مفارقة التحرير: ثورات علمانية وثورات دينية مضادة
The Paradox of Liberation: Secular Revolutions and
الملخّص
يجيب مايكل وولزر في هذا الكتاب عن سؤال أساسي: لماذا أنجبت ثورات تحرّر وطني علمانية وحداثية في الجزائر وإسرائيل والهند ثورات دينية مضادّة؟ يعتبر الكاتب أن الحركات التي قادت التحرير في هذه البلدان تحرّرية liberationist ومختلفة عن الحركات التحريرية والقومية في أنها تزاوج في برامجها بين مقتضى التحرّر من الاستعمار ومطلبي الديمقراطية والعلمانية. وتكمن مفارقة التحرر في أن النخب القائدة تريد تحرير شعب من التخلف وإدخاله الحداثة، في حين أنه لم يكن متحمسًا لمشروع التغيير ذاك، وهو ما يفسر في رأيه العودة الكاسحة إلى ظاهرة الإحيائية الدينية في هذه البلدان الثلاثة؛ فالنخب العَلمانية والحداثية التي قادت عمليتي التحرير والتحرّر أخطأت في تقدير مدى تغلغل الشعور الديني داخل المجتمع بإقصائها القوى الدينية المحافظة من عملية البناء الوطني والتحديث المجتمعي بدل استيعابها في مشروع بناء الدولة وحملها على قبول التحديث والتغيير. ويناقش المقال وجاهة تفسير وولزر صعود الإحيائية الدينية في هذه البلدان الثلاثة، وينقد جمعه بين الصهيونية وحركتي التحرير الوطني الجزائرية والهندية.
Abstract
** Professor of Higher Education in the Philosophy Department of Tunis University, he specializes in Modern and Contemporary Ethics, and Political Philosophy.
- تحرير
- تحرر
- تحديث
- ثورات مضادة
- ثورات دينية
- Walzer
- Liberation
- Emancipation
- Modernism
- Democracy
- Colonialism
- Fanon
- Algeria
الكتاب
The Paradox of Liberation: Secular Revolutions: العنوان الأصلي
الكاتب
: Michael Walzer (مايكل وولزر) مكان النشر: New Haven (الولايات المتحدة) الناشر
مطبعة جامعة ييل) (Yale University Press: تاريخ النشر 2015: عدد الصفحات 172:
The Paradox of Liberation: Secular Revolutions and Religious Counterrevolutions
: مفارقة التحرير: ثورة علمانية وثورات دينية مضادة
and Religious Counterrevolutions
ملخص: يجيب مايكل وولزر في هذا الكتاب عن سؤال أساسي: لماذا أنجبت ثورات تحرّر
وطني علمانية وحداثية في الجزائر وإسرائيل والهند ثورات دينية مضادّة؟ يعتبر الكاتب أن
الحركات التي قادت التحرير في هذه البلدان تحرّرية liberationist)) ومختلفة عن الحركات
التحريرية والقومية في أنها تزاوج في برامجها بين مقتضى التحرّر من لاستعمار ومطلبي
الديمقراطية والعلمانية. وتكمن مفارقة التحرر في أن النخب القائدة تريد تحرير شعب من التخلف وإدخاله الحداثة، في حين أنه لم يكن متحمسًا لمشروع التغيير ذاك، وهو ما
يفسر في رأيه العودة الكاسحة إلى ظاهرة الإحيائية الدينية في هذه البلدان الثاثة؛ فالنخب العَلمانية والحداثية التي قادت عمليتي التحرير والتحرّر أخطأت في تقدير مدى تغلغل الشعور
الديني داخل المجتمع بإقصائها القوى الدينية المحافظة من عملية البناء الوطني والتحديث
المجتمعي بدل استيعابها في مشروع بناء الدولة وحملها على قبول التحديث والتغيير. ويناقش المقال وجاهة تفسير وولزر صعود الإحيائية الدينية في هذه البلدان الثاثة، وينقد جمعه بين الصهيونية وحركتي التحرير الوطني الجزائرية والهندية.
الجزائر، الهند، إسرائيل، الصهيونية، جبهة التحرير الجزائرية، حزب المؤتمر، الهند، بن بلّة، غاندي، نهرو، بن غوريون، إحيائية دينية، ثورة مضادّة، حداثة، تحديث، تقدّم
Abstract: In his book, Michael Walzer addresses a fundamental question: why have secular, modernizing, national liberation revolutions in Algeria, Israel, and India given rise to religious counterrevolutions? In answering, Walzer explains that the movements which led the revolutions in these countries were ‘liberationist» in character but differed from national liberation movements which combined liberation from colonial rule with demands for democracy and secularism. The irony of liberation, he notes, is that the elite leadership in each case sought to inject their nations with modernism and liberate people from underdevelopment but at the same time showed little enthusiasm for projects of radical change. Moreover, they misjudged the extent of religious sentiment within their societies. He notes how the exclusion of conservative religious forces from the processes of national construction and social modernization proved to be a mistake and that these groups needed to be incorporated into the project of state building and encouraged to accept modernization and change. Walzer gives a compelling explanation for the rise of religious fundamentalist revivalism in the three countries. However, the implicit view that Zionism is comparable with Algerian and Indian national liberation movements leaves the work open to critique.
يُعدّ مايكل وولزر أكثر فاسفة جيله
نحو منتظم في هيئة تحرير دورية مجلة Dissent (ديسنت) الأميركية التي ساهم في بعثها وظلّت
الأميركيين حيوية وغزارة إنتاج علمي وفكري؛ فرغم بلوغه سنّ الثمانين، فإنه
منذ انطاقتها تعبّر عن رؤية سياسية يسارية
لا يزال يتقد نشاطًا لا يكلّ عن العطاء المعرفي
وديمقراطية منفتحة على جميع لاتجاهات والفكري. وبعد عشرات السنين أمضاها في
الفكرية والسياسية ومشجِّعة على الجدال في
جامعتي برنستون وهارفرد، انقطع عن التدريس
المسائل المتعلقة بالسياسية الأميركية الداخلية مع بلوغ سنّ التقاعد، لكنه واصل نشاطه على
وبشؤون العالم.
أصدر وولزر طوال مسيرته العلمية ما يناهز الثمانية والعشرين كتابًا ومئات المق لات،
الأمر الذي جعله محطّة لا يمكن للباحث أو الكاتب ألا يتوقّف فيها حينما يتطرق إلى مسائل مثل الحرب في العاقات الدولية، ومشروعية التدخّل العسكري لأغراض إنسانية
(حروب Just and Unjust Wars كما في كتابه
عادلة وغير عادلة)، أو إلى العاقة بين الدين والسياسية كما في كتابه The Revolution of the Saints (ثورة القديسين)، أو عندما ينظر في معايير العدل، هل هي عامة وكليّة أم خاصة
بكلّ كوكبة وسياق فعل اجتماعي على حدة؟ هل هي محليّة وخاصة بكل مجتمع أم كونية
وكوسموسياسية؟ (كتاب Spheres of Justice (كواكب العدالة)). ورغم انهماك وولزر بالمسائل النظرية الخالصة، بفعل انشغ لاته الفلسفية، ظلّ منخرط ا باندفاع في الجدل السياسي والحراك الفكري في بلده وفي العالم، وملمًّا بأدق تفصيات التطوّرات
التي تستجدّ على الصعد السياسية ولاجتماعية ولاقتصادية والفكرية. ولئن كانت من صفات الرجل أنه مجادل عنيد وذو روح حجاج ورهافة تفكير وقدرة على تطوير مواقفه وتعديلها في ضوء التحولّات التي يعرفها الواقع السياسي
وتطور العلوم لاجتماعية، إلا أنه لم يَح د مع
ذلك عن جملة قناعات والتزامات ظلّت راسخة لديه، منها اعتناقه وجهة نظر عَلمانية وتعدّدية أرادها أن تكون أرضية لتجميع مكوّنات «اليسار
الديمقراطي»، ووقوفه إلى جانب دولة إسرائيل التي يريدها ديمقراطية حداثيّة تعيش بسام مع
جيرانها الفلسطينيين والعرب في كنف لاحترام
المتبادل، والتزامه بنظرية اجتماعية ذات بُعد عملي تبحث عن حلول لقضايا المجتمع الحديث، وتكون منغرسة في سياقات وأوضاع تاريخية واجتماعية خاصة، وتعتمد منهج المقارنة، ولا تكون بالتالي مغرقة في التجريد إلى حدّ تفرغ فيه من كل محتوى واقعي ولا ملتصقة بالوقائع إلى حدّ تعجز فيه عن التحليل وفهم مغزى الظواهر. يضمّ كتابه الأخير مفارقة التحرير: ثورات
عَلمانية وثورات دينية مضادة جملة من المحاضرات سبق أن ألقاها وولزر في جامعة ييل في الولايات المتحدة الأميركية، يتعلق موضوعها بشاغلين أساسيين يمكن تلخيصهما في هذين السؤالين: لماذا أنجبت ثورات تحرّر
وطني علمانية وحداثية في بلدان مثل الجزائر وإسرائيل والهند ثوراتٍ مضادّة دينية؟ وما الذي حدث لليسار الديمقراطي الحداثي والعَلماني الذي قاد هذه الثورات؟ يميز وولزر حركات التحرّر الوطني لهذه البلدان
الثاثة، التي يهتمّ بها في كتابه، من الحركات
القومية، سواء المكاف حة ضد استعمار يحتل بلدانها أو تلك التي شكلت الدول القومية الحديثة في الغرب؛ إذ يعتبر الحركات التي يهتم بها في هذا الكتاب تحرّرية (Liberationnist)،
وأنها تختلف عن غيرها من الحركات الثورية والقومية في أنها تزاوج في برامجها بين مقتضى التحرّر من لاستعمار ومطلبي الديمقراطية
والعلمانية. أما الحركات القومية الأخرى، فهي ليست تحرّرية حتى وإن كانت عَلمانية، لأنها
لم تجعل من إرساء نظام ديمقراطي أحد أركان
برنامجها في البناء القومي والمؤسساتي. لذلك، فإن التجربة العلمانية التي يهتم بها وولزر هنا تختلف، في رأيه، عن العلمانية السلطوية Authoritarian)) التي حدّدت شك ل الدولة في بلدان مثل تركيا في عهد أتاتورك ومصر في عهد عبد الناصر والعراق وسورية في ظل حكمي حزبي البعث. ويؤكّ د وولزر اختاف حركات التحرّر الوطني عن الحركات القومية؛
إذ حتى لو كانت حركات التحرّر الوطني فرعًا
من التاريخ العام للحركات القومية، فإن مشروع حركات التحرّر يبدو مناقضًا للمفهوم الذي
أخذته النزعة القومية؛ فهذه الأخيرة تنحاز إلى قومية بعينها وتُعلي من شأنها على حساب القوميات الأخرى، وتعمل على لارتقاء بثقافة أمّة ما وبمصالحها على حساب مصالح الأمم الشعوب الأخرى وثقافاتها. أما انشغال قادة حركات التحرّر الوطني، فهو مختلف من
جهتين: فهمّهم هو، أوّلً، تحقيق المساواة
السياسية بين أمتهم والأمم الأخرى، وجعْلها
تتدارك التأخر التاريخي وتلتحق بركب التقدم والتنمية بمعناها الشامل، وليس الحصول على موقع مسيطر في العالم، و ثانيًا، تحرير أممهم من التقاليد السلطوية ولاستبدادية الراسخة قرونًا من الزمن ومن الثقافة التقليدية القديمة التي وسمت شعوبهم وخلّفت لديهم السلبية والقبول بالأمر الواقع. فالتحرّر الوطني مقترن،
يقول لنا وولزر، على نحو وثيق بسياسة ثورية تريد لانعتاق لا لأمة بعينها فقط وإنما للشعوب والأمم الأخرى أيضًا، ولا تقترن الإحيائية القومية التحرّرية برغبة في التوسّع والتمدّد القومي
(ص. 5)
وحول لاعتراض الذي يمكن أن يوجَّه إليه بسبب إدراجه جبهة التحرير الجزائرية ضمن الحركات التحرّرية التي تزاوج بين الديمقراطية
والعلمانية في حين أن الجزائر لم تعرف في ظل حكمها بعد لاستقال عن فرنسا، خافًا للهند ولإسرائيل، أحزابًا ولا انتخابات ولا حياة سياسية تعدّدية، يجيب وولزر بأنه ما دامت جبهة التحرير كانت ملتزمة، رسميًا وفي البداية
على الأقل، بالديمقراطية، وما دام كثيرون من مناضليها قد دعّموا هذا لالتزام والتوجّه،
يجوز لنا أن ندرجها مع مثالَي الهند وإسرائيل ضمن حركات التحرير الوطني التحرّرية.
(ص. 9) يعني وولزر بمفارقة التحرير الواردة في العنوان أن روّاد مشروع التحرير من لاستعمار من
مثقفين ومناضلين ونخب سياسية رسموا لأنفسهم غاية مزدوجة، وهي تحرير بلدانهم من لاستعمار وتحرير شعوبهم من أنفسهم، أي من نوع الشخصية التي تكونت لديهم على مرّ السنين والثقافة السائدة التي نمّت فيهم
عقلية لاستسام والقبول ب لاستعمار الذي أضحوا يرونه مصيرًا محتومًا قُدّر عليهم تحمّله.
فالمفارقة تكمن في أن النخب تريد تحرير شعب من طريقته القديمة في العيش ومن وضع عبودية وارتهان لاستعمار، في حين أن هذا الشعب لم يكن متحمّسًا ولم يكن يرى ضيرًا
في المواصلة في الحياة على الطريقة القديمة نفسها، بل كان متمسك ا بها ويقاوم التغيير (ص. 19). ف لاستعمار هيّأ، في نظر التحرّرييّن،
الظروف التي ساعدت على انتشار الجهل والأميّة والخرافة والخوف وعقلية لاستكانة
للذلّ في أوساط الشعب، ونمّى شكا من
التديّن قائمًا على ضرب من القدريّة والتسليم
بالمصير المحتوم. لذلك، أراد الثائرون ضد لاستعمار في هذه البلدان، وفي غيرها، تخليص شعوبهم من تلك الثقافة وبناء معالم شخصية قاعديّة جديدة؛ فما أفسدته سنوات
من لاضطهاد ولامتهان للكرامة يمكن تداركه بتقويم هذه لانحرافات لها في الشخصية الوطنية وتخليصها مما شابها من اعتال. وقد مثّل الدين في صورته التقليدية ورجال الدين باعتبارهم قوى محافظة تصطفّ، في معظم الأحيان، إلى جانب لاستعمار والأطراف المستفيدة منه، عائقًا، في نظر التحرّريين، أمام
انعتاق المجتمع. هذا المنحى التحرّري يراه وولزر باديًا لدى
جبهة التحرير الجزائرية منذ مؤتمرها الأوّل
المنعقد سنة 1956 في جهة صومام في منطقة القبائل الجزائرية. فقد وضعت جبهة التحرير الوطني الجزائرية أرضية رسمت معالم خطتها في تحرير الباد وبناء دولة مستقلة، وانتقدت فيها حالة «الفتور والخوف والريبة» التي تعتري السكان الجزائريين. وقد قطع المناضلون الجزائريون المجتمعون في صومام على أنفسهم عهدًا بأن يوقظوا ضمير الأمة وأن يعيدوا إليها الإحساس بالكرامة الذي افتقدته لطول العيش تحت حكم لاستعمار. وفي نظر وولزر، كان فرانتز فانون (1961-1925)، المفكر والطبيب النفساني الفرنسي ذو الأصول المارتينيكية الأفريقية والمناضل في صفوف جبهة التحرير الجزائرية، خير معبّر عن مشروع التحرّر والقيم
التحررية من مساواة ومواطنة وحرية فردية
وجماعية، وخير داع إلى محو آثار لاستعمار على الشخصية الجزائرية، وهو المشروع الذي تبنّته جبهة التحرير عند تأسيسها؛ إذ يقول فانون في كتابه معذبو الأرض، شارحًا مهمّة محو
لاستعمار: «إن محو لاستعمار يبثّ في الوجود إيقاعا خاصًا يجيء به الرجال الجُدد ويحمل إلى الوجود لغة خاصة وإنسانية جديدة. إن محو لاستعمار لهو خالق رجال جدد حقًّا لكن هذا الخلق لا يستمدّ مشروعيته من أيّة قوّة فوق
الطبيعة: إن المُستعمَر ‹الشيء› يصبح إنسانًا
بمقدار ما يحقّقه من عمل لتحرير ذاته». فما يتعيّن على حركة التحرّر والتحرير القيام به هو
محاربة لاعتقاد المنتشر لدى المُستعمَرين أن
المستعمِرين الإنكليز والفرنسيين، والأوروبيين عمومًا، يمتلكون الخصال والمواصفات التي تؤهلهم لممارسة الهيمنة لاستعمارية، لما يتميزون به من شدّة وقسوة ruthlessness)) لا يقدر المستضعفون والمُ ستعمَ رون على
مجابهتها والصدام معها. لذلك مثّلت ثقافة التأقلم accommodation)) مع الواقع لاستعماري عائقًا كان لا بد من رفعه لتحرير طاقة الشعب من أجل استعادة السيطرة على مصيره وبناء مستقبله على نحو مستقل؛ فحتى غاندي، رافض العنف الذي مجّده فرانتز فانون ودعا إلى استخدامه لطرد لاستعمار، ورافض استخدام قسوة المستعمِر نفسها، اعتقد مع ذلك أن عادة التأقلم القديمة لا بد من أن يوضع لها حد، ولا بد من «دفع جموع الناس على طريق الوعي الذاتي وبلوغ السلطة». فمشروع غاندي الإنشائي يهدف هو الآخر إلى تكوين نساء ورجال من طينة جديدة يكونون أهلً لاستقال
وقادرين على تدبّر شؤونهم بأنفسهم (ص. 3)
والمهمّة هذه بدأت، كما ياحظ وولزر، في
مرحلة النضال من أجل التحرير، إلا أنها لم تكتمل إبان حصول هذه البلدان الثاثة على لاستقال. إن ما ينطبق على المشروع التحرّري الهندي
ينطبق أيضًا، بحسب رأي وولزر، على مشروع «الصهيونية الثورية»؛ إذ لم تكن غاية قادتها طرد المستعمرين الإنكليز، في ذلك الوقت، والحصول على حق اليهود في أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم فحسب، بل كانت أيضًا خلق نوع جديد من اليهود، واستخدام الدولة وأجهزتها للتخلّص من ماض طويل خلّف في روح الشعب اليهودي خضوعًا وقهرًا في
المنافي. ويمكن في هذا الصدد لاستئناس بماحظات الباحث الفلسطيني حسن خضر في مقال بعنوان «نفي المنفى أم وهم الهوية...؟» لفهم ما يعنيه وولزر من أن الحركة الصهيونية كانت حركة علمانية ثورية أرادت القطع مع ثقافة المنفى؛ إذ يقول خضر: «على غرار حركات رومانسية وقبَليّة في أوروبا الشرقية والوسطى،
انخرط المبشّرون بالصهيونية في مشروع ضخم لإنتاج الماضي. وقد فعلوا ذلك بطريقة تمك نهم من القفز فوق 18 قرنًا من الزمان، والعودة إلى الزمن التوراتي المُعلمن، وتمّت هذه العملية
تحت شعار نفي المنفى». ويضيف حسن خضر مفسّرًا معنى نفي المنفى في الأدب
والفكر الصهيوني الناشئ في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر الذي يتحدث عنه وولزر: «استعارت الصهيونية تعبير المنفى (غالوت) من الاهوت اليهودي. وأصبح نفي المنفى المفهوم
المركزي الذي تلتقي حوله مختلف تياراتها الرافضة لكل حلّ محتمل للمشكلة اليهودية في أوروبا، سواء ب لاندماج أو الحكم الذاتي». لذلك، كان لا بد من أن تصطدم الحركة الصهيونية، كحركة مضطلعة بمهمة تحرير الشعب اليهودي وتخليصه من المنفى، مع لاتجاه الغالب على ثقافة المنفى والذي مثلته الأرثوذكسية اليهودية التي نظرت إلى المنفى بوصفه جزءًا من تدبير إلهي ورفضت في الوقت نفسه فكرة اندماج اليهود داخل المجتمعات الأوروبية وفكرة دولة يهودية على اعتبار أنها تمثّل تدخّا بشريًا في مشيئة المخلّص، «لذا وقفت، يقول خضر، ضد الصهيونية بسبب مضمونها العلماني وتدخّلها في الخطة الإلهية» (ص. 162). بهذا المعنى يشير وولزر في كتابه إلى أن زعماء الحركة الصهيونية كانوا يخوضون حربًا مزدوجة ضد المستعمر البريطاني من جهة، وضد ثقافة المنفى والديانة السائدة في أوساط اليهود من جهة أخرى. لذلك، عمل قادة الحركة الصهيونية على إقناع جموع اليهود بتأويل للتاريخ وللديانة اليهودية مغاير لما هو سائد داخل أوساط اليهود؛ إذ يقول حسن خضر شارحًا هذا الأمر: «وفي سياق تأويل
الماضي، أ خضع التاريخ اليهودي إلى عملية علمنة قسرية لتجعل منه تاريخًا قوميًا في المقام
الأول. وقد تحوّلت التوراة بموجبه إلى وثيقة ملكية ل رأأض واللغة [و] إلى دليل على تبلور الهوية منذ زمن سحيق، والشريعة أصبحت مجرّد قناع يموّه الحقيقة القومية للشعب»
(ص. 163)
كان أول ما قامت به حركات التحرّر الوطني
عند حصولها على استقال بلدانها، وانسجامًا مع مشروعها التحديثي، هو إقامة أنظمة سياسية «علمانية»، وشنّ حرب على القوى التقليدية والمحافظة، ودفع مجتمعاتها في طريق التحديث وفق النموذج المعتمد لدى الغرب المستعمِر السابق؛ فقد استقت هذه البلدان مثالها في بناء دولة ما بعد لاستعمار وفي التحديث المجتمعي من الدول لاستعمارية ذاتها، رغم أن الجزائر، وهي إحدى الح لات التي يدرجها وولزر ضمن هذا النموذج التحرّري، لم تعتمد
الديمقراطية، أي نظام الحكم المعتمد في فرنسا، والمستعم ر السابق للباد، بل اعتمدت اشتراكية دولة وفق نموذج حزب الدولة المعتمَد في البلدان لاشتراكية، وبأيديولوجيا إسامية ذات منحى يساري. ويعتبر وولزر أن قيادات الحركات الثاث التي يتطرّق إليها في هذا
الكتاب ارتكبت خطأً فادحًا حينما اعتمدت فهمًا للنموذج الحداثي أدى إلى إقصاء القوى الدينية التقليدية وتهميش دورها في مرحلة بناء الدولة، وإلى استئثار القوى «العلمانية» بمراكز القوة والنفوذ ومواطن القرار، في حين كان ينبغي للعلمانيين، في نظره، دفع هذه القوى إلى لانخراط في البناء السياسي والمجتمعي، وإبرام صفقات، والبحث عن تسويات معها. ولأمر كهذا، يعتبر وولزر أن «الإقصاء التام العلماني هو أفضل تفسير لقوة الإحيائية الدينية وروحها النضالية»؛ فلو أن الحداثيين بحثوا منذ البدء عن تسوية مع الدين ومع الرؤى التقليدية لجلبها إلى العملية السياسية بدل إقصائها، لما تسبّبوا، وفق رأيه، في الثورة الدينية المضادة التي
استجدّت مع أبناء الجيل الموالي لجيل التحرير الرافض للعلمانية والتغريب westernization))، حيث إن وولزر يرى أن «الرؤى الدينية التقليدية لا يمكن أن تُنفى أو تُحضر أو تُقصى وإنما ينبغي أن تُستوعَبengaged) ») (ص. 121) لكن هذا النفي للرؤى الدينية التقليدية لم يكن لا بالتامّ ولا بالقطعيّ، كما يشير وولزر؛ فقد
كان ثمة بون شاسع بين النيات العلمانية لقادة حركات التحرّر الوطني وما يتطّلعون إليه من
إقامة نظام سياسي واجتماعي لا مكان فيه للرؤى الدينية وللقوى التقليدية المرتبطة بها من جهة، والتطبيق على صعيد الواقع من جهة أخرى؛ إذ خضع هؤلاء القادة لإكراهات لم يتصوّروا وجودها في البدء، ففُرضت عليهم
تنازلات لمصلحة القوى الدينية التقليدية، سواء في مرحلة الكفاح ضد لاستعمار أو في مرحلة بناء الدولة ومحو آثاره. وتبين لهم في مرحلة الكفاح ضد المستعمر أنهم بحاجة لشحذ همَم الشعب ودفعه إلى الثورة وإيقاظ المشاعر
الدينية وتطويعها لغاية النضال ضد المستعمر المختلف دينيًا عن دين الباد. أما في مرحلة
البناء الوطني، فسرعان ما أيقنوا أنهم بحاجة إلى رعاية جانب القوى الدينية وعدم إغضابها حتى يستطيعوا تحقيق مشاريعهم التحديثية. لذلك استجاب الحداثيون لطلبات القوى الدينية، ونزلوا عند رغباتها؛ ففي الهند، طرد نهرو من حزبه الأنصارَ الراديكاليين للحداثة العلمانية، وسمح للمسلمين الهنود بتنظيم شأنهم الداخلي وفق قواعد الشريعة الإسامية، وتسامح مع العادات الهندوسية الأقدم والأكثر تخّلفًا.
كما تراجع بن غوريون ومؤسسو إسرائيل عن مشروع إخضاع القانون المنظّم للزواج والطاق للسلطة المدنيّة وتركوه في قبضة السلطات
الدينية التقليدية. والشيء نفسه حدث في جبهة التحرير الوطني في الجزائر أيضًا؛ فقد اضطر علمانيوها إلى التخلي عن أحامهم التنويرية، والإذعان للواقع والقبول بالشريعة عند صوغ قانون الأسرة، فخذلوا بذلك مناضات في صفوف حركة التحرير الوطني خلّد التاريخ أسماءهن أمثال جميلة بوحيرد. وقد تفط ن القادة العلمانيون لحركات التحرّر الوطني لأمر أنه لن
يُكتب لهم النجاح في مهمتي تحرير الباد وبناء الدولة إلا إذا حصلوا على إسناد من التقاليد الإسامية واليهودية والهندوسية التي يتشبث بها الفقراء والمحرومون ومعذبو الأرض من أنصارهم؛ فعندما أمسك الثوريون التغريبيون بالحكم وأحكموا قبضتهم على الدولة الناشئة، تبين لهم أن لاستمرار في الحكم يقتضي منهم مداراة القوى الدينية التقليدية وتجنّب لاصطدام بها المباشر. وكان عليهم أن يتخلوا عن أوهامهم التحرريّة وعلى رأسها، في نظر
وولزر، التصوّر العلماني لمواطنيّة متساوية
تتعالى على لانقسامات الطائفية والمذهبية والقبَلية والدينية. فالثورويون الجزائريون وعدوا
بقانون مدني واحد لكل الجزائريين مهما كانت انتماءاتهم الدينية والمذهبية، لكنهم قبلوا في سنة 1982 بقانون للأسرة تُستمد بنوده من الشريعة الإسامية ويكرّس دونيّة المرأة وتبعيتها للرجل،
ويرسّخ الامساواة، ويقرّ تعدّد الزوجات (ص
14). وفي أواخر الثمانينيات، برز في الجزائر حزب ديني إسامي يتحدّى الثورة العلمانية
باسم الديمقراطية من دون أن يخفي نيّته لإلغائها
وتعويضها بنظام شورى على الطريقة الإسامية. أما في سنة 1991، اضطر النظام السياسي الجزائري، أمام هذا التحدّي الذي لم يكن يقدر على مواجهته، إلى إلغاء العمل بالديمقراطية بُغية الحفاظ على الثورة وحمايتها، وأدى منعه الإساميين من العمل السياسي الديمقراطي والسلمي إلى توجههم نحو العنف المسلّح. ولم يستطع النظام السياسي الذي أقامته ثورة التحرير الجزائرية أن يحافظ على بقائه إلا بعد حرب دامية ضد ثورة إسامية مضادة استمرت من سنة 1991 إلى سنة 1997. ولئن استمر
النظام الثوري القديم في الحياة، فإنه أصبح، في نظر وولزر، أكثر سلطوية ورجعية، وتخلّى عن أحامه التحررية الأولى، فبقيت الثورة وتغلّبت، لكن الثمن الذي دُفع كان باهظ ا، وهو التخلي عن المُثل التي حاربت من أجلها الثورة
وقامت عليها. ولئن هُزم الإساميون وخسروا المعركة أمام الدولة، فإن المجتمع الجزائري بات أكثر من ذي قبل «تأسلمًا» ونزوعًا
إلى المحافظة. أما في إسرائيل، فكانت الحكاية مغايرة: حافظت الديمقراطية على بقائها، في نظر وولزر، ونجحت نسبيًا عمليةُ تحويل اليهود
من شعب المنافي والشتات إلى شعب ناطق بالعبرية ومرتبط بأرض، كما نجحت نسبيًا
الفكرة الصهيونية التي تعتبر أن التحرير السياسي يؤدي إلى تحوّل داخلي في العقليات وأسلوب
التفكير، وفي ما عدا ذلك، يمكن القول إن المُثل
الصهيونية في تراجع تام ومستمر؛ ففي كانون الأول/ديسمبر 1947، صرّح بن غوريون بما
يلي: «في دولتنا، سيكون هناك أيضًا من هم من غير اليهود. سيكونون كلهم مواطنين، وسواء مع غيرهم في كل شيء من دون أي استثناء، فالدولة ستكون دولتهم أيضًا» (ص 99). ويكفي أن ننظر في الواقع اليوم لنتبيّن، في رأي وولزر،
مدى اتساع الهوّة الفاصلة بين التزام المساواتي لبُناة الدولة الأوائل وما آلت إليه الأوضاع اليوم.
ويشير وولزر إلى أن لانتصار في حرب 1967 والنشوة التي خلّفها جعا المنتصرين يتناسون تحذير بن غوريون من أن ضمّ الأراضي المحتلّة
الجديدة سيشكل خطرًا جسيمًا على مستقبل
الدولة اليهودية. لكن عندما غادر بن غوريون الحكم، نُسي تحذيره تمامًا، وحلّت محل الصهيونية العلمانية والبراغماتية، التي حاول تأسيسها، حركاتُ مستوطنين يهود ذات نزعة دينية أرثوذكسية وتبشيرية ترى في الأراضي المحتلّة لا مجرّد غنيمة حرب ومُقابل لانتصار،
وإنما جوهر إسرائيل التوراتية وقلبها النابض أيضًا. ويحمّل وولزر مسؤولية تردّي الأوضاع
وخبو النفَس الثوري المؤسس لإسرائيل في الأساس إلى الأصوليين الدينيين، وعلى وجه الخصوص المستوطنين الأرثوذكس المتطرفين؛ فولاء هؤلاء الأول هو لعقيدتهم لا لدولة إسرائيل وديمقراطيتها، وهو لطوائفهم وعشائرهم وإثنياتهم لا للشعب اليهودي، وبالتالي يتميز فكرهم بالتطرف والمغ لاة وحتى بالعنصرية أحيانًا. لذا، تنعدم المصلحة لديهم في التسامح تجاه المسلمين والعلمانيين لأنهم بكل بساطة لا يريدونهم معهم في الدولة نفسها، ويريدون مَوطِنًا ينسجم مع الصورة الخاصة التي لهم عنه
أي وطن تحكمه القوانين الدينية كما يفهمونها (ص. 60-62) ينطبق الشيء عينه على الهند، في نظر وولزر؛ إذ يتعلق الأمر هناك بالقصة ذاتها بشأن مشروع علماني حداثي مساواتي وإدماجي أفشلته الثورة الدينية المضادة. وهو يقارن صهيونية بن غوريون ذات البُعد التحرّري والحداثي
والمثل الأعلى بديمقراطية علمانية ومدنية تتعالى على لانقسامات الطائفية والروابط الإثنية الذي يتبناه نهرو ويدافع عنه. ففي مرحلة ما بعد لاستقال، عبّر نهرو عن رؤيته
للهند التي يحلم بها، وأكد ضرورة أن يُمنح المسلمون «الأمن وحقوق المواطنين في دولة ديمقراطية». غير أن لاستقال حدث في خضم أحداث مؤلمة دامية ووحشية انتهت بتقسيم الهند، وخلّفت آلاف الضحايا، ولقي غاندي مصيره المحتوم سنة 1948 على يدي متعصب من الهندوس أغاظه إبداء غاندي مشاعر الود والصداقة تجاه المسلمين الهنود. واليوم يحكم حزب جاناتا الهندوسي القومي الهند على نحو إدماجي لا إقصائي، إلا أن لا أحد يقدر أن ينسى أن قادته ينحدرون من فئة من الهندوس الذين يؤمنون بتفوّق قوميّتهم على القوميات الأخرى،
والذين اغتالوا غاندي؛ فهؤلاء القادة ليسوا من طينة الوارثين الذين كان يتمناهم الجيل الذي حقق لاستقال سنة 1947. فقد التزم أعضاء أول حكومة لنهرو باحتواء النزعة القومية الهندوسية وإبطال شحنتها العدائية والعنيفة تجاه القوميات والديانات الأخرى، لا شحذها وتأجيج حميّتها. فهُم كانوا إصاحيين علمانيين
عاقدي العزم على التصدّي للنزعات الدينية
التقليدية المحافظة. غير أنهم ما لبثوا أن تفطنوا لواقع أن التشبث بالعادات والأعراف التقليدية القديمة لم يكن متأصلً لدى الجماهير الهندية العريضة فقط، بل كان أيضًا ديدن عدد مهم من أفراد النُخب القومية لحزب المؤتمر الحزب الذي قاد الباد في الكفاح من أجل لاستقال. وقد حاربت هذه النخب بضراوة، ومن داخل الحزب، البرنامج التحديثي لوزيرة الصحة، في ذلك الوقت، رجكوماريت أمريت كور، خريجة المعهد العالي للبنات في شاربورن وجامعة أكسفورد في إنكلترا، وهو البرنامج الذي كان يستهدف عادات قديمة وبالية، مثل فرض البورداه على النساء، وهو لباس يغطي كامل الجسد، وزواج الأطفال، وتعدّد الزوجات، وإلغاء الحظر القائم على الزواج بين أفراد من طبقات مغلقة متمايزة ومن طوائف وأعراق مختلفة، وإصاح قوانين الميراث التي تميّز
ضد البنات والأرامل (ص. 15). ولئن أ لغيت هذه الممارسات كلها بحكم القانون، فإن الكثير منها لا يزال، بعد مضي ثمانين سنة، متواصا في الهند بصيغة أو أخرى. ويشير وولزر إلى أن ب. ر. أمبدكير، أحد محرّري أول دستور
للهند، حاول فرض رقابة قانونية على الآثار المترتبة عن القوانين الدينية، غير أن نهرو خذله وتنازل عن ذلك المشروع أمام قوة هجمة النخب الهندوسية، وهو ما دفعه إلى مغادرة الحزب مكسور الوجدان. وفي مقابل التخلي عن المشروع التحرّري، أصدر حزب المؤتمر
تشريعات تكتفي بمساواة صورية بين المواطنين، وتخلى عن مهمة التحديث المجتمعي وما يقتضيه من إزالة نظام الطبقات المغلقة
castes))، والحدّ من نفوذ الدين داخل الحياة العامّة حتى يضمن عدم إضرار القوة لانتخابية
لجموع الشعب، التي أطلقتها الديمقراطية، بحظوظه في البقاء في الحكم وب لامتيازات التي حصلت عليها النخب المكوّنة له. ووفقًا
للتسوية التي حُكمت بمقتضاها الهند منذ سنة 1947، لم تكن الهند ديمقراطية علمانية؛ فالديانة الهندوسية حصلت على امتيازات ضاعفت من نفوذ نخبها، كما حصل المسلمون والمسيحيون على الحرية الدينية التامة وعلى استثناءات من تطبيق بعض القوانين المدنيّة
عليهم مثلما حدث سنة 1986، حين أسقط البرلمان الهندي قرار المحكمة العليا القاضي بأن يشمل القانون المدني الخاص بحماية النساء المطلقات النساء المسلمات أيضً، ا وأصدر قانونًا جديدًا يستثني النساء المسلمات من الحماية القانونية، ويعيد تأكيد سلطة الشريعة الإسامية في هذا المجال (ص. 114). لقد كان المقابل الذي دفعته الديمقراطية الناشئة في الهند لتخفيض حدّة التوتر والعنف بين الجماعات والطوائف والديانات، وللحصول على السلم الأهلي، باهظ ا جدًا في نظر وولزر، إذ هيأ الأرضية لتطوّر الإحيائية الدينية
بأشكالها كافة. غير أن مواءمة العلمانيين للقوى الدينية، وسعيهم لعقد تسويات معها، لم يكونا - في نظر وولزر – صادقين، ولا ينمان عن اعتراف بدور الدين وقيمته داخل المجتمع، وإنما كانا تكتيكيين ويحمان في طياتهما الكثير من لاستعاء؛ فقد كان العلمانيون الثوريون مؤمنين بأن التاريخ يسير في خط مستقيم وبخطى ثابتة
نحو الحداثة والتقدّم العلمي والتكنولوجي، وأن الحرية ستكون منتصرة في حربها ضد الشعوذة والأحكام المسبّقة والخرافة والتخلف، وأن
الدين لا يمكن إلا أن يكون رافدًا لفكر التخلف. لذلك، اعتبروا أن التنازلات التي قدموها لا تضرّ بجوهر مشروعهم التحديثي والتنويري
المناهض للدين والتديّن. فوفق رؤيتهم هذه
للتقدّم، لا يكون الدين إلا كابحًا لقطار التقدّم،
فهو يلطّف آلام الشعب ويسكّنها ويجعله يقبل الواقع المرير الذي يعيشه بدل أن يحفّزه على تغييره والثورة ضد لاحتال والقوى التي تمنعه من لانعتاق. وياحظ وولزر أن التحرّريين كانوا
غرباء عن الشعب الذي جاؤوا لتحريره، وكانوا الأبناء المدلّلين لإمبراطوريات لاحتال التي عزموا على طردها؛ فأغلبهم درس النظريات الحديثة بشأن الدولة والمجتمع، ونهل من عيون العلوم، وتعلم مناهج الإصاح من المستعمرين المضطهِدين أنفسهم. وخال مراحل الكفاح ضد المستعمر، بحثت النخب عن السند والمؤازرة لتمرّدها لدى المثقفين العَلمانيين
من البلدان المُستعمِرة التي يناصبونها العداء؛
فكأن التصديق الحقيقي الذي يكسبهم الثقة في وجاهة نضالهم وشرعيته ينبغي أن يأتيهم من الإمبراطوريات التي يعملون جاهدين على إجاء وجودها عن بلدانهم. فالجزائري بن بلّة كان يثمّن عاليًا، بحسب قول وولزر، الوسام
الذي حصل عليه كمحارب قديم في الجيش الفرنسي، وكان يُقبل بشغف على مطالعة كتب اليسار الفرنسي وأدبياته وكتابات لينين وسارتر ومالرو. وعندما أصبح رئيسًا للجمهورية، كان
رئيس مستشاريه مثقّفًا معروفًا بميوله اليسارية
التروتسكية (ص. 10-11). ويعسر أن نعرف أيًا من الرجلين: حاييم وايزمان، أوّل رئيس
لإسرائيل، ونهرو، أول وزير أوّل للهند، كان أشد
هوى وشغفًا بإنكلترا التي درسا فيها وتخرّجا في
جامعاتها. هذا لاستعاء الذي كان الثوريون يبدونه تجاه الدين لم يكن مبرّرًا، في نظر وولزر؛ فنتيجة فهم
غير صائب، كان قادة الحركة الصهيونية يزدرون ثقافة الشعب الذي كانوا ينوون تحريره، والديانة المشكِّلة لكيانه. وفي رأيه، لم تكن عقيدة المنفى دومًا شريكة السلطات المحلية في إشاعة روح التكيّف والخضوع والطاعة لدى جموع اليهود،
بل إن هذه العقيدة كانت أيضًا محفّزا على المقاومة وتأكيد الذات. والأمر نفسه بالنسبة إلى الثورة الهندية؛ فالدين أزيح جانبًا باعتباره عائقًا
أمام التحرّر، ولم يكن يُنظر إليه كعنصر فعّال في
إيقاد لهيب الثورة والتمرّد على المستعمر. وقد
دافع نهرو عن موقف مؤداه أن ما يقف حجر عثرة أمام مسيرة الخاص والتحرّر ليس فقط
الإنكليز وصعوبة إخراجهم من الباد، وإنما أيضًا تحرير الجماهير العريضة من السكّان من قبضة الديانات الهندية و«فلسفة الخضوع للنظام لاجتماعي القائم ولكل ما هو موجود.» لكن بتسرّعهم في محاولة تخليص شعوبهم من
مظاهر السذاجة المقيتة التي تكرسها في رأيهم الثقافة الدينية تكمن، في رأي وولزر، أسباب فشل التحرّريين وخيبة صنيعهم؛ ففي الثقافة
التقليدية الإسامية ما قبل الثورية في الجزائر، ثمة قيم وفضائل كان يمكن تشجيعها وتثمينها في مرحلتي التحرير والبناء، مثل تلك التي تدعو إلى الصبر ومجاهدة النفس ونشر روح التكافل،
وتشجّع على الحفاظ على الروابط لاجتماعية،
وتوقد الحزم النابع من قوة الإيمان، تمامًا مثلما كانت هناك حكمة راكمتها التجربة اليهودية في حياة المنفى والشتات، ولغة تكتنز معاني الحرية والنخوة الوطنية في الوعي الهندوسي التقليدي. لكن هذه العناصر الإيجابية كلها لم تنتبه إليها النخب القائدة لعملية التحرّر
الوطني فقرّرت أن الدين غير صالح ولا
يمكن لاستفادة منه، بل رأت فيه عبئًا يتعيّن
التخلص منه. وحينما أحكم الثوريون قبضتهم على الدولة، اعتقدوا أنهم يستطيعون استخدام سلطتها للتحكّم في المعتقدات وحشرها في المجال الخاص غير السياسي، في حين انصرفوا هم إلى تربية النشء الجديد لما بعد لاستقال على التدبير والتفكير من دون مرجعية دينية. إن ما يجمع بين هذه التجارب الثاث للتحرّر
الوطني هو، في نظر وولزر، موجة القعر الدينيّة
التي حملت الأحزاب الوطنية التي قادت حركة التحرر وبناء الدولة إلى أعماق بعيدة عن مبادئها ومنطلقاتها، وسحبت السلطة تدريجيًا من بين
أيديها لتتلقفها قوى دينية تقليدية ومحافظة؛ فقد أثبت الواقع أن الدين ليس الخادم المخلص والوفيّ لأصحاب الجاه والنفوذ، خافًا لما
اعتقده الماركسيون وقادة حركات التحرر الوطني؛ فتحدّي الثورة المضادة الدينية، من يهودية أرثوذكسية متطرفة ومن إسامية وسلفية متطرفة ومن هندوسية متشدّدة لسيادة الدولة العلمانية ولمشروعية قوانينها وأخاقها العلمانية، هدّد مصالح المتنفذين والممسكين بالسلطة في هذه البلدان الثاثة. وفي الح لات
الثاث، الجزائر والهند وإسرائيل، أساءت الحركات الثورية تقدير حجم التحدّي الذي مثّلته الأصولية الدينية. وما يعيبه وولزر على حركات التحرّر الوطني هو أنها لم تجنح إلى
التفاوض والحوار مع القوى التقليدية والدينية داخل المجتمع إلا حينما تبيّن أن القوانين لم
تكن فعّالة وخلفت ردّ فعل دينيًا قويًا. فقانون
الأسرة لسنة 1982 في الجزائر لم يكن نتيجة ضرب من المفاوضة مع الإساميين، وإنما كان استسامًا من جبهة التحرير لمشيئة الإساميين، وهو ما لم يزدهم إلا إصرارًا على تحقيق نصر نهائي ما دامت السلطة في متناولهم. ولا يعني ذلك أن وولزر يرفض عمل النفي، فهناك أشياء في ثقافة المنفى لا بد من أن تنفى، مثل الخوف والسلبية التي تشيعها هذه الثقافة المميزة لليهودية التقليدية، وكذلك المحاكم اليهودية وهيمنة رجال الدين واستعباد النساء في الثقافات الدينية التقليدية، لكن ينبغي أن يسير هذا النفي في خط مواز مع عمل يهدف إلى دمج هذه الثقافة القديمة داخل الثقافة الجديدة؛ فالتخلي عن أسلوب النفي والإقصاء لا يعني قبول هذه الثقافة في شكلها القديم، وإنما يعني التفاعل النقدي معها (ص. 127) فمسار التحرّر هو، بالنسبة إلى وولزر، مسار
التكرار أو لاستعادة أو الإعادة (reiteration)، وليس عمليةً تحدث للناس جميعًا جملة واحدة ومرة واحدة في أنحاء العالم كله وعلى النحو والطريقة نفسيهما. لذلك، يؤكد وولزر أهمية التأصيل للقيم والمثل في الثقافات الوطنية، ويجد لدى المناضلة النسوية الهندية ناريان خير تجسيدًا لهذا التمشي؛ فمع أن النسوة الهنديات
أخذن في معظمهن عن الغرب الدفاع عن حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين، فإنهن جعلن هذه القضية قضيتهن من خال التزامهن مع أخواتهن الهنديات من جميع الطوائف والأديان والأعراق بالنضال من أجلها. فناريان تدافع عن نسوية متأصلة في السرديات الوطنية وفي التقاليد الدينية، ويوافقها وولزر رأيها في أن التحرّر هو تحرّر لمجموعة بعينها يربطها
تاريخ مشترك وتواجه المصير عينه، ولذلك يستشهد بموقف عبّرت عنه تقول فيه إن فهمًا
وتأويا من طرف النساء يكونان أكثر إدماجًا للتقاليد الدينية في تفكيرهن وحجاجهن يمكن أن يكونا في كثير من المناسبات حاسمين من أجل التصدي لانتشار خطب دينية ذات أغراض مشبوهة. فعلى عكس فرجينيا وولف التي أعلنت في سنة 1938 أنها كامرأة ليس لها وطن خاص بها، وأن وطنها هو العالم بأسره، تؤكّد ناريان أن للنساء وطنًا ينبغي لهن أن يقاسمن فيه شركاءهن الرجال المصير ذاته (ص. 120) إن هذا العرض لا يستوفي، رغم أنه طويل نسبيًا، جميع الأفكار الواردة في كتاب وولزر،
وهي أفكار مهمة ومثيرة للجدل. ونودّ الآن إبداء بعض الماحظات النقدية حياله، نجملها في النقاط التالية: - تتعلق الماحظة الأولىباختيار وولزر النماذج التي أدرجها ضمن منوال حركات التحرير الوطني التحرّرية؛ فما يجمع - في رأيه - بين
هذه الحركات الثاث، الجزائرية والصهيونية والهندية، هو أنها حركات مكافحة ضد استعمار
يحتل أراضيها، أي لاستعمار الفرنسي بالنسبة إلى حركة التحرير الجزائرية، والإنكليزي بالنسبة إلى حركتي التحرير الصهيونية والهندية، وأن كلً منها تتطلع إلى إخراج المستعمر لإقامة دولة تكون ديمقراطية وعلمانية وحداثية حتى ولو كان تصورها للديمقراطية لا يطابق نموذج الديمقراطية التمثيلية الليبرالية، مثلما هي حال جبهة التحرير الجزائرية. بطبيعة الحال، لا يمكن أي قارئ مطّلع على الأوضاع داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة ومؤمن بعدالة قضية الشعب الفلسطيني، باعتبارها قضيّة
تحرّر وطني، إلا أن يستغرب توصيف وولزر
الحركة الصهيونية بأنها حركة تحرير وطني تريد لشعبها التحرّر من التبعية والحصول على
الحق في تقرير المصير والمعاملة على قدم المساواة مع غيره من الشعوب، مثلما هي الحال بالنسبة إلى حركة التحرير الجزائرية وحركة تحرير الهند بقيادة حزب المؤتمر؛ فالمشروع الصهيوني بُني على أساس اقتاع شعب من أرضه ومصادرة ممتلكاته، واستقدام مواطنين من بلدان أخرى وتوطينهم محلّه على أساس أنه الشعب الذي يمتلك الأرض. وقد رافق مسار
تأسيس دولة إسرائيل عنفٌ واعتداءات وترويع للمدنيين الفلسطينيين لحملهم على مغادرة بيوتهم. وقد روى لنا المؤرخ الإسرائيلي إيان بابِه تفصيات ذلك في كتابه التطهير العرقي في فلسطين. أما إدراجه الحركة الصهيونية ضمن حركات التحرير التحررية، فيبدو لنا أنه لا يصمد أمام الوقائع أيضًا؛ ذلك بأنه سبق للأمم المتحدة أن صنّفت العقيدة الصهيونية، من حيث أساسها ومفاهيمها وممارساتها، عقيدة
عنصرية خال الدورة الثاثين للجمعية العامة (أيلول/سبتمبر - كانون الأول/ديسمبر 1975) وبموجب القرار [رقم 3379] في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 1975 جاء فيه أن الجمعية العامة «تقرّر أن الصهيونية هي شكل من أشكال
التمييز العنصري». وتشملها بالتالي لاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري بجميع أشكاله لسنة 1965، المبرمة في إطار الجمعية العامة ل مأأم المتحدة، والتي ورد فيها تعريف للتمييز العنصري بأنه «كلّ تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني، ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة لاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو الميدان لاقتصادي أو الميدان لاجتماعي أو الميدان الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة». صحيح أن هذا القرار الأممي نُقض في سنة 1991، إذ نجحت إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية في إقناع أعضاء الجمعية العامة بضرورة نقضه تشجيعًا لعملية السام بين العرب والفلسطينيين وإسرائيل، على أن تقدّم إسرائيل وعودًا بإزالة أشكال العنصرية التي تمارس ضد الفلسطينيين، غير أن الوقائع على الأرض لم تكن مطابقة للوعود تلك كما تشهد على ذلك التقارير الأممية في هذا المجال. هذه المعطيات تفند في رأينا زعم وولزر أن الصهيونية حركة تحرّرية، وأن برنامجها
ومشروعها لا يختلفان عن برنامجي حركتي التحرّر الوطني الهندية والجزائرية ومشروعهما،
فالصهيونية حركة قومية شوفينية وعنصرية
تقترب من النموذج الأول للحركات القومية غير التحرّرية الذي ذكره وولزر في الصفحة 5 من
كتابه، وميّزه من نموذج الحركات التحرّرية. - لكن وولزر هو بطبيعة الحال بعيد عن أن يكون المدافع المتحمّس عن إسرائيل والمنحاز
إليها على نحو غير مشروط، فهو معروف أيضًا بمواقفه النقدية تجاه إسرائيل وبمناصرته الحرب العادلة التي يخوضها الفلسطينيون لإقامة دولتهم المستقلة إلى جانب دولة إسرائيل؛ ففي مقال أصدره في مجلة ديسنت، في تواصل مع موضوع كتابه حروب عادلة وغير عادلة، ميّز صاحب كتاب مفارقة التحرير بين أربع
حروب إسرائيلية - فلسطينية: الأولى حرب فلسطينية لتدمير إسرائيل وإقامة دولة أخرى مكانها، وهي حرب غير عادلة، والثانية حرب فلسطينية من أجل إقامة دولة إلى جانب دولة إسرائيل، وهي حرب عادلة، والثالثة حرب إسرائيلية للدفاع عن دولة إسرائيل، وهي حرب عادلة، وحرب إسرائيلية لإقامة إسرائيل الكبرى، وهي حرب غير عادلة. ويشدّد وولزر على أننا حينما نحكم على حرب ما، ينبغي أن نطرح السؤال: مَن يحارب؟ وأي حرب يخوض؟ وما هي الوسائل التي يستخدمها؟ وهل الوسائل التي يستخدمها مشروعة، سواء بالنسبة إلى تلك الغاية أو بالنسبة إلى أي غاية أخرى؟ فمهاجمة الفلسطينيين الجيش الإسرائيلي في الأراضي المحتلة بعد سنة 1967 لجماعات المستوطنين المسلحة مبرّرة ومشروعة في نظره،
أو أنها تظلّ مبرّرة ما دام هناك حكومة إسرائيلية
رافضة للتفاوض، ومصرّة على مواصلة احتال
أراضي الفلسطينيين ومنعهم من إقامة دولتهم.
لكن الهجوم المسلّح للفلسطينيين على عائات المستوطنين وعلى مدارس المستوطنين في الأراضي المحتلة عمل مُ دان ويرقى إلى
الجرائم التي لا تقلّ فظاعة عن جرائم لاحتال
الإسرائيلي، في رأيه. وفي حوار أ جري معه
سنة 2003، اعتبر أنه لم يَح د عن موقفه المناصر للقضايا العادلة للتحرّر الوطني، وأن
موقفه تجاه الفلسطينيين لا يختلف عن موقفه المناصر لجبهة التحرير في الخمسينيات في حربها ضد لاحتال الفرنسي للجزائر. ولا يختلف موقف وولزر هذا كثيرًا عن موقف مفكر
يساري يهودي آخر هو زئيف ستارنهِل، أستاذ التاريخ في الجامعة العبرية بالقدس والمختص بتاريخ الحركات الفاشية؛ إذ كتب مؤخرًا في
جريدة لوموند الفرنسية مقالً يعتبر فيه لانتفاضة الفلسطينية الواقعة هذه المرة في الأراضي المحتلة سنة 1967 مشروعة، وذلك بسبب استمرار لاحتال الذي بات يهدف إلى تأبيد وضع الدونيّة للفلسطينيين، وتثبيت حالة لا
رجعة فيها تنتفي فيها الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني. ولا يمكن، في رأي ستارنهِل، وضع حدّ للعنف الفلسطيني إلا بقبول الإسرائيليين معاملة الفلسطينيين على قدم المساواة وبقبول الشعبين التعايش على الجهتين المتقابلتين لخط التقسيم، أي الخط الأخضر لسنة.1949 - لئن كانت هذه المواقف من عَلمين فكريين مهمين مثل وولزر وستارنهِل مساندة للشعب الفلسطيني في استرجاع حقوقه التي أقرّتها له
الشرعية الدولية والقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، ومرحّبًا بها على الصعيد السياسي،
وتخدم مسار السام الفلسطيني – الإسرائيلي،
فإنه لا يمكن إلا نعبّر عن أسفنا عندما تصدر
عن مثل هؤلاء المفكرين مواقف متعنّتة ومجافية للحق، كتلك التي عبّر عنها ستارنهِل
في المقال نفسه المشار إليه، إذ رفض فيه حق الفلسطينيين المهجّرين من الأراضي المحتلة
قبل 1947 في العودة إلى أراضيهم التي طُردوا منها وانتُزعت منهم، أو كالمواقف التي اعتبر فيها وولزر في كثير من مق لاته أن المطالبة بحق العودة إلى مناطق ما وراء الخط الأخضر تخفي نية تقويض النسيج المجتمعي والتوازن السكاني لدولة إسرائيل، في حين أن الأمر يتعلق بحق أقره القرار الأممي رقم 242 لمصلحة الفلسطينيين. - على الصعيد الفلسفي، يعيد وولزر في هذا الكتاب تأكيد أطروحة دافع عنها في كتابات سابقة حيال مسألة العاقة بين الخاص والكلي والمحلي والكوني، والمتمثّلة في فكرة التكرار أو الإعادة، فالكلي والكوني لا يعيدان نفسيهما على النحو ذاته والطريقة ذاتها في حياة الشعوب والأمم وفي تاريخ الجماعات السياسية، ولا يوجد نمط واحد لحضوره، بل يتشكل ويتمظهر على أنحاء مختلفة وفي سياقات متنوعة، وإن كانت قابلة للمقارنة بينها لاشتراكها في جملة من السمات العامة. لذلك، ليس هناك نمط واحد في التحرّر، فكل شعب يكتب فصل من
فصول تاريخ عمليّة التحرّر على طريقته، ووفقًا
لخصوصيته، وإن أعاد تجارب سابقة أو استقى
منها دروسًا وعِبرًا، فهو لا يعيدها على النحو
الذي حدثت به في السابق. ولعلّ لسبب مثل هذا ظلّ وولزر طوال مسيرته الفكرية والفلسفية منشغا بمسألة تأصيل الأفكار وتوطينها في
الثقافة العامة للمجتمع والجماعات داخله، وفي السرديات المحلية والقومية. لذلك يشيد وولزر في آخر كتابه بتصوّر القوميين الليبراليين،
من الإيطالي جوسيبي مازليني في القرن التاسع عشر إلى المناضلة النسويّة الهندية المعاصرة
ناريان، لمثال جوقة كونية تعزف سيمفونية واحدة للحداثة والعلمانية، لكن كل أمة أو قومية تعزف في داخلها التوليفة Partition)) الخاصّة بها والمميّزة لها (ص. 121)؛ فعلى خاف
الوجهة الليبرالية، الوارثة الشرعيّة لفكر التنوير
ونزعته الكونية المجرّدة والرافضة للخصوصيات
القومية والطائفية والجماعتية، يدافع وولزر عن فلسفة جماعتية Communitarian)) تعتبر الذات الفرديّة منغرسة embedded)) ضمن
هوية جماعة ما، تتكون من رؤية للخير وللعالم ومن قيم وغايات متأصلة في ثقافة جمعية تعطي الجماعة وحدة وتماسكًا، وتشكل كيانها من خال التفاعل مع هذه الهوية المشتركة أخذًا وعطاء. غير أن وولزر يتميز من فاسفة جماعتيين محافظين ويمينيين، أمثال ألسدير مكنتير ومايكل ساندال، في أنه يدافع بشراسة عن قيم التنوير والحداثة، من حرية ومساواة وعدالة اجتماعية، ويتبنّى مواقف يسارية تجعله ينحاز إلى الدفاع عن مصالح الأفراد باعتبارها جزءًا من حقوق المواطنة في إطار تصوّر يسعى
إلى إدماج الفرد داخل الجماعة وتوسيع نطاق فكر الجماعة، حتى يقبل بالتعدّد ولاختاف، ويعترف ل فأأراد بحقهم في لاستقالية الذاتية وفي التفكير على نحو مختلف عن الجماعة. - أما أطروحة الكتاب الرئيسية التي يفسّر بها
وولزر الصعود القويّ والكاسح لظاهرة الإحيائية
الدينية في البلدان الثاثة الهند وإسرائيل والجزائر، وظهور الثورة الدينية المضادة بخطأ تقدير النخب العَلمانية والحداثية التي قادت عمليتي التحرير والتحرّر لمدى تغلغل الشعور
الديني داخل المجتمع، وبإقصائها الدين والقوى الدينية المحافظة من عملية البناء الوطني والتحديث المجتمعي بدل استيعاب الدين وإدماج القوى الدينية في داخل مشروع البناء، فإنها لا تبدو، رغم عدم مجافاتها الصواب في جوانب عدة، التفسيرَ الضافي والصحيح
للظاهرة؛ إذ يبدو في رأينا أن هذه الظاهرة نتيجة وليست السبب الرئيسي، وأن السبب الرئيسي يعود إلى الفشل الذريع الذي أصاب منوال التنمية المعتمَد بعد استقال هذه البلدان، أكان ذلك في إطار نظام سياسي سلطوي بالنسبة إلى الجزائر أم في إطار ديمقراطية توافقية ظلت رهينة التسويات والمقايضات بين الجماعات العرقية أو الدينية، كما هي الحال في كلٍّ من الهند وإسرائيل. فقوّة الثورة الدينية المضادة في هذه البلدان الثاثة في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي تعود، في نظرنا، وفي الأساس (وإن بدرجات متفاوتة بينها) إلى فشل التنمية القائمة على لاقتصاد المخطّط له، والموجّه من جانب الدولة، والمعتمد على الريع المتأتي من النفط والغاز، خاصة بالنسبة إلى الجزائر، وعلى قطاع عمومي ضخم مسيطر على الحياة لاقتصادية، منع تطور اقتصاد سوق حرّ تنافسي ومنتج للثروة والقيمة المضافة. غير
أن وولزر لا يبدو أنه يعير أهمية كبيرة لمسألة نموذج التنمية في فترة إزالة لاستعمار.
- النقطة الأخيرة التي نختتم بها هذه المراجعة تتعلق بماحظة عبّر عنها مايكل إغناتييف في
مراجعته كتاب وولزر، مفادها أن وولزر بالغ في تعميق لانقسام بين الصهيونيين العلمانيين والأصوليين اليهود الأرثوذكس. ونرى أن هذا الأمر صحيح إلى حدّ بعيد، لكن لغير الأسباب التي يذكرها إغناتييف؛ فالعقيدة الصهيونية، كما تشكلت، هي ذات نزوع قومي شوفيني وعنصري، ولذلك تلتقي مع اليمين الديني المتطرف بشأن الحلم بإسرائيل الكبرى، وهي تكابد صعوبات جمّة في التحوّل من نزوعها
الأيديولوجي القومي المتعصّب إلى عقيدة قومية وليبرالية، كما تريدها أن تكون الفيلسوفة الإسرائيلية يالي تامير، صاحبة كتاب القومية الليبرالية ووزيرة التعليم من حزب العمال في حكومة إيهود أولمرت اليمينية، أو وولزر أو ستارنهِل؛ إذ يرى هذا الأخير في المقال الذي ذكرناه أن إنهاء لاحتال الإسرائيلي ل رأأاضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967 والعودة من جديد إلى مسار التأسيس بوضع دستور، كما وعد بذلك إعان « لاستقال» لدولة إسرائيل، يكونان ديمقراطيًا قائمين على حقوق
الإنسان ويضعان في صميم الحياة السياسية ولاجتماعية فكرة المواطنة لا الجماعة الدينية أو الإثنية الخاصة، بحيث يصبح اليهود من خالهما مواطني دولتهم، إلى جانب من هم من غير اليهود، وهذا هو الشرط للخروج من المأزق الحالي وكتابة فصل جديد من تاريخ الشعب اليهودي. لكن ذلك يقتضي حتمًا، كما
يشير ستارنهِل نفسه، ترسيم حدود الدولة في الدستور، وهو غير ما شاءه الآباء المؤسسون
لدولة إسرائيل لأنهم ما أرادوا أن يكون لها لا دستور ولا حدود مرسّمة ونهائية، حتى تظل
الإمكانات كلها مفتوحة على الحلم بإسرائيل الكبرى ومواصلة لاحتال، بل وضم أراض جديدة.
الهوامش
(1) Michael Walzer, Just and Unjust Wars: A Moral Argument with Historical Illustrations (New York: Basic Books, 1977). (2) Michael Walzer, The Revolution of the Saints: A Study in the Origins of Radical Politics (Cambridge: Harvard University Press, 1982). (3) Michael Walzer, Spheres of Justice: A Defense of Pluralism and Equality (New York: Basic Books, 1983).
(4) فرنتز فانون، معذبو الأرض، ترجمة سامي الدروبي وجمال الأتاسي ([د. م.: د.ن].، 1961)، ص.20
(5) حسن خضر، «نفي المنفي أم وهم الهوية،» الكرمل، العدد 80 (2004)، ص.172 (6) المصدر نفسه.
(7) Ilan Pappe , The Ethnic Cleansing of Palestine (Oxford: Oneworld, 2006).
وصدر بالعربية: إيان بابه، التطهير العرقي في فلسطين، ترجمة أحمد خليفة (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، (8) انظر: «العنصرية والصهيونية،» (الموسوعة الفلسطينية، 25 آب/ أغسطس 2014)، على الموقع الإلكتروني:
<http://www.palestinapedia.net/%D8%A7%D9%84% D8%B9%D9%86%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8 %A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%87 %D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9>. (9) Michael Walzer, «The Four Wars of Israel/Palestine,» Dissent , vol. 49, no. 4 (Fall 2002). (10) «The United States in the World – Just Wars and Just Societies: An Interview with Michael Walzer,» Imprints: A Journal of Analytical Socialism , vol. 7, no. 1 (2003). (11) Zeev Sternhell, «Israël: la solution à deux etats est la seule raisonnable,» Le Monde 13 / 10 / 2015. (12) Michael Ignatieff, «The Religious Specter Haunting Revolution: The Paradox of Liberation: Secular Revolutions and Religious Counterrevolutions by Michael Walzer,» New York Review of Books (4 June
(13) Yael Tamir, Liberal Nationalism , Studies in Moral, Political, and Legal Philosophy (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1993).
المصادر والمراجع
العربية
بابه، إيان. التطهير العرقي في فلسطين. ترجمة أحمد خليفة. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2007 خضر، حسن. «نفي المنفي أم وهم الهوية». الكرمل: العدد 80،.2004 فانون، فرنتز. معذبو الأرض. ترجمة سامي الدروبي وجمال الأتاسي. [د. م.: د.ن].،.1961
الأجنبية
1. Ignatieff, Michael. «The Religious Specter Haunting Revolution: The Paradox of Liberation: Secular Revolutions and Religious Counterrevolutions by Michael
2. Pappe, Ilan. The Ethnic Cleansing of Palestine. Oxford: Oneworld, 2006. 3. Sternhell, Zeev. «Israël: la solution à deux etats est la seule raisonnable.» Le
4. Tamir, Yael. Liberal Nationalism. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1993.
5. «The United States in the World – Just Wars and Just Societies: An Interview with Michael Walzer.» Imprints: A Journal of Analytical Socialism: vol. 7, no. 1, 2003. 6. Walzer, Michael. «The Four Wars of Israel/Palestine.» Dissent: vol. 49, no. 4, Fall
7. ______. Just and Unjust Wars: A Moral Argument with Historical Illustrations.
8. ______. The Paradox of Liberation: Secular Revolutions and Religious
9. ______. The Revolution of the Saints: A Study in the Origins of Radical Politics.
10. ______. Spheres of Justice: A Defense of Pluralism and Equality. New York: Basic
References
Walzer.» New York Review of Books: 4 June 2015.
Monde: 13/10/2015.
(Studies in Moral, Political, and Legal Philosophy)
New York: Basic Books, 1977.
Counterrevolutions. New Haven: Yale University Press, 2015.
Cambridge: Harvard University Press, 1982.
Books, 1983.