المسألة الطائفيّة وصناعة الأقلّيات في المشرق العربي الكبير
The Question of Sectarianism and the Manufacturing of Minorities in the Greater Arab Levant
الملخّص
* المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
Abstract
In its contemporary meaning, political sectarianism, argues Bishara, is the product of the interaction between the pre-existing social system and modern colonialism, and the way in which the latter constructed the state. Based on institutionalized, or semi-institutionalized, quotas for sects, political sectarianism, though a phenomenon within the framework of the state, may also be employed in a transnational fashion to strengthen ties of solidarity, or for purposes of outside interference in other states. The author observes the contradiction between, on the one hand, the Arab-nationalist path (a unifying national culture founded upon a common language) and the nation-state path (based on citizenship enshrining political and social rights) and, on the other, sectarianism, for these two paths are a means for assimilation that cut across the division of society into tribal or regional groups. In sum, in the Arab Levant, Arab nationalism is not the antithesis of the nation state, but rather one of the foundations for its unity. The alternative, argues Bishara, is sectarian fragmentation or even social and regional fragmentation. Bishara offers the case of Lebanon and Iraq as examples in the transformation of the social sect into the political sect and refers to political religiosity, noting that in multi-confessional societies, politicized religiosity automatically ends up in political sectarianism, as can be seen in the process of the transformation and dismantling of “other” groups, religions, or confessions into minorities, and the behavior of the majorities according to a sectarian mentality. Bishara warns how monitoring these transformations constitutes the major challenge confronting Arab researches when analyzing sectarianism.
- الطائفية
- المشرق العربي
- الهوية
- المجتمع المحلي
- الدولة الوطنية
- المحاصصة السياسية
- العروبة
- Sectarianism
- Arab Levant
- Identity
- Community
- Political Quotas
- Nation State
- Arab Nationalism
وصناعة الأقلّيات في المشرق العربي الكبير
يبحث الكاتب في الطائفية كظاهرة حديثة وفي سياق أصبحت فيه الطائفة (أتباع دين أو مذهب) جزءًا من كلٍّ هو الكيان الوطني أو الدولة، على الرغم من أن للطائفة السياسية بدايات غير مكتملة التكوّن في الماضي. إن ما يميز الطائفية هو إحياء هذه الجماعة كطائفة ذات هوية تتجاوز الهوية المذهبية إلى السياسة والمصالح، وهذا يعني أن الطائفية عملية تفتيت بالضرورة من منظور الافتراض التاريخي. تقوم الطائفية السياسية المعاصرة على المحاصصة السياسية المؤسسية أو شبه المؤسسية للطوائف. ومع أنها ظاهرة في إطار الدول، فإن الرابط الطائفي قد يُسخَّر بشكل عابر للدول لتوثيق روابط تضامنية، أو لغرض التدخّل الخارجي في دول أخرى. والطائفية السياسية بمعناها المعاصر وليدة تفاعل المنظومة الاجتماعية القائمة مع الاستعمار الحديث، وطريقة بنائه الدولة التي سترثها الدولة الوطنية المستقلّة، أو ستصطدم بها بعده. انطلاقًا من تحديد أن «الكُلَّ» في الفكر القومي أو الوطني هو مرجع الشرعية الجديد، تصبح الطائفية، بحُكْم تعريفها، مسًّا بالوحدة الوطنية. ويحلل الكاتب تعارض المسارين القومي (الثقافة القومية الجامعة وأساسها اللغة المشتركة) والوطني (الدولة الوطنية وقوامها المواطنة، بما فيها من حقوق سياسية واجتماعية) مع الطائفية، بوصفهما أداتين في الاندماج تخترقان انقسام المجتمع إلى جماعات عشائرية أو جهوية. ويخلص إلى أن العروبة ليست نقيض الدولة الوطنية في المشرق العربي، بل هي من أُسس وحدتها، وأن بديلها ليس الوطنية وإنما التمزُّق الطائفي، بل التمزق الاجتماعي والمناطقي أيضًا. وفي ظروف المشرق العربي الكبير التاريخية، تقدم الورقة مثاليَ لبنان والعراق في رصد تحوُّل الطائفة الاجتماعية إلى طائفة سياسية، وتشير إلى التدين السياسي، الذي إذا وقع في مجتمعات متعدّدة الطوائف فإنه يؤُول بالضرورة إلى طائفية سياسية، وذلك في رصد عملية تحويل الجماعات أو الديانات والمذاهب «الأخرى» وتفكيكها إلى أقلّيات قياسًا بأكثرية طائفية... وصوالً إلى تصرّف الأكثريات بعقلية طائفية. إن رصد هذه التحولات هو التحدي الكبير الذي يواجه الباحثين العرب في موضوع الطائفية.
قد يستغرب حتّى جزء من الباحثين المقولة التي تفيد بأن الطائفية بمعناها المقصود في الخطاب السياسي العربي في عصرنا هي ظاهرة حديثة. ولتبديد بعض هذا الاستغراب نقول إن الطوائف والعصبية ليستا ظاهرتين حديثتين، وكلتاهما كامنة بالضرورة في مفهوم الطائفية. إن ما يميز الطائفية من الجماعة الدينية المحضة ومن العصبية لجماعة دينية هو ما نشير إليه هنا؛ فالمقصود بالطائفية في الخطاب السياسي العربي في أيامنا، سواء أكان مفهومًا نحاول تأسيسه ويفيد في تحليل الظواهر الاجتماعية القائمة أَم حكْم قيمة تبخيسيًا معروفًا عن ظاهرة بغيضة، هو أمر مختلف عن التعصّب لجماعة، أي جماعة، وهو بالتأكيد أمر مختلف عن الطائفة، أَي الجماعة ذاتها، بمعنى أنها طائفة من البشر أو فئة من جماعة أكبر. وفي الدلالة القرآنية للفظ الطائفة نجد أنها دلالة وصفية لامعيارية لفئة هي جزء من كُل، كما تُظهر الآيات التي ترد فيها كلُّها. ولم تكتسب مضامين معيارية سلبية إالّ في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي الذي يتعارف المؤرِّخون المعاصرون على وضعه في أساس تحقيبهم للعصر العباسي الثاني؛ طردًا مع تضعضع سلطة الخليفة العباسي ببغداد اعتبارًا من ثلاثينيات القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، لمصلحة بروز إمارات الأطراف المتغلبة، وتأكّل سلطة الخليفة في بغداد نفسها، والتنافس بين ثلاثة خلفاء أو أمراء للمؤمنين في دار الإسلام على تمثيل الخلافة، فصار المسمَّون أمراء للمؤمنين في الدنيا ثلاثة: العباسي [الأموي] ببغداد، وبالأندلس [الأموي]، والمهدي [الفاطمي] بالقيروان. وهذا ما شكّل أساس تبلور مفهوم مصطلح «ملوك الطوائف» في المدونات التاريخية الكلاسيكية أو المرجعية التي أنتجت في ذلك القرن وبعده، كمحاكاة لوضعية المتغلبين على سلطة الخليفة العباسي بانقسام أمراء الاسكندر المقدوني بعد موته، أو حالات مشابهة أخرى في فارس، ولها في ذلك دلالة التشرذم والتغلب والضعف، في مقابل الوحدة والمركزية والقوة. وفي البحث عن الطائفية كظاهرة حديثة، نبحث عمليًا في سياق أصبحت فيها الطائفة (أتباع دين أو مذهب) جزءًا من كل هو الكيان الوطني أو الدولة، وأصبحت الطائفية رفعًا لهذا الجزء وصوغًا لشخصيته وتاريخه (وذاكرته) ومصالحه بانفصال عن هذا «الكل» الجديد (الدولة، الأمة، الشعب) الذي هو جزء منه، أي في الواقع لا يمكن فصله عنه من دون تبعات. لقد سبق ذلك عملية تبلور أتباع الدين كجماعة متميزة، منفصله. هذه عملية سبقت الحداثة، وما يميز الطائفية هو إحياء هذه الجماعة كطائفة ذات هوية تتجاوز الهوية المذهبية إلى السياسة والمصالح، وذلك بعد أن أصبحت جزءًا من كل، أو بعد أن جرى افتراض ذلك تاريخيًا على الأقل بواسطة الدولة والثقافة
(((جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تاريخ الخلفاء، تحقيق محمد أبو الفضل (بيروت؛ صيدا: المكتبة العصرية، 0102)، ص.343 (((يصف مسكويه تقلص السلطة السياسية المركزية للخليفة إبان خلافة الراضي بالله بما يلي: «فصارت الدنيا في أيدي المتغلبين، وصاروا ملوك الطوائف، وكل من حصل في يده بلد ملكه، ومنع ماله»، قارن بمسكويه، أبو علي مسكويه الرازي، تحقيق أبو القاسم امامي، 6 ج (طهران: دار سروش، 0015)2، ج، ص.459
الوطنية وغيرها. وهذا يعني أن الطائفية عملية تفتيت بالضرورة من منظور الافتراض التاريخي هذا، أو هي ادعاء معلن بفشل هذا الافتراض، أو بأنه لم يكن قائامً إلا كوهمٍ أصالً. الطائفية التي يجري الحديث عنها هي بالتحديد اعتبار أتباع الدين أو المذهب المعين جماعة تمثِّل امتدادًا أو تواصالًاييرخات (ايرخات اله نأ يأ)اهمساب نوقطان الوه، ةيعمتاجا دودح تاذو (لاجر مأ ييننملاع اوناكأ دِين) يذودون عنها ويصوغون مصالحها بلغة التعايش والخصومة مع جماعات أُخرى. ويخلق هذا تصورًا عن كيان له أسطورة منشأ، وسردية تتراوح بين صوغ مشاعر الغبن ومشاعر الافتخار والكبرياء. ولكَي يثبت التواصل التاريخي، غالبًا ما تُسقَط على الماضي مصطلحات الطائفة في فهم ذاتها ومحيطها في الحاضر. وهذا مَا أطلق عليه باللغة التاريخية النقدية صفة المغالطة الزمنية، أو اللازمنية التاريخية. والأهم من هذا كله أن سياق الطائفية السياسية بمعناها التحاصصي المحدَّد، يرتبط بمرحلة تاريخية جديدة نشأت فيها الدولة الوطنية والجماعة القومية، وأصبح في الإمكان الحديث عن عصبية لقطاعات فيها تقوم على الدين والمذهب، وأَصبحَ في الإمكان تصوّرها والمطالبة بحصة في الدولة، حتّى حيث لم تنشأ الدولة بَعدُ، أي قبل الاستقلال، فتختلف الطائفية السياسية المعاصرة عن الطائفية الثاوية في نظام الملَِل العثماني في أنها تقوم على المحاصصة السياسية المؤسسية أو شبه المؤسسية للطوائف، بينما كان نظام الملَِل إطارًا تنظيميًا قد ينطوي على التهميش لكنه لا ينطوي أبدًا على المحاصصة وترسيمها. تتفاوت هذه السرديات بين الطائفة بوصفها جماعة أهلية مألوفة للفرد من بيئته المحلية والطائفية الأهلية المرتبطة بها، والجماعة الطائفية المتخيلة في مرحلة ثقافة الجماهير، سواء أَقُصِد بها طائفة غير محلية في الدولة الوطنية كلِّها أَم طائفة عابرة للدول. ونحن نتعامل عادة مع الطائفية السياسية والنظام الطائفي بوصفهما ظاهرتين في إطار الدول، وليستا عابرتين لها، ولكنهما قد تُسخِّران الرابط الطائفي العابر للدول لتوثيق روابط تضامنية، أَو لغرض التدخّل في دول أخرى. ويتعلّق ذلك باستخدام الطائفية في العلاقات الخارجية التي تنعكس بالضرورة على الأوضاع الداخلية، على الرغم من كل ما نعرفه من أن السياسات الخارجية للدول محكومة بمصالحها أخيرًا، أو بمنطق مصالح الدولة. وقد وقع ذلك تاريخًا بالنسبة إلى التجربة الإسلامية في صيرورة الصراع العثماني- الصفوي، كما وقع تاريخًا وسياسة وقنونة بالنسبة إلى العلاقة بين الإمبراطورية العثمانية والغرب، مع إدماج السياسات الخارجية للدول الأوروبية في القرن التاسع عشر بشكل خاص لقضية الطوائف التي تدّعي حمايتها بموجب فهمها نظام الامتيازات كوسيلة للتدخّل في الدولة العثمانية، وفي الصراع حول مصيرها، وربما نجد لهذا النظام صورًا مختلفة في زمننا الراهن بإدماج البُعد المذهبي في السياسات المذهبية لبعض دول المنطقة في ما يمكن وصفه بإضفاء بُعد تطييفي على العلاقات الخارجية، واستخدام هذا البُعد فعليًا في السياسات. وفي هذه الحالات كلها يُستخدم تطييف العلاقات الخارجية في إطار تحقيق مصالح الدولة أو يسخّر لتحقيقها ولو أداتيًا. وفي حالة الطائفة بوصفها جماعة متخيلة ومتجانسة تتّبع مذهبًا أو دينًا تتخيله متجانسًا أيضًا، تُسقَطُِ على التبعية للدين مصطلحات القومية وتعابيرها وأدواتها. وتتحولان سويًا إلى فعل سياسي في داخل الطائفة، فينعكس على مستوى الوحدة الطائفية، وإشراك العامة في السياسة عبر الهوية المشتركة المميزة
والمحدِّدة التي تجمعهم بنخب الطائفة. ويبدو الفعل في هذه المرحلة ثوريًا في بعض الحالات، وقد يتجىل مطالبَ مساواتية الطابع داخل الطائفة، بالتشديد على الاختلاف عن الطوائف الأخرى، والمشترك داخل الطائفة عينها. أمّا علاقة الطائفة بالدولة، وببقية الطوائف في المجتمع، فتظهر في الصراع من أجل حصة أكبر من حصة الدولة ترجمةً لوزن ديموغرافي، أو لقوّة اقتصادية وثقافية، أَو تعويضًا عن غبن تاريخي أو غير ذلك. وحين يُستخدم التعويض عن الغبن التاريخي أداةً لتحصيل امتيازات (وليس لتحصيل حقوق متساوية) أو مبرِّرًا للتحالف مع قوى أجنبية (وهذا نوع من الامتيازات)، تصبح كتابة التاريخ من هذه الزاوية مسألة مصالح سياسية وميول أيديولوجية وضرورات ترسيخ الهوية. الأمر، باختصار، مسألةٌ خطابية (discursive) لدواع عملية أو سياسية. لم يخلُ عاملَ الطوائف المحلية من العصبية ومن أنماط الإدارة الذاتية الاقتصادية والسياسية المرتبطة بالتنظيم التاريخي للاجتماع في المدينة الإسلامية بصورة خاصة، أو حتّى بالمجتمعات الريفية أحيانًا، وفي حالات مخصوصة. ولا شك في أن الأهمية هنا هي للانتماء إلى الجماعة الأهلية، عشيرة أكانت أَم طائفة، أَي إلى نمط الوجود الاجتماعي السائد ما قبل الحداثة والذي يقوم مدرسيًا، أو بالأَحرى تنميطيًا، على سيادة العلاقات العمودية (المللية والطائفية والعشائرية والمذهبية.. إلخ)، في مقابل العلاقات الأفقية الطبقية، فنكون وفق ذلك التنميط في صورته الصلبة إزاء مجتمعات دون مجتمعات مدنية في حالة سيادة العلاقات العمودية، ومن ثم الانقسامات العمودية، بينما نكون إزاء مجتمعات مدنية في الحالة الثانية. لكن الظاهرة المنسوبة إلى الدولة الحديثة هي الطائفية، بمعنى استثمار التبعية لدِين أَو لمذهب ديني لتحويل أتباع هذا الدين إلى جماعة تحافظ على نفسها في وجه ما يهدد الطائفة من تحدٍّ من جانب قطبَي الاندماج والتهميش، بل ومخاطر الاستئصال، ثم ترجمتها إلى قوة سياسية لها مطالب من الدولة.ِ ولكنها لم تتشكَّل مِن لا شيء؛ فللطائفة السياسية وغيرها بدايات غير مكتملة التكوُّن في الماضي، وهي بدايات كافية لتكشف عن بذور هذه الظواهر قبل ذلك بمراحل، وبكلمة، لها جذور تتغذَّى ذاتيًا في الشروط التي تستدعِيها؛ فالصراع على السلطة والإمامة أدى دورًا في الانشقاقات المذهبية وبلورة التبعية لها، والسياسة بالتالي حد أساسي في الطائفية، ويمكن وضع أساس الصراع الشيعي- السني في التاريخ الإسلامي على قاعدة أصله السياسي في الخلاف حول الإمامة، وهذا متفَق عليه ومشبَع بحثًا ولا يتطلّب على هذا المستوى معالجات إضافية. ويزداد البُعد السياسي بموجب الدينامية الداخلية للطائفية بالانتقال من التعصب لدين أو مذهب إلى التعصب للجماعة التي تتبعه، ويتراجع العنصر الروحاني؛ فعلى الرغم من كون الطائفية انقسامًا اجتماعيًا بموجب التبعية لديانات ومذاهب روحية، فإن ولاءها للجماعة يقترب بها من ديانة دنيوية، حتى لو كان أساسها الإيمان بديانة روحية، سواء أكان في زعامتها رجال دين أم علمانيون، فإذا سيقت الطائفية إلى نهاياتها المعاصرة، نجد أن المقدس فيها هو الجماعة وليس المذهب.
(((تطرقت إلى موضوع الديانات السياسية والديانات المدنية بتوسع في المجلد الثالث من كتابي الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الذي لم يصدر بعد.
تُعَدُّ الجماعة طائفة أصالً، أَي جزءًا من كُلّ، لكن الطائفية ناتجة من أن هذا الكُلَّ الجديد مختلف تاريخيًا وينافس الجماعات المحلية في مَدِّ خطوط الانتماء إليه ومساراته التي متُكِّنُه الحداثة منها، مثل التعليم الرسمي، والخدمة العسكرية، وخدمات الدولة، ووسائل الاتصال الحديثة التي تصل الدولةَ مباشرةً بالفرد. أمَّا في الماضي، فلم يتسنَّ للكيانية السياسية الإمبراطورية التواصل مباشرةً مع القواعد البشرية المشكِّلة للجماعات الأهلية، ولا حتّى على مستوى الولاية إلا عبر وسطائها المحليين، والاعتراف باستقلاليتها الذاتية أو مراعاتها. من ناحية أخرى، إذا كان الكلُّ هو الأمّة الإسلامية أو مجموع الملّة كما كانت تُسمَّى في مرحلة تاريخية سابقة، فلا يمكن عَدُّ المسيحيين واليهود طوائف داخلها؛ لأنهم ليسوا جزءًا من كُلٍّ أصالً بل هم «أهل ذمّة»، وهذا مصطلَح قابل للتفسير إيجابيًا أو سلبيًا، بحسب المرحلة السياسية من الناحية المعيارية، لكن بوصفه مفهومًا فقهيًا أصليًا هو رَمْيٌ لأهل الذِمّة خارجها. أمَّا إذا كان تعريف الكُلِّ قد اختلف وأصبح مرجعه اللغة والثقافة أو الدولة الوطنية التي يُفترَض أن المواطنة وحْدتها الأساسية أو غير ذلك، يصبح هؤلاء طوائف... وقد يصبح المسلمون طائفة، أو قد ينقسمون إلى طوائف في سياق الصراع على هذا الكُلّ، إذا تبنّوا سلوك الأقلية في تأكيد الهوية الدينية في السياسة بدالً من سلوك الأكثرية التي ليست بحاجة إلى تأكيد هويتها بأساليب حمائية مفروضة، أو قد يفرزون طوائف جديدة تدّعي كل طائفة منها أنها تمثّل الإسلام «الصحيح»، وإعادة إنتاج «الفرقة الناجية» بطرق مختلفة يكون وجهها الآخر «الطرق الهالكة» في مجال السياسة، أي مجال الصهر والتطهير والإبادة إن اقتضى الأمر. وعمومًا يمكن القول إن أحد إفرازات الحركات الدينية السياسية هو أنها تواجه خطر التحول إلى طوائف مغلقة تتعامل مع عقيدتها كأنها المذهب الصحيح، وتتعصب للجماعة، فلا تعود دينًا يتسع لتفسيرات ومذاهب عديدة، ولا تصبح حزبًا سياسيًا كبقية الأحزاب، وقد تتحول إلى نوع من الطائفة المغلقة. ولا يقتصر هذا الخطر على الحركات الدينية، بل تواجهه أيضًا الأحزاب العلمانية الشمولية التي تقدس قيامً دنيوية، بما في ذلك تقديس الحزب ذاته. ولأن «الكُلَّ» في الفكر القومي أو الوطني هو مرجع الشرعية الجديد، سواءٌ أكان أمّة قومية أم دولة، يصبح الانتماء إليه معياريًا، ويصبح تقسيمه أمرًا مرذوالً؛ فالطائفية، بحُكْم تعريفها، مَسّ بالوحدة الوطنية. وحتّى عندما يختلط الفكر القومي أو الوطني بالليبرالية أو بالديمقراطية الأهلية، ويصبح التنوّع داخلها أمرًا مشروعًا، وحتّى مرغوبًا فيه، يبقى التعصّب لطائفة وتحويلها إلى سياسات هُوية أمرًا غير محمود على المستوى القِيَمي وعلى المستوى السياسي. ولهذا الحُكم المعياري أساس في التحليل النظري يتلَخّص في أَن تقسيم المجتمع إلى طوائف ذات حدود مرسومة سلَفًا يختلف عن تعدّدية التيارات السياسية والفكرية والأحزاب، وهي تعددية متغيرة ومتبدِّلة. وإذا حَلَّ هذا التقسيم محل تنوُّع الآراء والبرامج في صوغ مصلحة المجموع، تصبح التعددية الطائفية عدُوًّا للتعددية الفكرية والحزبية، وتصبح الطائفية خصاْمً للتعددية السياسية وللديمقراطية. هذا عَدا أنها تقمع حرية الاختيار الفردي باختزالها الفرد إلى تابع لطائفة.
تقبل الديمقراطية الأهلية بفكرة وجود جماعات وحقوق جماعية. وحتى الديمقراطية الليبرالية باتت ترى ذلك ممكنًا ومشروعًا، ولكنها تعتبر حقوق المواطن الفرد هي الأساس الذي تُشتَق منه الحقوق الجماعية، غير أن الطائفية كأيديولوجيا تبقى ممقوتة في الحالتين. نختم هذا البند بالذات بالقول: لو أننا لم نكن نعرف بوثوق تامٍّ علاقة الاستعمار بنشوء الطائفية السياسية التحاصصية في بلادنا، وتحويل الملَِل العثمانية إلى طوائف سياسية تبرِّر تدخُّل الأجنبي، ومواصلة ذلك في أثناء الانتداب على بلادنا في المشرق العربي في تلك المراحل، وقيام متصرفية جبل لبنان قبل ذلك على أساس هذه المحاصصة الطائفية البوَاح المحدَّدة الحصص والتمثيل، لكان في إمكاننا الاستعانة بالنظرية للتأمُّل في معنى الطائفية ونُفورها من الرابط الوطني أو القومي الجامع، وتجاوُزه إلى التعاون مع خصومه الدوليين، وإعاقة تكوُّنه، ولا سيما في مراحلِ نشوئه. لقد كانت الطائفية السياسية ذات جذور تاريخية، لكنها بمعناها المعاصر وليدة تفاعُل المنظومة الاجتماعية القائمة مع الاستعمار الحديث، وطريقة بنائه الدولة التي سترثها الدولة الوطنية المستقلة، أو ستصطدم بها بعده. ولا شك في أن المسارَيْن التاريخ نيْ النقيضنَيْ لتَشكُّل الطائفية السياسية في بلادنا كانا نهوض العروبة، أَو ربمّا الهوية العربية بالمعنى الثقافي السياسي، قبل التحوُّل إلى القومية الأيديولوجية والسياسية التبريرية السلطوية لأنظمة الحكم؛ والدولة الوطنية وبناء المؤسّسات الوطنية التي تخترق الجماعات المحلية الأهلية. وليس صدفة أن المسارَيْن، في أماكن التقائهما وتقاطعهما أو افتراقهما واختلافهما، شكَّلا مصدرًا لا ينضب للأفكار النهضوية والإبداع الأدبي والفني، ولمظاهر مدنية عابرة للطوائف تثير في بعضنا الحنين، وغالبًا ما تُعَنْوَن بتَسميات لا تتوخَّى الدقَّة، مثل المرحلة الليبرالية والمرحلة القومية، وحتى «الزمن الجميل»، وغير ذلك. ولم يُثبت لنا أحد من المشكِّكين في تعارض هذين المسارين مع الطائفية حتّى الآن أن الإنسانية اكتشفَتْ بديالً من الثقافة القومية الجامعة، وأساسها اللغة المشترَكة، ومن الدولة الوطنية وقوامها المواطنة، بما فيها الحقوق السياسية والاجتماعية، بوصفها أدوات في الاندماج تخترِق انقسام المجتمع إلى جماعات عشائرية أو جهوية، أو طوائف تبعية دينية ومذهبية تدار علاقاتها بالتعايش والاحتراب، وقد تتحوَّل إلى أساس للِّاعات السياسية.... ومن غرائب العصر أَن ينقسم العرب العراقيون إلى طوائف، في حين يصرّ الأكراد في العراق نفسه على تشكُّلهم القومي الكردي المتجاوز للوطنية العراقية، فتهمش المواطنة العراقية وهوية العرب العراقيين العربية في الوقت ذاته. وفي الحالةِ السورية، كان الأكاديمي والمناضل الوطني السوري العضو الدائم في الكتلة الوطنية السورية إدمون رباط يوضح للجميع منذ عشرينيات القرن العشرين أَن سورية دون العروبة طوائفُ وأقلّيات، وأَن العروبة طريق بنائها كدولة، وأن «‹الفكرة - القدوة› التي تستطيع أن تواجه النظام الطائفي، وتوحد السوريين وتوجههم نحو هدف مشترك هي ‹الشعور القومي العربي»›.
هذا واضح بالنسبة إليّ أكثر مِن أَي وقت مضى، وسبق أَن خصَّصتُ له في سنة 007 هو 2 كتابًا كامال المسألة العربية. ربما يقال لي إن الحلَّ هو الديمقراطية والليبرالية وحقوق المواطن. فأجيب بأني لا أتحدث عن الحلول، بل عن السِّياق التاريخي والأُطر التي تصبح فيها هذه حلوالً ممكِنة؛ فالديمقراطية والليبرالية كلٌّ على حدة، ولقاؤهُما سويًا في الديمقراطية الليبرالية غير ممكن خارج سياق ذلك المشترك الذي يجمع الناس، وفيه تبني «نحن» متخيلة عابرة للجماعات المحلية والطوائف وتتيح التعدّد داخلَها بدَل الانشطار في حروب أهلية؛ ولا خارج الدولة الوطنية الحديثة وأساسُها المواطنة. وأَي بحث جدِّي عن صعود الطائفية السياسية في منطقتنا لا بد أن ينتهي بسطر أخير طويل عريض هو أن الطائفية السياسية رفعَتْ رأسها في بلادنا وازدهرت مع فشل هذين المسارين في العقود الخمسة أو الستّة الأخيرة. ويبدو أن العروبة -رغب في الإلحاح هنا على ذلك وأَ - ليست نقيض الدولة الوطنية في المشرق العربي، بل هي من أُسس وحدهتِا، وأَن بديلها ليس الوطنية وإنما التمزُّق الطائفي بل والاجتماعي والمناطقي، فالعروبة والوطنية متكاملتان. ليست القومية العربية هي التي قوَّضت الوطنية في المشرق العربي بل الاستبداد الذي استَخدم الأيديولوجيا السياسية القومية لخدمة سيطرته ونظُمه السياسية، وفرضَها على العرب وغير العرب، وأجَّج الطائفية، ومنع تكوُّن المواطَنة بوصفها انتماء إلى الدولة، ومركبًا حقوقيًا لا جيُربَُ الفردُ على المرور عبر الطائفة أو العشيرة أو الولاء للسلطان لممارسته. وما الأدبيات العربية التي يمكن تصنيفها نقدية إ سيل من معالجات لا تتوقَّف بتسميات مختلفة لفشل هذين المسارين. ولن أتطرّق هنا إليها، ولكني أتوقَّف عند ملاحظتنيْ أراهما مهمّتنَيْ: أُولاهما أن على الرغم من عبور القومية العربية الطوائف وتبنّيها خطابًا يسمِّيه البعض علمانيًا بهذا المعنى الفريد، كمضادٍّ للطائفية بالدولة (وهو ليس المعنى الصحيح للعلمانية تاريخيًا ومفهوميًا)، فهي غالبًا ما تملّقَت التدين الشعبي (وهو نمط التدين الأكثر عرضة للتطييف)، واختّذت مواقف ضد الأقلّيات الدينية، ولا سيما في أثناء صراعها مع الإسلام السياسي، أو ارتكزت على أقلّيات طائفية، ولا سيما في حالة محَْلها أيديولوجيا تبريرية بواسطة العسكر الذين تحدَّروا مِن الريف واستندوا إلى قواعدهم الاجتماعية فيه، وهُمْ في الحُكم. ولم يكتفِ كثير من مثقَّفي الاستبداد العرب بهذا، بل عَدُّوا تأييد الاستناد إلى طائفة الأقلّية علمانية، واعتبروا نقدها تجاوزًا للعلمانية. لقد أصبحت طائفية الأقليات تُعَدُّ علمانية، أمَّا تحييد الدولة في الشأن الديني فلم يَلْقَ الاهتمام اللازم، ولا سيما أن العلمانية غالبًا ما تعني في عرفهم تقديس المستبد ودولة الاستبداد. وفي المقابل وقَع كثير من مناهضي الاستبداد في وَهْم الاستغناء عن الديمقراطية وشرطها الأساسي حكْم القانون، والمساواة أمام القانون، والحقوق المدنية، والاستعاضة عنها بطائفية الأغلبية، بوصفها شكالً من أشكال الديمقراطية التي أصبحت مثل جراب الكردي، مع الاحترام للأكراد. وثانيتهما أن الدولة الوطنية فشلت في بناء الأُمّة المواطنية لأسباب كثيرة تفاوتت بين الدكتاتوريات العسكرية التي حملت غالبًا أيديولوجيا قومية عربية، والأنظمة الملَكية التقليدية، واشتركت في الاعتماد على الولاء للحكم أساسًا للامتيازات من جهة والقمع من جهة أخرى، وليس الاعتماد على المواطَنة أساسًا للحقوق.
في رأينا أن التحدِّي الكبير الذي وضعَتْه الظروف التاريخية للمشرق العربي الكبير أمام الباحثين العرب في موضوع الطائفية، ينقسم إلى اثنين: أوَاّلً، رَصْدُ تحوُّل الطائفة الاجتماعية إلى طائفة سياسية تتخطَّى تمييزات نظام الملَِل وسياساته إلى بلورة الجماعة؛ وثانيًا، رَصْدُ عملية تحويل الجماعات أو الديانات والمذاهب «الأخرى»، وتفكيكها إلى أقلّيات قياسًا بأكثرية طائفية... وصوالً إلى تصرّف الأكثريات بعقلية طائفية. وهذا ما لم يكن قائامً بصورة دائمة. ثمة صيرورتان للتحوّل إلى أقلية: الأولىصيرورة تحويل تاريخي للجماعات إلى أقليات في عملية طويلة ومعقَّدة، بما هي تحوُّل الجماعات الأكبرِ ديموغرافيا من ناحية الحجم إلى أقلّيات بالمعنى العددِي. هذه صيرورة تاريخية قلما تذكرها الأكثرية الحالية، وهذا يعيق فهم الفرق بين أقلية أصلانية وأقلية مهاجرة، ويعيق فهم ذاكرة أقلية كانت يومًا ما أكثرية، وتأثير هذه الذاكرة في مشاعر الغبن. والثانية صيرورة تحويل المواطنين إلى أقلّيات من دون تغريّ وزنهم الديموغرافي، وذلك بالتعامل معهم بتصنيفهم بحسب انتماءاتهم الدينية في الخطاب السياسي السائد. هذا وحده كفيل بتحويلهم من مواطنين إلى أقلِّيات. إن تقسيم المواطنين إلى أكثريات وأقليات بموجب عقيدتهم الدينية، سواء أكانوا مؤمنين أم غير مؤمنين، هو عملية تحويل إلى أكثريات وأقليات؛ فالتصنيف والإحصاء أداتا سيطرة تعربّان عن سياسات قوة من نوع معنيّ، وتساهمان في صنع الواقع، وليس فقط في تصويره وتحليله. إن الأكثرية التي تعني نفسها كأكثرية طائفية هي طائفة، وهي بالتالي ليست أكثرية فعالً بل هي أقلية مقلوبة. في إمكاننا نظريًا تخيّل طائفة اجتماعية لها بنية ووظيفة وحدود على مستوى المجتمع الأهلي، وهي ووظيفتها مشروعة، وقد تكون ضرورية في حالات. وليس بالضرورة أن تتحوّل هذه إلى طائفة على المستوى الوطني، ثمّ إلى قوّة سياسية ذات مظالم ومطالب متعلّقة بها، وأخرى متعلّقة بمشاركتها في الحُكم أو بالمطالبة بتغيير نظام الحكم لا إلى نظام أعدل، بل إلى نظام يضمن مشاركتها مقياسًا وحيدًا للعدالة التي تفهمها. العدالة هنا تعني المحاصصة، والعلاقة مع السلطة ليست علاقة تداول بين قوى سياسية ولا علاقة ائتلاف بين قوى لإدارة الدولة، بل هي علاقة استحواذ وتملّك من جهة ما يسمّى الأكثرية، ومطالبة بحصة من قِبل الأقلية. والحقيقة أن الأكثرية والأقلية هما أقليتان، والحاكم ليس الأكثرية ولا الأقلية بل الناطقون باسم كلٍّ كهويات. إن البنى والوظائف والحدود الاجتماعية للطوائف معروفة في سياقها الاجتماعي التاريخي، سواء على مستوى الحماية والتضامن، أو على مستوى الطقوس والشعائر التي تعيد إنتاجها، أو على مستوى منع الزّواج المختلط مع الطوائف الأخرى، وحتّى التخصّص بوظائف اقتصادية معينة في بعض الحالات بحسب علاقتها بمسائل مثل ملكية الأرض والحِرَف والتجارة، وغير ذلك. كما أن الطائفة الاجتماعية، بحُكم تعريفها، هي في رأينا ذات طابع محيلِّ. وتكمن المشكلة في تحوِيلها إلى طائفة تتجاوز حدود الجماعة المحلية، فهذه غالبًا تترافق مع نشوء أَدوات بناء الجماعة المتخيلة، كما في حالة القومية. وتُرافَقُ عادةً ببدء نشوء المجتمع الجماهيري بأفراده المتذرِّرين، أَي المتحرِّرين من التبعية للجماعة العضوية.
في ظروف نشوء مجتمع الجماهير، لا يمكن إعادة إنتاج الطائفة بأدوات الانتماء إلى الجماعة المحلية فقط. وتنشأ هنا حالات أَدلجة الطائفة بواسطة إعادة إنتاجها جماعةً متجانسةً عابرةً للمكان والزمان، وتدبير ذلك بأدوات الاتّصال والتنظيم الحديثة. ويرتبط هذا غالبًا بدور سياسي ووظيفة سياسية، ولا سيما أن الجماعة المتخيلة قائمة على أساس التبعية لمذهب أو لدين وتنافس طوائف أخرى، وجماعات متخيلة مثل القومية والحزب السياسي والأيديولوجيات على أنواعها. ونحن نرى أنه يمكن بسهولة مراجعة ذلك تاريخيًا في: كيف تحوّلت الطوائف المحلية في البلدات أو المدن إلى طوائف ذات طابع قُطْري (ومتجاوز للدول في أحيان قليلة) في تيارات مذهبية سياسية ترعاها دول إقليمية في بعض الأحيان؟ ومتى؟ ولماذا؟ وليس بالضرورة أن يكونَ هذا التتابع النظري تاريخيًا؛ فمجرى الأمور التاريخي مختلف عن النظري، ولا توجد فيه نماذج نقية عن الطائفية الاجتماعية أو السياسية؛ فهذه وظائف انفصلت تدريجيًا، ولم يكن في الواقع التاريخي نماذج نقية قائمة بذاتها. يمكننا رصد نشوء المذاهب الإسلامية تاريخيًا بسهولة، وثمّة دراسات متقدّمة في هذا الموضوع. ولكن رصد تحوُّل أتباعها إلى طوائف اجتماعية منفصلة وذات حدود ثابتة نسبيًا هو مهمّة أصعب في التاريخ، كما هي الحال في تاريخ بغداد في القرن الرابع الهجري بصورة خاصة، ومن ثمَّ في تبريرات الصراع العثماني - الصفوي الطويل، وآثاره، وما صاحبَه من تسنين وتشييع بقوّة السَّيف. ولكنني أَدعو إلى تأَمُّل نقدي في فكرة تحوُّل هذه الطوائف إلى جماعات ذات وظيفة سياسية تطمح إلى المحاصصة وتعمل من أجلها؛ لأن السياسة في ذلك العصر لم تكن وظيفة قائمة بذاتها، ولا كانت الدولة قائمة كوظيفة منفصلة عن المجتمع. ولكن يصحُّ هذا إذا كان المقصود هو الصراع على الاعتراف بحقِّ تفسيرها النصّ، وحقِّها في ممارسة عاداتها... والأهمُّ مِن هذا وذاك الصراع على السلطان، أَو على الحظوة لديه والقرب منه. ومع ذلك، يمكن ملاحظة بدايات هذا التحوُّل في نشوء الدولة الفاطمية كمرحلة أُولى، وتحوُّل أهل السنّة والجماعة من جماعة علماء معارضين للمعتزلة أو للتصوُّف أو لغيرهما من «البدع» إلى «فرقة ناجية» تارة، أَو تعبئة العامّة كمِلّة مستنفرة ضد الدولة الفاطمية تارة أخرى. ويمكننا أن نحدِّد بدقّة متى نشأَ المذهب الاثنَيْ عشري وتحوَّل إلى مذهب فعالً في التاريخ أيضًا في المرحلة التاريخية نفسِها. ولكن يصعب أكثر تحديد متى حتوَّل أتباعه إلى طائفة، فمن الواضح أن هذا التحول صيرورة طويلة المدى. ويمكننا القول إنه تبلور كمذهب إمامي مقابل الفرَق الشيعية الأخرى، ولكن تحوُّله الرئيسي بوصفه طائفة جرى، في مرحلة تالية، بين مدٍّ وجزْر وتحولّات كبرى ذات علاقة بالتغيرات السكّانية والجغرافية، ولكنه صعد على مسار التطييف بمعنى تحويله إلى ممارسات يمكن لجماعة كبيرة من البشر الالتزام بها في خضمِّ الصراع بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية على العراق. وهذا هو الأخطر والأكثر تأثيرًا، على الرغم من فصول السلّام والمعاهدات الدولية بين العثمانيين والإيرانيين. أمّا المرحلة الثالثة، فهي مرحلة التنظيمات وبدء تحويل أهلِ الذمّة إلى جزء من كُلٍّ بالمعنَينَيْ، طوائف ومواطنين جزئيًا في الوقتِ عينه، ثمّ تدخُّل الاستعمار لحماية ما أصبح يُعرف فجأة بالأقلّيات (بلغة الأوروبيين) وقيامه بمأْسسة المحاصصة الطائفية في إدارة مجلس جبل لبنان في إثْر مذابح سنة 1.860
في هذه المرحلة يندرج تحوُّل الطوائف الاجتماعية من جبل لبنان إلى نوع من الطوائف السياسية مع إعادة تعريف الغرب أو استغلاله نظام الامتيازات، ولحماية الطوائف في المراحل الأخيرة من تاريخ الدولة العثمانية، ثمّ تسييسها تمامًا في النظام الطائفي السياسي الوحيد في المنطقة العربية في لبنان منذ نشوء نظام المتصرفية وحتّى الآن، على الرغم من أن الدستور اللبناني الراهن المنبثق عن اتّفاق الطائف يقوم على ضرورة إلغاء الطائفية السياسية، ولكنه يعيد إنتاجها. وحتّى في التاريخ اللبناني ما بعد الاستقلال بسنوات عدة، كان التوزيع الطائفي عرْفًا، وكان يمكن لمسيحي أرثوذكسي مثل حبيب أبو شهلا في سنة 9471 أن يشغل منصب رئيس مجلس النوّاب، لكن الدولة اللبنانية مأْسست المحاصصة الطائفية في بناء أجهزتها، كما مأْسست تشكيل المجالس الطائفية ذات السلطات في نطاق طوائفها على نحو أَعلى كثيرًا ممّا مارسته سلطات الانتداب الفرنسي التي زرعت عملية المحاصصة الطائفية.
يمكن مراجعة تاريخ الطوائف والطائفية في العراق والاستنتاج بسهولة أن ما من تاريخ له في الطائفية السياسية، على الرغم من أنه لم يخلُ من الخصومات الطائفية، وأن تحويل الطائفية الاجتماعية إلى طائفية سياسية هو من نتائج التدخُّل الأميركي في العراق ورضَْ ب الدولة، والتدخُّل الإيراني في المعارضة العراقية قبل ذلك، وبعده في النظام الذي قام بعد الاحتلال. ولم يتحوَّل النظام العراقي إلى نظام سياسي طائفي دستوريًا، بل حدث ما هو أَسوأ؛ فالنظام الطائفي الدستوري يمنع التحوُّل الديمقراطي، ويصلّب المحاصصة لتصمد في وجه المتغيرات، حتّى الديموغرافية منها، ولكنه يضمن على الأقل تمثيل الأقلّيات وحقوقَها، وغالبًا ما يحميها التوافق الطائفي المنظَّم إلى أَن تثْبت هشاشته؛ ففي العراق جرى تبنّي نظام ديمقراطي، من حيث الشكل، فرضه الاحتلال وفرض معه تنظيم السكّان سياسيًا على أساس طائفي، وتعامُل الدولة معهم على الأساسِ نفسه، وهو ما جعل الديمقراطية أداة في تطييف الدولة وأجهزة القمع، مع تهميش الطوائف الأخرى. وهذا بالطبعِ أَسوأ من النظام الطائفي. إنها سياسة طائفية تسخِّر الديمقراطية الشكلية ولا تقدِّم أي حماية للأقلّيات على أنواعها. وفي العراق اعترف مجلس الحكم بالكرد كقومية، بينما عُدَّ العرب شيعةً وسنّة.
يُثبت تاريخ المشرق العربي الحديث أنه إذا وقع التدين السياسي في مجتمعات متعدّدة الطوائف وتعاني في الأصل عدم استقرار في هويتها الوطنية أو القومية، فإنه يؤُول بالضرورة، وبغضّ النظر عن نشوئه، إلى طائفية سياسية، حامالً معه فكره السياسي الديني، سواء أكان سلَفيًا أَم أصوليًا أَم إصلاحيًا... ويَستخدم الطائفية في التحشيد خلْفَه. وفي حالة السلفية الجهادية التي امتدَّت مؤخّرًا إلى دول المشرق والتقتْ مع صعود قوّة الطائفية وتراجُع الدولة الوطنية وضعفها في زمن الثورات، ولا سيما حيث ارتبطت وحدة الدولة بالاستبداد، وقع لقاء شديد الانفجار بين السلفية الجهادية والطائفية. ولهذا، ليس من مفارقة في أن السلفية الجهادية ونموذجها الداعشي يمثلّان اليوم أكثر الفرَق الطائفية الإسلامية الجديدة في الاستدعاء الانتقائي والاستنسابي والسياساتي العصبوي والعدواني المباشر للفتاوى الطائفية في التاريخ
الإسلامي. قبل حصول هذا الل قاء، حادت الطائفية الاجتماعية والسياسية المتولِّدة عن تهميش الغالبية في ظلِّ استبداد في مجتمع متعدِّد الطوائف، بالنضال التحرُّري عن هدفه الأصلي، وهو التحرّر من الاستبداد، وإقامة نظام سياسي يحفظ حقوق الناس المدنية وكرامتهم وحرياتهم. ولكن السلفية الجهادية في حالة السياسة الطائفية لا تقوم فقط بتهميش عنصر التحرّر في النضال ضد الاستبداد وبحرْف النضال الثوري عن هدفه الأصلي من أَجل التحرر من الاستبداد إلى نزعات طائفية، ولا تكتفي بالمطالبة الطائفية بإشراك الطوائف المضطهَدة بحصّة أكبر، بل تذهب أيضًا إلى نفي الآخر وتكفيره، وليس ذلك من شروط اللعبة الطائفية. إن السلفية الجهادية لا تعترف بالطوائف الأخرى أصالً، بل جتُري عليها أحكام أهل الذمّة في أَسوأ تفسيراتها الفقهية والسلوكية وأفظعها، مستلهمة مِن أسوأ المراحل في تطبيقها في التاريخ الإسلامي، والتي غالبًا ما تنسب إلى أكثر الحكَّام تَقْوى في خطاب الجماعات الإسلامية، وأكثرهم تقرُّبًا من العلماء المتشدِّدين والعامّة بحثًا عن الشرعية. (المتوكّل، وفتاوى ابن تيمية في مذبحة كسروان في سنة 507 ه/ 3051 م، وتعصّب سياسات سلاطين المماليك ضد الجماعات الأخرى، مسيحية وإسلامية، وفتاوى ابن كمال باشا في إبادة «الرافضة» في الثلث الأول القرن السادس عشر. ومن المثير أن هذه الأخيرة بُعثت، على الرغم من تاريخها العثماني- الصفوي المحدد والشديد الخصوصية والتعقيد، من رفوف الكتب والمصنّفات التي تدرّس في تاريخ الفتاوى مثالً، أو في بعض مراحل الصراع العثماني - الصفوي إلى فتاوى تدعو إلى العمل بها، وكل ذلك في مجرى نشوء الطائفية الجديدة، فهذه الأخيرة تخلق مناخًا تعصبيًا طائفيًا جديدًا يتسم بقدرته الذاتية على إنتاج نفسه، كما قد لا يكون مثيرًا أن يكون بعض باعثيها الشعبويين غير متدين). وبغضّ النظر عن الفروق بين تفسيرات أحكام أهل الذمّة منذ الخليفة عمر ابن الخطاب وحتى تفسيرات الحركات الإسلامية في عصرنا، يبقى الأساس هو أنهم لا يشكلون مع المسلمين أمة واحدة. من هنا، فإن التشديد لا يقتصر على ما حيُظر عليهم وما يُتاح لهم في عملية ممارسة العقائد ذاتها، فضالً عن الفرق في المكانة الاجتماعية والقانونية، بل يشمل في الأساس أيضًا عدم تشبههم بالمسلمين وعدم تشبه المسلمين بهم... فهم والمسلمون لا يشكلون أجزاء من كلٍّ واحد، ولا يشكّلون طوائف مختلفة. لذا، فإن العودة إلى أحكام أهل الذمّة بصرف النظر عن تفسيراتها هي ارتداد ليس فقط عن المواطَنة بل أيضًا عن مفاهيم مثل الوطن والقومية والدولة (المقصود هو الدولة بمفهومها الحديث وليس التسمية ذاتها). يُضاف إلى ذلك أَن الطائفية ترتبط تاريخيًا، بموجب تحليلِنا، برسم حدود الطوائف واستقرارها، ثمّ سعيها لتحصين منزلة ومكانة وحصّة ضمن الكُلِّ الجديد، أالَ وهو الدولة الوطنية، ولو على حساب حقوق أفرادِها. أمَّا هذا النمط الهجين من الطائفية والسلفية الجهادية، فهو تقليد مشوَّه ومسيّس للفتوحات وحملات الدعوة ونرشْ الدين. وهو ليس بالضرورة مرتبطًا بالطائفية، هذا إذا استثنينا تركيب الظاهرة سياسيًا من قبل عوامل سياسية. وعلى كل حال، اجتذبت هذه الظاهرة الفظيعة من الاهتمام الإعلامي والمخاوف الحقيقية والمضخمة ما غطى على جرائم أفظع كثيرًا (ك ونوعًا، إذا صح هذا التصنيف)
ارتكبها الاستبداد. ومع أنها ليست بحد ذاتها ظاهرة طائفية حصرًا، فإنه يصعب فهم انتشارها خارج سياق المظلومية الطائفية. كما أن أصحاب هذه الظاهرة قتلوا من السنّة، أي من «طائفتهم» المفترَضة المتخيلة، في سورية والعراق أكثر ممّا قتَلوا من أبناء الطوائف الأخرى؛ فَهُمْ تكفيريون وليسوا طائفيين فحسب. إنهم يمثِّلون نكوصًا إلى مرحلة ما قبل الطائفية التي نعرفها إلى مرحلة الحروبِ الدينية. هذا إضافة إلى أنهم لا ينتَمون إلى أي حدود معروفة لطائفة، بل يمثِّلون إحياءً كارثيًا مشوّهًا لمفهوم الأمّة والخلافة، ما قبل الدولة، وما قبل حتّى الطائفية المعترضة على الدولة. ولا يمكن أَن تنتهي هذه الردَّة الكبرى عن التمدُّن العربي إالّ بمأْساة. وهي تثير نقاشًا مستمرًّا بخصوص تشويهها الإسلام الحقيقي. فهل من شيءٍ اسمه الدين الحقيقي؟ لا شكَّ في أن لكلَّ ممارسة يقوم بها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) سندًا في كتابات السلَف، وفي ممارسات بعض السلَف، مع أنه سند انتقائي واستنسابي واستدعائي خارج تاريخه بكلِّ تأكيد.. وفي رأيي أن مسألة ادِّعاء الدين الحقيقي هي في الأصل زائفة؛ لأنها تخلط بين الدّين - بالأحرَى فَهْم الدّين - والتدين، وقد وصلَتْ مع «داعش» إلى نهايتها القصوى الكارثية، وليس عندي شك في أنه سوف جتَرِي بعدها مراجعات علنية لأمور كثيرة كان مسكوتًا عنها في تاريخنا.ُ