Return to Article Details How Does the West Look at the Arab Gulf Countries?

كيف ينظر الغرب لبُلدان الخليج العربي؟

How Does the West Look at the Arab Gulf Countries?

مراد دِياني*

الملخّص

العنوان الأصلي للكتاب: Les pays du Golfe, de la perle à l’économie de la connaissance: Les nouvelles terres du libéralisme الكاتب : كارولين بيكيه مكان النشر : باريس/فرنسا الناشر : آرمان كولان تاريخ النشر : 2013 عدد الصفحات : 224 صفحة

Abstract

Book Title: Les pays du Golfe, de la perle à l’économie de la connaissance: les nouvelles terres du libéralisme Author: Caroline Piquet Place of publication: Paris Publisher: Armand Colin Date of publication: 2013 Number of pages: 224

الكلمات المفتاحية:
  • دول الخليج العربية
  • اقتصاد المعرفة
  • الليبرالية
  • الغرب
Keywords:
  • Arab Gulf States
  • Knowledge Economy
  • Liberalism
  • the West

الكتاب الكاتب

: كارولين بيكيه

مكان النشر

: باريس/فرنسا

الناشر

: آرمان كولان

تاريخ النشر عدد الصفحات: ٤٢٢

«الحلم الخليجي» من منظور ليبرالي

في الوقت الذي بدأ النموّ في أوروبا والولايات المتحدة ينهار عقب الأزمة الاقتصادية العالمية الممتدّة بظلالها حتى اليوم، إلى درجة أن بعضًا من هذه البلدان بدأ يشهد حالة من الركود المُزمن، أو حتى النموّ السلبي، ينوّه هذا الكتاب بأن ثمة دولً في الخليج العربي (قطر والإمارات والكويت وعمُان والبحرين)  (١) تُسجّل في الآن ذاته نجاحات اقتصادية باهرة؛ ففي عدد من القطاعات المهمّة في الاقتصاد الجديد القائم على المعرفة (الرياضة، والإعلام، وسوق الفنّ، وصناديق الاستثمار السّيادية...)، أصبحت هذه الدول عناصر فاعلة لا محيد عنها في الاقتصاد العالمي. ويوضّح هذا الكتاب جليًّا أنها أضحت تجسّد وجهة مفضّلة لكثير من الشركات الغربية السّاعية إلى كسب أسواق جديدة، بالإضافة إلى عدد كبير من المهاجرين الآسيويين والغربيين

والعرب، الذين تجتذبهم روعة «الحلم الخليجي»)Gulf Dream(الذي تضعه الكاتبة في مقابل «الحلم الأميركي»)American Dream(كما شاع في الماضي. بادئ ذي بدء، ينبغي أن نتوقّف قليلً عند عنوان الكتاب بلدان الخليج، من اللّؤلؤة إلى اقتصاد المعرفة: الأراضي الجديدة للّيبرالية. أوّل ما يلفت انتباهنا ههنا هو خلوّ العنوان من أي إشارة، ولو بعيدة، إلى النفط، مُوحيًا بذلك إلى أن عصر الذهب الأسود ليس سوى محطة في تاريخ بلدان الخليج، على مستوى تبلورها الداخلي وعلى مستوى انخراطها في الاقتصاد العالمي؛ فإن كان لا يزال يُنظر إلى هذه الدول حتى عهد قريب باعتبارها أنظمة مترتّبة عن الطّفرة النفطية فحسب، فإن إحدى أبرز القِيَم المضافة لهذا الكتاب تتمثّل في عدم تبنّيه ديدن الكثيرين في المقاربة التبسيطية لبلدان الخليج باعتبارها سرابًا ريعيًّا وُلد من الرمال، بقدر ما يُعيد وضع تاريخ بلدان الخليج في «المدى الطويل»، ويُنظر تُثّل لم إليها باعتبارها استمرارية لتاريخ مديد فيه الموارد الاقتصادية، وفي مقدّمتها موارد النفط بالطبع، سوى عامل مُدّد من بين عوامل أخرى تضافرت جميعها لإفراز التغيّات الإنتاجية والاجتماعية والسياسية المعاصرة. وفي مقدّمة هذه التغيّات، تخص الكاتبة بالذكر تحويل جزء من العوائد النفطية داخل اقتصاد المعرفة الناشئ، والتنويع الهيكلي الاقتصادي الذي يقود في الآن نفسه إلى التساؤل بشأن إعادة صوغ التوافق الاجتماعي على أساسٍمن الاستقرار السياسي، في مرحلة دقيقة أصبح فيها تضافر عوامل عدّة (تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والعولمة، والربيع العربي...) يثير قضايا وتحدّيات الانفتاح السياسي والإصلاحات الليبرالية.

توطّن الليبرالية في بلدان الخليج العربي

ينقسم الكتاب، الذي جرى توثيقه بشكل جيّد عمومًا (٢، إلى ثلاثة أقسام مرتّبة زمنيًا. يناقش الجزء الأول ماضيًا يعود بنا إلى أكثر من 1400 سنة، ثم يُركّز عقب ذلك على الدور التأسيسي للقوة البحرية للإمبراطورية البريطانية في تطوير الأنشطة التجارية، بما في ذلك تجارة اللّؤلؤ، ثم محاولاتها الحفاظ على التفرّد في هذه الأنشطة، وخاصة في عصر منح الامتيازات النفطية، مع تشجيع التجارة الحرة وشجب نظام الرقّ. وقد يفاجئ الحديث عن اللّيبرالية في بلدان الخليج العربي الكثير من الغربيين؛ فهذه البلدان هي بالنسبة إليهم بلاد «الشرق»، ومهد الإسلام، ومهد العروبة، وتبدو نائية عن هذا المفهوم الغربي بامتياز. ومن هنا تأتي أصالة هذا الكتاب الذي تغوص فيه كاتبته الفرنسية كارولين بيكيه في تاريخ المنطقة لتستخلص الأصول اللّيبرالية التاريخية للأنظمة الاقتصادية القائمة المعاصرة، لا سيمّا منها التقاليد التجارية العريقة للمنطقة، والتي تعرض لها بتفصيل في الفصل الأول («الخليج والتجارة الكبرى للشرق: من سنة 600 إلى القرن الثامن عشر»)، بالإضافة إلى دور البريطانيين في القرن التاسع عشر في إرساء أُسس التجارة الحرّة وإدانة الاستعباد بغرض خدمة مصالحهم (الفصل الثاني: «الخليج يصبح بحيرة بريطانية»)، مرورًا بمناقشة آثار اكتشاف النفط على هذه الدينامية (الفصل الثالث: «أفول اللّؤلؤة واكتشاف البترول يعرض الجزء الثانيمن الكتاب («ولادة الدول النفطية: 1978-1945 ») لفترة «الذروة»، مستعرضًا في البداية أهمية اكتشاف النفط وتزايد

حاجة الاقتصادات الصناعية إليه في إضفاء أهمية استراتيجية بالغة على المنطقة (الفصل الرابع: «استغلال النفط والرهانات الإقليمية»)، قبل أن يعرض لدور مرحلة الاستقلالات الوطنية والظروف الجيوستراتيجية التي عرفتها المنطقة في بلورة شكلها المعاصر (الفصل الخامس: «زمن الاستقلالات»)، أو ما تسميه الكاتبة «عصر الازدهار»، وهو حيث نشأت معظم التصوّرات بشأن المنطقة التي لا تزال قائمةً إلى اليوم (الفصل السادس: «عصر الازدهار»). تجري تحديدًا مساءلة هذه التصوّرات بشأن المنطقة في الجزء الثالثمن الكتاب («من سيادة النفط - الملك إلى إعادة تحويل الريع: من سنة 1979 إلى الوقت الحاضر») الذي تستعرض فيه بيكيه آثار الحروب في التحوّل في المنطقة (الفصل السابع: «زمن الحروب»)، قبل أن تعكف في الفصل الثامن والأخير («دول الخليج في زمن ما بعد النفط») على جرد المحاولات المتعدّدة للتنويع الاقتصادي، وبشكل يكتسي أصالةً غير مسبوقة، لدراسة عبور هذه الدول الصغيرة إلى العولمة والاقتصاد غير المادّي القائم على «المعرفة». ويجري هنا تسليط الضوء على كثير من الأنشطة الاقتصادية القائمة على «الخدمات» و«اللّ مرئيات» التي بدأت بلدان الخليج العربي في الانخراط فيها بشكل مكثّف في رهانها على استدامة الرخاء الاقتصادي في مرحلة ما بعد النفط. هيّمست الم ليلحتلاو سردلاب الوهانت هيكيب متتتخ «الحلم الخليجي» بعرض الرهانات الاقتصادية والتحديات السياسية لهذه البلدان، سواءٌ في ما تعلّق بالعولمة وتحدياتها الاقتصادية والجيوستراتيجية والأمنية، أو بالمشروع المجتمعي الذاتي الذي تتوخّاه هذه الدول.

التحوّل إلى اقتصاد المعرفة، بين التقليد والحداثة

إنها إذًا إحدى المقاربات الغربية «الموضوعية» التي تنأى عن التصوّرات النمطية التي تحكم صورة الغرب عن دول الخليج العربي. ومن ثمّ، لا غرو في أن نجد بيكيه تصف في هذا الكتاب القطيعة الشائعة بين التقليد والحداثة باعتبار أن ليس لها معنى وغير سليمة علميًا، لتستعيض عنها بمقاربة تدرس التغيّات الاجتماعية من موشور التغيّات الاقتصادية، وتُدرجها في سياق التطوّر الكوني. وفي الواقع، إن القضية الرئيسية التي كانت سبب وجود هذا الكتاب، وفقًا للكاتبة، هي «المشروع المجتمعي الذي يُعاد وضعه في سياق العولمة» (ص -2122)؛ فالحدس الذي تنطوي عليه هذه الخيارات الاقتصادية المتوجّهة بحزمٍ نحو الانبساط في المحيط الاقتصادي الدولي، ونحو التركيز على التدريب والابتكار الفرديين، من شأنه أن يساهم في تطوّر المجتمعات الخليجية، بعيدًا عن الطبيعة الاقتصادية الريعية التي تُنسب إليهم. ومن ثمّ، من الواضح أن التحيّز النظري لكارولين بيكيه هو أن الليبرالية باعتبارها مرادفةً للتجارة الحرّة لا يمكن فصلها عن مكونّها السياسي الذي يقوم على «التشديد على الفرد» (ص. 17). بيد أن المؤلّفة تتجنّب بعناية إقامة أيّ رابط منهجي بين الاثنين، مفضّلةً استكشاف الاشتباكات والتوتّرات بين «منطق المشروع الليبرالي - العالمي والنموذج الإقليمي - المُحافظ» (ص. 20)، في سياق مرجعي مثير للاهتمام يسلّط الضوء على الفجوة القائمة بين دولة الرفاه الريعية في بلدان الخليج والنظام الليبرالي الذي يدافع عنه الفيلسوف الأميركي جون رولز، أي «ديمقراطية امتلاك الملكية» (ص -1920). يظلّ أحد أهم استنتاجات بيكيه هو الشكوك التي تضعها الكاتبة بشأن إعادة صوغ «العقد

الاجتماعي؛ فهي تلاحظ «تناقض» النخب التي تساهم في الترويج للثقافة والتعليم والإعلام المعولمة جميعها – وهي أنشطة حبيسة نطاقات مُصّصة و«ارتيابهم الشّديد إزاء ظهور مجتمع – مدني» (ص. 150). وتثير بيكيه أيضًا نقطتين على قدر كبير من الأهمية: أولً، حقيقة كون المواطنين يُفّف من يُمثّلون أقلّية ذات حظوة وامتيازات الأثر الاجتماعي للسياسات الاقتصادية، حيث إنهم يشعرون في آنٍمعًا بنوع من التّهديد من لدُن غالبية الأجانب، وبنوع من الدّين والتبعية إزاء الوافدين المؤهّلين. وثانيًا، إمكانية أن يسمح تطوير القطاع الخاص بتأكيد دور الطبقة الوسطى وأهمّيتها داخل المجتمع. وفي الواقع، ومن دون أن يجري تطوير هذه النقطة بتفصيل، يتعلّق الأمر ههنا بأحد التحدّيات الكبرى للطّفرة الاقتصادية: استيعاب مطالب القادمين الجدد في مقابل السلطة المُخاتلة للرّيع، وأيضًِا في مقابل النخبة الاقتصادية التقليدية التي حقّقت ثروة كبيرة في مجال الأعمال في ظلّ نظام «الوكالة» ونظام «الكفالة» والصفقات العمومية (لا سيمّا داخل قطاعات البناء والاتصالات ووسائل الإعلام).

نحو نظرة غربية موضوعية إلى بلدان الخليج العربي

في نهاية المطاف، يبقى أن نعاود تأكيد الميزة الهائلة لهذا الكتاب بمنحه قراءةً تحليلية ورصينة في زمنٍ أضحت فيه هذه البلدان، ولا سيمّا منها تلك التي يجري تسليط الضوء عليها بشكل أكبر، نعني دولة قطر، تتعرّض لسهام ونيران انتقادات وسائل الإعلام، وهو ما من شأنه أن يمنح الجمهور الواسع في العالم الغربي رؤيةً هي أقرب إلى الواقع من تلك التي تتداولها وسائل الإعلام. ويُظهر الكتاب أيضًا أن على الرغم من الحدود الحقيقية الجلية لمحاولات هذه البلدان تنويع اقتصاداتها، فقد استطاعت هذه الدول تدريجيًّا الخروج من وضع التبعية الاقتصادية لتحتلّ مكانةً أكثر مركزية في الاقتصاد العالمي، من غير تركيز مصالحها المالية في الغرب، بل الانفتاح بشكل متزايد على آسيا.

الهوامش