Return to Article Details The Neo-Patrimonialist State in the Arab Levant: On the Logic of Group Solidarity and the Reproduction of Sectarianism

الدولة النيوباتريمونيالية في المشرق العربي في المنطق العصبوي وإعادة إنتاج الطائفية

The Neo-Patrimonialist State in the Arab Levant: On the Logic of Group Solidarity and the Reproduction of Sectarianism

أشرف عثمان*

الملخّص

تموضع الورقة فرضيتها الرئيسة بالتركيز على غياب/ تغييب الدولة الوطنية الحديثة في المشرق العربي لصالح نمط آخر من الدولة هو الدولة النيوباتريمونيالية، حيث تجري إعادة إنتاج متواصلة للبنى التقليدية وتحويلها إلى شبكات باتريمونيالية، وعوضاً عن تنظيم علاقة دولة ــ مواطن على أساس مبدأ المواطنة جرى / يجري تنظيمها على أساس زبوني وعبر أساليب وقنوات غير رسمية. تنظر الورقة إلى التسلطية كأحد خصائص أو ملامح الدولة النيوباتريمونيالية وإلى فهم توسعة الجهاز البيروقراطي كتمديد للشبكات الباتريمونيالية. وهي الشبكات التي يُمكّن تفحصها في علاقتها بخطوط التقسيم الإثنية من تحسين حظوظنا في فهم حالة الانبعاث الطائفي التي تختبرها مجتمعات المشرق العربي.

Abstract

In the post-2011 escalation of the crisis of the state in the Arab Levant, analysts often concentrate on vertical divides to explain the crisis facing Arab states in their efforts to create democratic systems, or to prevent civil war. This paper is an attempt to move away from previous analyses which are rooted in a cultural approach predominant in research tackling sectarianism. The cultural model explains the difficulty of assimilation as being down to the continuance of sectarian and identitarian structures. It also explains the continuity of these very same structures as being down to the difficulty of assimilation. This circularity cannot be broken other than by taking the issue of sectarianism out of its anthropological space and placing it within the political, or more accurately socio-political, space. This paper suggests working on the question of sectarianism in its relation with the crisis in the model of the state. As part of this approach, it is not possible to explain the continuation of the issue of sectarianism in terms of the specific features of sects of the mosaic nature of the Arab subject, but only by a return to the prevalent forms of modernization and models of the states this has engendered. The paper situates its main theses in the focus on the absence/disappearance of the modern nation state in the Arab Levant in favor of another model of the state, namely the neo-patrimonnialist state, where an ongoing reproduction of traditional structures and their transformation into patrimonial networks is found, and where the organization of the state-citizenship relationship is substituted by a form of citizenship on a clientalist basis and through unofficial practices and channels.

الكلمات المفتاحية:
  • نيوباتريمونيالية
  • بنى هوياتية
  • الزبائنية
  • فضاء أنثروبولوجي
  • إنتاج الطائفية
Keywords:
  • The Neo-Patrimonial State-Arab Levant
  • Asabiyyah
  • Democratization
  • Nation-state
  • Identity Structures

في المنطق العصبوي وإعادة إنتاج الطائفية

في التصاعد الحالي - ما بعد سنة 2011 - لأزمة الدولة في المشرق العربي، كثيرًا ما يركز

المحللون على الانقسامات الأفقية لتفسير الأزمة التي تواجهها الدول والمجتمعات العربية

في مساعيها لإقامة نظم ديمقراطية، أو حتى لتجنب مخاطر الحرب الأهلية. يقدم الوضع

القائم في سورية والعراق والنزاعات العنيفة التي تشهدها هذه المجتمعات نماذج حية

للدور الذي يمكن أن تؤديه الطائفية في قطع الطريق على اكتمال تأسيس الدولة القومية

وفي إفشال التحولات الديمقراطية. وشيئًا فشيئًا يكاد الرأي العام في المنطقة يستسلم لفكرة

قبول الطائفية والنزاعات الطائفية كما لو أنها عاهة ولادية مرتبطة ببنية المجتمعات ذاتها.

يسعى البحث هذا إلى إنجاز انزياح عن التحليلات السابقة المتجذرة ضمن اقتراب ثقافوي

يبدو أنه بدأ يهيمن على الأبحاث التي تتصدى لسؤال الطائفية. فالنموذج الثقافوي يفسر

عسر الاندماج في تواصل البنى الطائفية والهوياتية، كما يفسر استمرار هذه البنى نفسها بعسر

الاندماج، وهي الدائرة التي لا يمكن الخروج من أسرها إلا عبر الخروج بالسؤال الطائفي من

الفضاء الأنثروبولوجي إلى الفضاء السياسي، أو بعبارة أدق الفضاء السوسيو- سياسي.

ويقترح البحث الاشتغال على سؤال الطائفية في علاقته بأزمة نموذج الدولة. وضمن هذه المقاربة

لا يمكن تفسير استمرار المسألة الطائفية بالخصائص الذاتية للطوائف أو الذات الفسيفسائية

العربية، بل بالعودة أساسًا إلى أنماط التحديث السائدة ونموذج الدولة الذي تأسس بموجبها.

يموضع البحث فرضيته الرئيسية بالتركيز على غياب/ تغييب الدولة الوطنية الحديثة في

المشرق العربي لمصلحة نمط آخر من الدولة هو الدولة النيوباتريمونيالية، حيث تجري إعادة

إنتاج متواصلة للبنى التقليدية وتحويلها إلى شبكات باتريمونيالية. وعوضًا عن تنظيم علاقة

دولة - مواطن على أساس مبدأ المواطنة، جرى / يجري تنظيمها على أساس زبوني، وعبر

أساليب وقنوات غير رسمية. وينظر البحث إلى التسلطية بوصفها إحدى خصائص أو أحد

ملامح الدولة النيوباتريمونيالية، وإلى فهم توسعة الجهاز البيروقراطي كتمديد للشبكات

الباتريمونيالية، وهي الشبكات التي يُمكّن تفحصها في علاقتها بخطوط التقسيم الإثنية من

تحسين حظوظنا في فهم حالة الانبعاث الطائفي التي تختبرها مجتمعات المشرق العربي.

شتاء 2015

مثّلت الدولة - الأمة في القرون الأربعة الأخيرة محور الاندماج الاجتماعي، أو ما يُعرف

ب«بناء الأمة». وإذا كانت الأمة بمعناها «الإثنوغرافي» ترتد إلى ما قبل هذه الدولة، فإن تشكّل

الدولة أدى دورًا استراتيجيًا في تخلّق الأمة وتحقيق اندماجها أو تكاملها حول هوية مركزية كلية متجانسة

تمثّل محور الولاء. يدل مفهوم الدولة - الأمة من هذه الزاوية على العلاقة العضوية بين الدولة والأمة،

وهي علاقة متضايفين يعزز كل منهما الآخر ويتكرر فيه، لا علاقة شيئين منفصلين. في المشرق العربي، كانت الظاهرة الأكثر بروزًا في التاريخ القريب هي طموح الحركات الوطنية والقومية

وحماستها واندفاعها إلى تأسيس أو إعادة إنشاء دول حديثة تشكّل حجر أساس البناء الوطني ومسار

تكوين الأمة. وظهرت الدولة كاستمرارية تاريخية تتخطى الحدث الاستعماري وتبني مشروعها على

أنقاض الولاءات الاجتماعية التقليدية والموروثة والهياكل والمؤسسات الاستعمارية. وعرضت نفسها

منذ البداية باعتبارها الصعيد الأعلى الذي يأخذ على عاتقه مهمة تحويل المجتمع وتبديل قيمه وغاياته،

رابطةً حصولها على الشرعية بمقدار ما تثبت مقدرتها على تحقيق اندراج المجتمع في التاريخ الحديث.

من هنا برزت الدولة بصورة مطردة كسمة سائدة، ونمت بصورة مثيرة من حيث الحجم والإيرادات

والقدرة القمعية، كما أنها تمتعت- في بداياتها على الأقل- بدرجة من الشرعية، وشرع بعضها - مصر

والعراق وسورية - في مشروع قومي إصلاحي يقوده أساسًا ضباط عسكريون وشريحة من الطبقة

الوسطى، فيما اتخذ بعضها الآخر - الأردن بالذات - سمات ذات طابع تقليدي وأبوي صريح، مع بقاء

لبنان كحالة خاصة. بعد الحرب الأميركية على العراق سنة 0032، نشأ وضع جديد - سيتكرر سنة 0112 في حالة سورية -

بدا فيه أن المطروح من جديد ليس مسألة السلطة فحسب، بل أيضًا مسألة شرعية الكيانات السياسية

برمّتها، والأسس التي قامت عليها؛ فقد تبين في حالة العراق أن السلطة موحدة الدولة وهي أساس

الدولة وركيزتها، ليُطرح بحدّة سؤال مستقبل الدولة، وإن تكن الدولة في المشرق العربي كائنًا راسخًا

وقادرًا على الاستمرار. أعاد الوضع العراقي الاعتبار إلى أطروحة كان قد تقدم بهامحمد جابر الأنصاري مفادها أن «في عملية

النمو التاريخي للسلطة والدولة في المجتمعات العربية المعاصرة، ليس من السهل الفصل الواضح بين

ما للسلطة وما للدولة، فالسلطة هي التي تبني الدولة ومؤسساتها وأجهزتها... إن السلطة هي حاضنة

الدولة وليس العكس، أو كما يجب أن يكون». تأسيسًا على هذه الرؤية، كان تحليل الأنصاري يريد

أن يستنتج أن كيان الدولة العربية ما زال لا يحتمل التعددية الديمقراطية؛ فالتعدديات العصائبية

المترسبة لم تنصهر بعدُ في بوتقة الدولة الحديثة والمجتمع الحديث، وهذا النوع القديم من التعددية

سرعان ما يغطي التعددية الديمقراطية ويحل محلها بشكل يتجاوزها إلى ما يشبه الفوضى أو الحرب

الأهلية. وقبل قرون شخّص ابن خلدون هذه الظاهرة بالقول «إن الأوطان الكثيرة العصائب قلَّ أن

تستحكم فيها دولة»، فكيف يمكننا ممارسة الحرية والديمقراطية من دون كيان وسياج دولة يوفر لها

(((محمد جابر الأنصاري، تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية: مدخل إلى إعادة فهم الواقع العربي، ط 2 (بيروت: مركز

دراسات الوحدة العربية، 9951)، ص.190

الدولة النيوباتريمونيالية في المشرق العربي: في المنطق العصبوي وإعادة إنتاج الطائفية

البوتقة اللازمة والحامية؟ علامً بأن «الدول الديمقراطية العريقة نمت أوال، ثم استقرت من حيث هي دول ثم تحولت تدريجيًا إلى دول ديمقراطية». ولا يمكن، بحسب وجهة النظر السابقة، الحديث عن

تعددية ديمقراطية بمعزل عن بناء الأمة ووحدتها الوطنية. ذاعت الفكرة القائلة إن نشر الديمقراطية ربما يفضي ليس فقط إلى إنهاء السلطة الاستبدادية، بل أيضًا إلى انهيار الدولة بأكملها؛ فليس بعيدًا عن طرح الأنصاري اقترح غسان سلامة أن «منذ اللحظة التي ترى فيها العصبيات الخاضعة أية إشارة انفتاح في النظم الاستبدادية هي في الواقع علامة على ضعف العصبية المهيمنة يصعب عليها أن تتفادى الانزلاق نحو اتجاهات الطرد والانفلات من المركز، وبذلك تنتقل من مجرد رفض النظام الديكتاتوري إلى رفض الدولة». يستطيع متتبّع المساهمات التي قدّمها

الدارسون بشأن قضية الولاءات بأشكالها المختلفة أن يخلص إلى أن هناك معالم لإشكالية تثيرها - بل تفرضها على الباحثين - قضية التعددية الإثنية أو الطائفية، وهي الإشكالية التي تتحدد في نمط العلاقة التناقضية بين مكونات البناء الاجتماعي والصراعات الدائرة بين ذوات متناقضة يُفترض فيها تشكيل

ذات واحدة منسجمة نسبيًا. من هنا، تواتر في التحليلات بخصوص الأزمة التي تحيق بالدولة

والمجتمعات العربية استخدام مصطلحات إثنية وطائفية وقبلية. وبينما ينظر البعض إلى هذه الانتماءات

بوصفها عامالً أساسيًا في تكوين الهوية السياسية للمجتمعات العربية، ويعزو إليها مفاعيل استثنائية

في تطور النظم السياسية والقيم الاجتماعية، يرى فيها البعض الآخر ثمرة تلاعب القوى الأجنبية،

(((محمد جابر الأنصاري، «الديمقراطية ومعوقات التكوين السياسي العربي،» في: علي خليفة الكواري [وآخرون]، المسألة

الديمقراطية في الوطن العربي، سلسلة كتب المستقبل العربي؛ 91، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 0022)، ص.112

يؤسس الأنصاري على افتراض أساسي في نظريات التحديث، وهو أن المشاركة/ الديمقراطية مناوئة للنظام «القدرة/السلطة»،

وبالتالي للتحديث السياسي. وهناك ميل في دراسة التحديث إلى إعطاء النظام الأولوية على المساواة، وهذا الميل يفترض مسبقًا

المراحل أو المتواليات، حيث تؤخَّر المساواة إلى أن تصبح سلطة الدولة قوية بالقدر الكافي للتعامل مع المدخلات «المطالب»

الاجتماعية التي يزعم أنها تعطّل بناء الدولة والأمة على السواء. ومع أن البحث ليس في مجال نقد هذا الطرح، لكن، إذا كان جوهر

الأطروحة هو عدم إمكانية ظهور ديمقراطية في دولة غير مكتملة النمو وعدم احتمال ظهور ديمقراطيات عربية بلا مجتمعات مدنية، إذا

كان الأمر كذلك، أليست الديمقراطية طريق تكوين المجتمع المدني، وتحويل التعددية الثقافية والتعددية الطائفية إلى تعددية سياسية

وتعدد برامج ومشاريع؟ أليست الديمقراطية إقرارًا بواقع الاختلاف والعمل على تدبيره في إطار من التنافس السلمي الديمقراطي

وتداول السلطة، وفسحًا في المجال لمشاركة حقيقية لكل مكونات المجتمع المتعدد، ونقالً للاجتماع الانقسامي إلى حيّز السياسي؟

(((غسان سلامة، «أين هم الديمقراطيون،» في: جون ووتربوري [وآخرون]، ديمقراطية من دون ديمقراطيين: سياسات الانفتاح في

العالم العربي/ الإسلامي: بحوث الندوة الفكرية التي نظمها المعهد الإيطالي «فوند اسيوني ايني انريكو ماتيي»، إعداد غسان سلامة،

ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 0002)، ص.18

(((أدخل ج. س. فيرنفال مصطلح التعددية حيّز التداول في حقل الدراسات السياسية أول مرة عقب الحرب العالمية الثانية، مستوحيًا

المصطلح من واقع دراساته عن جنوب شرق آسيا، ولا سيما بورما وجاوا، حيث لاحظ أن هذه البلدان تحتضن، إضافة إلى سكانها

الأصليين، جماعات عدة وافدة من الهند والصين والبلدان الأوروبية. إن الفكرة الرئيسية التي تتمحور حولها التعددية الإثنية هي أن

بعض الجماعات الوطنية ينطوي على انقسامات بين المجموعات المختلفة التي تؤطرها بنية اجتماعية وسياسية واحدة، وقد تكون

أسباب الانقسامات ذات طبيعة عرقية أو دينية أو ثقافية أو غير ذلك، وهي من التجذر بحيث تنعكس على البنية السياسية المجسدة

بالدولة والنظام السياسي فيها. ويزداد الوضع سوءًا داخل الجماعة الوطنية - بحسب فيرنفال - إذا ما اقترن الانقسام الإثني بالتمايز

الاجتماعي أو الطبقي، لأن ذلك سوف يؤدي إلى اهتمام كل جماعة إثنية بمطالبها الخاصة، وهو الوضع الذي يمنع تكوّن أي إرادة

جماعية، لأنه يمنح ك من هذه الجماعات هيئة البنى الاجتماعية المستقلة.

بشأن المزيد من آراء فيرنفال، انظر: عبد السلام إبراهيم بغدادي، الوحدة الوطنية ومشكلة الأقليات في أفريقيا، سلسلة أطروحات

الدكتوراه؛ 32، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 0002)، ص.35

شتاء 2015

وتجسيدًا لإرادتها السرية والعلنية في تقسيم الدول إلى دويلات غير قابلة للحياة، وهو ما كان قد دفع الحركات الوطنية التي نشأت في بداية القرن العشرين إلى اتخاذ الكفاح ضد التعددية السلالية والطائفية والعشائرية شعارًا رئيسيًا من شعاراتها، وجعلها تنظر بعداء شديد إلى أي شكل من أشكال التعابير

الإثنية. في التصاعد الحالي - ما بعد سنة 2011 - لأزمة الدولة في المشرق العربي، كثيرًا ما يركز المحللون

على الانقسامات الأفقية لتفسير الأزمة التي تواجهها الدول والمجتمعات العربية في مساعيها لإقامة نظم ديمقراطية، أو حتى لتجنّب مخاطر الحرب الأهلية، بحيث لا يزال الكفاح ضد التعددية الإثنية يشكل

محور الخطابات التي ترى في استمرار وجودها عائقًا رئيسيًا أمام تطور الولاءات الوطنية.أظهرت

تجارب عدة، من التجربة اللبنانية إلى التجربتين العراقية والسورية، ومعها قابلية تجارب عربية لا تقل خطورة من حيث احتمالات التشظي والانفلات، أن هذه التعدديات والعصائب قادرة على التحول إلى تنازع أهلي حقيقي يهدد بتصدع - إن لم يكن بانهيار - البناء السوسيو - سياسي. يقدم الوضع القائم في سورية والعراق والنزاعات العنيفة التي تشهدها هذه المجتمعات، ضمن مقاربة كالسابقة، نماذج حية للدور الذي يمكن أن تقوم به الطائفية في قطع الطريق على اكتمال تأسيس الدولة القومية وفي إفشال التحولات الديمقراطية، بل إن هناك من بدأ يتحدث عن مخاوف انجرار المنطقة إلى نزاعات طائفية لن

تكون نتيجتها سوى تشظّي الكيانات القائمة، وشيئًا فشيئًا يكاد الرأي العام في المنطقة يستسلم لفكرة

قبول الطائفية والنزاعات الطائفية كما لو أنها عاهة ولادية مرتبطة ببنية المجتمعات ذاتها. نسعى في هذا المقام، وعبر التركيز على أزمة نموذج الدولة، إلى إنجاز انزياح عن هذه الفكرة بالذات. فالتحليلات السابقة متجذرة ضمن اقتراب ثقافوي يبدو أنه بدأ يهيمن على الأبحاث التي تتصدى لسؤال الطائفية. وما يجادل البحث هذا بشأنه لا يختص بالإقرار بأهمية المعطى الثقافي في تأويل مسألة الطوائف؛ إنه بشأن الطريقة التي ينظر بها النموذج الثقافوي إلى الثقافة باعتبارها العامل الحاسم والمركزي الذي يسبب وحده تناقضات الواقع الاجتماعي والسياسي. و بتتبّع هذا النموذج، سندور في حلقة مفرغة تمامًا؛

فالنموذج الثقافوي يفسر عسر الاندماج بتواصل البنى الطائفية والهوياتية، كما يفسر استمرار هذه البنى نفسها بعسر الاندماج، وهي الدائرة التي لا يمكن الخروج من أسرها إلا عبر الخروج بالسؤال الطائفي من الفضاء الأنثروبولوجي إلى الفضاء السياسي، أو بعبارة أدق الفضاء السوسيو- سياسي، وهو ما يمكن أن يسمح - في حال إنجازه - بموضعة السؤال ضمن شبكة كلية من العلاقات بحيث لا يعود يعني شيئًا

في ذاته ما لم يوضع في نظام/ نسق كلي، ويُقرأ في علاقته بأسئلة أخرى كأسئلة الديمقراطية واستعصاء

الانتقال الديمقراطي، وسياسات الهوية، والتنمية وإدارة الموارد، وسؤال الشرعية وغيرها من الأسئلة

التي تلتقي جميعها في التحليل النهائي بسؤال نموذج الدولة في المشرق العربي. يقترح البحث إذًا الاشتغال على سؤال الطائفية في علاقته بأزمة نموذج الدولة. ضمن هذا التعالق المقترح، لن يكون لا التعدد الإثني

ولا انقسام المجتمع الطبيعي إلى طوائف هو المسؤول عن تعثّر مشاريع الاندماج الوطني، ولا يشكّل

(((كنموذج لهذه المقاربة، انظر: محمد جابر الأنصاري، «إشكالية التكوين المجتمعي العربي: أقليات أم أكثرية متعددة،» في: محمد

جابر الأنصاري [وآخرون]، النزاعات الأهلية العربية: العوامل الداخلية والخارجية، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

0012)، ص.22

الدولة النيوباتريمونيالية في المشرق العربي: في المنطق العصبوي وإعادة إنتاج الطائفية

كلاهما أي لعنة أبدية أو تاريخية؛ فجميع المجتمعات مكوَّنة من جماعات متعددة ويمكن تخفيضها جميعًا

إلى مجموعة لا نهائية من الأقليات الثقافية والدينية والطائفية وغيرها. إن التعددية بكل وجوهها وأشكالها

ليست خطًا تاريخيًا ولا بنية نشازًا، لكنها الأمر الطبيعي والشائع في أي مجتمع متمدن لا يمكن أن يخفض

منطق انتظامه إلى مستوى منطق الطائفة أو السلالة الواحدة. إن استمرار المسألة الطائفية - ضمن المقاربة التي يصدر عنها البحث - لا يمكن تفسيره بالخصائص الذاتية للطوائف أو الذات الفسيفسائية العربية، لكنه يعود أساسًا إلى أنماط التحديث السائدة ونموذج

الدولة الذي تأسس بموجبها، وهو ما يفسر ليس فقط استمرار البنى الطائفية بل أكثر من ذلك - كما يقترح برهان غليون - تحوّل التحديث والعقلانية الغربية المنقولة إلى المجتمع العربي إلى أيديولوجيا لا

عقلانية، أي إلى استلاب عقلي. من هنا، يشاطر البحث ما ذهب إليه برهان غليون في أطروحته التي يدافع عنها في دراسته «نظام الطائفية: من الدولة إلى القبيلة»، وتقول إن الطائفية تنتمي إلى ميدان السياسة لا إلى مجال العقيدة والدين، وإنها

تشك - أي سوداء -ّل سوقًا موازية للسياسة أكثر ممّا تعكس إرادة تعميم قِيَم أو مبادئ أو مذاهب دينية

لجماعة خاصة. معاينة هذه الأطروحة تدفع إلى تثبيت بعض الملاحظات والتوقف عند مستويات محددة منها: الملاحظة الأولىهي أن الطائفية لا علاقة لها بتعدد الطوائف أو الديانات؛ فمن الممكن أن يكون المجتمع متعدد الطوائف الدينية من دون أن يؤدي ذلك إلى نشوء دولة طائفية أو سيطرة الطائفية في الدولة، بمعنى استخدام الولاء الطائفي للالتفاف على قانون المساواة وتكافؤ الفرص الذي يشكل قاعدة الرابطة الوطنية، وبالتالي لتقديم هذا الولاء على الولاء للدولة. الملاحظة الثانية هي أن الطائفية لا توجد في المجتمعات التقليدية ما قبل الحديثة، أي المجتمعات التي تفتقر إلى فكرة السياسة الوطنية والدولة الحديثة، ولا تقوم إلا عبر

عصبية دينية رئيسية تشكّل قاعدة السلطة المركزية وضمان وحدتها واستمرارها. وبالعكس، لا يصبح استخدام الولاءات الجزئية داخل الدولة خروجًا عن القاعدة والقانون إلا مع نشوء الدولة الحديثة التي

تقوم على مبدأ العقد الاجتماعي بين أفراد أحرار ومستقلين، تجمعهم مبادئ مشتركة ولا يحقق وحدتهم السياسية/ الوطنية إلا التزامهم جميعًا بها، ووضعها فوق انتماءاتهم الخاصة على مستوى العلاقة الكلية، أي

في علاقتهم بأفراد الجماعات الأخرى.

(((تدلل نظرة عامة على خريطة العالم على أن التعدد الثقافي يمثّل السمة المميزة لغالبية دول العالم. في هذا الصدد، كشفت إحدى

الدراسات التي أُجريت في مطلع السبعينيات من القرن العشرين أن 12 دولة فقط، من مجموع 321 دولة مستقلة آنذاك، تتمتع

بالتجانس الثقافي، بينما تراوح درجة التعدد الثقافي بين 0501 و في المئة في ما تبقى من دول، وكشفت عن أن من النادر جدًا أن نجد

دوالً متجانسة تمامًا من الناحية اللغوية أو الدينية أو القومية، باستثناء دولتي كوريا الشمالية والجنوبية اللتين تتمتعان بتجانس إثني مئة

في المئة، وبعض الأمثلة النادرة الأخرى. انظر: نيفين عبد المنعم مسعد، الأقليات والاستقرار السياسي في الوطن العربي (القاهرة:

جامعة القاهرة، مركز البحوث والدراسات السياسية، 9881)، ص.1

(((برهان غليون، مجتمع النخبة، دراسات الفكر العربي (بيروت: معهد الإنماء العربي، 9861)، ص.22

(((برهان غليون، «الطائفية في الدولة والمجتمع،» الحوار المتمدن، 006/8/212، على الموقع الإلكتروني: <http://www.

ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=73336>.

شتاء 2015

الملاحظة الثالثة هي أن التعددية لا تتحول إلى مشكلة تهدد الحياة الوطنية إلا عندما يتغلب الانتماء الطائفي

على الانتماء إلى الجماعة الوطنية أو يمحوه أو ينازعه، عندما تصبح الطائفة هي الإطار الوحيد للتضامن

بين الأفراد، وهو ما لا يحدث إلا عندما ينهار إطار التضامن الوطني الذي يجمع الأفراد على صعيد أعلى

وأشمل هو صعيد الدولة، وتحويل الإطار الوطني العمومي إلى حامل لعصبية خاصة من الطبيعة ذاتها

تزول معها المساواة أمام الدولة. ضمن هذا الإطار، يموضع البحث فرضيته الرئيسية التي يقترح أن في إمكانها تفسير يقظة الوعي بالذوات

الطائفية، وهي التي تركز على غياب/ تغييب الدولة الوطنية الحديثة في المشرق العربي لمصلحة نمط آخر

من الدولة هو الدولة النيوباتريمونيالية، حيث تجري إعادة إنتاج متواصلة للبنى التقليدية وتحويلها إلى

شبكات باتريمونيالية. وعوضًا عن تنظيم علاقة دولة - مواطن على أساس مبدأ المواطنة جرى/ يجري

تنظيمها على أساس زبوني وعبر أساليب وقنوات غير رسمية. وإذا كان ما يشبه الإجماع قد انعقد بين

الباحثين على أن الدولة المعاصرة في المشرق العربي هي دولة سلطوية - مع استثناء ملتبس للبنان - فإن هذا

التوصيف المعتمد إجماالً على مفهوم الدولة التسلطية يغفل أو يقلل من أهمية حضور الجوانب الشخصية

وغير الرسمية في إنتاج/ إعادة إنتاج الحالة السلطوية. في المقابل فإن المفهوم الذي يبدو - في نظر

البحث - قادرًا على ردم هذه الفجوة والإمساك بهذين البُعدين معًا - تسلطية الدولة ولا رسمية المجال

السياسي فيها - هو «النيوباتريمونيالية»، حيث يتم النظر إلى التسلطية كإحدى خصائص أو أحد ملامح

الدولة النيوباتريمونيالية، وحيث يجري فهم توسعة الجهاز البيروقراطي كتمديد للشبكات الباتريمونيالية،

وهي الشبكات التي يُمكّن تفحصها في علاقتها بخطوط التقسيم الإثنية من تحسين حظوظنا في فهم حالة

الانبعاث الطائفي التي تختبرها مجتمعات المشرق العربي. إن البحث، في تركيزه على الدور الذي يمكن المفهوم - نيوباتريمونيالية - أن يقوم به في إنتاج معرفة

بالدولة في المشرق العربي وبحالة التأكّل التي تتعرض لها شرعية هذه الدولة وانبعاث الوعي الطائفي،

لا ينظر إلى علاقة المفهوم بغيره من المفاهيم في صيغة اقتصارية- صيغة إما المفهوم وإما غيره - بمعنى أن

البحث لا يتجه إلى وضع المفهوم في مقابل مفاهيم أخرى كالدولة التسلطية أو الدولة ما بعد الكولونيالية

أو الدولة الريعية، بحيث تكون مضطرة إلى الاختيار بينها. المنظور الذي يقترحه البحث، ويحاول وضعه موضع التطبيق، يستند إلى استخدام مجموعة من الأدوات

المفهومية لتوليد نموذج نظري/ باراديغم، أو مصفوفة مفاهيمية، يكون مفهوم النيوباتريمونيالية

فيها بمثابة خيطها الناظم، على أساس أن المفهوم في تعالقه مع مفاهيم أخرى قد يوفر فرصة لاستيعاب

مجموعة من الممارسات شكلت سمات السياسة وملامح الدولة ما بعد الكولونيالية في المشرق العربي،

وضمن منظور تحليلي عام.

(9) André Bank and Thomas Richter, «Neopatrimonialism in the Middle East and North Africa: Overview, Critique and Alternative Conceptualization,» Paper Presented at: «Neopatrimonialism in Various World Regions,» (Workshop, German Institute of Global and Area Studies (GIGA), Hamburg, 23 August 2010), on the Web: <www.researchgate.net>.

(1((يتعامل البحث مع المفهوم باراديغم على أساس أنه منظومة المفاهيم المترابطة بصورة صريحة أو ضمنية والتي يدعو فيها بنيويًا

بعضها بعضًا أو يعوض فيها وظيفيًا بعضها بعضًا، بشأن المفهوم انظر: توماس س. كون، بنية الثورات العلمية، ترجمة حيدر حاج

إسماعيل؛ مراجعة محمد دبس (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2007

الدولة النيوباتريمونيالية في المشرق العربي: في المنطق العصبوي وإعادة إنتاج الطائفية

في الاستقصاء النظري

إذا كان علم السياسة قد تخلى عن اهتمامه بالدولة، وتراجع اهتمام المشتغلين بعلم السياسة بموضوع الدولة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية تحت ضغط طغيان مفاهيم المدرسة السلوكية واتجاهاتها، فإن الدولة تعود لتشغل حيزًا كبيرًا في اهتمامات باحثي العلوم السياسية، في تزامن مع تراجع مكانة

التحليل السلوكي في علم السياسة، في إثر المراجعات النقدية الجادة التي وجِّهت إليه منذ النصف الثاني

من سبعينيات القرن العشرين؛ فقد شهدت العقود الأربعة الأخيرة حوارًا متصالً يركز على دراسة الدولة

لتظهر الكثير من الدراسات النظرية والتطبيقية التي تعيد فحص قضايا أساسية مثل السلطة والمجتمع السياسي والشرعية، وغيرها. ضمن إعادة إحياء قضية الدولة - كقضية مركزية في «علم السياسة» - تأتي إعادة الاعتبار إلى مصطلح

«باتريمونيالية» الذي كان قد اقترحه ماكس فيبر، ومنذ ذلك التاريخ - نهاية ستينيات القرن العشرين - سيحظى المصطلح بانتشار واسع، حيث برهن على أنه أداة تحليلية مهمة وواعدة خاصة في الأدبيات النظرية الخاصة بأفريقيا. على الرغم من ذلك، فإنه لم يحظ إلا باعتناء ضئيل من المشتغلين على نموذج الدولة في الشرق الأوسط العربي. وكانت أبرز المحاولات محاولة محمد عبد الباقي الهرماسي الذي حاول

توظيف المفهوم في دراسته «المجتمع والدولة في المغرب العربي»، ومحاولة الأكاديمي التونسي حافظ

عبد الرحيم في أطروحته «الزبونية السياسية في المجتمع العربي - قراءة في تجربة البناء الوطني في تونس»، وفي الحالتين كان الهدف هو الدولة في خبرة المغرب العربي. في الدراسات التي اعتنت بالمشرق العربي، ظلت فجوة ملحوظة، إما بسبب ما اعتبُر أنه إشكالات يعانيها

المفهوم نفسه وإما لأن الباحثين فضّلوا استخدام مفاهيم وأدوات تحليلية تنتمي إلى متون نظرية أخرى

غير المتن الفيبري، ك «المتن الماركسي» مثالً، بينما وجد آخرون في مفهوم العصبية - ل تحليلات تشكِّ

ابن خلدون الجذر الأصلي لهذا المفهوم الذي يلقى قبوالً متزايدًا من عدد كبير من الباحثين - مدخالً

مهامً حاولوا البرهنة من خلاله على استمرار النظام العصبوي، وقادهم إلى الاستنتاج القائل إن الدولة المشرقية لا تزال دولة سلطانية، وهو ما اعتبُر تفسيرًا كافيًا لحضور المؤسسات غير الرسمية وعلاقة السلطة

بالعصبية وأهمية كلٍّ منهما. وتبنّى آخرون المدخل نفسه بسبب من مقاربة نقيض اعُتبر بموجبها أن

(((1 سيجسّد مركز دراسات الوحدة العربية هذا التوجه الجديد، وذلك بتحديده محور المجتمع والدولة كأحد اهتماماته الرئيسية،

وترجمة ذلك في مشاريع بحثية اتخذت عناوين المجتمع والدولة في الوطن العربي؛ المجتمع والدولة في المشرق العربي؛ المجتمع

والدولة في المغرب العربي؛ الدولة المركزية في مصر؛ المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية.

(((1 محمد عبد الباقي الهرماسي، المجتمع والدولة في المغرب العربي، مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي. محور المجتمع

والدولة، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1999

1(((حافظ عبد الرحيم، الزبونية السياسية في المجتمع العربي: قراءة اجتماعية - سياسية في تجربة البناء الوطني بتونس، سلسلة

أطروحات الدكتوراه؛ 59 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2006

1(((غسان سلامة مثالً يبحث في دراسته «المجتمع والدولة في المشرق العربي» في مسألة قيام الدولة في مجتمع متنوع، مرتكزًا

على نظرية التجزئة الاجتماعية (= الانقسامية) التي ركزت على تحليل دور الانقسامات الاجتماعية السلالية والطائفية والقبلية في

السلوك السياسي، وإضعاف الدولة المركزية، وتعدد مراكز القوى وما ينتج منها من اضطرابات، موظفًا فكرة ابن خلدون في ما يتعلق

ب «أن الأوطان الكثيرة العصائب قل أن تتحكم فيها دولة». انظر: غسان سلامة، المجتمع والدولة في المشرق العربي، ط 2 (بيروت:

مركز دراسات الوحدة العربية،.)1999

شتاء 2015

المنطقة غادرت ماضيها السلطاني، وهي المغادرة التي قد تصنَّف بموجبها أطروحة فيبر في الباتريمونيالية

كنمط تقليدي على أنها أطروحة متجاوزة، ليوجه التركيز عوضًا عن السمات التقليدية نحو ذاك التضخم الهائل في أجهزة الدولة البيروقراطية الحديثة، والأدوار التي تقوم بها هذه الأجهزة في الضبط والأدلجة. إن مقاربات مفهوم «الباتريمونيالية» هي في معظمها، وبدرجة أو بأخرى، إما تنويع على ما كتبه فيبر وإما محاولة لتطوير ذلك التراث؛ فكتابات فيبر، كما سبقت الإشارة، تظل المرجع الرئيسي في الأدبيات المعنية

بالمفهوم، على خلفية نظريته في الشرعية، سيقدم فيبر لمفهوم الباتريمونيالية بوصفه نمطًا فرعيًا للسلطة

التقليدية، بحيث يؤشر على شكل تغدو معه عملية شرعنة السلطة وممارستها مستندة إلى معايير لا عقلانية ولا رسمية، وتكون السلطة فيه عائلية ومرتبطة بمظاهر التقليد، وتمارس بموجب حق شخصي مطلق، ويتم فيها اختيار المسؤولين من الأقرباء الأوفياء للحاكم الذي يوزع المنافع على الأتباع مقابل استمرار ولائهم. الباتريمونيالية بصيغتها التقليدية هي في الأساس علاقة تقوم على قواعد غير رسمية، تكون الزبونية Clientelism() هي شكلها الأساسي، ويستخدم فيها الفرد الراعي (Patron) نفوذه وموارده الخاصة لتوفير الحماية أو المنفعة أو كلتيهما لشخص أدنى منزلة - العميل (Client) - الذي يعرض من جانبه الدعم بمعناه العام، بما في ذلك الخدمات الشخصية. والعلاقات في هذه الشبكة الزبونية علاقات غير متكافئة وشخصية. وبسبب علاقات القوة غير المتكافئة هذه، لا يملك العميل خيارًا غير الإبقاء على

ولائه للراعي، وفي بعض الحالات يمكن أن يوجد وسيط بين الراعي والعميل، خصوصًا في الحالات

التي يكون فيها للراعي عدد كبير من العملاء، وفي مثل هذه الحالة تكون العلاقة الشخصية بين الراعي والوسيط من ناحية وبين الوسيط والعميل من ناحية أخرى، ويبقى الفرق الأساسي بين الراعي والوسيط هو أن الوسيط لا يملك موارد خاصة وإنما يكتفي فقط بتوزيع تلك التي حصل عليها من الراعي.

1(((في هذا السياق، انظر: خلدون حسن النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي: دراسة بنائية مقارنة، ط 2 (بيروت: مركز

دراسات الوحدة العربية،.)1996

(1((كان ماكس فيبر قد اقترح أن الشرعية يمكن أن تُستمد من واحد أو أكثر من مصادر ثلاثة هي التقاليد والزعامة الملهمة

(الكاريزما») والعقلانية القانونية: التقاليد تعني المعتقدات والعادات والأعراف المتوارثة التي تحدد الأحقية بالسلطة؛ الزعامة

الملهمة، أو ما يسمّيه فيبر «الكاريزما»، ترتبط بشخصية الزعيم، أكان في السلطة بالفعل أم متطلعًا إليها، ومصدر الولاء والطاعة

من الأتباع والمحكومين لهذا الزعيم هو إعجابهم الشديد بصفاته وأعماله؛ العقلانية القانونية تستند إلى قواعد مقننة تحدد واجبات

مناصب الحاكم ومساعديه وحقوقها، وطريقة شغر المناصب وإخلائها، وانتقال السلطة وتداولها، ويوازي ذلك كله ويتداخل معه

تقنين حقوق وواجبات المحكومين، وهم المواطنون في هذه الحالة، في علاقتهم بالسلطة الشرعية، وهذا النوع من مصادر الشرعية

هو المصدر الرئيسي في بناء التطور السوسيو - سياسي للمجتمعات الأوروبية.

بشأن نظرية فيبر في الشرعية، انظر: جوليان فروند، سوسيولوجيا ماكس فيبر، ترجمة جورج أبي صالح (بيروت: مركز الإنماء القومي،

998 1)، وخميس حزام والي، إشكالية الشرعية في الأنظمة السياسية العربية: مع إشارة إلى تجربة الجزائر، سلسلة أطروحات

الدكتوراه؛ 44 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2003

(1((انظر: عبد الرحيم، ص 17، 59632 و.2

(18) Wolfgang Muno, «Conceptualizing and Measuring Clientelism,» Paper Presented at: «Neopatrimonialism in various World Regions,» p. 3, on the Web: <www.giga-hamburg.de/workingpapers >. Wolfgang Muno, Conceptualizing and Measuring Clientelism, GIGA German Institute of Global and Area Studies, 2006, www.giga-hamburg.de/workingpapers , p. 3.

(1((المصدر نفسه، ص.3

الدولة النيوباتريمونيالية في المشرق العربي: في المنطق العصبوي وإعادة إنتاج الطائفية

في المناقشات اللاحقة التي جرت غالبًا في أروقة المشتغلين بالدراسات الأفريقية، اقرتُ حت تطويرات للصيغة

الفيبرية، حيث اكتسب المصطلح في نسخته الجديدة السابقة «نيو»، متحوالً إلى النيوباتريمونيالية عند

البعض، فيما فضل البعض الآخر تجنب استخدام المصطلح نيوباتريمونيالية لمصلحة مصطلح بديل هو

الزبونية السياسية. إذا كانت الباتريمونيالية قد فُهمت على أنها نمط تقليدي، فسنكون هنا إزاء نمط هجين توجد فيه الأجهزة

البيروقراطية إلى جوار البني والعلاقات التقليدية. وعلى الرغم من عدم وجود معنى واحد معتمَد بشكل

مستقر لدى مختلف الباحثين، إذ يبدو أن للمعنى جوانب عدة يجري التشديد على هذا الجانب منها أو ذاك

في الأدبيات ذات العلاقة، إلى درجة أن بعض الباحثين يعتقد أن المفهوم تعرض لحالة من الإنهاك النظري،

يمكن القول بشكل عام، ومن دون التركيز على الفروق التفصيلية بين منتجي المفهوم أو مستخدميه، إن

الاقتراح في صيغته ال«ما بعد فيبرية» يوجه تركيزه نحو انصهار مؤسسات الدولة الرسمية مع السياسات

الشخصية للحكام، حيث ينتفي الفصل بين المجالين العام والخاص، وهو الفصل الذي يقع في القلب

من فكرة الدولة بمفهومها الحديث، أو يتحول إلى فصل شكلي. هذا الطرح سيتكرر في مقاربات كثيرة؛

فوفقًا لبراتون وفان دي وال، النيوباتريمونيالية هي نظام تتعايش فيه المؤسسات القانونية والعقلانية مع

المنطق الباتريمونيالي، حيث يخترق هذا المنطق المؤسسات العقلانية ويقوضها، بينما يحدد إردمان وإنغل

المفهوم كمزج بين نوعين من أشكال الهيمنة السياسية: هيمنة البيروقراطية بقوانينها وعقلانيتها وهيمنة

الباتريمونيالية بأطرها وعلاقاتها الزبونية. في النمط النيوباتريمونيالي، تظل الهياكل والقواعد الرسمية قائمة رسميًا، وعلى المستوى النظري يظل

الفصل بين المجالين الخاص والعام قائامً وموجودًا، في حين يُنتهَك بشكل منتظم على مستوى الممارسة. هي

إذًا، بعبارة واحدة، الباتريمونيالية، وقد تمكنت بطريقة ما من التعايش مع البيروقراطية، لتتنج نوعًا من

مركّب هجين، هو ال «باتريموقراطية»، يختلف في خواصه عن كلٍّ من المركّبين اللذين دخلا في تركيبه. إذا كانت الزبونية هي الشكل الأساسي الذي تأخذه العلاقات، أو هي المنطق الذي يحكم العلاقات

في النمط الباتريمونيالي، فإن إردمان وإنغل يقترحان تمييزًا بين الشكل التقليدي الباتريمونيالي للزبونية

والشكل النيوباتريمونيالي، وهو تمييز يتأسس على أن جوهر الزبونية الجديدة ليس التبادل الفوري بين

(2((حول تطورات المفهوم، انظر: Gero Erdmann and Ulf Engel, «Neopatrimonialism Revisited Beyond a Catch-All Concept,» (GIGA Working Paper; 17, German Institute of Global and Area Studies (GIGA), 2006), on the Web: <www. giga-hamburg.de/workingpapers>.

(((2 يلاحظ ولفغانغ مونو أن باحثي أميركا اللاتينية وجنوب أوروبا يفضلون استخدام الزبونية أو الزبونية السياسية. وفي الدراسات

المتعلقة بأوروبا وأميركا الشمالية نصادف المصطلح رعائية (Patronage)، فيما تركز الدراسات في أفريقيا وآسيا على مصطلح

نيوباتريمونيالية. انظر: Muno, p. 3.

(22) Karsten Bechle: «Out of Africa: Applying Neopatrimonialism to Latin America,» p. 2, on the Web: <http:// paperroom.ipsa.org/papers/paper_2602.pdf>, and «Neopatrimonialism in Latin America: Prospects and Promises of a Neglected Concept,» (GIGA Working Paper Series; 153, German Institute of Global and Area Studies (GIGA), 2010), on the Web: <www.giga-hamburg.de/en/system/files/publications/wp153_bechle.pdf>. (23) Erdmann and Engel, p. 18.

(2((يقترح البحث هنا إمكانية دمج المصطلحين باتريونيالية و بيروقراطية ضمن مصطلح جديد هو باتريموقراطية، وذلك على

أساس أن الدمج المقترح ربما يوضح بشكل أكبر التداخل بين الأبعاد الشخصية التقليدية والأبعاد البيروقراطية الحديثة.

شتاء 2015

الراعي والعميل، وذلك خلافًا للزبونية التقليدية، وبدال من ذلك يقوم الراعي بنقل الموارد العامة أو

تحويلها لمصلحة العميل. السؤال الذي ينبغي تأمله هنا هو ملكية الموارد الموزعة؛ فحيثما كان الاستخدام

لموارد خاصة كان النمط باتريمونيالي بمعناه الفيبري، أما حين تضمنت العلاقة إساءة استخدام موارد

عامة، كنا إزاء نمط نيوباتريمونيالي. إذا كانت بعض الكتابات تستخدم الزبونية (Clientelism) والرعائية (Patronage) كمترادفتين، فإننا

نود الإشارة إلى الاستنتاجات المعمقة التي توصل إليها إردمان و إنغل في اشتغالهما على الدولة في أفريقيا؛

تلك التي يلفتان النظر من خلالها إلى ضرورة التمييز بين المفهومين، وهو ما يتماشى مع خط سير البحث،

على أساس أن «الرعائية» تؤشر إلى شبكة علائقية يكون طرفاها الفرد في ناحية وجماعة ما في ناحية أخرى،

فهي، خلافًا للزبونية، تشتغل على العلاقة بين الراعي الفرد ومجموعة أكبر، والفرق بين المصطلحين يجد

أساسه إذًا في متلقّي المنافع: هل هو فرد أم جماعة. باستصحاب التمييز السابق، لا يكون المفهوم، أي النيوباتريمونيالية، قادرًا على الاشتغال على مستويات

العلاقة بين الفرد/ الراعي و الفرد/ العميل فحسب، بل يكون أيضًا قابالً لتوظيفه على المستوى الفرد/

الراعي والجماعة/ العميل، وبهذا يستطيع تتبّع تقاطع العلاقات الزبونية مع العامل الإثني في الحالة

الأفريقية، أو الطائفي في حالة جغرافيا البحث، ضمن منظور تحليلي عام يدمج فيه المفهوم مع متغيرات

أخرى، كالإثنية أو الطائفية، بطريقة متعاضدة. في المجتمعات ذات التعدد الإثني أو الثقافي، يوفر التعدد خطوط تمييز واضحة للنظام النيوباتريمونيالي بشأن من هم المشمولين بعطاياه ويمكن ضمان ولائهم، وأولئك الذين سيُستبعَدون. المشكلة في التقاء

خطوط الحظوة بالتقسيمات الأفقية هي أن الأخيرة لا تتغير، وبالتالي فإن المكافأة، وهي هنا الموارد

العامة، تبدو جائزة دائمة، كما الحرمان أو الاستبعاد الذي يصير استبعادًا دائامً. في هذا النموذج، يحدد

الأتباع والموالون على أساس هوية طبيعية، ويتحول الانتماء إلى طائفة أو مجموعة اجتماعية ما إلى رأسمال اجتماعي رمزي قابل للاستثمار، حيث يعتمد النفاذ إلى مؤسسة الدولة إلى حد كبير على الهوية الإثنية أو الطائفية. وتوزيع الموارد هنا يتطابق ويعكس مباشرة توزيع السلطة بين المجموعات المختلفة؛ فكما توزيع السلطة، يميل توزيع الموارد إلى مصلحة إحدى الجماعات الاجتماعية أو الإثنية. هنا، بالذات، تكون الدولة النيوباتريمونيالية ومنطقها العصبوي - المتجاوز قيم الحداثة وعقلانيتها - هما النقيض لمنطق الدولة الحديثة.

(25) Bechle, «Out of Africa,» p. 11.

(2((من هنا يرى دينيس كوش أن الدولة، مع تشييد الدول - الأمم الحديثة، «أصبحت تتصرف في الهوية، وتسن لها الترتيبات وتضع

لها إجراءات الرقابة. ومن منطق نموذج الدولة- الأمة أن تزداد صرامته في موضوع الهوية». ونموذج الدولة في التوحيد القومي، كما

يشير البحث - ينطوي على تحويل العلاقات الأولية الشخصانية أو العمودية التي تمأسسها السلطات التقليدية الوسيطة إلى علاقات

ثانوية أفقية قومية وغير شخصية، ويعني بالتالي عامل تحويل جذري لجميع العناصر المكوّنة للمجتمع، أي انتاجًا لوحدة اجتماعية

متماسكة ومندمجة وأعلى من جميع الوحدات التي سبقتها، هي وحدة الأمة، وهذا هو بالذات المضمون الأساسي للمفهوم القومي

التجانسي الحديث للأمة. انظر: دنيس كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة منير السعيداني؛ مراجعة الطاهر لبيب

(بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 0072)، ص 59 1، وجان فرانسوا بايار، أوهام الهوية، ترجمة حليم طوسون (القاهرة: دار العالم

الثالث، 9981)، ص 33.1

الدولة النيوباتريمونيالية في المشرق العربي: في المنطق العصبوي وإعادة إنتاج الطائفية

انطلاقًا من هذا التحديد الأولي للمفهوم، ينهض سؤال البحث الإشكالي بشأن مدى إمكانية الإفادة من المفهوم في دراسة الدولة العربية في المشرق، ومدى نجاعته في تفحص القنوات التي مرت / تمر بها العلاقة دولة - مجتمع. لكن قبل مواجهة سؤال النيوباتريمونيالية في المشرق العربي، لا بد من أن يُستخلص من

الأدبيات المعنية بالمفهوم ما يمكن اعتباره سمات عامة ل «الدولة النيوباتريمونيالية»، من دون اعتبار أن

المفهوم في ذاته محدد بدرجة كافية، أو أن ثمة اتفاقًا حول ما يمكن تضمينه في دراسة النيوباتريمونيالية. ونوجز تلك السمات بما يلي: - مركزة السلطة في يد الرئيس الذي يسعى إلى الحد من استقلالية جهاز الدولة، حيث يحيط رأس النظام نفسه بالأتباع أو الموالين الذين سيكون عليهم باستمرار تجديد دعمهم وولائهم وثقتهم اللامتناهية بحكمه. هذا الرئيس يُعتبر سيد المجال، يراقب ويحكم بحيث لا ينفلت أي فعل من مراقبته. ويمكن

القول، إذا جاز أن نستعير من البنيوية بعض مفرادتها، أن هناك ثابتًا واحدًا في النظام النيوباتريمونيالي هو

الرئيس نفسه، والباقي متغيرات. - غياب، أو على الأقل، عدم وضوح الخطوط الفاصلة بين النطاقات الخاصة والنطاقات العامة على مستوى الأجهزة البيروقراطية والعسكرية. وللدولة هنا منطقان متوازيان، فهي كالإله الإغريقي «جانوس»، بالتعبير المكثف لغسان سلامة؛ فالوظائف العامة توزَّع كمكافآت للموالين، وتشمل هذه الفئة الأقارب من أبناء وأبناء عمومة، وقد يكونون أصدقاء أو حتى زملاء دراسة، بحيث يساهم اقتسام/ توقع اقتسام موارد الدولة في تعزيز الارتباط الشخصي لهؤلاء بالرئيس، وفي الوقت ذاته، وعبر استراتيجيات محددة، مثل دوران النخب الحاكمة، يتم التأكد من أن أيًا من الأتباع لن يطور قاعدة سلطة

بديلة يمكن أن تصبح مستقلة عن قبضة العرّاب. - ثمة علاقة وثيقة بين الباتريمونيالية والفساد؛ فالنمط الباتريمونيالي يحتوي على مزيج من فساد ما

قبل المعاصر والفساد المعاصر، خلافًا لما يحدث في المجتمعات التقليدية، حيث لا توجد سوى مجموعة صغيرة من الناس فوق القانون؛ ففي الأنظمة النيوباتريمونيالية مجموعات متعددة تتنافس على المواقع

المتميزة التي تمكّن شاغلها من نهب الموارد العامة. ومؤسسات المساءلة في هذا النمط هي في عداد المفقودين، ويشجع سلوك الحاكم وشبكاته غير الخاضع للمساءلة على سلوك غير قانوني من جانب المحكومين، لتزداد بصورة مطردة المسافة بين منطق المؤسسة الرسمية القانوني والممارسات الفعلية غير القانونية. - تعايش جماعات إثنية أو طائفية يغذي السياسات النيوباتريمونيالية بشكل أكبر من المجتمعات الأقل تعددًا؛ ففي مثل هذه الحالة، تكون هناك حاجة إلى توزيع مزيد من الموارد عبر القنوات الزبونية، لإغراء

إحدى هذه الجماعات كي تظل موالية للنظام.

2(((سلامة، المجتمع والدولة، ص.223

(28) Bechle, «Out of Africa,» p. 14.

(2((المصدر نفسه، ص.10

شتاء 2015

العسكر وإنتاج الدولة النيوباتريمونيالية في المشرق العربي

في نهاية سنة 9691، ظهر صدام حسين أول مرة متحدثًا في التلفزيون وأمام الناس المتجمعين في ساحة

الكشافة، ليعلن: «لن نسمح لمن يركب البغل خلفنا أن يمد يده إلى الخرج». بهذا الفهم للدولة باعتبارها

بغالً محمَاّلً بالغنائم يدار لمصلحة الممسكين بسلطة الدولة والجماعات التي تدعمهم، وبهذا الفهم لمشاركة

الآخرين باعتبارهم ضيفًا رديفًا لا يحق لهم من غنائم الدولة إلا ما يتفضل به عليهم الحزب القائد، اعتقدت

النخب الحاكمة، ليس في العراق وحده، أنها حسمت ترتيب البيت الداخلي، فالأسر الحاكمة بدت وكأنها

مالكة الدولة، وتبيع ثرواتها مباشرة، وتخلط المبنى الطائفي أو العشائري في جهاز الدولة بالعلاقة مع الحيز

العام، فيظهر كأنه ملك خاص للطائفة أو العشيرة. إن النخب الحاكمة تحمل في تصورها تمثالً ذاتيًا لنمط علاقتها بجهاز الدولة يُطلِق عليه باحث تونسي،

اعتمادًا على الدرس الألسني، عبارة «ضلال المعاني الذاتية»، وهي تقوم على اعتبار الزعيم نفسه المالك

الشرعي الوحيد والممثّل الذي لا يشاركه أحد في جوهر الدولة؛ فهو يرى نفسه وصيًا على الدولة ومؤتمنًا

عليها إن لم يكن مالكها، إما لأسباب تقليدية وإما كمكافأة لقاء نضاله من أجل تحرر حقيقي أو مفترض.

وقد مالت هذه الزعامات إلى تكريس جهودها من أجل دعم قوة الدولة بتجميعها والتصرف فيها على أنها

حق مكتسب شرعًا، حتى حصل ما يشبه التماهي بين الزعيم وجهاز الدولة، فكأنما الدولة هي ال«أنا»

الرئاسية أو الملكية. كانت الدولة، المركزية والمتضخمة، في ذاك التصور هي التي اضطلعت بإنجاز المشروع الذي يتسم بنزعة

حداثية، غير أن هذه النزعة لم تكن، كوعي مطابق للحداثة في مفهومها التاريخي، باعتبارها بنية كلية

عرفتها تجربة الثورة الديمقراطية البرجوازية الأوروبية في ارتباطها العضوي بالتحديث، بوصفه صيرورة

من التحولات الاقتصادية والاجتماعية تحققت بالتزامن مع الثورة الصناعية في الغرب. عند برهان غليون

في كتابه المحنة العربية: الدولة ضد الأمة، يعكس نشوء الدولة التحديثية في الواقع تغريّ المعادلة التاريخية

وبروز التفاوت المتزايد بين المجتمعات في مستويات التقدم، كما يعكس غياب الطبقات البرجوازية التي

ارتبطت بتعميم تقنيات وأنماط الإنتاج والممارسة الحديثة الاقتصادية والسياسية، وتبدّل أشكال هذه

المعادلة ومتطلباتها؛ ففي المجتمعات الأوروبية - يقرر غليون- جاءت الحداثة تعبيرًا عن توسع نمط إنتاج

هذه الطبقة نفسها، أي بحسب قدراتها الذاتية ووتيرة تقدم نمط إنتاجها الرأسمالي، فلم يكن هناك حاجة

إلى عملية تحديث من أجل ترسيخ الحداثة في المجتمع، أي لم يكن هناك حاجة إلى فرض الحداثة أو بعض

وجوهها الأساسية من قِبل قوة مغايرة ليس لها موقع البرجوازية ولا مصالحها، وفي هذه الحالة تشكل

((3(نقالً عن: زهير الجزائري، «لمحات عن أيديولوجيا حزب البعث، 980-1970 1،» في: بندكت أندرسون [وآخرون]، القومية،

مرض العصر أم خلاصه؟، أعده للنشر فالح عبد الجبار (لندن: دار الساقي، 9951)، ص.173

((3(عبد الرحيم، ص.301

((3(معظم دول المشرق ليست بعيدة عن النموذج التونسي الذي انتهى ليس الى التوحد بين النظام والحزب، بل الى التوحد بين

النظام وشخص الرئيس. وفقًا لتصريح للهادي البكوش، مدير الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم في عهد الحبيب بورقيبة، أن

«شرعية بورقيبة هي أساسًا شرعية الحزب والحكومة لأن بورقيبة هو زعيم وهو شعب وهو حكومة». نقالً عن: سالم لبيض، «قراءة في

علاقة الدولة القطرية العربية بالمجتمع السياسي: مثال تونس، 987-1957 1،» في: ابتسام الكتبي [وآخرون]، الديمقراطية والتنمية

الديمقراطية في الوطن العربي، سلسلة كتب المستقبل العربي؛ 30 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 0042)، ص 57 2.

الدولة النيوباتريمونيالية في المشرق العربي: في المنطق العصبوي وإعادة إنتاج الطائفية

الدولة أو التماهي مع الدولة واستخدام قدرتها القمعية والتاريخية الوسيلة الوحيدة للتعويض عن هذا

النقص الاجتماعي. في ظل غياب «طبقة» قائدة، سادت فكرة تقول إن للجيوش العربية دورًا مزدوجًا في إيجابيته؛ فهي تساهم

أوالً في صهر مختلف أفراد المجتمع التقليدي معًا، وتشكّل بالتالي خطوة مهمة على طريق تشييد المجتمع

المدني، وفي إمكانها، من ناحية أخرى، بفعل طريقة تنظيمها الهرمية وتعاملها مع التكنولوجيا، أن تكون

قوة تحديث مهمة. وبالإضافة إلى عصرية المؤسسة العسكرية وتنظيمها في مجتمع منقسم إجماالً، بدا وكأن

هذا المجتمع يدعو العسكر إلى تسلم الأمور وتعبئة الفراغ الذي تركته قوات المستعمر. ويضيف غسان

سلامة ما يعتقد أنها أسباب - ذاتية للمنطقة، ويحدد أهمها في وجود إسرائيل وبلدان ثلاثة في محاذاتها

(سورية والأردن ولبنان)، والفلسطينيين الذين يحاولون مقارعتها، والعراق نفسه ضحية عدوانها كما في

ضربها المفاعل النووي العراقي سنة 1981. في سياق هذه المواجهة مع إسرائيل، جرى الحديث، ولا يزال، بصوت عال عن أهمية حشد كل الجهود لتعبئة الطاقات للمعركة مع العدو. وبررت بعض القوى التضحية بالديمقراطية بحجة الصراع

العربي - الإسرائيلي، وكأن في الأمر تناقضًا، وهكذا أتت ردة فعل الجيوش العربية المنهزمة في الحرب

العربية - الإسرائيلية سنة 9481 من خلال حركة الضباط الأحرار في مصر، الذين استولوا على السلطة

بحجة تحقيق ما عجزت الحكومات التي ورثت دولة الاستعمار عن تحقيقه، وإنشاء دولة وطنية قوية قادرة

على مواجهة الاستعمار و«الصهيونية»، واستكمال السيادة وتحقيق الاستقلال الاقتصادي وتحرير فلسطين.

ومن أجل الإسراع في إنجاز هذه المهمات، رأى الضباط الأحرار أنه لا بد من البدء بتطهير الحياة السياسية

من المناورات والمنافسات البرلمانية والحزبية. وهكذا جعلت حركة 3«2 يوليو» إقامة الحياة الديمقراطية

المبدأ السادس والأخير من مبادئ «الثورة»، أي بعد القضاء على الاستعمار والإقطاع والاحتكار وسيطرة

رأس المال المستغل وإقامة العدالة الاجتماعية وإقامة الجيش الوطني. ويقرر جمال عبد الناصر «أن جعل

هدف إقامة الديمقراطية ‹السليمة› في المقام السادس والأخير من مبادئ الثورة لم يأت مصادفة، لأن هذا

الهدف لم يكن ليتحقق إلا من خلال المبادئ السابقة... لقد كان مستحيالً للديمقراطية أن تتحقق قبل

القضاء على الاستعمار وعلى الاحتكار وعلى سيطرة رأس المال المستغل وقبل إقامة العدالة». سواء

أكانت هذه الرؤية صادقة حقًا أم لم تكن، فإن النتيجة واحدة، وهي، كما كتب محمد عابد الجابري، قيام

دولة العسكر التي تحتوي المجتمع وتهيمن عليه، مستعملة في ذلك الأجهزة السلطوية الموجودة نفسها

التي منحها النظام العسكري مزيدًا من النفوذ ومزيدًا من التغلغل في جسم المجتمع. في العراق وقع عدد من الانقلابات بين سنتي 9361 و 968:1 انقلاب في /10/29 9361 بقيادة بكر

صدقي، وفي 941/2/11 بقيادة رشيد عالي الكيلاني، وفي 958/7/14 1 انقلاب عبد الكريم قاسم

(3((برهان غليون، المحنة العربية: الدولة ضد الأمة، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 0032)، ص.19

(3((سلامة، المجتمع والدولة، ص.171

(3((جمال عبد الناصر، الميثاق (القاهرة: الدار القومية للطباعة والنشر، 9621)، ص 5 عن: جمال الشلبي، «مفهوم، نقال

الديمقراطية في الخطاب الناصري،» في: الكتبي [وآخرون]، ص.107-106

(3((محمد عابد الجابري، «إشكالية الديمقراطية والمجتمع المدني في الوطن العربي،» في: الكواري [وآخرون]، ص 1.86

شتاء 2015

الذي انتهى حكمه هو الآخر بانقلاب في 963/2/81، ليتبعه انقلاب في 963/11/81 دام حتى

1963/11/17. هذا التدخل الكثيف للضباط العراقيين في الحياة السياسة كان دائامً تحت شعار

مزدوج: التحرير والتحديث، يظهر الدولة العراقية كنسق من العلاقات اخترقته المؤسسة العسكرية

تدريجيًا ثم قامت فيه بالدور الطاغي الذي كان ينمو بقدر ما كان المجتمع المدني يزداد تفككًا وهزاالً. لا تختلف الحالة السورية عن الحالة العراقية؛ فقد وقع الانقلاب الأول بعد ثلاث سنوات على الاستقلال،

بالتحديد في 949/3/301، بقيادة حسني الزعيم الذي بقي في الحكم حوالى خمسة أشهر، ثم الانقلاب

في 949/8/141 الذي استمر حتى /19 949/21 بقيادة سامي الحناوي، وتبعه انقلاب استغرق

حتى 951/11/211 عندما قاد أديب الشيشكلي انقلابًا استمر حتى 954/2/251، وحصل انقلاب

آخر في 961/9/281 استمر حتى 962/3/281 بقيادة الانفصاليين، مما قضى على الوحدة بين

مصر وسورية، ثم انقلاب في 963/3/81 فانقلاب استمر حتى 970/11/51 عندما قام ما عُرف

ب«الحركة التصحيحية». في جميع تلك النماذج، كانت الدولة السوفياتية (دولة الزعيم والحزب الواحد) تقدم لمصر وللدول

الأخرى نموذجًا آخر مناقضًا للنموذج الذي تقدمه الدولة الديمقراطية الاستعمارية. وعلى الرغم من

أن هناك مشكلة تتعلق بمعرفة مدى انتماء ضباط الانقلابات إلى أيديولوجياتهم، فإنهم كانوا جميعًا في

فترة ما يسمّون أنفسهم اشتراكيين، لكن الشيء الأهم، بالنسبة إليهم، هو توفير أيديولوجيا رسمية تحتكر

الخطاب السياسي الشرعي. كان قوام النموذج الذي شرعت دولة العسكريين في تشييده هو المركزية الشديدة والتخطيط

الاقتصادي والتوجيه الثقافي والأيديولوجي؛ نموذج يبتلع المجتمع المدني، فلا مكان فيه لمؤسسات

تقع خارج المجتمع السياسي، وكان الفرق الوحيد والحاسم بين النموذج السوفياتي ونسخه العربية،

أن النسخة الأصل متمحورة حول حزب له دولة وجيش، أما في النسخة المصرية، التي جرى تمريرها

إلى باقي الدول العربية، فكان الجيش الذي اختُزل في شخص القائد هو الذي له دولة وحسب. لهذا

كان التصور السائد للمشاركة أقرب إلى النمط التعبوي الذي ينظر إلى الحكومة بوصفها سلاحًا

تنظيميًا يهدف إلى إعادة تنظيم المجتمع وتغيير البنية المجتمعية، وهو ما يستتبع ظهور نظام جديد

من الولاءات والأفكار تصبح هي الإطار المعياري للمجتمع الجديد، ويتحول الحزب والحكومة

إلى أدوات مركزية للتغيير، ويتم من خلال هذا النمط تعبئة الجماهير من خلال المؤتمرات والمسيرات

والحملات الدعائية، لا كوسيلة للمشاركة الحقيقية بل كأداة لمساندة قرارات النظام وسياساته،

ويعمل على إلغاء كل منافسة، سواء باحتوائها أو بإفسادها، كما يعمل على إلغاء أشكال الحياة السياسية

التي حيُتمل أن تفرز ضروبًا منافسة محتملة للنخب الحاكمة.

(3((حليم بركات، المجتمع العربي في القرن العشرين: بحث في تغير الأحوال والعلاقات (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

0002)، ص.574

((3(المصدر نفسه، ص.575

(3((بشأن الأيديولوجيا والسلطة، انظر: بول سالم، الميراث المر: الأيديولوجيا والسياسة في العالم العربي، ترجمة بدر الرفاعي،

سلسلة المشروع القومي للترجمة؛ 356 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.)2002

((4(الهرماسي، ص.99-98

الدولة النيوباتريمونيالية في المشرق العربي: في المنطق العصبوي وإعادة إنتاج الطائفية

هل يمكن الاكتفاء بأننا إزاء حكومات عسكرية تسلطية، وبأن الجيش هو الذي يحكم، من دون النظر إلى الفئات القريبة من الرئيس القائد الذي تربطها به وشائج القربى والعصبية؟ يتساءل غسان سلامة

قبل أن يقترح: «يبدو أحيانًا وكأن عددًا من السلطات ال«نيو - مملوكية» قام في عدد من البلدان العربية،

وهي بالذات كذلك لأنها تقوم على عصبيات قديمة، استولت من خلال الجيش على الدولة وتحكمت

في المجتمع تحت غطاء المفردات والشعارات العصرية، بينما ما زالت تقوم فعالً على التضامن بين أبناء النسب والطائفة والمنطقة والعشيرة». بهذا التصوير الدال، يضعنا سلامة في قلب الأزمة المستفحلة التي تأخذ بخناق الدولة العربية في المشرق المعاصر. وفي هذا الاتجاه يوضح أوليفيه روا كيف أن «الدولة الحديثة في الشرق الأوسط عصبية نجحت»، وكيف أننا في الواقع نجد خلف صورة الدولة الحديثة عصبية، فالجيش السوري والجيش العراقي - ما قبل سنة 0032 وما بعدها أيضًا - يخضعان لقيادة هيئة من الضباط «تشكيلات زبونية» تعربّ هي ذاتها عن مجموعة متضامنة أقلية وتقليدية راهنت على الدولة

الحديثة كي تعدل لمصلحتها الخريطة السياسية التقليدية، وهذه المجموعة هي همزة الوصل بين بنية من بنى الدولة (الجيش) وكيانات طائفية. وهكذا ما لبثت دولة العسكر التي ألحقت المجتمع كليًا بها أن فرخت

الدولة النيوباتريمونيالية. من هنا يظهر أن ثمة نوعًا من التعاضد بين العسكر والنمط النيوباتريمونيالي، وأن الحكومات

العسكرية، بشكل عام، تسهل الانزلاق إلى نمط نيوباتريمونيالي أكثر من أي نظام، وأن طبيعة هياكل المؤسسة العسكرية وهرميتها المؤسسة على السيطرة المركزية هي من العوامل الرئيسية التي تدفع باتجاه النيوباتريمونيالية. وقد كانت الأنظمة العسكرية في المشرق العربي أنظمة نيوباتريمونيالية إلى حد كبير، إذ أدار العسكر - في حالتي العراق وسورية - أنظمة حكم شخصانية تعتمد في حصولها على التأييد على توزيع موارد الدولة كهبات وعطايا بين مجموعات الدعم والمجموعات القرابية الموالية، وفي الحالتين ارتأى الحكام تجهيز وارثين ينحدرون من سلالتهم نفسها على الرغم من بقاء النظام جمهوريًا على مستوى

الإعلانات الرسمية، وما يحدث هو خصخصة للدولة ينطمس معها الخط الفاصل بين الخاص والعام. وتتحول أجهزة الدولة لتصبح مصدرًا لتراكم الثروات الخاصة عبر عمليات فساد أو نهب، لتصبح تاليًا

عملية المنافسة بين المجموعات الزبونية في سبيل شغل وظائف الدولة منافسة شرسة وعاصفة. كانت الفئات الحاكمة في سعيها إلى تحقيق الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة تقضي على الأسس المادية لمؤسسات المجتمع الحديث (النقابات المهنية والعمالية، الأحزاب السياسية، التنظيمات السياسية

والاجتماعية) وتتيح المجال لعودة تنظيمات ما قبل دولوية (سلالة/ طائفة/ قبيلة) للظهور كتنظيمات

بديلة، أي كشبكة جديدة للعلاقات السوسيوسياسية. إن السلطة بإلغائها المصالح الاجتماعية المختلفة

وذات الجذور المتعارضة كانت تلغي المجال السياسي الحديث، فتنفي المجتمع عبر النفي المطلق للفرد

((4 (غسان سلامة، «قوة الدولة وضعفها: بحث في الثقافة السياسية العربية،» في: غسان سلامة [وآخرون]، محررون،

الأمة والدولة والاندماج في الوطن العربي، الجزء الأول (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 9891)، ص.230

((4(أوليفيه روا، «الزبائنية والمجموعات المتضامنة- هل هم من بقايا الماضي أم يشهدون نشأة جديدة،» في: ووتربوري [وآخرون]،

ص.366

((4(النقيب، ص.174-173

شتاء 2015

وهيئاته ومؤسساته، وهو ما دفع ليس فقط إلى إعادة إنتاج واستمرار العصبيات القديمة، بل إلى إنتاج وظهور عصبيات جديدة أيضًا.

الإمبراطورية البيروقراطية - في مركزة الدولة وتضخمها

يخلص البحث من نقاشه السابق إلى أن بناء الدولة الوطنية في المشرق العربي لم يعنِبناء المواطَنة بالمعنى

الحديث للكلمة، وإنما إلحاق المجتمع بالدولة التي وجدته تحت سيطرتها نهائيًا وربطه بمشروعها؛ لقد عنى

دولنةَ المجتمع وتوسيع الجهاز الدولوي، بما يسمح للدولة بأن تبرز على الساحة في صورة الفاعل الأساسي

في عملية البناء المقترنة بجملة من التحولات التي تمس مختلف البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية

والثقافية القيمية والرمزية، وكل ما يمكن أن يقترن بها. ذلك التمدد الهائل في جهاز الدولة، وهو

يُعَدّ سمة مشتركة بين دول المشرق بعد الاستقلال، كان ناجمًا في معظمه عن نمو الجهاز البيروقراطي

والجيش والشرطة، وعن عدد المشاريع العامة، والرغبة في استخدام الدولة في دفع برامج ضخمة للتنمية

الاقتصادية. وما إن بدأت هذه العمليات، حتى تحولت إلى بناء إمبراطوريات بيروقراطية. كانت مصر أول دولة عربية تدخل زمنيًا في عملية تمدد إداري واسع النطاق؛ فقد تميز المناخ السياسي

لحركة يوليو 9521 باتجاه واضح نحو تقوية الحكومة المركزية، وما إن جرى توقيع اتفاقية جلاء القوات البريطانية عن قناة السويس سنة 9541، حتى بدأ الحكام الجدد توسيع حجم القوات المسلحة وإعادة تسليحها، وهي عملية استمرت خلال الغزو البريطاني - الفرنسي - الإسرائيلي سنة 9561، والتدخل المصري الواسع في اليمن في أوائل الستينيات. كما أن النظام الجديد اتخذ خطوات فورية نحو التنمية القائمة على تدخل الدولة في المجالات الإنتاجية التي كانت متروكة بكاملها لأفراد القطاع الخاص

وشركاته، فاقتحمت الدولة هذه المجالات عبر مسارين، أولهما تأميم الشركات الأجنبية، خاصة بعد

غزو السويس، ونقل ملكيتها إلى الدولة، وفي بعض الحالات تأميم الشركات الوطنية الكبرى بالطريقة

نفسها، وثانيهما مبادرة الدولة إلى تنفيذ مشاريع إنتاجية كبرى جديدة (قرار إنشاء السد العالي وافتتاح

مجمع حلوان للحديد والصُّلب سنة 9541)، وقد نتج من هذه المسارات جميعًا إنشاء قطاع عام تملكه

الدولة ويملك بدوره عددًا من المشاريع الاقتصادية الكبرى. ومع تنفيذ الإصلاح الزراعي، أصبحت

الدولة، إضافة إلى ذلك، هي المالك الحقيقي للأراضي من خلال إنشاء قطاع عام كبير في الزراعة يضم نحو 970 ألف فدان.

((4(يتحدث حمزة علوي عن خاصيتين اتسمت بهما الدولة ما بعد الكولونيالية، وهما التضخم والمركزية، ويُقصد بتضخم أجهزة

الدولة نموها البيروقراطي المفرط، وامتلاكها وسائل (في الضبط والاتصال والأدلجة) أكثر تطورًا من البنية الاجتماعية - الاقتصادية

التي تكفلها الدولة. وتفسر خاصية التضخم - بالنسبة إلى علوي - من خلال ازدواجية علاقة الدولة في العالم الثالث بالبنى التحتية

في الداخل والخارج؛ فعلى الرغم من أن الدولة تضبط علاقات الإنتاج في الداخل، وتنظم استخدام وسائله، فإن تكوينها الداخلي

يتأسس على بنية تحتية خارجية، وهي التشكيلة الرأسمالية المتطورة. انظر: أحمد زايد، «الدولة ﻭنمط ﺍﻟﺘﻨﻤﻴﺔ ﻓﻲ العالم الثالث: تحليل

سوسيولوجي للدور ﻻﺍﻗﺘﺼﺎﺩﻱ للدولة،» المستقبل العربي، السنة 12، العدد 331 (آذار/ مارس 9901)، ص.97

(4((روجر أوين، الدولة والسلطة والسياسة في الشرق الأوسط، ترجمة عبد الوهاب علوب، سلسلة المشروع القومي للترجمة؛ 650

(القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 0042)، ص.45

(4((محمود عبد الفضيل، التشكيلات الاجتماعية والتكوينات الطبقية في الوطن العربي: دراسة تحليلية لأهم التطورات خلال الفترة

1985 - 1945، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 9971)، ص.85

الدولة النيوباتريمونيالية في المشرق العربي: في المنطق العصبوي وإعادة إنتاج الطائفية

علاوة على توسع القطاع العام عن طريق التأميم أو بسبب التوسع في تقديم الخدمات العامة، ساهمت

سياسة الدولة في التوظيف مساهمة كبيرة هي الأخرى في توسيع القطاع العام، وكان أحد معالم هذه

السياسة هو التعهد الضمني للدولة بتوظيف خريجي المعاهد والجامعات. بأخذ هذه العوامل مجتمعة، فلا

غرابة في أن يتبنيّ لنا أن الدولة أحكمت سيطرتها على كامل أوجه الاقتصاد الوطني من جهة، وأصبحت

أكبر رب عمل من جهة أخرى، وهو ما تظهره الإحصاءات التي يوردها روجر أوين في سياق دراسته

المعنونة ب«الدولة والسلطة والسياسة في الشرق الأوسط»؛ ففيما يتعلق بعدد العاملين في الجهاز الحكومي،

ارتفع من حوالى 350 ألفًا في سنتي 9519521 و 1 إلى ما يزيد على المليون في سنتي 9651 و 9661،

وفي الوقت نفسه تضاعف عدد وزراء الحكومة تقريبًا، فارتفع من 51 إلى 92 وزيرًا خلال الفترة نفسها،

وهو ما يعني أن الحكومة قامت بتوظيف حوالى ثلث تعداد القوة العاملة غير الزراعية في مصر كلها طبقًا

لإحصاء سنة 960.1 أما بالنسبة إلى القوات المسلحة، فارتفع تعداد الجنود والعاملين في البحرية والطيران

من 80 ألفًا في سنتي 9551 و 9561 إلى حوالى 801 الفًا في سنة 9661، بالإضافة إلى 90 ألفًا في جهاز

الشرطة، وزاد الإنفاق الحكومي بالنسبة إلى الناتج القومي المصري من 8.31 في المئة في سنتي 9541

و 9551 إلى 55.7 في المئة سنة 1970. إذا كانت مصر هي الدولة الأولى زمنيًا في عملية التضخم الإداري هذه، فسرعان ما ستلحق بها دول

أخرى؛ ففي سورية بدأت فترة التوسع في الستينيات نتيجة تصدير النظم المصرية للإدارة الاقتصادية

والسياسية إبان فترة الوحدة المصرية - السورية، ثم نتيجة سياسات حزب البعث على طريق ترسيخ

أقدامه في السلطة منذ سنة 9631 فصاعدًا؛ ففي سنة 9821 (بحسب إحصاء يقدمه غسان سلامة)، كان

هناك 440 ألفًا يعملون في الحكومة خارج قطاعات الجيش والشرطة والاستخبارات، ويمثل هذا الرقم

حوالى 02 في المئة من العمالة الإجمالية. لم يكن نمو حجم الجهاز الحكومي قاصرًا على دول الحزب الواحد التي طرحت نفسها على أساس

مشروعها التغييري، بل حدث كذلك، وعلى الرغم من الفروق الأيديولوجية في ظل أنواع أخرى من

النظم مثل تلك الخاضعة لحكم ملكي، كالأردن، حيث استثمرت الأسرة الحاكمة المعونات في تنمية

الجيش والإدارة. وفي سنة 9821 كان هناك 59 ألفًا يعملون في وظائف حكومية، أي ما يقرب من 51 في

المئة من القوة العاملة، إلى جانب ما يراوح بين 70 ألفًا و 001 ألف في القوات المسلحة. يرى بعض الكتابات في نمو دور الدولة وتعاظمه في الحياة الاقتصادية في الخمسينيات والستينيات نموًا

لعناصر «برجوازية الدولة» التي أخذت أجنحتها «تعزز مواقعها الاقتصادية والسياسية داخل النخب

الحاكمة، وأخذ ميزان القوى يتغير لمصلحتها على حساب برجوازية الأعمال التقليدية التي أخذ وزنها

السياسي في التناقص، وفقدت الكثير من نفوذها في الحياة الاقتصادية. ضمن هذا الإطار طرح مانفرد

هولبرن وجيمس بل مقولة الطبقة المتوسطة الجديدة التي تقتصر على الفئات التكنوقراطية والمهنية

((4(أوين، ص 47، ونزيه الأيوبي، الدولة المركزية في مصر، مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي. محور المجتمع والدولة

(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 9891)، ص.106

(4((سلامة، 08 المجتمع والدولة، ص 2، وعصام الخفاجي، رأسمالية الدولة الوطنية (بيروت: دار ابن خلدون،.)1979

((4(أوين، ص.69

شتاء 2015

والبيروقراطية المدنية والعسكرية العليا، التي أصبحت محور السلطة الاقتصادية والسياسية ورمز الجاه الاجتماعي والإداري الجديد في بلدان الشرق الأوسط، وقد استمدت تلك الفئات قوتّها وتميّزها من

التحكم في مركز القرارات الاقتصادية والسياسية؛ فهي لا تستمد نفوذها من خلال علاقات السوق ومن حقوق الملكية التقليدية، بل من خلال مواقعها المسيطرة في قمم البناء البيروقراطي للدولة، فهي لم تنم في أحضان السوق بل، يكتب محمود عبد الفضيل، نضجت وتخمرت في المكاتب والثكن العسكرية. استمر هذا النظام في التوسع وإقحام الدولة في المجال الاقتصادي. وفي حين أن هذه الأنشطة المختلفة

قُدِّمت على أنها تأتي في سياق التنمية الوطنية، فإن كل ما قادت إليه في آخر الأمر هو تدشين دولة ذات طبيعة

نيوباتريمونيالية، وفي هذا الإطار يلاحظ غسان سلامة «هذا التضخم في الجهاز الإداري... من جانب يعطي العصبية القائدة مجالات رقابة أوسع على المجتمع، وهو يعطيها أيضًا وسائل استتباع اقتصادي وتاليًا استتباع أمني، إن لم يكن سياسيًا، لأكثر فئات المجتمع فقرًا. تلك الدولة سيمدّها تدفق الريع

في السبعينيات بموارد جديدة بحيث تتمكن من تأسيس شبكات زبونية جديدة واستيعاب موالين جدد.

كان الريع - في سياق الدولة العربية - يعني توفير دخول سهلة تمكّن الفئات الممسكة بأجهزة الدولة من صون الشبكات القائمة أو افتتاح أخرى جديدة. لقد وضعت الدولة الريعية (مع ملاحظة أنها ليست بالضرورة دوالً مصدرة للنفط) تحت تصرفها مصادر

الثروة الوطنية، وأصبحت وظيفتها الأساسية، وفقًا لمقترحات حازم الببلاوي، توزيع المزايا والمنافع على أفراد المجتمع، وبذلك تحدد دور الدولة الأساسي باعتبارها مؤسسة لتوزيع المنافع، بحيث انتظم المجتمع في هيكل أشبه بهرم من الشرائح الريعية، تقف الدولة على رأسه باعتبارها المصدر الأول للريع والملاذ الأخير للشرائح الريعية.

((5(عبد الفضيل، ص.121

من منظور الطبقة، يصف كتّاب آخرون تلك الطبقة الاقتصادية - الاجتماعية التي تبنّت العقيدة الثورية الجديدة ونشرتها في

«الطبقة المتوسطة الجديدة» أو في «البرجوازية الصغيرة التقليدية». وبحسب هذا التوصيف، تتدهور أوضاع البرجوازية الصغيرة

التقليدية باطراد في سياق التطور الرأسمالي، ويحل محلها ما يُطلق بولانزاس عليها صفة «البرجوازية الصغيرة الجديدة» التي تتألف

من المستخدمين ذوي الياقات البيض والفنيين والملاحظين وموظفي الحكومة وغيرهم، وهناك آخرون ينظرون إلى هذه الطبقة

باعتبارها طبقة وسطى غير برجوازية أو مهنية، مشيرين إلى أن أعضاء هذه الطبقة يحتلون مواقع مهنية وفكرية وإدارية مختلفة، وهُم

من المدرسين وأساتذة الجامعات والتكنوقراط والمهندسين والأطباء والكتّاب والصحافيين والبيروقراط وضباط الجيش من الرتب

الوسطى. وبعبارة محددة، فإن هذه المجموعة لا تشكل طبقة بالمفهوم الماركسي، وإنما يمكن تحديدها سلبيًا في ضوء ما بقي بعد

التحديد الإيجابي الثلاثي (الأرستقراطية الزراعية، البرجوازية، البروليتاريا)، ويضاف إلى هذا أن الجذور الاقتصادية والاجتماعية

لأفراد هذه الطبقة متناقضة تمامًا؛ فالبعض منهم ينتمي إلى عائلات البرجوازية الصغيرة التقليدية الحضرية، والبعض الآخر ينتمي إلى

الطبقة العليا التقليدية، بينما، يتحدر آخرون من طبقة فقراء المدن العريضة، لكن نسبة كبيرة منهم هي عبارة عن أفراد ذوي أصول ريفية

أتوا إلى المدينة للاستفادة من الفرص الاجتماعية والاقتصادية المتاحة هناك. إن الأصول المختلطة لهذه الطبقة الوسطى الجديدة

التي ظهرت لتلبية الوظائف البيروقراطية والاقتصادية الجديدة في مجتمعات تشهد تطورات سريعة، تساعد في تفسير شهية هذه

الطبقة للسياسات الأيديولوجية. ومن الملاحظات ذات الأهمية البالغة في هذا الصدد أن هذه الطبقة تنمو في ظل الدولة. انظر في

هذا السياق: سالم، ص 92، ونيكوس بولانتزاس، السلطة السياسية والطبقات الاجتماعية، ترجمة عادل غنيم (القاهرة: دار الثقافة

الجديدة،.)1989

((5(عبد الفضيل، ص.151

(5((سلامة، المجتمع والدولة، ص.208

((5(حازم الببلاوي، «الدولة الريعية في الوطن العربي،» في: سلامة [وآخرون]، محررون، ص.285

الدولة النيوباتريمونيالية في المشرق العربي: في المنطق العصبوي وإعادة إنتاج الطائفية

كان خلدون النقيب قد استثمر مفهوم الدولة الريعية في مؤلفه الدولة التسلطية في المشرق العربي

ليبرهن عن علاقة الريع النفطي بالدولة التسلطية، التي تقوم شرعية الحكم فيها على القهر من خلال

ممارسة الدولة الإرهاب المنظَّم، من خلال تسهيله احتكار مصادر القوة والسلطة في المجتمع وبقرطة الاقتصاد. كما أشار جياكومو لوتشياني إلى الفكرة ذاتها في دراسته عن «الريع النفطي والأزمة المالية للدولة والتحرك نحو الديمقراطية»، حيث ينصبّ اهتمامه على دور الريع النفطي كعامل يؤدي إلى تأييد

الحكومة الاستبدادية. وبحسب لوتشياني، فإن «الدولة التي تحصل على ريع يتأتى من الخارج، كريع النفط، قد تشهد صراعات على السلطة، وقد تشهد انقسامات فئوية، ولكن من غير المحتمل أن تشهد مطالبة شعبية بالديمقراطية. ومع أن من البديهي أن يقوم الأفراد والجماعات والفئات، سواء داخل الصفوة الحاكمة أو خارجها، بكفاح متواصل من أجل توسيع نصيبها من الريع، فإن من النادر أن تقوم بالدعوة إلى الديمقراطية أو إلى توسيع المشاركة السياسية، وستوجد معارضة على الدوام، ولكن هذه المعارضة لن تكون أكثر ديمقراطية من الحكام، ولن تظهر الطرق الديمقراطية كحل أمثل لتحقيق الهدف المنشود، لأن لدى الجماعات كلها قائمة بالأولويات التي تخصها بالذات، الأمر الذي لا يصلح لتنظيم الإجماع وتأييد الأغلبية». يمكن النظر إلى علاقة الريع بالطابع التسلطي بوصفها ترسيخًا للنمط النيوباتريمونيالي للدولة، سواء تلك المنتجة للنفط أو التي اعتمدت وسائل أخرى لجذب الريع الخارجي. لقد كان تخصيص عوائد

الريع أحد المعطيات الأكثر حسامً في استقرار النظم النيوباتريمونيالية، لذلك لن يكون من قبيل المجازفة القول إن الدولة في المشرق، بشقيها العسكري والملكي، عرفت مع الريع حقبتها النيوباتريمونيالية الأكثر وضوحًا. هل تغير هذا المشهد مع نهاية الفورة النفطية وتراجع دور الدولة في ظل سياسات الانفتاح وسيادة آليات السوق الرأسمالية المحلية والعالمية التي تحولت إليها الدول الشرق الأوسطية منذ منتصف السبعينيات؟ لقد بدأت منذ ذلك التاريخ إعادة تشكيل الوظيفة الاقتصادية للدولة، فلم تعد «دالة الهدف» المعلنة لديها هي التنمية وإعادة التوزيع، وإنما الإصلاح الاقتصادي. أما وسائل العمل، فتنطلق من التخفيف من المسؤوليات والواجبات الاجتماعية التي كانت تسعى إلى ممارستها عبر ملكيتها للمشاريع، أو عبر الإنفاق العام، بما فيه من مخصصات الدعم السلعي والخدمي. في سنة 9711، بدأ اتخاذ ترتيبات التوجه نحو الانفتاح في مصر، وهي عملية بدأت في التبلور أكثر في ورقة أكتوبر التي تقدم بها السادات في نيسان/ أبريل 9741، ودعا فيها إلى تحرير القطاع العام، والاعتراف بما للقطاع الخاص من دور مهم في عملية التنمية. وعلى الرغم من أن التصريحات الرسمية تفاوتت منذ

ذلك الوقت في قوة التعبير عن الالتزام بهذه السياسة، فإن الأبواب التي فُتحت في سنة 974 1 لم تُغلَق

بعد ذلك أبدًا. وتحدد الباحثة المصرية ثناء فؤاد عبد الله النمط الجديد للممارسة الاقتصادية للدولة على

أساس إمكانية اختصارها في «زيادة وزن القطاع الخاص بالقياس إلى قطاع الدولة، وذلك في مجالات

(5((جياكومو لوتشياني، «الريع النفطي والأزمة المالية للدولة والتحرك نحو الديمقراطية،» في: ووتربوري [وآخرون]،.180 ص

شتاء 2015

الاستثمار والإنتاج والتشغيل، وإطلاق الآلية السعرية كأداة أساسية لتسيير الحياة الاقتصادية بديال لآلية التخطيط المركزي». في الحالة المصرية، تضاءل دور الدولة في خلق فرص عمالة جديدة، وهو ما

ترتب من ناحية على تخيلّ الدولة عن التزامها بتعيين خريجي الجامعات والمعاهد الفنية (وهو الالتزام الذي يعود إلى أوائل الستينيات) وترتب من ناحية أخرى على الانخفاض الكبير في استثمارات القطاع العام. لقد سعت إجراءات «التثبيت الاقتصادي» إلى تخفيض العجز في الموازنة الحكومية عبر تخفيض أو إلغاء الدعم المقدم لبعض السلع الأساسية، وتخفيض الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية الضرورية (التعليم، الصحة، الإسكان الشعبي، الضمانات والإعانات الاجتماعية). كما أن التخفيضات المقترحة عادة في أسعار صرف العملات الوطنية كجزء من حزمة سياسة التثبيت الاقتصادي عملت على رفع أسعار السلع والخدمات الضرورية، بينما يؤدي رفع أسعار الفائدة الذي يكون بدوره عنصرًا

متكررًا من عناصر هذه السياسة إلى إضعاف الحافز على الاستثمار، وهو ما يؤدي إلى تفاقم معدلات

البطالة. أما في المشرق، فيؤكد غسان سلامة اتجاهات انفتاحية مماثلة لسياسات الدولة لا تختلف عن تلك التي وصفتها الباحثة المصرية المذكورة من حيث النوع، وإن اختلفت عنها ربما من حيث الدرجة، فالإجراءات التي اتُّبعت في ظل سياسة الانفتاح انطوت كلها على تخفيض الدور الذي تقوم

به الحكومات في الاقتصاد. على الرغم من أن التقدم في هذا النمط يفترض تحرير المجتمع من القيود، فإن الحرية في سياق الانفتاح

الشرق الأوسطي لم تعنِ حرية الأفراد والجماعات السياسية وبناء المواطن، بل تحرير علاقات التجارة والاقتصاد، أو بالأحرى رفع القيود القانونية والأخلاقية والاجتماعية عن مالكي رأس المال. ولم يكن مسار عملية الانفتاح والخصخصة في مصلحة المجتمع المدني، بل تحول إلى خدمة قوى أخرى، ليؤدي، في تزامنه مع تكلس بنية السياسي، إلى ما بات يُعرف، وفق مصطلحات العلوم الاجتماعية والسياسية،

ب«اقتناص الدولة» أو «أسرها» من طرف شبكات تحتكر السلطة والثروة ومصادر القوة، وتعيق دمقرطة النظم السياسية وعقلنتها، وتتميز على مستوى الفساد الكبير بالتداخل الشبكي ما بين المستويين السياسي والاقتصادي في مرحلة تطبيق برامج الانفتاح واستخدامها قناة مشوهة في توزيع الثروة، هي تعميم الفساد.

(5((ثناء فؤاد عبد الله، الدولة والقوى الاجتماعية في الوطن العربي: علاقات التفاعل والصراع (بيروت: مركز دراسات الوحدة

العربية،0012)، ص.16

(5((ثناء فؤاد عبد الله، آليات التغيير الديمقراطي في الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 9971)، ص 96.2

((5(سواء تعلق الأمر بوصفة برامج التثبيت الاقتصادي للصندوق أو بوصفة برامج التكيف الهيكلي للبنك، فإن الوصفتين تنطلقان

من رؤية موحدة فحواها أن مأزق المديونية والركود الاقتصادي الذي تواجهه الدول النامية إنما يعود في التحليل الأخير إلى أخطاء

السياسات الاقتصادية الكلية الداخلية. بناء عليه، يتعين على الدولة المعنية، للخروج من هذا المأزق وذاك الركود، أن تقوم بإحداث

تغييرات جذرية في هذه السياسات، حتى لو تم ذلك بتكلفة مرتفعة وعلى حساب الأهداف الاجتماعية.

(5((محمد جمال باروت، «خلاصة تنفيذية،» في: إسماعيل الشطي [وآخرون]، الفساد والحكم الصالح في البلاد العربية: بحوث

ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع المعهد السويدي بالإسكندرية، ط 2 (بيروت: مركز

دراسات الوحدة العربية، 0062)، ص.54

الدولة النيوباتريمونيالية في المشرق العربي: في المنطق العصبوي وإعادة إنتاج الطائفية

كثر الحديث في حقبة الانفتاح وما بعدها عن تكوين تلك الإجراءات طبقة من رجال المصالح

انتعشت وتكاثرت في مناخ ما يسمّيه برهان غليون «رأسمالية المضاربة»، كفئة مهيمنة على مقدرات

الأمور الاقتصادية في بلد مثل مصر، أو كفئة رأسمالية قابضة متحالفة مع البرجوازيات البيروقراطية.

لقد نشطت الفئات الجديدة في مجالات تقع على هامش العملية الإنتاجية، مثل عمليات الوساطة

والسمسرة والمقاولات والمضاربات العقارية، إضافة إلى الحصول على التوكيلات التجارية. هذا التداخل

بين هذه الفئات وجهاز الدولة يدفع إلى نفي التفكير في اتجاه تراجع الدولة في حقبة الانفتاح؛ اذ يبدو أن

الدولة لم تتراجع ولم تقلص دورها، بل عدّلت من أشكاله وأساليبه. في هذا السياق، لو تتبّعْنا نزيه الأيوبي لتوجب علينا أن نلاحظ أن «على الرغم من ضعف جهاز التخطيط

وتدهور قدرة الدولة على توجيه الاقتصاد وتنسيقه والرقابة عليه، نجد أن سيطرة الدولة على المجتمع لم

تقل كثيرًا في التحليل النهائي بسبب استمرار الجهاز البيروقراطي بصفة عامة في التوسع والتحكم، ومن

مظاهر المفارقة أن التوسع البيروقراطي قد استمر في الحقبة ‹الساداتية› على الرغم من تقلص دور الدولة

الاقتصادي وتقليص القطاع العام، أي إن تضخم البيروقراطية إنما يقترن منذ 9741 بانكماش نسبي في

التصنيع والأنشطة الإنتاجية العامة». المسألة التي يجدر تأكيدها في سياق هذه التطورات هي أن دولة الانفتاح ليست أكثر من نمط خاص

للباتريمونيالية الجديدة؛ فعلى الرغم من وجود اعتقاد ساد خصوصًا لدى المشتغلين على الدولة في أفريقيا

ويفترض ببساطة أن القليل من الدولة يعني القليل من الزبونية، على أساس أن الدول ذات القطاع العام

الأصغر توفر فرصًا أقل لنمو الشبكات الزبونية من دول القطاع العام الكبيرة، فإن تجربة الانفتاح العربية

تثبت تجريبيًا (في نظر الكاتب على الأقل) أن ليس ثمة علاقة تضاد؛ إذ وفّر التخلص من القطاع العام من

خلال الخصخصة وبرامج الإصلاح الهيكلي فرصًا أكبر للفساد وبناء الشبكات الزبونية، وتحولت عمليات

الخصخصة نفسها إلى ما يشبه آلية لمنح المكافآت، وتحولت الموارد المخصخصة إلى أساس لبناء شبكات

جديدة تتنافس على ملكية ما كان مملوكًا للمجموع. إن إجراءات الانفتاح تدخل في إطار ما يمكن تسميته (باستعارة تعبير خلدون النقيب) ب«التأرجح بين

النماذج الفرعية للنيوباتريمونيالية». لقد كان المقصود بتلك الإجراءات حل مشكلات الأنظمة، وكان

المراد تجديد شرعية الأنظمة القائمة عن طريق توسيع قاعدتها أو تجميلها بالفئات الثرية الجديدة التي اشتد

عودها، وتريد الآن المشاركة في السلطة أو مشاركة السلطة في امتصاص المجتمع. يتضح أن النيوباتريمونيالية ظاهرة متعددة الأوجه ولا يمكن فهمها بالتركيز على واحد من أبعادها، سواء كان الشخصانية أو الزبونية أو الفساد، فالنمط قد يستمر، بل قد يتصاعد، حتى وإن تراجع أحد مكوناته

((5(الأيوبي، ص.150

((6(الأيوبي، ص 53.1 ضمن وجهة النظر ذاتها، انظر: نزيه الأيوبي، «البيروقراطيات العربية بين تضخم الحجم وتنوع الوظيفة،»

في: ووتربوري [وآخرون]،.585 ص

((6(يستعير البحث العبارة من خلدون النقيب في وصفه النماذج الفرعية للتسلطية العربية.

(6((رضوان السيد، «الدولة العربية المعاصرة وإعراض الجمهور عنها،» الاجتهاد، العدد 41 (شتاء 9921)، ص.248

شتاء 2015

الأساسية. إنها لا تُفهم إلا اعتمادًا على ملاحظة جميع أبعادها، وتتحرك صعودًا وهبوط ا بناء على الاتجاه

الذي تأخذه أبعادها في حركتها مجتمعة. عندها يصبح من الواضح أن نقل ملكية الدولة للخواص وتخفيض

عدد العاملين في المراتب الوسطى والدنيا من الخدمة العامة لا يمكن أن يعنيا خفضًا للنيوباتريمونيالية أو

عقلنةً للفضاء العام.

النيوباتريمونيالية ومأسسة الطائفية في عراق ما بعد سنة 2003

«بعد مرور أكثر من عشر سنوات على سقوط نظام صدام حسين، لا يزال العنف والتوتر بين السنّة

والشيعة والأكراد يهدد استقرار العراق وديمقراطيته الهشة، فقد فشلت النخبة السياسية العراقية في

تطوير نظام حكم شامل للجميع وتعززت الانقسامات الداخلية». بعبارات مثل هذه يشخّص

الباحث حارث حسن حال الأزمة الطائفية في العراق سنة 014.2 وبحسب هذا التوصيف الذي

يتشارك كثيرًا من المعالم مع محاولات أخرى مماثلة، وتتكلم في مصلحته وقائع كثيرة، فإن مقاربة بناء

الأمة في العراق ركزت على إيجاد ممثلين طائفيين أكثر من تركيزها على التغلب على الانقسامات الطائفية،

بحيث إن ما يحدث في عراق ما بعد سنة 0032 يمكن اختصاره تحت عنوان «مأسسة الهوية الطائفية»؛

ف«السلطة لا تزال تكتسب من خلال العصبية، والعصبية توصل إلى الرئاسة، والرئاسة لها طابع واضح

هو السيطرة على آلية الدولة». في الحالة العراقية، ثمة سياقات متصلة من ناحية وانقطاعات حاسمة من ناحية أخرى، ومن هنا نقترح

عددًا من الإيضاحات المهمة التي قد تقود ملاحظتها والوعي بها إلى الكشف عن كيف أن نظامين

متعارضين في الظاهر قد تماثلا بنيويًا في تأمين الشروط الضرورية لإعادة إنتاج الاستقطاب الطائفي.

فسقوط بغداد يمثّل في النموذج التحليلي الذي يصدر عنه البحث لحظة انكسار لنظام نيوباتريمونيالي

وانهيارًا لشبكاته الزبونية؛ لقد انكسرت هيمنة العصبية المتفوقة بسبب الغزو الأميركي، لتتحول من

عصبية مهيمنة داخل النظام إلى ضحية الطائفية والعصبية المعسكرة خارجه. هذا الانكسار لم يكن لمصلحة

تفكيك المنطق الباتريمونيالي، وليس لمصلحة الدولة الوطنية الحديثة، تلك التي حين تقوم بتوزيع السلطة

المادية والرمزية بين أفراد المجتمع على قاعدة التساوي في الحصص، وبالتالي التساوي في المسؤوليات، تعيد

بناء علاقات الولاء على نحو جديد تمامًا، يزول معه الولاء للبنى الطبيعية (بالمعنى الأنثربولوجي) ليقوم

بدالً منه ولاء ل«سيد» أعلى هو الدولة، ويكون هذا الولاء الذي يجري تحصيله في الدولة الوطنية بالرضا

الطوعي وليس بالإكراه والقسر بمثابة اعتراف جمعي بالمشاركة في بناء هوية جماعية. اللحظة ذاتها، أي لحظة - سقوط بغداد، تؤرخ لتأسيس نظام نيوباتريمونيالي سيعمد إلى تأسيس شبكاته

الجديدة. وكما كانت خطوط الولاء تتقاطع مع خطوط التقسيم الطائفي، سيستمر النظام في حشد الأتباع

((6(حارث حسن، «الأزمة الطائفية في العراق: إرث من الإقصاء،» (دراسة، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 32 نيسان/ أبريل

0142)، على الموقع الإلكتروني: org<. mec - carnige. >www.

((6(سلامة، «قوة الدولة وضعفها،» ص.223

(6((عبد الإله بلقزيز، «دور الدولة في مواجهة النزاعات الأهلية،» في: الأنصاري [وآخرون]، ص.78 - 77

الدولة النيوباتريمونيالية في المشرق العربي: في المنطق العصبوي وإعادة إنتاج الطائفية

والموالين اعتمادًا على عصبياتهم الطائفية. لقد استمرت الدولة في إعادة إنتاج البنى ما قبل الدولوية، ولم

يكن احتكار طائفة/عصبية ما للسلطة، بخاصة، أمرًا ممكنًا مع تضافر هذا الوضع مع غياب العدالة

التوزيعية للسلطة والثروة، ومن ثم الإحساس بالحرمان النسبي. وسواء كان هذا الحرمان حقيقيًا

أو متصورًا، فإنه يجر وراءه محاولات العصبيات الطائفية الأخرى (التي جرى الحط من شأنها) لاستعادة

السيطرة على الدولة وإخضاعها لمصالحها. لا تُحْدث التعبئة على أساس الهوية الطائفية أزمة للسلطة فحسب؛ فهي عندما حتُل الهويات المتصارعة

محل التعايش الذي هو الأساس الفعلي للسياسي، فإنما تهاجم مباشرة العقد الاجتماعي وحقيقة فكرة الجماعة. وفي السياق العراقي، لم يكن ما يتعرض للشك هو شرعية النظام فقط، بل شرعية الكيان ذاته أيضًا، لتبدأ باطراد عملية تكوين النظام الاجتماعي العصبوي، نظام الانغلاق الاجتماعي، الانغلاق الذي يعربّ عن نفسه في ميل كل عصبية إلى الانكفاء على ذاتها، وتعظيم كيانها الفرعي، وتثمير هويتها في

وجه غيرها من العصبيات. ربما يجري الاحتجاج بأن وصف النظام في عراق ما بعد سنة 0032 ب «النيوباتريمونيالي»، وإقامة تماثل بينه وبين عراق ما قبل ذلك التاريخ، يغضان النظر عن معطى أساسي هو الانتقال الديمقراطي الجاري في العراق، الأمر الذي يصعب معه الحديث عن أحد مكونات النظام النيوباتريمونيالي، وهو مركزة السلطة. سعيًا إلى قطع الطريق أمام مثل هذا الاحتجاج، يؤكد بحثنا في قراءته راهن العراق أن النمط

النيوباتريمونيالي لا يزال مهيمنًا، وأن الدولة ما زالت تتصرف كأنها طائفة، وما زالت الطائفة تتصرف

كأنها دولة. بناء عليه، إن ما سنكون مدعوين إلى مساءلته هو وجود انتقال ديمقراطي في العراق، وما

أُنشئ هو مجال سياسي صوري توجد فيه مظاهر حديثة للسياسة الغالب عليها أنها شكلية، وأن لا وظيفة لها إلا تأثيث المشهد النيوباتريمونيالي بديكور «حداثي» أو ديمقراطي يغلف علاقات الزبونية السياسية. إن تفحص السياسات والتسويات الطائفية التي تتأسس عليها السلطة في العراق تعربّ عن أزمة عميقة

في شرعية الدولة، ولا يمكن قراءتها إلا على أنها عجز فاضح عن تأسيس مجال سياسي حديث، حيث الدولة والسلطة حق عام، وحيث مبدأ الشرعية القبول الطوعي والحر للمواطنين بالنظام القائم الممثل للإرادة العامة. السياسة الوطنية في الدولة الديمقراطية تدور حول الرأي العام، أي الرأي الذي يشكل خلاصة رأي الأفراد وليس الجماعات، والذي يتبلور في التنافس بين النخب السياسية ذات البرامج المتعددة والمتباينة والمتناقضة أحيانًا، على كسب تأييد الأفراد ونيل ثقتهم ببرامجها السياسية، وبالتالي ضمان التصويت لها أو تأييدها في مواقفها. أما الأغلبية المنبثقة عن انتخابات تخترقها التكتلات غير السياسية والولاءات الطائفية، فلا يمكن أن تعربّ عن أغلبية اجتماعية، ولا يمكن أن تضع نفسها والسلطة

العمومية التي تسقط بين يديها في خدمة الجماعة العمومية، فهي لا تحقق انتصارها على أساس معايير

(6((سعد الدين إبراهيم [وآخرون]، المجتمع والدولة في الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 9881)، ص.47

((6(بلقزيز، ص.51

شتاء 2015

سياسية نابعة من نوعية البرامج التي تقترحها على الشعب ككل وتطلب موافقته عليها، والتي ترتبط بتحقيق مصالح مشروعة، ولكن على أساس معايير غير سياسية تتنافى وإعادة إنتاج الجماعة الوطنية كجماعة موحدة - أي سياسية - وهي شرط وجود الأمة ومن ورائها الدولة التي تكرس وجودها وتضمن استمرارها. إن خروج الدولة العراقية، وربما العربية بشكل عام، من مأزقها البنيوي الراهن سيظل ممتنعًا ما

لم يُرد الاعتبار إلى مؤسسات المجتمع المدني، وما لم تتم دمقرطة العلاقات المجتمعية والفصل بين

المجتمع المدني والسياسي والدولة. من هنا تبدو المهمة الأكثر راهنية وإلحاحًا في السياق العراقي

والمشرق العربي بعامة، هي إعادة بناء الدولة الوطنية من جديد، وهو ما يعني أن المنطقة بحاجة إلى عقد سياسي واجتماعي جديد ينظم علاقة الدولة بالمجتمع، ويؤسس لتغيير جذري في آليات العمل والمضامين والممارسات السياسية والاجتماعية، ومن ذلك ضرورة إنجاز عملية بناء الدولة كمؤسسات راسخة وفعالة مستقلة عن شخص الحاكم، وكإطار قانوني وحقوقي يشمل الجميع

من دون إقصاء أو استبعاد؛ فهي، أي الدولة الحديثة، تحتاج إلى المجتمع المدني بديالً من المجتمع الطبيعي العصبوي، ليكون قاعدة نشوء مجال سياسي حديث، تبرز فيه وعبره قوى جديدة تخترق العصبيات، ويتكون من خلاله رأي عام يدرك أن الدولة ليست إطار تقاسم المغانم وتنمية المصالح الخاصة، وإنما هي، على العكس من ذلك، الإطار الوحيد.