القبائل العراقية في أرض الجهاد
Iraqi Tribes in the Land of Jihad
الملخّص
ماذا يعني مصطلح القبيلة اليوم من حقائق اجتماعية وسياسية في المجتمعات التي تعرف صراعات داخلية ذات انعكاسات محلية وإقليمية، وأحيانًا دولية؟ لقد أفضى الربيع العربي في الدول كلها تقريبًا إلى حروب أهلية وإلى ظهور اتجاهات تسلطية جديدة، أو بصورة أوضح، إلى صعودٍ مذهل للجهادية المتطرفة على غرار "داعش ". وأمام ضعف الدولة في بلدان الربيع العربي، وحتى انهيار بعضها، تقلص هامش فعل القوى الدولية، فصار الالتجاء إلى دعمٍ قبلي في تواتر متزايد. وإذا كان الأمر على هذا النحو، فكيف يبدو الواقع القبلي إذن؟ يتناول التحليل التالي الظاهرة القبلية في العراق، هذا البلد الذي يجمع بين مظاهر الانقسام السياسي وضعف الدولة والجهادية المتطرفة والحرب الطائفية والتدخل الإقليمي الدولي.
Abstract
Hosham Dawod, dir., La Constante tribu: Variations arabo-musulmanes , Quaero: ف الجماعي بعنوان (انظر المؤلَّ(((Paris: Demopolis, Fondation Maison des sciences de l’homme (FMSH), 2013).
- تنظيم القاعدة
- الصحوات
- البو ناصر
- شيخ القبيلة
- Iraqi Tribe
- Clan
- Al-Bu Nasir Tribe
- Tribal Sheikh
- American Occupation
- Iraqi Army
- Al-Qaeda
ماذا يعني مصطلح القبيلة اليوم من حقائق اجتماعية وسياسية في المجتمعات التي تعرف صراعات داخلية ذات انعكاسات محلية وإقليمية، وأحيانًا دولية؟ لقد أفضى الربيع العربي في الدول كلها تقريبًا إلى حروب أهلية وإلى ظهور اتجاهات تسلطية
جديدة، أو بصورة أوضح، إلى صعودٍ مذهل للجهادية المتطرفة على غرار «داعش». وأمام ضعف الدولة في بلدان الربيع العربي، وحتى انهيار بعضها، تقلص هامش فعل القوى الدولية، فصار الالتجاء إلى دعمٍ قبلي في تواتر متزايد. وإذا كان الأمر على هذا
النحو، فكيف يبدو الواقع القبلي إذن؟ يتناول التحليل التالي الظاهرة القبلية في العراق، هذا البلد الذي يجمع بين مظاهر الانقسام السياسي وضعف الدولة والجهادية المتطرفة والحرب الطائفية والتدخل الإقليمي الدولي.
عند متابعة المشهد العربي الإسامي، ناحظ عودة القبيلة بقوة إلى صميم الاعتبارات السياسية والعسكرية والأمنية بصفة عامة. لا أحد يتجاهل اليوم الأهمية التي يوليها الجيش الأميركي للمسألة القبلية، وذلك بعد تعثّره في العراق منذ سنة 0042، أي بعد مرور سنة واحدة
من غزوه الباد، وبالتحديد انطاقًا من سنة 0062، إلى حد جعله يسعى إلى نقل هذه التجربة إلى أفغانستان وإلى مناطق صراع أخرى عُرفت بضعف حضور الدولة فيها وصعود الحركات المناهضة
والجهادية. مع ذلك، تبقى التجربة العراقية من أهم التجارب التي ينبغي تحليلها، في محاولة لفهم لماذا يتشجع الناس ويميلون إلى التجمع تحت لواء القبائل، والتساؤل بشأن المصالح الفردية والجماعية التي تفسر ظاهرة إعادة إنتاج مثل هذه التجمعات ضمن سياق جديد. من هذا المنطلق إذن، يصبح من المشروع التساؤل عمّا تعنيه القبيلة اليوم.
الدول» في مؤسسة دار علوم الإنسان FMSH) (، ومدير المعهد الفرنسي للشرق الأدنى في العراق Ifpo إلى أيلول/سبتمبر.2014
(((من المفارقات أنه لا يوجد حتى الساعة إلا عدد قليل من الدراسات العلمية والميدانية الموثقة التي أ جريتْ بشأن القبيلة، رغم
الاعتراف بوجود دراسات مهمة تضمنت تعداد الحياة القبلية وسرد مظاهرها، وخاصة الحياة القبلية العربية بالعراق، ويمكن في هذا =
منذ عشرين سنة، كان الباحثون الميدانيون والفاعلون السياسيون المطلعون والعسكريون مدعوين بقوة إلى مراجعة مفهوم صار تطوريًا بصورة واسعة على مستوى تاريخ المجتمعات؛ فمسارات
التحديث والعولمة لا تستطيع بالضرورة إنهاء مجموعة من الظواهر الاجتماعية - التاريخية من مثل «المجموعات المحلية، الهويات دون الوطنية، والقبائل»، أو تسريع تاشيها. وعلى العكس من ذلك، ناحظ هنا وهناك حركية مهمة لإعادة بناء هذه الظواهر، إلى درجة أنها صارت في قلب مسألة تسوية الصراعات، وصار من المألوف أن يستقبل رئيس الولايات المتحدة الأميركية في البيت الأبيض وفودًا
قبلية من أهل السنّة في العراق في بعض الأحيان، ومن إحدى الإثنيات الأفغانية أو من المناطق
الأخرى المستوجبة للتدخل في أحيان أخرى. في المقابل، صار من الطبيعي تمامًا أن يستنجد معظم
زعماء القبائل بجنرالات أميركيين أكثر من استنجادهم بسلطات بلدهم السياسية والعسكرية. نحن إذن أمام وضع جديد إلى حد ما، لا تتحرك القبائل فيه بفعل السياق المحلي فحسب، بل أيضًا، ومباشرةً، بفعل عاقة معقدة مع القوات المسلحة للقوة العالمية الأولى. لقد ثبت أن الاستراتيجيا الأميركية لحشد عدد من القبائل العربية السنّية في حربها ضد تنظيم «القاعدة»
بين سنتي 0060092 و 2 هي استراتيجيا تتوخى الحصول على مقابل، وهذا أمر يجب أن نعترف به؛ فغالبية هذه القبائل كانت ترى الجيش الأميركي إلى تاريخ انسحاب قواته من العراق (كانون الأول/ديسمبر 0112) سورًا يمكن أن يحميها من الإيرانيين، أو ببساطة من كل من يروم إضعاف
مكانتها في المنطقة (مثل تنظيم «القاعدة» الممثِّل لإسامٍ أكثر تطرفًا). على الرغم من ذلك، لم يكن
تقارب القبائل مع هذا الجيش أمرًا سهلً؛ إذ استغرق سنوات طويلة من التمرد العنيف، وتطلّب تغييرًا
استراتيجيًا عميقًا من لدن الأميركيين بغية تحقيق التواصل مع هذه الفئة المعقدة من السكان، وهو
تواصل لم يتحقق من خال العنف فحسب، وإنما أيضًا من خال سخاء القوات الأميركية، ومنها مشاة البحرية «المارينز» وقوات العمليات الخاصة، التي قدمت مساعدات مالية ووعودًا بخطط وظيفية
= الإطار استعراض بعض منها نرى أنه مازال مفيدًا:
أمين الحسن، الحالة الاجتماعية للعشائر العراقية، بغداد.1929
عباس العزاوي، عشائر العراق، بغداد، 1937، ثاثة أجزاء.
علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، بغداد، 1972، ستة أجزاء.
عبدالجليل الطاهر، العشائر العراقية، بغداد،.1972 وفي السنوات الأخيرة، وبتعليمات من السلطات العراقية، وتحديدًا وزارة الداخلية ومكتبها للشؤون القبلية، نُشرت موسوعة «موجهة
بشكل جيد» بإشراف عبدالحسن العامري عنوانها «موسوعة العشائر العراقية»، في تسعة أجزاء، بغداد، 1992 -.1995
في المقابل، نجد عددًا قليلً جدًا من الدراسات العلمية المعمقة. وسنقتصر هنا على ذكر أطروحة مهمة ونادرة في الأنثروبولوجيا
الاجتماعية، أنجزها الأنثروبولوجي العراقي شاكر مصطفى سليم بعنوان: Shakir M. Salim, «Ech-Chibayish, an Anthropological
Study of a Marsh Village in Iraq,» (Thèse de doctorat,Université de Londres, 1955).
نُشِرت طبعتان من هذه الرسالة باللغة العربية في بغداد، الأولى في سنة 1956، والثانية في سنة 1970. ويجب أن نشير أيضًا إلى أنه جرى وضع دراستيْن مونوغرافيتيْن عن قبيلتيْن كرديتيْن في شمال العراق في سنتي 1940 و 1950، إحداهما لإدموند ليتش
E. Leach) (والأخرى لفريدريك بارث F. Barth) (. وكان يجب أن ننتظر حتى التسعينات وبداية سنة 0002 كي نقف على اهتمام علمي حقيقي لتحليل القبيلة.
Thomas R. Searle, «Tribal Engagement in Anbar Province: The Critical Role of Special Operations ((انظر مقال:(Forces,» Joint Force Quarterly (JFQ), no. 50, 3 rd Quarter (July 2008), pp. 62-66.
كُرست مادة المقال أساسًا - إلى جانب تقديم بعض البيانات - للتنويه بجدارة القوات الأميركية الخاصة ومهاراتها في المناطق القبلية
في الأنبار.
وإدماجٍ في الإدارة والجيش العراقيَّين، بالإضافة إلى تسميات سياسية في بعض المناطق. مع ذلك،
لم يمر هذا النجاح المتأخر في الخفاء، وهو يذكّرنا بعاقات المصالح المتبادلة التي كانت بين الدولة ومعظم القبائل في عهد الرئيس العراقي السابق صدام حسين. حاول رئيس الحكومة العراقية السابق نوري المالكي (2006 - 0142) إعادة الاعتماد على هذه التجربة الأميركية، ولكن بنجاح أقل. كان يجالس زعماء القبائل باستمرار، وكان ديوانه يوزع الأموال بسخاء ويمنح المساعدة السياسية لأكثر ولاء (مجالس الإسناد). وكان من الطبيعي أن ينتظر المالكي من هؤلاء الوفاء والولاء لشخصه وسياسته. ولئن كان المالكي يمثّل الدولة العراقية في مستوى
معين، فإنه في الحقيقة كان يبدو قائدًا للطائفة الشيعية، وقد أدت هذه اللعبة السياسية القائمة على الهويات والمنطلقة من المركز إلى اضطراب العاقة بين العاصمة ومحيطها القبلي، ودفعت بعض القبائل العربية في المناطق السنّية إلى موقف الانتظار، بينما تحالفت بقية القبائل الصغرى، بصفة جماعية أو جزئية، مع تنظيم الدولة الإسامية («داعش»). جرى إذن تشكّلُ الصورة الفولكلورية المتعلقة بمصطلح القبيلة؛ صورة تتمثّل في وضعٍ حربي وغارةٍ وتضامن لا يتزعزع... إلخ. من هذا المنطلق، يبدو من المناسب تناول القبيلة باعتبارها جماعة سوسيو - سياسية تتطور باستمرار، بل وتتبدل صورتها إلى حد المسخ، ولكن مع محافظتها على شكلها الأولي. تهدف هذه المساهمة إلى تحليل المكانة التي تحتلها القبيلة اليوم في العراق، وذلك من خال استعراض موجز لتاريخ المجتمع العراقي الحديث، مع التركيز أكثر على فترة الاحتال الأميركي (2003 - 0112) والفترة التي تبعتْها. وهذا سيعود بنا حينئذ إلى محاولة فهم التركيبة الاجتماعية، والوزن الفعلي للقبيلة في الحياة السياسية في العراق، وأهم من ذلك، محاولة البحث في سؤال إلى أي مدى تستطيع القبيلة أن تشتغل بالدولة أو من دونها، وهل في إمكانها أن تتحول إلى فاعل سياسي ووطني يتجاوز نطاق جماعته المحلية؟ أمّا في آخر التحليل، فسنركز على العاقات التي يعقدها
«داعش» مع القبائل منذ احتاله مساحات مهمة من أراضي العراق وسورية.
ما هي القبيلة العراقية؟
في العالم العربي، غالبًا ما يُستخدَم مصطلحان لإشارة إلى القبيلة، وهما « العشيرة » و« القبيلة ». أمّا في
العراق، فإن استخدام مصطلح العشيرة أكثر شيوعًا، وهو يحيل إلى مجموعة من الأفراد والجماعات
(4) Hosham Dawod, «Construction et déconstruction du pouvoir politique en Irak: Le Cas de Nouri al-Maliki,» (Les Carnets de l’Ifpo, October 2012).
(((قد نسمع بمصطلح « القبيلة » هنا وهناك، وهو يعني بالنسبة إلى العراقيين كونفدرالية قبلية، لكن هؤلاء العراقيين أنفسهم
يستعملون أيضًا مصطلح « العشائر » كمرادف حرْفي ل « القبائل »، وذلك لإشارة إلى كونفدرالية قبلية واحدة. فعلى سبيل المثال،
تُسمى كونفدرالية « شمّر » « عشائر شمّر » أيضًا. أمّا في بلدان عربية أخرى من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن مصطلح القبيلة هو
الأكثر شيوعًا عند الحديث عن « عشيرة »؛ فهؤلاء السكان يستخدمون بالطريقة نفسها مصطلحات أخرى، ك «الفخذ» أو « الحمولة »،
ومن ناحية أخرى يحتفظون باستخدام مصطلحيْ « العيلة » و« البيت »، ولكن مع عملية قلب الترتيب؛ نجد أن « البيت » عند العراقيين
أهم من « العيلة » من الناحيتين الكمية والسياسية، في حين نجد العكس في شمال أفريقيا وبلدان أخرى من الشرق الأوسط.
التي تتحدث اللغة نفسها وحتى اللهجة نفسها في كثير من الأحيان. تنقسم القبيلة إلى مجموعات فرعية متعددة، وهي: الأفخاذ (العشائر) المنقسمة إلى مجموعة كبيرة من » الحَمولات » أو « الحمايل » المتكونة بدورها من مجموعة من « البيوت » (بيت - أسرة ممتدة)، وكل بيت يشمل « عائات ». إن المنزل بالمعنى الذي استخدمه كلود ليفي ستروس يكون في هذا المجتمع البنية الأولى للفعل وللتعبئة السياسية. تُعرَفُ القبيلة في العالم العربي الإسامي - مع
بعض الاستثناءات النادرة - بالعودة إلى نسب أبوي بعيد، هو في الغالب مؤكد أكثر منه واقعي. هنا، كما في أماكن أخرى، تنتشر ظاهرة تاعب الأشخاص بأنسابهم؛ فعلى سبيل المثال، لا يمنح زعم الانحدار من نسب شريف احترامًا فحسب،
بل مرتبة اجتماعية أيضًا، وقد يُفضي أحيانًا إلى التبعية للجماعة. وأن ينحدر شخص من نسب يعود
إلى أحد الأساف من زعماء القبائل (شيخها الكبير)، فهذا يوفر له شرطًا ضروريًا لإمكانية أن يحصل
بدوره على مكانة « الشيخ ». يمثّل الاستياء على أراض كانت القبيلة قد طالبت بها كملْكية خاصة وأبدت استعدادها للدفاع عنها بالقوة (هذه الأرض إمّا أن تكون مملوكة بالوراثة أوبغزوة أو بحق الحوز والتصرف، وإمّا أن تكون
السلطة المركزية قد منحتها للقبيلة) عنصرًا أساسيًا آخر من عناصر الواقع القبلي. أمّ ا اليوم، فإن
الأراضي الجماعية للقبائل قد وقع تملكها فرديًا، وحتى إنْ حدث انتقال هذه الملْكيات في الأرياف
داخل عشيرة بعينها، فإن ذلك لا يمثّل البتة ملكية جماعية. ومع ذلك، يواصل الأفراد الحديث ثقافيًا
عن أراضٍ موسومة بعامة قبلية حتى وإنْ تحولت في الواقع إلى ملْكية خاصة، وتجزأتْ بشكل غير
متساوٍ. وهكذا، تغيرت القاعدة المادية للقبيلة وعرفت تحولً عميقًا. إن حجم القبيلة متغير، وهو غير مؤثر في تحديد أي مهمة سياسية لها؛ فعلى سبيل المثال، كانت قبيلة صدام حسين (البو ناصر) تُعرف بأنها من القبائل الصغيرة، ورغم هذا طبعت الحياة السياسية العراقية طوال عشرات السنين. ويعمد بعض القبائل إلى تجميع عشرات الآلاف من الأشخاص، وفي بعض
(((في العراق، كما في أماكن أخرى، يمكن الكلمة أن تكون في مختلف المناطق بمعان متعددة؛ ففي جنوب العراق يحيل
مصطلح « حَمولة » » إلى معنى « الفخذ » Clan) (بينما نجد في مناطق عراقية أخرى واقعة في الوسط والشمال الغربي أن مصطلح
«الفخذ » أهم من مصطلح « العشيرة ». يجب أن نفهم أننا لسنا فقط أمام منطق تصنيف مصطلحي، ففي الغالب ناحظ داخل القبائل
الكبرى كيف أن لكل « فخذ » ولكل « حَمولة » شيخها (زعيمها) الخاص. نحن إذن أمام وحدات قبلية صغرى ذات دور اجتماعي
وسياسي بارز.
ﻋﺸﻴﺮة)ﻗﺒﻴﻠﺔ(
تتكون «العشيرة» من « أفخاذ » عدة تتكون بدورها من
«حَمولات » متكونة من «بيوت» عدة ثم «عائات».
الأحيان مئات الآلاف، حول أحد الشيوخ والبيت الذي ينتمي إليه؛ هذا الشيخ يدعي القدرة على تنظيم العاقات الداخلية وتمثيل القبيلة ومصالحها لدى المجموعات القبلية الأخرى، وأيضًا أمام السلطة المركزية أو أمام إحدى القوى العسكرية أو السياسية، أو حتى الاقتصادية الأجنبية والدولية (مثال: الجيش الأميركي في الفترة 2003 -.)2011 وإذا كانت القبائل في الماضي تبدي تماسكًا واضحًا (كانت تتعايش في فضاء متقاسَم، وتتصرف وفق
عاقات تبعية متبادلة وفعلية، ويوجَد على رأسها شيخ قوي يفرض الاحترام...)، فإنها اليوم تواصل
الظهور كجماعة، ولكن بقدرة أقل على التعبئة وممارسة الضغط الداخلي والضغط الخارجي؛ فعضو القبيلة صار فردًا حرًا في حركاته وتنقاته، بل إنه يستطيع تجاوز جماعته، وهو أمر كان يصعب تصوره
ليس فقط في أثناء صعود الدولة العراقية الحديثة سنة 1920، بل أيضًا طوال سنوات الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين. في المقابل، يستطيع هذا الفرد نفسه في ظروف معيّنة أن يبدي تمسكه
بانتمائه القبلي إذا رأى ذلك مفيدًا بالنسبة إليه، حتى يستفيد من الامتيازات المادية والامادية، فضلً عن الحماية التي يمكن أن يتمتع بها. لقد صار من المألوف أن ناحظ اليوم البُعد الزبوني للعاقات
السائدة في الباقي من العالم القبلي، وذلك في ما يتعلق بالحصول على الامتيازات والوظائف المهمة، وهو ما يفسر، على سبيل المثال، كيف أن أغلب أعضاء الشرطة والجيش في بعض محافظات جنوب العراق (على سبيل المثال: ميسان في الجنوب والأنبار في الغرب قبل ظهور «داعش») ينتمون إلى عدد محدود من القبائل. لذلك، يبدو الخطر أكبر في هذه الأجزاء من الباد، فبمجرد حدوث نزاع محلي بين رجل أمن وآخر عسكري، يمكن أن يؤول هذا النزاع إلى صراع قبلي، والعكس صحيح.
قبيلة الأمس، قبيلة اليوم
بقطع النظر عن تبعية القبيلة السياسية للدولة أو لأي قوة سياسية - عسكرية دولية، وعن تقليص السيادة الإقليمية للقبيلة، ما هي الاختافات الرئيسية بين البنية القبلية العراقية القديمة ونظيرتها اليوم؟ كانت أغلب القبائل في الماضي تتجمع في اتحادات قبلية (عشائر)، وعلى رأس كل اتحاد قبلي كان يوجد مَنْ يُسمّى «شيخ المشائخ» ويُعتبَر الزعيم الأكبر، وهذا نمط معيّن من الزعامة ساد في هذه
القبائل. أمّا من الناحية النظرية، فلم يكن الشيخ يتمتع بأي سلطة موروثة، بل كان يحوزها من خال
كفاءته الحربية ومهارته السياسية المتمثلة في المحافظة على وحدة الجماعة التي يتزعمها. وكان الشيخ يؤدي أيضًا دور الحكم داخل القبيلة وخارجها إذا اقتضى الأمر أن يتصرف نيابةً عنها. كان أعضاء القبيلة يجدون أنفسهم ملتفين حول الشيخ في أثناء عمليات مراقبة أرض مشتركة أو عمليات
استياءٍ على مواردها. وتمثّل عملية نقل لقب الشيخ من الأب إلى ابنه النموذج الكاسيكي السائد، شريطة أن يكون الزعيم الجديد على مستوى المهمة، وعارفًا بكيفية صد منافسيه المحتملين. وفي
حالات مختلفة، يمكن رجلً من البيت عينه أو من بيت آخر وذا منزلة رفيعة (وهذه حالة نادرة) أن يُبعِد
ابن شيخ القبيلة السابق، ليستولي على الزعامة. هكذا إذن، ساعد وجود هذا اللقب (سلطة الشيخ)،
منذ بدايته، على بروز « بيت » ينتمي إليه الشيخ على حساب « بيوت » أخرى منافِسة وتطمح إلى حمْل
اللقب نفسه. إن واقع التفاوت في المراتب الاجتماعية والسياسية داخل الهيكل القبلي قد قوض الخطاب الانقسامي الذي يؤكد فرضية طابع المساواة داخل القبلية العربية. برز طابع المفاضلة داخل القبيلة مع تلك الاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي عرفها العراق منذ نهاية القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين. فقد استوعبت العشيرةُ الكاسيكية (ذات النمط البدوي أو تلك التي تشتغل وفق أيديولوجيا بدوية) تحولات عميقة منذ الإصاحات العثمانية في القرن التاسع عشر، حين فرض الباب العالي تسجيل الأراضي (الطابو) وتوزيعها بين من كانوا قد استغلوها عشر سنوات، ولهؤلاء الحق في استغال الأرض في مقابل رسوم تُدفع للدولة التي تحتفظ لنفسها بحق استرداد الأراضي غير المستغَلة. وأفضى هذا الإصاح إلى بروزٍ متنامٍ لنظام ملْكية فاحية
خاصة لا رجعة فيه، وهو ما غيّر بشكل عميق العاقات الاجتماعية والسياسية داخل القبيلة، كما غيّر
عاقاتها بالعالم الخارجي. وكان الإنكليز قد أعادوا النظر - إبان الانتداب البريطاني - في القوانين العثمانية، وغيّروا عددًا كبيرًا منها بصفة جذرية، وخاصة تلك القوانين التي تساعد على المستوى
السياسي في دعم سلطة المشائخ الذين ما عادوا معيّنين بل أخذوا ينصّبون أنفسهم بفضل ما يمتلكونه
من ثروات وما يعقدونه محليًا من تحالفات سياسية. مع مجيء دولة ما بعد الاستعمار (1958) وما تبعها من تطور لاحق، واصلت القبائل حضورها واندمجت بسهولة متفاوتة في إطار الدولة التي تحولت، عن طريق العنف في الغالب، إلى دولة متعددة الأعراق والقبائل. بدأنا منذ ذلك الحين نشهد حركة ثاثية للتطور المجتمعي: • حركة تبدو مبدئيًا متناقضة؛ فهي تمثّل، من جهة، مسارًا للتحديث الحقيقي بدأ بواسطة الدولة
وحزب استبدادي، هو حزب البعث، وتمثّل، من جهة أخرى، تنظيمًا سياسيًا يوجد على رأس الدولة،
ويغترف من الموارد المحكومة بمنطق قبلي من أجل المحافظة على السلطة. وقد عرف المجتمع العراقي خال الفترة 1960 - 1970 تحولات مهمة تتمثّل في ما يلي: هيمنة كلية ونهائية للمدن على حساب القبائل؛ إصاح زراعي؛ تشريع يحد من سلطة القبائل؛ تعميم التعليم؛ صعود الطبقة الوسطى؛ تطور نظام الأسرة ونمط الزواج (الاتجاه نحو مزيد من استقالية الأسرة النووية والزواج الأحادي)؛ تحرر نسبي لأفراد من مجموعاتهم الأساسية (القبلية والعشائرية)؛ مشاركة متزايدة للنساء في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وحتى السياسية... إلخ. لكن هذا التحديث الإرادي لم ينجح في جعل القبيلة تختفي من المشهد الاجتماعي والثقافي حتى وإن تمكن من إضعافها وإجبارها على التواري إلى الصف الثاني. كما أنها وجدت نفسها مجردة من دورها السياسي، ولم تكن الدولة « اليعقوبية » العراقية تحتمل أن يكون الفرد تابعًا سياسيًا لهياكل أخرى غيرها! • بدا واضحًا إبان الحرب العراقية - الإيرانية (1980 - 1989) أن السلطة العليا تجري عملية إعادة
إضفاء طابع قبلي على الفضاء السياسي والاجتماعي؛ فعمليات الانتداب في بعض مؤسسات الدولة وفي صفوف نخبة الجيش تمت أساسًا بمراعاة الأصول القبلية والجهوية إلى حد أن بعض الهياكل
العسكرية والأمنية صار متطابقًا مع بيئة القبيلة بشكل يكاد يكون تامًا. وإذا كانت فترة 1960 - 1970 قد شهدت مرحلة تبعية القبيلة للدولة (وهو ما سمّيناه «دولنة القبائل» (tribus des étatisation))،
فإن فترة 1980 - 1990 افتُتحت ب «إعادة قَبْيَلةالدولة» (l’Etat de retribalisation (خاصة في ما)
يتعلق بالوظائف السلطوية). إنها ظاهرة دالة رافقت هذا الاتجاه الاجتماعي - السياسي، وقد نُشِر في عهد صدام حسين عدد مهم من الدراسات شبه العلمية الممجِّدة لدور القبائل. • انطاقًا من حرب الكويت وتمرد الأكراد والعرب الشيعة سنة 1991، حازت القبائل وزعماؤها، بالفعل، اعترافًا رسميًا بأهمية دورهم. وإذا كانت فترة الثمانينيات قد اتسمت بعودة القبائل إلى المسرح
السياسي، فإن ذلك لم يكن ليسمح بعدُ بتأكيد أن الفعل القبلي كان يُهيكل الفضاء العام. أمّا الأكثر
من ذلك، فهو أنه حدث مع هذا الانتقال الرمزي خال فترة التسعينيات، عندما أعلن زعماء القبائل ولاءهم لصدام حسين فأضيفت القبلية إلى إسام مسيس ونزعة عروبية وأمجاد ماضي باد ما بين النهرين، وبهذا صارت القبلية تمثّل الركيزة الرابعة للنظام البعثي. لقد كان تحول «الريس» (صدام حسين) يكمن في كونه صار يقدم القيم القبلية (الشرف والشجاعة... إلخ.) بوصفها تمثّل شرعيًا أحد
مكونات الثقافة القومية العربية العراقية. وتبعًا لذلك، استعادت أهم شخصيات الدولة ألقابها القبلية
(وهو أمر كان محظورًا عليها في السابق). وسمح هذا التراخي باكتشاف كيف عمد عدد كبير من
عناصر الحرس الجمهوري الخاص، ومن مسؤولي الطواقم الأمنية ومن الحراس الشخصيين المقربين من الرئيس الراحل، إلى إضافة لقب «الناصري» إلى أسمائهم (نسبة إلى قبيلة «البو ناصر» التي ينتمي إليها صدام حسين).
القبيلة مع بداية الاحتلال الأميركي (3200 - 2004)
يمكن تلخيص مشروع الأميركيين السياسي الأول عند احتالهم بلدًا من البلدان فيفرض الديمقراطية واللبرالية والتحديث، أي كل ما كان يبدو مناقضًا لأفكار المسبقة التي ترى أن القبيلة تعيش على إيقاع الماضي وبقاياه. رغم ذلك، كان بعض الأصوات داخل الإدارة المدنية والعسكرية الأميركية يؤكد، معتمدًا على آراء بعض الخبراء، ضرورة «المساهمة المفيدة» للقبائل بوصفها عامل استقرار للوضع الميداني، وخاصة في المجال الأمني.
(7) HoshamDawod, «Etatiser les tribus et tribaliserl’Etat,» Esprit , no. 2 (Février 2001), pp. 21-41.
«قَبْيَلة الدولة»: مصطلح مقابل ل «دولنة القبيلة»، والمقصود به إضفاء الطابع القبلي على الدولة وجعلها تابعة للقبيلة. (المترجم)
(8) Dawod,«Tribalism and Power in Iraq».
(((كان أماتزيا بارام، الأستاذ في الجامعة الأميركية بحيفا، قد اقترح على القوات الأميركية أخذ القبائل بعين الاعتبار قائل: «يمكن أن يكون دعم [الجماعات القبلية] مفيدًا جدًا لقوات التحالف أمام تحريض رجال الدين الشيعة المتطرفين وضد الهجمات اليومية
المدبرة من العرب السنّة التواقين إلى النظام البعثي والساخطين بسبب فقدان امتيازاتهم والآملين في عودة صدام إلى السلطة». وهو
يؤكد الانقسامات الداخلية لمختلف المجموعات القبلية؛ الانقسامات التي تعمقت بالتصفيات الجزئية للعناصر المؤثرة تحت حكم
صدام. ويواصل قائلً: «يستطيع بعض الأفراد من فروع تلك الجماعات الغاضبة أن يتصرف بشكل غير متوقع، وذلك بنقل معلومات بشأن أسلحة الدمار الشامل، والتحويات المالية ومخابئ النظام البعثي، أو أي نشاطات أخرى له».انظر: Amatzia Baram, «The
Iraqi Tribes and the Post-Saddam System,» (Iraq Memo; no. 18, Brookings Institution,Washington, DC,8 July 2003).
بعد بضعة أشهر من التردد، لم يأخذ فيها الجيش الأميركي المتغير القبلي بعين الاعتبار، ظهرت القبيلة من جديد، ولكن ليس كأداة حكم تجاوزها الزمن، بل كهيكل اجتماعي وسياسي داعم ضمن الاستراتيجيا العسكرية على الميدان. ومنذ تشرين الثاني/نوفمبر 0032، أي منذ ظهور الصعوبات الحقيقية، أكدت أول وثيقة كتبتها القيادة العسكرية الأميركية في العراق أهمية القوة الكامنة في القبائل ضمن سياسة إعادة البناء، ولكن جاء التأكيد هذه المرة بطريقة مبالغ فيها كما نتبين ذلك في ما يلي:
ينتمي ثاثة أرباع سكان العراق على الأقل إلى واحدة من بين المئة وخمسين قبيلة التي تكوّن
الوطن. ويضم الكثير من القبائل خليطًا من الأديان والأعراق من السنّة إلى الشيعة، ومن الأكراد إلى العرب والفرس، حيث يمكن أن يعود تاريخ هذه القبائل إلى ألف سنة، كما يمكن
أن تكون قد استُحدِثت خال السنوات العشر الأخيرة، وفي حالة حسْن التعامل معها من قِبل
سلطة الائتاف المؤقتة CPA) (وقوات المهمات المشتركة CJTF-17) (، يمكن القبائل العراقية أن تصبح عنصرًا رئيسيًا في تعزيز بيئة آمنة في العراق.
حتى وإنْ كانت الوثيقة تميل إلى تضخيم الانتماء القبلي للسكان العراقيين، فإنها تبيّن أن العسكريين
الأميركيين كانوا قد رصدوا جيدًا الدور الذي يمكن أن تقوم به القبائل إذا وقع النظر إليها كهياكل ذات صبغة سياسية. تتضمّن الوثيقة ما يلي:
إن انتماء فرد ما إلى إرث نَسبي معيّن في مستوى القبيلة، هو في جزء منه عمل سياسي
(...). فادعاء الانتماء إلى نَسب معيّن يجعل الأفراد يصطفون بالضرورة وراء ميثاق سياسي
واستراتيجيا مميزيْن لا يمكن ببساطة أن يكونا على النحو القرابي.
مع نهاية سنة 0032، بدأ الجيش الأميركي يؤثر في القبيلة تأثيرًا جدّيًا، وذلك من دون أن يستطيع
الفاعلون العراقيون المحليون، مثل الأحزاب الإسامية (السنّية والشيعية) أو (الأكراد)، قياس
أهمية هذا التمشي (انظر الملحق). وفي صلب سلطة الائتاف المؤقتة، كُلف المقدم آلان كينغ) King A.، وهو لوثري ( من أرلينغتون بفرجينيا، بإجراء اتصالات مع القبائل والتعريف بهم لدى الصحافة، ثم عُيّن على رأس مكتب لشؤون القبائل سُمّي رسميًا «مكتب توعية الأقاليم»
Office of Provincial Outreach) (. وحاول كينغ بجميع الوسائل تأسيس عاقات تعاون مع أهم
(10) Christopher Alexander, Charles Kyle and William S. McCallister, «The Iraqi Insurgent Movement,» (14 November 2003), p. 1, on the Web: <http://library.nps.navy.mil/home/Iraqi%20Insurgency%20Movement.pdf>.
((1(المصدر نفسه، ص.8 ((1(لوثري: نسبة إلى مذهب مارتن لوثر. (المترجم)
(13) Mohamad Bazzi, «On Their Terms U.S. Soldier Reaches Out to Understand Iraqi Tribal System,» Newsday , 21/12/2003, p. A05;AnniaCiezadlo, «A Scholarly Soldier Steps Inside the World of Iraq’s Potent Tribes,» Christian Science Monitor , 30/12/2003, p. 1;Patrick Graham, «Beyond Fallujah: A Year with the Iraqi Resistance,» Harper’s Magazine (June 2004), pp. 37-49; Gerry J. Gilmore, «Outreach Programs Point Iraqis Toward Road To Democracy,» (American Forces Press Service (AFPS), Washington, DC, 17 February 2004), on the Web:<http://www.dod.gov/news/ Feb2004/n02172004_200402172.html>, andEmily Harris, «Bridging Gap between Iraq, Coalition Authority,»(National Public Radio, 27 June 2004), on the Web: <http://www.npr.org/rundowns/segment.php?wfId=1979668>.
زعماء القبائل في منطقة بغداد، عندما كان في العراق ما بين آذار/مارس 0032 وتموز/يوليو.2004 يقول محمد بازي في هذا الإطار:
توصل كينغ، بعد وقت قصير من وصوله إلى بغداد مع فرقة المشاة الثالثة في بداية نيسان/ أبريل 0032، إلى اقتناع مفاده أنه ينبغي أن يكون شيوخ القبائل مفاتيح لكسب ثقة العراقيين وإعادة بناء الباد؛ فالقبائل العراقية تتجه إلى أن تكون شديدة التدين ووطنية وذات تسليح جيد. بدأ كينغ إذن بحفظ أجزاء كاملة من القرآن، وهو الكتاب المقدس لدى المسلمين، وبتركيز نظام عاقات مع القبائل. كما حصل على نسخة من كتاب ولاية بغداد) Bagdad Wilayat (، وهو دليل لقبائل الباد كانت السلطات البريطانية قد نشرته سنة 1918، إبان احتالها العراق بعد العثمانيين. إن تسمية كينغ الحالية هي «المساعد الخاص لشؤون القبائل والعشائر» بالفرقة رقم 352 للشؤون المدنية، والمهتمة بالتنسيق بين الوحدات المكلفة بالشؤون المدنية في العراق كله، ولكنه يشبه أكثر أستاذًا مُقيمًا ومختصًا بالقبائل. يدوّن كينغ في جهازه «البالم بايلوت» ماحظات عن تاريخ كل قبيلة رئيسية وفروعها، وهو
يقسم ماحظاته بحسب كل قبيلة وعشيرة وفرع وعائلة. كما يسجل ماحظات تتعلق بجموع غفيرة من شيوخ القبائل ونوابهم حتى يتسنى له رصد الشيوخ غير الحقيقين الذين عيّنهم صدام
حسين بدلً من زعماء القبائل الذين كانوا يعارضون النظام البعثي. يقول كينغ: «أدركتُ بسرعة أن للشيوخ مكانة مهمة في المجتمع العراقي» (...) «لم تكن الفكرة تكمن في مراقبة أمراء الحرب وإنما في استغال المعلومة التي يمتلكها الشيوخ لتستفيد الباد». إن أبحاث كينغ - بالإضافة إلى تلك المساحة التي منحها للشيوخ - قد أثمرت نتائج؛ ففي تموز/يوليو 0032 ساعدت الاتصالات بالقبائل كينغ في إلقاء القبض على مزبان خضر هادي، وهو عضو مجلس قيادة الثورة في النظام القديم والمسجل تحت رقم 32 في قائمة الخمسة وخمسين من العراقيين المطلوبين أكثر من غيرهم.
كان هدف عمل كينغ إذن هو تحديد مسؤولي القبائل الذين يمْكنهم مساعدة الجيش الأميركي في
إحال السلم وإعادة البناء، مع الاتجاه نحو التأسيس لمبدأ التمثيل الذي يتناسب مع حجم الأُسَر عند
توزيع الأموال (لتفادي تركز السلطة في أيادٍ تصعب مراقبتها في ما بعد). حينئذ، صارت القبيلة أحد المتغيرات التي يُقرأ لها حساب خال العمليات السياسية، وبرزت - مع
عناصر أخرى كالعِرق والطائفة والحزب السياسي - كعنصر من العناصر التي من خالها تصف سلطات التحالف العراق اجتماعيًا وسياسيًا.
(14) Bazzi, p. A05.
عرفت مسألة اللجوء إلى السلطة القبلية حتى بعض المحاولات التنظيرية؛ ففي بحث قُرِئ ونُشرت نسخ
كثيرة منه على نطاق واسع، كان كين ث بولاكِK. Pollak) (، المسؤول القديم في وكالة الاستخبارات الأميركية في الخليج العربي - الفارسي ومحرّك حرب العراق لوقت طويل، يوصي مع بداية سنة 0042
بالرجوع إلى زعماء القبائل لتهدئة التمرد الآخذ في الامتداد. يقول بولاك: «يجب على التحالف البحث عن سبل تعزيز الاتصالات مع مجتمع القبائل السنّية لتجنب اتهاماتهم وإخماد دعمهم للتمرد». وبالنظر إلى ما يتمتع به زعماء القبائل من قدرات تعبوية وحربية مفترضة، فإنهم كانوا موضع أطماع مختلفة، وحتى متعارضة، بين قوات التحالف (الأميركية - البريطانية) الساعية لتحقيق الأمن، وأشخاص وتشكيات سياسية عراقية ساعية لنيل دعمهم في الميدان لإحداث توازن مع أحزاب سياسية أخرى
منافسة، أو ببساطة كآلةِ تعبئة انتخابية. وقد أشارت شخصيات عراقية عدة منذ سنة 0042 إلى مشروعية أن تصل القبائل إلى مناصب في السلطة على المستوى الوطني، لذلك ضمت الحكومة العراقية الانتقالية الأولى المعَيّنة في 1 تموز/
يوليو 0042 عددًا من الأعضاء المنتمين إلى قبائل مهمة: إضافةً إلى الرئيس غازي الياور (المنتمي
إلى الاتحاد القبلي المتنفذ شمّر)، نجد أيضًا عدنان الجنابي (كاتب الدولة من دون حقيبة) من قبيلة
جنبات، وهو الذي كان أبوه ذا منصب مهم في عهد حكم صدام حسين، ومالك دوهان الحسن (وزير العدل المنتمي إلى الاتحاد القبلي جبور)، وليلى عبد اللطيف (وزيرة العمل المنتمية إلى اتحاد قبائل بني تميم)... إلخ. ومع ذلك، تتشارك هذه الشخصيات كلها في كونها من أصحاب السير الذاتية الافتة لانتباه (دكتوراه، إدارة مؤسسات في الخارج، إجادة لغات عدة، شبكة عاقات واسعة...). إن هذه
المعاينة توضح درجة التحول في شخصية الشيخ؛ إذْ إن المسألة ما عادت متعلقة بالبأس والشجاعة والفروسية والقدرة على الإغارة والغزو، بل صارت متعلقة برأس مال رمزي يجمع بين التقليد والحداثة.
السياسة القبلية للجنرال بتريوس
منذ نهاية حزيران/يونيو 0042 آلت السيادة جزئيًا إلى العراقيين، وتشكلت في الآن نفسه حكومة
وحدة وطنية مؤقتة. وفي تموز/يوليو، عُقد مؤتمر وطني ضم ألف شخصية يُفترَض تمثيلُها للمجتمع
العراقي. كان هذا المؤتمر يشمل نسبة متواضعة من ممثلي القبائل (07 شخصية من ممثّلي القبائل في
مقابل 140 من ممثّلي الأحزاب السياسية و 170 من المثقفين). وبالتوازي مع هذا التطور السياسي
على المستوى الرسمي، عاد العصيان المسلح مجددًا إلى الجزء الأكبر من المنطقة العربية السنّية،
ناهيك عن تحركات بعض الميليشيات الشيعية (التيار الصدري تحديدًا). وقد بذل الجيش الأميركي
منذ النصف الثاني من سنة 0042 جهودًا كبيرة ليتافى توسع هذه الأزمة السياسية - العسكرية،
وحتى يستطيع عقد مفاوضات مع المجموعات القبلية الرئيسية في المثلث السنّي تهدف إلى استعادة
المراقبة على مدن شمال بغداد وغربها من دون اللجوء إلى التدخل العسكري، وهذا ما أجج العصيان الجهادي في الفلوجة بين نيسان/أبريل وتشرين الثاني/نوفمبر 2004.
(15) «The Coalition Provisional Authority (CPA) must Reach out to the Sunni tribal Community, to Eliminate their Sense of Grievance Against the United States and so Quell their Support for the Insurgency» (2004). (16) Ahmed S. Hashim, Insurgency and Counter-Insurgency in Iraq , Crises in World Politics (Ithaca: Cornell University Press, 2006).
هكذا، كانت سنة 005 2 سنة مفصلية في التاريخ العراقي الحديث؛ إذ شُك ل في بغداد، أول مرة منذ قرون، حكم سياسي بهيمنة شيعية ودستور يأخذ في الاعتبار هذا المعطى الجديد بعد المصادقة عليه في الاستفتاء. في الوقت ذاته، وجد السكان العرب السنّة، الذين ما زالوا مذهولين بفعل صدمة
003 2، أنفسَهم مهمَّشين، بل غارقين في أُتون عصيان مسلح يتخذ منحى جهاديًا تصاعديًا. وإزاء عجز القوات المسلحة الحكومية العراقية، وتعثّر التحالف، هرع الأميركيون مجددًا نحو المجموعات القبلية الرئيسية في المثلث السنّي لاستعادة مراقبة المنطقة. برزت هذه الظاهرة بصفة أوضح، مع وصول الجنرال ديفيد بتريوس D. Petraeus) (سنة 2 006 إلى منصب القائد العام للقوات الأميركية في العراق، حيث لم يتردد هذا العسكري، الذي تلقى تكوينًا في التاريخ في جامعة برينستون في تسمية عشرات من الأنثروبولوجيين للعمل معه، ومن بينهم العقيد المتقاعد في الجيش الأسترالي ديفيد كيلكولان (D. Kilcullen) والأنثروبولوجي مونتغمري ماك فيت (M. McFate). لأول مرة منذ حرب فيتنام يُنشئ البنتاغون برنامجًا لإدماج علماء الأنثروبولوجيا في الميدان ضمن الوحدات المقاتلة، ويرصد لأجل ذلك ميزانية تناهز 04 مليون دولار في السنة (برنامج نظام التضاريس البشرية
.) Human Terrain System Programme
((1(لم تاحظ الصحافة ولا المختصون غير دور الجنرال ديفيد بتريوس في العراق (بين سنتي 2006 - 0092)، وهو بالتأكيد دور مؤثر، لكنه ليس الوحيد. خال الفترة نفسها، وإبان وضع استراتيجية «الزيادة»، كان عدد الجنود والموظفين الأميركيين في
العراق قد تجاوز كثيرًا المئة وخمسين ألفًا، زيادةً عن عدة فصائل عسكرية تعود مسؤوليتها إلى قيادات أخرى. وإذا كان الجنرال
بتريوس هو قائد مجموع القوات المسلحة، وهو ما جعله يحظى بحضور إعامي وسياسي بارز، فإن جنرالات آخرين لم يكونوا أقل
شأنًا، لكنهم كانوا يعملون ميدانيًا في صمت. تنسحب هذه الحالة على الجنرال في قوات المارينز جون ألان J. Allen) (، وهو أحد
قادة القوات الأميركية في الأنبار ما بين سنتي 0060082 و 2، وذلك قبل أن يعيَّن في أفغانستان ثم يعود مجددًا إلى باده، ومنذ أن
عيّنته حكومته لم يقطع البتة الصلة ببعض رؤساء القبائل في غرب العراق. وتسميته ما بين أيلول/سبتمبر 0142 وتشرين الأول/أكتوبر
015 2 بصفته ممثّلً شخصيًا للرئيس أوباما على رأس التحالف الدولي ضد «داعش»، كانت، با ريب، استجابةً لخبراته العسكرية
الميدانية، وكانت أيضًا لصلته بالفاعلين القبليين المحليين.
(18) David Kilcullen: The Accidental Guerrilla: Fighting Small Wars in the Midst of a Big One (Oxford; New York: Oxford University Press, 2009), and «Twenty-Eight Articles: Fundamentals of Company-level Counterinsurgency,» Mil- itary Review , vol. 86, no. 3 (May-June 2006), pp.103-108. (19) Montgomery McFate: «Anthropology and Counterinsurgency: The Strange Story of their Curious Relationship,» Military Review , vol. 85, no. 2(March-April 2005), and «The Military Utility of Understanding Adversary Culture,» Joint Force Quarterly (JFQ), no. 38 (July 2005), pp. 42-48. (20) Roberto J. González, ed., Anthropologists in the Public Sphere: Speaking Out on War, Peace, and American Power (Austin: University of Texas Press, 2004); Thomas E. Ricks, Fiasco: The American Military Adventure in Iraq (New York: Penguin Press, 2006); Marshall Sahlins, «Iraq: The State ‐ of ‐ Nature Effect,» Anthropology Today , vol. 27, no. 3 (June 2011); Roberto J. González and David H. Price, «When Anthropologists Become Counter-Insurgents,» (Counter- punch (Website), 28 September 2007); Hugh Gusterson, «Anthropology and Militarism,» in: Annual Review of Anthro- pology (Palo Alto, Calif., AnnualReviews Inc., 2007), pp. 155-175;Jackie Assayag, «L’Anthropologieen guerre: Les Anthropologuessont-ilstous des espions?,» L’Homme , nos. 187-188 (2008), pp. 135-168, et HoshamDawod, «Tribus et armée américaine en Irak,» Le Journal de l’école de Paris du management , no. 88(2011).
فهم الأميركيون، بعد إخفاقات عدة، أن إياء القبائل دورَ الفاعل والمحاور السياسي على المستوى
الوطني لم يكن له معنى عميق (وذلك بغضّ النظر عن مصالح القبائل وولاءاتها على المستوى المحلي) باستثناء تلك القبائل التي تُستخدم بوصفها مرحلةً ما قبل الدولة وتساعد على مراقبة المجال الترابي والاجتماعي مثل: المحافظة على حرمة المقدسات في المناطق الخطرة؛ تسليح الميليشيات الصغرى؛ الاستخبار عبر التسلل إلى الشبكات؛ إقامة العاقات المباشرة بالسلطات المحلية... إلخ. زيادة على ذلك، استغل البنتاغون عبر حركة الصحوات القبلية القبائلَ كشبكات نفوذ محلية في حربها ضد التمرد (من أجل توزيع المساعدات من نوع «كسب القلوب والعقول»)». وكانت هذه السياسة القبَلية تتضمن أيضًا التمويل والدعم والتسليح (الدعم التكتيكي الجوي وتوفير وسائل
الاتصال). لكنْ ترتب عن هذه السياسة شيءٌ من التراخي في مواجهة الجريمة (التهريب المكثف
للبترول خاصة)، وممارسات مشينة، مثل الثأر من أجل الشرف، وهو ما زاد في إرباك السلطة السياسية المركزية الهشة أصا، في حين لم تكن قوات الأمن العراقية تعمل بكامل طاقتها، وكان ترشيد النظام القضائي ما زال يكافح من أجل الاكتمال. ولئن أراد بعض الخبراء المتعجلين تعزيز دور القبائل بوصفها «ضامنة الاستقرار»، فإن الفاعلين الميدانيين وجدوا أنفسهم بسرعة في مواجهة محدودية وتناقضات استراتيجيات محافظة القبائل على السلطة المحلية؛ فقد كانت هذه القبائل براغماتية جدًا ومركِّزة على مصالحها الاقتصادية والسياسية إلى الحد الذي صارت معه متهمة بلعب «الدور المزدوج». وبلغ الأمر ببعض العناصر القبلية إلى
تخريب بنى تحتية ومواقع كانت سابقًا تحت حمايتهم، بذريعة أن هذه البنى التحتية أُزيلت من مجال صاحياتهم. وبالمثل، عملت عناصر قبلية على المشاركة في التمرد، وتجندت في ميليشيات أو في
2(((أنشأ شيوخ قبائل محافظةِ الأنبار حركة الصحوات القبلية انطاقًا من سنة 0052 لمحاربة تنظيم «القاعدة في العراق» بالتنسيق المباشر مع الجيش الأميركي وقوات الأمن العراقية؛ فقد نظرت القبائل إلى تنظيم «القاعدة»بوصفه عامل زعزعة استقرار. بعد استراتيجية «الزيادة» plan «Surge» (حمْلة الجيش الأميركي والقوات الحكومية ضد تنظيم «القاعدة في العراق») ونزع ساح
الميليشيات الشيعية بين سنتي 0060082 و 2، احتُفظ بالصحوات في شمال الباد وغربها لاضطاع بوظيفة ميليشيات مدنية
والقيام بدور المراقبة. وكان تعداد أفراد الصحوات بضع مئات الآلاف في سنة 008 دمج جزء أساسي منهم في القوات المسلحة 2، أُ
العراقية، ووُظِّف العدد الباقي حرسًا، خصوصًا في المنطقة السنّية. في المقابل، مثلت فترة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي إطارًا
لحركة مزدوجة؛ فمن ناحية أُضعفت الصحوات بل حتى أُنهيت، ومن ناحية أخرى سُيّس المتبقي منها ووضِع في خدمة الحكومة.
إن الاعتراف المتنامي بالجيش، والتوترات الطائفية، وتهميش السنّة، والصعود القوي ل «داعش»، كلها عوامل زعزعت الصحوات
بوصفها قوة مناهضة للجهادية.
(22) Department of the Army, U.S. Army Counterinsurgency Handbook (New York, NY: Skyhorse Pub., 2007). (23) Joe Klein, «Operation Last Chance,» Time , 9/7/2007.
(((2 ظهر في الصحافة عدد كبير من الشهادات المتعلقة بتجاوزات القبائل المتعاونة مع القوات الأميركية، انظر، مثا: Peter
Graff, «Harsh Justice where U.S. Relies on Iraq Tribes,» Washington Post , 4/9/2007, on the Web: <http://www. washingtonpost.com/wp-dyn/content/article/2007/09/04/AR2007090400353.html>.
(((2 إنهم الخبراء أنفسهم الذين دعَوْا إلى مزيد من إضفاء الطابع القبلي على العاقات السياسية في الشرق الأوسط برمّته، مثل
الإسرائيلي أماتزيا بارام الذي يقول: «إذا حافظت الحكومة المركزية في بغداد على مجموعة جيدة من الخبراء في الشأن القبلي، فستكون لها حظوظ وافرة لاستخدام النظام القبلي في دعم الاستقرار الاجتماعي في المنطقة الريفية، والمحافظة على وحدة الباد. أمّا إذا حاولت خاف ذلك، وتجاهلت القبائل وفككت نظامها، فإن هذا سيؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار والصراعات المسلحة».
Baram, «The Iraqi Tribes,» on the Web: <http://www.brookings.edu/views/op-ed/fellows/baram20030708.htm>. انظر:
نشاطات إرهابية. ولكي يحيط الجيش الأميركي بهذه التحركات، أنشأ كثيرًا من شبكات التأثير والفعل
بين قطاعات معيّنة من السكان، وذلك توازيًا مع مبادرات أخرى ل«الالتزام» متجهةٍ نحو الأعيان، كرجال
الأعمال والضباط المتقاعدين والزعماء الدينيين وزعماء الأحياء والقرى (المخاتير) والمنتخبين... إلخ. بدا واضحًا أن الاتصال بشيخ القبيلة ليس وحده الأكثر فعالية لإعادة بسط النظام على الميدان، بل
ربما يكون، في أحيان أخرى، نتاج عاقة يمكن عقدُها مع أئمة المساجد أو المخاتير. وفي هذا الصدد، بيّنت الحصيلة العامة لحركة الصحوات القبلية على الصعيد غير الأمني (أي على الصعيد
الاجتماعي أو على صعيد إعادة البناء) هي أنها ظلت ملتبسة. في الواقع، كان في محافظة الأنبار رفض لتنظيم «القاعدة» وأيديولوجيته وممارساته، فضا عن التأثير السلبي للتمرد في النشاطات التجارية (القانونية وغير القانونية)، وهو التأثير الذي أسس لتحالف القبائل مع الجيش الأميركي. وقد أشار الجنرال بتريوس إلى أنه كان لعشائر الأنبار «شركة نقل، شركة مقاولات البناء، شركة أشغال عامة وشركة استيراد وتصدير». وقدمت شركات عدة إلى الجنرال استنتاجًا مفاده أن «تنظيم القاعدة لم يكن
جيدًا في مجال الأعمال». بعبارة أخرى، لم يكن التحالف مع القبائل، رغم ضرورته، حاسمًا وحده
كي يقلص المعارك ويضمن تأمينًا كافيًا للمواقع الإدارية والعسكرية والاقتصادية في الباد. وبالنتيجة
ظلت المشاركة الأمنية للقبائل محدودة على وجه العموم. ثبت الاقتناع بمحدودية الصحوات القبلية مع الاستراتيجيا الأميركية بالترفيع في عدد الميليشيات المدنية « المواطنون المحليون المعنيون » CLC) (التي تضم عددًا كبيرًا من المتمردين السابقين، والشبان
العاطلين من العمل، والجنود السابقين من الجيش المنحل، وحتى من مجرمين سابقين، إذ انضوى إلى تلك الميليشيات في المجمل ما يناهز 103.000 شخص (هؤلاء دفعت لهم القيادة الأميركية
Michael Eisenstadt, «Iraq: Tribal Engagement Lessons Learned,» Military Review , vol. 87, no. 5 (September- انظر:(2((October 2007).
وكذلك التقرير عن عملية Alljah في الفلّوجة الذي تقدم به المقدَّم وليام ف. مولن، قائد الكتيبة الثانية، فوج المارينز السادس:
«بالنسبة إلى الصحوة، وهي مسألة قبلية، فإن لدى القبائل القليل من النفوذ في الفلوجة بسبب الاختاط الكبير للسكان».
in: Herschel Smith, «Operation Alljah and the Marines of 2nd Battalion, 6th Regiment,» (Captainsjournal.com (Website), 22 August 2007), on the Web:<http://www.captainsjournal.com/2007/08/22/operation-alljah-and-the-ma- rines-of-2nd-battalion-6th-regiment/>, and see: Herschel Smith, «The Special Forces Plan for Pakistan: Mistaking the Anbar Narrative,» (Captainsjournal.com, 26 November 2007), on the Web:http://www.captainsjournal.com/2007/11/26/ the-special-forces-plan-for-pakistan-mistaking-the-anbar-narrative/.
عاوة على ذلك، وضِعت موضع الشك الفكرة القائلة بأن تجربة الصحوات يمكن أن تكون مفيدة في المنطقة القبلية الباكستانية.
وقدمت صحيفة نيويورك تايمز تقريرًا «سريًا» لوزارة الدفاع تتوقع فيه إرسال قوات أميركية خاصة لتنظيم القبائل في وزيرستان في إطار
الحرب على حركة طالبان وتنظيم «القاعدة» (350 مليون دولار على مدى سنوات عدة لتعزيز الجسم القبلي الحدودي ب 85 ألف رجل). غير أن القبائل في هذه المنطقة كانت منخرطة منذ فترة طويلة في عقد التحالفات وفكها بصفة متكررة مع الجهات الباكستانية ومع المقاتلين التابعين لطالبان و«القاعدة». وعلى عكس العراقيين في الأنبار، فإن هذه القبائل تميل إلى تبنّي أصولية من النوع
Bill Roggio, «The Pakistan Problem and the Wrong Solution,» Weekly Standard (20 November 2007),:السلفي. انظر on the Web:<http://www.weeklystandard.com/Content/Public/Articles/000/000/014/383wutvv.asp>, and Eric Schmitt, Mark Mazzetti and Carlotta Gall, «U.S. Hopes to Use Pakistani Tribes Against Al Qaeda,» New York Times , 19/11/2007, on the Web:<http://www.nytimes.com>. (27) Eisenstadt, «Iraq».
مباشرة 10 دولارات في اليوم حتى تاريخ كانون الثاني/يناير 009.)2 وكانت مجالس الصحوات والميليشيات المدنية متمركزة جغرافيًا في منطقة تطوق بغداد وفي محافظة الأنبار، وكانت تجمع
الغالبية العظمى من العرب السنّة (حوالى 80 في المئة). هؤلاء كانوا محتجزين في « مجتمعات مغلقة » أنشأها التحالف باستخدام الحواجز والجدران المشيدة من أكياس الرمل والخرسانة، وبالاعتماد على علم الإحصاء الحيوي. ههنا، كان المُراد من الحل المتمثّل في تطويق المدن والأحياء بالجدران هو
إحال التهدئة، ولا يمكن أن يُقرأ على أنه إجراء للمصالحة. هذا عاوة على أن هذا الحل ساهم
في تفتيت المجال عبر خلق حواجز في الأذهان؛ فالعرب السنّة كانوا يخشَوْن الوقوع ضحايا العنف
والاحتواء الاقتصادي عندما تنسحب فرق الجيش الأميركي. أمّا الشيعة، فكانوا يتصورون الأحياء
والمدن السنّية أماكن مرجعية لإرهابيين السلفيين. لذلك، قدّم الجيش الأميركي المجالس القبلية وميليشيا «المواطنون المحليون المعنيون » على أنها تدابير حقيقية لاستتباب الأمن المحلي، وحماية البنى التحتية الهشة، وإنشاء منظومة اتصال وجمعٍ للمعلومات من الأفراد المحليين. لكن تطبيق هذه التدابير على أرض الواقع كان عملية صعبة، خصوصًا مع الانسحاب الأميركي من العراق، وذلك
لأسباب عدة، منها أن النظام في بغداد في عهد المالكي كان ميالً إلى مركزة الحكم، وكان يرفض تفويض السلطة على مستوى المناطق، ولا يسمح بتقاسم تسيير الدولة مع شخص آخر. ومنها أيضًا غياب حوار وطني حقيقي، وتفشي النزاعات ليس في العراق فقط وإنما في المنطقة كلها (خصوصًا
مع اندلاع التمرد السوري في آذار/مارس 011.)2 هذه الأسباب وغيرها، هي التي عرقلتْ وجود هذه المنظمات.
قبائل سنية عراقية: من «القاعدة» إلى «داعش»
أفضى انسحاب القوات الأميركية من العراق انسحابًا عاجلً وكاملً في كانون الأول/ديسمبر 2 011
إلى ديناميتين متعارضتين: فمن جهة، أعطى ذلك حكم المالكي دفعًا تسلطيًا وقمعيًا، ومن جهة
أخرى، أجج حركةَ احتجاجٍ متنامية - وخاصة في المناطق العربية السنّية - ومقترنة بتهميش القوى السياسية السنّية، وهو ما جعلها تعود لانضمام إلى «القاعدة» المتحولة في تلك الأثناء إلى «داعش». هذه العودة الجهادية أحدثت تقسيمًا عميقًا في صفوف القبائل العربية ذات الأغلبية السنّية: فإمّا
التخلي عن الاحتجاج لمصلحة التعاون مع قوى الأمن التابعة لحكومة المالكي، ومن ثم رسم إمكانية الصحوة الثانية (في انتظار أن تتحول إلى «حرس وطني»)، وإمّا الانضمام إلى المسلحين السنّة الذين
يمثّلهم «داعش» اليومَ بشكل واسع. هناك فقط بعض القبائل المنضمة إلى «داعش»، وهي في الأساس
القبائل التي لم تقبل فعليًا سلطة بغداد منذ سنة 0032 (آل كرابلة، آل جُميْات، آل سلمان، أبو عُبيد،
أبو بالي، آل الحابسة، البو عيسى في منطقة الأنبار، آل بوعجيل، آل بوناصر في منطقة صاح الدين، آل تيوت، آل جمداني في منطقة نينوى... إلخ.).
(28) Hosham Dawod, «Les Réactions irakiennes à la crise syrienne,» dans: François Burgat et Bruno Paoli, dirs., Pas de printemps pour la Syrie: Les Clés pour comprendre les acteurs et les défis de la crise, 2011-2013 , Cahiers libres (Paris: La Découverte, 2013).
عاش أفراد هذه القبائل الغزو الأميركي والتفكك السياسي اللذيْن حدثا سنة 0032 وأوصا الشيعة
والأكراد إلى السلطة باعتبارهما خسارة للسلطة، ونهاية للوصول السهل إلى امتيازات الدولة، وحرمانًا من موقع سياسي ورمزي مهم. وسرعان ما شجع هذا العقاب على انضمام عدد وافر من أفراد القبائل إلى «داعش» إلى الحد الذي جعلهم يمثّلون اليوم جزءًا مهمًا من قاعدته العسكرية والأمنية، وحتى
السياسية. على هذا النحو انزلقت هذه المجموعات من بَعثية مُدَوْلنة وتسلطية إلى جهادية راديكالية
سنّية - عربية. تجدر الإشارة إلى أن مواقف القبائل المعادية للدولة أبعد من أن تكون متجانسة؛ فهناك فصيل متطرف التحق بالمجلس العسكري للقبائل المتمردة التي تجمع الحركات المسلحة القديمة، كان يقاتل إلى جانب «داعش» في الأنبار ونينوى في محافظة صاح الدين وأيضًا في ديالا ومنطقة كركوك. وفي المقابل، هناك مجموعة من القبائل السنّية الأخرى التي تواصل تقديم نفسها على أنها منفتحة
على التفاوض مع الدولة المركزية، مستفيدةً ومدعومةً من التحالف الدولي، وخاصة من الولايات المتحدة الأميركية؛ فهي لم تقاتل إلى جانب «داعش». ومنذ مغادرة المالكي منصب رئيس الحكومة (آب/أغسطس 0142)، تطلع أعضاؤها إلى دور الداعم للكفاح ضد التمرد ولإعادة الاندماج ضمن قوات الأمن (الحرس الوطني المستقبلي). من المعروف جيدًا أن «المجالس القبلية» كيانات متفرقة وغير متجانسة، تشقها تيارات وديناميات متطورة. وباستثناء الأنبار، حيث يظل الفعل القبلي فيها راسخًا اجتماعيًا، يبقى دور العشائر في
محافظات أخرى ذات الأغلبية السنية متقلبًا؛ ففي نينوى، تُواصل الدوائر الدينية والأعيان المحليون
والأُسر الكبيرة القيام بدور مهم. أمّا في محافظة صاح الدين، فإن القائمة القديمة المتحولة هي التي
تقع في قلب الدينامية السياسية من دون تهميش تام لدور بعض القبائل (اتحاد آل الجبور تحديدًا) التي قبلت التحالف مع بغداد ضد «داعش».
خاتمة
بعد هذا التحليل الموجز، ماذا يمكن استخاصه بشأن الواقع القبلي في العراق وفي هذا الجزء من العالم؟ في نظر السلطات السياسية والعسكرية، وكذلك التحالف الدولي (وخاصة الولايات
(2((فَقدَ أعضاء هذا المجلس منذ أشهر القوة أمام «داعش». أهم هذه المجموعات المسلحة هي:
- كتائب ثورة العشرين، التي شكّلها في سنة 0032 ضباط سابقون في جيش صدام حسين. تم تعريفها على أنها جماعات إسامية قومية. - جيش النقشبندية الذي أنشأه في سنة 0032 عزت إبراهيم الدوري، اليد اليمنى لصدام حسين، ويتألف من الضباط السابقين
والبعثيين، وله بُعد ديني صوفي (وصار مؤخرًا فصيل سلفيًا). وربما هو مصدر تسلل القوات المسلحة في المناطق السنّية، وكان له
دور في «هزيمة» القوات المسلحة في الموصل. وقد ضعف، ويشاع بين وقت وآخر نبأ موت زعيمه الدوري.
- الجيش الإسامي، الذي أنشئ في سنة 0032، هو بالأحرى إسامي - قومي، مع أساسٍ قبلي، يقوده الشيخ إسماعيل الجبوري. - جيش الراشدين، تكوّن في سنة 0032، وهو تنظيم قومي، أو بالأحرى عروبي، يضم عناصر النظام السابق (الفدائيين.)
- حماس العراق، وهي ولدت من رحم كتائب ثورة العشرين، شكّلها السلفيون الجهاديون في سنة.2007
المتحدة)، لا تزال القبيلة فاعلً محليًا مفيدًا، أو على العكس عامل زعزعة لاستقرار للنظام المحلي.
ولكي تثبت القبائل ذاتها كفاعل، فإنها تحتاج اليوم إلى دعم الدولة عندما تكون هذه الأخيرة متمتعة
بحضور وتفوّق، وإلّ فإن من الممكن أن تستند إلى قوى أخرى في المنطقة، وربما إلى الدول الغربية
مباشرة، مثل الولايات المتحدة. وإذا كانت القبائل تحتاج ماديًا إلى مساعدة قوى خارجية، فإن إعادة إنتاج سلطتها تتم وفق معايير
وقوانين محلية. هذه النقطة بالذات، التي لم تستوعبها المنظمات الجهادية مثل تنظيم «القاعدة في العراق»، بين سنتي 0040102 و.2 ومن المفيد هنا التذكير مرة أخرى بمثال محافظة الأنبار، حيث نجحت نسبيًا استراتيجية الجنرالين الأميركيين ديفيد بتريوس وجون ألين في 2006 - 0092؛ فقد
أدركا أن أي أمير جهادي يحاول دائمًا فرض نفسه باسم إسام مجرد، مجمَل، متصلب وراديكالي.
فبالنسبة إلى هذا الأمير، لم يكن السكان المحليون يمثلون إلّ جزءًا من الأمة التي يستوجب عليه
دعوتها إلى سبيل الله، أي الله كما يراه هو، بينما يتعلق الأمر بالنسبة إلى شيخ القبيلة بالشرعية على الرغم من تأكّل سلطته؛ هذه الشرعية التي كان يستمدها من قاعدته الاجتماعية والثقافية
والسياسية ومن عاقاته مع الدولة المركزية وما وراءها. حينئذٍ، ما عاد هناك إمكانية لتجنب صراع حاد حول المصالح والشرعية بين القبائل العربية السنّية في غرب العراق والإساميين الراديكاليين
من صنف «القاعدة». إزاء هذا الخطأ الجسيم الذي ارتكبه تنظيم «القاعدة» في عاقته بالقبائل، عمل تنظيم «داعش» على تجنّبه أو على الأقل الحد من تأثيراته. هناك دائمًا تناقض بين تنظيم مستلهَم
من مبادئ عامة ومرتكز على شبكات عمودية، ومجموعات محلية كالقبيلة. وعلى خاف «القاعدة»، فإن «داعش» تنظيم يستفيد من المساهمة الجهادية العالمية، مع المحافظة على انغراسٍ إقليمي يسمح بوجود جزء كبير من الجهاديين المحليين في مراكز القيادة. انطاقًا من هذا المعطى الأساسي، يسعى «داعش» أكثر من تنظيم «القاعدة» إلى الحفاظ على شكل من أشكال الاتفاق مع بعض القبائل، وخاصة منها تلك المعادية للسلطة. أمّا بالنسبة إلى القبائل
الأخرى التي قبلت الحكومة المركزية والولايات المتحدة بصفة أعم، فإن «داعش» يفرض عليها حياة قاسية. ضمن هذا السباق نحو القبيلة التي ضعفت أصا، فإن الحكومة الفدرالية والتحالف الدولي هما اللذان ينطلقان بحظوظ أوفر بالنظر إلى ما يتوافر لديهما من وسائل، ومن قدرة على توزيع الامتيازات، ومن إمكانية لتفويض جزء من الإدارة المحلية.