تقرير عن الندوة الدولية حول
Report on the international symposium «Religion and Religiosity in the Islamic Sciences and the Social Sciences»
الملخّص
على مدى يومين كاملين (25 -26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015)، عقدت الكلية المتعددة الـتـخـصـصـات فـي الـنـاظـور، بشراكة مع المجلس العلمي المحلي لمدينة الناظور وجـامـعـة محمد الأول في وجدة والرابطة المحمدية لعلماء المغرب، ندوة دولية حول موضوع "الدين والتدين: بين العلوم الإسلامية والعلوم الاجتماعية".
Abstract
** Teacher of Philosophy to Baccalaureate students in Morocco’s secondary schools, and carries out research in the social sciences.
- الدين
- التدين
- العلوم الاجتماعية
- العلوم الإسلامية
- ندوة علمية
«الدينوالتدين: بين العلوم الإ سلامية
على مدى يومين كاملين (-25 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015)، عقدت الكلية المتعددة التخصصات في الناظور، بشراكة مع المجلس العلمي المحلي لمدينة الناظور وجامعة محمد الأول في وجدة والرابطة المحمدية لعلماء المغرب، ندوة دولية حول موضوع «الدين والتدين: بين العلوم الإسامية والعلوم لاجتماعية» في رحاب الكلية المتعددة التخصصات في الناظور، شارك في أشغالها أكثر من خمسة وعشرين باحثًا وخبيرًا في العلوم الإسامية والعلوم لاجتماعية، جاءوا من دول عربية وأجنبية (إسبانيا والجزائر والمغرب..)، وقدموا أوراقهم العلمية وتعليقاتهم النقدية عبر أربع جلسات أعقبتها جلسة ختامية حاولت صوغ مجموعة من التوصيات العلمية التي تصب في رهان التكامل بين مختلف العلوم والتخصصات الفاعلية في دراسة الظاهرة التدينية المعاصرة. إن أهمية هذه الندوة لا تكمن في موضوعها فقط، أي العاقة الجدلية بين الدين والتدين في العلوم الإنسانية المعاصرة ومسلسل التغيرات والتحولات التي يشهدها العالم عامة، والدول العربية خاصة، وإنما تكمن أيضًا في ثقل الباحثين والأساتذة المشاركين الذين أتوا من جامعات ومراكز بحثية عربية وأجنبية، لتقديم تجاربهم العلمية ومناقشة أفكارهم النقدية في فضاء ينتصر للغة العلم والموضوعية من جهة، ويجسد من جهة أخرى، وبشكل فعال، دور الجامعة في تعزيز وعي الوحدة الفكرية والعلمية العربية والإنسانية.
عقدت الندوة على أساس بعض الأفكار والتوجيهات التأطيرية التي تدور حول تشعب أنماط التدين في العالم العربي والإسامي (تديّن رسمي، شعبي، سلفي/حركي، راديكالي، فردي، جماعي)... وطرق دراسة الظاهرة الدينية ومناهجها وتقنياتها في إطار العلوم لاجتماعية. والدين لم يعد ظاهرة شعائرية مقترنة بالعلوم الدينية (Les sciences religieuses)، بل أضحى ظاهرة إنسانية واجتماعية هي بالضرورة محط دراسة علمية من طرف مختلف العلوم والحقول المعرفية (خاصة العلوم لاجتماعية). غير أن سيادة الوصاية الفقهية والمذهبية على الدين ساهمت في تحوير النقاش وإكسابه الصفة الأيديولوجية في تناس تام لكون العلوم لاجتماعية لا تدرس الدين كمعتقد (النسق المعياري) بل تركز على دراسة التدين كممارسة (النسق البراكسيولوجي). هناك إجماع شبه تام بين علماء لاجتماع على التمييز بين سوسيولوجيا الأديان (la sociologie des religions) كدراسة علمية موضوعية للتدين والممارسات الدينية باعتبارها إنتاجًا اجتماعيًا، والسوسيولوجيا الدينية (la sociologie religieuse) التي أنتجتها الكنيسة الكاثوليكية لدعم مصالحها السياسية ولاجتماعية (ما يجد صداه في الدعوة إلى سوسيولوجيا إسامية مبتورة من السياق التاريخي لنشأة العلم لاجتماعي العالمي.) إن المجتمعات والبنى الموضوعية والذهنية العربية والإسامية منخرطة بدورها في هذه النقاشات الإبستيمولوجية في خضم الأحداث العالمية الراهنة (خاصة أحداث باريس الأخيرة)، حيث ط رح من جديد سؤال تعدد الممارسات الدينية والتدينية وتشعبها في العالم العربي والإسامي، وما ينجم عن ذلك من ارتفاع نسب التطرف الديني من جهة والإساموفوبيا من جهة أخرى. لقد أعادت الأحداث الأخيرة تذكير علماء لاجتماع بالقوة لاجتماعية الكامنة للمعتقدات الدينية، وقدرتها على توجيه السياسات والأحداث العالمية والتأثير فيها والتأثر بها؛ ففي غمرة ارتفاع نسب المهاجرين والجوالي العربية والإسامية في الدول الغربية، لم يعد سؤال الدمج والإدماج مقترنًا بالبعد السياسي ولاجتماعي والثقافي فحسب، بل بالبنية الدينية أيضًا. إن تفاقم مظاهر التعصب والتطرف والعنصرية، التي تطبع العاقة بين المهاجرين والسكان الأصليين، دفع بالخبراء نحو التشديد على ضرورة تجاوز المقاربة الأمنية، والبحث عن صيغ توافقية للمصالحة بين الأديان العالمية كمدخل أساسي للقضاء على أشكال التطرف والإرهاب وأنواعهما المختلفة.
تركزت أعمال الندوة على أربعة محاور رئيسية: المحور الأول: الدين والتدين: رؤية شرعية. المحور الثاني: الدين والتدين في اللغة والنقد. المحور الثالث: مقاربات قانونية وسياسية للتدين. المحور الرابع: الدين والتدين مقاربة سوسيولوجية.
لا يمكن اختزال الأوراق التي قُدمت في الندوة – على أهميتها - في الحيّز الضيق الذي يُخصص عادة لكتابة مثل هذه التقارير العلمية، ومع ذلك سنحاول في ما يلي تقديم مجموعة من الماحظات الإبستيمولوجية والنقدية حول بعض الأوراق التي شدت لانتباه، بما يخدم رهان الندوة المتمثّل في تجديد الحوار بين العلوم الإسامية والعلوم لاجتماعية في دراسة الظاهرة التدينية المعاصرة بشكل عام، من دون الوقوف عند التفصيات. أولً: تعددت المقاربات المعرفية وزوايا النظر الإبستيمولوجية، وتنوعت النقاط والقضايا المثارة، وتجاوزت النسق لانغاقي للتخصصات المعرفية في اتجاه تجديد الحوار بين العلوم لاجتماعية والإنسانية من منطلق لانفتاح على المقاربات المتعددة والمتداخلة التخصصات، وهذا هو المنحى العام والطبيعي الذي سعت الندوة لتقديمه في إطار البحث عن المركّب والمعقّد في الظاهرة الدينية والتدينية المعاصرة. جاءت الأوراق المختلفة، والمقدَّمة في صورة نظرية خالصة – مع بعض لاستثناءات، متماشية ورهان التجديد المعرفي للعلوم لاجتماعية والتكامل الإبستيمولوجي بين الإشكالي والمفهومي في البناء النسقي للمتن العلمي. ثانيًا: اهتمت أوراق الجلسة الأولى بالجانب الشرعي والعقدي- الإسامي للظاهرة الدينية، من دون أن تستطيع تقديم وجهات نظرية علمية وموضوعية تخدم الرهان العام لتجديد الحوار بين العلوم لاجتماعية والعلوم الإسامية في دراسة الظاهرة التدينية. وسعت نحو تأكيد أهمية الدين في حياة الإنسان، وتأصيل النزوع الإنساني نحو التوحيد والتعبد الخالص في ظل سؤال ترشيد الحياة والقيم والأخاقيات الإنسانية، وهو الأمر الذي يفسر عمق الأزمة التي تعيشها العلوم الدينية العربية - الإسامية المعاصرة، والمرتبطة ب لانغاق على الذات العقدية المتعالية، ونسيان الإنتاجية لاجتماعية والثقافية للتدين كسلوكات وممارسات موضوعية وذهنية تحتاج إلى تكامل العلوم الإنسانية المختلفة للكشف عن مكنوناتها الوجودية وفهم حركياتها الزمانية والمجالية، في ظل سياق عالمي متغير ومتصف بالصراع الخفي – والظاهر – بين أنماط التدين لاجتماعي والإنساني داخل المعتقد نفسه وبين مختلف الديانات. ثالثًا: حملت معظم الأوراق المقدمة نسقًا خاصًا من القراءة المعتقدية للوقائع والظواهر لاجتماعية والإنسانية المقترنة بالتدين الإنساني المعاصر. وتلك نتيجة طبيعة لمحاولة القطيعة بين العلوم لاجتماعية والعلوم الإنسانية والدينية، وربط الدين بالمعتقد والتدين بالخروج أو لالتزام بالمعتقد الخالص. لكن جل المداخات السوسيولوجية حاولت التنبيه إلى هذا الخلط الإبسيتمولوجي بين الدين والتدين وبين «المعتقد» و« لاعتقاد»: تسعى العلوم لاجتماعية نحو دراسة الظاهرة الدينية بما لها وفيها، أي كإنتاج اجتماعي، ثقافي، سياسي... وإنساني بالضرورة، مقرون بسلوكات وممارسات يُنظر إليها بحياد موضوعي على أنها «تدين» مهما يكن ارتباطها أو انزياحها عن المعتقد، في حين أن سؤال المعتقد الديني كإنتاج إلهي أو طوطمي... باعتباره مقدسًا جماعيًا واجتماعيًا بصورة قطعية ونهائية، يظل محط رهان دراسة وتحليل ومقارنة مرتبطة بالعلوم الدينية.
رابعًا: إن ما ميز هذه الندوة، إضافة إلى المحاولات المختلفة لإقحام سؤال تجديد الحوار بين الإنسانيات ولاجتماعيات في دراسة التدين الإنساني، هو لانفتاح على وجهات نظر علمية مختلفة (لسانيات، قانون، علوم سياسية، علم لاجتماع، علوم إسامية، أدب...) بغية إتاحة الفرصة لمختلف التخصصات المعرفية المعاصرة كي تقارب إشكالية الدين والتدين، في إطار خدمة رهان العلمية والموضوعية المنشودة في عصرنا العالمي. خامسًا: من بين الأبحاث المقدمة، كان هناك ثاثة أبحاث مؤسَّسة على أسئلة إبستيمولوجية رئيسية: كيف نفصل بين الدين والتدين في العلوم لاجتماعية المعاصرة؟ وكيف يمكن دراسة المعتقدات الدينية من دون التأثير والتأثر بالمعتقد نفسه؟ وإلى أي حد يمكن رصد الصورة العامة العالمية للعاقة بين الدين والتدين من جهة والأديان الإنسانية من جهة أخرى؟ - قدم عالم لاجتماع الإسبانيِخوان سيباستيان (Sebastian Juan) – أستاذ السوسيولوجيا في جامعة ألميريا - ورقة تحت عنوان «الواقع: اتجاهات وقيم الديانات في العالم»، وحاول من خال الورقة تسليط الضوء على واقع لاتجاهات الدينية الإنسانية في العالم من خال نماذج مختلفة (مسيحية، إسامية...) ونطاقات مجالية متعددة (أوروبا، أميركا الاتينية...). وما يعرف عن المدرسة السوسيولوجية الإسبانية هو استفادتها من السجال الإبستيمولوجي (الفرنسي - الألماني - الأميركي) حول جدلية الكم والكيف في الأبحاث والدراسات لاجتماعية، وتطويرها لمقاربات شمولية ومتعددة المنطلقات المنهجية تصب في رهان تجديد الحوار بين مختلف العلوم والمعارف الإنسانية في دراسة الظواهر المتنوعة. وبما أن العودة إلى الأصول أصبحت مطلبًا علميًا ومنهجيًا لتجاوز الأزمات المختلفة التي تعترض العلوم لاجتماعية المعاصرة، سعى سيباستيان نحو ربط التراث التفهمي (ماكس فيبر) لدراسة الظاهرة الدينية بالمستجدات الواقعية والميدانية المعاصرة، في إطار المزاوجة بين الكم والكيف في دراسة التدين الإنساني في صورته العالمية. إن تكامل عدة الباحث المنهجية والتقنية مك نه من تجاوز المنطلق الكاسيكي للتمييز بين الدين والتدين، ولانتصار لفكرة دراسة المعتقد من خارج المعتقد نفسه، والتدين من خارج الدين نفسه، باعتباره السبيل الوحيد لفهم الصراعات الدينية المعاصرة وتفسيرها، وإمكانية التنبؤ بمستقبل الدين العالمي عامة، والدين المسيحي والإسامي خاصة. - عرض محمد عبد الله فرنانديث– أستاذ العلوم لاجتماعية في جامعة غرناطة بإسبانيا - مداخلة من نوع خاص: دراسة سوسيولوجية بشأن سؤال الهوية ولانتماء لدى المسلمين الإسبان في منطقة الأندلس في الفترة المعاصرة، وتجربة شخصية وخاصة لاعتناق الإسام وبناء الهوية في ظل لاختاف ولاستبعاد لاجتماعي والثقافي من جانب الطرفين [الإسبان والعرب]. جاءت الورقة تحت عنوان «مسلمي أندلس القرن الواحد والعشرين وشهادة حية لاعتناق الإسام»، سعى من خالها الباحث نحو توظيف المعرفة العلمية لمعالجة سؤال الهوية ولانتماء لدى الأفراد الإسبانيين المعتنقين الديانة الإسامية خال القرن المعاصر، في إطار لانفتاح على المعيش كسند للباحث لاجتماعي ومخبر لكل ما هو ميكرو - سوسيولوجي. لم يقدم الباحث تجربته الخاصة في اعتناق الإسام وفقدان الهوية ولانتماء المحلي والعالمي الذي يعانيه، بغية لانغاق وراء الذاتوية المعتقدية، وإنما سعيًا
منه نحو إعادة طرح السؤال الكاسيكي في صورة معاصرة: ما الحدود بين الدين والتدين بالنسبة إلى الباحث - الإنسان؟ إنها قضية إبستيمولوجية جوهرية في العلوم لاجتماعية المعاصرة، ط رحت بإلحاح في إطار الحديث عن أزمة المنهج المعاصر. لذلك يمكن اعتبار هذا النهج الجديد من إشراك الذاتي في الموضوعي (في إطار بين- ذاتي) رهانًا إبستيمولوجيًا لاختراق منطق الظواهر التابو داخل المجمعات الإنسانية من جهة، وتمرين الباحث على إعادة إنتاج ذاته العالمة الخالصة من جهة أخرى. - انطلق محمد الإدريسي (أستاذ الفلسفة – المغرب) في مداخلة تحت عنوان «سوسيولوجيا الدين أم سوسيولوجيا المعتقدات الدينية؟ نحو تجديد الحوار المتداخل التخصصات بين العلوم لاجتماعية في دراسة الظاهرة التدينية المعاصرة» من سؤال إبستيمولوجي أعيد إحياؤه بإلحاح شديد ضمن علم لاجتماع الديني الفرنسي الجديد: كيف يمكن دراسة المعتقدات الدينية، من منظور سوسيولوجي، في إطار مقاربة متعددة ومتداخلة التخصصات؟ حاول الباحث الغوص بالحاضرين في رحلة زمنية قصيرة نحو ما يروج في أروقة «الجماعات السوسيولوجية الفرنسية الجديدة»، في ارتباط بالظاهرة التدينية المعاصرة. إذا اتفقنا على أن المعقدات الدينية متعددة، متعارضة، مختلفة وأيضًا متداخلة الأبعاد، فإن دراستها وموضعتها تحتاجان إلى تجديد الحوار المتداخل التخصصات في دراسة الظاهرة الدينية المعاصرة، ليس فقط بين العلوم لاجتماعية بل بين مختلف العلوم الإنسانية الأخرى أيضًا. ولا يمكن لعالم لاجتماع الذي يرى أن قوة المعتقدات الدينية بدأت تضعف أو تتجه نحو النسق الدهراني أو المدني، أو أن نسبة المعتقدين المسيحيين في تراجع في مقابل تزايد عدد المعتقدين المسلمين، أن يدرك عمق الظاهرة التدينية ولاعتقادية، بل يساهم في إنتاج «اعتقاد» (DOXA) بأن السوسيولوجيا عاجزة عن فهم الظاهرة الدينية وتفسيرها وإمكانية التنبؤ بتحولاتها وتغيراتها. ولا يتعلق الأمر بمحاولة تكميم «تديين» (الدين) أو مهننته أو تكييف السوسيولوجيا في إطار لانفتاح على المعتقدات الدينية، بقدر ما هو دعوة صريحة إلى البحث عن سبل إحياء مقاربة السوسيولوجيا ل دأأيان من خارج الأديان، والمعتقدات الدينية من خارج المعتقدات نفسها، لكن على خطى مختلف العلوم الفاعلة في مجال دراسة الظاهرة التدينية في شكلها المعاصر – الأنثروبولوجيا، الإثنولوجيا، التاريخ، العلوم النفسية، الفلسفة.... - ضمن مقاربة متعددة ومتداخلة التخصصات. تقودنا هذه المداخات إلى طرح أسئلة إشكالية مشروعة من الناحية الإبستيمولوجية: كيف تُنتج المعتقدات الدينية المجتمع نفسه، وما أنواع الروابط التي تولدها؟ وهل هذه الروابط السوسيو دينية بين مختلف الديانات من طبيعة واحدة وبراديغم واحد؟ ثم، كيف تُساهم سوسيولوجيا المعتقدات الدينية والعلوم لاجتماعية والعلوم الإنسانية والإسامية في رصد التنوع ولاختاف المعتقدي وفهمهما وتحليلهما ودراستهما داخل العوالم الدينية نفسها وبعضها بين بعض؟
يمكن أن نفهم الأمر في ضوء مفهوم «العقانية المعرفية» (cognitive rationalité la) الذي اقترحه عالم لاجتماع الفرنسي ريمون بودونِ (Boudon R.) لتفسير لاعتقاد في المعتقدات الهشة أو حتى الخاطئة، التي لا يتم تشاركها أو لاعتقاد فيها – في حد ذاتها - على نطاق واسع، سواء ضمن الدين نفسه أو بين الأديان المختلفة: إنها تُؤسس لمعارف عقانية تتجاوز كل ما هو ثقافي أو عاطفي، ولا يمكننا لاستغناء عنها أو تجاوزها في ظل المعارف المحدودة ل فأأراد والجماعات، ويصبح الجهل بالمعتَقد الذي يؤمن به المعتقِد نفسه قوة لاعتقاد في هذا المعتقَد! ويمكن أن ننظر من هذه الزاوية إلى المعتقدات على أنها مقترحات تفسيرية ذات داللت ومعان مختلفة؛ فعندما أقول: «إن الباب مفتوح»، فإنني لا أقول شيئًا غير أن الباب مفتوح، وعندما أقول: «هناك حياة بعد الموت»، فإن الأمر يعني شيئًا غير الذي تقوله العبارة التي استخدمتها. وبما أن بعض المفاهيم، كالموت والحياة، هو الآخر غير واضح بالنسبة إلى بعضها الآخر، فإن التشديد على أن هناك حياة بعد الموت يفتح حقلً من التفسيرات الانهائية التي يمكن لاختيار بينها – أو بشكل أفضل، لا يمكن لاختيار بينها. وهكذا، فإن تشبُّث فرد معيّن باعتقاد ما لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يسمح له بإصدار أحكام مسبقة على التأويل الذي يقدمه. لذلك، يمكن أيضًا أن نضيف التأويل الحرفي لمقترح «أن هناك حياة بعد الموت» ويكون عادة أقل اختيارًا (بدل أن نسمع عبارة «هناك شيء ما)»! – «حتى أنه أمر مثير للسخرية أن نستهزئ بهذا لاعتقاد» في حد ذاته.
تماشيًا مع الهدف العام للندوة: «الدين والتدين: بين العلوم الإسامية والعلوم لاجتماعية»، قُدمت مجموعة من التوصيات التي تجاري رهان خدمة التواصل والتفاعل وتجديد الحوار بين العلوم لاجتماعية والعلوم الإسامية والإنسانية الفاعلة في دراسة الظاهرة التدينية المعاصرة: - لا يمكن فصل الدين ولاعتقاد الديني عن حياة الإنسان لاجتماعية. - ضرورة العمل على تبنّي استراتيجيات علمية ومعرفية جادة وملتزمة تهدف إلى لاهتمام بالظاهرة الدينية، في إطار تفاعل العلوم الإسامية مع العلوم لاجتماعية. - تظل مثل هذه الندوات حلقة وصل أساسية بين المفكرين والمهتمين العرب والأجانب بالظاهرة الدينية، في سياق الأزمات السياسية والدينية التي تتخطى فيها مجموعة من الدول العربية والإسامية والغربية، لتتباحث سبل الخروج من هذه الأزمات المختلفة.
(((بشأن هذه النقطة، انظر: , philosopher en sciences sociales (Paris: Presses Raison, bonnes raisons Raymond Boudon: universitaires de France, 2003); Le sens des valeurs , quadrige; 280 (Paris: Presses universitaires de France, 1999), et L’Art de se persuader des idées fausses, fragiles ou douteuses , l’espace du politique (Paris: Fayard, 1990). (((لمزيد من التفصيات، انظر: Charles-Henry Cuin, «Les Croyances religieuses sont-elles des croyances comme les autres?,» Social Compass , vol. 59, no. 2 (June 2012), pp. 221-238.
- تُعَدّ المقاربات المتعددة والمتداخلة التخصصات أساس بناء معرفة ملتزمة بالظواهر المدرجة ضمن التابوهات داخل الثقافة والمجتمعات العربية. - لا يمكن فصل العلوم الإسامية والدينية عن العلوم لاجتماعية في ظل دراسة التدين الإنساني. - ضرورة وعي الفاعل السياسي والديني بأهمية العلوم لاجتماعية، في ظل سياق متغير، لدراسة الفكر الحر والملتزم وتعزيزه، وتجاوز جميع سبل الإرهاب والتعصب الطائفي والديني والإثني – خاصة في بلداننا العربية والإسامية. - يظل إحداث دوريات علمية وأكاديمية متخصصة تعنى بشؤون التدين داخل المجتمعات العربية والإسامية، مطلبًا علميًا أساسيًا لمحاولة فهم الأزمات والصراعات الدينية المعاصرة وتفسيرها في إطار مقاربات متعددة ومتداخلة التخصصات. - ضرورة إحداث مختبرات ووحدات للبحث متعددة التخصصات داخل الجامعات والمراكز البحثية، للتباحث في مستجدات التدين الإنساني وخباياها وتدارسها بكل حياد موضوعي والتزام علمي. تبقى مثل هذه الندوات العلمية الدولية مبادرة استثنائية في العالم العربي، نظرًا إلى ما بانت عليه من استعداد ملتزم لمختلف المشتغلين في حقل العلوم الدينية والعلوم لاجتماعية في سبيل تجديد الحوار بين هذين الحقلين المعرفيين، ورغبتهم في الخروج من منطق لانغاقية الضيقة للعلم العربي المعاصر، عبر نقاشات عميقة تجعل من إشكال الدين والتدين مدخا أساسيًا لفهم عوائق التنمية العربية القطرية والقومية المعاصرة. ولا بد من الإشارة إلى تزامن وقائع الندوة مع الأحداث الدموية التي صدمت مدينة باريس الفرنسية وأودت بحياة عشرات الأبرياء، وهو ما جعل المنظمين يولون أهمية خاصة لهذا الحدث في مختلف النقاشات الموازية للندوة. References
المصادر والمراجع