Return to Article Details The Youth of the Hecher Roundabout and the Tadamun Neighborhood in Greater Tunis: A Sociological Study

شباب دوار هيشر وحي التضامن في مدينة تونس الكبرى بحث سوسيولوجي

The Youth of the Hecher Roundabout and the Tadamun Neighborhood in Greater Tunis: A Sociological Study

المولدي الأحمر*

الملخّص

العنوان الأصلي للكتاب: Jeunes de Douar Hicher et d’Ettadhamen. Une enquête sociologique الكاتب: ألفة لملوم ومحمد علي بن زينة (محرران) مكان النشر: تونس الناشر: دار نقوش عربية تاريخ النشر: 2015 عدد الصفحات: 201

Abstract

Book Title: Jeunes de Douar Hicher et d’Ettadhamen. Une enquête sociologique Author: Olfa Lamloum and Mohamed Ali Ben Zina (eds.) Place of publication: Tunis Publisher: Editions Arabesques Date of publication: 2015 Number of pages: 201

الكلمات المفتاحية:
  • دوار هيشر
  • حي التضامن
  • الشباب
  • البطالة
  • مدينة تونس الكبرى
Keywords:
  • Hecher Roundabout
  • Tadamun Neighborhood
  • Youth
  • Greater Tunis

بحث سوسيولوجي

الكتاب

Une enquête sociologique:

الكاتب مكان النشر

: تونس

الناشر

: دار نقوش عربية

تاريخ النشر عدد الصفحات: ١٠٢

قبل أن تنهار منظومة الاستبداد الأمني لنظام بن علي، كانت بحوث الجامعة التونسية ومكاتب الاستشارات تنقسم إلى ثلاثة أصناف كبرى: - بحوث أكاديمية لا يتجاوز صدى ما تطرحه -على أهميته- حدود الحرم الجامعي - وهو الصنف الأكبر حجمً؛ - دراسات استشارية يجتهد أصحابها في استغلالها

Jeunes de Douar Hicher et d’Ettadhamen.

: أُلفة لملوم ومحمد علي بن زينة (محرران)

لتطوير بحوث تخوض في قضايا معرفية، لكن لا تقاريرها الاستشارية تصل إلى رفوف المكتبات ولا القضايا المعرفية التي تناقشها تخرج من حيّز الجامعة؛ - دراسات استشارية تستجيب لمطالب الجهات المموّلة، وتوجّه اهتمامات البحث باتجاه التكيف مع سوق العرض والطلب في هذا الميدان، كي يحصل الجميع على حصته من المنافع التي تدرّها.

في هذه الحالات كلها، كان هناك سقف غير مرئي لكنه ذو فاعلية رهيبة تضعه السلطة المستبدة أمام كل باحث: الخضوع للمراقبة في أثناء التفكير والعمل الميداني وفي أثناء عرض النتائج*. وهذه المراقبة تبدأ - عندما يكون البحث من النوع الإمبيريقي -بموضوع إعطاء رخصة البحث، تأتي بعد ذلك مرحلة حجب المعلومة من طرف الدوائر الإدارية وشخصنتها، ثم يأتي دور الوسيط المراقب خلال إجراء البحوث (العمدة - رئيس الخلية الحزبية....) إلى أن يصل البحث إلى نتائجه النهائية، التي إمّا تصل إلى رفوف المكتبات الجامعية ولا تغادرها، وإمّا تذهب إلى مكاتب الجهات الطالبة للاستشارة، ولا أحد يعرف بعد ذلك ما هو مصيرها. لكن الثورة التونسية مزقت هذا السقف، وعرّت بطلان أسسه، فكانت تمردًا على آلية فاعلة جدًّا من آليات صناعة الاستبداد وهي منع الفكر من التفكير في الكيفية التي يجري بها تدجينه. وفي هذا السياق بالضبط، يأتي الكتاب الجديد الذي نشرته ألفة لملوم ومحمد علي بن زينة حول شباب الأحياء الفقيرة في أحواز تونس الكبرى في إثر قيامهما ببحث ميداني معمَّق ومتحرر من المراقبة الأمنية والسياسية في هذه المناطق.

إضافة إلى المقدمة والخاتمة، يتكوّن الكتّاب من ستة بحوث كتبها مشاركون آخرون في العمل حملت العناوين التالية: • العلاقة بالحي بين الانغلاق داخله والانفتاح على الفضاء الحضري، وقد حرره رضا بن عمر؛ • الشبان والديناميات العائلية، بقلم عماد مليتي؛ • مركزية المدرسة: بين التعبئة والحرمان، كتبته حياة موسى؛ • تصور العمل ومكانته في حياة الشبان، تحرير جماعي من رضا بن عمر وحياة موسى؛ • السياسة على هامش الدولة والمؤسسات، وقد أنجزته ألفة لملوم؛ • العلاقة بالدين لدى الشباب، تحليل عماد مليتي. يقول محمد علي بن زينة وألفة لملوم إن مضمون الكتاب بحث معمَّق في تصورات الشباب المتشعبة لواقعهم المعيشي في الأحياء التي يسكنونها، ولنظرتهم إلى العمل والبطالة والعائلة والدين والسياسة، بعد سقوط نظام بن علي. ويعتبر المؤلفون أن أهمية هذا العمل تكمن في ثلاثة أشياء أساسية؛ فهو يُعَدّ تقريبًا أول بحث ميداني متحرر من مراقبة السلطة الاستبدادية لنظام بن علي، التي كانت تزيف حقائق البطالة والحرمان في الأحياء الشعبية. ومن ناحية ثانية، تسد هذه الدراسة نقصًا أكاديميًا مهمًّ باعتبار ان البحث في هذه الأحياء كان هامشيًا، لا بسبب هيمنة النظام السابق على حرية البحث وظروف القيام به فحسب، بل أيضًا بسبب التهميش المزدوج الذي تعانيه هذه الأحياء على المستويين الاجتماعي والبحثي. ومن ناحية ثالثة، يُعتبر التوجه بالبحث إلى موضوع الشباب في الظرف السياسي والاجتماعي والثقافي الاستثنائي الحالي، الذي تمر به تونس ومجمل بلدان «الربيع العربي»، فرصة مناسبة لمعاينة ما يعتمل داخل المجتمع، وتحديدًا داخل قواه الأكثر حجمً وحيوية، من تصورات ومن طموحات تخص احتمالات المستقبل وخلفياتها.

أمّا الإضافة الأساسية للكتاب، بحسب المقدمة التي وضِعت له، فتتمثّل في كونه بحثًا إمبيريقيًا كميًا وكيفيًا، وقد صُمّم ونُفّذ بشكل حر وفق المواصفات الأكاديمية المطلوبة في البحوث السوسيولوجية الميدانية. وكان هدفه «إبراز وفهم السلوك الحياتي لشبان هذه الأحياء وشرح المنطق العائلي والترابي Territory والاجتماعي والسياسي والديني الذي يشكل خلفية وجودهم». وككل بحث جدي، يبدأ المؤلفون بعرض مشكلة مفهوم الشباب لينتهوا بالقول، مثلما ترسخ ذلك في أدبيات علم الاجتماع، إن الشباب ظاهرة اجتماعية تتجاوز متغيرات السن والفيزيولوجيا والجنس، وهي مرحلة تكوّن الشخصية والعلاقات والطموحات التي يمكن أن تبدأ من ثماني عشرة سنة لتتجاوز الثلاثين سنة بقليل. ثم يشرحون بعد ذلك الكيفية التي اختاروا بها هذين الحيين وقدموا متغيرات تتوافر في الحقيقة في كثير من الأحياء في أحواز العاصمة (نسبة كبيرة من النازحين، فقر وبطالة ووسم حضري وسلفيون ونسبة إجرام مرتفعة في أوساط الشباب وبنية تحتية ضعيفة مع تسرب مدرسي مرتفع)، لكن القارئ يعرف أيضًا أن لحيي التضامن ودوار هيشر وهجهما الاعتباري الخاص في الصحافة والسياسة، ولذلك فهما يغريان بالبحث من منظور ذاتي. بالنسبة إلى علاقة الشبان بحييهم الموسومين بوسم «الأحياء العشوائية» و«مناطق الظل»، يبين الباحثون أن شبان هذه المناطق متشبثون بأحيائهم ويرفضون هذا الوسم، ويستنتج الباحثون ذلك من تقديم هؤلاء أنفسهم للآخر على أنهم من تلك الأحياء من دون «خجل». ويمكن هنا أن نلاحظ لأصحاب البحث أن تحديد الآخر الذي يقدمون إليه أنفسهم بلا عقد غير واضح هنا، وأرجّح من جانبي أن هذا الآخر ينتمي أيضًا إلى الأحياء الشعبية المماثلة التي تحيط بالعاصمة وليس إلى سكان الأحياء الراقية... ويبين البحث كم هي الحياة صعبة في هذه الأحياء، إضافة إلى أنها تطرح على الجنسين مشكلات مختلفة. وبسبب البطالة والفقر وهشاشة الموارد، يؤكد الباحثون أن العائلة تشكل في هذه الأحياء محور الحياة الاجتماعية للشبان، فهي الحاضنة في كل شيء. وهذه العائلة ليست من نوع العائلة الموسعة، إذ لم تعد للأطر القديمة قيمة عملية فعلية بالنسبة إلى الشبان الذين لا يرون سببًا لحضورها في حياتهم. وحال العائلة مثل حال المدرسة، لكن هذه المرة من جهة المراهنة عليها لتحسين الظروف الحياتية المستقبلية للشبان، وهو أمر يختلف باختلاف الجندر. وهنا تُطرح مشكلة ما يحدّد النجاح المدرسي أو التسرب من المؤسسة التعليمية، ويجيب البحث بأن طرح بيار بورديو لم يعد مفيدًا، وأن المتغيرات التي تؤدي دورًا في ذلك متعددة، وهو استنتاج ما زال يحتاج إلى النظر والتحقيق. وتتشعب المسألة أكثر حين يتناول البحث موضوع العمل والبطالة وتصورات الشبان لهما. ويبيّ البحث أن الشبان لا يرون في العمل مجرد مصدر للقمة العيش، بل هو أيضًا مصدر لتحقيق الذات وجلب الاحترام والاستقلالية. لكن الأفكار الأكثر وهجًا تتعلق بعلاقة شبان هذه الأحياء بالسياسة والدين؛ فلأول مرة يشعر هؤلاء بأن كابوسًا انزاح عنهم، فأصبح الحديث في السياسة ممكنًا. وقد بيّ البحث كيف كان الاستبداد يخنق الحرية ويعطي السياسة أكثر مظاهرها سلبية، فلا يُقبل الشباب على الأحزاب، ولا يهتمون بالجمعيات المدنية، ولا يثقون بالسياسيين. ولم تتغير الحال بعد الثورة إلّ قليلً، إذ رغم أن عددًا من الشباب التحق بالعمل السياسي والجمعياتي، فإن ثقافة النشاط المدني الجماعي ما زالت ضعيفة، والثقة في السياسة والسياسيين ما زالت على حالها تقريبًا. ويبلغ البحث درجة إثارته حينما يتعرض

لوجود السلفيين، كممثلين لتيار سياسي- ديني متشدد في هذه الأحياء، وعلاقتهم بفئة الشباب وبالعمل التطوعي العام. وهنا تتبلور الطريقة التي يتصور بها شبان الحي السلفيين: من ناحية، كونهم أفرادًا ينتمون إلى «الحومة»، أي الحي، ويرتبطون بالسكان، عن طريق الجيرة والصحبة وأحيانًا القرابة، ويشاركونهم همهم في البطالة والفقر وقمع الشرطة لهم، فهم قرييون منهم، ويعتبرونهم منهم وإليهم، من أبناء حومتهم، كغيرهم من الشبان العاديين أو الجانحين وبياعي الخمور خلسة والمواد المخدرة وحتى قطاع الطرق. أمّا بوصفهم تيارًا سياسيًا من ناحية أخرى، فالأمر يختلف لأن جزءًا كبيرًا من الشبان لا يشاطرونهم دعوتهم الناس إلى التدين المتشدد، مع أنهم يقدّرون نشاطهم الجمعياتي لفائدة الفقراء والمحتاجين. والأكثر إثارة هنا هو أن الأكثر دفاعًا عن التيار السلفي في هذه الأحياء، ومحاولةً لتبرير وجودهم ونشاطهم هم الأطر المتوسطة من الموظفين في القطاعين العام والخاص، وليس الأميين والمسحوقين اجتماعيًا، وهذا يوجه النظر والتحقيق إلى العلاقة المعقدة بين النخبة المحلية من المثقفين من جهة، والحركات السياسية بصفة عامة والدينية بصفة خاصة، من جهة أخرى، كما أنه يثير الحيرة في صناعة المعطيات وتحليلها. أخيرًا يتناول البحث موضوع الشباب والدين. وهنا يبيّ أن أهمية الدين عند شبان هذه الأحياء تتقدم على العائلة والحب. ويشير الباحثون إلى أن هذه الظاهرة ربما تكون سياقية بسبب نشاط الدعاة المكثف في هذه الأماكن؛ فهناك 53 في المئة من الشبان يصلون، نصفهم يؤدي الصلاة في وقتها، بينما يصوم 29 في المئة منهم شهر رمضان، ومن جملة المصلين، هناك 26 في المئة يؤدون الفريضة في المسجد. لكن الالتزام بالواجبات الدينية يتغير بحسب الجنس، حيث إن نسبة البنات اللاتي يصليّن هي ضعفها عند الذكور (73 في المئة في مقابل 83 في المئة)، ولا تذهب من البنات إلى المساجد، إلّ فئة قليلة منهن. لكن تأدية الصلاة في المسجد لها أيضًا علاقة وطيدة بالموقف من السلفيين؛ ذلك أن غالبية من لهم موقف إيجابي من هؤلاء يصلّون في المسجد، بينما يصلي الآخرون في المنزل. أمّا من أين يستقي هؤلاء الشبان دينهم، فمن القرآن والكتب الدينية، وكذلك من المسجد والتلفزيون الذي يحتل مكانة مرموقة عند البنات. لا يمكن الاسترسال في تقديم البيانات، فهي في النص الأصلي مترابطة ومتكاملة، وليس هذا هدفنا من تقديم هذا الكتاب المهم. يبقى أن هذا العمل يثير بعض التفكير بشأن هندسته المنهجية، وما نقصده هنا ليس جانبها التقني والإحصائي، فالذين أشرفوا على هذه الناحية من البحث من خيرة من يؤمَن جانبهم في هذا المجال، لكن التعامل مع المعطيات في بعض نواحي هذا العمل - صناعتها وتحليلها - بقي يثير عطش القارئ؛ إذ غلب عليه الطابع الوصفي من دون الاشتغال كثيرًا على إعادة التركيب وإنتاج المعنى السوسيولوجي المنتظر، وهذا الأمر ينطبق على كثير من الموضوعات في الكتاب، منها مثلً موضوعا العمل والبطالة، حيث يتفكك الموضوع إلى نسب مختلفة يعلم الباحث جيدًا أنها اصطناعية من دون إعادة تركيب للكل، بمفهوم مارسيل موس للظاهرة الاجتماعية الكلية. في الخلاصة، إن هذا الكتاب يضيف فوائد جمة إلى المكتبة التونسية، وهو يُعتبر من الأعمال السباقة في مجاله إذا حسبنا فترة العطالة الفكرية التي فُرضت على الفكر التونسي منذ أكثر من ربع قرن، إذ حرمه الاستبداد الملامسةَ الإمبيريقية الحرة للواقع الاجتماعي الذي يخفيه ويزيفه.