Return to Article Details The Premises of the “Time Gap” in the Intellectual History of Civil Society

فرضيات ''الفجوة الزمنية'' في التاريخ الفكري للمجتمع المدني

The Premises of the “Time Gap” in the Intellectual History of Civil Society

الشامي الأشهب يون *س

الملخّص

* باحث في جامعة محمد الخامس، السويسي – الرباط.

Abstract

The concept of “Civil society” disappeared for a time from circulation for reasons that are obscure, only to later re-emerge. Whatever the difficulty in grasping both the reasons underlying the disappearance of civil society and the reasons for its ''revival'', it is not possible – at least at the epistemological level – to overlook the matter because of its relevance to the ''perception'' of some of the fundamental complications of this concept, and because of the importance of understanding the origins and premises of the contemporary articulation of the concept of civil society. If this temporary disappearance of civil society has opened up a ''time gap'' in the intellectual history of the concept, the revival of civil society likewise creates a parallel ''intellectual gap'' observable in the semantic differences between two distinct phases in the evolution of the concept. Accordingly, this article attempts to understand the reasons for the disappearance of the concept of civil society on the one hand, and for its ''return to life” on the other, towards an approach to the central problematic: to what extent has the revival of the concept of civil society in “political thought” contributed to the reformulation of the standing of the concept, a system of developing democracy?

الكلمات المفتاحية:
  • فجوة زمنية
  • مجتمع مدني
  • فجوة فكرية
  • تاريخ فكري
  • مقاربة سلوكية
Keywords:
  • Time Gap
  • Civil Society
  • Intellectual History
  • Intellectual Gap
  • Behavioral Approach
  • Democracy

اختفى المجتمع المدني من حقل التداول لأسباب غير واضحة، و«يصعب » جردها، ثم ظهر

من جديد لأسباب تبدو أقل غموضًا من أسباب الاختفاء. وعلى الرغم من «صعوبة»

إدراك أسباب اختفاء المجتمع المدني وأسباب إعادة «الإحياء» معًا، فإنه من غير الممكن

-من الناحية المعرفية على الأقل- تجاوز هذا الأمر، لأن له أهمية بالغة على مستوى «إدراك»

بعض الإشكاليات الأساسية لهذا المفهوم، كما أن له أهمية بالغة على مستوى فهم أصول

ومقدمات التداول المعاصر لمفهوم المجتمع المدني. وإذا كان اختفاء المجتمع المدني قد صنع «فجوة زمنية» في التاريخ الفكري لهذا المفهوم، فإن

إحياء المجتمع المدني سيعكس «فجوة فكرية» موازية أنتجها الفارق الدلالي بين مرحلتين

«مختلفتين» من مراحل تطور المفهوم. بناء عليه، يُسِّد هذا المقال محاولة لفهم أسباب اختفاء مفهوم المجتمع المدني من جهة،

وأسباب «إعادة» إحيائه من جهة أخرى، في أفق مقاربة الإشكالية المركزية: إلى أي حد

ساهم إحياء مفهوم المجتمع المدني في الفكر «السياسي» في إعادة صوغ منزلة هذا المفهوم

ضمن منظومة تنمية الديمقراطية؟

ظلَّ السؤال الخاص بأسباب اختفاء/ إحياء المجتمع المدني، السؤال الم حيِّ/ «الغائب» داخل

أدبيات الفكر «السياسي»/ «السوسيو- سياسي»، والنظرية السياسية إجمال، مع وجود درجة

تفاوت من حيث منسوب «الغموض» لمصلحة أسباب الاختفاء، أي، لماذا سقط المفهوم من دائرة

ربيع 2015

الاستعمال؟ إذ غالبًا ما يشار بشكل عابر ومُمل إلى بعض الأسباب، ومن ثمَّ، فإن مقاربة هذا «السؤال

المزدوج» تقتضي نهج أسلوبين: يتعلَّق أحدهما ب«التقصي»/ التحقيق، في حين يتعلَّق الآخر ب«التجميع /» التركيب، في محاولة لبناء «الصورة» الإجمالية أو لإعادة صوغها. من اللافت للانتباه في هذا السياق أن نجد خوان سيباستيان فيرناندز يذهب إلى أن: «قبل أن نحدد المقاربات النظرية والمفهومية للمجتمع المدني، من الضروري أن نأخذ بعين الاعتبار الأسباب التي أدت إلى إحياء مفهوم المجتمع المدني». وبغضّ النظر عن الأسباب الماثلة خلف هذا «الإقرار»، فإن الثابت

إجمالً -في ما يبدو- هو أنه يصنع «مشروطية» عامة تحيل إلى أن تحديد أسباب إحياء المجتمع المدني يُعتبر

«شرطاً» موضوعيًا سابقًا على تحديد المقاربات النظرية والمفهومية للمجتمع المدني ذاته؛ وإذا كان هذا

«الإقرار» يجسِّد مرجعية معرفية بأهمية نوعية على مستوى فهم طبيعة المفهوم المركزي للدراسة، فإن فهم

أسباب إحياء المجتمع المدني يرتبط حتمً بالمآلات المعاصرة لمقولتي الاختفاء والإحياء. بناء عليه، فإن تصريف عناصر الإجابة عن هذه الإشكالية سيتمُّ بناء على تقسيم معرفي لا بناء على تقسيم

زمني؛ أي إن مقولة الإحياء ستُشك ل موضوعًا للمحور الأول، في حين يتضمن المحور الثانيمقولة

الاختفاء؛ على اعتبار أن هذا «الموضوع» لا يتغيا دراسة أسباب الإحياء في ضوء مقولة الاختفاء، بل يقصد دراسة أسباب الاختفاء في ضوء مقولة الإحياء، على أساس أن مقاربة إحياء مفهوم المجتمع المدني ستساهم في بسط مهاد نوعي لفهم «مسارات» المجتمع المدني في علاقته بمفاهيم موازية من قبيل الديمقراطية، أو بتعبير أدق، تنمية الديمقراطية (المحور الثالث.)

المحور الأول: فرضيات «إحياء» مفهوم المجتمع المدني

يذهب بعض الباحثين إلى أن لفكرة المجتمع المدني تاريخًا طويلً ومتميِّزًا في النظرية السياسية، لكنه غامض

جدًا. وقد تمَّ إحياء هذه الفكرة «لكي تتناسب مع مجموعة متنوعة من الحاجات الأيديولوجية والفكرية

والعملية». يمكن تفسير إعادة الاعتبار إلى مفهوم المجتمع المدني كمصطلح ينتمي إلى خطاب «علم الاجتماع» و«علم

السياسة» من خلال دوره في تفسير أزمة الدولة التنموية؛ «إذ قدَّم الأساس الفكري للنضال ضد سلطة الدولة، بل وحدَّد القوى السياسية التي تقود هذا النضال؛ لقد بزغ المصطلح في سياق بروز الحركات الاجتماعية ضد الدول الشيوعية في أوروبا الشرقية في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات؛ خصوصًا

حركة ‹تضامن› في بولندا، وكثير من مجموعات المعارضة في هنغاريا، وتشيكوسلوفاكيا، ويوغسلافيا، كما امتد إلى أماكن أخرى وسياقات أخرى مثل: أميركا الجنوبية، وأفريقيا جنوب الصحراء، وتايوان»، حيث

(1) Juan Sebastián Fernández Prados, «Cultura y valores de la sociedad civil: Las Entidades de voluntariado,» Reis: Revista Española de Investigaciones Sociológicas , no. 102 (April-June 2003), p. 148. (2) Gordon White, «Civil Society, Democratization and Development: Clearing the Analytical Ground,» in: Peter Burnell and Peter Calvert, eds., Civil society in Democratization (London; Portland, OR: Frank Cass, 2004), p. 6.

فرضيات «الفجوة الزمنية» في التاريخ الفكري للمجتمع المدني

أصبحت هذه الفكرة تشتغل بوصفها «الصورة المثالية المقابلة أو المضادة لسلطة الدولة، وأحيانًا أخرى تعمل كتجسيد للفضيلة الاجتماعية التي تواجه الرذيلة السياسية». بدأت عودة المجتمع المدني الحالية كمفهوم وكأداة تحليلية ومعيارية إذًا في الثمانينيات في تعامل النظرية السياسية مع السياق البولندي بشكل خاص، والأوروبي الشرقي بشكل عام، «وذلك لتأطير حركة ‹تضامن› البولندية كتمرد المجتمع ضد وحدانية الدولة والحزب، في ظل التأسيس لخيار التحرك الاجتماعي القائم على تميُّز المجتمع من الدولة، ومع انهيار المعسكر الاشتراكي سيتمُّ تعميم هذه الأداة». واضح إذًا أن الأمر ارتبط ب «النضال ضد النموذج الكلياني في البلدان الاشتراكية؛ إذ نجحت الكنيسة الكاثوليكية ونقابة ‹تضامن› في ترميز المجتمع المدني من جديد»، بحيث سينتعش هذا الخطاب في

الثمانينيات، مساهمًا بذلك في «تفكيك المجتمعات التوتاليتارية. ومن الأسباب الرئيسية لهذا الاتفاق/ التوافق بشأن المجتمع المدني، نجد أن مع السبعينيات والثمانينيات «قاد مفكرو أوروبا الشرقية، والناشطون السياسيون، وقادة الاتحادات التجارية تحدِّيًا ثابتًا ومستمرًا

لسلطة ‹الدول الستالينية› عن طريق استحضار مفهوم المجتمع المدني»؛ «إن سلطة هذه الفكرة عبَّ ت عن

نفسها بقوة سنة 1989 عندما انهار عدد كبير من الدول في ظل المطالبة الشعبية بالحريات المدنية والسياسية في مجال أطلقوا عليه المجتمع المدني:» بالفعل، فإن التغيُّ ات السياسية التي بلغت أوجها مع سقوط جدار برلين أعطت فكرة المجتمع المدني

شهرة/ صيتًا لم تحظ به منذ عصر التنوير في القرن الثامن عشر. استنادًا إلى ذلك، سيدخل المجتمع المدني أخيرًا إلى «المدار» بعد أن تبنّاه المفكرون في أوروبا الشرقية

[خاصة بولندا]، وأميركا اللاتينية «في صراعهم مع الدول السلطوية، وفي وقت لاحق تمَّ النظر إلى

المجتمع المدني كآلية للتوفيق بين الاشتراكية والديمقراطية»، بل كوسيلة لتأسيس علاقة أكثر اندماجًا بين

الاشتراكية والديمقراطية؛ من هذا المنظور فُهم المجتمع المدني بأنه مصطلح يُ دِّد الأسس السوسيولوجية

للديمقراطية الحديثة.

(((المصدر نفسه، ص.7

(((عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية (مع إشارة للمجتمع المدني العربي)، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

2008)، ص.30-29

(((عبد الباقي الهرماسي، «المجتمع والدولة في الممارسة السياسية الغربية من القرن التاسع عشر إلى اليوم: دراسة نقدية،» في:

المجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة

العربية، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)، ص.101

(((جان كوهن، «المجتمع المدني والديمقراطية (حوار أجراه إيف سانتومي)،» في: ما هو المجتمع المدني؟، ترجمة وتأليف

مصطفى أعراب ومحمد الهلالي (الرباط: مطابع أمبريال، 1999)، ص.34

(7) Neera Chandhoke, «The ‘Civil and the ‘Political’ in Civil Society: The Case of India,» in: Burnell and Calvert, eds., p. 144. (8) Michael Edwards, Civil Society , 2 nd ed. (Cambridge, UK; Malden, MA: Polity Press, 2009), p. 12. (9) Sunil Khilnani, «The Development of Civil Society,» in: Sudipta Kaviraj and Sunil Khilnani, eds., Civil Society: History and Possibilities (Cambridge, UK; New York: Cambridge University Press, 2001), p. 16.

ربيع 2015

في موازاة ذلك، يذهب بعض الباحثين إلى أن إحياء الاهتمام بالمجتمع المدني «نشأ ضمن جهود الطبقة المثقفة في أوربا الشرقية لدمقرطة ‹الاشتراكية القائمة› إذ تركزت جهودهم ضد احتكار دولة الحزب للنشاط السياسي». ارتباطًا بذلك، فإن استحضار المجتمع المدني في أوروبا الشرقية تضمَّن ثلاثة معانٍتاريخية: المعنى الأول: قامت حجة المجتمع المدني على تقييد سلطة الدولة غير المحدودة، أو غير الخاضعة للمراقبة، وذلك عن طريق مأسسة الحقوق السياسية والمدنية، وسيادة القانون. المعنى الثاني: قامت حجة المجتمع المدني على تطوير مجال مستقل وظيفيًا عن تنظيم الدولة؛ حيث في إمكان

الشعب الاندماج في «مشاريع» من جميع الأنواع، بمعزل عن سيطرة الدولة. المعنى الثالث: قامت حجة المجتمع المدني على الحث على تضمين قضايا مهمة في الأجندة السياسية. تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن مصطلح المجتمع المدني عاد من خلال كتابات المنظِّر الماركسي أنطونيو

غرامشي الذي أحيا المصطلح ليُصوِّر المجتمع المدني «نويةً خاصة للنشاط السياسي المستقل؛ إنه مجال حاسم

ومهم في النضال ضد الاستبداد». وقد كانت كُتب غرامشي ذات تأثير بالغ في السبعينيات والثمانينيات في سياق النضال ضد الاستبداد في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية. وأعيد إحياء فكرة المجتمع المدني مرتين: مرة في سياق «صراع الشيوعية الأوروبية مع النظام الستاليني في الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية في الستينيات والسبعينيات، في محاولة لشق طريق خاص بالشيوعية في أوروبا الغربية يختلف جذريًا عن رأسمالية الدولة ودكتاتورية الحزب الشيوعي في الدول الاشتراكية»،

ومرة أخرى مع إحياء فكرة المجتمع المدني في الثمانينيات في سياق «محاولة الفكر الماركسي البحث عن موطئ قدم في هذه المناقشة». من ثمَّ، يعكس بروزُ فكرة المجتمع المدني من جديد منظورًا خاصًا لربط الفعل السياسي أو القرار الذاتي

بالمجتمع وليس بالدولة. في المقابل، ساهمت الأزمة الواضحة لدولة الرفاه في السبعينيات في «البحث عن براديغم جديد في الولايات المتحدة الأميركية وأماكن أخرى، لكن النتيجة الأولية تمثَّلت في حلول نيوليبريالية مستندة إلى اقتصاديات السوق القادرة على معالجة المشكلات كلها».

(((1 جون إهرنبرغ، المجتمع المدني: التاريخ النقدي للفكرة، ترجمة علي حاكم صالح وحسن ناظم؛ مراجعة فالح عبد الجبار

(بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص.371

(11) Chandhoke, p. 144. (12) Thomas Carothers, «Think Again: Civil Society,» Foreign Policy , no. 117 (Winter 1999-2000), p. 19.

(((1 بشارة، ص.200

(14) Gideon Baker, Civil Society and Democratic Theory:Alternative Voices , Routledge Innovations in Political Theory (London; New York: Routledge, 2002), p. 89. (15) Bob Edwards and Michael W. Foley, «Civil Society and Social Capital: A Primer,» in: Bob Edwards, Michael W. Foley and Mario Diani, eds., Beyond Tocqueville: Civil Society and the Social Capital Debate in Comparative Perspective , Civil Society: Historical and Contemporary Perspectives (Medford, Mass: Tufts University, 2001), p. 4.

فرضيات «الفجوة الزمنية» في التاريخ الفكري للمجتمع المدني

«لقد شهد العقد الأخير من القرن العشرين انتصارًا مفاجئًا للمجتمع المدني حول العالم، في موازاة الانهيار

غير المتوقع للكتلة الشيوعية»، بالإضافة إلى قضايا تنمية الديمقراطية والدمقرطة في العالم الثالث، مع أزمة الأنظمة الكينزية؛ و«كل هذه المعطيات كانت شواهد على أن المجتمع المدني أثبت أخيرًا ذاته في مواجهة

الدول الاستبدادية». إن ظهور الاهتمام بالدولة صاحَبه اهتمام أكبر بالمجتمع؛ إذ «أصبح المثقف يهتمُّ أكثر بالمحور الأفقي

من خلال الاهتمام بالنسق الاجتماعي والممارسة الاجتماعية بدل الاهتمام العمودي المُتَّجه نحو ‹الأعلى ›

السياسي الدولتي»، وهذا التغيُّ في زاوية الرؤية مرتبط بثلاث حركات: - انهيار المعسكر السوفياتي، ذلك أن أطروحة الدولة القوية مرتبطة بتكوين هذا المعسكر. - اكتشاف التجربة الاجتماعية، حيث فُرض المجتمع كموضوع مركزي للتحليل وكموضوع تاريخي في مقدوره أن يصبح قاعدة لحركة اجتماعية مستقلة. - ظهور فاعلين اجتماعيين جدد (الشباب، النساء)، بالإضافة إلى زيادة حجم الفئات الوسطى [صحافيون، أساتذة، موظفون، محامون، أطباء...] ونوعها. بالإضافة إلى ذلك، تتطور تنظيمات المجتمع المدني كردّة فعل أو نتاج انهيار في وظائف الدولة في بعض

المجالات: في حماية البيئة، ورعاية الفقراء، ومحاربة الأمية، وتقديم العناية الصحية، والحلقات الدراسية الدينية. هكذا، فإن تراجع دور الدولة يخلق شروط بروز المجتمع المدني. في موازاة هذا التراجع، كان على الدولة أن تُعيد تحديد وظائفها، سواء على مستوى المضمون أو على مستوى المدى/ النطاق؛ لقد تحوَّلت الدولة على مستويات أبعادها وطبيعة تدخلاتها وطبيعة علاقاتها

بالسوق والوكلاء الاقتصاديين والاجتماعيين؛ فالمجال المؤسساتي والمعياري أظهر قصورًا يحدُّ من فعالية

المؤسسات الدولتية، ويُقيِّد مشاركة المواطنين، ويُؤثِّر في صدقية المؤسسات الديمقراطية. إن إعادة تحديد وظائف الدولة من حيث المضمون والمدى/ النطاق سهَّلت ازدياد حضور المجتمع المدني

ومشاركته، كما أن هذا المجتمع استطاع الاضطلاع بوظائف ومهمات كانت مخصصة بشكل حصري للدولة والأحزاب السياسية.

(16) Sung Ho Kim, Max Weber’s Politics of Civil Society (Cambridge, UK; New York: Cambridge University Press,

2004), p. 2.

(((1 علي الكنز، «من الإعجاب بالدولة إلى اكتشاف الممارسة الاجتماعية،» في: المجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في

تحقيق الديمقراطية، ص -208.214

(18) Mehran Kamrava and Frank O. Mora, «Civil Society and Democratisation in Comparative Perspective: Latin America and the Middle East,» Third World Quarterly, vol. 19, no. 5 (December 1998), p. 896. (19) Gabriel Murillo Castaño and Rafael Toribio, «Democracia, Partidos Politicos, y Sociedad Civil,» (Red Interamericana para la Democracia, Novembre 2002), p. 35.

(((2 المصدر نفسه، ص.36

ربيع 2015

وساهم مفهوم المجتمع المدني -على الرغم من عدم وضوحه- في لفت الانتباه أو تسليط الضوء على

الأبعاد المهمَلة للمجتمعات الحديثة؛ فبينما يجري تصوره كإجابة عن إخفاقات دولة القرن العشرين، فإن

إعادة اكتشاف المجتمع المدني -سواء في أميركا أو في الخارج- انبثقت عن رفض هيمنة البُعد الاقتصادي

في الفكر الاجتماعي الحديث؛ وبهذا الصدد، فإن حجج المجتمع المدني «تنتقد النماذج الاقتصادية المهيمنة/

المسيطرة - الماركسية أكانت أم النيوكلاسيكية- على نحو قيَّد أو اختصر التنظيم الاجتماعي»؛ وعن طريق

توجيه الاهتمام التحليلي إلى التنظيمات الاجتماعية، والفاعلين الجماعيين/ المجتمعيين وأشكال الفعل التي

أقصتها المنظورات الاقتصادية المسيطرة، فإن لهذا المجهود قيمة موجِّهة مُهمَّة، وجديرة بالاهتمام. ارتباطًا بذلك، هناك من اعتمد على مدخل أنماط ممارسة الديمقراطية لتفسير إحياء المجتمع المدني من

خلال استحضار نموذج التغيُّ السياسي في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي السابق، وأجزاء واسعة

من العالم النامي خلال التسعينيات. في سياق ذلك، وفي ظل اختلال التوازن بين الديمقراطية التمثيلية

وبعض الصور الأخرى للديمقراطية -هذا الاختلال يقوده الاستياء من السياسة التقليدية/ المألوفة،

بالإضافة إلى جاذبية الوسائل البديلة للمشاركة- فإن الدور السياسي للجمعيات الطوعية سيستمر في

التزايد والتطور. يتصل بذلك أن الذي سيساهم بقوة في تنامي المجال السياسي للجمعيات الطوعية هو «فقدان الأحزاب

السياسية للشرعية والصدقية، فقد أبان عدد كبير من استطلاعات الرأي حول العالم تراجع سمعة

الأحزاب السياسية» باعتبارها ركيزة جوهرية للديمقراطية التمثيلية. هكذا نجد «المدافعين الراديكاليين عن المجتمع المدني -وفي ظل تراجع مستوى الثقة في الأحزاب

السياسية- يُقدِّمونه كبديل ممكن؛ مع ذلك فإن غالبية المدافعين عنه ينظرون إليه كفاعل مُكمِّل داخل

النسق السياسي، وليس كبديل لأي فاعل آخر». نجد في السياق أن من أسباب تزايد الاهتمام بالمجتمع المدني وتزايد ظهوره، بروز قضايا واهتمامات جديدة

بالنسبة إلى المواطنين؛ فهناك قضايا مهمَّة، مثل البيئة التي لم تكن جزءًا من أجندة الأحزاب السياسية

التقليدية؛ ذلك أن تنظيمات المجتمع المدني هي التي وضعت هذه القضايا الجديدة في الأجندة الوطنية إلى

درجة أن بعض هذه الاهتمامات الجديدة أدَّت إلى ولادة أحزاب سياسية تتَّخذ منها قضايا رئيسية من قبيل

الأحزاب الخضر في بعض دول أوروبا. هناك في موازاة ذلك عنصر أساسي ساهم في نمو/ زيادة تنظيمات المجتمع المدني في أميركا اللاتينية

(خصوصًا البرازيل والتشيلي)، وهو التغيُّات العميقة التي شهدتها الكنيسة؛ فبعد مؤتمر بيشوب

(Bishop) في ماديلين (كولومبيا)، تبنَّت الكنيسة في أميركا اللاتينية أجندة الفقراء التي تشدد على الإصلاح

(21) Edwards and Foley, p. 5. (22) Edwards, p. 12. (23) Castaño and Toribio, p. 32.

(((2 المصدر نفسه، ص.27-26

(((2 المصدر نفسه، ص.33

فرضيات «الفجوة الزمنية» في التاريخ الفكري للمجتمع المدني

ذاتها، وقد ساهمت هذه المعطيات في تعدُّد المجتمع المدني وتنوعه».

أو عوامل خاصة بكل سياق أو تجربة.

وتحولاتها؛ «إنقاذ» المصطلح في الخطابات الفكرية أو إعادة الاعتبار إليه. في المقابل، يذهب أحد الباحثين إلى بسط الأسباب التالية: - انهيار جدار برلين مع سلطويات أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي السابق. - ضعف الدولة الأمة. - إخفاق الكثير من النماذج التنموية. - تكاثر الشركات المتعددة الجنسيات، وتزايد عدد المنظمات غير الحكومية. - انبثاق الديمقراطية في جميع أرجاء العالم.

في الخمس عشرة سنة الماضية، بالنظر إلى مجموعة من الأسباب، يمكن إجمالها في ما يلي: - سقوط/ انهيار الشيوعية، والانفتاح الديمقراطي الذي تلا هذا السقوط/ الانهيار. - خيبة الأمل تجاه النماذج الاقتصادية والسياسية القديمة/ التقليدية. - التوق إلى العمل المشترك في عالم يبدو أنه غير مستقر/ آمن بشكل متزايد. - البروز السريع للمنظمات غير الحكومية في الساحة العالمية.

الاجتماعي والعدالة والتصدي القوي لانتهاكات الدولة لحقوق الإنسان. وعن طريق تشكيل «الجماعات

الأساسية»، ارتفع مستوى تنظيم المجموعات الم همَّشة، كما أن الممارسات التشاركية لهذه الجماعات أعدَّت

أعضاءها قبْلً للمطالبة بفُرص المشاركة في العملية السياسية، «هذه الجماعات الأساسية أصبحت بمثابة

التنظيمات التي تعلَّمت منها باقي المجموعات/ الجمعيات والاتحادات التجارية، وجمعيات الحي تنظيم

إن هذا المعطى الأخير يؤكد وجود عوامل تُفسِّ عودة المجتمع المدني بقدر ما يؤكد أن هناك ظروفًا خاصة

لكن، إذا كان كل باحث يُدرج العامل الذي يعتقد أنه ساهم في إعادة إحياء مفهوم المجتمع المدني، فإن

البعض الآخر اختار مسارًا مختلفًا يتمثَّل في محاولة تجميع هذه الأسباب؛ فقد ذهب خوان سيباستيان إلى

أن هناك ثلاثة عوامل رئيسية هي: حقيقة الممارسة الاجتماعية والسياسية؛ أزمة النماذج الاجتماعية

في حين يذهب مايكل إدواردز إلى أن للمجتمع المدني تاريخًا غنيًّا لكنه لم ينتقل إلى مركز الساحة الدولية إلا

(26) Kamrava and Mora, p. 902. (27) Prados, p. 148. (28) Saad Eddin Ibrahim, «The Troubled Triangle: Populism, Islam and Civil Society in the Arab World,» International Political Science Review , vol. 19, no. 4 (October 1998), p. 373. (29) Edwards, p. 2.

ربيع 2015

مثل توكفيل، «تطل ع ترومان إلى الرغبات اللارسمية اللاسياسية لضمان وحدة متجاوبة ومأمونة في نظام سياسي مُعقَّد» [...]. وفي أواسط الستينيات، طبَّق غابرييل ألموندو سيدني فيربا تقنيات المسوحات

الميدانية الحديثة لوصف إمكانية مساهمة «الثقافة السياسية» في تحصين «قواعد اللعبة» بحسب مفهوم ترومان «وتَعزَّز الاتجاه القوي السائد في علم السياسة الأميركي لعزو فاعلية النظام واستقرار نظام الحكم

إلى عوامل لاسياسية، فقد أظهر تركيز التعددية على مجموعات المصالح أهمية علم الاجتماع المكتشفة حديثًا». إن الهدف الحاسم/ المهم بالنسبة إلى المنظ رين الاجتماعيين لما بعد الحرب، تمثَّل في تحديد الشروط الاجتماعية التي تعزز مؤسسات الديمقراطية الليبرالية أو تدعمها، وتعزز مصادر القوة أو الضعف في الأنظمة السياسية الديمقراطية أو تدعمها، وقد أكد هؤلاء الباحثون أن الأمر يتطلب النظر في البنية الاجتماعية. لقد استطاع إدواردز درس عوامل تطور المجتمع المدني بكثير من الدقَّة والتأسيس؛ إذ ذهب في المقام الأول إلى أن هناك ثلاث مدارس قاربت المجتمع المدني، وهي: المجتمع المدني كجزء من المجتمع (الحياة الترابطية)؛ المجتمع المدني كنوع من المجتمع؛ المجتمع المدني كمجال عام. إن المجتمع المدني كحياة ترابطية هو المفهوم السائد منذ نهاية الحرب الباردة؛ إذ ليس هناك من شك في أن الأفكار «النيوتوكفيلية» بشأن المجتمع المدني كانت المستفيد الأول من التغيُّ ات السياسية والأيديولوجية

الواسعة التي أعادت تحديد سلطات ومسؤوليات كلٍّ من الدولة والأسواق والجمعيات الطوعية في أفق الخمس والعشرين سنة الماضية؛ وعلى المستوى الواسع، تستطيع المجتمعات حل المشكلات الجمعية/ الجماعية عبر ثلاثة طرق هي: سيادة القوانين المدعومة بسلطة إكراه الدولة؛ النتائج غير المقصودة لقرارات الأفراد والسوق؛ الآليات الاجتماعية المتضمنة في الفعل الطوعي والمناقشة والاتفاق. والجدير بالذكر أن الثقل/ النفوذ المتصل بهذه النماذج انتقل بطريقة دالة: في المقام الأول: سيطرة الحلول المتأسسة أو المستندة إلى الدولة؛ من سنة 1945 إلى أواسط السبعينيات (فترة دولة الرفاه في الشمال والتخطيط المركزي في الجنوب.) في المقام الثاني: سيطرة الحلول المتأسسة أو المستندة إلى السوق، وذلك من أواخر السبعينيات إلى التسعينيات، أو نحو ذلك (فترة «الريغانوميكس» Reaganomics في الشمال والتقويم الهيكلي في الجنوب.) في المقام الثالث: الاستياء تجاه نتائج هذين النموذجين -الأثر الخافت للتدخل المفرط للدولة، والنتائج أو

التكلفة الإنسانية للاعتماد المفرط على السوق- تطلّب مقاربة جديدة تُوجِّه نتائج فشل الدولة والسوق

كليهما.

(((3 إهرنبرغ، ص.384-383

(31) Sheri Berman, «Civil Society and Political Institutionalization,» in: Edwards, Foley and Diani, eds., p. 33. (32) Edwards, pp. 10-11.

(((3 المصدر نفسه، ص.11

فرضيات «الفجوة الزمنية» في التاريخ الفكري للمجتمع المدني

هذه المقاربة الجديدة التي نالت قوة/ مقدرة خلال التسعينيات اتخذت مُسمَّيات كثيرة، منها: «الطريق

الثالث»، «الإقليمية الجديدة»، «المحافظة الرحيمة»، لكن عقيدتها الأساسية تمثَّلت في أن «الشراكة بين القطاعات الثلاثة التي تعمل معًا في المجتمع: العام والخاص والمدني، هي الطريقة الأمثل لتجاوز

المشكلات الاقتصادية والاجتماعية». ارتباطًا بجميع المعطيات أعلاه، يبدو أن شروط مقاربة أسباب اختفاء المجتمع المدني «نضجت»؛ بناء عليه، فإن الضرورة المنهجية والمعرفية تفرض تحقيق نوع من «الارتداد المنهجي» لكي نطرح السؤال التالي: لماذا اختفى المجتمع المدني؟ أو لماذا سقط المجتمع المدني من دائرة الاستعمال؟ إن إثارة هذا السؤال تستند إلى مرجعية تاريخية تُفيد بأن استعمال مفهوم المجتمع المدني «عرف نوعًا

من الخمود حتى فترة متأخرة من القرن العشرين، حين اختفى من المعاجم ومن النقاش الفكري عمومًا».

المحور الثاني: فرضيات «اختفاء» مفهوم المجتمع المدني

جرى إحياء مفهوم المجتمع المدني أول مرة في التراث الثقافي الغربي في القرن الثامن عشر لمجابهة التراث الاستبدادي للدولة الأوروبية. وعلى الرغم من بروز المفهوم في ظروف لم تعُد فيه الدولة الأوروبية

استبدادية بالشكل الذي كانت عليه في القرن السابع عشر، فإنه كان ترجمة لطلب اجتماعي من أجل استقلالية أكبر إزاء الدولة. لكن، بعد هذا الإحياء، سقط المصطلح في مرحلة تاريخية معيَّنة في دائرة الإهمال وعدم الاستعمال في

أواسط القرن التاسع عشر. في هذا السياق، يعتقد كين أن مفهوم المجتمع المدني اختفى بصفة شبه تامة من الحياة السياسية والفكرية لما يزيد عن 150 سنة إلى أن بدأ يعود بالتدريج خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي. من أسباب هذا الاختفاء أن القرن العشرين شهد «ظهور مفاهيم جديدة مثل القومية والبروليتاريا بالنسبة

إلى النسق الاشتراكي»، وهذه المفاهيم هي التي حل ت محلَّ مفهوم المجتمع المدني الذي كان قد بدأ بالتطور

والنمو. وبفضل هذه اللغة الجديدة «أصبحت الدولة في القرن العشرين هي الأداة الضرورية التي تُثِّل الرأي العام بحسب شارلز تايلور».

(((3 المصدر نفسه، ص.11

(((3 الهرماسي، ص.97

(((3 عبد القادر الزغل، «المجتمع المدني والصراع من أجل الهيمنة الإيديولوجية في المغرب العربي،» في: المجتمع المدني في

الوطن العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية، ص.438

(37) Carothers, pp. 18-19.

(((3 محمد الغيلاني، المجتمع المدني: حججه، مفارقاته، مصائره، هل سيتم الاحتفاظ به؟ (بيروت: دار الهادي، 2004)،

ص.300

((3(ما هو المجتمع المدني؟، ص.52-51

ربيع 2015

لكن، هل يمكن أن نُفسِّ اختفاء المجتمع المدني ببروز لغة «سياسية» جديدة مستندة إلى جهاز مفهومي

يعكس مرجعية أيديولوجية معيَّنة؟: «لا نستطيع تفسير ضمور المجتمع المدني بانتشار المصطلحات

الماركسية التي أغرقت مفهوم المجتمع المدني بالصراع الطبقي ومفاهيم البنية الفوقية والتحتية»، «وليس إخفاق دولة الرفاه هو السبب لأنه أعاد النقاش بين الدولة، والمجتمع، ومفهومي الاستهلاك والسيادة»؛ إذ يمكن صوغ أسباب هذا الضمور عبر ثلاث فرضيات: الفرضية الأولى: نقد المفهوم في أساسه «بالانتقال من إشكالية العلاقات المعقَّدة بين الدولة والمجتمع المدني

إلى دراسة علاقات السلطة التي تخترق كلًّ من المجتمع المدني والدولة». الفرضية الثانية: ظهور مسألة دولة القانون التي من شأنها أن تؤدي إلى تشكُّك في مصداقية الحديث عن مجتمع غير سياسي. الفرضية الثالثة: تحويل الفلاسفة لمجال اهتمامهم إلى «النتائج الاجتماعية والسياسية للثورة الصناعية». ارتباطًا بذلك، «نسُي» مصطلح المجتمع المدني؛ «إذ بدا هذا المفهوم غريبًا، بل غير ملائم في مرحلة سلطة

السياسة، والاقتصاد المنظم، والديمقراطية الجماعية»؛ «إنها مرحلة هيمنة الدولة البيروقراطية على الحياة

العامة. إجمالً، فإن القرن العشرين ليس قرنًا للمجتمع المدني ». في موازاة هذا، هناك من يعتبر أن مصطلح «المجتمع المدني» سقط تمامًا من دائرة الاستعمال في العلوم

الاجتماعية خلال النصف الأول من القرن العشرين؛ فبخصوص « السوسيولوجيا »، يؤول الأمر إلى هيمنة قضايا جديدة على الإنتاج الفكري في هذه المرحلة، من قبيل: التحديث، و«التدرُّج» الاجتماعي،

والسلطة/ القوة أو الطبقات الاجتماعية. أما بصدد « علم السياسة »، فالأمر مرتبط بتفضيل دراسة الدولة أو المجتمع السياسي، والأحزاب السياسية والعمليات الانتخابية؛ أي قضايا التمثيل السياسي أو الحكومة التمثيلية بالمعنى الواسع. إن مقولة تفضيل قضايا دراسة الدولة، كمبرر لتفسير عدم الاهتمام بالمجتمع المدني من داخل حقل علم السياسة، تقتضي إحالة هذه المقولة إلى الخبرة المعرفية/ التاريخية، من أجل «التحقُّق» من حدود القدرة التفسيرية لدور المرجعية المعرفية؛ أي إن الأمر يقتضي دراسة هذه المقولة عبر مدخل «النماذج المعرفية» باعتبارها العيِّنة الأكثر تمثيلية للمرجعية المعرفية، في أفق فهم محددات «البراديغم» الذي كان سائدًا لحظة

اختفاء المجتمع المدني، و«البراديغم» الذي كان سائدًا عند «إحياء» المجتمع المدني.

(((4 إلهام كلاب، «تعقيب على مداخلة عبد الباقي الهرماسي،» في: المجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية،

ص.106

(((4 المصدر نفسه، ص.106

(((4 الهرماسي، ص.98-97

(43) Carothers, pp. 18-19. (44) Kim, p. 1. (45) Benjamín Arditi, «Trayectoria y potencial político de la idea de sociedad civil,» Revista Mexicana de Sociologia , vol. 66, no. 1 (January-March, 2004), p. 11.

فرضيات «الفجوة الزمنية» في التاريخ الفكري للمجتمع المدني

يلاحِظ متابع تاريخ تطور «علم السياسة» أن الطابع الفلسفي طغى بشكل كبير على دراسة السياسة منذ

العصور الكلاسيكية وحتى بداية العصور الحديثة، حين كان يُنظر إلى السياسة طوال تلك الفترة على أنها

حقل معياري أخلاقي، وبالتالي كانت في أوقات كثيرة فرعًا للفلسفة الأخلاقية. في السياق نفسه، نجد أن حقل «السياسة المقارنة» مر -عبر نظرياته- بثلاث مراحل: المرحلة الكلاسيكية: تبدأ من زمن أرسطو إلى أواخر القرن التاسع عشر. المرحلة التقليدية: تبدأ من أواخر القرن التاسع عشر حتى ظهور الثورة السلوكية. المرحلة السلوكية: مثَّلت قمة النضج في السياسة المقارنة على المستويين النظري والمنهجي. إن هذا التناول يعكس اعتماد النماذج المعرفية أساسًا للتقسيم؛ فتقسيم المراحل إلى كلاسيكية وتقليدية

وسلوكية ليس تقسيمً زمنيًا فحسب، بل هو تقسيم «معرفي» كذلك، ارتباطًا بماهية العلم. من جهة أخرى، يعتمد روبرت باكينهام (R. Packenham) وروبرت روغاوسكي (R. Rogowski)

على تقسيم ثلاثي ل«علم السياسة»: الشكلية القانونية؛ السلوكية؛ ما بعد السلوكية. تبحث المقاربة السلوكية عن الارتقاء بالفرد إلى مركز الاهتمام، إذ يُشك ل هذا الإقرار نقدًا للمنظور

التقليدي الذي ينظُر إلى المؤسسات كوحدات مستقلة عن الأفراد المكونين لها؛ فالسلوكية تهدف،

وفقًا لبعض توجُّهاتها، إلى التشديد على الموضوع أو المحتوى، من خلال التركيز على سلوك الفاعلين

السياسيين؛ أي دراسة النشاط السياسي بدل من دراسة المؤسسات، والاهتمام بدراسة سلوك الناس الفعلي

في الحياة العامة، سواء أحدث هذا السلوك ضمن البناءات السياسية الشكلية أم خارجها، وليس دراسة

البناءات الشكلية كالمؤسسات والدساتير والهيئات التشريعية. من هذا المنطلق، «تُعتبر الثورة السلوكية نقطة فاصلة في تطور حقل السياسة المقارنة يُنظر إلى ما قبلها

على أنه مرحلة تقليدية تفرقها عنها فجوة واسعة في المنهج والنظرية»؛ فبينما كانت البحوث السياسية

في ظل المنهج التقليدي تتَّجه بصفة أصلية إلى المؤسسات السياسية الرسمية في الدولة لتُعْنى بكيانها

العضوي والوظيفي في ضوء أنظمتها القانونية وبدورها في صنع السياسات العامة لمجتمعاتها،

(((4 عبد الله جمعان الغامدي، «تحولات النماذج المعرفية في علم السياسة خلال نصف قرن،» شؤون اجتماعية، العدد 92 (شتاء

2006)، ص 1، على الموقع الإلكتروني:. <http://colleges.ksu.edu.sa/Papers/Papers/paradigm%20shifts.pdf>

(((4 نصر محمد عارف، نظريات السياسة المقارنة ومنهجية دراسة النظم السياسية العربية (مقاربة ابستمولوجية) (ليزبرج، فرجينيا:

جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية، 1998)، ص.171

(((4 المصدر نفسه، ص.172

(49) Richard A. Higgott, «From Modernization Theory to Public Policy: Continuity and Change in the Political Science of Political Development,» Studies In Comparative International Development , vol. 15, no. 4 (December 1980), p. 27. (50) Robert A. Dahl, «The Behavioral Approach in Political Science: Epitaph for a Monument to a Successful Protest,» American Political Science Review , vol. 55, No 4 (December 1961), p. 766.

(((5 الغامدي، ص.12

(((5 المصدر نفسه، ص.233

(((5 عادل فتحي ثابت عبد الحافظ، النظرية السياسية المعاصرة: دراسة النماذج والنظريات التي قدمت لفهم وتحليل عالم السياسة

(الإسكندرية: الدار الجامعية، 2000)، ص.113-112

ربيع 2015

فإن «الاتجاه السلوكي لا يشمل الجوانب الخاصة بالتأمل الفلسفي، والدراسات التاريخية، والقانونية، والاعتبارات الأخلاقية». عند بداية التحول إلى مرحلة السلوكية، جرى تقييم المرحلة التقليدية، وحُدِّدت خصائصها وأوجه

قصورها في التالي: - غلبة الطابع الوصفي (وصف تفصيلات النظام السياسي، المؤسسات الحكومية)؛ ومن ثم، لم تكن مقارنة. - غلبة الطابع المُؤسَسّي القانوني، «حيث الاهتمام فقط بالمؤسسات الرسمية والمحددات القانونية

والدستورية لها.» لقد سادت دراسة الجوانب الشكلية مع المنهجية التقليدية التاريخية/ الفلسفية/ القانونية/ المؤسساتية منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين..، بمعنى أن تبرير سؤال اختفاء المجتمع المدني من خلال مقولة الاهتمام بقضايا الدولة (كمعطى شكلي وقانوني ومؤسساتي) هو تبرير له سند معرفي ثابت

من داخل حقل علم السياسة؛ ومن ثمَّ، فإن «تجاوز» (المرحلة) أو «البراديغم» التقليدي الذي يُركِّز على

الجانب الشكلي، والمؤسسات السياسية الرسمية، في مقابل تبنِّي «البراديغم» الجديد الذي يهتمُّ بدراسة

النشاط/ السلوك السياسي، أو الجوانب/ العوامل غير الرسمية/ السياسية، يُعتبر مسؤول عن تحوّل

الاهتمام نحو قضايا جديدة، ومن أبرزها المجتمع المدني. بالإضافة إلى هذا التبرير ذي المرجعية المعرفية، حاول أحد الباحثين تجميع عدد من الأسباب المسؤولة عن اختفاء مفهوم المجتمع المدني من التداول منذ منتصف القرن التاسع عشر، أهمها: - تجاوز الفكر السياسي الاشتراكي له وظهور مفاهيم جديدة. - استقرار المنظومة الغربية على مرجعيات وثوابت أفضت إلى نوع من التعايش والتفاهم بين المجتمع المدني والدولة. - المصالح المشتركة بين الدولة والمجتمع المدني، بالإضافة إلى ثبات مؤسسات المجتمع المدني وترسّخها

كواقع وحقيقة مسلَّم بهما. - الدستور ودولة القانون جعلا المجتمع المدني معطى ومسلَّمة لا تقبل النقاش.

(((5 المصدر نفسه، ص.124

(((5 نصر محمد عارف، إبستمولوجيا السياسة المقارنة: النموذج المعرفي، النظرية، المنهج (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات

والنشر والتوزيع، 2002)، ص.207-206

(((5 عارف، نظريات السياسة المقارنة، ص.233

(((5 إبراهيم إبراش، لمؤسسات والوقائع الاجتماعية: من شريعة الغاب إلى دولة المؤسساتا (الرباط: شركة بابل للطباعة والنشر

والتوزيع، 1998)، ص.261

فرضيات «الفجوة الزمنية» في التاريخ الفكري للمجتمع المدني

لكن، بعد انقطاع طويل عن النظرية السياسية، «عاد ‹المجتمع المدني› إلى الحياة في أوروبا الشرقية كقوة

مقاومة للدولة الشمولية، وقد استُقبل المجتمع المدني في الغرب بحفاوة كبيرة، وخاصة من ق بَل أوساط ما

بعد الماركسية التي رأت فيه مخرجًا مشُرِّفًا من أزمتها الأيديولوجية». مع ذلك، لم يحظ مفهوم المجتمع المدني بأي اهتمام في الغرب في العقود الأولى لمرحلة ما بعد الحرب

العالمية الثانية؛ فهو لم يقم بأي دور بنيوي في أدبيات منظ ري الليبرالية السياسية خلال الخمسينيات

مثل: جاكوب تالمون (J. Talmon) وكارل بوبير (K. Popper) وأيزياه برلين (I. Berlin)؛ كل هؤلاء

كانوا مدافعين عن القيم الليبرالية والحرية الفردية، وكل منهم كان يُريد أن يُعيِّ المجال الخاص ويُقيِّد

السلطة السياسية. أكَّد/ ألح برلين على ضرورة وضع الحدود بين الحياة الخاصة والسلطة العامة؛ وبطريقة مماثلة ذهب تالمون

-في معرض تمييزه التصور الليبرالي للديمقراطية من التصور الشمولي- إلى أن «التصور الليبرالي يُقر

بمستويات مختلفة من الجهد الفردي والجماعي، وهو معطى يقع خارج مجال السياسة تماما»؛ و«لقد وصف

الاثنان معا مخاطر السياسة المطلقة، والاثنان بحثا عن تعيين حدود السياسة؛ مع ذلك لم يُ س أحد منهما

بحاجة إلى استحضار فكرة المجتمع المدني».

المحور الثالث: ما بعد إحياء المجتمع المدني والمجتمع المدني والديمقراطية

أُعيد اليوم اكتشاف المجتمع المدني في ظروف تاريخية جديدة كليًا، واكتسب في غضون ذلك معنى مختلقًا

عن معنى «المجتمع البرجوازي» في «التقليد الليبرالي»، ومختلفًا عن تصور هيغل الذي لخَّصه في مفهوم

«نظام الحاجات»؛ كما أن المعاني الجديدة مختلفة عن «التقليد الماركسي»، إذ لم يعُد يتضمَّن الاقتصاد بحسب

ما ذهب إليه هابرماس. بناء عليه، خضع مفهوم المجتمع المدني لصيرورة تطوُّر تاريخي باستخدامات مختلفة ليس لها مضمون

مُوحَّد؛ إنها تعني في كل مرحلة شيئًا مختلفًا، لأنها تأتي في سياق مُتغيِّ بنيويًا وتاريخيًا يرتبط بحاجات

جديدة وأسئلة جديدة يُيب عنها المفهوم. يُشكِّل المجتمع المدني، مع السوق والديمقراطية، واحدًا من «الثالوث السحري» للعلاج التنموي

الشامل الذي ظهر في الثمانينيات، والذي يسود الوصفات الخاصة بعلاج علل عقد التسعينيات

وأمراضه. وباعتبار المجتمع المدني هو العنصر الثالث في ردة الفعل الشاملة ضد الدول التنموية

التي سادت في الستينيات والسبعينيات، فإنه النظير السوسيولوجي للسوق في المجال الاقتصادي،

(((5 بشارة، ص.224

(59) Khilnani, p. 15.

(((6 انظر بهذا الصدد: إهرنبرغ، ص 417، والغيلاني، ص.285-284

(((6 أحمد شكر الصبيحي، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي، سلسلة أطروحات الدكتوراه؛ 37 (بيروت: مركز دراسات

الوحدة العربية، 2000)، ص.17

ربيع 2015

وللديمقراطية في المجال السياسي. ولذلك، فإنه مُتمِّم تحليلي لثنائية الدولة - السوق القديمة والمتعبة

في آن واحد. إن المجتمع المدني يعني، بحسب كاتو (Cato)، «تقليص دور السياسة في المجتمع عن طريق

توسيع الأسواق الحرة والحرية الفردية»، في حين يرى منظِّرو «الطريق الثالث»، مثل أنطوني غيدنز

(A. Giddens) وبنجامين باربر)B. Barber(أن «المجتمع المدني الذي يُقوِّم أجيال من فشل الدولة

والسوق يُمكن أن يكون الرابط المفقود في نجاح الديمقراطية الاجتماعية»؛ لكن مع «الأكاديمية» نجد أن

المجتمع المدني هو «الأداة التحليلية التي ستحلُّ خبايا النظام الاجتماعي»، بينما يصف الكاتب الأميركي

جيريمي ريفكين (J. Rifkin) المجتمع المدني بأنه «أملنا الأفضل والأخير»؛ في حين يرى السياسيون العماليون في بريطانيا في المجتمع المدني «موضوعًا لأداة مركزية ستُبقي المجتمع على نحو مُتَّحد ضد تدفقات

الأسواق العالمية»؛ أما ليستر سالامون L. Salamon) (، فيذهب إلى أن «دور المنظمات غير الحكومية في

القرن الواحد والعشرين سيكون مهمًّ، تمامًا مثل دور الدولة - الأمة في القرن العشرين»؛ يستطرد الكاتب:

«هذه مجموعة غريبة من الأحلام الطموحة؛ لكن، هل يمكن أن تكون كلها صحيحة؟» في السياق نفسه، إذا كان بعض الكتّاب ينفي وجود المجتمع المدني على اعتبار أن الذي «يمارس المواط نة

هو المواطن بكيفية فردية»، فإن كتّابًا آخرين يعتبرونه «الأيديولوجيا الأخيرة للقرن العشرين» وفي موازاة

ذلك، تعتبر الباحثة سوليداد لويزا (S. Loaeza) أن «المجتمع المدني مخيف»، وبالنسبة إلى آخرين، فإن

المجتمع المدني يُمثِّل «مصدرًا جديدًا لليقين في زمن الارتياب»، في حين يعتبر آخرون أن «المجتمع المدني

يُمثّل المشروعية السياسية لليسار بعدما فقد اختياراته السياسية التقليدية»، كما أنه «وسيلة أو مخرج

للمجموعات الاقتصادية للحفاظ على المشروعية والمشاركة في السياسة»؛ في المقابل، يعتبر آخرون

أن المجتمع المدني «يُمثِّل شكل من أشكال الارتقاء نحو الأعباء العامة من دون التوسل بالأحزاب

السياسية». على الرغم من هذا الاختلاف كله على مستوى «تعريف» المجتمع المدني أو «رسم» صورة-أولية عنه، فإن الكتّاب في شأن المجتمع المدني يتَّفقون في معظمهم -مع ذلك- على أن «للمجتمع المدني -جوهرًا

مؤسساتيًا- يتشكَّل من الجمعيات الطوعية خارج مجال الدولة والاقتصاد ». وبغضّ النظر عمّ ورد أعلاه من مقاربات تعكس عمليًا أهمية المجتمع المدني واختلاف وجهات النظر في

معالجته كظاهرة «سوسيو - سياسية»، فإن دراسة التداول المعاصر لمفهوم المجتمع المدني تشي -إجمالً- بأنه أصبح وثيق العلاقة بالديمقراطية، أو بتنمية الديمقراطية؛ إذ يصعب العثور في أدبيات المجتمع المدني على دراسات لا تربطه بالديمقراطية من حيث المجال المؤسساتي أو السياسي، فالعلاقة بينهما أصبحت علاقة

(62) White, p. 6. (63) Edwards, pp. 2-3. (64) Castaño and Toribio, p. 26. (65) Bent Flyvbjerg, «Habermas and Foucault: Thinkers for Civil Society,» British Journal of Sociology , vol. 49, no. 2 (June 1998), p. 210.

فرضيات «الفجوة الزمنية» في التاريخ الفكري للمجتمع المدني

عضوية بامتياز، لكن هذا النمط من العلاقة بالديمقراطية يطرح مساهمة أخرى ترتبط عضويًا بمساهمة

المجتمع المدني في العملية الديمقراطية عبر المدخل القيمي، لكن هذه الأنماط من العلاقة – باختلاف مجالها- تؤدي كناتج إلى نمط خاص من العلاقة بالدولة. في هذا السياق، نجد أن «المجتمع المدني الذي يكون بلا سياسة أو يكون خارج سياق المعركة من أجل الديمقراطية، هو عملية إجهاض». بناء عليه، فإن الحقل الرئيسي للديمقراطية هو المجتمع المدني نفسه، «فمن صُلبه تظهر الحركات الديمقراطية، وهدف هذه الحركات هو المجتمع المدني، وذلك عبر

محاولة جعل مؤسساته أكثر مساواة، أكثر ديمقراطية... إنها تسمح أيضًا بأن تكون النقاشات داخل المجال العمومي أكثر غنى وكثافة». يرى ساندل ()Sandel أن مؤسسات المجتمع المدني، كالمدارس وأماكن العمل والكنائس والمعابد والنقابات والحركات الاجتماعية، هي المواقع الجديدة للنشاط الديمقراطي في عالم ما بعد الحداثة المكتظ بكثير من الولاءات والهويات والذوات. ويؤكد كين ضرورة ربط المجتمع المدني بالديمقراطية، باعتبار الأول شرط ا أساسيًا للثانية، فالمجتمع المدني

هو مملكة الحرية، بتعبير جيلنر، وحيث لا وجود للمجتمع المدني فليس ثمة مواطنين. كتب بيبك وغرازياند مثلً أن الدور الفعلي أو الممكن للمجتمع المدني بالنظر إلى الديمقراطية وتنمية الديمقراطية يُيل قبل كل شيء إلى الديمقراطية السياسية أو تنمية الديمقراطية السياسية. وقد بدأ برنارد بطريقة مماثلة تحليله المجتمع المدني والانتقال الديمقراطي في أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية بالتشديد

على أن «الديمقراطية الحديثة [...] وُجدت فقط ارتباط ا بالمجتمع المدني الذي يُشكِّل مجالً مستقلً عن

القوى السياسية المُمثِّلة لمجموعة من المصالح المتنافسة على سلطة الدولة؛ فقد شكَّل المجتمع المدني شرطًا ضروريًا لحكومة تمثيلية، بما فيها الديمقراطية». من هذا المنطلق، يمكن أن نحدد أربع طرق يستطيع المجتمع المدني أن يساهم عبرها في تنمية الديمقراطية: الطريقة الأول هي تغيير توازن القوة بين الدولة والمجتمع لمصلحة الأخير، وبذلك تلازم المساهمةُ في

إحداث نوع من المعارضة المتوازنة الأنظمةَ الديمقراطية المستقرة. الطريقة الثانية هي القيام بدور الضبط ارتباطًا بالدولة من خلال تقوية معايير الفضيلة والفعالية العامة، مع تطوير محاسبة السياسيين والإداريين وتحسينها. ولهذا، فإن التغيير في توازن القوة من سيطرة الدولة إلى المجتمع المدني سيجعل المسؤولين تحت ضغط كبير يدفعهم إلى استعمال سلطتهم بمسؤولية أكبر.

(((6 بشارة، ص.10

(((6 كوهن، ص.35

(((6 إهرنبرغ، ص.424

(((6 الغيلاني، ص.305

(70) Gideon Baker, «The Taming of the Idea of a Civil Society,» in: Burnell and Calvert, eds., pp. 45-46. (71) White, pp. 13-16.

ربيع 2015

الطريقة الثالثة هي القيام بدور حاسم باعتباره وسيطًا بين الدولة والمجتمع بطريقة تجعله يشرِط العلاقة

بين المواطنين والنسق السياسي؛ فالمجتمع المدني الفعَّال يمكن أن يُطوِّر من إنجاز السياسات الديمقراطية

عن طريق نقل المطالب، والتحدث بوضوح عن مصالح قطاعات السكان؛ المجتمع المدني يمكن أن يُسهِّل

-كذلك- عملية التواصل السياسي بين الدولة والمجتمع، إذ سيشتغل بموجب ذلك كمبدأ بديل للتمثيلية

المرتبطة بالانتخابات الدورية، كما سيشكّل أداة إضافية لتقوية الديمقراطية. في إمكان المجتمع المدني إذًا أن يقتصد في تكاليف/ نفقات الديمقراطية عن طريق تحديد المطالب السياسية

وتجميعها ونقلها، وإلا فإن هذه المطالب ستبقى مُعلَّقة، أو سيتمُّ التعبير عنها بطريقة مشتتة وغير مجدية،

وعن طريق فعل ذلك يُمكن للمجتمع المدني أن يُفِّف من التناقض الجوهري بين الدولة كمؤسسة مركزية

والمواطنين كأفراد منفصلين. الطريقة الرابعة هي تحديد قواعد اللعبة السياسية أو توجيهها تجاه المسالك الديمقراطية. من جهة أخرى، يُوفِّر المجتمع المدني قنوات يُمكن عبرها لمعظم الناس أن يجعلوا لأصواتهم صدى في

أروقة صناعة القرار الحكومي، كما أنه يحمي حقوقهم المدنية والسياسية ويعززها ويقوّي مهاراتهم كقادة

في المستقبل، ومن ثمَّ، فإن الوظيفة الأساسية للمجتمع المدني هي ربط أهداف نشاط الدولة بأهداف

المواطنين المنظمين بشكل مستقل عبر آليات وساطة مختلفة. ذهب أحد الباحثين إلى أن المجتمع المدني

يساهم في الديمقراطية، مع مراعاة نوعية المساهمة تبعًا لنوعية أنماط ممارسة السلطة، والتي تحدد بالموازاة

نوعية العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني في ضوء ذلك. نجد مع نموذج الديمقراطية التمثيلية أن التمثيل يُسِّد الأساس العملي للديمقراطية. وإذا كان العنصر

المركزي في الديمقراطية التمثيلية يكمن في التمثيل السياسي بحد ذاته من أجل تمثيل المصالح [...]، فإن

التفاعل بين المجتمع المدني والدولة عبر نموذج الديمقراطية التمثيلية يبقى دينامية خاصة/ نوعية؛ فهذان

المجالان يتصرفان بشكل منفصل؛ إذ تبقى الأحزاب السياسية هي من يقوم بدور أحزمة النقل كقنوات

حصرية للتعبير عن الإرادة السياسية الجماعية، مع ذلك يبقى المجتمع المدني مجال في مواجهة ما هو دولتي؛

إذ تنحصر وظائفه في شرعنة طريقة تدبير الممثّلين عبر العمليات الانتخابية أو معاقبة هذه الطريقة. أما في نموذج الديمقراطية التشاركية، فإن طرفي السياسة ليسا منفصلين، بل هناك تقاطع غير مستقر /

ثابت يتم على مستوى المجال العام الذي يمثِّل النفع المشترك، إذ يتعهد الفاعلون الدولتيون بتحفيز

الآليات البديلة لمشاركة المواطنين والدفع بها من أجل تجاوز الديمقراطية الانتخابية وفق المنظور الذي

تحدَّث عنه جيوفاني سارتوري؛ الاستفتاء العام، والاستفتاء الشعبي، والمبادرة التشريعية الشعبية....،

وأخيرًا في هذا النموذج يُبدي الفاعلون الدولتيون الاستعداد لتحفيز برامج التربية المدنية وتشجيعها،

والتربية على الديمقراطية، أو بشكل عام، تأسيس ثقافة مواطَنة حقيقية وتقوية المجتمع المدني.

(72) Edwards, p. 15. (73) Baker, Civil Society and Democratic Theory , pp. 94-95. (74) Castaño and Toribio, pp. 47-48.

(((7 المصدر نفسه، ص.55-54

فرضيات «الفجوة الزمنية» في التاريخ الفكري للمجتمع المدني

يعني التشارك تجاوز ثنائية المجتمع ضد الدولة، على اعتبار أن هذه «الرؤية للمجتمع كمجال أمثل

والدولة كمجال قبيح/ سيئ، هي رؤية غير مُنتجة»، «لأنها تنزع نحو تصوير مخادع للمجتمع المدني

كاحتياطي أخلاقي للسياسة، وكمجال غير فاسد تنضوي في إطاره مجموعة من الم بتكرين القادرين على

تخليص السياسة من رذائلها»؛ لكن في المقابل يجب تجنُّب المنظور المعارض الذي يُقصي المجتمع المدني،

حيث ينظُر إليه السياسيون التقليديون كمجال مُتبقٍّ من السياسة، فبين المنظورَين منطقة رمادية قد تُفيد في

إدراك الفائدة السياسية لمفهوم المجتمع المدني. إن المجتمع المدني يحتاج إلى إطار قانوني- سياسي «يعمل

على مأسسة المستلزمات المعيارية المسبقة للحقوق، والحرية، وسيادة القانون، والقوانين، والأعراف،

والمعطيات القضائية التي يتطلبها تنفيذ الحريات المدنية»، لكن هذا الإطار «يتم تقديمه من طرف الدولة

لا سواها؛ لذلك، فإن الدولة التي يتَّخذ المجتمع المدني مواقف ضدها، هي التي تمنحه القدرة عن طريق

توفير الضوابط القانونية والسياسية لهذا المجال من أجل أن يوجد ويحافظ على ذاته»، وهنا يحضر منظور

هيغل بقوة، إذ اعتبر أن «الدولة شرط مسبق لوجود المجتمع المدني، فاستقلال المجتمع المدني عن الدولة

يظهر كوهم أو انخداع بصري». إن علاقة المجتمع بالدولة لا تحتاج إلى أن تكون علاقة تعارض؛ فالمجموعات النسائية لا تستطيع المطالبة

بحقوق أو عدالة النوع من دون أن تطلب حماية الدولة؛ أمّا تنظيمات المجتمع المدني التي تشتغل في المجال

التنموي، فلا يمكنها القيام بذلك إذا لم تُوفِّر لها الدولة الموارد والأشخاص والتدبير. كما أن المجموعات

التي تشتغل على انتهاك الحريات المدنية ستحتاج إلى الدولة لمعاقبة المنتهكين. بالإضافة إلى ذلك، فإن

المجموعات المُندمجة في إطار برامج محو الأمية تحتاج إلى الدولة من أجل الدعم/ التمويل من جهة،

بالإضافة إلى مأسسة مجهود هذه التنظيمات من جهة أخرى. الدولة إذًا تُساهم في تأسيس أُطر تنظيمية عمليَّة وواضحة للقطاع غير الحكومي، ناهيك عن سن تحفيزات

ضريبية من أجل تمويل المجموعات غير الربحية، مع اتخاذ إجراءات ومساطر شفافة، والسعي إلى الشراكة

مع المنظمات غير الحكومية. إن عمل المنظمات الحكومية يميل حاليًا إلى تقوية قدرة الدولة لا إضعافها، حيث تمثِّل السياسة البيئية في

الولايات المتحدة الأميركية نموذجًا واضحًا على ذلك، فكثير من الفعاليات في القضايا البيئية ساعدت في

الحث على إقامة وكالات بيئية حكومية، بالإضافة إلى القوانين والأدوات التنفيذية، «فلا شيء يُعط ل أو

يشُل تطور المجتمع المدني مثل دولة ضعيفة ولا مبالية/ سلبية وغير فعالة».

خاتمة

بناء على ما سبق، فإن البحث عن أسباب اختفاء المجتمع المدني وإحيائه ساعد بشكل كبير على فهم العوامل

التي أدَّت إلى الولادة الجديدة. وقد بدا واضحًا أن هذه الولادة ستُكسب المفهوم حمولات جديدة «مختلفة»

(76) Arditi, p. 4. (77) Chandhoke, p. 150.

(((7 المصدر نفسه، ص.153

(79) Carothers, pp. 26-27.

(((8 المصدر نفسه، ص.26

ربيع 2015

عن التداول السابق؛ وهذا المعطى سيساعد على دخول قضايا واهتمامات جديدة في صلب «مدار» المجتمع

المدني؛ بحيث يرتبط عضويًا بمفهوم الديمقراطية، أو بتنمية الديمقراطية بشكل أدق. لقد ساهمت «الفجوة الزمنية» التي ميَّزت تاريخ المجتمع المدني في التشديد من جديد على خصوصية

مفهوم المجتمع المدني ذاته، لكنها ساهمت أيضًا في بيان فجوة أخرى موازية نتجت ب«الضرورة» من

الفجوة السابقة؛ وإذا كانت الفجوة الأولى اتخذت طابعًا «زمنيًا» صرفًا، فإن الفجوة الثانية ستتَّخذ طابعًا

«فكريًا» بامتياز؛ على اعتبار أن الولادة الجديدة لمفهوم المجتمع المدني ساعدت على صناعة الإمكانات أو

الممكنات الدلالية لمفهوم المجتمع المدني ارتباطًا بقضايا جديدة وبشبكة جديدة من العلاقات مع المفاهيم

«المماثلة» أو «المغايرة»، وهذا الأمر يُفسِّ بدرجة أو بأخرى نوعية المسار الذي اتخذه تطور مفهوم المجتمع

المدني في الفكر «السياسي.»

مرجع إضافي

Hann, Chris and Elizabeth Dunn (eds.), Civil Society: Challenging Western Models. London; New York: Routledge, 1996.