Return to Article Details On Values and Symbols in Torture Procedures Used on Political Prisoners in Tunisian Prisons: A Sociological Reading of Victi

القيمي والرمزي في عمليات تعذيب المساجين السياسيين داخل السجون التونسية

On Values and Symbols in Torture Procedures Used on Political Prisoners in Tunisian Prisons: A Sociological Reading of Victi

رحمة بن سليمان*

الملخّص

* باحثة تونسية حائزة شهادة الأستاذية في علم الاجتماع، وناشطة في جمعية صوت الإنسان للدفاع عن حقوق المساجين التونسيين.

Abstract

This paper conducts a sociological analysis of the testimonies of a number of Tunisian political prisoners jailed and tortured by the former authoritarian regime prior to its ouster by the Tunisian revolution. This research distances itself from legal and human rights approaches by analyzing the mechanisms and methods of torture that prisoners underwent during their arrest and imprisonment. It demonstrates that methods of torture cannot be separated from the shared values, norms, and cultural symbols of the torturer and the victim. The study also attempts to clarify how processes of torture are painful and not only harm the body, but also impact the social references, beliefs and values that compose a victim’s identity, as well as their affiliations, self-representations, and their place in society. The paper will first examine theories of torture and identity. It will go on to present data from field study, which will be examined under three main themes: torture cells and the torturer and his tools, the torture of ‘The Other’ and its ramifications in the battle of symbols and values, and the noblest of victims: the impact of torture on political prisoners, inside and outside the prison.

الكلمات المفتاحية:
  • السجون التونسية
  • التعذيب
  • السجين السياسي
  • أقبية التعذيب
  • شرف الضحايا
  • الرموز والقيم
Keywords:
  • Tunisian Prisons
  • Torture
  • Political Prisoner
  • Victim
  • Torture Cellars
  • Symbols and Values

قراءة سوسيولوجية في شهادات بعض الضحايا

في هذا البحث قراءة سوسيولوجية لشهادات بعض المساجين السياسيين التونسيين، الذين

اعتقلهم النظام الاستبدادي السابق وسجنهم وعذبهم قبل أن تزيحه الثورة التونسية.

وسيأخذ البحث مسافة من المقاربات القانونية والحقوقية من خلال تحليل آليات التعذيب

وطرقه المستعملة خلال الاعتقال والسجن، وفهم هذه الآليات والطرق التي اتّضح

عدم إمكان فصلها عن القيم والمعايير والرموز الثقافية المشتركة بين المعذِّب والضحية.

وفي البحث أيضًا محاولة لتوضيح كيف أن عمليات التعذيب أليمة لا لأنها تُلحق الضرر

بالجسم فحسب، بل لأنها تشتغل أيضًا على المرجعيات والمعتقدات والقيم الاجتماعية

التي تصنع هوية الضحايا وانتماءاتهم وتمثلّاتهم لذواتهم ولمكانتهم في المجتمع. وتتجلى

المحاولة هذه ضمن قسمين أساسيين: أولهما مخصص للدراسة النظرية، والثاني مخصص

للدراسة الميدانية التي تنقسم بدورها الى ثلاثة عناصر كبرى هي: أقبية التّعذيب والجلاّد

وأدواته؛ تعذيب الآخر وتفاعلاته: معركة الرموز والقيم؛ شرف الضحايا: تأثير التعذيب

في السجناء السياسيين داخل السجن وخارجه.

مقدمة

ظاهرة تعذيب المساجين السياسيين قديمة ومستمرّة ومنتشرة في الزمن والجغرافيا. وقد عرفتها

حضارات وشعوب ودول متقدّمة وأخرى فقيرة ماضيًا وحاضرًا. وفي الأدب العربي، تعج كتب

المؤرخين والإخباريين بالحديث عن فظائع التعذيب التي مارسها الحكام في كل وقت ضد خصومهم من

المعارضين لحكمهم، مثلما هي الحال في مختلف مراحل تكوّن الدول الإسلامية، سواء في عهد بني أمية أو

في عهد العباسيين أو جميع السلاطين الذين أتوا من بعدهم. تبقى القصص والروايات عن بعض الشخصيات التاريخية التي تعلق بها مثل هذه الأفعال ماثلة

في الذهن حتى يومنا هذا، مثلما هي الحال مع شخصية الحجاج بن يوسف وشخصيات أخرى

كثيرة. وقد تنوّعت أساليب التعذيب، من ضرب وحبس وتشريد وتجويع إلى سمل العيون وتقطيع

أعضاء وحرق وجَلد، وسلخ وتكسير عظام ونفخ، حتى يُتخيل أنه لم يعد هناك وسيلة أو طريقة

في التعذيب لم تُرب. وما يثير الانتباه هو أن هذه الممارسات مستمرة حتى اليوم، على الرغم من أن الثورات السياسية والحقوقية

العالمية التي قامت من أجل حماية الإنسان في جسده وعقله وماله وعرضه، بوصفه مواطنًا يعيش ضمن

دولة جديدة، لا تقوم مبدئيًا على الاستبداد. وهذه الظاهرة تنتشر اليوم بصفة غير متكافئة في جميع أنحاء

الدنيا، وتصيب ضحاياها في ذواتهم العميقة، الأمر الذي يدفع كثيرين من المدافعين عن الحق، بالمعنى

الأخلاقي للكلمة، إلى التنديد بها والتصدي لها لمقاومة آثارها الخطيرة. بيد أن ما زاد اهتمامنا بالظاهرة ليس جانبها القانوني أو السياسي أو حتى الحقوقي، بل البُعد الرمزي

والأخلاقي الذي يخترقها في جميع مستويات تشكّلها وممارستها؛ فتعذيب المساجين، وخاصة السياسيين

منهم، ليس مجرد عمليات ميكانيكية تؤلم الضحية من أجل إجبارها على التخلي عن أفكارها أو توفير

المعلومات الأمنية التي يبحث عنها المحقق، بل هو في أبعد أعماقه معركة رمزية وأخلاقية بين الضحية

والجلاد، حيث يقوم كل طرف خلالها باستخدام جملة من الآليات الحسية والذهنية والسيكولوجية،

تساعده على إخضاع الآخر أو مقاومته. وهذا ما وجَّهَنا إلى الاهتمام بهذا الموضوع ودراسته بأدوات

المشاهدة السوسيولوجية.

مشكلة البحث

يتناول بحثنا، كما أشرنا، ظاهرة تعذيب المساجين السياسيين في تونس بعد الاستقلال. وكما هو معلوم،

فإن لهذا الموضوع مداخل عدة اشتغل بها الحقوقيون والسياسيون بصورة خاصة. فمن وجهة النظر

السياسية، نشر عدد كبير من المؤرخين والسياسيين بحوثًا وتحليلات تتعلق بتشكّل النظام الاستبدادي في

تونس بعد الاستقلال، وما ترتب عن ذلك من خيارات سياسية آثرت الانغلاق واحتكار السلطة، فكان

أن رست بشكل أتوماتيكي تقريبًا منظومة قانونية وأمنية شُعت لإقصاء المعارضين وممارسة التعذيب

ضدهم. وقد ركزت هذه الأدبيات على التنديد بهذه الظاهرة، ودعت إلى التصدي لها وإبراز خطورتها على

مشروع ترسيخ الديمقراطية في البلاد. أمّا الدراسات الحقوقية، فتمثّلت على نحو خاص في تقارير الجمعيات الحقوقية التونسية والعالمية التي

اهتمت بالموضوع، وأشبعته شرحًا وبسطًا من منظور المبادئ العالمية لحقوق الإنسان، معتمِدة على

المدوّنات القانونية الوطنية والعالمية لتُثبت أن ممارسات التعذيب داخل السجون التونسية عملية باطلة،

(((عبد الجليل بوقرة، النظام البورقيبي: الصعود والانحدار، 1987-1956، سلسلة آفاق للجميع (تونس: دار آفاق-برسبكتيف

للنشر،.)2013

ولا تستند إلى أي قواعد قانونية أو أخلاقية. وفي هذه الأدبيات كلها، ظلت المقاربات ومحاور التفكير

إمّا أخلاقية سياسية وإمّا حقوقية مؤسساتية عامة، تغيب عنها مضامين فعل ممارسة التعذيب في حدّ ذاته،

لا بوصفه مجموعة أفعال مادية - فهذا تم رصده بإسهاب - ولكن بوصفه عملً يعتمد آليات ورموزًا

اجتماعية كثيفة الدلالات والمعاني بالنسبة إلى الجلاد والضحية على حد سواء، ويمكن من خلال دراستها

التوغل عميقًا في الأوجه الاجتماعية والقيمية والسيكولوجية لظاهرة التعذيب. تلك هي في رأينا الحلقة المفقودة في البحوث التونسية التي سبقتنا حول هذا الموضوع، وارتأينا في هذا

البحث أن نهتم بها.

أهداف الدراسة

نهدف من وراء إنجاز هذا البحث العلمي إلى الكشف عن آليات التعذيب وطرقه ومرجعياته الثقافية

المتعدّدة، وانعكاساته على الضحايا من وجهة نظر سوسيولوجية تهتم بالمدلول الاجتماعي لمجمل عناصر

الظاهرة، وبالكيفية التي كان يتعامل بها الجلّدون مع ضحاياهم، في إطار هيمنة الدولة وممارسة سياسة

العنف على المعارضين لنظام السلطة.

أهمية الدراسة

تكمن أهمية هذه الدراسة في أن ظاهرة التعذيب ليست ظاهرة قانونية أو طبية فحسب، بل هي ظاهرة

سيكولوجية - اجتماعية - ثقافية أيضًا، تشمل بأبعادها المركّبة وبآثارها السلبية ماضي الضحية وحاضرها

ومستقبلها، وهذا يعني أنه لكي نعالج الظاهرة في بلادنا، وفي كل مكان تمارس فيه السلطة أسلوب العنف،

علينا أن نعيد بناء مفهوم التعذيب في المعتقلات والسجون.

المراجع النقدية لما سبق أن كُتب عن الموضوع

لم يكن الإنتاج العلمي عامة والإنتاج السوسيولوجي خاصة في هذا الحقل، حقل تعذيب المساجين

السياسيين، وفيرًا ومعمَّقًا. وربما يعود ذلك إلى الضغوط السياسية التي كانت تمارَس على الباحثين في تلك

الفترة، حتى أن الدراسات التونسية الصادرة بشأن ظاهرة التعذيب تكاد تكون منعدمة قبل تاريخ 41

كانون الثاني/يناير 2014. وقد حاولنا في بحثنا هذا الاطلاع على مجمل الدراسات الأجنبية والدراسات

المحلية الصادرة بعد هذا التاريخ، وهو ما مكّننا من فهم الظاهرة في بعض تفصيلاتها. اخترنا من بين هذه الدراسات ستة بحوث: - بحث لجيل دورونسورو تحت عنوان «التعذيب السري». ارتكز هذا البحث على جملة من الفرضيات

التي اختبُرت انطلاقًا من معطيات جُعت في إطار بحث عام تناول حالة المناضلين الوطنيين الأكراد. ومن

أهم الفرضيات التي اشتغل عليها الباحث فرضية أن التعذيب السري يقوم بتحطيم رأس المال الاجتماعي

للأفراد من خلال جملة من التقنيات والوسائل القمعية التي تساعد على ممارسة التعذيب الوحشي. وهناك

(2) Amnesty international, Rapport sur la torture , rédigé par James Becket, Elise Smith et Henry Oakeley; traduit de l’anglais par Monique Triomphe; traduction revue par Amnesty international, l’air du temps (Paris: Gallimard, 1974). (3) Gilles Derronsoro, « La torture discréte, capitale sociale, radicalisation et désengagement militant dans régime sécuritaire,» European Journal of Turkish Studies, no. 8, 2008. www.revues.org

أيضًا الفرضية التي تعزو قلّة اهتمام الباحثين بهذا الموضوع إلى ضعف الجامعات وعدم قدرتها على التحكّم

في ذواتها أمام السلطة الحاكمة.

- بحث لهواري عدِي هو عبارة عن نص محاضرة قدمها في آذار/مارس 2004 في معهد الدراسات

السياسية في ليون الفرنسية، وبتنظيم من طلبة أعضاء منظمة العفو الدولية.

حاول عدِ ي في هذا البحث فهم وتحليل ظاهرة التعذيب في تونس والمغرب والجزائر، بدافع من انتشار

هذه الممارسات بكثرة على الرغم من أن الدول هذه تمنع ممارستها رسميًا وبحكم القانون، فقدّم هذه

الظاهرة على أنها إشكالية سياسية تبنيها العلاقة بين النظام ومعارضيه، وبيّ أن التعذيب ليس مجرّد

ممارسات بوليسية هامشية لا تمسّ سوى أقلية من المعارضين، بقدر ما هي تمثيل لطبيعة النظام القمعي.

وفي تحليله هذا، أوضح أن درجات الصراع السياسي ودرجات القمع تختلف بين بلد وآخر من هذه

البلدان الثلاثة، ولكن يجمع بينها الاختراق الفادح في مادة حقوق الإنسان، وخصوصًا ممارسة التعذيب

باعتباره وسيلة حكومية. - بحث صادر عن منظمة العفو الدولية بعنوان «استباحة حقوق الإنسان في تونس باسم الأمن». وقد

تناول موضوعَ التعذيب والممارسات غير الإنسانية التي تعمد إلى مزاولتها أجهزة الأمن في أثناء التحقيق

وداخل المعتقلات. كما أنه بحث في أسباب انتشار هذه الظاهرة في تونس، والمبرّرات التي تستعملها

الحكومة، مع تقديم تحليل للجهاز الأمني في تونس وأهم الطرق والأساليب المعتمدة في التعذيب. - بحث صادر عن منظمة العفو الدولية في كتاب بعنوان Rapport sur la Torture. وهو يعالج ظاهرة

التعذيب من الناحيتين الاجتماعية والقانونية. كما خُصّص جزء مهم منه لفهم الموقف الطبّي والسيكولوجي

للتعذيب. ويوضح البحث أن تحليل آثار التعذيب مرتبط بتحليل مدى قدرة الإنسان على تحمّل درجة

الألم المسلّط عليه، وهذا من شأنه، بحسب البحث، أن يثير مشكلة نظرية تتمثّل في أن الألم والتوتر النفسي

يحدثان في الإنسان ردود أفعال بيولوجية يقتضي فهمها جيدًا النظر إليها من خلال تشريح جسدي وعقلي. - بحث صادر عن ملتقى دولي نظمته المجموعة الطبية لمنظمة العفو الدولية (فرع فرنسا) في كانون الثاني/

يناير 8919 في باريس، تحت عنوان «طب تحدو به المخاطر مساعدة القمع أو السقوط ضحية له».

وصدر هذا البحث في كتاب بعنوان الأطبّاء والتعذيب بين المشاركة والصمود، وتناول تورّط الأطباء

وبعض العاملين في القطاع الصحي في تعذيب السجناء وانتهاك حقوق الإنسان من ناحية، وإنصاف

الأطباء الذين يعارضون هذه الظاهرة ويندّدون بها من ناحية أخرى. - بحث لرفائيل برانش تحت عنوان «مقابلات مع جنود سابقين: مصدر من تاريخ التعذيب إثر حرب

الجزائر». وقد تناولت كاتبة البحث خصوصية التعذيب الذي مارسته القوات المسلحة الفرنسية في

الجزائر، موضحة فهم رهانات الحرب باعتبارها عنفًا يشكل جوهر الحرب، فطرحت جملة من الأسئلة،

(4) Addi Lahouarie, « La torture comme pratique d’etat dans les pays du maghreb,» Confluence Méditerranée, no 51, automne 2004, pp. 141-156. halshs.Archives_Ouvertes.Fr/docs/00/39/88/73/HTML (5) Amnesty International, Rapport sur la torture (Londres: Edition Gallimard, 1973). <http://www.amnesty.org/ar/news- and-updates/raport/routine-abuse-name-security-tunisia-2008 06 23>.

(((منظمة العفو الدولية، اللجنة الطبية التابعة للفرع الفرنسي، الأطبّاء والتعذيب بين المشاركة والصمود، ترجمة منصف بالحاج يحي

وآمنة بالحاج يحي (تونس: المنظمة،.2199)

(7) Raphaëlle Branche, «La Torture et l’armée pendant la guerre d’Algérie, 1954-1962,» Revue d’histoire critique , no. 85 (2001), p. 474.

منها: من أين تتأتّى الأوامر؟ وكيف تُعطى هذه الأوامر، هل تُعطى شفويًا أم كتابيًا؟ من يواكب

التعذيب أو من يستطيع مواكبته؟ من يعذّب؟ في ماذا يفكّر القادة الجزائريون فيما الجزائريون يعذَّبون؟

الاعتداءات هي نفسها أم لا؟ هل تستجيب لمنطق ما؟ ماهي الكلمات التي تقال، وبأي لغة؟ هل النساء

يعامَلن مثل الرجال؟

يتمحور ذلك كله حول تحليل سلوك القائمين بفعل التعذيب، ودراسة الظروف التي يمارس القادة

الفرنسيون من خلالها هذا العنف الخاص والمسلّط على الفرد من أن يتسنى له إمكان الدفاع عن النفس،

وفي ظل علاقة تختلّ فيها موازين القوى بحيث يمارس فريق التعذيب مهمته بطريقة مطلقة.

فرضية البحث

سمح لنا عرض الإشكالية وبعض نتائج الدراسات التي أُنجزت حول الموضوع بصفة عامة، بتحديد

زاوية النظر السوسيولوجية التي سنعتمدها في دراسة الموضوع. وقد وجهتنا زاوية النظر هذه إلى ما هو

رمزي وقيمي في الظاهرة، ولكن ليس من وجهة نظر وصفية بل من باب أن ظاهرة تعذيب السياسيين

ليست خالية من صراع الإرادات بين الجلّد والضحية، وهي الإرادات التي لا تحركها وتحدّدها الغايات

فحسب، وإنما تحركها وتحددها القيم والمعايير أيضًا، وبالتالي ليس التعذيب مسألة مادية أو تقنية فقط، بل

هو أيضًا اشتغال على المعايير والقيم التي تدخل في بناء شخصية الفرد ووعيه وسيكولوجيته. وانطلاقًا من

ذلك، سيعمل بحثنا على مناقشة المقترحات التالية التي سنعتبرها فرضيات عمل: - التعذيب المسلّط على الضحايا ليس ماديًا فحسب، بل يتضمّن أيضًا بُعدًا أخلاقيًا ورمزيًا ذا قوة ضرر

على الضحايا لا تقل عن قوة الضرر المادي. - تنشأ خلال التعذيب مواجهة رمزية بين الضحية والجلّد موضوعها وأداتها المرجعيات الأخلاقية

المشترَكة بينهما.

- بصفة عامة، وبسبب القيمة الرمزية الإيجابية للفعل السياسي المعارض عند عامة الناس، فإن السجناء

السياسيين يندمجون بسهولة في المجتمع بعد خروجهم من السجن.

التصور المفاهيمي

منهجية البحث

سنحاول في هذا البحث قراءة ظاهرة التعذيب داخل السجون التونسية وفهمها في ضوء مقاربة التفاعلية

الرمزية، حيث سندرس العلاقة بين السجين والجلّد لنستخرج مجمل التقاطعات بينها من خلال الحركات

والسلوكات واللغة المتداولة في عملية التعذيب، وذلك كي نتمكّن من حصر المعاني والدلالات الرمزية

لهذه الطرق والوسائل في إطار مرجعياتها القيمية والثقافية لكلّ من الجلّد والضحية من خلال عملية

التفاعل الرمزي. وقد ارتأينا توظيف براديغم التفاعلية الرمزية باعتبارها، وفق جوفمان إرفنغ، «ترفض

أن تفرض واقعًا اجتماعيًا ما بمعزل عن الوضعيات الفعلية المتداولة، والتي يتفاعل داخلها الأشخاص

حتى يعطوا معنى لتلك الوضعيات». كما أن هذا البراديغم يتخذ من الفرد الفاعل محور اهتمامه باعتباره

(8) Erving Goffman, Les Rites d’interaction , traduit par Alain Kihm, le sens commun (Paris: Editions de Minuit, 1974), p. 15.

يتفاعل مع العناصر الاجتماعية، وليس عونًا سلبيًا يستجيب للبنى الاجتماعية بسبب «الهابيتوس»، أو

بسبب الانتماء الثقافي.

لعل دافعنا لتناول الظاهرة وفق هذا المنظور السوسيولوجي، هو تلك الجدلية القائمة بين الجلِّد والضحية

والتي تتوسّطها رموز معبّة؛ فعملية التخزين والاستبطان وتوقّع الفرد ما يفعله به الآخرون هي، بحسب

دومينيك بيكارد، ما يدفعه إلى تعديل سلوكه الخاص، وهذا ما يحدث للآخر. وعن طريق الحوار الداخلي،

يجعل كل واحد للآخرين حضورًا في سير أفكاره وأخذ قراراته، وبهذه الطريقة يمكن الفرد أن يقرّر

الامثتال للجماعة أو عدم الامتثال لها. بتوظيفنا هذه المقاربة، سنتمكّن من فهم الظاهرة، وتقديم رؤية واضحة بشأن نوعية التفاعل بين الأفراد

الذين يكونون منظومة التعذيب داخل السجون التونسية بصفة خاصة. هذا ونلفت النظر هنا إلى أن

مادة البحث التي سنشتغل عليها ليست متولدة عن حضور عمليات التعذيب، كما تأمل نظرية التفاعل

الرمزي، وذلك لأسباب أخلاقية غير خافية أولً، ولتعذّر ذلك من الناحية العملية ثانيًا. لذا، فإن مادة

بحثنا مكوَّنة من شهادات مطوّلة استقيناها بأنفسنا مباشرة من عيّنة من الضحايا فقط، وفي إطار مقابلات

مسجلة وموثَّقة، مع الإشارة إلى أن هذه العيّنة تضمّ حالات متنوّعة وتجارب تيارات حزبية مختلفة، وقد

تمّ تحليلها وفق خطة البحث التي شرحناها، أي وفق المقاربة العمودية والمقاربة الأفقية.

التحليل

حاولنا من خلال هذا البحث، وفي مرحلة أولى، تحديد خصائص المساجين السياسيين في تونس بعد

الاستقلال، باعتباره تجربة نموذجية للتيارات السياسية المعارضة للحزب الحاكم، وبذلك نكون قد مهّدنا

للظاهرة لنتمكّن من الخوض في تفصيلاتها والبحث في مختلف جوانبها، وذلك من خلال تلك الصورة

التي يمكن اعتبارها نموذجية في تناول عمليات التعذيب التي مارستها أجهزة النظام على المساجين

السياسيين داخل السجون التونسية. في ضوء ما تقدّم، حاولنا تنزيل ظاهرة التعذيب في السياق السياسي للبلاد التونسية، لأن هذه الظاهرة

تكرّرت، وبصفة خاصة، داخل السجون التونسية مع مساجين الرأي والمعارضين السياسيين.

في أقبية التعذيب: الجلّاد وأدواته

محاولة في تحديد خصائص الجلّاد الأخلاقية

في هذا الجزء عرض مفصّل للجلّد وأدوات عمله، وتحديد لخصائصه الأخلاقية بحسب شهادات الضحايا.

وقد توصّلنا إلى أن التعذيب ممارسات لا يمكن أي شخص أن يقوم بها بنجاح من دون أن تتوافر فيه جملة

من الشروط الذاتية والموضوعية كي يُكلَّف بمهمة التعذيب؛ فعلى الرغم من أن التفاعل بين الأفراد يقوم في

الأساس على تفاعل لفظي متبادل، فإنه يأخذ في الاعتبار رمزية الجسد، فبحسب إرفنغ، «إذا تمكّن الفرد من

التوقف عن الكلام، فهو لا يستطيع أن يتوقف عن التواصل عبر لغة الجسد».

(9) David Le Breton, L’Interactionnisme symbolique , Quadrige. Manuels (Paris: Presses universitaires de France, 2004). (10) Edmond Marc et Dominique Picard, L’Interaction sociale , Psychologue; 104 (Paris: Presses Universitaires de France, 1989). (11) Le Breton, L’Interactionnisme symbolique.

أدوات التعذيب المادية والنفسية المسلّطة على السجناء السياسيين

تتّخذ أدوات التعذيب المادية والنفسية أشكالً مختلفة، وتتمثّل في إنزال الجلّد الكثير من الممارسات المباشرة

على جسد الضحية، ليسبّب له آلامًا وتشوّهات بصورة إرادية، والقصد من ذلك جعل الضحية يسلك

سلوكيات لا إرادية. ويمكن أن نذكر من هذه الممارسات التعليق والضرب المبرح والمكبح والفلقة والحرق

والقارورة المكسّة والصعق الكهربائي والبانو أو البلانكو والضرب مع كتم الأنفاس والحقنة وإدخال أشياء

صلبة في الدبر وتكسير العظام وقلع الأظفار والإيقاف ساعات طويلة جدًّا والقيد ونزع الشعر والحرمان من

الغذاء. ويُستكمل التعذيب كفعل ممنهج بتوظيف أدوات التعذيب النفسية المسلّطة على السجين السياسي،

وهذا لا يمكن اعتباره سوى استهداف الجلّد لنفسية السجين مباشرة حتى يجعله محبَطًا ومنهارًا، وبالتالي

يقضي عليه عصبيًا ومعنويًا. وقد تمظهر لنا ذلك في جملة من الممارسات التي استقيناها من المقابلات، ونخصّ

بالذكر العنف اللفظي والشتائم والحرمان من النوم والحرمان من الزيارة والتعرية الجسدية والحرمان من

ممارسة الشعائر الدينية والمساس بالمقدّسات والحرمان من بطاقة هوية والتحرّش والاستفزازات الجنسية

والتهديد بجلب فرد من العائلة والحرمان من العلاج. وقد أدّى اختلاف هذه الممارسات وتعدّدها إلى

تميز كل منها بجملة من الخصائص التي تهدف، وبدقّة، إلى تأدية دورها في عملية التعذيب، كتجميد إرادة

الإنسان وتحويله من كائن فاعل إلى كائن عاجز.

فضاءات التعذيب

للظرفية المكانية دور مهم في تأثيث منظومة التعذيب؛ إذ إن هنالك تهيئة مسبقة للمكان ليُدرَج ضمن أحد

أهم مناهج التعذيب وأحد أبرز مقوّماته. وفي هذه الفضاءات التي يتحرّك فيها الجسد المعذَّب والجلّد،

يتجلّ لنا مدى تأثير المكان في الجسد من ناحية، وتفاعل الجسد مع المكان من ناحية أخرى. ولهذا مدلولات

رمزية ودور في عملية الإهانة؛ فعلى سبيل المثال، ينعدم في جلّ الأمكنة على اختلافها وجود مرحاض، وإن

وجِد لا تتوافر فيه الشروط الإنسانية، كأن يكون مكشوفًا. وغالبًا ما يضطر السجين السياسي إلى قضاء

حاجته في وعاء صغير مثل علبة طماطم صغيرة، أو في يده ليُغَم بعد ذلك على رميها إلى أعلى باتجاه سقف

الزنزانة، وهذا ما يحدث مع المساجين في ما يُعرف ببيت السلسلة، حيث يُقيَّد السجين بسلسلة مثبتة في

الحائط لتجريده من كيانه وتحويله رمزيًا من ناشط أو قائد في حركة سياسية إلى حيوان مكبّل بسلسلة.

أوقات التعذيب

تُعتبر أوقات التعذيب داخل السجون التونسية أحد مكملّات عملية التعذيب. وقد حاولنا تحليل هذه

الأوقات وخاصياتها التي تكمّل بدورها خاصية فضاءات التعذيب. فالمدّة الزمنية التي يستغرقها السجّان

في تعذيب السجين، أو اختيار العون الفترة المناسبة من اليوم للتحقيق مع المعتقل، تأخذنا إلى أن الزمن

يؤدي دوره بامتياز في معادلة تحطيم الإنسان وتجريده من جميع مقوّمات الكائن البشري؛ إذ لاحظنا أنه

يصعب على المستجوَبين تحديد الزمن في أثناء التحقيق بسبب العتمة المسيطرة على جميع الأمكنة، وهذا ما

يساهم في الحرمان الحسّ الذي يشمل بدوره عدم قدرة السجين على إدراك الزمن وتحديد المدّة الزمنية

التي تمّ فيها الفعل، أي ممارسة التعذيب. كما يبدو جليًا أن اختيار توقيت التوقيف أو الاعتقال ليس

عشوائيًا أو اعتباطيًا، وإنما هو ممنهج ومدروس بحيث يكون جهاز الأمن متأكدًا من وجود المتّهم في منزله

خلال الليل من جهة، ومتعمدًا من جهة أخرى إرباك عائلته بما لليل من رمزية وسكون، فيسعى الأعوان

إلى اختراق هذا السكون وإحداث الفوضى وإثارة الرعب في قلب الناشط الفعلي لتبدأ عملية الانتهاك

والتعذيب النفسي قبل الوصول إلى مركز التحقيق، وفي هذا دليل على أن مثل هذه الممارسات تتمّ وفق

دراسة كاملة ومنهج منظّم.

تعذيب الآخر وتفاعلاته: معركة الرموز والقيم

تفاعل الضحية والجلّاد

- كسر الشوكة والإذلال ومرجعيات فعل الإهانة: نوضح هنا عملية التفاعل الرمزي بين الضحية

والجلّد من خلال كسر الشوكة والإذلال والمرجعيات الرمزية لفعل الإهانة، فنقول إن عملية التعذيب

الممارَسة على السجين السياسي من أجل كسر شوكته وإذلاله تشتغل على المرجعيات والمعتقدات والقيم

الاجتماعية، التي تصنع هويات الضحايا وانتماءاتهم وتمثلّاتهم لذواتهم ومكانتهم في المجتمع، ويكون

ذلك في إطار عملية التفاعل بين السجان والضحية. وربمّا يعود بنا هذا إلى الباحث الأنثروبولوجي غيرتز

) Geertz) الذي حاول أن يدمج الأنساق الثقافية (الدين والأيديولوجيا والحس المشترك) للجماعات التي

يدرسها ليفهم المعنى الذي يضفيه الأفراد على الرموز والعلامات الملاحظة في الحياة المعيشة، من خلال

التحليل الدقيق والمفصّل لسوق مدينة صفرو المغربية. وقد لاحظنا من خلال تحليل محتوى المقابلات التي أجريناها مع المساجين السياسيين أن هناك طرق

تعذيب يراهن عليها الجلّد، لتهشيم الضحية معنويًا وكسر شوكتها وإذلالها، لأن هذه الطرق تحمل معاني

رمزية ذات مرجعيات مختلفة، منها: • مرجعية ثقافية أخلاقية: جرى تعريض أغلب الضحايا لطريقة التعليق على شكل «الدجاجة المصلية».

وعند النظر في هذه التسمية، نلاحظ أنها ترجع بنا إلى ذلك الطير الداجن الضعيف والسريع الانهزام. ففي

ثقافتنا الشعبية والعامية، نقول «فلان كالدجاجة» لما يتّصف به من خوف وجبن وضعف في الشخصية.

ويعمد الجهاز الأمني، وتحديدًا الجلّد، إلى تقزيم الضحية وإذلالها وإهانتها ووضعها في مقام الدجاجة

«المريشة»، أي في حالة الضحية «العريانة» التي تعدّ للاستهلاك. ومن جهة أخرى، يسعى الجلّد إلى زرع

الشعور بالاحتقار الذاتي في نفس الضحية لتقلّل من شأن ذاتها وتستصغر قدرتها على مواصلة النشاط

الحزبي المعارض، بعد إذ حولّها السجّان من فاعل داخل الحركة إلى مفعول بها داخل السجن. ويتعرّض

السجين السياسي أيضًا لممارسات غير أخلاقية تتعارض مع المبادئ والأخلاق التي نشأ عليها الفرد. ولعلّ

هذا ما يبرّر في وسائل التعذيب المعتمدة «التعرية» و«الاستفزازات الجنسية»، كأن تجري تعرية المرأة أمام

الرجال، فتتحوّل رمزيًا إلى مومس، وعندما يبُر الرجل على وضع عضو زميله في فمه يتحوّل رمزيًا إلى

شاذ جنسيًا، وحينما يتمّ إدخال أشياء صلبة في مؤخّرته، يتحوّل رمزيًا إلى شاذ جنسي سلبي، أي إلى امرأة

مغتصَبة بالمفهوم الذكوري للثقافة الجنسية. والأمر ذاته عندما تُستدعى زوجة السجين ويهدَّد باغتصابها

أمامه إذا رفض الاعتراف، وهذا يعود بنا إلى دلالة الشرف في الثقافة العربية.

(12) Manuscrit auteur, publiè dans: Lahouari Addi, ed., «Les Enjeux théoriques de l’anthropologie du Maghreb. Lecture de Bourdieu, Geertz, Gellner et Berque,» dans: Lahouari Addi, dir., L’Anthropologie du Maghreb les apports de Berque, Bourdieu, Geertz et Gellner: Actes du colloque organisé à l’IEP de Lyon, 21-23 Septembre 2001 (Paris: Ibis Press, 2003), pp. 7-15.

إذن الانتهاكات الجنسية تبلور الكثير من القيم التي تمثّل محرّمات متنوّعة تكون إمّا ذاتية وإمّا اجتماعية؛

فهذه المقاربة الذكورية والجنسية التي يعتمدها السجّان تعود إلى القيم والمعايير الاجتماعية الراسخة

في السجين والتي يدرك السجّان قيمتها الرمزية في استهداف تلك الأبعاد. ولو أخذنا مثل هذا المثال

وطبّقناه على شخص آخر يحمل ثقافة مغايرة وتمثلّات قيمية مختلفة، فإنه لن يُدث في نفسه شيء ولن

يكون له تأثير فيه. • مرجعية سياسية: تتبلور المرجعية السياسية للتعذيب داخل المعتقلات التونسية في التركيز على تحطيم

العلاقة التي تنشأ بين الضحية وقائده السياسي، وتكون عادة علاقة سيكولوجية تتغذّى من مجموعة القيم

المشتركة التي يعمل القائد على تجسيدها. وكما هو معروف، فإن هذه العلاقة معقّدة وتتشابك فيها صورة

القائد الإيجابية بالرموز والمرجعيات المشتركة بين الناس. هنا يبادر الجلّد إلى شتم قائد الحركة التي ينتمي إليها السجين وتصويره عميلً وخائنًا لوطنه، وكذلك

عقد مقارنة بين وضعه كسجين قُبض عليه وأُهين، ووضع القائد الذي يتمتّع بالحرية والنّعيم خارج

السجن، ويجعل منه وسيلة رخيصة لإحداث فوضى في البلاد ومواجهة السلطة. والهدف، بطبيعة الحال،

هو تحطيم تلك العلاقة الإيجابية، ثمّ خلق فراغ سيكولوجي مكان هذه العلاقة لجعل الضحية ضعيفة

وفاقدة مرجعيات موجّهة ذات قيمة إيجابية عنده، وهذا يحدث عادة مع مساجين التيارات اليسارية. • مرجعية عقائدية: يسعى السجّان أيضًا إلى توظيف أساليب تستهدف في أغلب الأحيان مساجين الرأي

الذين ينتمون إلى تيارات إسلامية، كأن يعمد إلى تدنيس المصحف أمامه أو إلى نزع حجاب المرأة ورميه في

المرحاض، أو إلى سب الذات الإلهية أو التندر بالأحاديث عن الله والرسول، وفي هذا كله سعي إلى تهميش

وتحقير هذه الرموز التي يعتبرها السجين مقدّسة بالنسبة إليه، وتمثّل أحد المبادئ التي يدافع عنها، فيعمل

السجّان على تدميرها في داخل السجين وإفراغها من قيمتها لتصبح بلا معنى رمزي وتُدث فيه نوعًا من

الارتباك والتساؤل عن قيمة الشيء الذي يؤمن به. نستنتج إذن أن أثر تدنيس المصحف أمام السجين الذي يعتنق الإسلام سيكون مختلفًا تمامًا عن أثره في

سجين من الديانة المسيحية أو سجين ذي انتماء شيوعي. • مرجعية اجتماعية: ومن أساليب تعذيب السجين السياسي تعذيبًا غير مباشر حرمانه من بطاقة هوية، لأن

من شأن هذا أن يُدث فيه ألمًا نفسيًا عميقًا بسبب توجسه من العقبات الاجتماعية التي ستعترضه خارج

السجن، مثل إغلاق أبواب العمل في وجهه، سواء في القطاع العام أو في الخاص، ومنعه من السفر إلى

خارج البلاد، علاوة على سلبه، من الناحية القانونية، القدرة على إثبات هويته. ومن هذا المنطلق، يمكننا

تأويل هذا الفعل الذي من شأنه أن يطمس هوية الفرد، ويجعل منه كائنًا غير اجتماعي ليصبح مجرّدًا من

إنسانيته، مثله مثل أي كائن آخر غير معرّف به. وهنا يقع إنزاله إلى منزلة الحيوان والمهمَّش وغير القادر

على التحرّك والفعل داخل التنظيم الذي ينتمي إليه، وبالتالي داخل المجتمع. - المقاومة السلبية: مرجعيات فعل الصمود: تبني عمليات التعذيب داخل السجون التونسية علاقة

تفاعلية بين الجلّد والضحية، يكون من خلالها الطرف الأول في وضعية الفاعل والطرف الثاني في وضعية

المفعول به، أي إن الأول يراهن على فعل كسر شوكة الضحية وتحطيمها، بينما يحاول الثاني أن يقاوم وإن

بصورة سلبية. ويتفقان كلاهما في مرجعيات الفعل لديهما رغم اختلاف الدلالات والمعاني.

• مرجعية دينية: هناك بين مساجين الحركات الإسلامية من كان يتّخذ من الثقافة العربية الإسلامية مثالً

ليتمكّن من مقاومة ما يتعرض له من تعذيب؛ فمنهم من اقتدى بالصحابة إبان الفتوحات الإسلامية وبداية الدعوة، كما أشار قول إحدى المستجوَبات: «كان المثال متاعنا بلال وصبر بلال وعمّر ابن

ياسر واسماء وصهيب الرومي وسلمان الفارسي كانوا قدوة وكان الواحد يحب يعيش ما عاشوه فلماذا لا يستمتع». ومنهم من توسل الموروث الديني بالتكبير كردّة فعل: «الله أكبر. الله مولانا ولا مولى

لكم»، ومنهم من كان يرى أن وضعية اعتقاله وتعذيبه ليست سوى ابتلاء من الله تستوجب الصبر

والتضحية، فجاء على لسانه «الحمد الله ربّ كي يحب عبدو يبتليه»، ومنهم من قاوم فعل الجلّد

بإرجاع ما يقوم به إلى الجهاد في سبيل الله، حتى أن سجينة قالت في شهادتها أنها تمنت الموت على يد الجلّد لتكون عند الله شهيدة. • مرجعية سياسية: يستعين السجين السياسي في أثناء مواجهة التعذيب بالتوجيهات التي تلقّاها في أثناء

نشاطه داخل التنظيم؛ فتصرّ الضحية مثلً على التزام الصمت لتتبّع سير الأحداث ومعرفة ماذا يراد من

توقيفه والتحقيق معه، كما جاء على لسان سجين: «ونقعد نتبّع مجرى البحث»، وذلك يخفي فطنة

السجين واستراتيجيته في التعامل مع أساليب التحقيق، فيبدو الصمت رمز الحذر عنده. كما يقتدي السجين السياسي بالزعماء السياسيين الذين سبقوه إلى السجن، فيستمد من تجربتهم القدرة على

مقاومة التعذيب والصمود أمام الجلّد في فترات سجنهم، ويحاكي نضالهم ليزيد في قدرته على التصدّي

وعدم الرضوخ: «كنّا إناضلو كيما ناضلو إلّ سبقون ماناش خير منهم النضال هذا شرف لينا شرف إنا

وصلنا للّ وصلولو هوما»، مع ملاحظة أن هذا الأسلوب يُعتمد غالبًا مع مساجين من التيارات

الحزبية اليسارية. • مرجعية أخلاقية: يحاول السجين هنا التماهي من حيث السلوك مع أخلاقيات جلّده، فتكون ردّة الفعل

قائمة على مبدأ المعاملة بالمثل، وتكون النتيجة في بعض الأحيان لصالح الضحية، إذ تنقلب الأدوار ليصبح

السجين هو المؤثّر في السجّان بنعته بأبشع النعوت وتجريده من إنسانيته وتصويره حيوانًا مفترسًا أو آلة

مبرمجة لتنفيذ أوامر، وصولً إلى إعادته من حالة هذه الآلة إلى حالة الإنسان: «مرّة قتلو توّ إنت بشر؟ إنت

بشر؟ والله تكذب قتلو سفيه واللهي لا تجي بشر إنت بشر فيك الدم وفيك العاطفة؟ وفيك الشعرة متاع محمّد وأنا عريان بدون ملابس صفر ملابس قتلو أنا في الوضعية هذي وإنت رجل على رجل قتلو تتكيف

وشايختلك ومتغذّي ربع دجاج... قتلو واللهي تكذب ماتجيش بشر إنت شمعناها بشر؟ قتلو نا جيعان

(((1 اعتُقلت الناشطة السياسية م. م. في عهد نظام حكم الرئيس الحبيب بورقيبة وفترة حكم الرئيس زين العابدين بن علي، وهي

تنتمي إلى حركة الاتّجاه الإسلامي.

(1((شهادة السجين السياسي ع. ب. ي. ع. عن حركة الاتّجاه الإسلامي. اعتُقل في فترة النظام السابق لزين العابدين بن علي.

(1((اعتُقلت السجينة السياسية م. م. في عهد نظام حكم الرئيس الحبيب بورقيبة وفترة حكم الرئيس زين العابدين بن علي. وهي

تنتمي إلى حركة الاتّجاه الاسلامي.

(((1 اعتُقل السجين السياسي ب. خ. في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة وعهد زين العابدين بن علي. وهو ينتمي إلى حركة الاتّجاه

الإسلامي.

(((1 اعتُقل السجين السياسي في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة وعهد زين العابدين بن علي. وهو ينتمي إلى حركة الاتّجاه الإسلامي.

وريحتي ناتنة وراسي مكسّ وبدني الكل بالدم ورجلي زرقة ومعلّق وجد أمّي طالع وبديت نعيط والله لاك

بشاااااار وبديت نعيط خرج يجري من الحبس».

التفاعل الكلامي بين الضحية والجلّاد

حاولنا، من خلال التفاعل الكلامي بين الضحية والجلّد، البحث في مدلولات ومعاني اللغة أو الكلام

المتداول بين الجلّد والضحية، باعتبار أن اللغة هي أحد أهم الرموز التي تعتمد على كلمات وألفاظ يتمّ من

خلالها التعبير عن المقصود الكامن في النفس. وقد نستند في تحليلنا هذا إلى رؤية أحد مناصري التفاعلية

الرمزية جورج هالبرت ميد (G. H. Mead) التي تقول إن جميع القيود المفروضة على التفاعل الاجتماعي

والإبداع فيه ترجع إلى تحليله للغة، وهو أحد الملامح المحورية للتفاعلية الرمزية. واللغة هي المحرك

الرئيسي للاتصال الاجتماعي، وهدفها هو التعبير عن المعنى... والهدف من اللغة توفير الرمزية الدّالة على

المعنى وإظهار رموز لفظية جديدة عند الحاجة إليها. بناء على هذا، حاولنا فهم سلوك الجلّد وسلوك

الضحية في علاقتهما المتبادلة وفي التفاعل بينهما من خلال اللغة.

شرف الضحايا: تأثيرات التعذيب في السجناء السياسيين داخل السجن وخارجه

حاولنا التركيز هنا على التأثيرات الجسدية النفسية والاجتماعية التي يخلفها التعذيب في السجناء

السياسيين داخل السجن وخارجه. فبعد أن قمنا بالتحليل السوسيولوجي للاستراتيجيات المعتمدة في

تعذيب المساجين السياسيين في أثناء التحقيق، واستخرجنا من خلال ذلك الأبعاد الرمزية والقيمية لمثل

هذه الممارسات التي تركت تأثيراتها الجسدية النفسية والاجتماعية في المساجين السياسيين الذين تعرّضوا

للتعذيب، نحاول عرض وتحليل مختلف هذه التأثيرات وأعراضها، وكيف تعايش معها السجين داخل

السجن وخارجه.

التأثيرات الجسدية

تناولنا بالبحث والتحليل كعنصر أول التأثيرات الجسدية، أي مخلّفات التعذيب المادية والآثار التي تُركت

على أجساد المساجين السياسيين الذين استُجوبوا، والأمراض التي أصابتهم، فتحصّلنا على النتائج التالية: - التأثيرات الجسدية قبل الخروج من السجن: في البدء، لا بدّ من الإشارة إلى أن في جسد السجين تأثيرات

جسدية قصيرة المدى، وأخرى بعيدة المدى تغدو مزمنة ويعاني السجين بسببها طوال حياته. وقد اتضح

لنا أن معاناة أغلب المساجين تتفاقم بعد وقف التعذيب مباشرة، إذ تتكاثر حالات النزيف الحاد الذي

يكون إمّا من الجروح الناتجة من الضرب وإمّا من الأذن أو الأنف أو الفم نتيجة شدّة الضرب والركل. كما

يصاب السجين داخل السجن بالهزال والانهيار البدني حتى يصبح غير قادر على الحركة تمامًا، وهذا يحيلنا

إلى إن الجهاز الأمني يفرغ التحقيق من مهمته الأساسية، وهي الاستجواب والحصول على اعترافات

بطرق قانونية موجّهة، ويعتمد أساليب عنيفة تدمّر الفرد وتجعل منه مغيبًا تمامًا عن الوعي وغير قادر حتى

على استيعاب ما يحدث له.

(1((اعتُقل السجين السياسي ف. خ. في الفترة الأخيرة لحكم الحبيب بورقيبة سنة 8719 وبدايات حكم زين العابدين بن علي سنة (((1 مصطفى خلف عبد الجواد، نظرية علم الاجتماع المعاصر (عمان: دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، 2009)، ص.71

كما تتعرّض أضراس السجين للسقوط بسبب اللكمات القاسية على الوجه، وهذا ما يجعل السجين

غير قادر على الأكل ومضغ الطعام. يضاف إلى ذلك تورّم رجليه بسبب تعريضهما للفلقة إلى درجة

أنه يصبح غير قادر على السير، فيلجأ إلى الزحف على ركبتيه وراحتي يديه، وفي هذا الوضع أبعاد

نفسية سنتطرّق إليها بعد قليل. كما أن السجين السياسي يصاب داخل السجن بتعفّنات وتقرّحات

في مناطق حسّاسة من جسمه، كمؤخرته، جرّاء إدخال آلات حادة فيها. وهناك أيضًا التقرّحات

الجلدية نتيجة الجروح التي يخلّفها الضرب، وهو ما يجعل الآلام والمعاناة متواصلة حتى بعد مرحلة

التعذيب. ومن خلال ذلك، نلاحظ وجود علاقة بين الوسائل المعتمدة لممارسة التعذيب والآثار البارزة على أجساد

الضحية؛ فكلّ وسيلة تتميز بأثرها الخاص في الضحية. - التأثيرات الجسدية بعد الخروج من السجن: سجّلنا من خلال مختلف المقابلات مع المساجين

السياسيين أن أغلبهم ما زالوا يعانون آثار التعذيب، فمنهم من فقد بصره بسبب الضربات الشديدة

على الرأس، ومنهم من فقد إحدى رجليه بسبب تعفنها في السجن وعدم مداواتها حتى بعد الخروج

من السجن بسبب عدم حصول السجين على بطاقة معالجة صحية. ونستخلص من ذلك أن التعذيب

ممنهج داخل منظومة نسقية تتفاعل فيها جميع العناصر لتساهم في تدمير الفرد وتحطيمه وجعله كائنًا

عاجزًا جسديًا وغير قادر، ليس على ممارسة النشاط الحزبي فحسب، بل حتى على البحث عن عمل

لتأمين قوت يومه. كما أكّد لنا أغلب المستجوبين أنهم يعانون الآن أمراضًا مزمنة، مثل الروماتيزم، جرّاء النوم على الجليز أيام

الشتاء البارد، وتكرار سكب الماء البارد عليهم في أثناء التعذيب، وإطعامهم مأكولات أحدثت تقرحات

في المعدة، وتشريبهم مياهًا ملوثة سببت لهم التهابات في الكبد وأمراض سرطان الدم.

التأثيرات النفسية

ربما من المفيد أن نشير إلى أننا وجدنا صعوبة في الفصل بين ما هو مادي، أي جسدي، وما هو معنوي،

أي نفسي؛ فمجمل الوسائل المستعملة في تعذيب الضحية، وجميع العناصر المحدّدة الآنفة الذكر كان

لها الأثر الكبير في نفسيات الضحايا، أي السجناء السياسيين، سواء خلال وجودهم في السجن أو بعد

خروجهم منه. - التأثيرات النفسية داخل السجن: تجاوز التعذيبُ المفهوم السائد والمتداول والقائل إن الجهاز

الأمني يعتمد هذه الممارسات كعقوبة مسلّطة على السجين السياسي، أو من أجل سحب اعترافات

ومعلومات، إلى مفهوم آخر يتعدّى هذه الدائرة الضيقة. وقد لاحظنا من خلال تحليل المقابلات

التي أجريناها مع المعنيين بهذا الأمر أن التعذيب أصبح موظّفًا لغايات أخرى تستهدف إرادة

الأفراد المنتمين إلى حركة أو تنظيم سياسي، وذلك لتحطيم عزائمهم وقدرتهم على التحرّك والنشاط،

وجعلهم مثقلين بآلام التعذيب الجسدية عمومًا والنفسية خصوصًا. سنحاول هنا تحديد تجليات هذه الممارسات وتأثيرها في السجناء السياسيين. لقد لاحظنا أن لمجمل

الدلالات والمعاني الرمزية ذات المرجعيات القيمية وقْعها على نفسية الأفراد لحظة التعذيب داخل المعتقل،

ويستمر هذا الوقْع بعد الخروج منه، نظرًا إلى أن هذه الرموز المستعملة تخاطب قناعات الأفراد ومعتقداتهم

ومبادئهم القيمية مباشرة. وبالتالي، فإمّا يقاوم السجين السياسي تأثيراتها في نفسيته بسلاح الهجوم -القيم-

نفسه، وإمّا يستسلم ويضعف وينهار نفسيًا، وذلك يحدث في إطار التفاعل الرمزي بينهما. هذا فضلً عن

أن التعذيب ليس مجرّد ممارسات تسبب ألمًا للضحايا سرعان ما يزول بمرور الوقت، بل إنه يُعتبر ممارسات

ممنهجة تقتحم الأفراد من الدّاخل لتُضعف كيانهم وإرادتهم، وبالتالي يصبح للجهاز الأمني القدرة على

امتلاك ذواتهم والتحكّم فيها. - التأثيرات النفسية بعد الخروج من السجن: إن أغلب المعتقلين يحملون في داخلهم ألمًا نفسيًا عميقًا لم

يتسنّى لهم الشفاء منه وتجاوز ما حدث لهم. وكنا سجّلنا في هذا الصدد جملة من العبارات والجمل التي تدل

على شدّة التّأثّر، منها «التعذيب النّفسي هو اللي بقا خاتر الألم والأثار تنحّات معادش تتحس إلّ في البدن

أمّا بقات مأثرة في نفسيتك»، وهذا فيه دلالة على شدّة وطأة التعذيب النفسي مقارنةً بالتعذيب الجسدي.

ولعلّ الأوضح تعبيرًا عن ذلك قول أحد السجناء: «لداخل نحس بغيض كبير واحتقان داخلي خاتر تشوف

بعينك ومتنجّم تعمل شيء حسرة كبيرة ياسر». وقد يسعى الجهاز الأمني، المتمثّل في شخص المختصّ بالتعذيب، إلى نزع الصبغة الإنسانية من داخل

الأفراد، وبالتالي يعمل على تغيير تركيبة الفرد ليجعل منه كائنًا مفترسًا، كما عبّت سجينة عن هذا الأمر

بقولها: «تحس روحك تحبّي تنتقمي أنا نحب ننتقم منهم الأشخاص هاذوكم موش خاتر ضربوني أما

خاتر التعذيب من نوع آخر كان وأنا إلّ يشفيلي غليلي جيبيلي هالسّيد هذا قدّامي ونبدا ننزع فيه لحمة لحمة

إنتّش فيه باللحمة وما نشفيش غليلي». فهذه الرغبة الشديدة في الانتقام ممّن قاموا بتعذيبها تعكس

قدرة الجهاز الأمني على تشكيل البنية النفسية للفرد، من خلال الممارسات العنيفة التي ساهمت في شحنه

وقلب الموازين في داخله، من فرد يحمل مجموعة من القيم والمبادئ التي يدافع عنها إلى فرد همّه الوحيد

في الحياة الانتقام والتنكيل بمن أساء إليه، وبالتالي هناك تغييب غير مباشر للضحية عن هدفها الأساسي

إلى هدف آخر شخصي وذاتي لا يمتّ إلى الحركة السياسية بصلة، مثل الرغبة في التجاوز أو أن يكون همّه

الوحيد هو الانتقام. لكن سجّلنا في المقابل حالات من الصمود والثبات أمام ممارسات العنصر الأمني المختص بأعمال

التعذيب، وهي مستمدة من قناعة المساجين بأن السجن والتعذيب جزء من النضال لا بد منه، وبالتالي

هناك قبول نفسي وقدرة على تحمّل هذه الممارسات.

التأثيرات الاجتماعية

نشير هنا إلى أن دراسة التأثيرات الاجتماعية تستوجب مجالً شاسعًا للدراسة، لكن نظرًا إلى طبيعة البحث،

اكتفينا بدرس العلاقات التي حدّدناها من خلال المقابلات التي قمنا بتحليلها، وحاولنا فهم وتأويل

علاقات السجين السياسي بالمحيطين به داخل المعتقلات وبعد الخروج منها. فعلىالمستوى العلائقي داخل السجن، حاولنا، من خلال المقابلات، فهم طبيعة العلاقات التي يبنيها

السجين السياسي داخل السجن، فلاحظنا أنها تنقسم إلى ثلاثة أصناف، وهي: علاقة السجين بالمختص

(2((عن سجينة سياسية ع. س.ل. اعتقلت خلال بداية حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

(2((عن سجينة سياسية ع. س.ل. اعتقلت خلال بداية حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

((2(عن سجينة سياسية ع. س.ل اعتقلت خلال بداية حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

بالتعذيب، وعلاقة السجين بسجناء أو بموقوفي قضايا الحق العام، وعلاقة السجين بأبناء القضية الواحدة.

فبالنسبة إلى الصنف الأول، لاحظنا، لدى اعتمادنا طريقة التحليل الأفقية للمقابلات، أن العلاقة بين

السجين وعون التعذيب علاقة قائمة على القطيعة مع المساجين كلهم، وهذه القطيعة مبنية على الصراع

الدائم والجدال المتواصل، باعتبار أن المختص بالتعذيب يمثّل القوة الفاعلة في هذا المشهد، في حين أن

السجناء السياسيين عناصر مفعول بها. نستنتج إذًا أن هذه العلاقة القائمة على الصراع بين الجلّد والضحية علاقة جدلية مباشرة، الغاية منها تبيان

تأثير الأفعال والممارسات التي يقوم بها العون وفق منهج ومتطلّبات العمل القائم به، ومدى تأثّر الموقوف

وتفاعله مع هذه الممارسات بحسب درجة التحمّل والصمود. هذا الشكل من الصراع يذهب بنا إلى القول إن هذه العلاقة القائمة بين الاثنين علاقة تبادلية مبنية على

الهجوم والدفاع، حيث يكون الهجوم بحسب استراتيجيات تستهدف الفرد في كيانه الداخلي من أجل

تحطيمه وجعله في تبعية كاملة للجهاز الأمني، وبحسب استراتيجيات الموقوف وأساليبه المعتمدة - والتي

ةقباس صارنع في اهركذ قبس- هديري الم لايتلابو، نوعلا هديري الم دايقنلااو راينلهاا نم هسفن ةياحم لجأ نم

الجهاز الأمني. وبالنسبة إلى الصنفالثاني، أي علاقة السجين بالحق العام، غالبًا ما يكون السجين السياسي ممنوعًا منعًا

باتًّا من التواصل وبناء علاقات مع الحق العام، أو يجري تكليف بعض مساجين الحق العام بمضايقة

السجين السياسي وإزعاجه، وبالتالي يتقمّص سجين الحق العام دور السجّان ليواصل عملية تعذيب

السجين وتدمير معنوياته، وفي هذه الحال يميل السجين إلى تفضيل العزلة على الاحتكاك بالحق العام. إلّ

أن ذلك لا ينفي وجود شهادات تسجّل نجاحًا في بناء علاقات مع معتقلين من قضايا الحق العام؛ ففي

بعض الأحيان، يجد سجين الرأي مساعدة من سجناء قضايا حق عام، نظرًا إلى الضغوط والمضايقات التي

يمارسها الأعوان على السجين السياسي. كما يمكن الإقرار بوجود مساعدة من المساجين من أجل خلق

شبكة تواصل بين أبناء القضية الواحدة. يوجد شكل آخر من أشكال تواصل معتقلي الحق العام مع السجناء السياسيين، وهو علاقة التأثير والتأثّر؛

فمن خلال التواصل، يمكن السجين السياسي الذي يحمل فكرًا معينًا أو أيديولوجيا معينة أن يواصل نشر

هذا الفكر أو هذه الأيديولوجيا داخل السجن والتعريف بهما، وهو ما يجعل سجين الحق العام يتأثّر بذلك،

ويتبنّى الفكرة أو العقيدة نفسها أو التوجّه السياسي نفسه، فأجبر هذا التواصل الجهاز الأمني على فصل

المساجين السياسيين عن مساجين الحق العام من أجل تحطيم هذا الصنف من العلاقات الذي يؤسّس لبناء

شبكة تساهم في تواصل نشاط السجين السياسي حتى بعد اعتقاله. لكن في علاقة السجين السياسي بأبناء القضية، وهي الصنف الثالث، سجّلنا ثلاث عشرة حالة كانت في

تواصل دائم مع أبناء القضية الواحدة، لكن البقية المتمثّلة في سبع حالات كانت ممنوعة من التواصل، بل

ممنوعة حتى التحادث في ما بينها أو تبادل التحية، ويكون ذلك لفترات طويلة جدًا، وهو ما يجعل السجين

يعيش حالة نفسية صعبة نظرًا إلى منعه من ممارسة أبسط حقوقه.

وعلى المستوى العلائقي خارج السجن، يواصل النظام تحديد علاقات السجين السياسي بعد الخروج من السجن بصورة غير مباشرة، نظرًا إلى المضايقات التي يفرضها على جميع من له صلة بالسجين السابق.

ولذلك تحدث قطيعة تُفرض بطريقة غير مباشرة، فيؤْثر السجين تجنّب أي احتكاك بالأصدقاء وبالعائلة

والأقارب، خوفًا عليهم من المضايقات الأمنية. ويصبح السجين السياسي غير مرغوب فيه من الجميع، فيُقصى ويُمَّش، ويعتبر ذلك صيرورة وتواصلً

لعملية التعذيب النفسي والمعنوي من خلال تحطيم جميع العلاقات الإنسانية التي يتعايش بها الفرد، وبالتالي هناك تواصل لتجريده من إنسانيته وإفراغه من قيمته كمناضل أو كناشط سياسي. أمّا على المستوى المهني والمعيشي، فعند خروج السجين السياسي من المعتقل أو من السجن أو من مركز

التوقيف، يصبح مجرّدًا من جميع الوثائق التي تُثبت هويته، وبذلك يصبح غير قادر على السفر ولا على

العمل. وحتى لو حاول العمل في القطاع الخاص، فإنه يتعرض لمضايقات صاحب العمل له، أو حتى

للطرد من العمل، فيلفي نفسه عاجزًا عن توفير أدنى متطلّبات الحياة المعيشية. وقد لاحظنا أن الذين

أجرينا معهم مقابلات يعملون كلهم تقريبًا باعة متجولين، أي غير مستقرين في أماكن محددة، خشية أن

يصادِر أو أن يُتلف الجهاز الأمني السلع التي يبيعونها، كالعسل أو الفواكه المجففة أو الغلال أو ما شابه

ذلك. يضاف إلى ذلك أن المضايقات واحتمالات الطرد من العمل تشمل حتى أقارب الضحية كالأب أو الأخ أو الأخت.

استنتاجات

لعل من أهم مميزات البحوث العلمية عمومًا، والدراسات السوسيولوجية خصوصًا، أنها تتناول الظاهرة

الاجتماعية بالبحث من زوايا مختلفة ومن وجهات نظر متعدّدة، ويكون ذلك وفقًا لبراديغمات مختلفة، إلّ

أن هذا الاختلاف لا يعني تضارب الأفكار وتناقضها، بل يعني تكاملً وانسجامًا من أجل تأثيث مكتبة

علم الاجتماع بدراسات علمية وموضوعية دقيقة. نستخلص من هذا البحث نتائج تمكنّا من خلالها فهم كيف يتمّ التعامل مع المساجين السياسيين داخل

السجون التونسية، من خلال عملية التعذيب المسلّطة على الضحية، وبالتالي فهم وتحليل المراجع القيمية

والثقافية التي يعتمدها الجلّد في السيطرة على الضحية، وكذلك التي تعتمدها الضحية في مقاومة الآلام المادية والمعنوية. كما تمكنّا من فهم تأثيرات ذلك في الفرد اجتماعيًا ونفسيًا وجسديًا. تتلخص النتائج في ما يلي: - التعذيب المسلّط على الضحية تعذيب مادي ومعنوي: وجدنا وفق المنهج الذي اتّبعناه في تحليل ظاهرة التعذيب أن الضحية داخل السجن لا تتعرّض لطرق مادية تستهدف الجسد وإلحاق الأذى بها فحسب،

بل تتعرّض أيضًا لأساليب معنوية تستهدف ذات الفرد لتسبب لها آلامًا وضغوطًا نفسية، لكن اعترضتنا

صعوبة في الفصل بين ما هو مادي، أي جسدي، وما هو معنوي، أي نفسي، وكلاهما يُدث آثارًا اجتماعية

خطيرة تعرقل مسار الفرد في جميع المجالات بعد خروجه من السجن.

- المواجهة الرمزية التي تنشأ بين الضحية والجلّد: من خلال قراءتنا ظاهرة التعذيب داخل السجون التونسية، يمكننا القول إن فعل التعذيب يقوم على جملة من الرموز، منها رمزية المعتقد ورمزية الجنس ورمزية القائد، وهذه الرموز تقوم على جملة من القيم والمرجعيات التي تعطي معنى للكرامة والشرف

وللوجود بصفة عامة، وهي التي يستهدفها الجلّد عندما يستعمل هذه الطريقة أو تلك في عمليات

التعذيب ضد ضحاياه. كما توصلنا إلى أن المرجعيات التي يوظفها الجلّد هي نفسها المرجعيات التي تستبطنها الضحية للتصدّي لعملية التعذيب، لكن بشكل مغاير يسمح لها بأن تتصدّى لوطأة التعذيب،

ويتم ذلك وفق عملية التفاعل الرمزي القائمة بينهم. ومن الاستنتاجات أيضًا أن العلاقة القائمة على الصراع بين الجلّد والضحية هي علاقة جدلية مباشرة،

الغاية منها تبيان تأثير الأفعال والممارسات التي يقوم بها العون وفق منهج ومتطلّبات العمل القائم به،

ومدى تأثّر السجين وتفاعله مع هذه الممارسات بحسب درجة التحمّل والصمود. ثم إن عملية التعذيب

لا تؤلم الضحية فحسب، وإنما يمكن أن تؤلم في بعض المواقف الجلّد أيضًا، فتجعله يستحضر ذاته كإنسان

وينهار أمام الضحية لشدّة ما يقوم به. - الاندماج في المجتمع بعد الخروج من السجن: إن تأثيرات التعذيب المادي والمعنوي لا تزول في المعتقل

أو السجن، بل تستمر بعد الخروج من السجن وتبقى ملازمة للضحية التي تكون في أمسّ الحاجة إلى

التواصل للحصول على الدعم المعنوي من الأهل والاصدقاء والمقرّبين. إلّ أن مغادر السجن يعيش في

قطيعة تامة بعيدًا عن المجتمع، فالكلّ يتجنّبه ويتحاشى الاختلاط به خوفًا من الأمن، باعتبار أنه محلّ شبهة

ويمكن أن يُلحق الأذى بكلّ من يقترب منه؛ فتلك العيون التي لا تنام، كما تقول إحدى الضحايا، تسهر

على مراقبة كل من يحتكّ بالسجين السابق واستدعائه إلى مراكز الأمن عند الضرورة. نستخلص هنا أن القيمة الرمزية الإيجابية للفعل السياسي المعارض أصبحت عند عامة الناس قيمة سلبية مفرغة من معانيها السابقة، يوم كان السجناء السياسيون قبل العهدين المذكورين يعامَلون كمناضلين، فلا

يجدون بعد خروجهم من السجن صعوبة في الاندماج مجددًا في المجتمع.