Return to Article Details Fanon: The Postcolonial Imagination by Nigel C. Gibson, translated by Khaled Ayed Abu Hdeib

فانون: المخيلة بعد ــ الكولونيالية

Fanon: The Postcolonial Imagination by Nigel C. Gibson, translated by Khaled Ayed Abu Hdeib

أحمد جاسم الحسين *

الملخّص

الكتاب: فانون: المخيلة بعد – الكولونيالية الكاتب: نايجل سي. غبسون ترجمة: خالد عايد أبو هديب الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. مكان النشر: بيروت تاريخ النشر: 2013 عدد الصفحات: 358

Abstract

Book title: Fanon: The Postcolonial Imagination Author: Nigel C. Gibson Translation: Khaled Ayed Abu Hdeib Place of publication: Beirut Publisher: ACRPS Date of publication: 2013 Number of pages: 358

الكلمات المفتاحية:
  • فرانز فانون
  • المخيلة بعد ــ الكولونيالية
  • الدول المستعمِرة
  • الدول المستعمَرة
Keywords:
  • Fanon
  • Postcolonial Imagination
  • Colonized States
  • Colonizing States

الكتاب: فانون: المخيلة بعد - الكولونيالية الكاتب: نايجل سي. غبسون ترجمة: خالد عايد أبو هديب الناشر: مكان النشر: بيروت تاريخ النشر: عدد الصفحات: 358

يكشف التمعن في مآلات ما بعد الكولونيالية وتجلياتها الجديدة أن تفصيات المشهد العالمي لم تختلف عمّا قبلها سوى في بعض الكُليّات، فبقيت متقاربة، وأعيد إنتاجها بصور وأشكال عدة. وما توقعه نفر من الباحثين بشأن انتهاء الشكل التقليدي لاستعمار والأبحاث المتعلقة به، والظروف المحيطة، لم يتحقق له الوجود. تعددت صور الحديث عن الكولونيالية وما بعدها حتى نشأ حقل دراسي في عدد من جامعات العالم يدعى: دراسات ما بعد الكولونيالية. حاول ذلك الحقل المعرفي البحث في ما قامت به الدول المستعمِرة ضد الدول المستعمَرة، بعيدًا عن الجانب التاريخي، أو الجانب الوطني، حيث إن ذلك الحقل لا يُعنى كثيرًا بالموقف المضاد

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

أو الموقف المتحمس، بل بتلك الحقبة بصفتها مرحلة مرت بها البشرية وتركت أثرها الكبير في المرحلة الحالية كذلك، على مستويات عدة، أبرزها: العاقة مع الآخر، والهوية، والوعي، ومفاهيم التحرر والديمقراطية والعدل. لا تزال المرحلة الكولونيالية كثيرة الترددات والآثار التي من الصعب أن تمحى بسرعة، كونها اشتغلت على الإنسان. ويبدو أن بصمة الكثير من الأحداث التاريخية السابقة كبيرة على تاريخ الدول، فها هي العاقة التركية - الأرمينية تدخل الكثير من تفصياتها في إطار المسكوت عنه، وثمة كثير من الماحظات عليها، منها أن هذه العاقة لا يزال يشوبها كثير من الصدوع التي يُرفض رأبها، والأمر عينه يحضر في سياق الحديث عن العاقة الفرنسية - الجزائرية وما

يصيبها بين فترة وأخرى من تصدعات تكشف أن الجراح لم تندمل، على الرغم من مرور تلك السنوات. يشير الاشتغال على النشاطات البشرية إلى وجود وجهات نظر عدة تتصادم أو تتاقح في ظل تنوع الأدوات الحديثة للتوثيق وقراءة الأحداث اليومية، أو تلك التي حدثت في العصر الحديث، تبعًا لعوامل فكرية وسياسية واجتماعية، بل شخصية أحيانًا. إن تجدّد الأدوات البحثية التي قدمتها الدراسات التفكيكية والثقافية هو أحد أسباب إحياء الدراسات الكولونيالية، حيث النسق المفتوح والقراءة التي تمدّ أياديها إلى النص والسياق، والعودة بالمؤلف إلى نصه إن اقتضى السياق ذلك، وكذلك إعادة الإطار العائقي لقراءة النص، وهو ما يتيح مقاربة مختلفة في ظل تهميش المرجعية الأحادية، ومحاولة الاغتراف من علوم عدة إبان التأويل، هي الفلسفة وتاريخ الأفكار والأدب والسياق. ولعل هذا ما يعطي كتاب فانون/المخيلة بعد -  الكولونيالية أحد جوانب أهميته.

يأتي هذا الكتاب في ذلك السياق الجديد لدراسات ما بعد الكولونيالية ليعرض الفكر الفانوني واختافاته واتفاقاته مع الآخرين، وخصوصيته كذلك، ويحلل ذلك كله ويناقشه؛ فقد آمن فانون بأن التحرر من الاستعمار - ها هنا سياق الجزائر الذي حلم به ولم يره إذ عاجله الموت - هو مرحلة من مرحلة أوسع أدرك فيها أن البناء بعد رحيل المستعمر صعب جدًا، ولكنه آمن أيضًا بأن هذا «البناء التحرري» هو المرحلة الأولى. ولعل المراحل الأخرى أصعب كثيرًا، لكن لا يمكن أن تولد من دون إنجاز المرحلة الأولى. ربما أهم ما ميّز الفكر الفانوني هو أنه كتب ‏الكثير مما كتبه في قراءاته المختلفة، متجاوزًا عقدة الزنجي/الأسود، ومحاولًانتقاد المفكرين الكولونياليين الذين سعوا إلى تكريس المعرفة لتكون في خدمة الدول المستعمرة. وما انفك نايجل غبسون يذكّر في هذا الكتاب بأن فانون هو قبل كل شيء محلل نفسي، منبهًا إلى خطورة الإسقاطات التي تتجاوز تجربته واشتراطاتها الزمانية والمكانية والفكرية. نايجل غيبسون باحث متخصص بالفلسفة، ركز بصورة خاصة على فانون، ونشط في الإضرابات التي جرت في بريطانيا في منتصف الثمانينيات، وعاش فترة في الولايات المتحدة وعمل مع إدوارد سعيد، الذي وصف غبسون بأنه دقيق وهادئ. شارك في تحرير عدد من الكتب، وركز على فانون في النضال الشعبي الأفريقي. وعمل مساعدًا لمدير الدراسات الأفريقية في جامعة كولومبيا، وهو باحث مشارك في الدراسات الأفريقية في جامعة هارفرد، إضافة إلى عضويته في عدد من البرامج وكذلك في لجنة الحرية الأكاديمية في أفريقيا. وحصل في عام 0092 على جائزة فانون من الجمعية الفلسفية لمنطقة البحر الكاريبي‏.

محتويات الكتاب ومقولاته الرئيسية

خصّ مؤلف هذا الكتاب الطبعة العربية بمقدمة وافية، موضحًا فيها السياقات التي رافقت حركة التلقي للفكر الفانوني، ومحاولات جرّ كتابه الأشهر، معذبو الأرض ‏، إلى اتجاهات عدة، تبعًا لتجربة كل شعب من الشعوب، وكيف

يمكن أن يخدم هذا الكتاب الظروف التي يمر بها بلد ما، أو حركات مقاومة الاستعمار والتحرّر الوطني. وحاول غبسون أن يقدم إطالة عامة على مؤسِّسات الفكر الفانوني، حيث دعا في معظم كتاباته إلى تجاوز الحالة الانفعالية؛ وصولً إلى الانفتاح على الفكر الثوري، مرتبطًا بمساءلته فكريًا؛ إذ أصر فانون على أن «المستقبل لا تقرره التكتيكات العسكرية بل النقاش الأكثر شمولية الذي يشجع جماهير الشعب على الانخراط في صوغ أهداف النضال، وغالبًا بالوسائل الأكثر عملية» (ص. 21) ركز مؤلف هذا الكتاب على هذه النقطة، مبينًا أن وحشية الاستعمار لا تسوغ وحشية ما بعد الاستعمار، سواء أجاءت من حزب أم من جيش أم من دولة، وهي التي قد تتمظهر في قيام الأجهزة الأمنية ب «ترهيب الشعب وتشتيت قواه» (ص. 234) أدرك فانون في الوقت نفسه أن النضال من أجل التحرر الحقيقي ولّد أمراضًا واضطرابات نفسية وصدمات وتوترات ناشئة عن الأوضاع المتطرفة، وهذه يجب تناولها من خال العاج الاجتماعي. تجاوز غبسون في مقدمة الكتاببطبعته الإنكليزية المفهوم التقليدي للمقدمة، فخصّص سيرة موجزة سرد فيها نبذة عن حياة فانون، وأشار إلى مصطلحات مفتاحية تشكل مداخل لمقاربة عالم كتاباته، مثل: العنف وتصنيفات الأعراق ومفهوم الذات والديالكتيك، ومعطيات العلوم النفسية والتجربة المعيشة والتحليل الإكلينكي. وفي سياق رد غبسون على بعض النقاد الذين توقفوا عند تجربة فانون، توقف عند مفهوم الآخر، والثنائيات والعنصرية الأوروبية، والاستعمار، والعولمة، واللبْرلة الاقتصادية، والمقاومة. يتناول المؤلف في الفصل الأولالمعنون ب  النظرة المحدقة العنصرية: عبد أسود، سيد أبيض، مقولات فانون بشأن إشكالية العرق الأسود والجلد الأسود بصفته هوية مقابلة ل خآآر الأبيض، والانتماء الذي يمكن أن يوسم به الشخص، منطلقًا من تأكيد فانون هويته الفرنسية: « أنا فرنسي، وأنا مهتم بالثقافة الفرنسية، الحضارة الفرنسية، الشعب الفرنسي. ونحن نرفض أن نعتبر ‹دخاء›، وإننا جزء لا يتجزأ من هذه الدراما الفرنسية المضطربة» (ص. 49) ويناقش غبسون السياقات الثقافية الحاضنة لوصول فانون إلى فرنسا سنة 1947، والنقاشات التي كانت تدور هناك، حيث أطلق فانون كتابه الشهير جلد أسود محاولً نزع الاغتراب عن الفرد الأسود القادم إلى أوروبا، مستفيدًا في قراءة ذلك من مفاهيمه في الطب النفسي، إضافة إلى الأبعاد الفلسفية الأخرى، ومتحدثًا عن محاولات الاندماج اللغوية وغير اللغوية، والعقَد التي كان يعانيها. يقارب غبسون مقولات فانون في هذا الكتاب، فيتحدث عن اليهودي والوعي الأسود، رابطًا بين اليهودي والأسود في رحلة غربتهما، ومتوقفًا عند المعادي ل«السامية» والعنصري بصفتهما وجهين لشيء واحد كان سارتر قد أفاض في الحديث عنهما. وقد شعر فانون بأن سارتر بإحاله الأسود محل اليهودي، والعنصري محل المعادي للسامية، يمدّ كامه بحجة قوية، موضحًا أنه تم في المخيلة الجمعية صنع صور ل خآآرين لا بد من توضيحها عبر الأمثلة، حيث يقول «إن الآخر الأبيض يختزل الأسود إلى موضوع مسبب للفوبيا (الرهاب) يعبّر عن الرغبات المكبوتة لدى المجتمع الأوروبي» (ص. 61)

ويتوقف عند ميرلو - بونتي وسارتر والتجربة المعيشة، حيث يحاول ميرلو - بونتي في كتاب فينومينولوجيا الإدراكمناقشة المطابقة بين كلٍّ من الشخص الأبتر والشخص الأسود وصورة الجسد لديهما في مجتمع عنصري، حيث يغدو الجسد شخصًا ثالثًا. بناء عليه، فإن فينومينولوجيا الوجود تتغير عندما يكون الوضع مشبعًا باللون. ثم يتوقف عند نتيجة مهمة تتبدى في كون فكرة التفاعل المتبادل بين ذاتين غير واردة عند سارتر، في حين أن فانون يرى أن الاعتراف المتبادل يظل هدفًا لكليهما. يفصِّل المؤلف في حديث هيغل عن السُود والطرق الديالكتيكية المسدودة، حيث إن الإنسان لا يكون إنسانيًا، تبعًا لفانون، إلا بقدر ما يحاول أن يفرض وجوده على إنسان آخر. وقد أراد هيغل تأكيد أن الصراع بين المستعمِر والمستعمَر حتمي، وأن ديالكتيك السيد/العبد لديه هو في البدء صراع حتى الموت. ويصف غبسون نقد فانون لهيغل بأنه «نقد أصيل» (ص. 17)، مبينًا أن فانون كان من الذكاء المعرفي بحيث إنه لم يرفض فلسفة هيغل بصفته فيلسوفًا لإمبريالية، وفق بعض القراءات، بل أخذ بنواته المنهجية (الديالكتيك)، محاولً توظيفها، فيتوقف في تحت عنوان «ديالكتيك سلبي» عند فكرة كون النظرة المحدقة العنصرية ليست شرطًا إنسانيًا بل هي تكوين اجتماعي يمكن حله من خال تصحيح الأخطاء الثقافية. يناقش المؤلف إشكالية الأسود والتبادلية من خال الحديث عن فكرة الاعتراف المتبادل، وأن التبادلية المطلقة، بصفتها أساس الديالكتيك الهيغلي، تبدو مستحيلة في عالم العاقات بين السود والبيض؛ إذ يريد العبد، وفقًا لهيغل، أن يحاكي السيد، ويختم بالقول: إن هدف النسق الهيغلي هو الاعتراف المتبادل.ويحاول فك قيود الديالكتيك عبر الحديث عن آليات فانون في مناقشة ديالكتيك السيد والعبد بصفته صراعًا أو تواصلً بين حالتيْ وعي، ولكن ربما تصل أمور النقاش إلى استبدال الديالكتيك بصفته حالة إثراء فكرية، إضافة إلى كونه حالة ثنائية مانوية. وها هنا لا بد من عودة الديالكتيك مرة أخرى لمحاولة إثبات وجهة النظر المناسبة، حيث يصل غبسون إلى نتيجة مؤداها أن فانون «ليس مجرد رجل عملي، بل هو أيضًا ناقد للعمل الانفعالي. بيد أن تطور كائنات بشرية ناشطة تقرر مصيرها الذاتي هو مسألة مركزية في تفكيره وفي منهج النكوص الذي يفهم على أنه جزء من ديالكتيك غير مرتب ومفتوح النهاية» (ص. 84) لئن كان ابن خلدون قد اتخذ من المنهج الجدلي طريقة لتمحيص النص التاريخي وإخضاعه للمناقشة، فإن هيغل جعل من هذه الجدلية قانونًا يحدد مسيرة الفكر والواقع عبر تفاعات الوعي والوعي المضاد، حيث «تحطمت هذه الفكرة أيضًا في مقولة التفاعل، لأن ضد الوجود أو الجوهر الذي يتوسطه لم يعد ضدًا له وإنما أصبح هو نفسه، وعلى ذلك فقد أصبح ينظر إلى الوجود الآن على أنه متوسط بذاته، وتلك هي نظرة الفكر، فالوجود هو المباشرة، والماهية هي التوسط بالآخر، والفكر هو التوسط بالذات، والفكر هو وجود يبقى في ضده متحدًا مع نفسه وهو بذلك يتوسط نفسه».

ناقش غبسون فيالفصل الثاني التحليل النفسي وعقدة النقص لدى الأسود، حيث أمهل الخطى عند مناقشات فانون لبعض المصطلحات التي أطلقها باحثون أوروبيون لتسويغ الاستعمار؛ تلك المصطلحات المتعلقة بالنقص في التكوين

والكسل، وسوى ذلك من سمات حاولوا أن تكون ثيمات يُنظر من خالها إلى الإنسان المستعمَر، ولفت النظر إلى أن فرويد مثلً أخذ العامل الشخصي بعين الاعتبار إبان عملية التحليل، وتساءل فانون عن مدى صحة نظريات علم النفس، وتوقف عند مشكلة «الأنتيلي»، حيث يشعر ذلك الإنسان بأنه لا يكون إلا بعاقته مع الآخر، ويصبح حبّ الآخر مرآته، من أجل أن يرى المرء نفسه فيه، ويحاول أن يدحض عقدة الاتكالية الخاصة بالشعوب المستعمَرة. وحاجج فانون فكرة التبعية وأوضح أنها كانت نتيجة الحكم الاستعماري، وهي ليست أنطولوجيا للوجود الإنساني. ويرى فانون أن علينا أن نبحث عن المعاني الزاهرة، لذلك لم يكن لديه تخيات لأحام، مكتفيًا برمزية الأحام التي تسيطر عليها مفاهيم الحماية والخطر المرتبطة بالأم والأب، متفقًا مع فانون ذاته على أنه من الخطأ البدء في التحليل انطاقًا من الوعي الباطن للفرد، بدلً من الانطاق من وضع الفرد الاجتماعي، فالوضع الاجتماعي يمكن أن يضعف الفرد المضطرب بسهولة. يتناول الباحث في الفصل الثالث بالحديث الزنوجة والهبوط إلى الجحيم الحقيقي، حيث المثلث الذي انطلق منه فانون في كتاباته بصفته فرنسيًا أسود قادمًا من مستعمرة، ومتحدثًا عن المنفى وتجربة التشرد بالنسبة إلى القادمين إلى فرنسا، حيث يتوقف عند نماذج من الأدب الذي كتبه أصحاب البشرة السوداء، متمثلً في قصيدة «سيزار» العودة، من خال مناقشة مفاهيم الوطن، والنفي والانتماء وتطور الوعي لدى الزنوج، فتصبح القصيدة بمثابة رحلة وجودية، تتعرف فيها الذات إلى تفصياتها، ليصل سيزار في النهاية إلى قبوله بعرقه. في حديثه عن سنغور وسياسات الزنوجة، يشير إلى الاختاف في كلٍّ من مفهومَ يْ سنغور وسيزار، حيث اعتبرا بداية أن الزنوجة موضوعة نقيضة للعقانية الغربية. وحاول سارتر في تقديمه كتاب أورفيوس الأسود الحديث عن تفصيات الزنوجة بصفتها حركة سياسية وجمالية وحالة ثورية في العالم، حيث التصميم الداخلي واستحضار روح الإنجاز؛ إذ يرى أن الزنوجة ديالكتيك يتجاوز ذاته، ومطلق يعرف نفسه أنه انتقالي، فهو مكرس من أجل فنائه بالذات ويجد انتصاره في تجاوز نفسه. يناقش الكاتب الفرق في مفهوم الزنوجة لدى كل من سارتر وفانون، حيث يرى سارتر في حديثه عن ديالكتيك الوعي الأسود أن الزنوجة خيار وجودي حر فوري، أمّا بالنسبة إلى فانون، فإن وعي الأسود يتطلب التراجع إلى مرحلة سابقة للديالكتيك. ويصف غبسون عاقة فانون بالزنوجة بأنها عاقة معقدة جدًا؛ ففي الوقت الذي يتماهى معها، يحاول أن يكتشف توهجها، فيرى أنها في مواضع كثيرة نفي مطلق لقيم البيض. وفي الوقت الذي قام فيه المثقف الأسود بعقلنة العالم، يجد أن الصورة الغربية له لا تزال تربطه بعالم السحر والبدائية والأرواح. ولعل اعتناق المثقف الزنوجة إشارة إلى أن مشروع المستعمرين بجلب الحضارة التي يعتقدون بها بات يترنح، ليصل غبسون، في خاتمة الكام، إلى ما مفاده أن الزنوجة النقدية والعاملة يمكن أن تدعي لنفسها ضرورة تاريخية، بما أنها يمكن أن تقود إلى ثقافة وطنية أصيلة؛ إذا تخلت عن نخبويتها، وعاودت الاتصال بنضال الشعوب من أجل الحرية.

يستعرض الكاتب في الفصل الرابع الذي يحمل عنوان: فانون... جزائريًا، بداية، الصورة التي قدمتها الثقافة الأوروبية، حين احتلت فرنسا الجزائر، لكلّ من المسلم والعربي والشمال الأفريقي بصفته إنسانًا مختلفًا كليًا عن الأوروبي؛ إنه الآخر، كامل الفطرية، الذي لا يزال يمتلك طريقة تفكير بدائية، ويعرض غبسون الكثير من الأمثلة الواردة في كتب الرحالة والمختصين حول تلك الصورة ومحاولة تكريسها، ويشير إلى محاولات الباحثين المهتمين تكريس فكرة أن السلوك البدائي والفطري حالة مرَضية.ويعرض الظروف المحيطة بتأسيس أنطوان بورو مدرسة الجزائر، وهو الذي ساهمت مقالاته المتتالية في أن تقدم لأوروبي صورة عن العربي والمسلم أقل ما توصف به هو أنها قبيحة وغير علمية - وفقًا لغبسون - لكنها كانت شائعة ومنتشرة، حيث وصف بورو الجزائري بأنه صبياني ومتهور وقاتل ومجرم ومنحرف؛ إنه «خاصة الشر في العالم»، في حين أن فانون قدم صورة مغايرة لذلك، محاولً كشف القيم البيولوجية والأخاقية والجمالية والمعرفية والدينية للمجتمع المسلم. ونظرًا إلى أن الصحف المهمة كانت تفتح صفحاتها لمقالات بورو التي تعزف على أوتار تُعجب الأوروبي، ومنهاصورة المسلم والعربي، حاول فانون، بالدراسة العلمية الموضوعية، دحض نظرياته ونظريات سواه السلبية. ونشر بحثًا ينتقد فيه مؤسسة العاج النفسي الفرنسية بصفتها أداة تدمير تتّبع قانون العزل، وحاول أن يستولد في تونس، حين انتقل إليها، عاجًا نفسيًا عابرًا للثقافات، يستمد الكثير من معطياته من الفرد والبيئة الاجتماعية، كاشفًا انهيار الانقسام بين السياسة والعاج النفسي، حيث ثنائية التعذيب/ الجادين. وناقش فانون موقف الطبيب من عمليات التعذيب وحالة الانتقاص من الآخر، والهرب من تسمية ذلك بالتعذيب، محاولً توعية الفرنسيين بنظامهم التعذيبي في الجزائر. وكشف أن مشاعر الطبيب العامل في بيئة فقيرة أرقى كثيرًا من طبيب يعمل مع نظام كولونيالي، حيث تنقلب إنسانيته إلى سادية ووحشية؛ إذ يغدو جادًا، أو على الأقل جزءًا من نظام التعذيب. وأشار غبسون إلى العنف المتعمق في معركة الجزائر التي وصفها فانون بالقول: «بدت معركة الجزائر هزيمة كارثية لجبهة التحرير الوطني، لكنها كانت انتصارًا باهظ الثمن بالنسبة إلى الفرنسيين، حيث أظهرت تطرفًا غير مسبوق لقيم حقوق الإنسان». وتعمق غبسون فيالفصل الخامس المعنون ب  مخاوف عنيفة في الوقوف عند العنف من خال حديثه عن مفاهيم النسبية في صميم المطلق، وتساءل: هل يكفي العنف لتشكيل وسيلة ثورية؟ ورصد نقاش حنة أرندت وتذمرها من دعوة فانون إلى أن يكون العنف أحد طرق نزع الاستعمار. ودافع غبسون عن خيارات فانون المنطلقة من التجربة الجزائرية التي اكتوى بنيرانها، لأن الصراع ينتج تغييرات اجتماعية ونفسية وثقافية، وكشف أن فانون لم يتبن العنف وسيلة وحيدة، بل أحاطه بظروفه الحاضنة له، ومدى وجود حلول بديلة أخرى، وأن العنف قد يشكل مضادًا ضروريًا لاستعمار الكولونيالي ونهاية له، مؤكدًا أن المجتمع الكولونيالي هو مجتمع «مانوي»، بنيته الفوقية هي بنيته التحتية. وأطال النظر في الحديث عن تذويت العنف ومحاولات توجيه الطاقة نحو خدمة أجندات أحزاب معينة لا تفيد من الظروف الجديدة. وحين أشار إلى «المانوية»، توقف عندها بصفتها الشكل الذي تتخذه العاقات الكولونيالية، التي

لا تسمح بأي منظور يتخطى المناطق التي حددتها، وهكذا، يبدأ العنف الذاتي طريقًا للتخلص منها. ولعل تعزيز الهويات الإثنية في سياسة «فرق تسُد» التي استعملها الكولونياليون شكلت قنوات عدوانية مؤقتة، إذ دافع غبسون عمّا طرحه فانون المتأثر بمناخ العنف السائد آنئذ، لافتًا إلى أن العنف المضاد ليس كالعنف الوحشي، بل هو وسيلة منظمة وتحت السيطرة، وأن العنف أشبه بدوّار ما قبله ليس كما بعده، وهو الحد الفاصل بين مرحلتين، ولا يمكن العودة إلى الخمول السياسي بعد الوقوع فيه، وأن الرغبة في المشاركة في أعمال العنف هي الغِراء الذي يُبقي مجموعة ما مترابطة، ويرى أن العنف في أجد وجوهه فعل عاجي، كون الكولونيالية تخلق مواطنًا أصليًا حسودًا ومؤذيًا، يُنتج العنف الذي يُعِدّه مدخا للتحرير، وليس التحرير كله، سواء أقصد بالتحرير التحرير من المستعمر أو تحرير الشخصية من عدم قدرتها على الفعل. ويكشف غبسون في الفصل السادسالذي يحمل عنوانتحولات جذرية: نحو ثقافة مقاتلة أن حياة المستعمَر الثقافية تكون تحت هجوم متواصل خال حقبة الكولونيالية، وهي حياة خاضعة تنكمش وتجف باستمرار، ولا يُعاد تنشيطها إلا خال فترة الاستعمار، حيث تصبح ثقافة مقاتلة، فيصبح النضال نضالً من أجل طريقة جديدة في الحياة، مشيرًا إلى أن تجربة الثورة المعيشة هي من الجذرية بمكان إلى حد أن كون المرء جزائريًا يشتمل على جميع من يريدون أن يقاتلوا لتحقيق عاقات إنسانية جديدة في جزائر متعددة الثقافات. ويتوقف في حديثه عن الأصالة المطلقة لأعمال النساء عند كون الثورة الجزائرية قد حررت المرأة تحريرًا مزدوجًا: من التقاليد الإقطاعية ومن الكولونيالية معًا. ويناقش موقف فانون من الحجاب وموقف منظّري النسوية وما بعد الكولونيالية من مساواتهم بين المرأة والأسرة والأمة. ويذكِّر غبسون قراء فانون بأنه وقف بمواجهة الإساميين الذين أعلنوا أن الحرب الجزائرية حرب من دون نساء، مؤكدًا أن الحرب الثورية ليست حرب رجال بل حرب نساء، بحيث أصبح رفض نزع الحجاب رمزًا للمعارضة الشاملة، وأن التحول الجذري الجاري في المواقف إزاء الحجاب يتواءم، في رأي فانون، مع تطور النضال التحرري، حيث يفقد الحجاب قوته المقدسة عندما تنتقل المقاومة التفاعلية والتحدي للنسق الكولونيالي إلى مقاومة نشيطة وواضحة، فتصبح ثقافة مقاتلة، كاشفًا أن الحجاب لم يحضر في سياق الثورة الجزائرية بصفته شيئًا خاما، بل كونه حلقة في الماكينة الثورية يُنزع، ويُرتدى، المرة تلو الأخرى. وختم المؤلف هذا الفصل بالتساؤل عن إمكانية مأْسسة هذا التغيير الذي حدث في المجتمع، وكيفية جعله هدف ثورة مستمرة لا في هيئة مضطربة، بل بوصفها أساسًا لإسماع صوت الذين أسكتتهم الكولونيالية. في الفصل السابعالمعنون باجتياز الخط الفاصل: العفوية والتنظيم، يشير غبسون إلى أن لفانون موقفًا خاصًا من الأحزاب ودورها في تنظيم حراك الجماهير؛ إذ يرى أن تجربة الحركة في التغيير الجذري أرضية للرؤية الاجتماعية، وأن ديالكتيك التحرير لا يتشكل بضربة قاضية واحدة، تشمل ديالكتيك الذات والموضوع، وأن إزالة الاستعمار عملية تاريخية وليست حتمية تاريخية. وقد حمل فانون مفهومًا مختلفًا عن مفهوم هيغل بشأن العنف؛ فالفورية ليست

الحل الأوحد، بل لا بدّ من الديالكتيك الفردي والجمعي لأجل عملية البناء المنتظرة. ويشير المؤلف أيضًا إلى موقف فانون من عدد من المثقفين والراديكاليين الذين أخذوا مكانة مركزية، لكنها إشكالية في ديالكتيكه التنظيمي؛ ففي التنظيم الجنيني الذي يتشكل بين المناضل المديني والجماهير الريفية، كما يرى، يقوم المثقفون بدور مهم في تفجير الحقائق الكولونيالية القديمة واستخراج معان جديدة متأصلة في التحولات الجذرية. ويضع خطاطة افتراضية منطلقة من تجربته حول عاقة المثقف بالمجتمع الريفي، وآليات صنع المثقف الراديكالي، وطبيعة المثقف الحقيقية، وحالة الاغتراب والافتقار إلى الجذور لدى المثقفين المواطنين الأصليين بوصف ذلك نتيجة من نتائج الحكم الاستعماري. ويلحظ أن فانون يتجنب التعريف المباشر لأيديولوجيا السياسية، لكن قارئ ما بين السطور يجد أنها مناظرة لرؤية مستقبلية وتشجيع الشعب على الاعتماد على النفس والطاقة الخاقة. يسعى المؤلف في الفصل الثامنالمعنون ب  الوطنية/القومية والإنسانية الجديدة إلى تفحص السياسة الثقافية لدى فانون في سياق تاريخي، حيث يمكن أن تؤدي محاججة أفكاره في مجال السياسة الثقافية إلى فهم إنسانيته. وإذا كانت إنسانيته تُعزى إلى العمل المناهض لاستعمار الاستيطاني، فيجب أن تتخذ شكا وطنيًا؟ والسؤال الذي طرحه غير باحث على سبيل التشكيك هو: هل يمكن الحديث عن فكرة وطنية في الشرق وهي ابتكار أوروبي؟ يرى فانون أن هناك نوعين من الوطنية في سياق مناهضة الاستعمار هما: وطنية تابعة لقوى خارجية، ووطنية تريد استقالً حقيقيًا. وثمة مفهوم ثالث يؤكده المؤلف غبسون ويحاول انتشاله من بين المقولات، وهو الوطنية الإنسانية الأممية. يناقش الكتاب جذور هذه المفاهيم وحيثياتها بشكل مفصّل، ويرى أن من الأهمية بمكان أن تنطوي الوطنية على رغبة أصيلة في تحديث الأمة وتطويرها. لذلك، فإن فانون لا يقوم بإحال ديالكتيك مناهضة الاستعمار بديالكتيك الصراع الطبقي، بل يعمقهما معًا من خال نسق من التأويل. وينشغل مؤلف هذا الكتاب بسؤال استراتيجي بالنسبة إلى فكر فانون هو: كيف يمكن أن يتعمق الوعي الوطني حتى مستوى الإنسانية؟ ويحسب فانون، على مستوى التنظيم السياسي للجماهير، أن التنظيم السياسي حزب حي و«كائن حي»، يشجع على تبادل الآراء التي تتطور بفعل حاجات الشعب. ويرى أن مهمة المثقف هي جعل فهم الذات لدى الفرد الاجتماعي الأساس لفهم العالم. ويكشف تأمل «المدونة الفانونية» أنه يولي المثقف دورًا استثنائيًا، مع تأكيده أن الأهمية لا تكون لأفكار في ذاتها، بل في ممارستها ومدى إفادتها وديالكتيكها مع إرادة الجماهير.

مقولات الكتاب ورؤاه وسياقاته مقارنة باشتغالات أخرى

تبدو استعادة كتابات فانون ضرورية في ظل ثورات الربيع العربي ومآلاتها، انسجامًا مع مقولته الشهيرة: «الناس يتغيرون فيما هم يصنعون التاريخ».وقد أفضت المعرفة المجتزأة والمنقوصة التي اعتمدها الخطاب الغربي إلى انبثاق أشكال من سوء الفهم التي نتجت بفعل مسار الهوية، التي أُخضعت لعمليات من التحويل والتشويه، ومحاولة قيادتها لتبنّي

المنظور الغربي المتفوق الذي يصر على أن مقاربته للعالم هي النهج الذي يمكن أن يفضي إلى خلق منظومة حضارية مؤهلة لاعتناق مساره التاريخي. وبدا أن «كل خروج عن هذا التصور سوف يُنعت بالتخلف والبدائية، وهذا يتسبب ببروز كمٍ من عمليات من الإخضاع المستمر نظرًا لقصور الأداة، والمنهج، وذلك عبر فعل مادي يتمثل بالاحتال العسكري. وفي ظل عمليات تخريب النهج المعرفي للشعوب المستعمَرة، فإن عملية التطور لن تتحقق، مما يعني أنها سوف تبقى خارج السياق، وهذا يؤهلها لأن تكون قابلة، بل مرحبة بالهيمنة الغربية، ولكن ضمن عاقة توصف في سياق الدراسات ما بعد الحقبة الاستعمارية بالتابع‏». لعل أبرز ما ميّز تجربة فانون هو أنه لم يكتف بالدعوة إلى التحرر والاعتماد على العمل النضالي، بل ربط ذلك بالمعرفة والثقافة والمحافظة على إنسانية الإنسان، وهو ما قام به عبر عاجه مصابي الحرب من الطرفين. وقد أدرك مبكرًا أن الاستعمار يبحث عن حكومات قمعية يسعى إلى التحالف معها، تحقق مصالحه، وكان مهتمًا بتحرير العقل، فضلً عن التحرر المادي من الاستعمار، أي إنه لم يقم فقط بالبحث عن تكتيكات النصر، بل حاول أيضًا إيجاد استراتيجيات للشعوب تحاول أن تحمي تلك الانتصارات من مزالق الطامعين بتسخيرها لخدمة أيديولوجيات تقود إلى قمع جديد. إن مقولات كثيرة في هذا الكتاب تأتي مع ما عبّر عنه غبسون في مقالات لاحقة عن أن ثورات الربيع العربي هي أقرب إلى ثورات التحرر من الاستعمار، اعتمادًا على مقولة أن تحرر الشعوب ليس مرحلة واحدة بل ديالكتيك دائم، ومتى قبلت الشعوب بالخنوع والسكون تبرز إمكانية نشوء أنظمة استبدادية تميل إلى اتّباع القمع منهجًا. من الافت أن هذا الكتاب حاول التركيز على الجانب الفلسفي لفانون، الذي لا يقدَّم في سياق الكتاب بصفته مناضلً ألهم الحركات التحررية، بل بصفته مفكرًا ذا رؤية إنسانية واستراتيجيات للقراءة والمقاربة، يمكن من خالها محاججة أعام كبار في ميدان الفكر، أمثال سارتر وهيغل وحنة أرندت وهنتنغتون وهومي بابا. إلى جانب محاولات غبسون المستمرة لإثبات رؤى فانون الفلسفية وخصوصيتها، فإنه استطاع المنافحة عنها عبر عاقة جدلية تبتعد عن الإضاءة ذات الطابع الشخصي لتحل بدلً منها الإضاءة المقْنعة والصادمة والحارة، والمزودة برؤى منهجية تعتمد المحاججة والموازنة لإيصال ما تبتغيه. تكشف الطبعة الإنكليزية من كتاب معذبو الأرض، مع مقدمة طويلة في نحو خمس وثاثين صفحة ل هومي بابا، أن اختافًا شديدًا في القراءة قد حدث مقارنة بمقدمة جان بول سارتر للطبعة الفرنسية بصفحاتها التسع عشرة، حتى وصل هومي بابا إلى مقولة «أن ما يقسم هذا العالم هو أولً وقبل كل شيء الأنواع، والعرق الذي ينتمي إليه الفرد في المستعمرات، بحيث أصبح هو البنية الفوقية والبنية التحتية معًا»، فرأى فيه خير مثال على انشطارية الذات الكولونالية، محاولًالإفادة من الإزاحة والتأجيل والدلالة العائمة المرتبطة بالمتلقي لتقديم قراءة مغايرة في تجربة فانون.غيرأن هومي بابا حاول في قراءته تلك أن يطبق مفاهيم دريدا من دون إياء خصوصية لتجربة فانون. وهناك الكثير من «المعطات المعرفية» التي تمنع ذلك؛ ففانون حاول التركيز على الثنائيات الديالكتيكية،

وتحدث عن حتميات صراعية حاول هومي بابا إلغاءها. ولعل من الطبيعي أن يختار هذا الأخير الطريق المعرفية التي يريدها، لكن التأويل يمكنه أن يبقى قريبًا من عوالم النص وليس متجاوزًا لإيحاءات شريطه اللغوي وصنع أشرطة لغوية جديدة افتراضية. وفي هذا السياق، لا بدّ من استذكار قراءة إدوارد سعيد لفانون تحت إطار ضرورة مقاومة الهامش للمركز والوقوف في وجه المحاولات الإلغائية، في ضوء كون الكثير من البحث ما بعد الكولونيالي محاولة لتصفية ذلك الإرث الثقيل، ونقده ونخله وتأكيد الشخصية المستقلة. في هذا السياق، لا يمكن قارئ فانون أن ينحّي جانبًا اشتغالً رئيسيًا له، تجلى عبر مبدأ المقاومة، وإحداث مصطلحات جديدة، مع الانتباه إلى أن كتابات فانون ليست في طبقة رؤيوية وفنية وفكرية واحدة كي يُنظر إليها نظرة واحدة، بل كانت معجونة بمشروعه في مقاومة المستعمر. من هنا تبرز أهمية قراءة غبسون، بترجمتها المتميزة إلى العربية، لكتابات فانون، كون مثل تلك القراءات ذات الأفق المنهجي الواسع والمعرفة المتبصرة مهمة جدًا في بلورة جماليات النص الفانوني الإنسانية، بصفة فانون صاحب تجربة شكلت عامة في تاريخ التفكير البشري، حيث حاول هذا الكتاب الاشتغال على الإنساني وإعادة الاعتبار إلى الإنسان، إضافة إلى تسليط الضوء على المراحل المتميزة في سيرة فانون الفكرية والسياسية، وتفكيك عناصر هويته المتشظية، والتنبه إلى الدور المركزي للمثقف في صراع الهامش والمتن؛ إذ يشكل فانون عامة عالمية على دور المثقف، والإخاص للقناعات، وكذلك مناهضة المستعمر، والتركيز على مبدأ القوة بصفتها ديالكتيكًا ضروريًا لاستمرار.

الهوامش