Return to Article Details From the Post-Colonial State to the Just, Democratic, Independent Social Welfare State? The Socio-Historical Negotiation of

من الدولة ما بعد الاستعمارية إلى دولة الرعاية الاجتماعية المستقلة الديمقراطية العادلة؟ المفاوضة التاريخية الاجتماعية لمآلات

From the Post-Colonial State to the Just, Democratic, Independent Social Welfare State? The Socio-Historical Negotiation of

منير السعيداني*

الملخّص

* المعهد العالي للعلوم الإنسانية في تونس، جامعة تونس المنار (((مراد دياني، «اتساق الحرية الاقتصادية والمساواة الاجتماعية في نظرية العدالة أو استقراء معالم النموذج المستدام لما بعد الربيع العربي،» عمران للعلوم الاجتماعية والانسانية، السنة 2، العدد 5 (صيف 0132)، ص.50-25

Abstract

This discussion is part of the sociological debate around the outcomes of the current social movements in many Arab countries at a time when social and political unrest have caused the form, structure, and practice of states to be placed on the agenda. The starting question for this study is based on the relationship or relationships between the social movements seen by post-colonial societies and their possible societal objectives as a relationship whose direction was previously undefined, since these objectives embody a preformed social model even in terms of the declared political strategies.

الكلمات المفتاحية:
  • الدولة الوطنية
  • الرعاية الاجتماعية
  • الديموقراطية
  • تفاوض تاريخي
  • العدالة الاجتماعية
Keywords:
  • Social Welfare
  • Nation State
  • Democracy
  • Social Justice
  • Historical Negotiation

المفاوضة التاريخية الاجتماعية لمآلات التغيير في تونس

مقدّمة

يندرج ما نقترحه أدناه في الجدل العلمي الاجتماعي القائم حول مآلات الحركات الاجتماعية

الراهنة في كثير من البلاد العربية في هذه الحقبة، التي بدأت فيها الاضطرابات الاجتماعية

والسياسية تضع على جدول الأعمال طبائع الدول تشكيلً وبنية وممارسة. ويستند سؤال المنطلق في

هذه الدراسة إلى اعتبار العلاقة (أو العلاقات) بين الحركات الاجتماعية التي تشهدها المجتمعات ما بعد

الاستعمارية وغاي (ا)تها المجتمعية الممكنة علاقة غير محدّدة الاتجاه سلفًا، إذ لا يجسّد تلك الغايات نمط

مجتمعي سابق الصنع حتى في ما يوضع من استراتيجيات سياسية معلنة. مثالنا التحليلي هو المجتمع

التونسي في وضعه التاريخي الراهن منذ 17 كانون الأول/ ديسمبر -2010 41 كانون الثاني/ يناير

0112، وباعتباره واقعًا في سياق حركة اجتماعية مخصوصة هي ليست من قبيل الحركات الحضرية

التي تتفاعل مع الأزمات الاجتماعية وتضع رهانات على تغيير السلطة... إلخ.، ولا من قبيل سياق

الإضراب العام الذي قرّره الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 9781، ولا من قبيل انتفاضة الخبز لسنة

984 1، ولا انتفاضة الحوض المنجمي سنة 008.2 ويقوم ذلك الاختلاف على أنها حركة اجتماعية

احتجاجية مطلبية تطورت إلى انتفاضة شعبية، فاستحالت ثورة سياسية تمكنت من أن تضع رأس النظام

السياسي وأن تحمل إلى سدّة الحكم نخبًا سياسية جديدة تتميز بأنها منحدرة من حركات سياسية معارضة

* المعهد العالي للعلوم الإنسانية في تونس، جامعة تونس المنار (((مراد دياني، «اتساق الحرية الاقتصادية والمساواة الاجتماعية في نظرية العدالة أو استقراء معالم النموذج المستدام لما بعد الربيع

العربي،» عمران للعلوم الاجتماعية والانسانية، السنة 2، العدد 5 (صيف 0132)، ص.50-25

(2) Claude Liauzu [et al.], Enjeux urbains au Maghreb: Crises, pouvoirs et mouvements sociaux , cahier d’études: Groupe de recherches sur le Maghreb et le monde musulman (Paris: L’Harmattan, 1985); Kenneth Brown [et al.], eds., Etat, ville et mouvements sociaux au Maghreb et au Moyen-Orient: Actes du colloque C.N.R.S.-E.S.R.C. Paris, 23-27 Mai 1986 , collection villes et entreprises (Paris: L’Harmattan, 1989), et Didier Le Saout et Marguerite Rollinde, dirs.,   Emeutes et mouvements sociaux au Maghreb: Perspective comparée , hommes et sociétés (Paris: Ed. Karthala; Saint-Denis: Institut Maghreb-Europe, 1999). (3) Jean-François Clement, “Les Révoltes de la faim au Maroc,” on the Web: <http://horizon.documentation.ird.fr/exl- doc/pleins_textes/pleins_textes_6/b_fdi_37-38/23882.pdf>.

خريف 2014

اتخذت، أو أعادت اتخاذ، الشكل التنظيمي الحزبي، أو انخرطت فيه خلال سلوكها طريق «النضال» من

«أجل تحقيق أهداف الثورة»، وألزمها موقعها الجديد بطرح بدائل مجتمعية محدّدة. وبالفعل، اقترحت

النخب السياسية المحمولة إلى سدّة الحكم بعد انتخابات 23 تشرين الأول/ أكتوبر 0112 برامج تعلن

أنها تستهدف تشييد ما اتُّفق على تسميته «الجمهورية التونسية الثانية». وعلى خلاف الاحترازات التي

باتت تقليدية في ما يهم إمكانية التحوّل الديمقراطي التونسي أو حتى المغاربي، بدا أن تلك الإمكانية

واردة في ما يهمّ خاصيتين هما الديمقراطية وتحديث بديل. تسعى الدراسة إلى تحديد ما تُمّل به هذه الجمهورية الثانية من مضمون اجتماعي وما تتجسّد فيه من تشكل

بنيوي، وما تكرّسه من سلوك سياسي، متسائلة: هل يكون ذلك إعادة إنتاج للدولة ما بعد الاستعمارية أم

فتحًا لأفق تغييري واسع لها؟ بغية التوصّل إلى ذلك، ننطلق من معاينة حصيلة سياسات إعادة تشكيل الدولة التونسية وتحديد وظائفها

واستراتيجية تحكّمها في المجال، لنتفحص أثر ذلك، وعلى قاعدة لوحة وصفية للحركة الاجتماعية، التوجّهات المتعارضة التي كافحت خلال مجرياتها، لنخلص آخرًا إلى تحديد الرهان الذي تنعقد حوله

المفاوضة التاريخية الجارية للمآل التغييري الاجتماعي. على الرغم من عودتنا إلى بعض التواريخ التي تفصلنا عنها بضعة عقود، فإننا نركّز ملاحظاتنا على العشرية هيلإ تلآ ام لإى سنوت في ةيرمعاتسلاا دعب ام ةلودلا لوصو في دّدُم رثأ نم اله ناك الم، ةمصنرلام ةيخرلاأ.

ونحن إذ نوزّع ملاحظاتنا على الحقول الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فإننا نكثّف العودة إلى ما

كُتب حولها من آفاق علمية وفكرية مختلفة، بحيث تستدمج ورقتنا أصواتًا متعددة نستحضرها لنناقشها

ونستخلص منها ما يسمح بالإجابة عن تساؤلنا. ونجري مناقشتنا تلك في ضوء جملة من الأعمال الميدانية الاستقصائية اعتمدت بصورة خاصة على الملاحظات والمعاينات المباشرة التي قمنا بها منذ الأسابيع الأولى لتبلور مجريات الحركة الاجتماعية، وأثمرت عددًا من الصياغات التي ظهر البعض منها في كتيبات

وبعضها الآخر في صيغة مقالات نشُرت في مجلات مختلفة.

احتضار الدولة ما بعد الاستعمارية

الأساس النظري: في خصخصة الدولة وتجريمها

عالجت تحليلات عدة إعادة تركيب الأوضاع الاقتصادية والسياسية للدول والمجتمعات في عالم ما بعد الاستعمار خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وفي ما يهمّ أفريقيا، طوِّرت تحليلات زاوجت

بين التاريخ والاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع والإناسة، على أساس الأطروحة القائلة إن الدول والمجتمعات كانت في أواخر القرن المنصرم في عمق حالة من إعادة التكوين على قاعدة تشخيص مفاده

ضرورة التأقلم مع دورة تغييرات جديدة وجدت نفسها مدفوعة إليها كلُّ الاقتصادات والدول المندرجة

(4) Pierre Vermeren, Maghreb: La Démocratie impossible? (Paris: Fayard, 2004). (5) Mamadou Diouf, “Privatisations des économies et des etats africains: Commentaires d’un historien,” (dossier: L’Etat en voie de privatisation), Politique africaine , no. 73 (Mars 1999), pp. 16-23.

في النظام الاقتصادي المُعَوْلَ. وإذ خضعت تلك الدورة لأثر النيوليبرالية العولمية القصوى، فقد أدّت

إلى احتضار الدول ما بعد الاستعمارية تشكّلً بنيويًا ومضمونًا سياسيًا. تنهض الأطروحة على قراءة في اقتصاد ماكس فيبر السياسيبحيث تتم «عودةٌ مراجِعة له» في اتجاه

تأكيد جملة من العمليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كان هو قد أوَلّها على أنها تخلّمن الدولة

عن مسؤوليتها. يتأثر فعل الدولة بذلك التخلّ إلى الحدّ الذي تصير معه إجرائية تدخّلها من

قبيل ما تتميز به الحكومة غير المباشرة الخاصة من خصائص، من حيث الاعتماد المتزايد على فاعلين

اجتماعيين يعملون من خارج الدوائر والشبكات التقليدية للطبقات الحاكمة وبيروقراطية الدولة

وأجهزتها، متجمعين في بطانات أكثر فأكثر تأثيرًا. وطردًا مع استفحال ما يعتري أجهزة الدولة

الضعيفة والناخرة من وهن، وتناسبًا مع تأكّد تخلّيها عن وظائفها، يصير القنص الاستيلائي نمط

الاشتغال الأساسي في النزاعات الاجتماعية، وقاعدة الاشتباك الرئيسية بين الفاعلين المتربّصين بالثروة

والسلطة. ويجد أولئك الفاعلون أنفسهم في أوضاع متراكبة تمكّنهم من الاستفادة من امّاء متزايد

للحدود ما بين العمومي والخاص وما بين الدّوْلَوي والعائلي، وما بين القانوني وغير القانوني، وما

بين المسموح به وغير المسموح به... بناء على ذلك، لا يقتصر مثل هذه السيّرورات على انسحاب

الدولة من مجالات فعلها وانكفائها عنه بقدر ما يتدرّج نحو حالة تعرّش فيها جذامير طفيلية لتلتف

على دواليب السلطة وتبتلع الفاعلين والأعوان، وتُطوّع الأجهزة، وتُضع النّخب الحاكمة وتُيَرُها

لخدمتها مواقعَ وممارسات. تجد الحقبة التاريخية التي تمسحها هذه التحليلات جذورًا لها في تاريخ المجتمعات الأفريقية الاستعماري،

ولكن ذلك لا يبطل ملاءمتها لبعض أوضاع الحقبة ما بعد الاستعمارية وأواخرها بوجه أخص؛ هي

تحليلات تصلح، في ما نظن، لأن يؤخذ بها في كل وضعية تتسم ب«انعدام المؤسّسات، والعنف المبثوث،...

وإعادة توزيع الحيازات المجالية،... وإعادة التفاوض العنيف في شأن العلاقات بين الفرد والجماعة، وفي

شأن نظام العنف وأنظمة الملكية ونظام الجباية».

(((المصدر نفسه.

(7) Pierre Bourdieu, «L’Essence du néolibéralisme,» Le Monde diplomatique (Mars 1998), on the Web: <http://www. monde-diplomatique.fr/1998/03/BOURDIEU/10167>. (8) Pierre Bourdieu, «La Philosophie sociale du néo-libéralisme,” L’Humanité, 4/11/1999, on the Web: <http://www. humanite.fr/node/374302> (9) Max Weber: Essais sur la théorie de la science , traduits de l’allemand et introduits par Julien Freund, recherches en sciences humaines; 19 (Paris: Plon, 1965); Sociologie des religions , textes réunis, trad. et présentés par Jean-Pierre Grossein; introd. de Jean-Claude Passeron, bibliothèque des sciences humaines (Paris: Gallimard, 1996), et Oeuvres politiques: 1895-1919 , trad. de l’allemand par Elisabeth Kauffmann, Jean-Philippe Mathieu et Marie-Ange Roy; présentation d’Élisabeth Kauffmann; introd. de Catherine Colliot-Thélène, bibliothèque Albin Michel. Idées (Paris: A. Michel, 2004), et Catherine Colliot-Thélène, Etudes wébériennes: Rationalités, histoires, droits , pratiques théoriques (Paris: Presses universitaires de France, 2001), tous cités dans: Béatrice Hibou, “Economie politique de la répression: Le Cas de la Tunisie,” Raisons politiques , no. 20 (2005), pp. 9-36. (10) Béatrice Hibou, dir., La Privatisation des Etats , recherches internationals (Paris: Ed. Karthala, 1999)

(((1 المصدر نفسه، و

Béatrice Hibou, “Retrait ou redéploiement de l’Etat?,” Critique international , vol. 1, no. 1 (1998), p. 168, cité dans:.”Diouf, “Privatisations des économies (12) Achille Mbembe, “Du gouvernement privé indirect,” Politique africaine , no. 73 (1999), pp. 103-121.

خريف 2014

في الحالة التونسية

يمكن القول إن بالتزامن مع بدء تطبيق سياسات التعديل الهيكلي للاقتصاد، التي جرى تبنّيها في تونس

منذ سنة 986 1 في هيئة «برنامج تعديل هيكلي»، كانت أُسس التحوّل النيوليبرالي المعولم آخذة بالاستتباب

عالميًا. بعد أقل من عشرية، أُردف «برنامج التعديل الهيكلي» في تونس باتفاقية التبادل الحر مع أوروبا

(9951)، وهو ما كان له أثر عميق في تكريس مبدأ انسحاب الدولة وتطوير قطاع خاص ساهم في

سنوات تطبيقه الأولى في تطوّر التشغيل وتراجع العجز. ولكن هذه «النجاحات» لم تكن مستديمة لأنها

شجّعت النزعات الاستهلاكية غير المتوازنة بدلً من الاستثمار التراكمي الطويل النفس. ففي ما يهمّ القطاع الفلاحي من برنامج الإصلاح الهيكلي، لوحظ أن منذ أواسط السنوات التسعين

اتجهت السياسة الزراعية إلى تبجيل المستهلكين على حساب المنتجين، بما أسفر عن تدهور في صيغ تبادل

المنتوجات الزراعية بالحدّ من التحويلات العمومية للقطاع الزراعي والمجال الريفي عمومًا. بذلك

أُخضعت المصالح الاستراتيجية للقطاع الفلاحي لمصالح القطاعات الأخرى، من خلال ضخ فائض

القيمة المالية التي كان ينتجها في استثمارات مباشرة وغير مباشرة في القطاعات الأخرى، وخاصة منها

الخدماتية، وفي غير المناطق الفلاحية الداخلية الممتدّة على طول الشريط الغربي للبلاد. ومن علامات ذلك

الإخضاع التدهور الحاد في التمويلات العمومية لفائدة القطاع الفلاحي والمجال الريفي عمومًا، بما تسبب

في أزمة خانقة مسّتهُمَ في العمق. فإذا ما أضفنا إلى ذلك التكميم الممنهج للأصوات التمثيلية للفلاحين،

وخاصة الصغار والمتوسطين منهم، أمكن لنا فهم ذلك الانحباس الأصمّ لآفاق التغيير في المجالين الريفي

والقروي في تونس. في القطاع الصناعي، كان برنامج تأهيله (9951) يرمي، رسميًا، إلى دفع تحديث المنشآت التونسية لتتأقلم

مع معايير الجودة العالمية. كانت الأهداف الرسمية المُعلنة هي تحوير سلوك المبادرين، وعصرنة إجرائية

التمويل، وتحسين إنجازات القطاع الصناعي عبر تجويد التخصّص والتكوين المستمر وتحسين نسَب

التّأطير... وصولً إلى الغاية النهائية المتمثلة في مساعدة المنشآت على مواجهة المنافسة الدولية المتزايدة

الضّاوة في سياق أكثر فأكثر عَوْلَةً، على الرغم من أن تحليل بياتريس هيبو (B.HIBOU) لبرنامج

التأهيل الصناعي يُظهر أن الهدف المراد بلوغه كان إنفاذ الوسائل الأكثر مضاءً من أجل بسط رقابة شبه

(((1 فرانك جي. لتشنر وجون بولي، محرران، العولمة: الطوفان أم الإنقاذ؟: الجوانب الثقافية والسياسية والاقتصادية، ترجمة فاضل

جتكر (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2004

(14) Mohamed Elloumi, “Trois ans après: Retour sur les origines rurales de la révolution tunisienne,” Confluences Méditerranée , no. 87 (Automne 2013), pp. 193-203. (15) Mohamed Elloumi, «L’Agriculture tunisienne dans un contexte de libéralisation,» dans: Michel Petit, Jean-Louis Rastoin et Henri Regnault, coords., Libéralisation agricole et pays en développement , Région et développement; 2006- 23 (Paris: L’Harmattan, 2006), pp. 129-159, cité in: Elloumi, “Trois ans après”. (16) Elloumi, “Trois ans après”. (17) <http://www.pmn.nat.tn/cadre-du-pmn/cadre-general>.

من أجل بلوغ هذه الأهداف، سطرت «وكالة النهوض بالصناعة» سلسلة من الإجراءات الواجب تنفيذها:على أثر تشخيص يحدد

نواقص المؤسسات تؤهّل هذه من قبل لجنة مختصة (COPIL). تتولى التشخيص مكاتب دراسات وخبرة تونسية بمفردها، أو بتشريك

مكاتب أوروبية، فيما تموّل الدولة 07 في المئة من تكاليف التشخيص و 01 (أو 02 للمؤسسات المنتصبة في المناطق الداخلية) في

المئة من الاستثمارات المادية. كان هدف التمشي أن يبلغ، في ما بين سنتي 9961 و 0012، عدد 0002 مؤسسة مؤهلة، أي بمعدل

400 مؤسسة في السنة. انظر:

.Hibou, “Economie politique de la repression,” pp. 9-36

(1((المصدر نفسه.

مطلقة على الصناعيين من كلّ الأحجام ومن كلّ الأصناف. ومهما يكن من أمر، لم تكن النتائج أكيدة،

إذ إن شرائح من المبادرين والمقاولين أحجمت كلها بطريقة شبه معلنه عن الانخراط في البرنامج، ومن

أمثال تلك الشرائح أصيلو صفاقس، ثاني أكبر مدن البلاد ومهد المبادرة الاقتصادية فيها. في هذا الاتجاه نفسه، يمكن اعتبار ما يسمّيه بعض التحليلات «بيئة الاستثمار الإيكولوجية»مؤشرًا

دالًّ من حيث تعلّقها مباشرة بحياة المؤسّسات المتوسطة والصغرى، أساس النسيج الصناعي والتجاري

التونسي؛ ففي ظل انعدام «بيئة استثمار إيكولوجية نظيفة»، كانت إمكانية تطوّر تلك «الرأسمالية السليمة»

متعذرة، لأن المبادرة الاستثمارية المتوسّطة والصّغيرة لم تكن مندرجة في منطق استثماري، بل كانت مجرد

تعويض ضروري للمبادرين، والشبّان منهم خاصة، عن افتقارهم إلى بدائل أخرى ممكنة. ومن خلال

ذلك تحوّلت مشكلاتهم ومصاعب مؤسّساتهم اليومية إلى قضايا عامة تمسّ بخلق مواطن الشغل وبالفقر

وبفتح آفاق النمو وباطّراد التنمية عامة. تعميمً على ما يشمل القطاعات الاقتصادية التونسية على اختلافها «... يكون من الضروري إعادة النظر

في قصّة النجاحالاقتصادي التونسي؛ إذ يتوجّب إعادة تقييم الإصلاحات والسياسات الاقتصادية

والاجتماعية التي مورست منذ عقدين على الأقل ‹في ضوء› خطوط الكسور التي تترجمها مظاهر

اللاتوازن بين الجهات واللاعدالة بين الفئات، وفي انسداد آفاق النّفاذ إلى سوق الشغل واستطاعة التمتع

بالخدمات العامة، وفي انخرام انتقال الثروة ما بين الأجيال مترجًَا بالتفاوت الهائل في مستويات العيْش

وأنماطه وأساليبه».

أزمة الدولة ما بعد الاستعمارية التونسية

منذ بداية العشرية الأولى من القرن الجديد، تدرّجت تونس نحو «تضافر معقّد لجملة من السيرورات المختلفة

التي جنّدت أفهامًا متباينة للعدالة والكرامة والملك العمومي، وإدراكات متخالفة لشرعية النظام العمومي

القائم ولشرعية النظام العمومي السّابق عليه... ولمعايير وممارسات ذات مستندات إيتيقية مختلفة». في ضوء هذا، يمكن أن نفهم هذا المسار التونسي، الذي كنّا بصدد بعض مظاهره، على أنه الصيغة التي

اتخذتها إعادة تشكيل الدولة والمجتمع اقتصاديًا وسياسيًا إزاء مأزق التناقض بين خطّ استمرار الدولة ما

بعد الاستعمارية في هيمنتها على المجال وساكنيه من جهة، وخطّ نسف أسس تلك الهيمنة من جهة أخرى.

وقد كان من بين محفزات احتداد ذلك التناقض الإلحاح المتزايد لضرورة التّواؤم مع متطلّبات الانخراط

الكامل والمفتوح في النظام الاقتصادي المعولم. وبالفعل، وعلى مرّ العشرية الأخيرة لما قبل الثورة، عمل

النظام السياسي الاجتماعي التونسي على التقليل ما أمكنه ذلك من الآثار السياسية المزعزعة لاستقراره،

لتدرجه نحو الخروج النهائي من السياق ما بعد الاستعماري إلى سياق العولمة الكاملة والمفتوحة.

(19) Béatrice Hibou, La Force de l’obéissance: Economie politique de la répression en Tunisie , textes à l’appui. Série Histoire contemporaine (Paris: La Découverte, 2006). (20) Amr Adly, “Understanding the Entrepreneurship Ecosystem in Tunisia and Egypt,” Economic Reform Feature Service (Center for International Private Enterprise) (16 December 2013), on the Web: <www.cipe.org/blog>.

(((2 المصدر نفسه.

(22) Béatrice Hibou, “Le Moment révolutionnaire tunisien en question: Vers l’oubli du mouvement social ?,” (Dossier du CERI/CNRS, Paris, Mai 2011), p. 7. (23) Béatrice Hibou, “Introduction au thème: Tunisie. Economie politique et morale d’un mouvement social,” Politique africaine , no. 121 (Mars 2011), pp. 5-22.

خريف 2014

يشهد بعض التحليلات أن «الدولة لم تدمج طوال تاريخ تونس المستقلة منظمّات غير حكومية ولا شركاء

محلّيين في وضع سياساتها الاقتصادية وتنفيذها. يعني ذلك أن الدولة ما بعد الاستعمارية في تونس توخّت

التحديث ‹من فوق›، فارضة ‹الاستقرار› المنبني على عُلويتها الطاغية حضورًا وفعلً وأثرًا». ترادفت

تلك العُلوية المهيمنة الخانقة مع قوة غاشمة أمنية خاصة (وهو مأتى خروق حقوق الإنسان السيئة الصيت

وذائعته في آن معًا)، ومع انغلاق سياسي وتحجيم للمعارضة وسنّ للقوانين الجائرة (قانون دعم الجهد

الدولي في مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال ثم وضعه موضع التنفيذ)... نتج من ذلك إعدام شبه

تام لأي إمكانية تعبير عن النقد أو الاحتراز، أو حتى المُطالبة، واحتكار للحياة السياسية من قِبَل التجمّع

الدستوري الديمقراطي الذي «كانت كل مستوياته التنظيمية في الآن ذاته وسيطة الحكم المركزي، ومحطّات

ربط... ومواقع لإعادة توزيع الزبونية والإثراء والترقّي الاجتماعي،... وقناة لنقل المطالب...». في سياق ذلك، تعالقت حول مواقع السلطة شبكة من العائلات المتصاهرة تكوّنت عبْ تكثيف تبادل النساء

والمنافع والجوازات غير القانونية والأرباح والغنائم والرشاوى...، وبما سمح بازدهار أعمال المتسلّقين من

كل نوع وفئة. وبحسب كثير من الروايات والشهادات، فإن من بين ممارسات القنص التي يمكن

ذكرها إسناد مشاريع أشغال عمومية بطريقة غير مشروعة، وعمليات خصخصة مغشوشة، والمضاربة في

المساكن والعقارات،... وتغيير صبغة الأراضي التي كانت قبلُ غير قابلة للإشغال بالبنايات، وضغوط

لتوجيه القرارات، وكذا للشراكة القسرية مع المقاولين أو المورّدين، أو لفرض الوسطاء الإجباريين في

الأعمال.... بلغ الأمر حدّ «مستوى لا يضاهى من الفساد، وخاصة بداية من سنة 0002، مع نمو

‹رأسمالية الحبائب والنسائب› المنتظمة حول عائلة بن علي وزمرة من ‹الانتهازيين› كانوا يحومون حول

مدار النظام. وكان ذاك نسق فساد منظّمً ومُعممّا أخذ بتعطيل كل الآلة». و«جعل تكوين المافيات

المعتمدة على الدولة أو على بعض العائلات المهيمنة (في تونس عائلتا بن علي والطرابلسي) ظهور ‹رأسمالية

سليمة› مستحيلً، وحوّل الانفتاح الاقتصادي إلى مؤسسة كبرى للاحتيال النهّاب المعمّم مكّنت زبائن

الدولة من الإثراء الفاحش، وأدت إلى تفقير شرائح واسعة من الساكنة». في بداية القرن الجاري تقريبًا، إذًا، وخلال السنوات الخمس الأخيرة على الأخص، كانت الأوضاع

الاقتصادية والاجتماعية تنزلق تدريجيًا نحو ميزان قوى تزايد رجحان الكفّة فيه لفائدة الماسكين بزمام

اقتصاد القنص الذين كانوا ينهشون ما تبقّى من الدولة. وكان أن التحق بهم الفاسدون من كل نوع

(2((المصدر نفسه، ص.10

(25) No. 2003-75 (10 décembre 2003). (26) Hibou, “Introduction au thème: Tunisie,” p. 15. (27) «Les Arrivistes: Fortunés, Parvenus, Dépensiers, Apparat, Superflu, Clinquant. Comment les nouveaux riches tunisiens dépensent leur argent,» (Dossier), Arabies , no. 188 (Octobre 2002).

(2((تذكر بياتريس هيبو من بين مصادرها مستجوبين في تونس وفي فرنسا، ومنشورات تنظيمات سياسية سرية وبيانات تجمعات

منشقة على الشبكة الدولية للمعلومات، وكذا على الصحافة الجزائرية.

(29) Béatrice Hibou, “Nous ne prendrons jamais le maquis”: Entrepreneurs et politique en Tunisie,” Politix , no. 84

(30) Bichara Khader, “La Tunisie fut-elle l’hirondelle qui annonçait le printemps arabe?,” Outre-Terre , no. 29 (2011), pp. 177-192. (31) Farhad Khosrokhavar, “Les Révolutions arabes: Révolutions de justice sociale et de liberté,” Cultures et Conflits , no. 83 (Automne 2011), mis en ligne le 4 Janvier 2013, sur le site: <http://conflits.revues.org/ index18213.html>. (32) Rapport de la commission nationale d’établissement des faits sur les affaires de malversation et de corruption (décret du 18 Février 2011), sur le site: <http://www.lexpertjournal.com.tn/index.php/news/world-news/806-2011-11-12-11-08-14>

وفئة: مسؤولون حكوميون (وعلى الأخص من ذوي العلاقة بمجالات سلطة الدولة على الأملاك

العمومية، مثل التجهيز والفلاحة، فضلً عن الدفاع الوطني والداخلية)، وموظّفون كبار (رجال بنوك،

وأعوان ديوانة وشرطة،...)، وقضاة ومنفّذو مهمّت من كل صنف (صحافيون، محامون، عدول تنفيذ،

منتخَبون على المستوى الوطني، ممثلون محليون وجهويون، قادة تنظيمات سياسية وجمعياتية، صغار صنّاع

للأيديولوجيا، جامعيون، ممارسو عنف،...). وصل ذلك التناقض إلى أعلى درجات استحكامه، نازعًا عن «المنوال التنموي» المُتّبع كل إمكانية

للديمومة، ودافعًا بالدولة نحو تطبيق برنامج تفكيك فعلي ونهائي لبناها وهياكلها ذاتها. على أساس

الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، اندلعت أزمة الحكم لأنه بات غير ملائم: • من منظور متطلبات العولمة، لأنه «انحرف» في اتجاه تكريس سياسات محابية للقناصين المتربصين، وبما

أطلق أياديهم في سوق المناولة، وهشاشة التشغيل، والاستناد إلى جرعات التمويل المتأتي من قروض

السوق المالية الدولية ومن الاستثمارات الأجنبية الأوروبية والخليجية بصورة رئيسية. • من منظور متطلبات حقن الوضع الاقتصادي الاجتماعي بما يضمن تعديل بيئة الاستثمار

الإيكولوجية، بحيث تحقق الأدنى المطلوب منها في إطلاق الاستثمار الاقتصادي الداخلي الصغير

والمتوسط، وتسريع وتيرة خلق مواطن الشغل للتخفيض من نسب البطالة، وإفساح المجال للمبادرة

الاقتصادية الشبابية خاصة. ولم تلبث الحساسية الاجتماعية السلبية تجاه فشل تلك السياسات وانسداد آفاقها على مستوييها الاثنين

أن ولّدت مزاجًا احتجاجيًا تملّك على نحو رئيسي قوى اجتماعية بعينها هي المتكوّنة بشكل أساسي من

الطبقات الشعبية الأكثر فقرًا، وصولً إلى أكثر شرائح الطبقات الوسطى اتساعًا، وخاصة في الأرياف

والقرى والمدن الداخلية، لأنها كانت هي التي تلقّت نتائجها بصورة كاملة.

في منطق الحركة الاجتماعية في علاقتها بالدولة

من انفجار الاحتجاج الشعبي...

لم تكن حركة البوعزيزي الأولى من نوعها في الانخراط في منطق اليأس المحتج أو الاحتجاج اليائس؛ إذ

كان الانتحار اشتعالً قد تعدّد خلال السنوات الأخيرة في تونس. على أن انتحاره أمام مقرّ الممثّل الجهوي

لرئيس الدولة ألقى مسؤوليته السياسية كما الأخلاقية على كاهل الحكم القائم. ثم كان أن أخرج القمع

المتصاعد المسيرات والتظاهرات التي اندلعت بالمناسبة عن إطارها السّلمي ليُحولّها إلى مواجهات بين

جماهير يحرّكها الغضب من جهة و«قوات النظام العام» من جهة أخرى. وسرعان ما وجدت مدن الوسط

الغربي وموْلد تحرّكات الأيام العشرة الأولى نفسها في حالة حصار لم تمنع التجمعات والاعتصامات

والتظاهرات والإضرابات فيها من أن تجلب أعدادًا أكبر فأكبر من المشاركين من الجنسين، ومن الشباب

الحامل للشهادات الجامعية، وعلى الأخص منه ذاك الذي لم يظفر قطّ بمركز عمل قار في حياته. وخلال

(((3 نستعيد هاهنا مقتطفات وأفكارًا مما نشرنا حول الثورة التونسية: منير السعيداني، يريد... ويبدع ما يريد: الشباب في الانتقال

الديمقراطي (صفاقس، تونس: دار محمد علي الحامي، 0122)، و

Mounir Saidani: “Revolution and Counterrevolution in Tunisia: The Forty Days That Shook the Country,” Boundary 2 , vol. 39, no. 1 (2012), et “Mouvements sociaux et alternatives de modernités: Le Cas de la révolution tunisienne,” Eurorient , no. 38 (2012).

خريف 2014

أيام قليلة، كانت آليات التجنيد العائلية والجماعاتية والقبلية قد بدأت بالاشتغال في انسيابية مفهومة تمامًا

في مثل هذه المناطق ذات التجانس الجماعاتي العالي، وهي التي كان خطاب الدولة السياسي الرسمي قد

أطلق عليها تسميته الهوياتية الواسمة الواصمة، ملقّبًا إياها ب«ولايات الداخل النائية» و«مناطق الظل». أشار تقرير للاتحاد العام التونسي للشغل إلى أن نسبة الفقر في تلك المناطق كانت، مقارنة بتلك المسجّلة في

تونس الكبرى، أعلى بتسعة إلى عشرة أضعاف. وبالفعل، كانت وضعية العوَز والحرمان الاقتصادية

هذه تتفاقم على مرّ السنين عبر تهميش اجتماعي تدلّ عليه مثلًالنسب الشديدة الانخفاض لمشاركة أبنائها

في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية للبلاد. ولم يكن المحظوظون منهم في «انتخابهم» ضمن مختلف

الهياكل «التمثيلية» يخالفون عادة الحضور بالغياب والانقطاع شبه التام عن قواعدهم الاجتماعية الانتخابية

بمجرد انتقالهم بالإقامة «النهائية» إلى العاصمة. ولم يكن ذلك من دون مساس خطر بتمثيليتهم، وكذا

بمنسوبهم التفاوضي الممكن مع السلطات المركزية في مثل حالات التأزّم الاجتماعي هذه. جعل تماثل أوضاع الجهات المذكورة الاحتجاجات تنتشر بالعدوى إلى الحدّ الذي بات فيه من المستحيل

على المسؤولين المحلّيين والمركزيين السيطرة عليها بدايةً من الأسبوع الثاني (42 كانون الأول/ ديسمبر

0102)، فيما كان القمع المتصاعد الدموية يلقي بالمتظاهرين في حالة من اليأس المطلق حيال أي إسعاف

محتمل من قِبل السلطات التي تزايد انقباضها في المنطق الأمني الصّف. ولم يكن الخطاب الرئاسي الأول

8(2 كانون الأول/ ديسمبر) الذي اعتبر أن «ما قام به البوعزيزي فعلً معزولً» استغلّه البعض للقيام

بما أسماه «أفعالً إرهابية ارتكبها ملثمون» إلا ليزيد الطين بلة. وفي ما تجاوز مسألة البطالة، وانسداد

أفق تحسين أوضاع الآلاف من الشباب، كانت في قلب الاحتجاجات نواة مطالبة اجتماعية متّجهة نحو

التصلب ضمن أفق سياسي.

... مرورًا بالحركة الاجتماعية المطلبية...

ردًّا على مواجهة «النظام العام» لحركتهم بما اعتاد من تدابير، كانت الجماهير المتزايدة الأعداد تنخرط

أكثر فأكثر في حركة كانت قد أظهرت في بعض المناطق علامات تصاعد سريع. كانت سياقات

التظاهرات والمسيرات «تتدهور» سريعًا إلى معارك صغيرة منظمة، غالبًا ما كانت فيها الكفة ترجح

لمصلحة الشبان من أبناء المدن والقرى الخبراء بمسرح المواجهات. في منتهى أسبوع الاحتجاجات

الثاني، كانت الحركة قد مدّت جغرافيتها إلى باقي مناطق الظلّ والذلّ في ولايات الشمال الغربي والوسط

والجنوبيْ الغربي والشرقي. اجتماعيًا، انضمت أصناف مهنية اجتماعية أخرى إلى صفوف العاطلين

المنتفضين، ودخلت تشكيلات نقابية قطاعية (التعليمان الثانوي والابتدائي خاصة) وجهوية (في المكان

عينه) إلى ميدان المواجهات، على الرغم من عدم موافقة المركزية النقابية في العاصمة. كما تأكّد تجذّر

الحركة في حضورٍ واضح وكثيف أكثر فأكثر للمحامين في مختلف المناطق، فرادى أوّلً ثم منتظمين

يؤطّرهم قادة برزوا من بين صفوفهم هم وعُرفوا منذ سنوات بنضالهم السياسي والنقابي. سياسيًا، كان

من أقوى الحجج التي اعتمد عليها الشبان في تنظيمهم للاحتجاجات هي تأكيد أن ما كان جاريًا هو ردّ

من كافحوا من أجل حصول البلاد على استقلالها ولكنهم لم يقطفوا من ذلك ثمَرًا. وعلى خلفية ذلك،

تدخل منتمون إلى بعض الفصائل السياسية من القادة المحليين، فأوحوا إلى هذا الحد أو ذاك، بتنظيم

3(((الاتحاد العام التونسي للشغل، التنمية الجهوية في ولاية سيدي بوزيد بين الواقع المكبل والإمكانيات الواعدة، سلسلة آفاق

عمالية (تونس: منشورات الاتحاد العام التونسي للشغل، قسم التشريع والنزاعات والدراسات والتوثيق،.)2010

أكثر إحكامًا للتحركات الجماعية، وبإطلاق شعارات استهدفت «العائلة المالكة»: التشغيل استحقاق

يا عصابة السراق، لا لا للطرابلسية إلّ نهبوا الميزانية، يسقط حزب الدستور يسقط جلاد الشعب، خبز

وماء وبن علي لا،... على الرغم من تضافر وجهيْ التجذّر والتجذير هذين، فإن الحركة كانت تعاني انحباسًا إعلاميًا استمر

أسبوعيْ تقريبًا، لينتهي إلى الاستفادة من هبّة تجنيد جديدة أنجزها مدوّنون من الجنسيْ ومن وليدي المدن

الكبرى والعاصمة على الأخص، بدأوا نقلً مكتوبًا لما كان المتظاهرون يُنجزونه على الميادين، بل وكان

في منتهى كانون الأول/ ديسمبر «ملُاحظون إخباريون أحرار» في المكان عينه يُرسلون عبر «الفيسبوك»

أشرطة فيديو تصوّر ذلك. وسرعان ما امتدّت شبكة ناقلة للأخبار جمعت شبابًا كان أغلبهم من ذوي

التاريخ الممتد لسنوات من «النضال الافتراضي» المتزاوج أو غير المتزاوج مع «نضال واقعي»، فيما كان

تونسيون مقيمون بالخارج يتولّون التدويل الوسائطي لكل سبْق إعلامي يهمّ الوضع.

... وصولًا إلى الثورة السياسية

كان يوم 8 كانون الثاني/ يناير 0112 داميًا بصفة خاصة؛ وفضلً عن التظاهرات التي عمّت كلّ مكان

في البلاد تقريبًا، كانت الإضرابات النقابية الجهوية التي قررها الاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتهت

قيادته المركزية إلى المَيلاَن إلى جانب المحتجيّن. كما تعددت تدخلّات المحامين وتهاطلت مقاطع الفيديو

المنشورة على الشبكة الدولية للمعلومات، بما دفع بالوضعية نحو الإفلات التامّ من بين أيدي السلطات.

ببلوغ الضحايا في ذلك اليوم 21 قتيلً في القصرين وتالة والرقاب، كان تصاعد في الإدانة الإعلامية لما

اقترفته السلطات وسعت إلى إخفائه. واستعادت التصريحات التلفزيونية الوزارية نفس كلمات خطب

بن علي ووعوده المشكوك في نزاهتها (توفير 00.0003 موطن شغل خلال سنتين)، فيما كانت الآلة

الإعلامية النظامية قد بدأت بالاشتغال، مهاجِةً «أعداء النظام، والمعارضة التي تدير ظهرها للنجاحات

الاقتصادية والاجتماعية المسجّلة...، وبائعي ضمائرهم للقوى الأجنبية المعادية والتي تحسد تونس في

نجاحاتها... والمنافقين الذين يتنكّرون للمصالح الاستراتيجية للبلاد...». كانت مناسبات ظهور مسؤولي

الدولة المتكررة تؤكّد الصبغة السياسية «لما كان يحدث» وتزيد، بازدرائها، فتيل الغضب المشتعل التهابًا بعد

وصوله إلى أحياء العاصمة الشعبية. وخلال الليالي الفاصلة بين التاسع من كانون الثاني/ يناير والحادي

عشر منه، كانت ضواحي «التضامن» و«الانطلاقة» و«دوار هيشر» في تونس العاصمة مسرحًا لتحرّكات

الشبان من العاطلين الذين مارسوا خلالها الكرّ والفرّ في أحياء عُرفت بكثافتها السكانية، وحركيتها

الاحتجاجية الشعبية الغاضبة، وشدة نفورها من أي رقابة إدارية أو أمنية، بل وعيش شبابها خارج مناطق

سيطرة الدولة وبالضد عنها (شركاء الأعمال الهامشية وغير المستقرة؛ مجموعات مشجعي كرة القدم

العنيفة وشبه السرية؛ مجموعات الأقران ذات الممارسات المحفوفة بمخاطر الإدمان؛ «عصابات» النشل

السريع والشركات الخفيفة،...). كان من اليسير بالنسبة إلى قسم كبير منهم الانتظام في شبكة علاقات

تربطها صلات قرابية وإن ضعيفة مع ساكنة موَاطن الاحتجاج الاجتماعي الأولى. وسرعان ما اجتاحت

التظاهرات قلب العاصمة والأحياء الشمالية والجنوبية، مستفيدة من انخراط مضاعف التزامًا من النقابيين

(35) <http://www.radioexpressfm.com/podcast/show/les-vrais-blogueurs-de-la-revolution>. (36) Leyla Dakhli, «Une Lecture de la révolution tunisienne,» Le Mouvement Social , no. 236: La société du contact dans l’Algérie coloniale (2011), pp. 89-103.

خريف 2014

والمحامين ومناضلي حقوق الإنسان والمناضلين السياسيين. في هذه الأجواء، كان النطق بشعار «يسقط

بن علي» متزامنًا تمامًا مع تكثف تدخلّات القناصة في أحياء لافايات وباب الخضراء الشعبية في قلب

العاصمة، وتعزيز قوات «مكافحة الشغب» المرابطة في الشوارع. كان يوم 12 كانون الثاني/ يناير حاسمً بتظاهرة المئة ألف التي نظمها الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس،

وقادت كل تظاهرات ذلك اليوم مساراتها نحو وقفات أمام مقار التجمع الدستوري الديمقراطي التي

أُحرق بعضها كما أُحرق بعض المقار الإدارية الحكومية. ولم تسفر المواجهات عن إصابات كثيرة لفرط

جماهيرية التظاهرات التي كان تدفقها الفيضاني كفيلً بتجاوز كل سدّ يتجرأ على محاولة وقفها. ثم انتشر

الجيش، وأعلن الوزير الأول إقالة وزير الداخلية، ووعد بإطلاق سراح المسجونين في إثر إجراءات

التوقيف الأخيرة، وبدأ بذلك مسلسل تراجعات السلطة أمام الاحتجاجات...

اتجاهان متعارضان في تسييس الحركة الجماهيرية

في 22 كانون الثاني/ يناير، اتجهت مسيرة إلى تونس العاصمة، منطلقة من المدن والقرى التي شهدت

ميلاد الثورة. ومنذ أولى ساعات صباح اليوم التالي (231/)، بدأت مجموعات بالوصول إلى الساحة

المحتضنة لمقر الوزارة الأولى، لينطلق اعتصام القصبة.1 وصارت القصبة منذ ذلك الحين، ولأيام معدودة

ولكنها مديدة، فضاءً عامًّا وعموميًا مقاومًا ومميّزًا لثورة لم تكن ترضى لا بأن تُوّل وُجْهَتُها السياسية عن

أهدافها ولا أن يستحوذ عليها سياسيو العاصمة المتحذلقون. وأسْمَع محتلّو القصبة، تلميحًا وتصريحًا،

رفضًا مزدوجًا لكل من الحكومة والأحزاب السياسية، فيما ضج مهرجان حقيقي من رسوم الغرافيتي

والغناء والرقص ورفرفة الأعلام وانتشار المعلقات وتعليق الكتابات وصياغة البيانات. وكانت النقاط

العشر التي لخّصت المطالب برنامجًا للثّورة صيغ على إيقاع حركة المعلّقات والأعلام والمناقشات والبيانات

والتصريحات الصادرة عن القادة الميدانيين، والتي تمكّن البعض منها من أن يتسلل إلى قنوات تلفزيونية

مختلفة، فيما نشر أغلبها على الشبكة الاجتماعية «فيسبوك». لم تزد الحوادث اللاحقة عن تأكيد اندلاع نزاع حادّ بين معسكر «برنامج الثورة الاجتماعي» من جهة

ومعسكر المحاور التقليدية المفضلة في «الحركة النضالية»، كما تراها الأحزاب والمجموعات السياسية، من

جهة أخرى. وبفعل ذلك الاستقطاب حول بديليْ بدوَا أكثر فأكثر تباعدًا، انهارت جبهات سياسية قديمة

(81 أكتوبر أساسًا)، وانطلقت حركة إعادة تموقع للقوى السياسية المنظمة والحزبية. وأظهرت الأشهر

اللاحقة صعود القوى الإسلامية (النهضة) والمعارضة التي أحجمت عن مدّ يد العون لبن علي زمن

انهياره. ولم تزد نتائج انتخابات 23 تشرين الأول/أكتوبر عن أن أكدت نزوع الناخبين إلى معاقبة من فعل

عكس ذلك، و«مكافأة» الأحزاب التي أظهرت نفسها في لبوس المتجذّر والمبدئي من جهة، والقوائم التي

قُدّمت إلى الميدان، منتبهة إلى المطالب الشعبية الأكثر مباشرة وبساطة (العريضة الشعبية من أجل الحرية

والعدالة والتنمية) من جهة أخرى.

(((3 خلافًا للتصور الليبرالي للفضاء العام الذي ساد انطلاقًا من تنظيرات يورغن هابرماس، نجد أنفسنا أقرب إلى الدلالة التي يشير

إليها مفهوم «الفضاء العمومي المعارض» الذي قد نفضل عليه «الفضاء العمومي المقاوم». انظر:

Oskar Negt, L’Espace public oppositionnel , traduit de l’allemand et préfacé par Alexander Neumann, critique de la politique Payot (Paris: Payot, 2007).

(3((حل حكومة الغنوشي 2، اعتصام القصبة 2، محاولة تنظيم اعتصام القصبة 3، تنظيم اعتصام يطالب بالتهدئة في القبة (جزء من

المدينة الأولمبية بضاحية المنزه)،...

تهجين السياسي ومآل الثورة في تونس

في التنظير لمسارات الحركات الاجتماعية

في سياق التنظير لمسارات الحركات الاجتماعية التي وسمَتْ بدايات الألفية الجديدة، برز مفهوم «بنية

الإمكانيات السياسية» لتجاوز مجرّد جرد موارد الحركة الاجتماعية وقدرتها على تجنيدها وتوظيفها

في المعركة. بنى كل من تشارلز تيلي وسيدني تاراو، بالاعتماد على مفهوم بنية الإمكانيات السياسية،

نموذجًا تحليليًا يجمع بين زوجين من السمّات المتناقضة التي تتصف بها الأنظمة السياسية، وهي

ديمقراطيتها ونقيضها، واتساع قدراتها ونقيضها. وعلى هذا الأساس، صنّف الكاتبان أربعة من أشكال

النزاعات الاجتماعية السياسية تلائم أربعة من الأنظمة السياسية: • الأنظمة السياسية الديمقراطية وذات القدرات العريضة، وتلُائمها النزاعاتُ التي تتخذ شكل

الحركات الاجتماعية. • الأنظمة السياسية غير الديمقراطية وذات القدرات العريضة، وتلُائمها النزاعاتُ التي تتّخذ شكل

المعارضات السرّية والمواجهات السريعة التي تغرق في القمع عادةً. • الأنظمة السياسية غير الديمقراطية وذات القدرات الدَّوْلوية الضعيفة، وتلُائمها النزاعات التي تتّخذ

شكل الحروب الأهلية. • الأنظمة السياسية الديمقراطية وذات القدرات الدّولوية الضعيفة، وتلائمها النزاعات التي تتّخذ شكل

الانقلابات العسكرية والنزاعات الجماعاتية اللغوية والدينية والإثنية. لكن، وبعد أن تكاثرت الانتقادات الموجَّهة إلى هذا النموذج المثال بسبب بنيويته وموضوعيته وعدم نفاذ

مفهومه المركزي إلى حركية الحركات الاجتماعية الداخلية وتبادل العناصر المكوّنة لها التأثير والتأثر،

تمّ التدرج نحو استخدام مفهوم بديل هو «تهجين السياسي»، وخاصة بالنسبة إلى الأوضاع التي تجري في

سياق العولمة. ويعني ذلك بالنسبة إلى ميشيل كامو مثلً أن الكثير من «المساحات الرمادية» تحجب

النظر عن قدرات الدولة أو مسارات الحركات الاجتماعية، بحيث لا تَبينُ الفروق واضحةً في السلوك

(39) Sarah Ben Néfissa, «Introduction: Mobilisation et révolutions dans les pays de la méditerranée arabe à l’heure de «l’hybridation» du politique: Egypte, Liban, Maroc, Tunisie,» in: Sarah Ben Néfissa et Blandine Destremau, dirs., Protestations sociales, révolutions civiles: Transformations du politique dans la méditerranée arabe (Paris: Armand Collin, 2011). (40) Charles Tilly et Sidney Tarrow, Politique(s) du conflit: De la grève à la revolution , traduit de l’anglais par Rachel Bouyssou, références (Paris: Presses de Sciences Po, 2008), cité dans: Ben Néfissa, “Introduction: Mobilisation et révolutions dans les pays de la méditerranée arabe”. (41) Tilly et Tarrow, pp. 86-121. (42) Olivier Fillieule, «Requiem pour un concept: Vie et mort de la notion de structure des opportunités politiques,» dans: Ülkü Doğanay [et al.], La Turquie conteste: Mobilisations sociales et régime sécuritaire , sous la direction de Gilles Dorronsoro, Moyen-Orient (Paris: CNRS, 2005), pp. 201-218; Olivier Fillieule, Lilian Mathieu et Cécile Péchu, dirs., Dictionnaire des mouvements sociaux , références: Sociétés en movement (Paris: Sciences Po, les Presses, 2009), pp. 530-539, et Lilian Mathieu, Comment lutter?: Sociologie et mouvements sociaux , la discorde; 20 (Paris: Textuel, 2004), cité dans: Ben Néfissa et Destremau, dirs., Protestations sociales. (43) Michel Camau et Gilles Massardier, dirs., Démocraties et autoritarismes: Fragmentation et hybridation des régimes , science politique comparative (Paris: Ed. Karthala; Aix-en-Provence: Institut d’études politiques-CHERPA- Centre de science politique comparative, 2009), cité dans: Ben Néfissa et Destremau, dirs., Protestations sociales.

خريف 2014

بين الأنظمة الديمقراطية والأنظمة غير الديمقراطية، ولا بين الأنظمة التي تتوفّر على إمكانيات عريضة

وتلك التي تفتقر إليها. بالاستناد إلى المثال المصري، لوحظ في مثل هذه الحركات الاجتماعية ترافق آثار المجتمع السياسي المعارض

والمجتمع المدني التقليديين، والمكوّن الحركي والمكوّن الإعلامي، والرّافد الشعبي والرّافد المثقّف وفعل

الداخل وفعل الخارج... ومن منظور اتّساع رقعة الحركة الاجتماعية وامتداد الفضاء العام (والفضاء العام

المقاوم)، يشمل ذلك خاصة ما بات يُعرف بالإعلام المُوَاطني أو البديل، والتجمّعات المعارِضة من النمط

الجديد، ومنظمّات المجتمع المدني من جهة، ومن جهة أخرى الضغوط الدولية، وخاصة تلك التي يكون

مصدرها بلدان المركز الاستعماري القديم السّاعي إلى مراجعةٍ لا تتوقف لأوضاع المستعمرات والمحميات

القديمة وآليات عملها ما بعد الاستعمارية. وليس يغيب عن ذلك نوع آخر من تهجين السياسي بحيث

تبرز منه خلائط حركية وتنظيرية وإعلامية جماعاتية وهوياتية محلّية وإثنية ولغوية... ذات أساس تعبوي

يعتمد لغة حقوق الإنسان الفردية والجماعية السياسية والاجتماعية. يبدو تهجين السياسي أساسًا ل«اعتقاد» جديد يرُوج في سرديات ووصفيات حقوقية كثيرة، منها ما تعتمده

برلمانات الأنظمة السياسية الأوروبية، والمنظمّات المانحة للمساعدات المادية واللوجستية والتدريبية،

وصناديق التمويل الدولي، والصحافة العامة والمختصة. يتكرس هذا الاعتقاد في تجسيد مادي ملموس

عُرف ب«المجتمع المدني»، الذي بدا منذ بداية العمل على إنشائه في بداية السنوات الثمانين من القرن

العشرين، بديلًاستباقيًا لتطور الحركات الاجتماعية التغييرية، و«منوالً» يؤطّر في سياق معولم مدخلات

كل محيط وطني مخصوص بسياقه التاريخي الاجتماعي وتحدّياته السياسية والاقتصادية والرمزية، موزّعة بين

الديني والهُوِياتي...، هذامن جهة، ومخرجات الدعاية السياسية التقليدية من جهة أخرى، سواءٌ أكانت

هذه المخرجات في السياق العربي الراهن اجتماعية بالمعنى اليساري القديم أم عروبية بالمعنى الناصري

والبعثي القديم أم إسلامية في صيغها التقليدية. يتم صنع البدائل الاستباقية والسياقات التأطيرية على قاعدة

معالجة ما يطرأ من تحديات مأتاها الانتشار السريع وغير القابل للمقاومة لمحتويات اجتماعية وأخلاقية

وتظلمية واحتجاجية متداخلة، ولكنها مناهضة بحدة للأوضاع التي تنهض عليها توازنات مناويل الإدارة

الاجتماعية القائمة وسياسات الأنظمة الحارسة لها. في هذا المنظور، وبالاعتماد على ما بيّنته بياتريس هيبو،

(44) Michel Camau, «L’Exception autoritaire et l’improbable point d’Archimède de la politique dans le monde arabe,» dans: Elizabeth Picard, dir., La Politique dans le monde arabe , collection U. Science politique (Paris: A. Colin, 2006), pp. 29-54, cité dans: Ben Néfissa et Destremau, dirs., Protestations sociales. (45) Sarah Ben Néfissa: «Citoyenneté morale en Egypte: Une Association entre État et Frères musulmans,» dans: Sarah Ben Néfissa et Sari Hanafi, Pouvoirs et associations dans le monde arabe , publ. par l’institut de recherches et d’études sur le monde arabe et musulman, études de l’annuaire de l’Afrique du Nord (Paris: CNRS éd., 2002), pp. 147-179; “« Ça suffit »?: Le «Haut» et le «bas» du politique en Egypte,” Politique africaine , no. 108 (2007), pp. 5-24; “Verrouillage autoritaire et mutation générale des rapports entre l’Etat et la société en Egypte,” Confluences Méditerranée , no. 75 (Automne 2010), pp. 137-150, et “L’Egypte saisie par la fièvre régionale,” Le Monde diplomatique (Février 2011). (46) Sydney Tarrow, “Cosmopolites enracinés et militants transnationaux,” Lien social et Politiques: no. 58: Les solidarités sans frontières: Entre permanence et changements (Automne 2007), pp. 87-102, cité dans: Ben Néfissa et Destremau, dirs., Protestations sociales. (47) René Otayek, ““vu d’afrique”. Société civile et démocratie: De l’utilité du regard décentré,” Revue internationale de politique comparée , vol. 9, no. 2 (2002), pp. 193-212, et Gautier Pirotte, La Notion de société civile , repères: Sciences politiques, droit; 482 (Paris: La Découverte, 2007), cité dans: Ben Néfissa et Destremau, dirs., Protestations sociales. (48) Béatrice Hibou, La Force de l’obéissance: Economie politique de la répression en Tunisie , textes à l’appui. Série Histoire contemporaine (Paris: La Découverte, 2006).

يمكن أن نعتبر أن ما يُعرف في تاريخ الحركات الاجتماعية في تونس بحوادث الحوض المنجمي بقفصة،

وبشكل أكثر دقّة مناجم الرديف (0082)، كان في الحقيقة، وعلى الرغم من قدرات النظام التي كانت

تبدو غير قابلة للهزّ، حركة اجتماعية احتجاجية مطلبية ذات نفَسٍطويل جمعت بنجاحٍ الإضرابَ العام

إلى المسيرات والتظاهرات والاعتصامات، وصولً إلى التصادم الدموي العنيف مع قوات الأمن. وبالنظر

إلى عجز النظام السياسي ذي القدرات الأمنية والرقابية الهائلة عن تأمين ذاته تأمينًا مطلقًا، تمكّنت تحركات

0082 من جمع نضالات فئات عديدة، منها من كان من النقابيين والحقوقيين والمثقّفين... ولكن كان يعتمل

في سياق ذلك منطق فارز بين من يتمتعون ببعض الصّيت الدولي عبر الشبكات التضامنية والإعلامية من

جهة ومَن ينتمون إلى شرائح اجتماعية فقيرة وينتهجون مسارات نضالية غير معهودة من جهة أخرى،

بحيث لا يتمكنون من إبلاغ أصوات تحتجّ على أوضاع معيشية مزرية تتأتى من البطالة، وانعدام ظروف

التمتع بالتجهيزات العمومية والخدمات الحياتية، وبالوقوع في الهشاشة الاجتماعية الطويلة المدى...

المفاوضة التاريخية لمآل التغيير الاجتماعي في تونس: مشروعان

على الرغم من اختلاف ما كان في سنة 0082 عمّ كان في أواخر سنة 0102 وبدايات سنة 0112 من

حيث الاتساع الجغرافي والعمق الاجتماعي وقوّة الجيشان السياسي الذي تمكّن من وضع رأس السلطة،

فإن ما كنّا فيه من خصائص حركة 0082 الاجتماعية تنظيميًا وتعبويًا ينطبق على ثورة 17 كانون الأول/

ديسمبر -2010 41 كانون الثاني/ يناير 011.2 وبالفعل، يُفيد السّد الوصفي التحليلي الذي كنا

بصدده أننا كنا إزاء حركة اجتماعية توفرت على كل عناصر التهجين السياسي. وبفعل ذلك، يمكن أن

نعتبر أن مسار الحركة الاجتماعية الاحتجاجية المطلبية التي تحوّلت إلى ثورة سياسية صار هو ذاته موسومًا

بالتهجين في مستوى مآله. لذلك أسباب عدّة ليس أقلها شأنًا انعدام قيادة سياسية قادرة على فرض توجّه حاسم يترجم عمليًا

المطالب الاجتماعية في برنامج تغيير اجتماعي فعلي؛ فبمجرد أن بلغت الحركة ذروتها السياسية بإسقاط

حكومة الغنوشي الثانية، انطلق العمل على تحقيق استحالتها إلى تغيير سياسي فوقي. وبالفعل، افتُتح ما

سُمِّي على نطاق واسع «ورشة بناء الجمهورية الثانية» بالانعطاف «بالمجلس الوطني لحماية الثورة»

نحو «الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي» («ه ع ت أ

ث إ س ا د»، آذار/ مارس 0112)، وهو ما تأكّد بانطلاق أشغال «المجلس الوطني التأسيسي» المتولّد

عن انتخابات 23 تشرين الأول/ أكتوبر 011.2 ومن الممكن أن نضع اليد، في قاع تلك الاستحالة، على

علامات مميزة لمشروعي مآلين مختلفين للحركة الاجتماعية:

((4(المصدر نفسه.

5(((شكري لطيف، المجلس الوطني لحماية الثورة وصراع الثورة والثورة المضادة في تونس (تونس: دار سحر للنشر،.)2013

(((5 أصدر رئيس الجمهورية المؤقت المرسوم عدد 6 المؤرّخ في غرة آذار/ مارس 0112 تضمّن إحداث الهيئة العليا لتحقيق

أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، على أنها هيئة عمومية مستقلة تتعهد بالسهر على دراسة النصوص التشريعية

ذات العلاقة بالتنظيم السياسي، واقتراح الإصلاحات الكفيلة بتجسيم أهداف الثورة بخصوص المسار الديمقراطي، ولها إبداء

الرأي... وتتكون من رئيس يتم تعيينه بأمر من بين الشخصيات الوطنية المستقلة المشهود لها بالكفاءة في الميدان القانوني والميدان

السياسي، ونائب رئيس يتم تعيينه من الشخصيات السياسية ومكونات المجتمع المدني المشاركة في الهيئة باقتراح منها، ومجلس

متكون من شخصيات سياسية وطنية وممثلين عن مختلف الأحزاب السياسية والهيئات والمنظمات والجمعيات ومكونات المجتمع

المدني المعنية بالشأن الوطني في العاصمة، والشخصيات ممن شاركت في الثورة وساندتها يتم تعيينها بقرار من الوزير الأول باقتراح

من الهياكل المعنية، ولجنة خبراء متكونة من أخصائيين يعيّنهم رئيس الهيئة لا يقل عددهم عن العشرة، تتولى صياغة مشاريع القوانين.

خريف 2014

المشروع الأول

في منظور القائمين على الأول منهما، وهم من قادوا عمل «ه ع ت أ ث إ س ا د» ثم من ورثوهم على سدّة

الحكم، تعيش تونس سيرورة تتوجب فيها المزاوجة من دون لَفْظٍبين التغيير والمحافظة. وضع المكوّنون

الأوّلون لهذا المعسكر على جدول الأعمال مسارًا انتقاليًا فيه وجه تغييري يسعى إلى إضفاء تحويرات انتخابية

على آلية الصعود إلى سدّة الحكم، ووجه محافظ يسعى إلى تثبيت السياسات الاقتصادية والاجتماعية مع

بعض التعديل الإيتيقي في اتجاه التقليل من آثار الفساد، وتفكيك منظومة الالتفاف على الدولة. وبالفعل،

فممّ يرد في «استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية للفترة 2012 - 016»2 الصادرة عن وزارة

التنمية الجهوية والتخطيط في حكومة الباجي قائد السبسي (أيلول/ سبتمبر 0112) أن البلاد تجد نفسها

في منعرج تاريخي أدخلها في سيرورة من إضفاء صبغة ديمقراطية تنبني على مكتسبات ولكنها تجابه

مشكلات بنيوية عميقة ومخاطر جمّة. وُجهة ذلك القصوى هي تأمين تأسيس مجتمع حرّ ودولة قانون

ديمقراطية تتأسس على مؤسّسات ذات ديمومة (من المقدمة التي وضعها الباجي قائد السبسي). وليس

في الأفكار- المحاور العشرة التي تعرضها الوثيقة ما يدلّ على تغيير استراتيجي في منظور «التنمية الشاملة

المندمجة» التي لخّصت شعارات حكومات بن علي والحكومات الشبيهة اللاحقة. في سياسة المكوّنين

الآخرين للمعسكر نفسه وجهان للتغيير هما: الديمقراطية السياسية والتوريث الثقافي يتوازى معهما

وجهان للمحافظة هما أوّلًالحفاظ على التوازن الاجتماعي، عبر الحفاظ على مواقع الطبقات الوسطى

والغنية، وثانيًا تعزيز الليبرالية الاقتصادية. لم تدم مرحلة حكم الأوّلين إلا نصف سنة تقريبًا، ولم تتّسم إلا بالعمل على إنفاذ ما يلزم للقيام بانتخابات

سياسية ينبثق عنها مجلس تأسيسي. اقتصاديًا ظلت الأوضاع تشتغل إلى حين بقوة دفع الوضع السابق،

مع إنعاشات مالية مفتعلة متتالية كان مصدرها القروض الأجنبية، ومنها قروض صندوق النقد الدولي

باشتراطاته المعروفة. انبنت مرحلة حكم الآخرين على تمشّ رُفع إلى مصاف النظرية- البرنامج على

أنه صيغة معدّلة عن النموذج التركي - الماليزي تارة، وصناعة فكرية تونسية طورًا. في هذه الحالة

الأخيرة، يقدَّم راشد الغنوشي، القائد التاريخي لحزب النهضة، على أنه من القائمين الرئيسيين على بناء هذا

التصوّر وصياغته اللذين أتمّهما خلال العشرية المسمّة عشرية النضج ومراجعة المبادئ الأساسية لحركة

الاتجاه الإسلامي (010-2000 2). وبفعل نتائج الانتخابات أمكن لهذه النظرية أن تجد لنفسها

مرتكزًا للتطبيق في واقع اجتماعي سياسي أعطى الحزب الذي ورث الحركة أغلبية في المجلس التأسيسي

وفي الثالوث الحاكم، بحيث تيسّ لها أن تضع رؤيتها حيز التنفيذ، بل أن تقدّم نفسها أيضًا على أنها بديل

عربي تسنده النجاحات الانتخابية للإخوان المسلمين في مصر والمغرب.

(52)<http://www.mdci.gov.tn/fileadmin/Liste_Ouvrages/etudepdf/TUNISIE_Strat%C3%A9gie_ developpement_%C3% A9cono_social.pdf>.

(((5 المصدر نفسه. والأفكار - المحاور العشرة هي: بناء الثقة عبر الشفافية والمسؤولية الاجتماعية والمشاركة المواطنة؛ تأمين

التنمية المندمجة والمتوازنة؛ تغيير بنية الاقتصاد من خلال العلم والتكنولوجيا؛ خلق حركية داخلية محفزة للإنتاجية والخلق والمبادرة

الحرة؛ إخراج البلاد من عزلتها والانخراط في اندماج عالمي عميق وفاعل؛ تكوين الكفاءات الوطنية العالية واستجلاب أفضل

الكفاءات العالمية وتعزيز التشغيلية؛ تكريس العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص؛ تأمين تمويل ملائم وذي ديمومة لفائدة التنمية؛ إعادة

تأهيل المرفق العمومي والفعل المدني؛ تجويد استخدام الموارد والحفاظ على المحيط الطبيعي.

(5((برنامج حزب النهضة على صفحته الخاصة الرسمية على «الفيسبوك»:

.<http://fr-fr.facebook.com/Nahda.Tunisia?sk=app_174225559282949> (55) Mahmoud Ben Romdhane, Tunisie: Mouvements sociaux et modernité , Codesria Book Series (Dakar, Senegal: Codesria, 1997), esp. pp. 257-268, la chronologie du movement.

عمليًا، اتبع التحالفُ الحاكمُ بعد انتخابات 23 تشرين الأول/ أكتوبر سياسة اقتصادية- اجتماعية رسمية

للدولة لا تزيد على أن تعيد إنتاج تلك التي كانت قيد التنفيذ من قِبل النظام القديم. وبالفعل، فقد شهدت

أشهر السنة الأولى توقيع عشرات الاتفاقات مع السلطات الليبية الجديدة والقطرية والاتحاد الأوروبي

(التي انتهت إلى الحصول على مرتبة شريك أوروبا المتقدم) والولايات المتحدة ومجموعة الثماني في نفس

اتجاه سياسة الاعتماد على القروض والتمويلات الخارجية ل«دفع عجلة التنمية». كما لم تغب عن ذلك

خطوط تمويل الصناديق المالية الدولية التي اشترطت تعديل التوازنات المثقلة بمصاريف دعم المحروقات

والمواد الغذائية، والتشغيل ذي الصبغة الاجتماعية، وتكلس الأنظمة المسيّة لسوق الشغل. ومنذ اغتيال

المعارض اليساري شكري بلعيد (شباط/ فبراير 0122)، تأكد انقياد «الانتقال الديمقراطي» إلى تعثرات

متصاعدة التعقيد أخّرت صوغ الدستور «المرتقب» (كانون الثاني/ يناير 0142)، وأغرقت الحكم في

سياسات حزبية أكثر فأكثر انقطاعًا عن موجبات الديمقراطية المحلية، على الرغم من تغيير السياسات

الأمنية تجاه المجموعات السلفية في اتجاه المواجهة الحاسمة (منذ أيار/ مايو 012.)2 للتصرف في مخاطر

ذلك، عمدت الحكومة إلى اتخاذ ما عُرف بالتدابير العاجلة من قبيل آليات المساعدة على مجابهة المصاريف

العائلية، مع إطلاق نسبي للانتداب في الوظيفة العمومية، وإنهاء العمل بالمناولة، ورفع الأجور لكثير

من القطاعات، والقبول بالمطالب الاجتماعية للاتحاد العام التونسي للشغل. ولكن ما يبدو من سياسات

ميزانية سنة 0142 أن «ربيع الاستجابات شبه الآلية للمطالب الاجتماعية» بصدد الانقضاء في اتجاه

سياسات جبائية مثقلة لأصحاب الدخول الضعيفة والمتوسطة، وتجميد للأجور، وعدم السيطرة على

التضخم المالي، وعدم الكفّ عن مديونية خارجية محفوفة بالخطر.

المشروع الثاني

اتجاهه مغاير؛ إذ يمكن أن نرى في الاحتجاجات والمطالبات التي أمدّت في أنفاس الموجة الأولى للممارسات

والأنشطة والأفعال الجماهيرية الثورية (إلى حدود آذار/ مارس 0112) تمظهرًا لمطالبة اقتصادية اجتماعية

محلية وجهوية و/ أو إثنية جهوية، تقف على أساس سحيق يكسبها حجم السعي العملي إلى إنفاذ بديل

متكامل لما «تقترحه» السلطة الجديدة القائمة. يمكن لنا أن نستشف من ذلك ملامح رؤية أخرى لمنطق

بناء أطر الحياة المشتركة التي على التونسيين بناؤها بالتشاور الحر. تتميز الأهداف المقترحة ضمن هذا

البرنامج - المشروع، وإن لم يتجسد في خط أو حركة سياسية بعينها، على المزاوجة لا بين وجوه للمحافظة

ووجوه للتغيير بل بين تعديل- تصويب للسياسات الاقتصادية - الاجتماعية، وإعادة بناء للحقلين

السياسي والثقافي. لقد كانت التظاهرة التي انتظمت يوم 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 0112 ضد الرأسمالية

ومساندةً للشّعوب التي تضطهدها الإمبريالية ول«حركة احتلوا وول ستريت» تأكيدًا لذلك واضحًا

بشعاراته التي نادت بالقطع النهائي مع منوال التنمية الموضوع قيد التنفيذ ولم يتغير، وكذلك المطالبات

بوقف تسديد الديون وإبطالها....

(((5 فتحي الشامخي، «تونس: المديونية أو التنمية،» (رادا آتاك تونس (موقع إلكتروني:))

<.http://www.tunisie.attac.org/drupal-6.20/ar/node/91> (Accessed 30/11/2013) (57) Hibou, “Le Moment révolutionnaire tunisien en question”. (58) Mohamed Chérif Ferjani, “Inspiration et perspectives de la révolution tunisienne,” Confluences Méditerranée , no. 77 (Printemps 2011), pp. 13-28. (59) Manifeste du Conseil national pour la Protection de la Révolution, et autres sources dont la page Facebook, Occupy Everything Monastir: <http://www.facebook.com/events/302022043159137/>.

خريف 2014

يبدو هذا المشروع أكثر انتباهًا لثنائية الاقتصادي والسياسي هذه التي ظلّت تلقي بظلالها على تونس منذ نهاية

القرن الماضي. وفي حين يميل اتجاه في التحليلات إلى التركيز على استشعار متوجس مفاده أن ب«إمكان

‹الثورات› العربية أن تولّد ثورات مضادة ما بعد عولمية تميزها التصفيات الإثنية الدينية المعمّمة وتركيز

ليبرالية متوحشة مقننة»، تُظهر معاينة مسار الثورة وفهم منطقها أنه «بقدر ما تتوفر ‹الديمقراطية›

الشكلية على نموذج منتهي البناء إلى حد ما، تكابد المطالبة ‹بمجتمع عادل› الإهمال...». لقد بينت

الآفاق العالمية التي بلغتها الاحتجاجات- المطالبات الاجتماعية مع «حركة احتلوا وول ستريت» (17

أيلول/ سبتمبر 0112) في نيويورك وحركة الساخطين (15 تشرين الأول/ أكتوبر 0112) في بويرتا ديل

سول في مدريد، أن القوى التي أنجزت الثورة تراهن على مستقبل يندرج في سياق ما بعد عولمي. ليست المناقشة بشأن الترابط بين التحوّل الديمقراطي وتحقيق العدالة الاجتماعية أمرًا جديدًا في هذا

السياق؛ فقد انتبه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أهمية ذلك وخطورته وإلحاحه في آن معًا بالنسبة إلى

تونس ومصر بعد ما لا يزيد على الستة أشهر على بداية الحركة المطلبية الاحتجاجية فيهما. ومما يستفاد

من التقرير نظرة ترى أن «الاقتصاد يكتسب أهمية خاصة في سياق التحول السياسي... حيث يكون من

المهم في عملية التحوّل الديمقراطي الحصول على دعم المواطنين والمجتمعات المحلية... وهو ما لا يمكن

التوصّل إليه من دون تحقيق إنجاز يشعر به الناس على المستويين الاقتصادي والاجتماعي». فلسفة التقرير

تقوم على استخلاص من التجارب المعروضة مفاده أن «تحقيق النمو الاقتصادي مع العدالة الاجتماعية

والإنصاف أمر ممكن»، وذلك على عكس النموذجين اللذين كانا حتى الآن وانتهيا إلى الفشل: «نموذج

التنمية القائل بتسرب ثمارها إلى أدنى» و«نموذج المستبد العادل». لقد انتبه التقرير إلى التهديد المباشر

للديمقراطية، حيث تمثّل «الفوارق الإقليمية في مستويات التطور الاقتصادي والاجتماعي وفي الدخول

وفي النفاذ إلى الخدمات تهديدًا مباشرًا للديمقراطية»، معتبرًا أن «تحقيق العدالة الاجتماعية يمكن أن

يكون محفزًا للتنمية من خلال توسيع السوق المحلية والتقليل من التوترات الاجتماعية». قناعة التقرير

واضحة: «من الضروري التوصّل إلى سياسات للعدالة الاقتصادية والاجتماعية، وإلى إجماع حول أشكال

التفاوت التي تجب محاربتها»، وهو ما يستجيب ل«تصاعد المطالب الاجتماعية وتوقعات تحسين الأوضاع

الاقتصادية لدى كافة الشرائح الاجتماعية»، وذلك عبر «إعادة النظر في توزيع الموارد على الأقاليم وعلى

الطبقات والفئات، بحيث يتحقق حد أدنى من العدالة الاجتماعية». ولكن الوصفة لا تزيد عن: • «تحرير الاقتصاد، مع وضع حد للامتيازات الاحتكارية وفتح باب المنافسة والتجارة الحرة. • إعادة تعريف دور الدولة بالتركيز على التنظيمي والرقابي، وتنفيذ القانون وحماية المستهلكين، مع عدم

امتلاكها قطاعًا حكوميًا واسعًا في المجال الاقتصادي، مع إمكانية احتفاظها بالصناعات الأساسية في

الاقتصاد الوطني.

(60) Pierre Bouvier, “L’Objet de la socio-anthropologie: Crise, déstructuration, recomposition, perdurance,» Socio- anthropologie , no. 1 (1997), sur le site: <http://socio-anthropologie.revues.org/index27.html>. (61) Richard Labévière, “Printemps, été et automne arabes: Révolutions et contre-révolutions post-globales,” Revue internationale et stratégique , no. 83 (2011), pp. 75-83. (62) Khosrokhavar, “Les Révolutions arabes”.

(((6 برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، المنتدى الدولي حول مسارات التحول الديمقراطي: تقرير موجز حول التجارب الدولية،

والدروس المستفادة والطريق قدما، -56 يونيو/ حزيران 0112 ([القاهرة: البرنامج، 011.)]2 وهو تقرير عن ندوة نظمها برنامج

الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع جمهورية مصر العربية في القاهرة يوم 12 حزيران/ يونيو 011.2 والتقرير موجود بصيغتيه

المختصرة والمفصلة على الموقع الإلكتروني: >. www.cairotransitionsforum.info<

• الاعتماد على الذات وعدم الاقتراض من المؤسسات الدولية إلى أقصى حدّ ممكن. • زيادة دعم الفقراء من خلال الحد من الهدر، وتحسين استهداف برامج المساعدة الاجتماعية، وهو ما يعني

إنفاقًا أفضل، فالدعم العام للمرفق العام... خيار سيئ. • الاستثمار في رأس المال البشري، أي التعليم والصحة بوصفه محددًا في بناء القدرة التنافسية. • إنجاز إصلاح ضريبي، والتعامل مع القطاع غير المنظم لزيادة الموارد والعمل على توزيع للأعباء أكثر

إنصافًا من خلال الضريبة التصاعدية، وهو ما يعني إسباغ مسحة اجتماعية على نظام اقتصادي ليبرالي

معدّل لا غير. في ضوء هذا، تفيد معاينتنا بأن التحالف الحكومي المنبثق عن انتخابات 23 تشرين الأول/أكتوبر

0112 ووريثته «حكومة التكنوقراط» (شباط/ فبراير 0142) قد وضعا على الرفّ ما بدا أنه هدف

الثورة الأعمق: بناء دولة ترعى مواطنيها الأكثر فقرًا وهشاشة وعرضة لآثار السياسات الاقتصادية غير

العادلة، وتطوير أسس الاقتصاد التعاوني والتضامني والمبادر في المشاريع الصغيرة والمتوسطة من الجهة

الاجتماعية، والمحافظة على استقلالية القرار الاقتصادي الإصلاحي تجاه الخارج «المقرض» كما «الممول»

من الجهة السياسية الخارجية، وتعميق أسس الديمقراطية المحلية من الجهة السياسية الداخلية. ولا يمكن

أن يتم ذلك إلا على خلاف ما يتمّ تداوله من تنظير لليبرالية مخففة الآثار أو مراعية لإيتيقا الإخاءأو

متجهة نحو خصخصة الدولة والتقليص من تدخلها ولبرلة السياسات الاقتصادية وإجراءات تسليع

الرعاية الاجتماعية ورفع الدعم. وفيما يُستبعد الاتجاه في غير الوجهة الليبرالية، تعسر أكثر فأكثر

إمكانية استعادة المجتمع والمواطنين للدولة ليعيدوا تشكيلها مبنى ومعنى، شكلً ومحتوى. يتساوق استنتاجنا هذا مع القول إن «المسار التونسي يحيل إلى أن السياسات الاجتماعية لم تتمكّن من التغير،

وظلت مركّزة على الأجراء وقطاعات السّاكنة التي كانت بعدُ من ضمن النظام الإنتاجي. لقد زاد عسر

الوصول إلى القطاعات المقصاة من الساكنة من تعميق حدة التفاوت، في حين كان رهان التغيير الحقيقي

‹إدماج منسيي التنمية› ضمن الحركيات الصاعدة». وترتب على ذلك أن «البعد المناهض لليبرالية

(في معنى الليبرالية الاقتصادية) في... الثورتين التونسية والمصرية... جلي... وعليه، فإن الديمقراطية،

بالنسبة إلى عدد كبير من فاعلي هذه الثورة تتساوق بالتوازي مع العدالة الاجتماعية، مع... مجتمع يضع

حدًّا لفروق اقتصادية صارخة.

خاتمة

اعتمدنا في درستنا بصورة رئيسية على ما ظهر من الكتابات في المجال الثقافي الفكري واللغوي الفرنسي،

وقد تعمّدنا ذلك حتى نفسح المجال لمعالجة أخرى تعتمد بشكل رئيسي على ما ظهر من كتابات في مجالات

ثقافية أخرى، ومنها العربي والتونسي تحديدًا. وعلى ما كانت المدونة التي اعتمدنا من «ضيق»، فقد انصب

(6((دياني، «اتساق الحرية الاقتصادية والمساواة الاجتماعية.»

(((6 رافي كنبور، «التفاوت الاقتصادي والتنمية الاقتصادية: دروس وعبر من التجارب العالمية للعالم العربي،» عمران للعلوم

الاجتماعية والانسانية، السنة 2، العدد 5 (صيف 0132)، ص.24-7

(66) Hamza Meddeb, “La Tunisie, pays émergent?,” Sociétés Politiques Comparées , no. 29 (Novembre 2010). (67) Khosrokhavar, “Les Révolutions arabes”.

خريف 2014

اهتمامنا الرئيسي على تفحص مدى وجاهة الفهم الذي استخدمناه ها هنا للحركة الاجتماعية باعتبارها

عملً على صوغ تاريخي اجتماعي لما هو ممكن من غايات التغير الاجتماعي. وقد حاولنا أن نبين أن ذلك

يصحّ أكثر ما يصحّ على غائيات التغيرات الاجتماعية المعاصرة، أي تلك التي تخلّقت بالتزامن مع العولمة

(النصف الثاني من التسعينيات) على اعتبارها وقائع اجتماعية تتخذ شكلً ومحتوى مخصوصين بكل مجتمع

معني. على أساس تبنّي هذه الرؤية، انبنت دراستنا على اعتبارٍ يرى في كل حركة حاملة لتغيير اجتماعي

عميق إلى هذا الحدّ أو ذاك؛ حركة بانية لصيغة مخصوصة من المآل الاجتماعي التغييري، تكون من منظور

كلّ واقع تاريخي مخصوص بمجتمع ما، ثمرة سيرورات اجتماعية متداخلة تؤول إلى عمليات جدلية من

البناء والهدم، وإعادة البناء لأطر حياة مشتركة تنبني على حرية اختيار فاعليها في نزاعهم مع خصومهم

ومفاوضتهم لإكراهات واقعهم. من هذا المنظور، ليس ما يثار من أن الخيار هو بين الدولة المدنية والدولة التيوقراطية إلا الوجه الأكثر

سطحية وليبرالية و«تحديثًا» للنزاع التاريخي الاجتماعي حول مآل التغير الاجتماعي الجاري. أما الوجه

الاجتماعي التاريخي العميق، فهو المعقود حول السؤال التالي: هل يتيسر أن تنبع الدولة من مجتمعها

لتكون لمواطنيها أداتهم لبلوغ رغائبهم ومطامحهم وتحقيق مطالبهم، فتكون دولة يسمح لها أساسها

الرعائي الاجتماعي الديمقراطي العادل بأن تكون الضامن الضروري لاستقلال مرورها إلى دولة

ومجتمع ما بعد عولميين؟ وقفت قراءتنا على تعمّق المأزق الذي انحبس فيه الأفق الذي كان قد انفتح أمام إعادة تركيب الأوضاع

في تونس الدولة والمجتمع ما بعد الاستعماريين (9560111 و 2)، بفترتيه البورقيبية [نسبة إلى الرئيس

الأسبق بورقبية] والبنعلية [نسبة إلى الرئيس السابق بن علي] حيث لم نسجل تغيرًا نوعيًا في السياسات

الاقتصادية الاجتماعية التي ظلت تتدرّج على امتداد أكثر من خمسين سنة نحو تبنّي نهج ليبرالي تحكمه

الدولة وتوجّهه (منذ بداية السبعينيات) وصولً إلى الدفع به نحو التعديل الهيكلي (9861) وانتهاءً إلى

التواؤم اللصيق مع مقتضيات الانخراط في النظام النيوليبرالي المعولم ه (ناية التسعينيات). وفي حين كان

رهان الثورة ينعقد على فتح أفق تغيير اجتماعي تاريخي عميق، كان الرّهان المقابل أن تتوارى أهداف

الثورة، وأن ينكفئ الإصلاح السياسي، وألّ يبقى من الأمر إلا «انتقال ديمقراطي» يتناقص بصيصه مع

تكاثر علامات تعقّد مسألة «الإرهاب»، وعودة حرس النظام بشخوصهم وبالوكالة إلى الواجهة، وهزال

البرامج السياسية البديلة.

(68) Talal Asad, Formations of the Secular: Christianity, Islam, Modernity , Cultural Memory in the Present (Stanford, CA Stanford University Press, 2003), and Jacques Le Goff, Histoire et mémoire , collection Folio. Histoire; 20 ([Paris]: Gallimard, 1988), pp. 66-103.