بتنامٍ ملحوظ في الالتزام بتعاليم الإسلام،

وبالدعاية للوحدة العربية والتمويل الألماني والإيطالي غير المشروع للمنظمات الوطنية، استنتج جهاز

الاستخبارات العسكرية أن أولويات أجهزة الاستخبارات تكمن في منع انتشار الحركة الوطنية من المدن

إلى الأرياف. وعزّز هذا التحليل الاستخباراتي مبدأ الربط في سياسة المندوب السامي في المغرب. وبيّنت

تقارير الاستخبارات المتزايدة والمتعلقة بالسيطرة على القبائل في الريف المغربي أن الرجعية المتأصلة لدى

الزعامات القبلية هي الضمان الأكيد ضد نمو نزعة النضال الوطني بين الفلاحين المغاربة، إلا أن

النقطة الأساسية هنا ربما كانت تكمن في كون مؤسسة الاستخبارات في المغرب تأكّدت في بداية ثلاثينيات

القرن العشرين من أن السلطات الفرنسية لا يمكنها احتواء السياسة المغربية الجماهيرية الوطنية المتكاملة

والناشئة، ولا تستطيع استمالتها. وفي سنة 1934 - وهي السنة ذاتها التي أُعلن فيها وقف عمليات

التهدئة في المغرب الذي كان لا يزال تحت الوصاية - أصدرت لجنة العمل المغربي (التي سرعان ما

عُرفتْ لاحقًا بكتلة العمل الوطني) قائمة إصلاحات دستورية تفصيلية كانت ستؤسس لبرنامج عمل

الاحتجاج الوطني للعقد التالي. كان مركز تنسيق جمع المعلومات الاستخباراتية السرية في الجزائر أفضل من مراكز الدول المجاورة الخاضعة

للوصاية. صحيح أن حزب نجم شمال أفريقيا، وهو الحزب الوطني الجزائري الأبرز، حُظر نشاطه منذ

سنة 9271، إلا أنه وزعيمه مصالي الحاج كانا محور تقارير الاستخبارات عن الأمن الداخلي في الجزائر

(44) SHA, EMA Section d’études (Afrique/Orient/Colonies), «La Situation politique en Tunisie,» (7N4133/D6, no. 2947, 14 Décembre 1931). (45) SHA (Moscow), Officier de liaison (Rabat), «Le Mouvement nationaliste marocaine,» (C306/D426, no. 17,622, 5 Novembre 1933).

تطابق ذلك مع عودة ظهور أيديولوجيا العمل الجمعي المحافظ في أفريقيا الغربية الفرنسية، تبحثها أليس كونكلين في:

Alice L. Conklin, A Mission to Civilize: The Republican Idea of Empire in France and West Africa, 1895-1930 (Stanford, Calif.: Stanford University Press, 1997), pp. 174–211. (46) William A. Hoisington, The Casablanca Connection: French Colonial Policy, 1936-1943 (Chapel Hill: University of North Carolina Press, 1984), pp. 40–51.

خريف 2014

خلال ثلاثينيات القرن العشرين. وكان الحزب قد تأسّس في مجتمعات المهاجرين الجزائريين في مدن

باريس وليل وستراسبورغ [الفرنسية]. وتمامًا كما اعتمد مناصرو الحزب في الجزائر على المثال الحضَي،

قام القمع الرسمي للحزب على ممارسات لواء شمال أفريقيا الذي أسسته شرطة محافظة باريس في سنة

9251 بناء على طلب المجلس البلدي للعاصمة لمراقبة العمال المغاربيين في أرجاء المدينة كافة. وقامت

وحدة الشرطة هذه، التي أ سِّست بهدف مراقبة المهاجرين المغاربيين، منذ إنشائها بوضع ضوابط صارمة

على العمال الجزائريين في منطقة باريس. وتدخّل هذا اللواء في المناسبات النادرة التي نظّم فيها العمال

الجزائريون إضرابات عن العمل، إما باعتقالهم وإما بإقناعهم بالعودة إلى العمل تحت طائلة التهديد بالطرد

من فرنسا، أو بمساعدة أرباب العمل في إيجاد عمال مهاجرين آخرين على استعداد لإفشال الإضراب. أما

سبب هذه الإجراءات المتشدّدة، فيعود في جزء منها إلى ورود أدلّة على تلقّي العمال المهاجرين دعمً شيوعيًا،

كون التحالف العام الوحدوي للعمال (CGTU) الذي يسيطر عليه الشيوعيون كان قد نظّم إضرابات عن

العمل وأسّس صناديق إعانة للمضربين المهاجرين. وأضاف تنامي دعم العمال المهاجرين الجزائريين

لحزب نجم شمال أفريقيا زخمًا لعمل لواء شمال أفريقيا حالما حُظِرت الحركة رسميًا.

أربكت أصول حزب نجم شمال أفريقيا الحضَية، ودائرة أنصاره المكوّنة من الطبقة العاملة وصلاته

باليسار الفرنسي، تقديرات الاستخبارات الفرنسية في شأن قدرة الحركة على التغلغل في الجزائر نفسها.

ومن السهل معرفة السبب؛ فالحزب بقي بعيدًا عن موطنه المستعمَر خلال فترة وجوده المضطربة الممتدة

على مدى اثنتي عشرة سنة. وكانت أخبار أنشطته تنشر على نطاق واسع في الصحافة العربية في الجزائر.

ومع ذلك، كان الحزب جزءًا من نسيج السياسة الفرنسية أكثر من كونه فاعلً في الحياة السياسية المحدودة

في الجزائر. وما بين تأسيس الحزب في أيار/ مايو 9251 وحتى حظره في 26 كانون الثاني/ يناير 9371

لعبت اللجنة التنفيذية في الحزب لعبة القط والفأر مع محامي الحكومة الفرنسية الذين تلقّوا توجيهات

لإيجاد ذريعة قانونية لحظر نشاط الحزب في فرنسا. ومنذ البداية، كان قادة الحزب في فرنسا يخضعون لمراقبة

الشرطة الشديدة؛ فكثيرا ما كان بريدهم يُعترض، وكان عليهم التقدم بطلب إذن للسماح لهم بالعودة

إلى شمال أفريقيا. أما قائد الحزب مصالي الحاج، المنظم الكفؤ والرمز القوي لهذه الحركة، فبقي الهدف

الأساسي للرقابة. وقد حُظر الحزب في سنة 9291، وكان هذا هو التحدي القانوني الثاني من بين سلسلة

تحديات قانونية واجهت نشاطه في فرنسا. وواصل الحزب حشد التأييد بين العمال المهاجرين المغاربيين

ضمن نشاط سري شبه قانوني، فأحيانًا كان يغيّ اسمه، وأحيانًا أخرى كان يشجّع الانتماء إلى منظمات

قانونية أخرى من أجل توفير منبر لمعارضة الحكم الاستعماري. وبعد سنة واحدة من نشاطه الترويجي

المتزايد باسمه الجديد «نجم شمال أفريقيا المجيد»، اعتُقل في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 9341 ثلاثة قياديين

في الحزب: مصالي الحاج وعمار إيماش وبلقاسم راجف، بتهمة إعادة تكوين منظمة غير قانونية. وبحلول

ذلك الوقت، كان الحزب قد أصبح متمكّنًا في اعتماده أساليب لمواجهة مضايقات الشرطة والأحكام

القضائية العدائية بصورة متواصلة. وعلى الرغم من اعتقال قادته، أُعيد تشكيله مرة أخرى في شباط/

(47) Stéphane Sirot, «Les Conditions de travail et les grèves des ouvriers coloniaux à Paris des lendemains de la Première Guerre mondiale à la veille du Front populaire,” Revue française d’histoire d’outre-mer , vol. 83, no. 311 (1996), pp.

(48) APPP (Paris), “Note sur l’activité de l’Etoile Nord-Africaine depuis sa création jusqu’au 15 Novembre 1934,” (BA2170,); on this subject more generally, see: Clifford D. Rosenberg, “Republican Surveillance: Immigration, Citizenship, and the Police in Interwar Paris,” (Ph. D. Dissertation, Princeton University, 2000).

فبراير 9351 باسم «الاتحاد الوطني لمسلمي شمال أفريقيا». كما أنه خاض بنفسه تحديًا قانونيًا ناجحًا ضد

الحظر الذي فُرض على نشاطه في سنة 9291، والذي اعتبُر في نيسان/ أبريل 935 1 باطلً على أساس

تنفيذ خاطئ لموجباته. ونتيجة ذلك، أُخلي سبيل مصالي ورفيقيه في قيادة الحزب في الأول من أيار/ مايو.

لكن استمتاعهم بالحرية كان قصيرًا، إذ بعد خمسة عشر يومًا حوكم مصالي وإيماش وراجف غيابيًا بتهمة

تحريض الجنود الاستعماريين على التمرد في اجتماعات عُقدت في آب/ أغسطس وأيلول/ سبتمبر من

السنة الماضية. وقد أصدرت المحكمة الإصلاحية أحكامًا بالسجن لمدة سنة بحق مصالي، وثمانية أشهر

بحق إيماش، وستة أشهر بحق راجف. وسلّم عمار إيماش نفسه طواعية، واعتُقل بلقاسم راجف على

الفور، لكن مصالي لجأ إلى جنيف حيث جدد علاقته بقيادة المؤتمر السوري الفلسطيني. يعزى القمع الذي تعرّض له حزب نجم شمال أفريقيا إلى كثير من المخاوف المتداخلة، كان أولها الأدلة

المتزايدة بشأن تغلغل الحزب في صفوف العمال الشباب الجزائريين المهاجرين، الذين اكتسبوا براعة

تنظيمية ومهارات نضالية أذهلت الأجهزة الأمنية. فبحلول سنة 9291، قُدّر عدد أعضاء الحزب، حين

حظره، ب 4000 عضو، ويُعد هذا الرقم صغيرًا نسبيًا، لكنه كان كافيًا لإثارة المخاوف من نشوء قوة

ذات شكيمة من الشبان الوطنيين الراديكاليين، ويمكنها نشر الفوضى إن عادت إلى الجزائر. وترتبط هذه

الخشية بقلق آخر ألا وهو ميول الحزب الشيوعية؛ إذ كان خطابه يساريًا معاديًا للاستعمار، مستلهمً أساسًا

نجاح الثورة الشيوعية في روسيا السوفياتية، ولكنه تكيّف في ما بعد مع الأوضاع الاقتصادية المتردّية في

أوائل ثلاثينيات القرن العشرين. وكانت أساليب الحزب التنظيمية تحاكي تلك التي كان يعتمدها الحزب

الشيوعي الفرنسي والحركة النقابية الشيوعية والاتحاد العمالي العام الذي كان يسيطر عليه الشيوعيون.

وكان تطور الجبهة الشعبية بين سنتي 9349351 و 1 جعل افتراض وجود اتصال ضمني بالشيوعية أكثر

قابلية للتصديق. وبدا تأييد مصالي الحماسي للتجمع الشعبي، وهو تحالف مناهض للفاشية تشكّل بين

سنتي 9349351 و 1 لإطلاق حملة من أجل تشكيل حكومة الجبهة الشعبية [اليسارية في فرنسا]، مبررًا

لمواقف المسؤولين في الاستخبارات الفرنسية الذين كانوا يصرّون على أن مصالي وأتباعه ذئاب شيوعية

بلبوس وطنية. وقد مكّن انتخابُ حكومة ليون بلوم في أيار/ مايو 9361 مصالي من مزاولة النشاط

السياسي مجددا في فرنسا، وفي الجزائر بزخم لم يُعهد من قبل. وبحلول تشرين الأول/ أكتوبر 9361،

أصبح عدد أعضاء حزب نجم شمال أفريقيا 000 11.عضو منظّمين في 03 فرعًا. وركّزت أجهزة

الأمن على توسّع مجال النشاط السياسي للحزب أكثر من اهتمامها بواقعة قطع مؤيدي مصالي صلتهم

علنًا بالحزبين الشيوعيين في فرنسا والجزائر، إذ تبنّوا بدلً من ذلك برنامجًا وطنيًا علنيًا أقل أيديولوجية.

مرّة أخرى، سيتداخل الاستقطاب السياسي في المدن الفرنسية وهاجس التغلغل الشيوعي مع السياق

السياسي المختلف كليًا في شمال أفريقيا؛ ففي غضون أشهر من تسلّم حكومة بلوم مقاليد الحكم، أصر قسم

الاستخبارات الاستعماري التابع للجيش على أن حزب نجم شمال أفريقيا هو المكوّن الأساسي للائتلاف

الوطني - الشيوعي الذي يتحكّم الكومنترن فيه، وبتنسيق شبه كلي مع الجمهوريين الإسبان. ونظرًا إلى

الصمت الذي لفّ الموضوع، كان ضباط جهاز الأمن أكثر ريبة. وبالتالي، كان مركز التحليل التابع لجهاز

(49) CAOM, «Les Grands courants d’opinion dans l’Islam nord-africain,» (8H61/D1, HCM March 1937 Session, Report 2, 5 March 1937).

(5((المصدر نفسه.

(51) SHA, EMA Section d’Outre-Mer, “Synthe`se de renseignements interessant l’Afrique du Nord, mois de Décembre 1936,” (7N71333/D6).

خريف 2014

الاستخبارات في الجزائر هو من أنتج أغلبية التقارير التي تقيّم التهديدات التي تنذر بمصادر العصيان

المحتملة في شمال أفريقيا. وفي سنوات تولّ الجبهة الشعبية الحكم في فرنسا، أعدت الاستخبارات

الفرنسية كما في السابق، تقارير لوزارة الداخلية واللجنة العليا للدراسات المتوسطية عن اتصالات بين

ناشطي حزب نجم شمال أفريقيا ومجموعات وطنية مغاربية أخرى وأعضاء من جمعية العلماء المسلمين

الجزائريين الإصلاحية. وقد اشتبه محلّلو أجهزة الاستخبارات العسكرية في باريس في أن مصالي الحاج كان ربما يلعب الورقة

الدينية، مستغلً علاقته برئيس جمعية العلماء عبد الحميد بن باديس، من أجل تشجيع المقاومة المسلمة ضد

الحكم الفرنسي. وحذر مسؤولو جهاز الأمن العام أيضًا من أن كلا الرجلين وقع تحت تأثير رئيس شبكة

المؤتمر السوري - الفلسطيني في جنيف، الأمير شكيب أرسلان، «الوحش الأسود» في نظر الأجهزة

الأمنية الفرنسية، وأكثر دعاة القومية العربية غزارة في الإنتاج الأدبي في فترة ما بين الحربين العالميتين.

وسرعان ما اكتسبت توقّعات الاستخبارات عن وجود علاقة وثيقة بين الحزب الوطني الرئيسي في

الجزائر والحركة الدينية الأقوى صدقية في المستعمرة. ففي 2 آب/أغسطس 9361، تلقّى الشيخ بن دالي

محمود، مفتي المسجد الكبير في الجزائر، طعنات قاتلة على يد قاتل مأجور استخدمه منافس الشيخ محمود،

الشيخ الطيب العقبي، العالِ الأبرز في ولاية بسكرة، وتربطه علاقة قديمة بمصالي الحاج. ودلّ مقتل

المفتي محمود على أن النضال الوطني والمنافسة الدينية بين علماء الإسلام البارزين في الجزائر كانا مرتبطين

ارتباطًا وثيقًا. وكمنت المشكلة في أن لا أجهزة الاستخبارات العسكرية ولا أجهزة الأمن، على الرغم من

يقينها الظاهر في هذا الشأن، تمكّنت من اختراق دائرة العمل الداخلي لحزب نجم شمال أفريقيا، وبدرجة

أقل حركة العلماء. مع تفاقم العداء الشعبي لقوات الأمن، واعتماد جهاز الاستخبارات العسكرية على تقارير المخبرين التي

غالبًا ما كان مشكوكًا في صدقيّتها، تنامى الميل إلى المبالغة في تصوير تهديد العصيان. وأكبر مثال على هذا

هو ما حدث في قسنطينة بعد اندلاع العنف المعادي للسامية في مدينة سطيف وما حولها في آب/ أغسطس

1934. وتطابقت معلومات المخبرين قبل حوادث آب/ أغسطس وبعدها في شأن النضال الوطني

العربي المحلي مع أدلّة محدودة أشارت إلى بيع المزارعين المستوطنين ممتلكاتهم نتيجة الركود الاقتصادي،

وهو ما أنتج صورة أوحت بأن مقاطعة برمّتها كانت على شفا ثورة. وأرسل عناصر من جهاز

الاستخبارات العسكرية وجهاز الأمن العام مرارًا رسائل متناقضة إلى باريس في شأن احتمال نشوب ثورة

ضد الاستعمار. وأقرّت أغلبية ضباط أجهزة الاستخبارات والمسؤولين في جهاز الأمن بوجود توتر ما بين

الحركة الوطنية العلمانية والحركة الشيوعية المعتمدة على المستوطنين وجمعية العلماء المسلمين الإصلاحية

التي كان يتزعمها ابن باديس [رائد النهضة الإسلامية في الجزائر]. وفي الواقع، لم يرتبط أكبر التجمّعات

(((5 شك لت تقارير صادرة عن مكتب جهاز الاستخبارات العسكري الفرنسي في الجزائر أساسًا لنشرة نصف شهرية صدرت في

شمال أفريقيا تتناول التقييمات السياسية للاستخبارات وجمعها المكتب الثاني لوزارة الحرب:

SHA (Moscow), “Renseignements Afrique du Nord, 1937–8,” (C388/D132). (53) SHA (Moscow), «Les Ulémas d’Algérie, Chekib Arslan et l’E.N.A.,» (C878/D998, SR rapport, 7 Décembre 1936), et Sûreté nationale report, «Activité´ de l’Emir Chekib Arslan,» (14 May 1937). (54) Charles-Robert Ageron, «Une émeute anti-juive à Constantine (août 1934),” Revue de l’Occident musulman et de la Méditerranée , vol. 13, nos. 13-14 (1973), pp. 23–40. (55) SHA (Moscow), «Bruits de révolte indigène dans le département de Constantine,» (C1109/D667, no. 1978/G SFA: Renseignement Alge´rie, 3 Janvier 1934).

الحزبية السياسية في الجزائر خلال فترة حكم الجبهة الشعبية بأي علاقة بحزب نجم شمال أفريقيا أو بحركة

العلماء. وكانت فدرالية المسلمين الجزائريين المنتخبين التي كان يتزعمها الدكتور محمد الصالح بن جلول،

وهي تجمّع نخبوي أُسِّس سنة 9271 وملتزم بتعزيز الاندماج الجزائري - الفرنسي، تحظى بتأييد 9000

مناصر في فرع قسنطينة، معقل بن جلول، في حين تمكنت جولة العقيد فرانسوا دو لا روك زعيم الحزب

الاجتماعي الفرنسي اليميني المتطرف في تموز/ يوليو 9371 من حشد عدد مماثل من المستوطنين في معاقل

الحزب في الجزائر وأورليانسفيل وبون وقسنطينة. وكانت تقارير جهاز الاستخبارات وجهاز الشرطة

العامة في شأن آراء السكان الأصليين مشوّهة بمزيج من النمطية العنصرية والطبقية، بسبب اعتيادهما على

رؤية التطورات السياسية المحلية من خلال منظور السياسة الفرنسية. فرأت أن وحدها الأقليات العربية

والبربرية المتعلّمة، قادرة على مواصلة المشاركة السياسية. وكان من المتوقع أن تجذب الأحزاب السياسية

الغربية النمط القلة المثقفة فقط. اتفقت الشرطة المحلية وأجهزة الاستخبارات العسكرية عمومًا على أن النهضة الإسلامية كانت على

الأرجح ممرًّا تعتمده المعارضة الجماهيرية للحكم الفرنسي. وكانت مراقبة التعليم الإسلامي في المدارس

القرآنية تجري دومًا عن كثب؛ فبحلول سنة 9351 كانت التعاليم المتكاملة التي يتبنّاها أتباع ابن باديس

مرتبطة بانتشار المدارس الدينية التي كانت تقدّم تعليمً مجانيًا للشباب المسلم. واتُّمت هذه المدارس الدينية

بغرس الأصولية الوهابية الغريبة عن التقاليد الإسلامية الجزائرية. وقد ازداد بصورة متنامية تمييز مكتب

الاستخبارات العسكرية في الجزائر بين الالتزام «الجيد» بالإسلام والالتزام «السيئ» به، بسبب حرصه

على إيجاد ذريعة لقمع التدريس الإسلامي في المستعمرة، حيث كان الفصل بين الكنيسة والدولة ساري

المفعول نظريًا. واعتبرتْ علامات الانتشار السريع للإسلام المتشدّد ظاهرة مدينية صرفًا. أما في الريف،

فكان من المفترض أن يكون الفلاحون الجزائريون متشبثين بتقاليد إسلامية أكثر تسامحا ومرونة إجمالً. كان موجز تقرير أجهزة الاستخبارات العسكرية أرسل من منطقة القبائل لشهر نيسان/أبريل 9351

نموذجيًا في هذا الصدد؛ إذ طغت على السياسة المحلية محاصيل الفاكهة الشحيحة وعودة العمال

المهاجرين العاطلين من العمل من فرنسا، وازدياد الضرائب على مدى ثلاث سنوات منذ سنة 9321،

واعتُبَِت الحركات الوطنية والإسلامية الراديكالية المنظمة منظمات هامشية. ولوحظ أن المهاجرين

العائدين الذين كانوا سابقًا ناشطين سياسيًا في فرنسا سرعان ما فقدوا اهتمامهم بالسياسة الوطنية بعد

استقرارهم في مجتمعهم المحلي. وعكست معلومات أجهزة الاستخبارات العسكرية المرسلة من

الجزائر إلى فرنسا هذه الاستنتاجات، فكانت كل أزمة قصيرة الأمد تتعرّض لها السلطات الفرنسية في

الجزائر اقتصاديةً بالدرجة الأولى. أما التهديد الطويل الأمد، فكان يكمن في التطور التدريجي للعمل

السياسي للسكان الأصليين نتيجة ارتفاع مستويات المعيشة والانتشار الأوسع للتعليم الأساسي. ومع

ذلك اعتبُر العمال المدينيون والفلاحون أصحاب الملْكيات الصغيرة عاجزين عن القيام بنشاط سياسي

(56) SHA (Moscow), bulletin de renseignements no. 20 (C388/D132, 19e Corps d’Armée, EMA-2, 14 August 1937), et «Compte-rendu de quinzaine,» (19 August 1937). (57) SHA (Moscow), “A/S Enseignement des Oule´mas,” (C930/D680, SEA (Alger), no. 4042, 4 July 1935). According to Prevailing Security Service Wisdom, for the Fellah Masses, Living Standards Were all that Counted, see for Example: SHA (Moscow), “Note sur la situation indige`ne dans le département d’Oran,” (C1109/C667, no. 2059/G, SEA, 14 January 1935). (58) SHA (Moscow), “A/S Situation des indigènes en Kabylie,” (C223/D122, SEA Report, 16 April 1935).

خريف 2014

مستقل. ومن هنا تأتي أهمية رعاية نخبة مثقفة موالية لتوجيه الرأي العام نحو الانخراط في العمل

السياسي غير المؤذي. بعد الاطلاع على هذه الحتمية الاقتصادية الفظّة، أوحت أجهزة الاستخبارات العسكرية بأنه ينبغي أن

يتضاءل احتمال حدوث تمرد ما، بما أن المغرب العربي قد خرج من أسوأ ركود اقتصادي في سنة 9351،

ولكن المفاجأة الحقيقية التي واجهتها أجهزة الاستخبارات العسكرية الفرنسية في الجزائر، كانت عندما

اشتبك أنصار مصالي الحاج من حزب الشعب الجزائري مع الشرطة التي أُرسلت لفض اجتماع لهذا الحزب

كان قد منع محافظ المدينة السماح بعقده في 92 أيلول/ سبتمبر 937.1 ولم يكن العنف الناتج من ذلك

هو سبب الإنذار بالخطر، بل كان في حقيقة الأمر أن مئات العمال الجزائريين كانوا مستعدين للتعرض

للإصابة بجروح وللسجن بسبب قضية مبدأ سياسي. كان ثمة توصيف آخر مماثل وواضح لوجود تنظيم وطني واضطرابات عربية في تونس المجاورة. فهنا أيضًا

استشف الجهاز الفرنسي للاستخبارات العسكرية وجود مؤامرات دولية شارك فيها، بدرجات متفاوتة،

وطنيون محليون ومناضلون عرب ومروّجو دعاية ألمان وإيطاليون وعملاء للكومنترن وتجار أسلحة

أوروبيون. ولم يكن من قبيل الصدفة بدء ظهور هذه التقارير بعد إنشاء شعبة مكافحة التجسّس المرتبطة

بجهاز الأمن العام الفرنسي في تونس في أيار/مايو 930.1 واستقت هذه الشعبة معلوماتها الاستخباراتية

من عملاء محليين تابعين لمقار الشرطة الإقليمية الخمسة العاملة في البلاد. ولم يكن مستغربًا أن تندمج

تهديدات ثلاثة تتضمّن جهازًا مكلّفًا بمراقبة الهجرة غير الشرعية وولاء الجالية الإيطالية الكبيرة في تونس،

وسياسة الدستوريين الوطنية، لتشكّل تهديدًا واحدًا يهدّد الحكم الفرنسي. خلال سنة 9341، جرى بسهولة تأكيدُ صحة التقارير في شأن الاتجار بالأسلحة والتمويل الخارجي غير

المشروع لحزب الدستور الجديد، والاتصالات بين قيادة الحزب والمؤتمر السوري- الفلسطيني بزعامة الأمير

شكيب أرسلان، بعد الاعتقالات التي شنّتها الشرطة وأجهزة الاستخبارات العسكرية ومراقبتها للبريد.

ولكن الروابط المزعومة بين هذه الأنشطة كانت ثمرة خصوبة مخيّلة الأجهزة الأمنية أكثر ممّا كانت نتاج الأدلة

القطعية. ومع نهاية سنة 9341، قدّر حتى ضباط جهاز الاستخبارات العسكرية الفرنسية وضباط الأمن

العام الأكفياء والميّالين إلى التشكيك بالأخبار المثيرة التي تروّجها الاستخبارات، أن الوجود العلني للقوى

الأمنية في المدن الرئيسية في تونس هو وحده ما حال دون اندلاع انتفاضة شعبية فيها. وإذ كانت السلطات

الفرنسية تعتمد كليًا على القوة العسكرية المنتشرة لبسط نفوذها، لم يستتب النظام إلا بسبب نزعة حفظ الذات

التي كانت تتحلى بها قيادة حزب الدستور الجديد، أكثر ممّا هو بسبب القبول بالحكم الفرنسي. صاغ الوضع الدولي المتدهور توجهات عمليات الأجهزة الأمنية في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي

على الرغم من انتشار الاضطرابات في المدن واندلاع احتجاجات العمال بعد إفشال إصلاحات الجبهة

(59) SHA (Moscow), Commandant Delor (SEA) to Colonel Rivet, 22 May 1935. (60) SHA (Moscow), “Collision entre la police et les partisans de Messali,» (C1109/C667, SEA renseignement, Septembre 1937). (61) SHA (Moscow), «SCR note sur le fonctionnement du contre-espionnage en Tunisie,» (3 January 1935). (62) SHA (Moscow), EMA Section d’Outre-Mer, “Note au sujet de la contrebande et de la préparation d’une insurrection en AFN,” (C1109/D667, 15 Novembre 1934), et SEA, Commandant Delor, Section d’études Alger, to Commandant Rivet, «Informations fournies par REGNAUDIN,” (27 Novembre 1934). (63) SHA (Moscow), “Note sur la question tunisienne,” (C1109/D667, no. 1970/G, SEA, 29 Decembre 1934).

الشعبية، أو إبطالها، في سنتي 9379381 و 1.والمثير للسخرية هو أن الائتلاف اليساري النزعة هو الذي

أشرف على توسع نطاق رقابة الدولة ضد السكان المستعمَرين؛ ففي كانون الثاني/ يناير 9371، حوّلت

حكومة ليون بلوم، وهي أول حكومة تشكلها الجبهة الشعبية، اللجنة العليا المتوسطية، وهي المجموعة

الاستشارية المدنية - العسكرية لشؤون شمال أفريقيا، إلى منتدى لتقييم المعلومات الاستخباراتية. وتولى

ألبرت سارو، وزير الدولة لشؤون شمال أفريقيا، مسؤولية إصلاح اللجنة وتحويلها من دكان غير فاعل

للثرثرة إلى أداة إدارية رئيسية لتحليل السياسة الأمنية في دول المغرب. وأصبحت اللجنة بعد رفدها بأمانة

عامة دائمة، تعمّم المعلومات الاستخباراتية التي تردها بشأن الأوضاع السياسية في أقاليم شمال أفريقيا

الثلاثة إلى جميع الوزارات المعنية. كما أُنشئت لجنة دائمة لدراسة أي قضايا تؤثر في شؤون رعايا المستعمرة

الفرنسية المسلمة، ويمكن أن تؤثر في أمن الإمبراطورية. قامت اللجنة العليا المتوسطية بعد إحيائها، ومن خلال دوراتها التي عُقدت في آذار/مارس 9371،

باستعراض نتائج دراستها لأربع مسائل ذات صلة. ومُنحت الأولوية الأولى لإصلاح بيروقراطية شؤون

السكان المحليين، فكان يُنظر إلى مكاتب شؤون السكان المحليين في شمال أفريقيا على أنها قديمة الطراز

ومفرطة التعقيد وغير قادرة على توفير كمية المعلومات المحلية التي تحتاج الحكومة المركزية إليها، وهذا ما

أكدته اللجنة في تقريرها الثاني الذي كان عبارة عن بحث ميداني يتناول الانتماء السياسي والديني في دول

المغرب. ففي حين كان المسؤولون عن شؤون السكان المحليين يميلون إلى التقليل من تأثير الحركة الوطنية

العلمانية في المجتمعات الريفية، رأت اللجنة العليا المتوسطية أن الأحزاب الوطنية في دول المغرب هي

المجموعات المهيمنة بين المسلمين في المدينة والريف. وأشارت لجنة الدراسات إلى المصالح المشتركة

بين ناشطي الأحزاب السياسية والعلماء والمرابطين الصوفيين وممثلي النخبة المتطوّرة في الأقاليم الثلاثة؛ إذ

سهّلت الاتصالات غير الرسمية وشبكات الزبائنية بين دوائر الرأي تغلغل الأفكار المتداخلة. اختلطت النزعة الوطنية المناهضة للاستعمار مع العروبة التي امتزجت بدورها مع إعادة تأكيد الهوية

الثقافية الإسلامية. وهكذا وجد قادة حزب الشعب الجزائري ولجنة العمل المغربية وحزب الدستور

الجديد قضية مشتركة تجمعهم بالمجدّدين الإسلاميين في المدارس القرآنية والطرق الصوفية. وتعاطفت

جميعها مع قضية الوحدة العربية التي كان ينادي بها المؤتمر الفلسطيني - السوري بزعامة شكيب أرسلان.

ونتيجة ذلك، اعتبر الرأي الإسلامي قوة سياسية متعدّدة الأوجه وأكثر تماسكًا. جرى تناول هذه الرسالة بإسهاب في المسألة الثالثة من تحقيق لجنة الدراسة عن مجتمع المهاجرين من دول

المغرب في فرنسا. وكما رأينا، فإن العمال في المدن الفرنسية المتحدّرين من شمال أفريقيا كانوا خاضعين لرقابة

متزايدة من جانب الدولة خلال فترة ما بين الحربين. ومع حلول سنة 9371 استطاعت اللجنة العليا

المتوسطية، بالاستناد إلى تقارير شرطة البلدية التي قُدِّمت خلال خمس عشرة سنة وإلى سجلات العمالة

والكشوف الصحية العامة والبيانات الجمركية، وضع ملف تفصيلي يتعلق بالمسلمين المهاجرين. وكانت

النتيجة الرئيسية التي توصّلت إليها لجنة الدراسة في هذا المجال مثيرة للسخرية. فسنوات من عمليات

التدقيق المكثّفة التي مارستها الشرطة والقيود التي كانت مفروضة على الهجرة وممارسات التمييز الراسخ

(64) CAOM, President Albert Lebrun letter to Albert Sarraut (8H61/D1, 9 January 1937). (65) CAOM, “Organismes d’information musulmane,” (8H61/D1, HCM March 1937 session, report 1), et “Le Régime administrative en Afrique du Nord,” (Report 5). (66) CAOM, «Les Grands courants d’opinion dans l’Islam nord-africain,» (8H61/D1, HCM March 1937 Session, report 2).

خريف 2014

في مجال العمالة، كل ذلك غيرّ صورة المجتمع المغاربي السياسي في فرنسا. فلا عجب إذا كانت انعزالية عمال

شمال أفريقيا واعتمادهم على أنفسهم، والشك الدائم للسلطات الفرنسية فيهم قد ساهمت في تحولّهم إلى

ناشطين. ولم يبدُ حينها أن دعمهم للوطنية المتكاملة سيتبدّل؛ فبينما منحت المراقبةُ المشدّدة السلطاتِ

امتياز الوصول إلى الراديكالية الإسلامية في فرنسا، فإنها (أي الرقابة) كانت مسبّبًا أساسيًا لها. ومع ذلك،

كان تقرير لجنة الدراسة الاستخباراتي الرابع والنهائي الذي قُدّم إلى اللجنة العليا المتوسطية في آذار/

مارس 937 1 أكثر تفاؤلً، واستعرض نجاح المجالس المنتخبة في استيعاب النخبة المغاربية المتفرنجة التي

كانت تقبل بالحكم الفرنسي. وعلى الرغم من ذلك، ركّز أعضاء لجنة سارو طوال السنتين التاليتين على

رأي الجماهير في شأن الاستبعاد الافتراضي للنخبة المتعلّمة التي سبق أن سيطرت على رأي المسلمين في

أقاليم شمال أفريقيا الفرنسية. جدير بالذكر أن مكتب مكافحة التجسس في شمال أفريقيا اعتمد نمطًا مماثلً، بعد أن أعيد إحياؤه خلال

سنتي 9379381 و 1، بعد سنوات من الركود. وبالتزامن مع إعادة تنظيم اللجنة العليا المتوسطية في

آذار/ مارس 9371، أوعز الجيش الفرنسي إلى مكتب الاستخبارات العسكرية في جميع أنحاء دول المغرب

تخصيص مزيد من الموارد من أجل مكافحة التجسس. وكان العملاء الألمان والإيطاليون ومروّجو

دعاية الكومنترن هم الأهداف الرئيسية للاستخبارات الخارجية. وبدءًا من سنة 9371 أعيد تكليف

أعداد متزايدة من الضباط العاملين في جهاز شرطة الأمن العام لممارسة الرقابة على بوادر نشوب عصيان

شيوعي. ففي تونس، على سبيل المثال، أُنشئ في آذار/ مارس 9381 ثلاثة ألوية لمكافحة التجسس تابعة

لجهاز الشرطة العامة في مدن بنزرت وقابس وصفاقص، وكانت ترسل تقاريرها مباشرة إلى مقرّ المندوب

السامي في تونس. لكن الهواجس الدائمة في شأن ولاء السكان بقيت قائمة، بغضّ النظر عن وجود

عملاء أجانب محرّضين، أو غيابهم. كما أن ضابط الاستخبارات العسكرية الذي أُرسل إلى المغرب العربي

للإشراف على الجهد المشترك بين جهاز الأمن العام وجهاز الاستخبارات العسكرية في مكافحة التجسس،

ميّز بشكل اعتباطي ومفرط في التفاؤل، بين ولاء الجماهير في فرنسا وفي شمال أفريقيا: «عند صدور مرسوم التعبئة في العاصمة الفرنسية، سيبدّد إجماعُ الأمة على مواجهة التحديات الطارئة

الخلافاتِ السياسية السابقة. أما في شمال أفريقيا، فإن مصادر الشقاق التي تعزّزها القوى الأجنبية، تهدّد بإثارة انتفاضة عامة إذا ما

هوجمت فرنسا؛ إذ يستحيل الحفاظ على الأمن الداخلي في أقاليم شمال أفريقيا الفرنسية من دون الأخذ في

الاعتبار التهديدات الخارجية لحدودها أو عمليات التخريب الأجنبية، وفي الوقت عينه، تأثيراتها المحتملة

في الاستقرار الداخلي». في ظل تنامي احتمال نشوب الحرب بين سنتي 9389391 و 1، ازدادت المخاوف العسكرية القديمة

من ولاء القوات الاستعمارية. فمنذ المراحل الأولى لحرب الريف سنة 9251 توقعت قيادات الفيالق

(67) CAOM, «Les Nord-africains en France,» (8H61/D1, HCM March 1937 Session, Report 3). (68) CAOM, «Les Assemblées élues en Afrique du Nord,» (8H61/D1, HCM March 1937 Session, Report 4). (69) SHA (Moscow), «Rapport du mission du Commandant Schlesser, Mars–Avril 1938,» (C464/D174). (70) SHA (Moscow), «La Création de brigades de contre-espionnage,» (CC464/D174, SCE, 25 March 1938). (71) SHA (Moscow), «Rapport du mission du Commandant Schlesser, Mars–Avril 1938: Note sur le problème du renseignement en Afrique du Nord,” (C464/D174).

العسكرية في المغرب والجزائر حدوث اضطرابات شعبية محدودة حالما تُعلن فرض التعبئة العامة.

ولكن تلك القيادات لم تعبّ عن قلق جدي من ولاء الوحدات المهنية إلا بعد حلول سنة 936.1 وبرز

في هذا الصدد هاجسان: أولهما التزايد المقلق في توزيع المنشورات الوطنية والشيوعية في المواقع العسكرية

لجنود شمال أفريقيا في فرنسا، وفي دول المغرب وسورية؛ وكان الهاجس الآخر إدراك الفرنسيين أن كثيرين

من صغار ضباط دول المغرب أصيبوا بإحباط شديد نتيجة انعدام فرص ترقيتهم ضمن التسلسل الهرمي

لضباط الفيالق، إذ كان يعتمد التصنيف العنصري. وكانت النتيجة النهائية عزلً أكثر جورًا للمواقع

العسكرية للجيش الأفريقي يقصيهم عن السكان المدنيين المحيطين بها. وبدا أن مع انتهاء فترة ما بين

الحربين، تمامًا كما كان الأمر في بدايتها، بقيت أسس النظام الإمبريالي هشة من دون أدنى شك؛ فلم يكن

الاحتجاج الشعبي والنضال العمالي والحركة الوطنية أكثر تنظيمً فحسب، بل أصبحت قدرة قوى الأمن،

العمود الفقري للنظام الاستعماري، موضع شبهة أيضًا.

خلاصة

يستحيل أن تحظى السيطرة الاستعمارية بإجماع الشعب؛ فوفق صيغة ليوتي التي غالبًا ما تجري الإحالة

إليها، يستند الحكم الإمبريالي إلى الاستخدام الحصيف للقوة لضمان خضوع العامة. لكن قلة من

الحكومات الاستعمارية اعتمدت على وجود قوات دائمة كافية أو أعداد ملائمة من رجال الشرطة لفرض

سيادة قانون بقبضة حديدية. ونجد من هذا المنظور أن أجهزة الإدارة الاستعمارية كانت عبارة عن أجهزة

أمنية كبيرة. وكانت الحكومة المركزية تعتمد على المعلومات الواردة إليها من أجل الحفاظ على النظام،

ولا سيما في أقاليم ما وراء البحار. وقد اكتسبت الأجهزة الأمنية أهمية إضافية بعد أن اتسّع نطاق شبكة

الحكم الإمبريالي الأوروبي، متجاوزة حدوده في الحرب العالمية الأولى. ونظريًا، مكّنت موجاتُ المعلومات

الاستخبارية التي كانت تُبث دوريًا من محيط هذه الشبكة إلى المركز الإداري، الحكوماتِ الاستعمارية

وقادةَ المواقع العسكرية ومفتشّي الشرطة من استخدام موارد محدودة من أجل تحقيق فاعلية قصوى بأقل

تكلفة. ولكن عمليًا، توسّع نظام الأمن الإمبريالي متجاوزًا طاقته بطريقة يُرثى لها، وغالبًا ما كان يجري

تطويقه بدليل انتشار الأحزاب والجمعيات والنقابات والمؤسسات الدينية المختلفة التي كانت تعارض

الحكم الأوروبي بأساليب مختلفة. كما كانت دينامية تفاقم الصراع في أثناء ثورات ما بين الحربين ضد

الاستعمار انعكاسًا للقصور الأولي للقوات المسلحة المتوافرة، وانعكاسًا للنهوض الوطني والثورة

الشعبية. وحتى بوجود الأدوات القانونية للحكم الاستعماري الاستبدادي، كما كانت الحال في الجزائر،

كانت الوسائل الإدارية وموارد الميزانية والقدرة المادية معدومة. ولم تكن الأقاليم العربية التابعة لفرنسا،

في هذا المعنى، دولً بوليسية أو أنظمة عسكرية تنعم بإمكانات مادية - رجال ومعدات عسكرية - تؤهلها

لإخضاع السكان باتّباع نظام الخوف. وكان نظام دولة الاستخبارات، في الأوقات الأقل اضطرابًا، أكثر

دهاء ومتعدّد الأوجه ممّا كان عليه عندما كان العصيان الشامل يدفع الأجهزةَ الأمنيةَ إلى توجيه نشاطها

لمكافحة التمرّد. أما في فترات الاضطرابات المحلية فحسب، فكانت المعلومات الاستخبارية تضاعف قوة

الأجهزة، معوّضة الضعف العدَدي لقوات الأمن المنتشرة على مساحات شاسعة من المنطقة المستعمرة مع

وجود للشرطة بالحد الأدنى.

(72) SHA, EMA Section d’Afrique et d’Orient note (7N4133/D4, no. 3539, 10 Dec. 1926). (73) SHA, EMA Section d’Outre-Mer, “Note sur l’état d’esprit des militaires indigènes nord africains en 1937,” (26 Septembre 1938).

خريف 2014

يقول كلٌّ من ديفيد أندرسون وديفيد كيلينغري في الاستقصاء الذي قاما به عن الرقابة والحكم

الاستعماري: «كان الحفاظ على القانون والنظام عنصرًا حيويًا في الاقتصاد السياسي لجميع الأقاليم

المستعمرة، وعكست طبيعة حفظ الأمن ومستواه وكثافته كثيرًا من المفاهيم الرسمية للأمن السياسي

والاستقرار». وربما ينبغي دراسة وجهة نظريهما أكثر، إذ إن عملية حفظ النظام المكثفة في الدول

الاستخبارية لم تعكس المفاهيم الرسمية للأمن فحسب، بل كانت تمدّها بالمعلومات أيضًا؛ فغالبًا ما كانت

المعلومات التي كانت الأجهزة الأمنية تجمعها تحدّد الطريقة التي كانت السلطات الاستعمارية تصوغ بها

سياساتها. وكانت سرعة نقل المعلومات السياسية الحساسة إلى السلطات المركزية حيوية في الحفاظ على

الهيمنة الاستعمارية. شكّلت الحركات الوطنية المنظمة التحدي الأكبر للسيطرة الاستعمارية في فترة ما بين الحربين العالميتين،

لكن أجهزة الأمن الفرنسية راقبت السكان المهاجرين فترة طويلة من أجل ضبط تدفق الوافدين غير

الشرعيين واحتواء مجتمعات المهاجرين الذين كانوا عرضة للتنميط العنصري، إذ كانوا يرونهم مخرّبين

اجتماعيًا ومفترسين جنسيًا ومجرمين بطبيعتهم. واعتُمدتْ في نهاية الحرب العالمية الأولى بطاقات

الهوية الشخصية، واستُحدثت محطات الشرطة، وسياسات التفتيش، وفرض القيود على تشكيل عمال

المستعمرات الجمعيات، وذلك قبل عشرين سنة من بدء سلطات فيشي العمل بها سنة 942.1 وخلال

فترة ما بين الحربين، سادت عنصرية مبطنة في جهاز الشرطة وجهاز الاستخبارات، منتجة ما سمّه

روبرت باكستون مؤخرا «هوس الجمهوريين بملف البطاقة خلال فترة ما بين الحربين». وكما أكد

جيرار نوارييل، فإن الرقابة الإقصائية والعنصرية لمهاجري المستعمرات في فترة ما بين الحربين قدمت

نموذجًا للاستبداد العنصري لحكومة فيشي. كما زودّت أيضًا الأجهزة الأمنية الإمبريالية التي

توسّعت في شمال أفريقيا ودول المشرق بالمعلومات في فترة ما بين الحربين. إن فرض سلطة عنصرية،

أكان ذلك في المدن الفرنسية أم في الإمبراطورية، قد حمّل شبكة جمع المعلومات الاستخباراتية للدولة،

عبئًا كبيرًا، وهو ما أدّى إلى نشوء «الدولة الاستخباراتية». وبعيدًا عن تحقيق جهود الأجهزة الأمنية

الرامية إلى تقريب المستعمرين من الشعب، فإنها في تطوير «نظام معلومات» لتعزيز معرفة الحكومات

الاستعمارية بمصادر المعارضة ضمن المجتمعات التابعة غذّت العداء الشعبي لآليات رقابة الدولة

والحكم الاستعماري.

(74) David M. Anderson and David Killingray, eds., Policing the Empire: Government, Authority, and Control, 1830- 1940 , Studies in Imperialism (Manchester, UK; New York: Manchester University Press, 1991), p. 2.

(((7 انظر:

Robert O. Paxton, “Gérard Noiriel’s Third Republic,” French Politics, Culture and Society , vol. 18, no. 2 (Summer 2000), pp. 99–103, and Noiriel, pp. 183–185.