Return to Article Details The Social Order of War in Pre-Colonial Baidhani Society: A Historical Anthropological Reading

النظام الاجتماعي للحرب في المجتمع البيضاني قبل الاستعمار: قراءة أنثروبولوجية وتاريخية

The Social Order of War in Pre-Colonial Baidhani Society: A Historical Anthropological Reading

عبد الحميد فائز*

الملخّص

إن البحث عن الطبيعة الاجتماعية للحرب خوّلنا البحث في البنى الانعكاسية التي أنتجت لنا ظاهرة الحرب، من خلال تحديدنا سمات الترابط بين طبيعة التنظيم الاجتماعي وآليات إعادة إنتاج الحرب. وقد كان لزامًا علينا أن نحدد مدخلً لفهم هذا التفاعل الذي أفضى إلى تحديدنا ثلاثة مداخل لفهم الطبيعة الاجتماعية للظاهرة من خلال: زمن الحرب، وآليات إنتاج الزعامة الحربية، وحالة الشر أو «الغزي » التي عرفها المجال البيضاني، وهو ما أوجد لدينا نوعًا من الاقتناع بملازمة الحرب جوهر اشتغال القبيلة من جهة، وكشف لنا عن بعض عناصر الاختلاف بين سمات الحرب في كلٍّ من الإمارة والقبيلة من جهة أخرى؛ فكما أن الحرب في الإمارة تخضع للطبيعة السياسية شبه الممركزة نوعًا ما، وهو ما سمح بتداول الحرب في قالب يتمحور حول شخصية الأمير والقبائل المنضوية في الإمارة، وبين الحرب في المجتمع القبلي، الذي يشمل الساحل وبلاد الحوض، التي تحتفظ بتنظيم اجتماعي وسياسي للحرب، لكنه لا يرقى إلى صيغة المركزية السياسية كما في الإمارة، فإننا حاولنا أيضًا ملامسة حضور الحرب في المخيال الاجتماعي، مجسدة في قيمة حمل السلاح، وتبجيل المحاربين، من خلال إعادة صوغ الحوادث الشفوية وإلباسها طابعًا أيديولوجيًا يستند إلى رؤية خاصة للتاريخ.

Abstract

This study examines the social nature of war and the interrelated structures underpinning the phenomenon of war. Three gateways are used by the author: (a) wartime, (b) the mechanisms generating military leadership, and (c) the notion of the “Ghazi” (warrior-raider) in Baidhani (Sahrawi) lore. The author points to an overlap of war with the essence of tribal function, revealing different elements in the features of war in the emirate and the tribe. War, explains the author, is sometimes determined by the semi-centralized political nature of the emirate, which allows for the emanation of war from the central figure of the Emir and the tribes falling under his emirate, as distinct from war in tribal society, inclusive of the coastlands and lands of the interior basin, in which a social-political war footing is maintained without becoming embodied by a central political formula. An anthropological reading of historical references (critical readings and classifications of local resources) distinguishes war from other related phenomena such as looting, banditry and highway robbery, between which an essential boundary is determined by a set of elements expressed in a certain pattern, or social style, and via looting practices that are not regulated, institutionalized, or arbitrated in the way that war is, with the convening of a council of tribal elders issuing decisions and appointing a “warrior leader”.

الكلمات المفتاحية:
  • المجتمع البيضاني
  • تنظيم اجتماعي
  • إعادة إنتاج الحرب
  • زعامة حربية
Keywords:
  • Baidhani Society
  • Social Organization
  • Colonialism
  • Warlords
  • Tribes
  • Social Imaginary
  • Ait Arbein (Council of Forty)

قراءة أنثروبولوجية وتاريخية

إن البحث عن الطبيعة الاجتماعية للحرب خوّلنا البحث في البنى الانعكاسية التي أنتجت

لنا ظاهرة الحرب، من خلال تحديدنا سمات الترابط بين طبيعة التنظيم الاجتماعي وآليات

إعادة إنتاج الحرب. وقد كان لزامًا علينا أن نحدد مدخلً لفهم هذا التفاعل الذي أفضى إلى

تحديدنا ثلاثة مداخل لفهم الطبيعة الاجتماعية للظاهرة من خلال: زمن الحرب، وآليات

إنتاج الزعامة الحربية، وحالة الشر أو «الغزي» التي عرفها المجال البيضاني، وهو ما أوجد

لدينا نوعًا من الاقتناع بملازمة الحرب جوهر اشتغال القبيلة من جهة، وكشف لنا عن

بعض عناصر الاختلاف بين سمات الحرب في كلٍّ من الإمارة والقبيلة من جهة أخرى؛

فكما أن الحرب في الإمارة تخضع للطبيعة السياسية شبه الممركزة نوعًا ما، وهو ما سمح

بتداول الحرب في قالب يتمحور حول شخصية الأمير والقبائل المنضوية في الإمارة، وبين

الحرب في المجتمع القبلي، الذي يشمل الساحل وبلاد الحوض، التي تحتفظ بتنظيم اجتماعي

وسياسي للحرب، لكنه لا يرقى إلى صيغة المركزية السياسية كما في الإمارة، فإننا حاولنا

أيضًا ملامسة حضور الحرب في المخيال الاجتماعي، مجسدة في قيمة حمل السلاح، وتبجيل

المحاربين، من خلال إعادة صوغ الحوادث الشفوية وإلباسها طابعًا أيديولوجيًا يستند إلى

رؤية خاصة للتاريخ. هذه المداخل المتعددة مكنتنا من تبيان حدود سمات الحرب كظاهرة اجتماعية. كما أن هذه

القراءة قراءة أنثروبولوجية، استنادًا إلى مرجعية تاريخية (القراءة النقدية للمصادر المحلية،

تبويبها...) في تمييزها من باقي الظواهر ذات الصلة، كالنهب واللصوصية وقطع الطريق،

حيث إن هناك جوهرًا فاصلً بينهما، يتحدد بجملة من العناصر التي تتبدى في النمط

الاجتماعي الذي تتمظهر من خلاله ممارسات النهب التي لا تتسم بالتنظيم المؤسساتي المحكم الذي تخضع له الحرب، كأن تجتمع مؤسسة أيت الأربعين وتعيّ قائد الشر...

صيف 2015

تقديم عام

تستند الأهمية العلمية، التي نؤسس عليها دراستنا، إلى مرتكزات عدة لا يمكن تلخيصها فقط

في أهمية الموضوع ذاته، بما قد تفيدنا دراسة الحرب في فهم البنى الاجتماعية والسياسية في المجتمع

البيضاني، وهي أهمية كبرى، لا تساعدنا فقط على فهم ميكانيزمات إنتاج العنف عند القبائل البيضانية،

بل تمدنا أيضًا بالآليات التحليلية لفهم المجتمع البيضاني وكينونته الاجتماعية، ومثله، تقديم قراءة

أنثروبولوجية وتاريخية للحرب في المجتمع المدروس، خاصة في ظل انعدام دراسات متخصصة؛ إذ إن مثلما

ألهم الاشتغال الأكاديمي على موضوع الحرب عددًا من الفلاسفة والسوسيولوجيين والأنثروبولوجيين

والمؤرخين، في حقول بحثية مختلفة وأزمنة متباينة ومجالات متباعدة، فإنه سيمكّننا من بناء تصورات واضحة

عن آليات إنتاج العنف في المجتمع المدروس، حتى لا نسقط في تعميمات جزافية، تحيد بنا عن الدراسة

العلمية المتخصصة والدقيقة، خاصة أن محاولة تقييم الأعمال عن الحرب في ميدان البحث السوسيولوجي،

عمومًا، «كواقعة اجتماعية» لا تسمح لنا بصوغ استنتاجات أولية نطمئن إليها، فالنتف والإشارات النادرة

المبثوثة داخل مختلف المصادر والمراجع التي نعتمدها، تضعنا أمام فراغ معرفي تبدو آليات مجابهته متاحة في

هذه الدراسة، الأمر الذي يستدعي منا التفكير في صوغ نموذج مركّب لمقاربة الموضوع، يستمد عناصره

الأساسية من فهم طبيعة المجتمعات الرعوية في المناطق الصحراوية، ومجال البيضان تحديدًا، حيث يتصل

موضوعنا بمجتمع دراسة يحتفظ بسمات خاصة تتعلق بتحديد طبيعة المجتمعات القبلية التي تنتظم في

نظامين اثنين: القبيلة والإمارة، وبنى تزاوج بين التراتبية وآليات إنتاج العنف المختلفة (النزاعات، الثأر،

الحروب..)، من جهة، ومن جهة أخرى أشكال تنظيم السلطة وانتظام القبائل ضمن قواعد خاصة،

والتي تشكلت ضمن سيرورة تاريخية طويلة تتلخص أهم محطاتها التاريخية في الحركة المرابطية في القرن

الحادي عشر، إلى بداية الزحف المعقلي على صحراء البيضان، وما استتبع ذلك من نتائج مختلفة (التعريب،

التراتبية الاجتماعية، توزيع القبائل، طبيعة السلطة...) انعكست على المجتمع البيضاني. يكتسب هذا المجتمع إذن خصوصيته التاريخية والاجتماعية والثقافية من خلال الشروط التي أنتجته؛

إذ إن طبيعة نمط العيش في الصحراء طوعت الاستراتيجيات الحربية للمجموعات الرعوية وتحكمت

فيها. وخضوع المجتمع الرعوي لنماذج متعددة من أنماط العيش، تجمع بين الترحال المحكوم بشروط

معقدة، إلى جانب الزراعة والصيد والقنص، ثم اعتماد التجارة، ودور الإسلام، والمجموعات الإثنية

المتاخمة لحدود المجموعات القبلية البيضانية، كل هذا عناصر مجتمعة أسست لمرتكزات خاصة للحرب،

وميكانيزمات إنتاج العنف داخل المجتمع البيضاني، وهو ما سنحلله من خلال هذه الدراسة، حيث إن

محاولة فهم طبيعة الحرب في هذه المجتمعات تتخطى في دراستنا هاته السرد التقليدي للحوادث في سبيل

البحث في تفاعلاتها الداخلية والخارجية انطلاقًا من دراسة أبعادها المختلفة؛ ذلك أن الوقائع الاجتماعية،

كالحرب، تتسم بخصوصية تركيبية تجعل من مسلك المقاربة تبعًا ل «نموذج تحليلي واحد» مستبعدًا في

تحليلنا؛ فالطبيعة المعقدة التي تتسم بها دفعتنا إلى اختبار تحليلات مختلفة.

الإشكالية

تُعبِّ الحرب كما نريد أن ندرسها في هذه الدراسة عن منطق اشتغال المجتمع البيضاني؛ إذ اتضح لنا من

خلال ملاحظاتنا الأولية لبنى هذا المجتمع أن ميكانيزمات إنتاج العنف فيه تقوم كعنصر ملازم للبنى

النظام الاجتماعي للحرب في المجتمع البيضاني قبل الاستعمار، قراءة أنثروبولوجية وتاريخية

الاجتماعية والسياسية. بعبارة أخرى، يتأسس تحديد تعريف شامل لما نقصد به الحرب على فهم هذا المرتكز

بداية. وهكذا، فإن كل محاولة لاستنبات مفاهيم خاصة لمقاربة إشكاليتنا تجري على أساس أن الحرب تقوم

ضمن المجتمع الذي ندرسه بدور المحرك الرئيسي لسير النظام الاجتماعي والسياسي الذي يمكن من

خلاله تحديد الواقعة وضبطها. هكذا، ونتيجة لذلك، مثلما أن علامة إعادة إنتاج العنف تستجيب لهذه

الطبيعة التي نتحدث عنها، فإنها لا توجد إلّ كآلية للتعبير عن الحرب وطبيعة المجتمع. كما أن الحرب تكتسب صفة الشمولية بما تعنيه من اختراق الأنظمة السياسية والاجتماعية المختلفة وتصورات

المتن المصدري ذاته من جهة أخرى، أي إن شمولية الظاهرة دفعتنا إلى تجاوز الوصف التقليدي، إلى محاولة

قراءة المتن المصدري. والحالة هاته، فإن كتب الحوليات والنوازل الفقهية، كأمثلة، لا تمدنا بالآليات التحليلية

لمقاربة إشكاليتنا فقط، بل تصبح هذه المتون أدوات أيضًا لعكس تصورات خاصة للمجتمع المحلي، وعلى

اختلاف رؤى وخطاباتها، فإنها تكرس منطقًا خاصًا لصوغ الواقعة الحربية. لذلك، فإن إشكاليتنا لا تتلخص

فقط في فهم شمولية الظاهرة من حيث مرتكزاتها المتعددة، بل في استكناه أصول الخطاب المصدري ذاته أيضًا.

منهج الدراسة

نعتمد في هذه الدراسة مقاربة أنثروبولوجية لدراسة موضوع الحرب. وقد أدخلتنا في التاريخ عملية

الترتيب وإخضاع الروايات للنقد والتمحيص والتحليل، وهي من أعمال المؤرخ، ثم الاعتماد على نوعين

من المصادر الشفوي والمكتوب، وانحسار حوادث دراستنا في مرحلة ما قبل الاستعمار؛ إذ إن قراءة

«التاريخ المحلي» في بلاد البيضان مكّنتنا من فهم التصورات والبنى الاجتماعية والسياسية التي يتشكل منها

المجتمع الرعوي آنذاك، خاصة في ما يتصل بالمصطلحات المحلية المتعلقة بدراستنا، ك «الغَزبِّي» و«التْيا»،

«السيَب» و«أمير الحرب»... وغيرها، وهو ما يمكّننا من وضع مسافة بين ثلاثة مستويات، الأولهو

التحليلات الأنثروبولوجية، من جهة أولى، ونقصد بها نموذج التحليل الذي نحاول أن نتّبعه، وهو يخضع

بالضرورة لتصور أولّي للموضوع من خلال قراءتنا ما كُتب عن الحرب. والمستوى الثانييتلخص في

(((عملية الإقحام التي نتحدث عنها لا تستند فقط إلى طبيعة البحث ومنهجيته، بل تستند كذلك إلى رؤيتنا للموضوع ككل، حيث إن

الرجوع إلى التاريخ في مثل هذه الدراسات ليس من باب الترف أو «المساعدة العلمية والمنهجية»، بل إن استعمالنا التاريخ في دراسة

موضوع الحرب يتعدى هذه الدوافع التي ذكرنا.

(((نقصد بها الأعمال الإثنوغرافية والإثنولوجية والأنثروبولوجية والتاريخية والسوسيولوجية التي اطّلعنا عليها، وهي لا تخضع

لتصنيف واحد. وقد ساعدتنا، على تعدد المجالات التي قامت بدراستها، في تشكيل تصورات أولية عن الموضوع. ولا نخفي أن

بعضًا من هذه البحوث كان له بالغ الأثر في فهم مداخل الموضوع وبناءاته، ولم يصل هذا التأثير إلى حد تبنّي نموذج جاهز لقراءة

الحرب في مجال البيضان.

انظر، على سبيل المثال: Anthropologie économique des Gouro de Côte d'Ivoire: De l'économie Claude Meillassoux, de subsistance à l'agriculture commerciale (Paris: Editions de l’École des hautes études en sciences sociales, 1991); Guerres de lignages et guerres d'États en Afrique , textes rassemblés et présentés par Jean Bazin et Emmanuel Terray, Ordres sociaux (Paris: Editions des Archives contemporaines, 1982); Jonathan Haas, ed., The Anthropology of War , School of American Research Advanced Seminar Series (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1990); Stanislav Andreski, Military Organization and Society , with a foreword by A.R. Radcliffe-Brown, 2 nd enl. ed. (Berkeley, CA: University of California Press, 1968); Pierre Bonte, «La Guerre dans les sociétés d'éleveurs nomades,» Les Cahiers du Centre d'études et de recherches marxistes , no. 133 (1977), and Pierre Clastres: Archeology of violence , Introduction by Eduardo Viveiros de Castro; Translated by Jeanine Herman, Semiotext(e) Foreign Agents Series (Los Angeles, CA: Semiotext(e), 2010), and «Archéologie de la violence: la guerre dans les sociétés primitives,» Libre (Paris), no. 1 (1977).

صيف 2015

المادة المصدرية، الشفوية منها والمكتوبة (المحلية)، ثم الأعمال التي كتبها الباحثون الكولونياليون. ويقع

المستوىالثالثبين هذين المستويين، ويتعلق ب«التأويلات الأنثروبولوجية» التي نستخلصها من خلال

هذين المستويين، حيث إن قراءة المتن المصدري والتحقق منه ومحاولة توظيفه ومقارنته ونقده من جهة، ثم

القراءات المبحثية الأكاديمية المرتبطة بالموضوع من جهة أخرى، كل ذلك وضعنا أمام حدود ما بين فهم

منطق المجتمعات المحلية من ناحية، وعمل الباحث الأنثروبولوجي من ناحية أخرى. ثم إن المصادر الشفوية في منطقة دراستنا لا تنضب، وهي شكلت مصدرًا إثنوغرافيًا مهمًّ لدى كثير من

المؤرخين والأنثروبولوجيين، غير أن استعمالها يثير في تقديرنا، على الأقل في هذه الدراسة، جملة من الملاحظات

المنهجية؛ إذ إن جل الروايات التي استقينا منها معلوماتنا تخضع للتصنيفات التراتبية والقبلية والسياسية في

المجتمع البيضاني، وهو ما دفعنا في كثير من الأحيان إلى مقارعة هذه الروايات في ما بينها، ومحاولة تقديم

قراءات نقدية لها، وهي، أي هذه الروايات الشفوية، ساعدتنا في فهم المعاني التي يصوغها الأفراد عن الحرب

على الرغم ممّا تحمله من تناقضات في بعض الأحيان؛ ذلك أن منهج قراءتنا هذه الروايات الشفوية لم يرتكز

على تحليلها ونقدها فقط، وإنما عمدنا أيضًا إلى استغلالها لتوضيح بعض الإشكالات المرتبطة بإعادة صوغ

الحوادث والحروب وأشكال تمثلّاتها بطرق متعددة، بما يسمح لنا الكشف عن منطق العنف والحرب عند

المجتمعات الرعوية في مجال دراستنا، وهكذا بناء تصور أنثروبولوجي عن الحرب في ميدان الدراسة.

منطقة الدراسة

يتصل اهتمامنا بتعريف مجال البحث لا لنكتفي باتّباع مسلكيات الجغرافيا والتاريخ على حساب

نماذج التفكيك والتأويل والنقد، فستصبح عملية الاستعراض الجغرافي والتاريخي مبتورة عن سياق

هذا المجتمع، وهو ما يحتم علينا قراءة البنى الجغرافية والتاريخية بالمفهوم البروديلي للكلمة؛ أي فهم

قواعد انتظام المجموعات بشكل أو بآخر. وبمعنى إجمالي، فإن قراءة المجال تقع في تصورنا كوحدة

تاريخية وجغرافية وثقافية منسجمة. وهكذا، فإن مجال البيضان يتحدد، كما نجد في مصادرنا، بتسميات

مختلفة كما تعرفها المصادر التاريخية والحوليات، «فلم يكن هناك- قديمًاسم جامع لهذه النواحي كلها،

وقد أطلق مؤلفو كتب المسالك والمؤرخون أسماء متعددة على بعض أجزائها، فأطلق بعضهم على

الصحراوي منها اسم ‹صحراء الملثمين› أو ‹المجابة الكبرى›». وهناك اسم آخر هو بلاد التكرور كان

يطلقه مؤرخو تنبكتو على منطقة غرب أفريقيا التي اعتنق أهلها الإسلام، وحدود هذه المنطقة، كما

يقول الطالب محمد بن أبي بكر الصديق الولاتي من باتيل (ت 1192 ه) في كتابه فتح الشكورفي علماء

بلاد التكرور، نقلً عن أهل تنبكتو، هي: غربًا بحر أولاد «الزناكية»، المحيط، أو نهر السنغال؛ شرقًا

نجد ادغاغ (المعروفة اليوم في مالي)؛ شمالً آدرار (المعروفة اليوم في موريتانيا)؛ جنوبًا بيطو (نواحي

أعالي نهر السنغال أو النيجر). غير أن الاسم الذي كان معروفًا بين السكان أنفسهم هو «بلاد البيضان»، كمقابل لبلاد السودان التي

كانت متداولة في الأدبيات التاريخية والجغرافية. وقد اتخذ مفهوم البيضان» بعدًا ثقافيًا أكثر ممّا ارتبط

(((المختار ولد حامد، حياة موريتانيا: الجغرافيا ‬ (الرباط: معهد الدراسات الإفريقية، 1994)، ص.8

(((أبو عبد الله الطالب محمد بن أبي بكر البرتلي، فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور، تحقيق محمد ابراهيم الكتاني ومحمد

حجي (بيروت: دار المغرب الاسلامي، 1981)، ص.26

النظام الاجتماعي للحرب في المجتمع البيضاني قبل الاستعمار، قراءة أنثروبولوجية وتاريخية

بالعرق أو بلون البشرة؛ فالبيضاني هو ذلك الشخص الذي يتكلم اللهجة الحسانية، ويرتدي زيًا مميزًا،

وله هوية ثقافية تميزه من الساكنة المجاورة. ويمتد المجال الثقافي البيضاني من واد نون شمالً إلى نهر

السنغال جنوبًا، ومن المحيط الأطلسي غربًا إلى مالي شرقًا. وأطلق البيضان على جيرانهم الشرقيين

تسميات كالأعاجم بالنسبة إلى الطوارق في الحدود الشرقية، ولكور (السنغال ومالي)، والشلوح بالنسبة

إلى جيران الشمال للتميز منهم ثقافيًا. ويبقى أن تسمية بلاد التكرور ظلت منحصرة في استعمالها لدى قلة من علماء الجنوب الشرقي للبلد

(الحوض وتكانت). ومن التسميات التي سادت تاريخيًا واشتهر بها البلد: بلاد شنقيط، وهي التسمية

التي عُرف بها سكان المنطقة في المشرق العربي وجل البلدان العربية، إلى حدود المنتصف الثاني من القرن

العشرين. ويذكر مؤلف الوسيط في تراجم أدباء شنقيطأن حدود البلاد هي: شمالًالساقية الحمراء؛

جنوبًا قاع ابن هيبه (فوق مصب الوادي الأبيض أو «كركل» في نهر السنغال)؛ شرقًا أزواد (في مالي)؛ غربًا

نهر السنغال (مصب النهر عند سان لويس في السنغال). بيد أننا نميّز في المجال البيضاني بين مجالين اثنين يحددان طبيعة المجتمع، ويتعلق الأمر بنظامي القبيلة

والإمارة؛ فضمن المنطقة الأولى تنتظم قبائل ذات نظام اجتماعي قبلي خالص في كل من الحوض والساحل،

بينما يشغل المجال الأميري حيّزًا عرف نوعًا من المركزية السياسية المتمثلة في النظام الأميري. وعمومًا، فإن

المجال البيضاني يتحدد بخمس جهات رئيسية: «الترارزة والبراكنة (أو ما يُطلَق عليه الكبلة) في الجنوب

الغربي، وتكانت في الوسط، والحوض في الجنوب الشرقي، وآدرار وبلاد الساحل في الشمال. فالوحدات

المجالية محددة ومعرفة بالإحالة على القبيلة المتغلبة (الترارزة والبراكنة) أو الموقع والخصوصية الجغرافية

(آدرار، تكانت، الساقية الحمراء، واد نون)، فإذا عرفت الترارزة والبراكنة وتكانت وآدرار تنظيمً سياسيًا

شبه مركزي مع نظام الإمارة، فإن الحوض والساحل (من تيرس إلى واد نون) ظلا سياسيًا يعيشان في نظام

لم تتجاوز السلطة السياسية فيه حدود القبيلة.

الحرب كواقعة اجتماعية

نختبر في دراستنا هذه الأهميةَ الخاصة للحرب في مجتمع البيضان، وهي أهمية قصوى تُقحمنا في مقاربة

الطبيعة الاجتماعية التي تؤسس -في اعتقادنا- طبيعة الحرب في تشكيل هذه الواقعة الاجتماعية الكلية. وهاته الخاصية التي وصفنا بها الواقعة الحربية ستسعفنا في تحليل السمات الحربية للتنظيم الاجتماعي وخصائصه العسكرية. بعبارة أخرى، سندرس الشروط الاجتماعية التي تنتظم من خلالها الحرب،

ولا سيمّا الشروط الأكثر التصاقًا بما يمكن تسميته «إعادة إنتاج آليات الحرب»؛ إذ إننا سندرس مدى

ملازمة الأنشطة الحربية للكينونة الاجتماعية للمجتمع البيضاني، أي عناصر الاتصال والانفصال بين الطبيعة الاجتماعية والحربية في مجال الدراسة.

(((رحال بوبريك، دراسات صحراوية: المجتمع والسلطة والدين، ط 2 (الرباط: دار أبي رقراق، 2008)، ص.14

(((المصدر نفسه، ص.13

(((أحمد بن الأمين الشنقيطي، الوسيط في تراجم أدباء شنقيط والكلام على تلك البلاد تحديدًا وتخطيطًا وعاداتهم وأخلاقهم وما

يتعلق بذلك، عناية فؤاد سيد (القاهرة: مطبعة الخانجي، 1989)، ص.422

(((بوبريك، دراسات صحراوية، ص.15

صيف 2015

سنعمل على قراءة الواقعة الحربية، كمدخل للتحليل والنقد، بناءً على الوقائع الحربية التي استقيناها من

المقابلات والكتابات المحلية، في مستوى أولّي، حيث سنبحث عن استراتيجيات وصف الوقائع الحربية

في النصوص الشفوية والكتابية، وهي استراتيجيات ستمكّننا من «بناء التأويلات الأنثروبولوجية للواقعة الاجتماعية الحربية»، كما تحكيها النصوص.

قراءة في منطق النصوص المصدرية

تكشف كتب الحوليات المختلفة عن كثافة الحوادث الحربية قبل الاستعمار، خصوصًا عند حدود القرن

التاسع عشر، ولا سيمّا إذا قمنا باستقراء «الأيام» و«الشرور» في كتابات حوليات ولاتة وحوليات تيشيت

وفتح الرب الغفور وحوليات ابن طوير الجنة وكتاب نيل الأوطار في الغامض من الحروب والأخبار؛

إذ غلب على هذه الكتابات، فضلً عن تدوين تواريخ الأعلام وأخبار المجموعات والمدن والقبائل،

ذِكْر «أيام الشرور»، حيث اهتمت هذه المدونات التاريخية بذكر حوادث السنين أكثر من التفصيل في

توصيف أسبابها ودوافعها وظروفها وحيثياتها. وهكذا، باستثناء بعض الكتابات المحلية القليلة التي

اهتمت ببعض التفصيلات، كمؤلف فتح الرب الغفور، فإن معظم هذه «المؤلفات» اقتصر على السرد

الكرونولوجي للحوادث.

دأبت هذه الكتابات المحلية على تقليدٍ تاريخيٍّ موحَّد في الكتابة؛ ففي كتب الحوليات، نجد بداية النص

«بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الحبيب الحمد لله الذي دور الأفلاك.....

وبعد، فلمّ كان التاريخ له فائدة تفيد في الاطلاع على أخبار الملوك والسلاطين والحوادث في الدهور الماضين

وتذكر كل من واد عند حادثة بما مضى من عمره من المؤمنين... أردت أن أجمع تأليفًا أذكر فيه تاريخ بعض

حوادث التكرور ليعتمد به كل ذي بصيرة..... ». أمّا عبد الودود ابن انتهاه السمسدي، نجد لديه: «الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيد المرسلين

وعلى آله الغر المحجلين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد فيقول الفقير الذليل إلى الراجي لعفو ربه

المعبود عبد الودود بن أحمد مولود السمسدي الأطاري نسبه..... هذه ورقات تنبأ عن غامض ما خفي

على العوام من أخبار الخفي من أصول أبناء شمس الدِّين الأعلام.... وأضيف إلى ذلك ما في مقدوري من

أخبار هذه البلاد وأول فتحها وطرد الأعاجم منها ونذكر من سكنها من العرب»..... ويذكر ابن بن انبوجه العلوي أن كتابه يضم «... من التواريخ أخبارًا كثيرة ليضمني الله في سلك من

ألف فيه ليثيبني كما أثاب... فسمّيته فتح الرب الغفور في تواريخ الدهور». وقد جاء في تاريخ ولاتة

«... وبعد، فلمّ كان التاريخ له فائدة تفيد في الاطلاع على أخبار الملوك والسلاطين والحوادث في الدهور

الماضين»، بينما لا يحيد صاحب مؤلف نيل الأوطار عن هذا الاتجاه فيقول: «إعلم وفقني الله وإياك

(((ابن انبوجة العلوي التيشيتي، فتح الرب الغفور في تواريخ الدهور (مخطوط بالمكتبة الوطنية تحت رقم 4095، باريس)، ص.82

((1(عبد الودود ولد انتهاه السمسدي، «نيل الأوطار في الغامض من الحروب والأخبار،» (مخطوط بحوزتنا نسخة مصورة منه)، ص.1

((1(العلوي التيشيتي، ص.82

(((1 رحال بوبريك، المدينة في مجتمع البداوة: التاريخ الاجتماعي لولاتة خلال القرنين 18 و 19 مع تقديم ونشر تاريخ ولاتة،

نصوص ووثائق؛ 6 (الرباط: معهد الدراسات الإفريقية، 2002)، ص.50

النظام الاجتماعي للحرب في المجتمع البيضاني قبل الاستعمار، قراءة أنثروبولوجية وتاريخية

أن كتب التاريخ التي ملئت من الأخبار التي لا تدخل تحت حصر أسسوها على ضبط الأخبار ممن

قبلهم جيلً بعد جيل وقرنًا بعد قرن، فكل صنف من علوم الشريعة قامت به كل طائفة من هذه الأمم

واشتغلت به». إن هذه النتف القليلة، التي أوردناها من بعض المصادر التي بين أيدينا، تؤكد بما لا يدع مجالً للشك كثافة الحدث التاريخي في المدونات التاريخية. وقد حرص مؤلفوها على التعريف في بداية تآليفهم ب «أهمية علم التاريخ» في الكتابة، وهو مسلك تقليدي يروم الرد على جميع المشككين في أهمية هذا العلم وخلفياته، التي تتعلق بجلب العداوات واتقاء إشعال نار الشر كما تسميه رواياتنا الشفوية. قدّم السخاوي في كتابه الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخعرضًا تفصيليًا لدوافع الكتابة التاريخية، وهو

يستعرض فضائل «فن التاريخ»، كما يسمّيه، وأهميته، ويتجه بالنقد الشديد إلى من ذم التاريخ، فيذكر في

مقدمة كتابه: «وبعد، فلمّ كان الاشتغال بفن التاريخ للعلماء من أجل القربات، بل من العلوم الواجبات

المتنوعة للأحكام الخمسة بين أولي الإصابات، ولكن لم أر في فضائله يشفي الغليل، ويزيل الكربات،

بحيث تطرق للتنقيص له ولأهله بعض أولي البليات، ممن هو ممتحن بالجليات فضلً عن الخفيات، فأردت إتحاف العارفين السادات وكذا التائقين للأمور المفادات بما لا غناء عنه في هذا الشأن من المهمات، وأن أظهر ما فيه من الفوائد المأثورات». إن هذه المقدمات الكلاسيكية، التي تجعل من الاهتمام بالتاريخ مقدمة لمؤلفات الكتب ذات الطبيعة

التاريخية، تجسّد، إضافة إلى ما ذكرناه سابقًا، «اتجاهًا نقديًا» في الكتابة المحلية؛ ذلك أن عددًا من الفقهاء

والمؤلفين ساوى بين هذه الكتابة في التاريخ وإحياء نعرات الفتن بين القبائل. وبناء عليه، فإن هذه المقدمات التي اشتملت عليها كتب الحوليات في مجال البيضان حاولت أن تحيي الاتجاه النقدي في الكتابة التاريخية بالارتكاز على نصوص دينية من الكتاب والسنّة للتدليل على أهميتها، ولا سيمّا أن ذكر الشرور وحوادث

السنين شكل الجزء الأكبر من هذه الحوليات. إن كثافة حضور حوادث السنين يتمازج ضمنها الحادث الزمني، مصحوبًا بترتيب كرونولوجي يطبعه

الاختصار الشديد للحوادث مع أسلوب أدبي وسردي خاص يكاد جميع المصادر التي بين أيدينا يسلكه، في تقليد واضح لسمات الكتابة عند المتقدمين ممّن كتبوا في التاريخ. وكنموذج على ذلك، نذكر عرض

الوقائع الحربية: «وفي التاسع عشر غار غزو من أبناء غيلان واركيبات على أهل الاوجيب والاغلال وأهل موسى من مشظوف وأهل الطالب مصطفى وقتلوا بن عبيد بن اعل ومن ومعه رجال من أهل أحمد بن الحبيب». وعن ابن انتهاه السمدي: «عام السفيرات بإزاء البحر الشمالي غذر بنو دليم أبناء غيلان وجلهم الذهيرات قتلوا الرجال ونهبوا الأموال». وعند صاحب جوامع المهمات: «وذلك أن

(((1 السمسدي، ص.1

(((1 محمد بن عبد الرحمان بن محمد السخاوي، الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التأريخ. تحقيق فرانز روزنثال؛ ترجمة صالح أحمد

العلي (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1986)، ص.16-15

((1(بوبريك، المدينة في مجتمع البداوة، ص. 82

(((1 السمسدي، ص.42

صيف 2015

رجلً من لمذنيين علمه اكريبيط أتى لأبناء أبي وقتلوه عام أربعة عشر من القرن الثالث عشر وأتاهم وفد من الرقيبات يطلب دية القاتل».

نقد المدونات التاريخية

إن هذه السمات التي تختص بها المصادر التي بين أيدينا تتسم بخصائص مشتركة (من الناحية السردية

للحوادث). وهذه العناصر التي عملنا على تحديدها ستمكّننا من فهم منطق كتابة الوقائع الحربية التي

تتسم أحيانًا بالانتقاء التاريخي للحوادث والوقائع، أو يعبّ كثير منها عن تصورات خاصة للحوادث،

كما في الكتابات ذات النفس القبلي، ك جوامع المهمات في أمور الرقيبات، ونيل الأوطار في الغامض من

الحروب والأخبار لعبد الودود ابن انتهاه السمسدي، أو الاهتمام بتواريخ حيّز جغرافي ضيّق، كما في

مخطوطات أحداث تيشيتوأحداث الترارزة وتواريخ ولاتة (على الأقل على مستوى التسمية والاهتمام).

كما أننا استعنّا بالنوازل الفقهية، نظرًا «لما يتيحه النص النوازلي من إمكانية كشف للأحداث وعناصر

البنيات الاجتماعية والاقتصادية، التي قلمّا تبرزها الكتابات التاريخية الإخبارية». وقد استفدنا في ذلك

من مجموع النوازل الفقهية التي تتوافر لدينا، ك الرسالة الغلاوية لسيدي محمد الخليفة الكنتي وكتاب

البادية للشيخ محمد المامي، وتعاملنا بحذر منهجي مع التأويلات التي تنتج منها. هذه المصادر تختلف بحسب طبيعتها وأهميتها، ويمكن أن نسجل بخصوصها الملاحظات المنهجية

والنقدية التالية: - إنها تتصل بالمشكلات التي تستوقفنا في هذه الدراسة، وهي ذات طبيعة منهجية، وتتعلق بمحاولة

تدارك الثغرات الوثائقية عن طريق البحث الميداني، وفي مستوى ثان، القراءة الصحيحة، وإيجاد المنهج

المناسب لاستغلال هذه الروايات والمصادر معًا. - باستثناء بعض النصوص المعدودة التي سنشير إليها في هذه الدراسة، لا توجد مصادر متخصصة

بالحوليات والوقائع الحربية، وهو ما حدا بنا إلى محاولة التنقيب في المصادر كلها لالتقاط بعض الإشارات.

وليس غرض عملية التركيز على الوقائع الحربية في هذه المصادر إعادة تاريخ حدثي لهذه الوقائع، وإنما

قراءة هذه الحوادث تبعًا للإشكاليات التي حددناها في الدراسة. - ندرة المادة المصدرية وصعوبة الحصول عليها؛ ذلك أن المصادر المحلية بمختلف أنواعها (النوازل

الفقهية، الأنساب، التراجم، التاريخ، الجغرافيا..)، شكلت المادة الأساسية التي أسست فرضياتنا البحثية

وبناءنا الأنثروبولوجي للموضوع، غير أن عملية التنقيب الأولّي عن هذه المصادر أوقعتنا في كثير من

الإشكالات المنهجية التي تتعلق أساسًا ببنية المتن المصدري نفسه. - يستند التنوع المصدري الذي نعتمده في الدراسة إلى قراءة متعددة لإشكالية الدراسة؛ حيث نحاول

أن نزاوج بين الإمكانات التحليلية والنقدية التي توفرها مختلف الدراسات النظرية، في مختلف الحقول

(((1 محمد سالم بن لحبيب بن عبد الحي، جوامع المهمات في أمور الرقيبات، تقديم وتحقيق مصطفى ناعمي (الدار البيضاء: مطبعة

النجاح الجديدة، 1992)، ص.84

((1(أحمد التوفيق، المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر: إينولتان (1850-1912)، ط 2 (الرباط: منشورات كلية الآداب

والعلوم الإنسانية، 1983)، ص.13

النظام الاجتماعي للحرب في المجتمع البيضاني قبل الاستعمار، قراءة أنثروبولوجية وتاريخية

السوسيولوجية والأنثروبولوجية والتاريخية، وعملية استقراء المصادر المحلية، وهي محاولة لا نتوخى من

خلالها ممارسة نوع من الإسقاط النظري التعسفي على ميدان الدراسة، بقدر ما سنعمل على اختبار هذه

النماذج وتحليلها ونقدها، وتفحّص مدى ملاءمتها لإشكالية بحثنا.

الاستعمال المصدري لمفهوم الحرب

تبرز الواقعة الحربية، كما رأينا، في كتب الحوليات والأخبار والأنساب كعنصر ملازم للوقائع التاريخية، وهذا

تماثل يعبّ عنه، إلى جانب كثافة ذكر «الشرور»، غنى المعجم الحربي في هذا النوع من الكتابات؛ إذ تتعدد

تسميات هذه الوقائع في هذه الكتب، فتارة نجد: «فيه وقعة المغافرة بين الزوايا المدعوين اشرابيب»،

«وكانت وقعة عظيمة يؤرخ بها لشدتها». ولدى ابن طوير الجنة «وقعة غز العْجينكي »، وفي

تاريخ بوجبيهة «وقعة بين البرابيش والرجال القادمين من توكريمين»، وفي تاريخ تجكجة «وقعة

تكدمت»، بينما تسترسل هذه المصادر في مواضع أخرى في استعمال كلمات دلالية أخرى ك«‹غزوة›

أولاد امبارك التي اجتمع فيها أهل الحوض، وفيه أغار تجكانت الساحل على الأقلال»، و«يوم صفية

انيوكشة» و«عام طيحة أولاد تيدرارين »و«غزي الحوض»، يوم آرقان وقعت فتنة بطحاء ولاتة

بين الاغلال وتجكانت. نسجل من خلال ما أوردناه عن الاختلافات الدلالية في تسمية الحروب: • إن دلالات الاستعمال اللغوي عند الفقهاء الذين يكتبون التاريخ تعقلها عبارات محددة ومستنبطة من

القاموس الديني، حيث تجسد هذه الاستعمالات، بالنسبة إلى الفقهاء خصوصًا، نموذجًا أيديولوجيًا

لتفسير الوقائع الحربية، وبذلك تصبح الحرب «فتنة بين المسلمين»، كما توضح فتوى محمد صالح بن عبد

الوهاب الولاتي عند حرب إدولحاج وتجكانت والتي نصت على: «وذلك أن بعض المتعدين للأحكام

والفتوى المتردين من الأنام في المهاوى. وقد أفتى تجكانت وإدولحاج في حربهم هذه فيما بلغنا أن لهم أخذ

ما وجدوا من أموالهم التي نهبها كنتة ومن معهم من حزبهم وأنهم يجوز لهم قبضه في أي يد كانت..... إن

هذه الفتوى -إن كانت كما بلغنا- باطلة، باطلة، باطلة، وهي من حلي كل حق نائبة عاطلة تمجها الأشماع

((1(بوبريك، المدينة في مجتمع البداوة، ص.15

(((2 السمسدي، ص.21

(2((الطالب أحمد بن طوير الجنة بن طوير الجنة، تاريخ ابن طوير الجنة، تحقيق سيد أحمد بن أحمد سالم (الرباط: معهد الدراسات

الإفريقية، 1995)، ص.88

(22) Vincent Monteil, «Sur quelques textes arabes provenant de Soudan (région de Tombouctou),» Bulletin du Comité d’Etudes Historiques et Scientifiques de l’Afrique Occidentale Française (BCAOF). vol. 21, no. 4 (Octobre-Décembre 1938), p. 512.

(((2 المختار ولد حامد، حياة موريتانيا: حوادث السنين: أربعة قرون من تاريخ موريتانيا وجوارها، تقديم سيدي أحمد بن أحمد سالم

(أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، 2011)، ص.289

(((2 ابن طوير الجنة، ص.90

(((2 المصدر نفسه، ص.89

(26) J. Cauneille and J. Dubief, «Les Reguibat Legouacem, chronologie et nomadisme,» BIFAN , vol. 17, série B, nos. 3-4 (1955), p. 530.

(((2 المصدر نفسه، ص.536

(((2 المصدر نفسه، ص.52

صيف 2015

وتنفر من ذكرها الطباع ولا يفتي بها المستفتي إلّ من قصد إثارة الفساد بين العباد.... وعليه فكل واحدة الاهمو اهمد نم تفلتأ الم ةنماض مهانم)يتنروكذلام يتنليبقلا نم لك يأ (». إن المصادر الفقهية، كمثال للاستعمالات المختلفة للمعجم الحربي، تتمايز في ما بينها تبعًا للأيديولوجيا

القبلية في كثير من الأحيان، وخير مثال لذلك الرسالة الغلاوية التي تضع حدودًا فاصلة بين القبيلتين

المتحاربتين، فالأولى، أي قبيلة كنتة التي ينتمي إليها الفقيه، «تتصف بشيم قبائل الزوايا التي لا أصل لها نسبة لها في التلصص ولا في البغي ولا في الحرابة»، بينما الثانية «مثيرة للفتنة». وهكذا، فإن العرض الفقهي يوازيه في حالة عدد من النوازل الفقهية نوع من التمايز الأيديولوجي في تأويل النصوص الدينية المختلفة، فتظهر حالة الشر كحالة من رد «محاربة البغي» كما هو الشأن في الرسالة الغلاوية، أو حالة من

الجاهلية كما في رسالة إلى القبائل المتحاربة للمختار بن أحمد بن أبي بكر الكنتي، التي جعلت من الدعوة «إلى الاقتتال بين القبائل عصبية وحمية». نلحظ من خلال التباينات في استعمال المعجم الفقهي الخاص بفتاوى «الغصب» و«الفتن» استراتيجيات مختلفة لدى فقهاء البيضان. ويستند أغلب هذه الأجوبة إلى «لي عنق الشرع»، بتعبير ابن خلدون، لتبرير

وضعيات خاصة، فضلً عن أن هناك تحيّزًا واضحا للفقهاء في حالة الحرب بين قبائل الزوايا والعرب،

تفسره صورة كليهما في المدونات الفقهية، علاوة على الاختلاف بين فتاوى أهل البادية والمدن في كثير من المسائل من بينها نوازل «الغصب». • لا توضح الدلالات اللغوية التي وردت في مصادرنا أي إشارة إلى استعمال عبارة دون غيرها. وهكذا، نجد بعض المصادر يذكر الواقعة نفسها بتعبيرات مختلفة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نجازف بتعميمات من شأنها أن تخل بالاستعمالات الدلالية لمصطلح دون آخر؛ فقد استعمل ابن طوير الجنة في مؤلفه جميع الاستعمالات الدلالية التي تعني الحرب، سواء في الاصطلاح المحلي أو الاصطلاح العربي.

وهكذا، نجد عبارة «الوقعة» تتكرر في عدد من مواضع المؤلَّف: «وقعة انودر» و«وقعة انترش» و«وقعة بطرن»، ومفردة «الغزوة» في وقائع كثيرة، كغزوة الأغلال الذين غزوا نحو تجكانت الساحل وغزوا انوابوار. ونجد أيضًا «إغارة» إدوعيش على أولاد الناصر عند اعريَط، وحروب عظام بين كنتة وتجكانت،

ويوم كيفة.... إن هذه الاستعمالات المتعددة في النصوص المصدرية لعبارات الحرب تبدي لنا التنوع المعجمي للدلالات التي تصاحب لفظ الحرب في نصوص الحوليات. وهذا الغنى المعجمي يقابله الحضور المكثف للحرب

كما ذكرنا سابقًا، غير أن البحث في خلفيات هذا الاستعمال يحتاج منا إلى بحث مكثف للبحث في الوقائع

(((2 صالح بن عبد الله الناصري الولاتي، في: صحراء الملثمين وبلاد السودان في نصوص الجغرافيين والمؤرخين العرب، جمع

وتقديم الدكتور حماه الله ولد السالم (بيروت: دار الكتب العلمية، 2011)، ص.635

(((3 محمد بن المختار بن أحمد الكنتي، الرسالة الغلاوية المسماة مبردة الغليل وشافية الغل من صدور جميع المؤمنين خصوصا بني

محمد غل، تحقيق حماه الله ولد السالم (الرباط: منشورات معهد الدراسات الإفريقية،.)2003

(((3 محمد بن المختار بن أحمد الكنتي، «رسالة إلى القبائل المتحاربة،» (مخطوط بحوزتنا نسخة مصورة منه)، ص.1

(((3 ابن طوير الجنة، ص 58، 90، 92، 94، 96، 98 و 02.1

النظام الاجتماعي للحرب في المجتمع البيضاني قبل الاستعمار، قراءة أنثروبولوجية وتاريخية

بعينها ومحاولات المقارنة بين النصوص المصدرية. وقد وجدنا أن استعمال «عبارة فتنة» للتدليل على الحرب يتصل في غالب الأحيان في المصادر التي نتوفر عليها بانتماء أحد أطراف الفئات المتحاربة إلى فئة الزوايا، أو عندما يتعلق الأمر بإحدى الحروب العظيمة التي شهدها المجال البيضاني. وهكذا، فإن من شأن التدقيق في هذه الحوادث أن يمدنا بفكرة أيديولوجية الاستعمال اللغوي. أمّا في الرواية الشفوية، فإن الأمر لا يحتاج إلى أعمال تدقيق كبرى لإدراك دلالات استعمال المفاهيم المتصلة

بالحرب؛ ف«الطيحة» تفسَّ محليًا بأنها شكل من أشكال الإغارة على قبيلة ما، وقد تكون «الطيحة» أيضًا

على القوافل التجارية، بينما يعني «الشر» في الاصطلاح المحلي حالة سياسية تصف حالة الفوضى بين القبائل، وهذه الاستعمالات الدلالية، تحتفظ لنا بما يمكن أن نسمّيه «الذاكرة الانتقائية للقبيلة». عرّجنا في مقدمة حديثنا عن الوقائع الحربية على مختلف استعمالاتها في المصادر، وهذا مدخل سيمكّننا من

استيعاب منطق هذه المصادر في ذكر الحروب؛ ذلك أن من شأن تحديد سمات هذه الخصائص أن يمدنا بالآليات التحليلية والنقدية لتحليل إشكاليتنا، دونما سقوط في تأويلات النص ذاته.

المجتمع البيضاني زمن الحرب

إن أخذ مفهوم «الزمن» بعين الاعتبار في دراستنا للظواهر يحتل مكانة كبرى، والحالة هاته، تنفصل دراستنا زمن الحرب في المجتمع البيضاني عن دراسة البنى الاجتماعية زمن السلم. وقد انتبه إيفانس بريتشارد في مقال له إلى فكرة الزمن عند النويريين، فأشار أن «لديهم غايات مختلفة، ولديهم بناء على ذلك أزمنة – قيم مختلفة، وخلال وصفنا مفاهيم النوير للزمن وجب علينا التمييز بين: المفاهيم التي تعكس أساسًا

علاقاتهم بالبيئة، التي يمكن تسميتها ب «الزمن البيئي» ضمن المفهوم الرئيسي، والمفاهيم التي تعكس علاقاتهم داخل البنية الاجتماعية، التي يمكننا وصفها ب «زمن بنيوي». بعبارة أخرى، يقدم لنا إيفانس

بريتشارد فكرته عن الزمن في تماهٍتام مع فكرة الزمن البيئي والزمن البنيوي. وينحو كلٌّ من مارسيل موس وهنري هيبرت في دراستهما عن الدِّين والسحر إلى منح مفهوم الزمن أهمية خاصة حينما يفصلّان في ما

سمّياه الأنشطة التي تُثقل الزمن مرحليًا، أو تلك التي تطبع المرحلة السنوية للعجز الذي يطغى على

حروب قبيلة ليستر، بينما لا يمكن من جهة أخرى أن نحيل فكرة الزمن نفسه إلى حالات تعميمية أو ذاتية. ينبغي، بصورة جوهرية، أن نضع مفهوم الزمن في سياق خاص وظواهر خاصة، لنفهم تفاعلاته

مع مختلف البنى التي تشكّل جوهر الكينونة الاجتماعية لمجتمع دراستنا. وفي الحالة التي ندرسها،

فإن موضعة مفهوم «زمن الحرب» في سياقه المحدد سيمكّننا من إدراك ماهية الحرب التي نحاول أن نحدد كنهها.

(33) E. E. Evans-Pritchard, «Nuer Time-Reckoning,» Africa: Journal of the International African Institute , vol. 12, no. 2 (April 1939), p. 189. (34)  Henri Hubert, « Étude sommaire de la représentation du temps dans la religion et la magie», in Henri Hubert, Marcel Mauss, Mélanges d’histoire des religions , 2éme édition (Paris: Félix Alcan, 1929,), p. 211.

صيف 2015

هكذا، نتساءل عن طبيعة التنظيم الاجتماعي والسياسي في زمن الحرب، لكن لنتحدثْ أولً عن زعيم

الحرب؛ فكما يتصور بيير كلاستر، «من الملحوظ أن بحوث الزعامة تكون متعاكسة بشدة من زمن الحرب

إلى زمن السلم، وأنه غالبًا ما تكون إدارة المجموعة مسيّة من طرف فردين مختلفين؛ فلدى كيبيو، مثلً،

أو لدى قبائل «لورينوك»: توجد سلطة مدنية وسلطة عسكرية. خلال الاجتياح الحربي، يمتلك الزعيم

سلطة معتبرة، بل مطلقة في بعض الأحيان، على مجموع المحاربين. ولكن، عندما يعود السلم، يفقد زعيم

الحرب كل سلطته أو تأثيره». إذا حاولنا أن ندرس الزعامة في زمن الحرب، سنصطدم لا محالة بالأفكار التي يطرحها كلاستر، وهي

الملاحظات التي سجّلها بعض الرحالة أو الضباط الذين زاروا مجال البيضان، أو الذين أجروا بحوثًا

إثنوغرافية معمّقة؛ فقد لاحظ جورج بولاي عند بعض القبائل، مثل «لحمنات»، القسمة المنشقة عن

مشظوف في الساحل، فهناك دائمً زعيمان، الأول يحكم في زمن السلم والآخر يأمر خلال الحرب.

والملاحظة نفسها يسجّلها إيتيان ريشي، الذي كان عضوًا في الهيئة العليا الاستشارية للمستعمرات، في

كتابه عن موريتانيا سنة 1920 قائلً: «يذهب البيضان للقاء العدو على شكل قبيلة، بدون أمر، تحت قيادة

الأمير أو الزعيم. في بعض القبائل، مشظوف الساحل مثلً، يوجد زعيمان، الأول زعيم الحرب والآخر

زعيم السلم». هذه الملاحظات التي سجّلها بعض الضباط العسكريين، يؤكدها بعض الباحثين في

دراساتهم؛ ف «حينما كان خطر ما يتهدد القبيلة، أو حينما تُفرض الحرب على القبيلة، كانت الجماعة تعي

رئيسًا للحرب، وعادة ما يكون هذا الرئيس شخصًا آخر غير شيخ الجماعة». ويؤكد الباحث رحال

بوبريك أن قبيلة آيت أوسى بواد نون عُرفت بزعامة حربية عائلية: «فلدى قبيلة آيت اوسى عُرفت عائلة

الخرشي بكونها زعيمة الحرب، فرغم وجود القيادة لدى عائلة اشياهو، فإن محمد الخرشي الذي أصبح فيما

بعد قائدًا، كان يقود القبيلة في الحرب». إن الملاحظات التي سجّلها بعض الباحثين بخصوص قائد الحرب ما زالت تُلقي بظلالها على «الذاكرة

الجماعية القبلية»؛ فزمن «اضمين الغزيِّ» يتجدد دائمً بذكر أيام الوقائع والشرور التي عرفتها القبائل.

بيد أن الملاحظات التي شدّت انتباهنا بقوة هي تلك التي تتعلق ب «تعيين» قائد الحرب أو «اضمين»، نظرًا

إلى أنها تخضع لشروط خاصة يختلف بعض خصائصها في المجال البيضاني الممتد من واد نون شمالً إلى

نهر السنغال جنوبًا. ففي بلاد الساحل، التي تشمل واد نون والساقية الحمراء وواد الذهب، حيث يسود

نظام اجتماعي قبلي خالص، نجد أن شروط اختيار مقدم الحرب تتصل بميكانيزمين اثنتين، الأولى تتعلق

(35) Pierre Clastres, La Société contre l’État: Recherches d’anthropologie politique , collection critique (Paris: Éditions de Minuit, 1974), p. 27. (36) Georges Poulet, Les Maures de l’Afrique occidentale française , préf. de M. Binger (Paris: A. Challamel, 1904), p. 14. (37) Etienne Richet, La Mauritanie , préface de Paul Painlevé (Paris: E. Larose, 1920), p. 109.

(((3 كارو باروخا، «النظام الاجتماعي التقليدي،» ترجمة خديجة الراجي، في: رحال بوبريك، منسق، الصحراء الأطلنتية: المجال

والإنسان (الرباط: وكالة الجنوب؛ جامعة ابن زهر، 7200)، ص.204

(((3 رحال بوبريك، زمن القبيلة: السلطة وتدبير العنف في المجتمع الصحراوي، سلسلة دراسات صحراوية (الرباط: دار أبي رقراق،

2012)، ص.42

((4  وجدنا في جميع المقابلات التي أجريناها مع مختلف القبائل أن «اضمين» يتكلف بقيادة «غزي» القبيلة في فترات الحرب.

النظام الاجتماعي للحرب في المجتمع البيضاني قبل الاستعمار، قراءة أنثروبولوجية وتاريخية

بالنسب، والأخرى تتعلق بالانتماء إلى الفروع القبلية الأكثر تمثيلية وحضورًا وأصالة؛ هذه الميكانيزمات

سنجدها حتى في الإمارات البيضانية لكن بآليات أخرى، مثلما سنناقش لاحقًا؛ ففضلً عن «الكفاءة الحربية» التي يتصف بها المحارب، وضمن هذا المستوى من التحليل، لا يمكن أن نتغاضى عن عنصر لا يقل أهمية، ويتعلق ب«المحاربين بلا زعامة»، وهُم الصنف من المحاربين الذين لا يصلحون للقيادة

الحربية بقدر ما يبرعون في مهارات الحرب. وهؤلاء المحاربون، إمّا ينضوون تحت أسماء المحاربين من

دون قدرات كاريزمية على القيادة، وإمّا يحتفظون هُم أنفسهم بقيمة الأمجاد الميدانية في المعارك. إن هذا

النوع من المقابلة بين المحارب الزعيم والمحارب بلا زعامة نجده ضروريًا لفهم خصائص «الزعامة

الحربية»، ومثله يتضح لنا جليًا من خلال نص الجوامع أن القائد الحربي يتصف ب «الشجاعة والجرأة

وحُسْن الرأي». تحتفظ الذاكرة الجماعية القبلية أيضًا بأسماء المحاربين فقط، فلاحظنا من خلال الروايات الشفهية تلازمًا

واضحًا بين الممارسات الحربية وأسماء بعينها؛ فعند قبيلة العروسيين مثلً، نجد أحمد إبراهيم الترورزي

الذي هو من المحاربين الذين ارتبطت ذاكرة العروسيين به. يُطلَق لقب المحارب في الصحراء على «جميع المحاربين الذين يمتهنون حمل السلاح»، وهذه الصفة التقريبية

التي منحناها للمحارب في الصحراء لا تُعبِّ بدقة عن وظائف حمل السلاح ودلالاته في المجتمع البيضاني؛

ذلك أن «امتهان حمل السلاح» تختص به المجموعات الاجتماعية التي انفردت بممارسة الحرب، أو تلك التي يجمع بعضها بين وظائف عدة (حمل السلاح، العلم، التجارة). وهكذا، فإنه ليس في مجتمع دراستنا وجود لحدود متباعدة بين الوظائف المختلفة، ولا يعبّ اللقب عن المكانة الاجتماعية فقط، إذ ربما يشتهر

لدى فئات المحاربين رجال ينتمون إلى رتب اجتماعية دنيا، فاللقب الاجتماعي، كمثال المحارب، لا يتطابق مع ألقاب خاصة بالمكانة الاجتماعية حصرًا، باستثناء فئات المجموعات الاجتماعية التي تنتمي إلى الفئات

الدنيا. ورغم أن هذه الأسماء تشترك من ناحية الوظائف الممارَسة، فإنها في حالة المحارب تختلف من حيث

مطابقتها المكانة الاجتماعية بشكل عام، مع بعض الاستثناءات؛ ذلك أن لقب المحارب4 قد يتصف به زاوي أو حساني من دون أن يكتسب «الحرطاني» بقوته ومهارته لقب «المحارب الفعلي»، فالحرطاني

يمكنه الارتقاء على سلّم المكانة الاجتماعية المنوطة بظروف خاصة وزمنية في أثناء الحرب، وبمجرد انتهاء الحرب يعود الحرطاني إلى مكانته الاجتماعية السابقة.

(((4 مقابلة شخصية، بومهدي الخطاط، بوجدور، أيار/ مايو.0122

((4 لا نقصد بلقب المحارب تلك الصفة التي ارتبطت في أذهان الفقهاء ب «الحرابة»، وإنما نقصد القدرة التنافسية والرمزية على

مواجهة زمن الحرب، سواء تعلق الأمر بزوايا الشمس أو بمحاربي حسان؛ ففي الحالة الأولى، برزت لنا أسماء محاربين من قبائل

الزوايا لها القدرة على خوض المعارك. كما أننا نلاحظ في عدد من التوصيفات التي سنناقشها لاحقًا أن عددًا من قبائل الزوايا تكون

أشد في الحرب من غيرها، وإذا ما تفحصنا معظم الحروب التي خاضتها الزوايا في ما بينها أو كانت طرفًا في إحداها، سندرك أن

الزعامة الحربية، كما حددنا صفاتها، لا ترتبط حصرًا بقبيلة دون أخرى.

(43) Pierre Bonte, «Enclave ou cousin: Evolution du statut servile dans la société Mauritanienne,» dans: Terrains et engagements: hommages précédés d’un essai de Claude Meillassoux: «Du bon usage des classes sociales» et suivi d’ une bibliographie de ses travaux , textes réunis et présentés par Bernard Schlemmer, hommes et soci é t é s (Paris: Karthala, 1998), p. 173.

صيف 2015

إن امتلاك الزعامة الحربية بهذا المعنى يمكن تفسيره بالتنافسية من أجل نيل لقب المحارب، الذي يتهدد

صاحبه بالزوال إذا لم يحافظ على قدراته التنافسية. وفي الحرب تبرز بقوة هذه السمة التي نتحدث عنها؛

فكما أن الدخول في عداد المحاربين يحتاج إلى شجاعة وتمرس حربي، فإن صاحبه قد يفقد «لقب المحارب»،

ومن ذلك ما ورد في حوادث السنين لابن حامد عن حرب غابو ما نصه: «وتشهد حرب ‹غابو› التي وقعت في الحوض بترمسه، عام 1831 م، وهي وقعة لأهل هنون العبيدي

وفاته على أهل بهدل وسائر فونتي والعبيدات. وكان هذا اليوم في عهد الأمير عثمان بن هنون بن بوسيف

الملقب أبا حيده (...) الأولى تسمى غابو الأول وهي بين فاته انغلي وأهل بهدل الفريقان من أولاد امبارك.

أما فاته انغلي فيرأسها سيدي أحمد بن المختار وابنه المختار وأهل بهدل يرأسهم المختار بن أعمر بن اعلي

المعروف بخطري فوقعت عنده وقعت غابو الأولى التي قطعت فيها يد محمد بن سيدي أحمد بن الدليل

(..). ولما قطعت يده بقي من أعصابه يده يمسكها لم ينقطع فامتنع عن إظهارها للناس حتى فسد اللحم،

واشتدت الرائحة الكريهة. فقال سيدي أحمد بن المختار لمحمد بن اسويد بوه، المطرب المشهور بجودة

شعره الحساني، اذهب إلى محمد بن الدليل وامدحه بإنشاء من شعرك واطلبه يده المقطوعة التي تمسكها

أعصاب ذراعه فإن أعطاك إياها فاقطع تلك الأعصاب عنه (...) وبعد إنشاده لهذا المدح طلب من محمد

بن سيدي أحمد بن الدليل أن يعطيه يده فأعطاه إياها فقطع العصاب التي تمسكها وتربطها بالذراع. ثم

برئ محمد بن سيدي أحمد مقطوعا فارتحل عن قومه فاته انغلي ونزل بتنواجيو، أهل الشيخ بن عثمان،

واستوطنهم إلى أن توفي، وتزوج أبناء الشيخ بن عثمان بناته وكان يقول ‹من قطعت يده عار عليه أن يسكن

مع أهل المدافع»›. يلخص اعتزال محمد بن سيدي أحمد بن الدليل الحرب والسكن مع أهل المدافع إلى حد بعيد قيم الشرف

المرتبطة بالحرب في المجتمعات التقليدية، بحيث يصبح دفاع المحارب عن شرفه ضربًا من الدفاع عن لقبه

الاجتماعي ومكانته الهرمية في القبيلة. ولا يمكن أن نفهم هذه المسألة إلّ في اتصال مع ما سجلته سيمون

ديبوفوار وأوليفر بريكفلد عن عقدة المرأة! في ما يشبه صورة كاريكاتورية؛ فقد ذكرا أن أحد الأسباب

الرئيسية لعقدتها في المجتمعات التقليدية هو أنها لا تشارك بصورة تقليدية في الحرب، فيقول براكفلد:

«لدى البشر، لا يُمنح التفوق للجنس الذي يلد، بل للجنس الذي يقتل»4. إذا سايرنا هذا التحليل، يمكننا أن نضع المعادلة التالية: عندما لا يشارك الرجل في الحرب ويعتزل ممارستها

يصبح في عداد النساء اللواتي لا يشاركن في الحرب، ومن هنا، يمكن أن ندمج بين فكرتي الشرف والحرب

في مقاربة النوع. غير أن هذا الاستخلاص يبدو مبالغًا فيه إلى حد بعيد، ويتضمن نوعًا من التحليل

السيكولوجي الذي لا طائل منه في هذا السياق. وبعبارة أخرى، لا يمكن أن نقارن بين خصائص الشرف

عند المرأة والرجل انطلاقًا من «عقدة النقص» هاته، ولا سيمّا أن المرأة نفسها تشارك في التحريض على

القيام في الحرب، وفق ما يسجل عدد من الوقائع، كما أنها تعزز الروابط السياسية بين مختلف القبائل بما

(((4 ولد حامد، حياة موريتانيا: حوادث السنين، هامش (8 ص)،.384

((4 غاستون بوتول، الحرب والمجتمع: تحليل اجتماعي للحروب ونتائجها الاجتماعية والثقافية والنفسية، مراجعة وتقديم محمد

علي محمد (بيروت: دار النهضة العربية، 1983)، ص.91

النظام الاجتماعي للحرب في المجتمع البيضاني قبل الاستعمار، قراءة أنثروبولوجية وتاريخية

تدفع به من تحالفات عن طريق الزواج والتبادل. لكن مع تأكيد «المحاربين» وجوب الدفاع عن اسمهم (الشرف) من دون توقف عن البرهنة عن جوهرهم (الشجاعة) بمواجهتهم الموت بأنفسهم، يحاولون

أن يبيّنوا كذلك أنهم يشكلون قوة خطِرة إلى درجة الوصول إلى العدوانية المطلقة. لكن متى يصبح

الإنسان محاربًا في مجتمع البيضان؟ إن الدخول في عداد المحاربين في المجتمع البيضاني، كما تصف الرحلات، هو من بعض الطقوس والممارسات المحددة التي تتجلى غالبًا في حالة من طقوس العبور، التي لا تزال غامضة لنا باستثناء إشارات

قليلة في بعض المصادر. بعبارة أخرى، يتحدد المرور من «عالم الطفولة» إلى «عالم الرجولة» أساسًا بممارسة

الأعمال الحربية؛ فروني كايي أخذته الدهشة تمامًا إزاء «الطفل الذي لم يبلغ بعدُ سن 16 على الأقل، وهو

يسرق أحد القطعان ويتباهى أمام القبيلة بهاته السرقة، ويدعو كل من سولت له نفسه استرجاع الماشية التي قام بسرقتها». ليس ثمة تدقيق كاف لتحديد طقوس الدخول في جموع المحاربين؛ ففي أفريقيا الشرقية، كما في عدد من المناطق الرعوية، تكون السن أو ممارسة النهب أهم عوامل الدخول في عداد المحاربين؛ ف«عند معظم قبائل الناغا، لا يمكن للشبان أن يوشموا ما لم يستولوا أو يشاركوا فعليًا بالاستيلاء على بعض رؤوس

الناغا، رجالً ونساء، أو أولادًا، لا يهم، لا ينتمون إلى قبيلتهم الخاصة ولا إلى قبيلة صديقة. فالشاب الذي

يأتي برأس، يستطيع حضور مجالس الرجال، ويوشم ويكون له الحق بأن يتزوج إذا ما حلا له ذلك». ويتحدث الرحالة موليين، الذي زار الصحراء في القرن التاسع عشر، عن طقس العبور المرتبط بالسن

قائلً: «بدءًا من سن العاشرة، يتجه أبناء البيضان إلى الحرب: من هذه السن يعرفون كيفية ترويض الحصان

واستعمال البندقية. يتظاهر أبناء الأمراء بجرأتهم. أحدهم يسمى علي الكوري لا يتجاوز التاسعة، لا يخاف الذهاب إلى مكان الرعاة البيضان وانتزاع خروف من قطيعهم: ممتطيًا الحصان ومعه العنزة المنتزعة، مهددًا

بقتل الرعاة الذين يتبعونه، وهم خائفون من البندقية التي يشير بها نحو وجناتهم»4. وهكذا، فإن شرط القدرة على ممارسة الحرب لدى بلوغ سن معيّنة يهيَّأ الأطفال للدخول في عالم المحاربين،

وهو تهيؤ ثقافي وطقوسي يضمن للقبيلة إمكانية إنتاج المحاربين، وهذه هي الرمزية التي تضمن لكل قبيلة

(46) Eliane de Latour, «Peur, honneur, mort. Guerriers d’Amazonie, guerriers de cité, guerriers d’Allah,» dans: Yann Guillaud and Frédéric Létang, eds., Du social hors la loi: L’Anthropologie analytique de Christian Geffray (Paris: IRD éd., Institut de recherche pour le développement, 2009), p. 127. (47) René Caillié, Journal d’un voyage à Temboctou et à Jenné, dans l’Afrique Centrale, précédé d’observations faites chez les Maures Braknas, les Nalous et d’autres peuples; pendant les années 1824, 1825, 1826, 1827, 1828 , Avec une carte itinéraire, et des remarques géographiques par M. Jomard 3 vols. (Paris: Imprimerie royale, 1830), vol. 1, p. 102.

((4(غاستون بوتول، ظاهرة الحرب، ص.78

غاستون بوتول، ظاهرة الحرب: مناهج البوليمولوجيا، مورفولوجيا الحروب، البنى التحتية للحروب، ترجمة رمسيس يونان (بيروت:

التنوير؛ دار الفارابي، 2007)

(49) Gaspard-Théodore Mollien, Voyage dans l’intérieur de l’Afrique, aux sources du Sénégal et de la Gambie fait en 1818, par ordre du gouvernement français , avec carte et vues dessinées et gravées par Ambroise Tardieu, 2 tomes en 1 vol. (Paris: impr. de Ve Courcier, 1820) , p. 68.

صيف 2015

منتجين للقتل. ومن جهة أخرى، تحيلنا هذه الأهمية التي ذكرنا عن قيمة المحارب في الصحراء، إلى أهمية

الحرب نفسها، وآليات تنظيمها زمن الحرب، وهو ما سنقوم بتحليله من خلال حالة «الغزيان» التي عُرف

بها المجال البيضاني. في لسان العرب، «غزَا الشيء غَزْوا أراده وطلبه وغزوت فلانا أغزوه غزوا، والغَزْوُ: القَصْدُ، وكذلك الغَوْزُ،

وقد غَزاهُ وغازَهُ غَزْوا وغَوْزا إِذا قصدَه... والغَزْوُ: السيرُ إلِى قِتالِ العَدُوِّ وانْتِهابه، غَزاهُم غَزْوا وغزَوانا»ً.

إن دلالة المعجم العربي تحيل إلى المصطلح الحساني «غزي»، ويُقصد به تجاه جماعة من الرجال المسلحين إلى

جماعة أخرى بهدف الحرب أو النهب أو الإغارة على القوافل. ولا يُشترط في «الغزيان عدد محدد، غير أن

معظم الروايات التي استقينا منها هذه المعلومات تحدد أعداده بثلاثين رجلً فما فوق. وقد ظل استعمال عدد

من الباحثين المفهوم استعمالًاجتماعيًا مقتصرًا على طابعه التقني الخالص دونما تحليل لوظائفه الاجتماعية،

فضلً عن دور هذه الحالة السياسية في الإنتاج الحربي والعلاقات الاجتماعية في المجتمع البيضاني. نقر بداية بأن استعمالنا المفهوم لا يتصل فقط بتحليل خصائص هذه «المؤسسة الاجتماعية الحربية»، وهو

مبحث في غاية الأهمية، بل نعمل من خلاله أيضًا على تقديم «الغزيان» لا كوسيلة تقنية ملازمة للممارسة

الحربية أو العنفية، وإنما كتعبير عن حالة اجتماعية وسياسية طبعت المجتمع البيضاني قبل الاستعمار؛ «ففي

الصحراء، ونظرًا لسيادة جو الحروب، أي ما يسمّى محليًا ب ‹غزي› بين القبائل، وعدم وجود سلم وأمن

دائمين، ظلت كل قبيلة في حالة شبه حرب دائمة، فإمّا أن تستعد لغزو قبائل أخرى أو تكون في حالة

استعداد لرد الهجمات الخارجية والدفاع عن مراعي القبيلة وترابها. فحالة الحرب ليست استثناء، بل نكاد

نقول بدون مبالغة إنها هي القاعدة». يعتمد تجهيز الغزيان على الإمكانات الحربية للقبيلة، وهو يرقى إلى الصيغة التنظيمية التي تتصف بها

التنظيمات الاجتماعية في زمن الحرب، وهذا ما يفسّ كون «الغزيان» لا يجسد أسلوبًا عشوائيًا يعتمد

«الإغارة» ومباغتة العدو، وإنما ينطوي على حالة تنظيمية ومؤسساتية نموذجية يتسم بها مجال البيضان؛

فتعريف الغزي في معظم المقابلات الشفهية لا يعدو أن يكون «حالة من حرب الجميع ضد الجميع»، أو

ممارسة المجموعات الحربية نوعًا من التظلم على القبائل «المسالمة». وفي أحيان كثيرة تتخذ الشرور طابعًا

اقتصاديًا ل«جلب الغنائم». إن مجمل هذه التفسيرات التي تسم مجموع المقابلات الشفهية التي قمنا بها

يمنحها صيغة اختزالية، إذ تغدو الحرب بالنسبة إلى هؤلاء تعبيرًا عن حالة اجتماعية كلية مؤدلجة. إن أشكال تنظيم الغزيان تتوازى مع البنية السياسية القبلية، حيث تحدد أشكال التحالفات ومرونتها

الشكل التنظيمي للغزيان. وفي حالة التحالفات، نجد أن كل قبيلة تحتفظ بمرؤوسيها ولا تلجأ إلى تشكيل

«وحدة تحالفية رئاسية» في حالة الحرب. ومن جهة ثانية، يستمد «الغزيان»، الذي تقوده القبيلة لمحاربة

قبيلة أخرى، قوته التنظيمية من مؤسسة أيت الأربعين التي توفر له الغطاء المؤسساتي؛ فهذه الأخيرة تقوم

ب«انتخاب الضمين» الذي يقود الغزي، وفي حالة الحروب الأكثر تنظيمً يترأس كل قسمة زعيم حربي

تنتخبه أيت الأربعين (وهذه الحالة نجدها فقط في مجال محدود يمتد من الساقية الحمراء وواد الذهب، في

(((5 ابن منظور، لسان العرب، مج 11، ص.47

(((5 بوبريك، زمن القبيلة، ص.22

النظام الاجتماعي للحرب في المجتمع البيضاني قبل الاستعمار، قراءة أنثروبولوجية وتاريخية

ما يسمّى بلاد الساحل، بينما نجد بعضًا من الاختلافات على مستوى التعيين وتنظيم الحروب في الإمارات

البيضانية). ويورد صاحب جوامع المهماتفي نصه أكثر من إشارة في عدد من الحروب التي خاضتها قبيلة

الرقيبات، منها أن اجتماع أيت الأربعين يسبق اختيار قائد الحرب، «وذلك أن الرقيبات لما تناسلوا وكثر

مالهم وانتشروا وصاروا قبائل شتى وناشبتهم أطراف الرماح اجتمعوا وتشاوروا في أمرهم. فاتفق رأيهم

أنهم إذا نزل بهم أمر مهم كالخوف يجتمعون في مكان واحد ويختارون رجلً منهم معروفًا بالشجاعة

والجرأة وحسن الرأي، ويكون معه رجال يختارهم من القبيلة. والجماعة يسمونها أيت أربعين والرجل

يسمّونه المقدم..... والمقدم وقومه مجتمعون أينما كانوا، ولا يذهب واحد منهم إلّ بإذنه. وإن فعل واحد

منهم شيئًا من غير أمره ينصفه المقدم. ولا يطعن أحد من أحيائهم إلّ بأمره. ولا يغيب أحد إلّ بأمره

ومن خالف ينصفونه. وإذا طرأ عليهم خبر من جهة العدو يقف ذلك المقدم، وينادي بأعلى صوته ‹يا

قوم الصلاح› يكررها ثلاث مرات، فمن سمع النداء يأتيه مسرعًا إلى أن يجتمع عنده كثير من الرجال

فيتشاورون ويرسلون رسلً إلى من كان منهم بعيدًا يخبرونه وعينًا يأتيهم بأخبار العدو، وحرسًا يكون على

مسافة ثلاثة أيام أو يومين منهم على الجهة التي فيها العدو. ويسمّونه الشوف أو الأشواف. وإن افترقوا

عند النوم وعند المقيل ينادي مقدمهم عند الصباح: ‹يا قوم الصلاح› ثلاثًا ومن تأخر عن ندائه فعليه

إنصاف وهو بيصة، فبعد ذلك يتفرقون في طلب المرعى للمواشي ويغيب من كان يريد الغيبة، ويكون

التواصل دائما بين أحيائهم وهم على حذر مدة الخوف». وفي معرض حديثه عن أول من تقاتلت معه

الرقيبات، يذكر ‹وجعلوا أيت الأربعين›، فأتى الخبر الرقيبات واجتمعوا بما أمكنهم من الاجتماع، وجعلوا

أيت الأربعين». يُقبل «مقدم» الحرب على ممارسة سلطته الحربية بإيعاز من مؤسسة أيت الأربعين، كما يوضح لنا نص

جوامع المهمات؛ إنه تنظيم مؤسساتي محكوم ب«فترات الخوف» وأساسًا بزمن الحرب. ومثله، فإن اختيار

«مقدم الشر» أو «ضمين الغزي» يستند إلى أن الزمن يمثّل في جوهره أحد الأبعاد الرئيسية في إدراك

الظواهر الاجتماعية. وهكذا، فإن إدراكنا الزمن الحربي، وما ينتج منه من بروز أشكال تنظيمية جديدة،

وحالة من التخصص الحربي عند المجموعات....، يوضح لنا أن الزمن الحربي متجذر في البنى الاجتماعية

التي تعبّ الحرب عن طبيعته. في مجتمعات أخرى، كالتي درسها كلود ماياسو في كوت ديفوار، يستدعي الغزوُ وما ينتج منه من

عمليات حربية بين قبيلة وأخرى، نوعًا من التنظيم السياسي الداخلي للقبيلة، بحسب قول ماياسو،

حيث يجتمع مجلس يجمع بين « gulizā » الذي توكل إليه مهمة تدبير الشؤون الطارئة في القبيلة. ويضم

هذا المجلس جموع المحاربين وأسياد القبيلة وشيوخها. وتقوم طريقة اختيار قائد القبيلة في فترة الحرب

على معايير عدة، فاختيار «جيليزا» أو «نيانازا» ()nianazā يخضع لعدد من المعايير المتوافقة، أولها

الشجاعة، ذلك أن قيادة القبيلة في فترات الخوف تحتاج إلى محارب شجاع، وقد يكون الاختيار بسبب

الغنى.

(((5 ابن عبد الحي، ص.77

(((5 المصدر نفسه، ص.83

(54) Meillassoux, p. 234.

صيف 2015

إننا نميز بلا تأكيد بين النهب كحالة فردية لا تمثّل المجموعة القبلية من جهة، والنهب الذي يصاحب الحرب من جهة ثانية، وشكل آخر يتجسد في الإغارات على القوافل التجارية من جهة ثالثة؛ ذلك أن الخطوط بين هذه الأشكال العنفية متباينة إلى حد بعيد، وجوهريًا على الأقل، لكننا لا ننفي وجود سمات

مشتركة بين جميع هذه الأشكال. ونلحظ في حالة النهب الفردية قواعد أخرى، ونقصد بها اتجاه جماعات بعينها إلى سلب قطيع ما، وهي حالة منعزلة تمامًا عن الاستعداد المؤسساتي والتنظيمي للحرب عند

المجموعات القبلية؛ فالوظيفة العسكرية لهذه الجماعات تنفصل عن التخصص الحربي للقبيلة، وحالة

النهب هاته لا تعدو أن تكون شكلً من أشكال العنف الذي تمارسه جماعة خارجة عن جماعة أخرى، بمعنى أنه لا يتخذ صيغة جمعية كما في حالة الحرب. هذا من حيث الغاية والهدف، ولكن إذا تحول «النهب» إلى حالة من «العنف المتبادل»، فإن شكل العنف هذا يتحول إلى حرب حقيقية. أمّا أساليب الإغارة على

القوافل التجارية، فإنها لا تحتفظ بطابعها الاقتصادي الصرف كما نتوهم من قراءتنا للنصوص، وإنما تنطوي على طابع سياسي واجتماعي عام يتلخص في محاولات الهيمنة وامتلاك رموز «الحرابة» والقوة في مجتمع للحرب فيه أدوار رئيسية. يمتلك المجتمعُ البيضاني آليات عدة لإعادة إنتاج المكانات الاجتماعية والحفاظ عليها، وهي آليات تساهم

في وضع تراتبيات اجتماعية تفضي إلى تكوين هذه المكانات تبعًا لظروف خاصة. وإذا كانت الحرب في

مجتمعات أخرى تمنح زعماءها مزيدًا من التفوق السياسي والاقتصادي الفردي - كما في بعض مناطق

المغرب خلال القرن التاسع عشر، فإن بعض القواد المحليين كان ذا ثراء فاحش، لما لذلك من صلة بالواقع

الحربي للقبائل التي كانت تقطن مجالات سلطتهم؛ إذ في الوقت الذي تزداد الوحدات القبلية ضعفًا وفقرًا

بسبب المشاركة في الحروب والعمليات العسكرية، وما يرافق ذلك من توفير للعدد والعدة، أي تقديم الرجال والأفراد المحاربين مع تجهيزهم وتسليحهم، كانت القيادات والزعامات تزداد قوة وثراء. وفي حالة المجتمع البيضاني، لا يفضي توزيع «الغنائم» إلى تراكم الثروة لدى المحاربين، ويمكن القول إن وظيفة التمايز الاجتماعي في زمن الغزي تخلق نوعًا من التراتب الاجتماعي، وفقط بين المحاربين المشاركين

في «الغزي». وكما أن أجزاء حصص الاستيلاء في الغزي تكون متناسبة مع الغنيمة وبعض الشخصيات المهمة (الضمين: زعيم الغزي، المرشد) التي لديها الحق في حصتين من نصيب الاستيلاء، فإنها لا

تؤدي إلى تكديس الثروة إطلاقًا. على عكس ما ذهب إليه كلاستر في دراسته المتميزة عن «شقاء المحارب»، فإن الحرب تتمظهر من خلالها التمايزات الاجتماعية بين الوظائف في «الغزءِّي» نفسه. وينفي كلاستر أي صفة لانقسام المجتمع في أثنا

فترات الحرب، وهو ما لا يخلق نوعًا من التسلسل القيادي الذي يمايز بين الزعيم والجنود. وهكذا، فإن

«النشاط الحربي لا يسمح بأكثر من النشاط الاقتصادي أو الحياة الاجتماعية في أزمنة السلم، وتقسيم المجتمع الحربي -كما في جميع التنظيمات العسكرية- إلى جنود أكفاء وزعماء آمرين: النظام ليس القوة

(((5 عبد الله استيتيتو، التاريخ الاجتماعي والسياسي لقبائل آيت عطا الصحراء إلى نهاية القرن التاسع عشر: مقاربة أنثروبولوجية

تاريخية لمسيرة كتلة قبلية أمازيغية (الرباط: المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، 2011)، ص.182

(56)  P. Borricand, «Contribution à la connaissance des coutumes regueibat,» Notes Africaines , no. 61 (Janvier 1954), p. 8.

النظام الاجتماعي للحرب في المجتمع البيضاني قبل الاستعمار، قراءة أنثروبولوجية وتاريخية

الرئيسية للمعسكرات البدائية، الطاعة ليست الواجب الأول. المحارب المبتدئ: الزعيم لا يمارس أية قوة

آمرة. عكس رأي مغلوط (الذي مفاده أن الزعيم لا يمتلك أية قوة، إلّ في أزمنة الحرب) المحارب القائد

ليس في أي لحظة من الاجتياح (التحضير، المعركة، الانسحاب) في وضعية تمكّنه من أن يفرض رغبته،

أن يعطي أمرًا يعرف بأنه لن يكون مطاعًا في جميع الأحوال. ومن جهة أخرى فإن الحرب ليست أكثر من

السلم لا تمكن الزعيم من أن ‹يتظاهر بالزعامة›. الحرب لا تفتح حقلً جديدًا في العلاقات السياسية بين

الرجال: زعيم الحرب والمحاربون متساوون، الحرب لا تخلق أبدًا، وحتى مؤقتًا، تقسيمً في المجتمع البدائي

بين من يأمرون ومن يطيعون: إرادة الحرية لن يتم تعويضها بإرادة الانتصار. آلة الحرب بنفسها عاجزة عن

تحقيق اللامساواة في المجتمع البدائي». إن ما يعزز هذا التصور الذي عرضناه في ما يتعلق بأن الحرب تخلق التمايز الاجتماعي في زمن الحرب،

خلافًا لما ذكره كلاستر، وتخلق أيضًا نوعًا من السلطة الاستثنائية عند زعيم الحرب، ما ذكره الباحث

رحال بوبريك بخصوص قبيلة أزركيين: «إنه إبان فترة مزاولته لسلطته (أي مقدم الشر أو الحرب) يقرر

العقوبات ولا يمكن لأحد أن يتهمه بالقتل إن أقدم على قتل أحد من أفراد القبيلة رفض حمل السلاح

أو اتُّم بالخيانة. وفي حالة أظهر الزعيم الحربي عدم الكفاءة في التسيير وتنظيم الحرب، تتم تنحيته من

منصبه ويحل محله في الغالب أحد أقاربه، لأن هذه الوظيفة محصورة في فخذة معيّنة من القبيلة بل وفي

عائلات بعينها».

بين أمير الحرب وأمير السلم

في مقابل هذا التحليل الذي نعرضه بخصوص آليات تدبير الحرب، سيتوجب علينا الانتقال إلى

مستوى يتصل بميكانيزمات إنتاج الحرب في الإمارات البيضانية، وسنتوقف عند بعض الخصائص

التي تتعلق بطبيعة تسيير الحرب في بعض الإمارات البيضانية؛ ففي سنة 1977، عرض بيير بونت

في مقال له وظائف ما يسمّيه «الثنائية التمثيلية لكلٍّ من ‹أمير الحرب› و‹أمير السلم›»، وسلّط الضوء

على الاستقرار الداخلي الذي تهدده التقسيمات القبلية، بينما «أمير الحرب يركز نشاطه على الحرب

الخارجية. يتقوى التنظيم العسكري بأشكال ‹الديمقراطية العسكرية› التي يمكن أن تستمر داخل

الأرستقراطية المهيمنة. هذه الوضعية تتناسب مع استمرار شروط الانقسامية داخل الارستقراطية

المهيمنة. في موريتانيا الحسانيون يدخلون في النسب المشترك يربطهم بالعرب ‹معقل›، والأمير من جهة

أخرى قائد النسب الأكثر نبلً للحسانيين، لأهل عثمان زعيم جميع المحاربين الحسانيين، ومن جهة

أخرى مركز تنظيم ممركز وترابي». يميز بونت بدقة بين ميكانيزمات اشتغال التحالفات في زمن الحرب وأدوار كلٍّ من «أمير السلم» و«أمير

الحرب» في الفئات التي سمّها أرستقراطية في موريتانيا، والتي تنتمي إلى حسان، و«الأمير» الذي «ينتسب

(57) Clastres, Archeology of violence , pp. 279-280.

(5((بوبريك، زمن القبيلة، ص.42

(59) Bonte, «La Guerre,» pp. 42-67.

((6 المصدر نفسه، ص.49

صيف 2015

إلى الحسانيين الأكثر نبلً» في ظل بنية سياسية ممركزة وترابية، وهو بذلك يحدد دور «أمير الحرب» في

الحروب الخارجية، بينما يتكلف «أمير السلم» بالحفاظ على الاستقرار الداخلي. إننا نلحظ مع بونت نوعًا

من المجازفة التاريخية في توصيف كلٍّ من أدوار أمير الحرب وأمير السلم، وإذا استعنّا بما كتبه عن هذا

المقال في وقت لاحق، فسنجده أكثر حذرًا بخصوص هذا التقسيم؛ ذلك أن بونت، الذي اعتمد على

ما كتبه مماد با عن «أحمد ولد امحمد» (أمير السلم)، يركز على وظيفة إشاعة السلم لدى هذا الأمير، بينما

الأمير نفسه لا يخفي نزوعه إلى الحرب، كما يقر بذلك بونت نفسه، في مقاله الذي كتبه سنة 2000 ويذكر

فيه حرب الأمير مع أمير الترارزة أعمر سالم. ويذكر المختار ابن حامد «أن أحمد بن امحمد بن أحمد ولد

عيدة رشحه أولاد غيلان واجتمع عليه أهل آدرار. كان أهلً لذلك دينًا وعدالة وعقلً وسياسة....وبعد

عامين من إمارته، أي سنة 1290 ه 1873/ م، فسد الحال بينه وبين أولاد الجعفرية، فأوقع بهم ‹يوم

عيون البقر›.. وهاجر أولاد آكشار مع رئيسهم الحزام بن المعيوف إلى الترارزة وجعلوا يغيرون على آدرار،

فوقعت مناوشات متعاقبة، منها ‹يوم تكف› و‹يوم تنديجمار› و‹يوم تندوجه› و‹يوم الزحافية›... و‹يوم

السفيرات› بين أولاد غيلان وأولاد دليم (...) ثم قتل ‹أهل مانة الله سيدي أحمد بورويشة سنة 1883 م

وهاجروا إلى إيدوعيش، فحاربهم الأمير أحمد بن امحمد وإبراهيم بن مكية»›...6. إن حروب «أمير السلم»، كما أنشأ ماماد با الذي كرليَّس هذا التوصيف، جرت على مستويين داخ

وخارجي. وتكفي الإشارات التي أوردها المختار بن حامد، ذاكرًا حروبهم الداخلية التي نشبت بين

فروع أولاد غيلان، أي بين فروع أولاد غيلان الموالية للأمير وأولاد سلمون (من أولاد غيلان)، بمن

فيهم «أهل مانة»، وبينهم وبين أولاد كشار أبناء عمومة الأمير، وهي حروب تعزز حالة «الانقسام

الداخلي» بين فروع الإمارة نفسها؛ إذ إن الأمير سعى إلى موازنة الصراعات الداخلية بين مختلف القبائل

التي تشكل عصب الإمارة. بينما يصف لنا مجملُ الأحداث التي ذكرها ابن انتهاه حجم التنازعات بين

القسمات المشكلة لأولاد غيلان، وتغينُّ اتجاه التحالف إلى الانفراط والتفكك بين أولاد سلمون الذي

ناصروا عددًا من الأمراء الذين سبقوا أحمد ولد عيده، إلى أن رحلوا عن آدرار مع بن المعيوف، واتجهوا

بعدد من الغارات ضد الأمير أحمد ولد محمد، وعدد من المواجهات التي استمرت مع أحمد بن سيدي أحمد

«أمير الحرب». وقد «أدركت هذه السنة بعض حرب بعض أبناء شمس الدين وعافيتهم فيها، والجدري

الذي وقع فيهم، واجتماع الجماعة وترتيبهم لمحمد سيدينا بن برو في القضاء ورئاسة سيديا، وجلاء أبناء

سلمون إلى جهة الرعيان أدركهم أحمد بن سيدي أحمد عند ازناكه». هذا بينما تكشف الحروب الخارجية، خاصة مع أولاد دليم والترارزة، كما رأينا، عن ضعف الافتراض

الذي ذهب إليه بونت في مقاله الأول؛ ذلك أن «أمير السلم» يتكلف بتسيير شؤون الإمارة في حالتي

السلم والحرب، وهو ما يعزز القول إن التسمية التي أطلقها ماماد با على أمير السلم لا تعدو توصيفًا

(61) Pierre Bonte, «L’«émir de la paix»: Aḥmed uld M’Ḥammed (1872-1891),» dans: Pierre Bonte et Hélène Claudot- Hawad, dirs., Elites du monde nomade touareg et maure, nouvelle éd. (Aix-en-Provence: Institut de recherches et d’études sur le monde arabe et musulman, 2000), p. 140.

((6 المختار ولد حامد، التاريخ السياسي، موسوعة حياة موريتانيا؛ 1 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2000)، ص.152-150

(((6 السمسدي، ص.35

النظام الاجتماعي للحرب في المجتمع البيضاني قبل الاستعمار، قراءة أنثروبولوجية وتاريخية

عامًا يهم الحالة السياسية أكثر منه وظيفة الأمير نفسه، ويمكن أن نكتشف ذلك من خلال توظيف ابن

انتهاه عبارة «رجعت السيبة لأشنع ما يكون» في مخطوطه أكثر من مرة، خاصة ما يتعلق الأمر بحكم أحمد ولد محمد، «ولم يزل ذلك كذلك (أي العدل والعلم) إلى عام الغدر عام 1308 ه موت الأمير أحمد بن أحمد بن أحمد بن عيدة، فحينئذ أشرقت شمس العلم على الأفول، وبكت الأرض على فراق أشباح العلماء، وحق لها أن تقول ‹إنا لله وإنا إليه راجعون› على انقراض العلم بموت أهله واستخلاف الأوباش على تشييد المنارات»....6. على عكس «أمير السلم»، فإن «أمير الحرب» أحمد ولد سيد أحمد، لا يتصف، كما ذكر مامادو با، ب«شيم الزوايا» بتعبير اليدالي، التي يتخلق بها أحمد ولد امحمد. إن مامادو با يقيم بينهما، كما هو واضح من

نصه، تعارضًا سياسيًا وأيديولوجيًا، ويتجلى ذلك في كون الأول مثالً ل«إشاعة العافية» والعدل في

«بلاد السيبة»، بينما تتسم سلوكات «أمير الحرب» بنزعة الفوضوية وإشاعة الشرور، وهذا التقابل يوضحه مامادو با بصورة أوضح: «كان شجاعًا طموحًا ومستبدًا»، وقد نبذه ابن عمه مدة من الزمن وطرده نحو

الترارزة لمؤاخذاته الكثيرة. وقد ظلت صورة التناقض بينهما حاضرة حتى على مستوى العلاقة بينهما، كما تروي النصوص المصدرية، على أن هذه الصورة تبدو غير مكتملة عند مامادو با؛ فالأمير الذي يتصف بإشاعة السلم والعدل أمر وهو على فراش الموت بأخذ الثأر من إدوعيش. ويقدم لنا عبد الودود ابن انتهاه

روايته المفصلة للحادث قائلً: «وحكنت قلوب الحي بما سمعوا من الولولة بسلامة أحمد، فلما فر وكان ثم أحمد بن سيد أحمد جمع من ثم من أهل المدافع وجاء لابن عمه ووصى له بالإمارة وتخطاه، أي جعل بين رحليه- وتلك عادتهم- في تخلف الميت على الحي للإمارة، وقال الناس ما طرأ عليكم شيء وأمرهم

أن لا يظهروا شيئًا من الجزع، ورحل بالناس كان لم يمت منهم حقيرًا فأحرى جليلً ووصاه ابن عمه بأن

لا يدع دمه لإدوعيش ولا لإيدشلي، فحلف لسان حاله أنه لا ينام حتى يملؤوا الأرض وقال إنهم ليسوا

بعقلاء، يعني الفريقين، لأن أحمد بن أمحمد لا يُعَدّ إلّ من أكابر الزوايا لمحافظته على الصلاة والطهارة،

وهو لا يتعلم إلّ ضرب المدافع وركوب الخيل وأفعال جاهلية العرب حتى أن منهم لمن يوزن بألف رجل وهو والله شبيه به وقليل في حق ألف». إن حالة التناقض التي تبدو جلية في الروايتين (رواية كلٍّ من مامادو وابن منتهاه) نشأت عن الصورة

الأولية التي حملها كلٌّ من مامادو با الذي كوّن صورة مثالية للأمير أحمد ولد أحمد وتغاضى بذلك في تقييمه

للأميرين عن «تجاوزات أمير السلم» والتي بمقتضاها جاءت توصيته لابن عمه بمتابعة عدويه الداخلي (إديشل) والخارجي (إدوعيش). إن هذا التغاضي الذي واكب رواية با للحوادث جعلته يقدم لنا رواية أخرى تختلف عما خطه ابن منتهاه؛ إذ ذكر أن «أحمد ابن محمد قد أوصى خليفته أحمد بن سيدي بثلاثة أمور

(((6 المصدر نفسه، ص 15

((6 المصدر نفسه، ص.14

(66) Ahmadou Mamadou Ba, «L’Emirat de l’Adrar mauritanien de 1872 à 1908,» Bulletin trimestriel de la Société de géographie et d’archéologie d’Oran , no. 53, fasc. 190-191 (1932), p. 83.

(((6  المصدر نفسه، ص.83

(((6 السمسدي، ص.29

صيف 2015

من بينها: أن لا يشعل نار الحقد دون أن يترك الظلمة أحرارا»6، بينما يصر ابن انتهاه على أن أحمد بن

سيدي أحمد جاء إلى ابن عمه وتخطاه، وتلك عادتهم في تخلف الحي على الميت على الإمارة، وأوصاه أن لا

يدع دمه لإيدوعيش ولا لإيدشلي، فحلق لسان حاله أنه لا ينام حتى يملأوا الأرض، وقال إنهم ليسوا

بعقلاء، يعني الفريقين، لأن أحمد بن محمد لا يُعَدّ إلّ من أكابر الزوايا لمحافظته على الصلاة والطهارة، وهو

لا يتعلم إلّ ضرب المدفع وركوب الخيل وأفعال جاهلية العرب حتى أن منهم لمن يوزن بألف رجل وهو

والله شبيه به وقليل في حقه7. هذا في حين يقدم لنا بونت رواية تقترب مما ذكره ابن انتهاه: «فقد قدم أحمد

ولد سيد أحمد، عندما استدعاه أحمد ولد امحمد. قال له الأمير الجريح: أمرر ثلاث مرات من فوق جتثي،

واعلم أننا سنحاسَب جميعًا أمام الله. واعلم أنه على كل واحد منا واجب. أطلب منك أمورًا ثلاثة. الأولى

أن لا تترك دمي يطول عليه العهد في إدوعيش، والثانية أن لا تحمل الحقد لذويك، والثالث أن لا تُبعد أبدًا

أولاد غيلان من الساحة السياسية لإمارتك، أجابه أحمد ولد سيد أحمد: ‹مت أنت وسأبدأ أنا مهمتي، ولو

منحك الله الحياة أسبوعًا لشاهدت بأم عينك ما سيكون»›. فبينما يذكر مامادو با أن وصية الأمير اشتملت على إخماد نار الفتنة من دون ترك الظلمة، فإن ابن انتهاه

لم يستسغ إقدام الأمير المتخلق بشيم الزوايا على توصية كهذه رغم أنه عرض مضمونها! في حين يقدم

لنا بونت رواية تعزز ما ذهب إليه ابن منتهاه. إن هذا التباين بين الروايات سببه، كما تقدم، صورة أمير

السلم في ذهنية كلٍّ من ابن انتهاه ومامادو با. لقد استمر «أمير الحرب» في تنفيذ توصية ابن عمه، وصال

بإيدوعيش في معارك ضد تكانت استمرت ثلاث سنوات، «وتذكر حوليات ولاتة خبر هذه الحرب.

وفي التاسع بعد ثلاثمائة وألف في أوله... وفي هذا الشهر غزوة إدوعيش إلى آدرار إلى أبناء يحيي ابن عثمان

وهزمت عند قصر أطار»7، وقد اتجهت هذه المعارك الحربية التي بدأها أحمد ولد سيد أحمد إلى الواجهتين

معًا: إدوعيش وإيدشل، وأسهب ابن منتهاه في ذكر تفصيلات هذه المعارك وتطوراتها. إن الحدود بين «أمير الحرب» و«أمير السلم» تبدو متقاربة إلى حد بعيد، كما وضحنا، وهو ما ذهب إليه

بونت نفسه في مقاله الذي أحلنا إليه سابقًا؛ «فالأمراء الموريتانيون هم ‹زعماء المحاربين› الأوائل بين

أقرانهم، كما هُم ‹ليهان المغول›، ليس بشكل عام تحول وظيفة ‹زعيم حرب›... التي تنبني على الزعامة

الممركزة». التمركز السياسي يكون مصحوبًا بتحول الرتب داخل التنظيم العسكري، ومن الملاحَظ أن

الزعيم السياسي نفسه يُعتبر «زعيم محاربين» في موريتانيا، أو لدى التوارك رتب «‹زعيم المحاربين› و‹زعيم

حرب› تبدو مختلفة قطعًا». نتوقف مع بونت عند مستويين من التحليل، الأوليشمل وظيفة الأمير في الإمارات الموريتانية والثاني

يشمل وظيفة «زعيم الحرب». ونقرأ أيضًا من خلال المصادر أن هناك تمايزًا واضحًا بينهما؛ فالحرب التي

(69) Ba, «L'Emirat de l'Adrar mauritanien,» partie l’Emir de la guerre.

((7 السمسدي، ص.29

(((7 بيير بونت، إمارة آدرار الموريتانية: الحريم التنافس الحماية في مجتمع قبلي صحراوي، ترجمة محمد بن بوعليبه بن الغراب

(نواكشوط، موريتانيا: دار النشر جسور، 2012)، ص.468

((7 بوبريك، المدينة في مجتمع البداوة، ص.69

(73) Bonte, «La Guerre,» pp. 50-51.

النظام الاجتماعي للحرب في المجتمع البيضاني قبل الاستعمار، قراءة أنثروبولوجية وتاريخية

يقودها الأمير، وهو المكلف الأول بإعلانها، تقتضي قيادة حربية في الميدان، أي إن زعيم المحاربين هو

الأمير، كما هو الشأن مثلً مع أمير آدرار محمد بن امحمد الذي قرّب إليه محاربي أولاد غيلان، كما رأينا

سابقًا مع بونت: «وكان محاطًا بمحاربين أوفياء، بينما يمثّل زعيم الحرب ويتولى ‹المواجهات العسكرية في

زمن الحرب›، ويكون مقرّبًا من الأمير، كما هو الشأن مع سيد أحمد بوريشة مع الأمير أحمد ولد محمد»،

أو «الحزام بن سيدي بن امحمد بن المعيوف ابن تكدي بن آكشار، الفارس البطل، محَشٌ الحروب. كان

مقاتلً شجاعًا»7. ونجد في إمارة الترارزة أيضًا القبائل المحاربة تستمد مكاناتها الاجتماعية والسياسية والعسكرية من قربها

من الأمير وولائها له، فضلً عن إنتاج بعض القبائل للسلالات الأميرية؛ فأولاد أحمد بن دامان، الذين

كانت فيهم رئاسة الإمارة، تمكنوا من جلب العداوة بين ذويهم كما يذكر صاحب الوسيط، «ما وقع بين

الترارزة مع غيرهم لا يُذكر بالنسبة لما وقع بينهم وبين أبناء دامان. وأمّا ما وقع بين أبناء أحمد بن دامان مع

بعضهم، فأغلب ذلك إنما هو طلب الملك مثاله ما وقع بين سيدي بن محمد الحبيب وأبناء عل خملش».

إنه في حالة إمارتي الترارزة وآدرار، كما رأينا، تتشكل الرئاسات السياسية في مقابل رئاسات حربية تقودها

مجموعات قبلية إمّا تتبع الأمير وإمّا تكون معارضة له، وتجتمع هذه الرئاسات الحربية على زعيم حرب

يستمد قوّته السياسية من شيعته التي تناصره ضد الأمير، أو من قربه من مركز السلطة السياسية، وبذلك

نجد أن إلى جانب وجود قبائل محاربة تقوّي شوكة الإمارة سياسيًا وعسكريًا، كما هو شأن قبيلة أولاد

دامان و«أولاد الركيك» بالنسبة إلى الترارزة أو أولاد غيلان لآدرار أو أهل اسويد بالنسبة إلى أبكاك

وأهل سيدي محمود للشراتيت أو في إمارة إدوعيش. إن هذه المقارنات، التي تحتاج إلى تفصيل أكثر ودراسة أكثر عمقًا، تمكّننا من وضع صورة أولية عن طبيعة

الحرب الناشئة عن البنى الاجتماعية والسياسية المختلفة. بعبارة أخرى، نجد في الحرب، في حالة الإمارات

البيضانية، ونظرًا إلى وجود نوع من المركزية في السلطة، ميكانزمات متحكمة لا نجدها في التنظيم القبلي

في مجال الساحل؛ ففي الإمارات البيضانية، تخلق لنا الحرب نوعًا من التنافس المحكم والثأر بين القبائل

المحاربة والمتنفذة في السلطة، غير أننا لا ندفع باتجاه الفصل بين طبيعة التنظيم الحربي والإمارة والقبيلة، في

المجال البيضاني، حيث تتأسس أساليب التنظيم والتسيير المختلفة، على منطق تنظيمي واحد، وإنما نحاول

أن نوضح بعض الفروق التي طبعت التنظيمين في زمن الحرب نتيجة الطبيعة السياسية. أخيرًا، لسنا ننازع بونت في أن اختيار الأمير يجري بناء على نبل النسب، لكن بناء على استراتيجيات التعيين

التي عرفتها الإمارة، فإنه لا مجال للحديث عن «الديمقراطية العسكرية»؛ إذ «اتجهت» أولاد غيلان كما

يذكر المختار ولد حامد، إلى «تعيين» ولد عيده. ونعرف أن موازنة القوى في الإمارات البيضانية تعتمد

(((7 بيير بونت، إمارة آدرار...، ص.466

((7 ولد حامد، التاريخ السياسي، ص.157

(((7 الشنقيطي، ص.461

(77) Paul Marty, L’Emirat des Trarzas , collection de la Revue du monde musulman (Paris: E. Leroux, 1919), p. 198. (78) Pierre Amilhat, «Petite chronique des Id ou Aïch, héritiers guerriers des Almoravides sahariens,» Revue des études islamiques, no. 1 (1937), pp. 41-130.

صيف 2015

على قدرة المجموعات المحاربة، التي سمّها بونت «الأرستقراطيات الحسانية»، على امتلاك رمزية خاصة

تمكّنها من «التعيين» أو «العزل» من الرئاسة، في مقابل فتح الطريق أمام «توسع الطموحات السياسية لأولاد غيلان»، وهذا ما يؤكده بونت في أطروحته وهو يتحدث عن أولاد غيلان. إن تاريخ الوقائع القبلية يركز على الاستمرارية، في هذه الحالة، بين إعادة التشكيلة الانقسامية للقبيلة، المتجسدة في تجزئتها إلى كيانات متنافسة، والطائفية السياسية الأميرية بوصفها «صنّاع أمراء» وزعماء الطوائف التي تساند هذا المرشح أو ذاك، وحركة الدعم أو العصيان على الأمير المنصَّب7. وبذلك، فإن

تعيين الأمير لا يتأسس على «الديمقراطية العسكرية» وإنما تحدده التنافسية الانقسامية بين فروع القبائل الأكثر تأثيرًا في الإمارة والتي تتخذ شكل «تنصيب» الأمير أو «عزله».

خلاصة

حاولنا في هذه الدراسة أن نحدد سمات التفاعل بين البنى الاجتماعية وآليات إنتاج الزعامات الحربية في المجتمع البيضاني، من خلال دراسة حالة «الشر» أو «الغزيان» التي عرفها مجتمع دراستنا. وحاولنا أيضًا

أن نبيّ أن هناك انعكاسًا للبنى التنظيمية زمن الحرب على آليات تدبير القبيلة والإمارة، وهو ما يخلق

نوعًا من «التنظيم الاجتماعي والسياسي» المحكوم بفترات الحرب. بعبارة أخرى، لا تمثّل الحرب بالنسبة

إلينا، وضمن هذا التصور، آلية اجتماعية أو سياسية لمواجهة الطوارئ، ومن بينها الحرب، وإنما تعبّ هذه

الأخيرة عن سير النظام الاجتماعي، فقيمة حمل السلاح وتمجيد الزعامة الحربية، وكذا طقوس العبور إلى المحاربين، وتأويلات الروايات الشفوية للحوادث الحربية، كلها عوامل ساهمت في تشكيل ما سمّيناه

الجوهر الاجتماعي للحرب في مجال دراستنا.

مرجع إضافي

بن محمدن، محمدو. المجتمع البيضاني في القرن التاسع عشر: قراءة في الرحلات الإستكشافية الفرنسية.

الرباط: معهد الدراسات الإفريقية، 001.2 (بحوث ودراسات؛.)8

((7 بيير بونت، إمارة آدرار...، ص.158