Return to Article Details مقاربات في فهم القادح المحلي للثورة التونسية

مقاربات في فهم القادح المحلي للثورة التونسية

منير السعيداني*

الملخّص

الكتاب: الثورة التونسية: القادح المحلي تحت مجهر العلوم الإنسانية الكاتب: مجموعة مؤلفين (إشراف المولدي الأحمر) مكان النشر: بيروت/الدوحة الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات السنة: 2014 عدد الصفحات: 365

الكلمات المفتاحية:
  • القادح المحلي
  • الثورة التونسية
  • العلوم الإنسانية
  • مقابلات ميدانية

الكتاب الكاتب مكان النشر

: بيروت/الدوحة

الناشر تاريخ النشر عدد الصفحات: 635

تقديم

بفصوله/مقالاته السبع المتعدّدة الاختصاصات، بين علم الاجتماع والتاريخ والديموغرافيا والجغرافيا الاقتصادية والبشرية والدراسات الحضرية وعلم النفس السريري، يمدّ كتاب الثورة التونسية: القادح المحلي تحت مجهر العلوم الإنسانية، الذي أشرف على إنجازه المولدي الأحمر، قارئَه بمادة متنوعة ومتضافرة المكوّنات ومتكاملة الزوايا، لتلقي أضواء «جديدة» على الثورة التونسية. بالفعل، وإلى حد صدور الكتاب (أيلول/سبتمبر 2014)، كانت المقاربات التي تناولت الثورة التونسية في: الثورة التونسية: القادح المحلي تحت مجهر العلوم الإنسانية: مجموعة مؤلفين (إشراف المولدي الأحمر)

: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

كتُب تنزع إلى الشمول ورسم «الصورة الكبرى»، في حين أن واحدة من مزايا هذا الإصدار أنه أخذ مجهر عدد من العلوم الإنسانية والاجتماعية ليتفحص بعدسته ما يمكن أن يكون قادحًا محلّيًا للأحداث الثورية التي اندلعت في تونس بداية من 17 كانون الأول/ديسمبر 2010. ولأن المحلّ المقصود هو ما اعتبره جلّ التحليلات ذات الصلة «مهد الثورة الأول»، فقد اختصّت المعطيات الميدانية والبيانات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والديموغرافية وشهادات الفاعلين، وكذا التّحليلات الواردة في الكتاب في ولايتَي (محافظتَي) سيدي بوزيد والقصرين،

المكوِّنتين مع ولاية القيروان المنطقة المعروفة في تونس باسم «الوسط الغربي». لكن، على الرغم من أن الخيط الناظم للتناول العلمي لمختلف موضوعات الكتاب، ومحاور اهتمام الباحثين ضمنها، ارتكز على النظر المجهري في أدق تفصيلات الحياة المحلية والجهوية اقتصادًا واجتماعًا وسياسةً ونمطَ عيْش وثقافةً، فإنه لم يُْلِف تقييم أثر سياسات الدولة المركزية في هندسة تلك التفصيلات وتشكيلها؛ ذلك أن الباحثين لم ينطلقوا في تناولهم مواد تحليلاتهم من أن وجود قادح محلّ للثورة التونسية أمر بديهي أو منطقي أو من مرتبة تحصيل الحاصل، لا بل إن المشروعية العلمية لمثل هذا السؤال الباحث عن محدّدات محلّية لمّا صار شأنًا وطنيًا، فعربيًا فعالميًا، تكون قابلةً للتّعيين فالعزل فالتحليل، مثّلت هاجسًا مُعلَنًا وصريحًا أخذه المساهمون في هذا الكتاب على مَْمَل التحدّي الإبستيمولوجي.

موضوعات متضافرة متكاملة

على امتداد الصفحات ال 273 التي تشغلها فصول الكتاب، بما في ذلك مقدمته العامة بقلم المولدي الأحمر، تعود البحوث التاريخية في الآثار الناجمة عن الفعل التحييزي الذي اضطلعت به الدولة التونسية الحديثة تجاه مجال المنطقة وسَاكِنَتها إلى بدايات القرن الثامن عشر (الفصل الأول بقلم عبد الحميد هنية)، لتتّصل بواقع الحال من حيث مقوّمات الاقتصاد المحلّ بما يميزه من هشاشة وافتقار إلى الهيكلة (الفصل الخامس بقلم حمّادي التيزاوي)، وكذا من حيث خصوصيات السياسات العمومية الحضرية، سواءٌ أكَانت إسكانية أم تنموية (الفصل السادس بقلم حاتم كحلون). وقد أعطى ذلك صورة تفصيلية واسترجاعية وحِينية في آنٍمعًا، يمكن القارئ أن يموضع فيها بعض ملامح جيل الثورة ذي السمات السوسيوديموغرافية المخصوصة (الفصل الثالث بقلم محمد علي بن زينة)، أو ممارساته الثقافية ومدى نفاذه إلى المؤسسات الرسمية والخاصة ذات الصلة (الفصل الرابع بقلم أحمد خواجة)، وصولً إلى بعض جوانب منطق اشتغال السوق السياسية المحلية (الفصل الثاني بقلم المولدي الأحمر). أمّا المقالة الأخيرة (الفصل السابع بقلم سامية صميدة)، فركّزت عدسة المجهر على أكثر الموضوعات فرديةً وخصوصيةً وسيكولوجيةً لتخص شخص محمد (طارق) البوعزيزي وفعله بمقاربة تحليلية نفسية. استنادًا إلى ما تجمّع تحت مجهر الباحثين من بيانات ومعطيات بالغة التدقيق في الشأن المحلي ومتشعبة في تفصيلاته، تخلّلت فصول الكتاب مقارنات موحية توزّعت في ثلاثة مستويات: بين الثورة التونسية والثورات «الكلاسيكية المرجعية»، وهي الفرنسية والسوفياتية والصينية أولً (في المقدمة خاصة)، وثانيًا بين ما كان من إحداثيات الاحتجاج خلال الثورة في المنطقة المعنية بالدراسة وما كان فيها من ثورة «ربيع العربان» الرافضة تمدّد يد السلطة المركزية الطولى (8641) وانتفاضات فلاحية (0619) ومشاركة في استزراع شعار استقلال الوطن (الحركة الوطنية)، مع ربط معقول بانتفاضة الحوض المنجمي (إلى جنوب المنطقة نفسها سنة 2008)، واحتجاجات بن قردان (في الجنوب الشرقي المتماس مع الحدود الليبية، صائفة 2010). ثالثًا، وفي كثير من الفصول، كانت مقارنات بين الأرقام الإحصائية الخاصة بالجهة (التعليم، المستغلات الفلاحية، المؤسسات الصناعية، مؤشرات التنمية الجهوية، مؤشرات التنمية الثقافية،...) ومثيلاتها في بعض الجهات الأخرى، وعلى الأخص بينها وبين المعدلّات الوطنية. وقد سمحت هذه المقارنات العلمية بمستوياتها الثلاثة لا بإبراز الفروق فحسب، بل بالاقتراب أيضًا من تحديد المتغيرات التي يمكن

أن تكون عوامل مفسّة للسيرورة الاجتماعية المولّدة للقادح المحلي (أو القوادح المحلية) للمطالبة والاحتجاج والتمرد والثورة.

إشكاليات سياقية مُيسّرة للفهم

كيف تحوّلت منطقة الدراسة من مجال قَبلَي مستقل، إلى حدّ ما، عن السلطة المركزية إلى مجال مقَسّم إداريًا ينتظم فيه الأفراد وتحدّد هوياتهم في أطر إدارية نحتها الاستعمار الفرنسي ثم دولة «الاستقلال» وصارت تحمل تسميات تخترق الحدود القبلية القديمة؟ ذلك هو السؤال (هنية، ص 46-45) الذي يسعى الفصل الأول إلى الإجابة عنه، معتمدًا وصفًا تاريخيًا (يشمل القرنين الثامن عشر والتاسع عشر) للانتقال التدريجي الذي شهدته الجهة على امتداد عشرات السنين من النفوذ المحلي المتوتّر داخليًا، والذي كانت تنظّمه القبائل المستقلّة إلى هذا الحدّ أو ذاك عن السلطة المركزية (ص 51 فما بعد)، إلى حالة أولى للتوازن بين قوتّيْ القبائل والسلطة المركزية (ص 54 فما بعد)، ثم إلى حالة ثالثة سِمَتُها تفكّك البنْية القبلية والأفول المتسارع التدرج لنفوذ الأعيان المحلّيين خلال القرن التاسع عشر (ص 46 فما بعد). تمكّنت السلطة المركزية للدولة المجالية من تحقيق هدفها من خلال تقنيات متتابعة التدرّج ومتراكبة السيرورة ومتضافرة الآثار (الإحصاءات السكانية، تفريد الجباية، التدخّل في شبكات المبادلات الداخلية، الإخضاع العسكري،...). وكان من نتائج ذلك أن شهدت المجموعات القبلية للوسط الغربي على امتداد هذا المدى التاريخي الطويل أثرًا متضافرًا لفعل الدولة التحييزي ولعوامل جغرافية وبيئية (طبيعة الأرض، طبيعة ما يمكن أن تدرّه من محصول، طبيعة ما يمكن أن تسمح به من أشغال، جفاف،...) حوّلت ساكنة المنطقة من قبائل بدوية بداوة جِالٍإلى قبائل بدوية بداوة خِرفان ثم إلى قبائل فلاحية مستقرة بعد حيازتها الأرض الزراعية التي غرستها زيتونًا (ص. 80). يتوازى ذلك بطبيعة منطق السيرورة التاريخية الاجتماعية مع الإضعاف المتزايد للتنظيمات الجماعوية المحلية، والإخلال المبرمج بالتوازنات الاقتصادية الاجتماعية السياسية القديمة، وإغفال متعمّد لتعويضها بأخرى جديدة (ص. 80). فإذا ما انضاف إلى ذلك كله أن هذا المسار التاريخي توازى أيضًا مع بناء الدولة المجالية نظامَها السياسي المتزايد الرسوخ على أساس تفضيل الحضَ الموالين على حساب «العربان» النازعين إلى الاستقلال والتمرد (ص. 82)، تجلَّت أمام القارئ الدينامية التاريخية والسياسية والاجتماعية في آن معًا؛ هذه الدينامية التي صنعت من المنطقة بؤرَة توتّر ورفض ومقاومة لمظاهر النفوذ المركزي خلال القرنين المواليين للمدى الزمني الذي تناوله الفصل الأول. من منظور جغرافي اقتصادي واجتماعي، يطرح الفصل الخامس على مكوّنات هذه اللوحة التاريخية سؤالً أكثر حِينية يتعلّق بدواعي تحمّل ساكنة المنطقة غياب التنمية الاقتصادية والاجتماعية طوال عقديْن كاملين (التيزاوي، ص 217). يستفاد من المعطيات المعروضة أن حالة البوعزيزي، «البائع المتجوّل والناشط في القطاع غير المهيكل» في سيدي بوزيد، كانت في سنة 2011 مماثلة لما يعادل 85 في المئة من المؤسسات التونسية (ص. 222) التي كان نشاط أصحابها يتمثّل في أعمال نابعة من الحِرف القديمة والتقليدية، مستغليّن في ذلك أوضاعًا جيو- استراتيجية (الحظر على ليبيا) أو مناخية (الجفاف في الجزائر) مواتية للانخراط في ممارسة الاتجار بالبضائع المقلّدة المهرّبة. ولكن ذلك لم يكن يتمّ من دون تضافر حلقات مترابطة من التواطؤ السياسي والتيسير اللوجستي والتغاضي الأمني

والفساد الإداري. والاستفادة المشاركة كانت تبدأ من مستوى رئيس الدولة شخصيًا وعائلته المقرّبة وحاشيته، وصولً إلى متنفذين إداريين وحزبيين على المستويات كافة (ص. 225). على هذه الخلفية، تُفيد اللوحة العامة للاقتصاد المحلّ في سيدي بوزيد والقصرين عشيةَ الثورة أن ارتفاعًا متواصلً لعدد المستغلين شهده القطاع الزراعي بحيث تجاوز تضخّمه المعدل الوطني إلى حد بعيد، كما ارتفع عدد ناشطي الإدارة التي باتت تجمع إلى جانب الفلاحة نصف قوّة العمل (50 في المئة في القصرين) أو أكثر من نصفها (06 في المئة في سيدي بوزيد) في قطاعين كان أولهما (الفلاحة) يشهد ركودًا وكان ثانيهما يعرف إشباعًا لا مزيد عليه. وكانت القطاعات الباقية (البناء والأشغال العامة، الخدمات الموجهة إلى السوق، الصناعة المعملية وغير المعملية،...) تشهد إمّا تراجعًا وإمّا قلّة نموّ أو وهَنًا في القدرة التشغيلية. إن التحولات السياسية التي نجمت عن بناء المؤسسات الإدارية المحلية للدولة والتي لم يواكبها توسّع في الإنتاج الصناعي من جهة، وعدم القدرة على تطوير الفلاحة غير المروية من جهة ثانية، وحرمان الاقتصاد المحلي من فرصة تنويع قاعدته الإنتاجية وتصنيعها وتعصيرها من جهة ثالثة، هي الملامح الكبرى ل«النموذج التنموي» الذي بلغ أقصى درجات تهرّئه خلال العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين (ص. 234)، وهو ما عنى أن الدولة كانت طوال العشريات السابقة على ذلك التاريخ تخسر تدريجيًا زمام المبادرة الاقتصادية والاجتماعية خسرانًا استكملته بافتقادها التحكم في زمام المبادرة السياسية حال اندلاع الاحتجاجات (ص. 242). أبرز هذا الفصل أيضًا خصائص القطاع غير المهيكل (قرابة 97 في المئة من المؤسسات الخاصة، وقرابة 52 في المئة من أُجراء القطاع الخاص و 20 إلى 83 في المئة (بحسب التقديرات) من الناتج الداخلي الخام في كامل البلاد التونسية (ص. 254). وفي ما يخص الولايتين، صار القطاع غير المهيكل، بوزنه الكبير (أكثر من 24.500 مؤسسة من جملة 25.000 مؤسسة)، واختصاصه بالخدمات (88 في المئة)، وحجم قوة العمل المستخدمة فيه (23 في المئة من المشتغلين في القطاع غير الزراعي مستخدمون في مؤسسات ميكروسكوبية)، متنفّسًا لسوق الشغل (ص. 259) تنبني فرضية الفصل السادس (ص. 287-288) على ملاحظة عدم التلاؤم بين حاجات مختلف فئات السّاكنة في النفاذ إلى السكن والمرافق والتجهيزات الحضرية والمَدِينية من ناحية، وسياسات القطاعين العمومي والخاص في ميدان التعمير الحضري من ناحية أخرى. لقد كان من شأن عدم التلاؤم ذاك أن عمّق مظاهر فوضى تهيئة الفضاء الحضري، وعسّ بناء الروابط المجالية فيه والصلات الانتمائية له لدى شرائح السّاكنة وفئاتها، وهو ما اعتبره الباحث سببًا من الأسباب العميقة التي فجرت الثورة محليًا. تعتمد الدراسة فهمً للسياسات العمومية، ومنها السياسات العمومية الحضرية تحديدًا، وترى بموجبه أنها تهمّ قضايا حياتية يومية للسّاكنة، منها السكن والنقل والنفاذ إلى مختلف التجهيزات الإدارية والخدمية والمرافق التعليمية والصحية والترفيهية، وهي القضايا التي تَعْسُ معالجتها ما لم تيسِّ مرجعية التشبيك الحضري (موقع المدينة داخل الشبكة الحضرية) دعم دينامية المدن وإدماجها في محيطها (المحور الثاني من الفصل)، وما دام التوسّع العمراني فوضويًا (المحور الثالث من الفصل) والتخطيط الحضري المجسّد للسياسات العمومية الحضرية عاجزًا عن التحكّم في النمو العمراني وتوجيهه (ص. 288)

إن مركزية سياسات الدولة وقطاعيتها (عدم شمولها) وقصر أجلها (انعدام البُعد الاستراتيجي فيها)، فضلً عن تدنّ نتائجها، هي سمات سياسية جعلت المشاريع الحضرية في سيدي بوزيد والقصرين تقتصر على برامج الإسكان من خلال إنجاز مشاريع على مقَاسِم من الأراضي التابعة للدولة، وتحسين بعض مظاهر نوعية الحياة من خلال تهذيب أحياء شعبية... ومن نتائج قصور هذه السياسات ضعف تطوّر الظاهرة الحضرية في سيدي بوزيد والقصرين، وعدم تمكّنها من إطلاق دينامية حضرية فعلية، الأمر الذي رسّخ هشاشة الواقع العمراني فيهما وعمّق عدم قدرته على تحديث فعلي لنمط عيش السكان (ص. 294). وعلى الرغم من أهمية النزوح الريفي نحو المدينتين حتى أواخر سبعينيات القرن العشرين، فإن مختلف مظاهر العجز التي جردها الباحث أنتجت فيهما، وكذا في ما في محيطهما من المدن والقرى الأقل حجمً، تصاعدًا في المعدل السنوي لصافي الهجرة الداخلية بين الأقاليم بمجرد أن اتجهت دفقات تلك الهجرة إلى الوسط الشرقي على الخصوص (استقرّ فيه 55 في المئة من مهاجري الوسط الغربي)، انجذابًا إلى ما تزايد فيه في تلك الأثناء (حتى 2004) من الفعالية والكفاءة والقدرة على توفير حاجات الساكنة (شغل، سكن، خدمات، نفاذ إلى التجهيزات،...)، بحيث سجلت الولايتان صافيَ هجرةٍ سلبيًا (منه 47 في المئة للفئة العمرية 45-15 سنة في القصرين، و 82 في المئة للفئة العمرية نفسها في سيدي بوزيد). من منظور الحركية الداخلية للتوسع العمراني للمدينتين ولإقليمهما، وقف البحث على تنامي امتدادهما الفوضوي وهشاشة مركزيتهما الحضرية (ص 003 فما بعد)، مع استهلاك مفرط للمساحات وتنامي مظاهر السكن الفوضوي. وقد عمّقت تلك مظاهر التوسع العشوائي ورسّختها، فأعجزت المصالح البلدية عن التدخّل إلّ لإضفاء شرعية على الأحياء المخالفة لإجراءات تقسيم رسمية ظلّت في غالب الأحيان مجهولة من السّكان وغير ملائمة لحاجاتهم (نفسه). وقد انضاف إلى هذه المظاهر كلها توقّف دعم الاستثمار العمومي في التنمية الحضرية في المدينتين، وتركُّز النشاط التجاري حول محيط التجهيزات العمومية، وهو ما ساهم في تراجع سيولة المرور، وتفاقم الازدحام، وغزو التجارة الصغيرة التفصيلية الموازية لمركز مدينة القصرين مثلً بحيث تحوّل إلى حلبة صراع مزدوج بين القائمين على هذا النمط من الاتّار، من مهربين وباعة وماسكين بمسالك التجارة الرسمية من جهة، وبين الأوّلين وقوات الحرس والشرطة من جهة أخرى (ص. 07)3 تبرز محدودية التخطيط الحضري (نسبة إنجاز لا تفوق 0403 و في المئة على التوالي في سيدي بوزيد والقصرين في قطاع الطرقات، ونسبة عامة لا تتجاوز 54 في المئة لكلتا المدينتين في جميع القطاعات) ليعجز عن التحكّم في النمو العمراني (حتى سنة 2000، «اضطرت» السلطات إلى إنجاز 01 تجهيزات أمنية وصحية ورياضية غير مبرمجة في مثال التهيئة في سيدي بوزيد)، مجسّدًا الاختلالات الكبيرة التي اتسم بها المثال المديري لتهيئة التراب الوطني (1997-2007). ومن بين دلائل الإخلال الذي كان على حساب المناطق والمدن الداخلية وفق مؤشر التنمية الجهوية (26 متغيرًا توليفيًا ل 291 متغيرًا أصليًا في قطاعات الثروة والصحة والتشغيل والمعرفة والسّكن والعدالة، ص 231) أن احتلت سيدي بوزيد المرتبة 22 والقيروان المرتبة 23 والقصرين المرتبة 24 من 24 ولاية، وذلك على سلّم ترتيب الولايات ترتيبًا تنازليًا من الأكثر نموًا جهويًا إلى الأقل نموًا جهويًا.

يستنتج البحث من هذه المعطيات جميعًا أن الانتماء المديني (ص 317)، الذي تجسده روابط وصلات اجتماعية بين السّاكنة وحواضر تستوعب حاجاتهم وتستجيب لتطلعاتهم، ظل متأثرًا بالمراوحة بين نمط تقليدي (علاقات جوار وقرابة ذات مرجعية عروشية وقبلية) لم تختف رواسبه كليًا ونمط انتقائي (مبني اجتماعيًا على المنازل والمواقع والمواضع والأدوار، ومجاليًا على القرب المكاني)، دافعًا بالاستنتاج التحليلي إلى مستوى التفكير في أثر ذلك في انعدام مقومات الحكم المحلي بوصفها أساسًا للسياسات المدينية بمعنى سَوْس شؤون متساكني المدينة الفاضلة (ص. 24)3

من الأُطر والسياقات إلى الفاعلين الاجتماعيين

لم يغب عن الفصول السابق عرضها الاعتناء بالفاعلين، ولكن هذا الفصل، كما سابقه (الثاني) ولاحقه (الرابع)، لا يفعل ذلك بالتركيز على الإطار والسياق بما يؤثران به في معيش الفاعلين وفعلهم بل باعتماد التمشي المعاكس. ومدخل الفصل الثالث إلى ذلك هو اعتماد مفهوم الجيل، ورسمُ لوحة عامة لأهم الخصائص السوسيوديموغرافية والتربوية لساكنة سيدي بوزيد والقصرين، وتسجيلُ آثار التطوّر التربوي عبر الأجيال في نشاط الأفراد الاقتصادي وفي تطور ظاهرة البطالة. وقف البحث الميداني على أن من نتائج السياسات التعليمية المتّبعة خلال العشريات الأخيرة في الولايتين أن ارتفع المستوى التعليمي للجيل الجديد، مقارنةً بالأجيال التي سبقته، ويرى الباحث أن هذا الارتفاع هو نتيجة تزايد مطّرد بين الأجيال لدوافع الاستمرار في الدراسة والبقاء أطول فترة ممكنة على مقاعدها، ورغبة الآباء في رؤية أبنائهم يحصلون على مستويات تعليمية أرفع ممّا تيسّ لهم (ص. 571)؛ ذلك أن «المستوى التعليمي يُعتبر بالنسبة إلى جيل الآباء محددًا لموقع الفرد في التراتبية المهنية...»، على الرغم من أن التحليل أثبت أن «دور المدرسة وتحكّمها في سيرورة التراتبية الاجتماعية حديث النشأة ومرتبط بإحداث المدرسة العصرية واعتبار الدولة لها وسيلةً لانتقاء النخبة» (ص. 158-159) على الرغم من هذا التطور الجيلي، فإن نسبة الأميين والحاصلين على مستوى تعليم ابتدائي في القصرين وسيدي بوزيد ظلت أعلى من النسبة على المستوى الوطني، ولكن ذلك لم يُنتج تشغيلً مكثفًا لأصحاب الشهادات، حيث بلغت بطالتهم 39 في المئة (في مقابل 22.9 في المئة على المستوى الوطني) وهو ما يجسد البطالة المفارِقة (تضاؤل فرص الحصول على شغل طردًا مع تصاعد المستوى التعليمي، على عكس ما هو موجود في أسواق شغل الاقتصاديات الصناعية المستقرة). ويقف التحليل على الحضور القوي للأميين في القطاع الفلاحي وللمتعلمين في القطاع الخدمي (صحة، تعليم، إدارة،...) بحيث يفسّ التوزيعُ غير المتكافئ للنشاط الاقتصادي ولقطاعاته ارتفاعَ نسب بطالة أصحاب الشهادات الذي يمثلون 07 في المئة من طالبي الشغل أول مرة، على الرغم من أن 85 في المئة منهم مستعدون للعمل في ولاية مغايرة لولايتهم الأصلية (ص. 416). فضلً عن ذلك، يتسم العاطلون في الولايتين بصغر السن (29.5 سنة في المعدل) في حين لا يتجاوز 07 في المئة من العاطلين من أصحاب المستويات التعليمية الثانوية والجامعية 29 سنة في المتوسط، وبذلك يتبين أن البطالة تتأثر بالجيل وبالسن، علاوة على التأثر بالسياسات التربوية (ص. 66)1

بناء على ذلك، لم تنتج التطّورات التي شهدها المستوى التعليمي للجيل الشاب الحالي في ولايتي سيدي بوزيد والقصرين تصوّرات إيجابية لديهم عن أوضاعهم المهنية (51.7 في المئة من مستجوبي البحث الميداني يرون أنها أسوأ من الأوضاع التي كان عليها آباؤهم). ويزداد هذا الاقتناع السلبي طردًا مع المرور من الأفواج الأكبر سنًا إلى الأفواج الأحدث سنًا والأكثر شبابًا، ومع المرور من ذوي المستويات التعليمية المنخفضة إلى ذوي المستويات التعليمية المرتفعة انتهاءً بالحاصلين على شهادات جامعية (.961 منهم يصرحون في الاستجواب بأن أوضاعهم ساءت)، وذلك نتيجة ما يلاقيه المنتمون إلى هذه الشرائح العمرية من صعوبات اندماج في سوق الشغل (ص. 169). تنبني على هذه الحقائق التي يعيشها العاطلون وعائلاتهم وجميع ساكنة الولايتين مشاعرٌ وتصورات وتقييمات لسوق الشغل وللبطالة ولعلاقتهما بالمستوى التعليمي، فيرون بموجبها أن من أهم أسباب الثورة هي الأسباب الاقتصادية المرتبطة بقدرة الدولة على الاستثمار العمومي وتشجيع الاستثمار الخاص، وبقدرة القطاعات الاقتصادية على التشغيل، متبنيّن ذلك التصوّر الذي يرى أن التعليم فرصة للرفع من كمية المعارف وتحسين المكانة الاجتماعية، ولكنهم لا يعتقدون في قدرته على تحسين الحظوظ الاجتماعية ولا الأوضاع المهنية، فيما يبدو أصحاب المستويات التعليمية العالية أقل الفئات اقتناعًا بدور التعليم والشهادات في تحسين أوضاعهم المادية (ص. 417) وإن اختلف ذلك قليلً في اتجاه تقييم أكثر إيجابية لدى الإناث منهم. في خطّ متصل، يقرأ الفصل الرابع الثورة التونسية ثقافيًا على أنها «استحواذ على الكلمة وتملّك» لها (دوسرتو، مقتبسًا في نص خواجة، ص 831)، معتمدًا نتائج البحث الميداني بشأن ممارسات المستجوبين الثقافية، ومدى رضاهم عن الخدمات والتجهيزات العمومية، بحيث ترتسم ملامح السياسة الثقافية مطبَّقةً على الجهة محل الدراسة، وهو ما يسمح بالتثبت من فرضيتها الرئيسية التي مفادها أن تصدعًا ما بين الثقافة المدرسية والثقافة التقليدية وثقافة وسائل الاتصال الجيدة يمكن أن يكون من أسباب اندلاع الثورة فيهما (ص. 186) يبدو تقييم المستجوبين للوضع الثقافي في الولايتين بالغ السلبية؛ إذ يعتبر 1.99 منهم أنهما أقل من بقية مناطق البلاد حظًّا من حيث الخدمات والمرافق الثقافية، فيما صرّح 1.97 من مجموع المستجوبين في الوسطين الحضري والريف بأنهم غير راضين حيال وجود مكتبة على مقربة من مواقع سكناهم. ويشكّل ذوو مستوى التعليم العالي 2.56 في المئة من نسبة عدم الرضا (بين جزئي وتام) عن الأداء التربوي والثقافي للمدرسة في مقابل 8.16 لدى ذوي مستوى التعليم الإعدادي وذوي مستوى التعليم الثانوي. من ناحية أخرى، ظل الارتباط بالإنترنت في الولايتين ضعيفًا بنسبة 7 في المئة في الوسط الغربي (في مقابل 19 في المئة وطنيًا، و 20 في المئة في الوسط الشرقي و 28 في المئة في إقليم تونس الكبرى (العاصمة ومحيطها المباشر) (ص. 193). يعود الفصل نفسه ليُبين أن ثقافة الإحساس بالمهانة (الحُقرَه، وتُقرأ القاف على شاكلة الجيم المصرية) متجذّرة لدى سكان المنطقة عبر التاريخ، وأن استراتيجيات مختلفة اتُّبعت فرديًا وجماعيًا لمعالجة الوضع والإحساس المتولد عنه والثقافة المبنية عليه، ومنها التصدي والمقاومة والمسايرة والتعديل الذاتي... بهذا الفهم يقف الفصل على صراع يعتبرُه كاتبه محتدمًا بين ثقافة المدرسة (قبل التأزّم)، وعنوانها الاستحقاق الفردي من جهة، والثقافة الشعبية بمكوناتها السِّيَ ية والملحمية والحِكَمية والمُوسيقية...

والاعتقادية والمعرفية والمهَارية العملية، وعنوانها هوّياتي جماعي مُستذكرٌ، من جهة ثانية وثقافة وسائط الاتصال الحديثة، وعنوانها فردية ثائرة منفتحة على «القيم الكونية»، من جهة ثالثة (ص. 198-201) على أساس هذا التصوّر الافتراضي للعلاقة بين الثقافات الثلاث، وقف البحث الميداني الكيفي على إحباط كبير لدى الشباب المستوجب (-18 03 سنة) في تقييمهم تجربتهم التعليمية، وعلى الأخص لما يَسِمُها من قطيعة بين التكوين النظري والتكوين التطبيقي، وافتقار الشهادة التعليمية إلى أي أثر إيجابي في سوق الشغل وفي بناء المكانة الاجتماعية (ص. 206). وعلى الرغم من ذلك التقييم السلبي، بيّ البحث أن المدرسة لا تزال تحتكر آليات إنتاج الأجوبة عن الأسئلة المتعلقة بالحياة وبقيمها وبمظاهرها، بل لا تزال، سواء بسواء، الآلية الرئيسية في بناء المنازل الاجتماعية وإعادة بنائها (ص. 209) من زاوية ما اقترحناه في قراءتنا هذه من ترتيبٍ لفصول الكتاب مغاير لما هو عليه بين دفّتيْه، يمكن أن نعتبر الفصل الثاني نوعًا من التتويج في مسار البحث في فعل الفاعلين الاجتماعي في المجال السياسي. يعمل الفصل على استخدام مفهوم «السوق السياسية» ليختبر الفرضية التي ترى أن «الحريق السياسي» الذي فجرته حادثة البوعزيزي «كان تعبيرًا عن حالة قصوى من ‹الإشباع المزيف› لسوق سياسية محلية انهارت داخلها معادلات التبادل وآلياته التي ترسّخت في الممارسات وفي الأذهان منذ الاستقلال» (الأحمر، ص 99)؛ ذلك أنها أفسحت في المجال لإعادة ترتيب جديدة لشروط دينامية السياسي ومبادئه ومعاييره ومضمونه الاجتماعي (ص. 29)، وأظهرت التلف الذي أصاب العلاقة التاريخية بين ساكنة المنطقة ونخبها من ناحية، والدولة ونخبها السياسية من ناحية أخرى (ص. 93). يضع الفصل تعريفًا إجرائيًا للسوق السياسية باعتبارها «مجمل المنافع والخدمات المادية والرمزية المتبادلة ذات العلاقة بإدارة الشأن العام المحلي ومجمل الأعمال السياسية التنافسية التي يخوضها المنخرطون في النشاط، كلٌّ بما يستطيع حشده من موارد... من أجل كسب مواقع اجتماعية سياسية.... تساعد عبر الوصول إلى السلطة في الحصول على... منافع... بالرغم من أن النشاط يقام على أساس توفير المصلحة العامة» (ص. 97). ومن خصوصيات تلك السوق، من المنظور المحلي الخاص بسيدي بوزيد والقصرين، أن المجتمع المحلي موسوم بتاريخ ثقافي بدوي ممتد، بما يعنيه ذلك من مرجعية قيمية مخصوصة، واحتكار الأعيان المحليين التقليديين للنفوذ، وسرعة بناء العلاقات الزبونية والقرابية والسياقية على أساس المواقع السياسية والاجتماعية المتكسبة من الانخراط في السوق السياسية المحلية والتنازع على منافعها المتاحة. ويتم ذلك ضمن شروط نظام سياسي استبدادي يخترقها ناشطون سياسيون لا ينتمون إلى المجتمع المحلي، وينشطون في سوق سياسية أشمل، لهم فيها مواقع مرموقة بفعل مسؤولياتهم الرفيعة في هرم التجمع الدستوري الديمقراطي (ص. 8)9 إن خصوصية هذا المجتمع المحلّ الريفي (في سنة 2004 كانت نسبة ساكنة الريف في سيدي بوزيد تقدَّر ب 06 في المئة في مقابل نسبة وطنية تقدَّر ب 43 في المئة) جعلت حضور عدد غفير من زائري المدينة من الأرياف غداة حرق البوعزيزي نفسه ويوم السوق الأسبوعية، بلباسهم المميز، ووقفتهم المهيبة الصامتة أمام مقر أعلى هرم السلطة المحلية (الولاية)، ذا دلالة سياسية مضاعفة، وعلى الأخص عندما طُعّمت المسيرة والوقفة الاحتجاجية بشعارات رفعتها حناجر نخبة متعلمة، من قبيل «الشغل استحقاق يا عصابة السراق، لا للظلم، لا للإهانة، نعم للكرامة» (ص. 00)1

يُفرد البحث مساحة لعرض المعاني السوسيولوجية لميلاد خلايا الحزب الحر الدستوري (الحزب الأصلي الذي انبثق عنه التجمع الدستوري الديمقراطي مع بن علي) بوصفها نسجًا لعقد اتصال جماعي حديثة، وإعادة موقعة للنخب الاجتماعية والسياسية الممثلة للفئات ذات الأصول الاجتماعية «الرفيعة» (فلاحون وملّك عقارات ميسورو الحال) بفعل تعلمها أحيانًا، أو قيادتها الفلاحين والفقراء في سياق الحركة الوطنية، أو انخراطها في المقاومة المسلحة. ولكن تلك النخب، التي ظلت على ما هي عليه في منطق اشتغالها بالسياسة وانتفاعها من مواقعها حتى أواسط ثمانينيات القرن العشرين، وجدت نفسها حينها في حالة تنازع للشرعية مع نخب اجتماعية جديدة أنتجتها المدارس في سياق أزمة النظام السياسي المركزي التي انتهت بإزاحة بورقيبة زعيمه ورمزه (8719). وبذلك انتهت حقبة سيطرة القيادات الريفية التقليدية والبسيطة التعلم لفائدة نخب ليست منقطعة عنها أنثروبولوجيا ولكنها شابة وذات تعليم حديث، وتنتمي اجتماعيًا إلى الحرفيين والتجار والمستخدمين الصغار والمعلمين والأساتذة... (ص -104 06.)1 وفي حين كان عدد الشُّعَب الدستورية في ولاية القصرين في سنة 8719 لا يتجاوز 871 شعبة وفي سيدي بوزيد 019 شعبة، صار عددها في سنة 2010 على التوالي 536 و 206، بمنخرطين شبه أميين في حدود تتجاوز الثلاثة أرباع، أكثر من 50 في المئة منهم عاطلون ومعيلو عوائل ومن دون عمل سوى شؤون المنزل، وبموارد عيش زهيدة، مكتظين في مساكنهم الفقيرة الواقعة في الأحياء الحضرية المنشأة حديثًا أو في وسط المدينة، حيث يزاول من يقدر منهم على ذلك نشاطه التجاري، واضعًا مجال العمل السياسي والبلدي نُصب عينيه. في مقابل ذلك، هناك منخرطو الحزب في الأرياف المعنية بالدراسة، وهُم مجموعات قرابية بينها علاقات نسب وجيرة ولكنّها متجذرة في العمل الفلاحي العائلي المستقل (ص. 02)1 وقد كانت هذه الجموع وقياداتها تحضّ في سوق سياسية موارد تتمحور حول المؤسسات البيروقراطية للدولة، بما في ذلك ما يضخه لها المركز من اعتمادات تنموية وما ينثره حولها من إمكانية الحصول على اعتبارات رمزية تُبنى على أساس الموقع من الوساطات الموصلة إلى تلك الموارد، وتمثيلية المجموعات المحلية ذات المصلحة في الانتفاع بمختلف الموارد المادية والرمزية (ص. 111). يتجسد ذلك لدى القيادات في إمكانية التكلم باسم المجموعة، والحصول على معلومات ذات صلة بالمشاريع التنموية والإعانات الاجتماعية، ورخص البناء أو ممارسة النشاط الفلاحي والتجاري... بكيفية الاشتغال هذه وبمنطقه تقوم شبكة من العلاقات الزبونية بين النشطين السياسيين المحليين من جهة والأجهزة الإدارية والبيروقراطية والأمنية والسياسية المشرفة محليًا وجهويًا على توزيع الموارد المعنية والنخب السياسية المركزية، من جهة أخرى. في السنوات الأخيرة، استتب الأمر على رأس الهرم السياسي المحلي المنخرط في هذه الشبكة لفائدة قيادات حزبية غير ذات مشروعية نضالية وطنية، وغير عاملة لفائدة المصلحة العامة بالطريقة التي كانت متَّبعة قديمً، ومتزايدة النزوع نحو اعتماد أساليب قيادة وتشبيك بيروقراطية وتكنوقراطية وتقنية منزوعة البُعد القيمي والأخلاقي. وكان ذلك في سياق تاريخي تفاقم فيه العجز التدريجي للهياكل الإدارية والبيروقراطية للدولة على الاستجابة للحاجة المتزايدة لدى خريجي المدرسة للشغل وتحسين نوعية العيش طردًا مع استشراء الثقافية الاستهلاكية المدينية في الأرياف (ص. 113). فإذا ما أضفنا إلى ذلك التزايد المطّرد لاعتماد السلطة على جهاز أمني مبُر ورقابي

صارم، تتضح للقارئ مقوّمات حالة الإشباع المزيف التي كانت عليها السوق السياسية المحلية في كلٍّ من سيدي بوزيد والقصرين: تضخم عدد مقتني بطاقات الدخول إلى السوق، مع تقلص قيمة تلك البطاقات أمام ندرة البضائع المعروضة، وتراجع إشعاع الناشطين التجمعيين لمصلحة الموظفين الإداريين والأمنيين والمتحكمين في شبكات اقتصاد التهريب، بما لهؤلاء من قدرات التوظيف والتشغيل ولأولئك من إمكانيات المحاباة والارتشاء والزبونية الخدماتية (ص. 117). في مقابل ذلك، كان مجتمع الاحتجاجات يقوم خارج الأطر الحزبية، يتقدّمه العاطلون (نسبة المشاركين منهم في التظاهرات 463. في المئة، أي بما يعادل 4.43 في المئة من مجموع المشاركين)، والتلامذة والطلبة (نسبة المشاركين منهم في التظاهرات 4.77 في المئة، أي بما يعادل 417. في المئة من مجموع المشاركين)، والمستخدمون الموظفون الصغار والمعلمون (نسبة المشاركين منهم في التظاهرات 46.5 في المئة، أي بما يعادل 9.1 في المئة من مجموع المشاركين)، وربات البيوت ومدبرات شؤون المنازل (نسبة المشاركات منهن في التظاهرات 1.91 في المئة، أي بما يعادل 8.7 في المئة من مجموع المشاركين). وكانت نسبة المتعلمين فيه عالية؛ إذ كان 44.1 في المئة من المتظاهرين بلغوا التعليم الثانوي، فيما كان 57.1 في المئة من العاطلين المتظاهرين قد بلغوا التعليم العالي، وكان من بين النساء ال 22.4 في المئة المشاركات في التظاهرات 54.9 في المئة من ذوات مستوى التعليم العالي. ومع غلبة الشبان على مجتمع المحتجين ذاك، كانت سن 2.73 في المئة من المتظاهرين تزيد على 40 سنة. وعلى صعيد النشطاء السياسيين، شارك 07 في المئة من المنخرطين في الأحزاب السياسية المعارضة السرية والعلنية في التظاهرات، وكان 49 في المئة من المنخرطين في الاتحاد العام التونسي للشغل مشاركين في التظاهرات التي اشترك فيها أيضًا 25 في المئة من المنخرطين في التجمع الدستوري الديمقراطي. على خلفية هذه اللوحة يقف الفصل على أن آلة تنظيم السوق السياسية التي اعتمدها النظام، وهي التجمع الدستوري الديمقراطي، كانت عشية الثورة معطلة (ص 27 1)، نظرًا إلى انخرام مبادلات تلك السوق في مقابل ظهور مجتمع الاحتجاج الشاب والمتعلم وغير المؤطَّر حزبيًا. كما يبيّ الفصل أن ذلك المجتمع كان يحيا على وقع نهاية عالم منهار كفّت فيه المعايير التقليدية عن تزويد أفراده وجماعاته بآليات تمثّل للمكانة الاجتماعية وفق مبدأ سياقية الانتماء، وباتت غير قادرة على ستر الفقراء والهامشيين تحت رداء القرابة، وانتفت منه القيمة التبادلية لمعايير الشرف الاجتماعي، وتوقفت عن تأمين الخدمات (ص -131 2 31). في هذا العالم الجديد، صارت المهانة الاجتماعية والعوز المادي فرديين، مثَلُهما كمثَل الكرامة المهدورة... وفيما بدأت معادلات سوق الولاء السياسي بالانهيار، تصدى الاستبداد السياسي لأنواع الاحتجاج على فظائع هذا العالم الجديد السياسية والأخلاقية (نفسه). وبذلك يكون القيام بالثورة من أجل تأسيس العمل السياسي على قواعد جديدة حدثًا تاريخيًا عظيمً، لأنه يعيد وضع الأسئلة الأساسية المتعلقة بالسوق السياسية التي لا تمتلكها الدولة، وبعارضيها وبضائعها ومواردها المادية والرمزية. المقالة الأخيرة (الفصل السابع بقلم سامية صميدة)، وكما سبق القول، قرّبت عدسة المجهر إلى الفردي والخصوصي والسيكولوجي، مركّزة على شخص محمد (طارق) البوعزيزي في مقاربة تحليلية نفسية اعتمدت ما تعلّق بحادثة إحراقه

نفسه من ترابط ممكن بين اسمه ودلالاته من جهة، وفعله الدرامي المشهدي، وما أطلقه - خلّفه من ديناميات تشكيل جماعة مخصوصة الملامح والفعل واللّحمة النفسية الاجتماعية من جهة ثانية، وبين تواريخ أواخر حياته بأبعادها النفسية والرمزية والاعتقادية، وعلى الأخص من منظور اللّوعي الجمعي، من جهة أخيرة.

خاتمة

اقتطفنا من بعض المقالات/الفصول المكوّنة للكتاب ما يدلّ على ما صاحب استحضار معطياته وإقامة تحليلاته ونسج أفكاره من تفكير انعكاسي لدى الباحثين المساهمين فيه تفكيرًا، كانوا من خلاله يسائلون مفاهيمهم وفكرهم ذاته ومنطق اشتغاله وأدواتهم النظرية، بل ومناهجهم أحيانًا. وبالفعل، كانت الحالة غير بديهية، حيث «ارتبك الجميع في التعامل المعرفي مع الحالة العربية التي لم تدخل وقائعها الميدانية في القوالب الجاهزة» (الأحمر، ص 27)، في حين كان المطلوب الكشف عن المسارات العميقة التي أدّت إلى ولادة القوى الاجتماعية «الثورية» المحلية التي فجرت الحوادث (الأحمر، ص 28). استجابةً لما توجبه هذه الصعوبات، كثرت المواضع التي كان فيها اعتراف تنسيبي مفاده ما يلي: «لا يدّعي هذا العمل تقديم تفسير آحادي وقطعي للأسباب التي أدت إلى قيام الثورة، فكثيرة هي العوامل التي قد تكون أفرزت، مجتمعة، تمرّد فئات مختلفة من المجتمع المحلّ في سيدي بوزيد والقصرين» (بن زينة، ص 51 أن 1)؛ ذلك الباحثين تصرفوا بعكس من «يتصورون أن هؤلاء الناشطين... يتصرّفون بوصفهم فاعلين عقلانيين وبنية واضحة من دون أن تشقهم خلافات... ولا يتبادر إلى أذهان أصحاب هذا الطرح أن هؤلاء الناشطين يمكن أن يتموقعوا نتيجة المصادفة أو الارتجال أو نتيجة حوادث غير منتظرة وجزافية» (التيزاوي، ص 220)، وعيًا بأنه «ينبغي ألّ يكون المحلّل من أنصار المدرسة الحتمية (التأثير الميكانيكي للاقتصاد في السياسة) بحيث يربط بشكل ميكانيكي بين الحالة الاقتصادية التي كانت عليها مناطق سيدي بوزيد والقصرين وبدايات الثورة التونسية « (نفسه). لئن كنّا اقترحنا ترتيبًا آخر لفصول الكتاب قرأناه في ضوئه، فذلك لاعتقادنا أن طريقة عمل المجهر هي التبأير المتزايد الدقة والتركيز، بحيث يتيسر المرور من الأطر والسياقات إلى الفاعلين، انتهاءً إلى محمد البوعزيزي ذاته، ولأننا وددنا لو كان ثمّة تركيز أكبر على مجريات الحركة الاجتماعية الاحتجاجية المطلبية، التي استحالت انتفاضة فثورة، من منظور ما توصّلت إليه تحليلات شارلز تيلي وسيدني تارو وغيرهما. مهما يكن من أمر، فقد وافق عنوان الكتاب مضمونه من حيث تسليط النظر المجهري على معطيات وبيانات ووقائع يمكن القارئ أن يفكّر في مدى مطابقتها لما يراه هو أو لما تراه تحليلات أخرى بوصفه قادحًا محليًا (أو قوادح محلية) للثورة، خصوصًا أن هذا الكتاب فتح النقاش انطلاقًا من تونس، حيث انقدح ذلك الحدث الجلل الذي تردّدت أصداؤه في أرجاء الكون.