Return to Article Details Sociology of the Colonial Knowledge Production: Education in Morocco

سوسيولوجيا الإنتاج المعرفي الاستعماري حول التربية والتعليم بالمغرب

Sociology of the Colonial Knowledge Production: Education in Morocco

Mohamed Faoubar **

محمد فاوبار *

الملخّص

تهتم هذه الدراسة السوسيولوجية بتحليل شروط إنتاج المعرفة الكولونيالية في المغرب، وهي تخص مسألة تكوين نظام التعليم منذ انطلاق عهد الحماية سنة 1912. يتعلق الأمر بدراسة نقدية للخطاب الكولونيالي على مستوى تطور مفاهيمه الأساسية، وذلك عبر تقسيم الإنتاج المعرفي الكولونيالي إلى ثلاثة أنواع من الخطابات: الأول هو الخطاب الإثنوغرافي الوصفي، وفيه سنحلل مفاهيم وتصورات بدايات هذه المعرفة التي رامت إنتاج مفاهيم وخلق مجال تعليمي جديد عند كلٍّ من جورج هاردي وروجيه لوتورنو وأندريه بيريتي ولويس برونو، وسنقوم بدراسة مفاصله والمفاهيم الأنثروبولوجية الكلاسيكية التي وظّفها. والنوع الثاني هو التحليل الاجتماعي التاريخي الذي يستخدمه جاك بيرك لدراسة التعليم المغربي وتطوراته التاريخية، وخاصة فئة العلماء. أمّا النوع الثالث، فهو الخطاب السوسيولوجي الذي تبلور بعد انتظام المعرفة الكولونيالية وتحكُّم الاستعمار في السياق التعليمي على مستويات الأطر والمعرفة والبيداغوجيا والانتقاء والنجاح الدراسيين، ويرتبط الأمر في هذا الإطار بلوسيان باي. وفي الأخير، نسعى من خلال هذه الدراسة لتبيُّن البراديغم المعرفي الكولونيالي ومنطق إنتاجه، وكيفية بناء سوسيولوجيا ناقدة للاستعمار تضع الأسس لبناء سوسيولوجيا تحريرية منفتحة على أسئلة العصر الراهن.

Abstract

** Professor of Sociology at the Faculty of Arts, Sidi Mohamed Ben Abdellah University, Fes, Morocco.

الكلمات المفتاحية:
  • الكولونيالية
  • المعرفة
  • الخطاب
  • الحس العملي
  • التوازن
  • الإصلاح
Keywords:
  • Knowledge Production
  • Colonial Discourse
  • Educational System
  • Jacques Berque

سوسيولوجيا الإنتاج المعرفي الكولونيالي

ملخص: تهتم هذه الدراسة السوسيولوجية بتحليل شروط إنتاج المعرفة الكولونيالية في المغرب، وهي تخص مسألة تكوين نظام التعليم منذ انط ق عهد الحماية سنة.1912 يتعلق الأمر بدراسة نقدية للخطاب الكولونيالي على مستوى تطور مفاهيمه في ث ثااة أنواع من الخطابات: الأول هو الخطاب الإثنوغرافي الوصفي، وفيه سنحلل مفاهيم وتصورات بدايات هذه المعرفة التي رامت إنتاج مفاهيم وخلق مجال تعليمي جديد عند كلٍّ من جورج

هاردي وروجيه لوتورنو وأندريه بيريتي ولويس برونو، وستجري دراسة مفاصله والمفاهيم

الأنثروبولوجية الك سيكية التي وظّفها. والنوع الثاني هو التحليل الاجتماعي التاريخي الذي يستخدمه جاك بيرك لدراسة التعليم المغربي وتطوراته التاريخية، وخاصة فئة العلماء. أمّا النوع الثالث، فهو الخطاب السوسيولوجي الذي تبلور بعد انتظام المعرفة الكولونيالية

وتحكُّم الاستعمار في السياق التعليمي على مستويات الأطر والمعرفة والبيداغوجيا والانتقاء والنجاح الدراسيين، ويرتبط الأمر في هذا الإطار بلوسيان باي. يتم من خلال هذه الدراسة تبيُّن

البراديغم المعرفي الكولونيالي ومنطق إنتاجه، وكيفية بناء سوسيولوجيا ناقدة للاستعمار تضع الأسس لبناء سوسيولوجيا تحريرية منفتحة على أسئلة العصر الراهن.

Abstract: This sociological study analyzes the conditions for the production of colonial knowledge in Morocco with a focus on the foundation of Morocco’s education system at the start of the protectorate in 1912. The author offers a critical study of colonial discourse and divides colonial knowledge production into three kinds of discourse. The first is descriptive ethnography, which first sought to create a new educational field and produce new concepts, through

the works of Georges Hardy, Roger LeTourneau, and Louis Bruno. The second kind of discourse is the socio-historical analysis used by Jacques Berque to study Moroccan education and its historical development, especially among the class of religious scholars. The third discourse is the sociological discourse that coalesced after the organization of colonial knowledge and colonial control of education in terms of staff, knowledge, pedagogy, and academic selection and success. Finally, the study attempts to clarify the paradigm of colonial knowledge and the logic of its production and explores how to construct a critical sociology of colonialism that lays the foundations for constructing a sociology of liberation open to contemporary questions.

تمهيد

المعرفة التي أنتجها الاستعمار في البلدان التي خضعت للظاهرة الاستعمارية قضية مركّبة ومعقدة بحيث تتطلب من الباحث في العلوم الاجتماعية عُدّة معرفية عبر تخصصية، كما تتطلب منه الانخراط في التفكير والاستقصاء الميداني قصد الإحاطة بأسئلة محورية، من قبيل: ما البرَاديغم المعرفي الذي أنتجه الاستعمار بغية إنتاج وعي بمجتمع «الأهالي»؟ ما منطق إنتاج هذه

المعرفة، وخاصة التقنيات المعتمَدة والفاعلين المنخرطين في إعداد هذه المعرفة وصوغها؟ كيف

تلقّت نخبة المجتمع المستعمر هذه المعرفة، وما حدود تأثيرها في وعي ذاتها ووعي موقعها في المجتمع، وخصوصًا بعد الاستعمار؟ ما آليات التعاطي الفكري إزاء المعرفة التي خلّفها الاستعمار

في أفق الوعي التاريخي بالتغيرات المعرفية والمادية والرمزية التي تداخلت مع البنى الذاتية للمجتمع المتحرر من الاستعمار؟ ما دور المعرفة الذاتية في معالجة الظواهر التي حاولت المعرفة الاستعمارية تغييرها وفق مصالح المستعمر الوافد؟

التعليم ومأسسة المعرفة الاستعمارية في المجتمع المغربي

تقوم هذه الدراسة من جهة على وعي أهمية العودة الراهنة إلى فحص نظري نقدي للإنتاج المعرفي الكولونيالي، ولا سيما أن السوسيولوجيا المغربية الناشئة بعد الاستق لاا (1956) انطلقت بوعي نقدي ل رإإث الكولونيالي. كما أن المجتمع المغربي لم يتخلص إلى اليوم من التبعية لفرنسا، ولا أدل على ذلك من السلطة الرمزية التي لا تزال اللغة الفرنسية تتمتع بها في نظام التعليم في المغرب، وصعوبات إرساء التعدد اللغوي في نظام التعليم وفي النظام الاقتصادي، نظرًا إلى

(1) Hassan Rachik et Rahma Bourqia, «La Sociologie au Maroc: Grandes étapes et jalons thématiques,» Sociologies (2011), at: http://sociologies.revues.org/3719

الارتهان للمستعمر السابق على الصُعد الاقتصادي والسياسي والثقافي. من جهة أخرى، تظهر فعالية الدراسة السوسيو تاريخية للمعرفة الكولونيالية لتجلية الظواهر والتخصصات البحثية التي خلّفتها هذه المعرفة، بسبب ترابط الهيمنة الاستعمارية والمعرفة الدقيقة بخصائص المجتمع المستعمر، وهو ما يتطلب جهدًا معرفيًا لأجل التشخيص النقدي لهذه المعرفة المتعددة والمركّبة.

من هنا، يقتصر البحث على دراسة موضوعة التعليم في المغرب من خلال المعرفة الكولونيالية التي تشكلت خ لاا مرحلة الحماية، وذلك على مستويين: مستوى المفاهيم والتصورات التي تبلورت داخل هذه المعرفة، ومستوى معالجة الوقائع التعليمية والتربوية والتغيرات التي اكتنفتها، سواء تعلق الأمر بالمؤسسات التعليمية التقليدية (جامع القرويين والزوايا والكتاب القرآني) أو بالمؤسسات التعليمية التي أحدثها المستعمر، وخاصة المدارس الفرنسية الإس مااية والمدارس الإسرائيلية، ومدارس أبناء الأعيان... من المعروف تاريخيًا أن نمو علم الاجتماع في المغرب مرتبط بظاهرة التوسع الإمبريالي كما أشار

إلى ذلك عبد الكبير الخطيبي؛ فقد استُغل هذا العلم في السياسات الاستعمارية، فمهدت السلطات الاستعمارية للتغلغل الاستعماري بالمعرفة التشخيصية أو الإثنوغرافية لمكونات المجتمع المغربي، وأسست لذلك في سنة 1904 بعثة علمية برئاسة ألفرد لوشاتولييه (Lechatelier A.) في طنجة، وبإدارة جورج سالمون أولً ثم بإدارة ميشوبلير بعد سنة  1907. تمثّلت مهمة البعثة في محاولة إرساء تصور استعماري خاص بالمغرب يختلف عن التصور

الاستعماري الذي طُبّق في الجزائر، فعُمل على توسيع آفاق النظر إلى وظائف ضباط الجيش التي

لم تقتصر على المهمات الحربية والقتالية، وإنما امتدت إلى تأدية مهمات معرفية وبحثية، وأخرى تربوية وتأطيرية في المستعمرات. بناء على ذلك، جرت مأسسة السياسة العلمية بهدف إرساء علم الاجتماع الكولونيالي الذي كمنت مهمته الأساسية في تجميع الوثائق الضرورية التي تساعد «على دراسة المغرب وتنظيمه وتتبُّع حياته». ويتعلق الأمر أساسًا بمعرفة صاغها ضباط الشؤون الأهلية

الذين عملوا في الجزائر المستعمَرة، ومنهم لوشاتولييه وميشوبلير، كي تكون خاضعة لمراقبة الجيش

الفرنسي الذي يزود الباحثين بتقارير استعلاماتية. كما أجرى هؤلاء أبحاثًا استكشافية تتعلق بالنظام السياسي (المخزن) والنظام الاجتماعي (القبيلة) والنظام الرمزي والديني (الدين ومؤسساته والزوايا والجماعات الدينية)، ونشروا تلك الأبحاث في الأرشيفات المغربية منذ سنة 1904 من جهة، وفي

مجلة العالم الإساميالتي أُصدرت منذ سنة 1906 من جهة أخرى. وقد غلب على هذه المعرفة الكولونيالية المنتظمة في إطار تنزيل أهداف الغزو والهيمنة التخصصُ السوسيولوجي وعلم التاريخ والأبحاث اللغوية والجغرافيا، وقامت على أساس برامج وتمويل ودعم مادي من طرف نظام الحماية ووزارة الخارجية الفرنسية.

(((عبد الكبير الخطيبي، «مراحل السوسيولوجيا بالمغرب، 1967-1912،» في: الحوليات المغربية لعلم الاجتماع (الرباط: معهد العلوم الاجتماعية، 1970)، ص.4

شهد نظام البحث العلمي الاستعماري تطورًا وفق تشعّب حاجات الحماية، وتبلور ذلك كله في

إطار إلحاق الشعبة المغربية للبعثة العلمية بمديرية الشؤون الأهلية ل قإإامة العامة في سنة 1919، وتأسيس معهد الدراسات العليا المغربية سنة 1920 ك مؤسسة للتعليم العالي والبحث، وكان يسمّى

في ما سبق، أو منذ سنة 1912، المدرسة العليا للعربية واللهجات الأمازيغية. اختص المعهد بدراسة اللغات في المغرب وتكوين المترجمين، والرفع من مستوى فاعليته العلمية والتوجيهية عبر تجميع الباحثين، من أمثال هنري لاووست وليفي بروفانسال ولويس برونو، للقيام بمهمات بحثية تخص قضايا سياسية ولغوية/ ثقافية وتاريخية واجتماعية، ونشرها في مجلة هسبريس، ونيطت بهم مهمات تكوين الأطر العسكرية والتعليمية، مع تمكينهم من إثنولوجيا خصائص المغاربة الدينية والثقافية والاجتماعية. ثمة ترابط أساسي بين تطور المعرفة الكولونيالية قبل الحماية (التي أُعلنت رسميًا في فاس سنة)1912

وتوطيد الإدارة الاستعمارية، وتمكين ضباط الشؤون الأهلية والمراقبين المدنيين من مضامين هذه المعرفة وتوظيفها سياسيًا وأيديولوجيًا واقتصاديًا وبشريًا قصد التحكم الاستعماري في الإنسان

والمجال، واستغلال الثروات المغربية، ومواجهة المقاومة الوطنية. من هنا، اعتُمد فاعلون متعددو الكفاءات، منهم مخبرون وضباط عسكريون وأساتذة في تخصصات مختلفة، من علوم دقيقة وعلوم اجتماعية وهندسة، ورجال قانون ذوو تجربة قوية في تدبير المستعمرات كما كان الأمر في الجزائر ومدغشقر. وإذا كان الاستعمار يمثّل هيمنة على مجتمع آخر بالقوة العسكرية قصد استغلال ثروات هذا المجتمع وطاقاته البشرية والمادية، وإذلال الإنسان بدعوى «عدم تحضّره» وحاجته إلى تجاوز الفوضى والتأخر، ف غرابة إن وجدنا أنه لا يعتمد فقط على القوة المادية والعسكرية لفرض سيطرته على الإنسان والمجال، بل يتوسل أيضًا بالسلطة الرمزية لممارسة تأثيره في أفراد المجتمع المستعمَر وجماعاته،

وتكريس المثاقفة المفروضة، وقولبة الذهنيات بغية خلق القابلية للاستعمار لدى هذه المجتمع؛ ولعل من أبرز أدوات هذه السلطة المعلم والطبيب.

تطور الإنتاج المعرفي الكولونيالي بشأن التعليم في المغرب

نعتمد في هذه الدراسة على رصد تطور المفاهيم الأساسية للمعرفة التي أنتجها الكتّاب الفرنسيون خلال الوضعية الاستعمارية في حقل التربية والتعليم، في إطار العمل على صوغ سياسة الاستعمار التعليمية ذات الأبعاد الإثنية والطبقية والجهوية والاستبعادية ثقافةً وهوية، والتي عرفت تغيرات جزئية في إطار المواجهة مع الحركة الوطنية إلى حدود سنة 1956. لقد كانت الأغراض الأساسية من السياسة الاستعمارية في التعليم تكمن في تكوين ناشئة محدودة العدد تنتمي إلى الفئات الاجتماعية

(3) Fouzia Benzakour, Driss Gaadi et Ambroise Queffélec, Le Français au Maroc: Lexique et contacts de langues , préf. de Danièle Latin, actualités linguistiques (Bruxelles; [Paris]: De Boeck Université-Duculot; [Montréal; Paris]: AUPELF-UREF, 2000), 39.

المختلفة، وتكون متشبعة بالثقافة والمعرفة ذواتي الأفق الاستعماري، وقوامها التسلط الرمزي عن طريق اللغة والتاريخ الفرنسيين والحضارة الغربية لتظل مرتبطة بثقافة المستعمر. نتوخى من التركيز على المعرفة تقسيم الإنتاج الكولونيالي الخاص بميدان التعليم إلى ث ثااة أنواع من الخطابات: الأولهو الخطاب الإثنوغرافي، وفيه نحلل مفاهيم وتصورات بدايات هذه المعرفة التي رامت إنتاج مفاهيم وتكوين مجال تعليمي جديد عند كلٍّ من جورج هاردي وروجيه لوتورنو وأندريه بيرتيي ولويس برونو. وسنقوم بدراسة مفاصل هذا الخطاب الإثنوغرافي الوصفي، والمفاهيم الأنثروبولوجية الك سيكية التي يوظفها. الخطابالثانيهو التحليل الاجتماعي التاريخي الذي يستخدمه جاك بيرك لدراسة التعليم المغربي وتطوراته التاريخية، وخاصة فئة العلماء. أمّا الخطاب

الثالث، فهو الخطاب السوسيولوجي الذي تبلور بعد تطور المعرفة الكولونيالية وتحكّم الاستعمار في السياق التعليمي على مستويات الأطر والمعرفة والبيداغوجيا والانتقاء والنجاح الدراسيين. ويرتبط الأمر في هذا الإطار بلوسيان باي، وبالتالي يتعين الاستمرار في التحليل النقدي ل نأأثروبولوجيا وللسوسيولوجيا الأميركية التي تطورت في الغرب بعد الاستعمار وفاقت السوسيولوجيا الفرنسية لكونها اختصت بمعاينة تحولات نظام التعليم في المغرب وآفاق التحديث والتقليد ضمنه، وخاصة مع الأنثروبولوجي ديل إيكلمان.

الخطاب الإثنوغرافي

- جورج هاردي ولويس برونو: نحو إثنوغرافيا مدرسية

يمثّل جورج هاردي (1972-1884) نموذجًا متميزًا في إنتاج الخطاب الإثنوغرافي المدرسي. وقد

ساعدته تجربته المهنية في المستعمرات على تكوين هذه الإثنوغرافيا وصوغها؛ إذ كان أستاذ ا ومديرًا

للتعليم في «أفريقيا الغربية الفرنسية»، ومهندسًا لإصلاحات النظام التعليمي الكولونيالي في أفريقيا

الغربية حتى سنة 1919، ثم مديرًا للتعليم العمومي في المغرب تحت إمرة هوبر ليوتي من سنة 1919

إلى سنة 1925. كان هاردي قد تصور أن فعالية التعليم الكولونيالي تكمن في إرساء مدرسة ابتدائية محدودة التأثير، وغير موحدة على مستوى المجتمع الكبير لكونها ذات طابع تقسيمي إثنيًا وطبقيًا

واجتماعيًا، إضافة إلى أن التعليم الابتدائي هو الحد الأقصى للمستوى التعليمي الذي ينبغي أن

يستفيد منه الأهالي، ويحق للنخبة العليا أن تستفيد من مستوى متوسط هو التعليم الإعدادي الذي تنحصر أهدافه في مستويات متدنية تكوينيًا واجتماعيًا. أمّا لويس برونو (1882 - 1965)، فكان أستاذ ا

ومهتمًا بدراسة اللغات واللهجات في المغرب وشمال أفريقيا، وشغل منصب مدير معهد الدراسات

العليا المغربية في الرباط من سنة 1935 إلى سنة.1947 من أهم ما أنجزه هاردي وبرونو بشأن التعليم في المغرب عملهما الإثنوغرافي في ما يتعلق بالطفل المغربي، فهما يستخدمان في كتابهما هذا تصورًا للإثنوغرافيا كخطاب يضفي قوة سيميائية على القوة

التي تحظى بها السلطة الاستعمارية، التي هي أساس شرعية الخطاب. ومن ثم، فإن الإثنوغرافيا هنا

ليست علمًا للوصف الثقافي ولا تأويً للتعابير التي ترمز إلى ممارسات الناس في ظرف ما وفي

مكان ما، وإنما هي خطاب محمَّل بمسبقات أيديولوجية وأحكام جاهزة لوصم الآخر المختلف،

كان الكاتبان قد استمداها من معلّمي الأهالي الفرنسيين وصاغاها بناء على معطيات جُمعت بطريقة

تعطي صورة مجحفة بحق الطفل المغربي. يرصد الكتاب خصائص الطفل الفيزيقية ومظهره الخارجي وسلوكه العام ونمطه النفسي وأدواره الثقافية وخصائص تنشئته؛ فهو أسمر اللون وذو عينين سوداوين وجبهة ذات «طابع عمودي».. وهذه مميزات تخص أطفال العرق العربي والأمازيغي الخالص، مع تأكيده اخت ط الدم، وخصوصًا في

الأوساط البرجوازية. وبحسب هاردي وبرونو، يتصف الطفل المغربي بمقاومته الاستثنائية للتعب والألم، ويفسران ذلك بمبدأ الانتقاء الدارويني. كما نجدهما يسلطان الضوء على نقص الوقاية والع ج، وسلبية شروط الوجود، أي التغذية والسكن، واستفحال ظاهرة وفيات الأطفال عند الولادة. كما أن النشاط الحسي للطفل يتأثر بنقص الوقاية، وحواسه كلها، أي الذوق والسمع واللمس، تفتقر بدورها إلى النفاذ. ي حظ هاردي نقص الضوء والإنارة، وانتشار الغبار في فضاء المدينة، فحدث نتيجة ذلك ضعف عام في الرؤية. ويشير إلى أمراض العين، كالرمد الحبيبي وضعف العلاج، وإلى وجود عدد كبير من ضعاف البصر. الإمساك بهذه الخصائص دفع بالكاتبَين إلى استخدام مفهوم الحس العملي عند

المغاربة، واختزاله إلى الطباع، وهو المفهوم الذي يتداوله الكتّاب الكولونياليون من بعدهما. يتسم النمط السيكولوجي للطفل المغربي بالتجانس، ويرجع ذلك - بحسب هاردي وبرونو - إلى وحدة الدين الإس مااي وطابعه الكلياني؛ فالسيكولوجيا الإس مااية هي التي طبعت هذا الطفل بخصائصه السلوكية والثقافية على نحو عميق مع أنها كانت تختزن شعائر «قبل إس مااية»؛ ذلك لأن الإس ماا ظاهرة جماعية تؤثر في الفرد ليتشابه مع الجماعة، وهو من ثم رحيم ومحسن ومستقيم ونظيف على الطريقة الإسلامية. هناك امتداد من الطفل إلى الراشد بسبب التنشئة الإس مااية الموحدة؛ فهاردي وبرونو يعتقدان أن الإس ماا في طابعه الدوغمائي الخالص يمكنه أن يتيح حرية التفكير، لكن الإس ماا اليومي، وبعبارة أخرى، التدين الجاري الخاضع للإحيائية، نجده يطفئ جذوة الفكر، وبالتالي تكون الجماعة المسلمة طاغية على الفرد.

(4) Bruce L. Berg, Qualitative Research Methods for the Social Sciences , 4 th ed. (Boston: Allyn and Bacon, 2001), 134. (5) Georges Hardy et Louis Brunot, L’enfant marocain: Essai d’ethnographie scolaire , editions du «Bulletin de l’enseignement public au Maroc», Janvier 1925, no. 63 (Paris: E. Larose, 1925), 4. (6) Ibid., 5. (7) Ibid., 6. (8) Ibid., 7.

تتمظهر الع قااة البنائية للفرد والجماعة في الدين الإس مااي واحتوائه لهما في كونه يؤثر في طريقة التعليم والتعلم؛ فما يسيطر على ذهنية الطفل المتمدرس المغربي هو تفعيل دور الذاكرة السمعية، بمعنى أن معرفة القرآن تتم بالحفظ، والحفظ شحذ للذاكرة وآلية معتمَدة في اكتساب

معارف أخرى. والذاكرة هي، وفق تصور هاردي، الملَكة التي طورتها التكوينات التقليدية.

ويتعمق موروث الذاكرة جيً بعد جيل عن طريق تعلّم القرآن، وبالتالي تشكل الذاكرة خطرًا

لكونها لا تتيح اكتسابًا منهجيًا للمعارف، ويستخلص الكاتبان من ذلك «افتقار» الطفل المغربي

إلى الخيال. في إطار المنظور المعياري المسبق بشأن الإسلام، يعتبر الكاتبان أن كل إبداع هو بالنسبة إلى الإسلام بدعة، لذلك يُعتمد التقليد الموروث وإبعاد الحكم والبرهنة العقلية وحرية الفكر. وإذا كان الحس

العملي المتطور عند الطفل يتجلى في الفهم السريع والبرهنة الصحيحة، فإن ذلك لا يظهر إلا عندما تبرز مصلحة شخصية لديه، ويستنتجان من ذلك أن الطفل المغربي يشكل استثناء، خصوصًا حين يحكمان عليه بالأنانية والتمركز حول الذات، لكأن هذه الخاصية ليست عامة على الطفولة كما تؤكد الأبحاث السيكولوجية ذلك. إذا كانت «المعتقدات الخرافية» منتشرة آنذاك في أوساط الطفولة المغربية، بحسب الكاتبان، فإن دور المدرسة أساسي بالنسبة إليهما لصقل سلوك الطفل؛ هذا السلوك الذي طبعته تنشئة عائلية تقليدية تعتمد في مجال الصحة على التداوي بالأعشاب، وتعتمد في مجال إعداد الذات على ارتداء لباس الكبار. كما أننا نراهما يميزان بين الأطفال والنظافة بحسب الفئة الاجتماعية؛ إذ تكثر النظافة لدى أطفال الفئة العليا وتقل لدى أطفال الفئات الفقيرة. وهما ينصان أيضًا على المكانة المهمة التي يحتلها الطفل في الوسط العائلي، والدلالة الرمزية لحف ت الختان ول سأأماء المسندة إلى الطفل بحسب النوع. وعلى العموم، ينمو الطفل في إطار تربية ذات طابع «سحري»، وهو ما يجعل الذهنية الجماعية تتصف بخصائص ذهنية ما قبل منطقية. وي حظ الكاتبان امتدادًا بين التربية العائلية وتنشئة الطفل في الكتاب القرآني، وهي تجسد «بيداغوجيا بدائية». نلحظ في الخطاب الماكرو- إثنوغرافي لهاردي وبرونو حضورًا بارزًا لثقافة القرن التاسع عشر، وخاصة

الإثنولوجيا التطورية (ليفي برول)، مع تسويغ أيديولوجي انتقاصي يضع الطفل المغربي كنمط موحد في مرحلة تشكل الماضي المتجاوز في بنية الطفولة في الغرب الأوروبي.

(9) Ibid., 8. (10) Ibid., 12. (11) Ibid., 34. (12) Ibid., 64. (13) Ibid., 67.

- لوتورنو وإثنوغرافيا التعليم العالي الإسلامي

يصوغ لوتورنو (1971-1907) خطابه الإثنوغرافي بصيغة باردة نسبيًا، لا تعلن مواقف أيديولوجية إلا

بصفة محدودة، ويرجع ذلك إلى كونه أستاذ ا ومؤرخًا اهتم بتاريخ شمال أفريقيا. وكتابه فاس قبل

الحماية أُعد ليكون أطروحة دكتوراه لدراسة المدينة من جوانبها المختلفة، بما في ذلك الحياة الثقافية والفكرية، ومن هنا توخي الوصف المكثف والمعتمد على وثائق وكتابات سابقة تسرب إلى كتابه من خلالها بعض الأحكام الجاهزة بشأن التعليم، وخاصة عند مقارنته بالتعليم الأوروبي. اهتم لوتورنو بوصف التعليم العالي الإسلامي انطلاقًا من مجال التنظيم العام، إذ ينص على أن جامعة القرويين غلب عليها الطابع الديني والتقليدي، ولم تكن تشتغل بالبرامج. وكان تعيين الأساتذة يتم بقرار يتخذه قاضي جماعة فاس بعد موافقة المخزن، وخاصة منذ عهد الحسن الأول. والقاضي المشار إليه هو الذي كان يدير ميزانية الجامعة « بما له من إشراف على إدارة الأوقاف لأن هذه الميزانية لم يكن يمولها غير الأحباس». إضافة إلى أن العمل بمفهوم السنة الدراسية كان مجهولً، ظل نظام مدة الدراسة يجري وفق العادة المتداولة، إذ كان التكوين الدراسي يربو على خمس سنوات على الأقل، هذا مع أن تقييم المعارف بامتحانات لم يكن مقننًا وإنما كان الطالب الذي يجيد تقديم الدرس أمام علماء عدة يُمنح ما كان

يسمَّى الشهادة، أي إجازة بناء على امتلاكه المعارف الدينية المطلوبة. وكان لكل طالب حامل للإجازة

من أساتذته «الحق في أن يدرّس بجامعة فاس وكان يدعى عادة فقيهًا»، ويلتمس بعد ذلك أن يعيّنه

المخزن أستاذًا رسميًا. وتجدر الإشارة إلى أن الأساتذة ينتظمون في مراتب، أع هااا مرتبة الدرجة

الأولى، وكان عددهم في سنة 1904 سبعة عشر أستاذًا. وعلى العموم، كان الأساتذة يحتلون مكانة مهمة في مجالي التعليم والسياسة من جهة، وفي مجال تنظيم المجتمع وتوجيهه من جهة أخرى. هكذا يتضح أن التعليم العالي الإسلامي اعتمد تقسيم العلماء والمدرسين إلى درجات بما ينسجم مع التراتب الذي كان يعيِّن مكانة المدرس وأدواره ومستوى أجره والهدايا التي كان يتلقاها وفق مرتبته.

ويتوقف التراتب الذي كانت هيئة العلماء تخضع له على معايير خاصة، منها الكفاءة العلمية للمدرس وأقدميته وشهرته في حال تضاعفت أعداد الطلاب في حلقته التدريسية واستجاب ل«رغبات» الطلاب المتعلقة بمضامين المعرفة التي يطمحون إلى تعلمها: الفقه والعلوم المساعدة، وهذه الرغبات تعبّر عن الخطاطات الذهنية الراسخة. طبعًا، إن ترقيته كمدرس إلى الدرجة الرابعة، بعد شروعه في

العمل بالدرجة الخامسة، تقتضي اعتراف أساتذته الكبار بكفاءته وشهرته، ثم قدرته على استخدام

(((1 روجي لوتورنو، فاس قبل الحماية، ترجمه إلى العربية محمد حجي ومحمد الأخضر، ج 2 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1986)، ص.656 (((1 المصدر نفسه، ص.657 (((1 المصدر نفسه، ص.660 (((1 المصدر نفسه، ص.664

رأس المال الاجتماعي للحصول على ظهير سلطاني جديد. وتعادل الدرجة الأولى المنصب الرفيع

الذي يمثّله العلماء الكبار؛ فالعال م الرفيع الدرجة يسمَّى «المشارك»، وهو مؤلِّف ومعترَف بسلطته

الرمزية والمعرفية، فالأستاذ محمد بن جعفر الكتاني، وهو في هذه الدرجة الممتازة، كان يقدم حديث البخاري على الكرسي. وتأسيسًا على ذلك، لاحظ بيرتيي أن جامعة القرويين تتوفر على 12 كرسيًا،

وهي مرتبطة بالدروس لا بالأشخاص. اهتم لوتورنو كذلك بحياة الطلاب الدراسية والاجتماعية، ولاحظ أنهم ينقسمون إلى قسمين: الفاسيون أبناء المدينة، والأفاقيون المنحدرون من البادية، وكان عددهم في أوائل القرن العشرين يتراوح بين 600 و 700 طالب. وكانت ست مدارس في فاس تابعة للأحباس تؤوي الطلاب، وهي بمثابة مراكز للإيواء، وكان الطلاب يؤمّونها أيضًا لإقامة الصلاة، ويتلقون فيها الخبز والماء كل يوم، وهي: مدرسة

الصفارين ومدرسة العطارين ومدرسة المصباحية ومدرسة الشراطين ومدرسة باب عجيسة ومدرسة مولاي عبد الله. كما أنه كان لكل مدرسة زبنائها الخاصون الذين يشتركون في الإيواء بمدرسة خاصة نتيجة انتمائهم القبلي أو المناطقي الموحد؛ فمدرسة الصفارين مثلً كانت تؤوي طلاب سوس. اعتمادًا على مرجع إثنوغرافي لبرتيي، وهو مرجع مهم ويتعلق بمدارس فاس، يرصد لوتورنو العلوم والمواد الإحدى عشرة التي كانت تدرَّس في جامعة القرويين في أوائل القرن العشرين وهي: الحديث،

وأصول الفقه، والفقه ويسمَّى البحر لأنه كان يدرَّس من خلال كتب مختصر سيدي خليل ورسالة ابن

أبي زيد القيرواني والمرشد المعين لابن عاشر وتحفة ابن عاصم، وكذلك النحو والبيان، والمنطق، والعروض، والحساب (وكان يدرَّس خارج الجامعة) والتوحيد، والقضاء، والأحكام، والأدب.

- غودوفروي ديمومبين، التعليم في خدمة المشروع الاستعماري

سترتسم معالم الكتابة الماكروإثنوغرافية الكولونيالية مع غودوفروي ديمومبين (1862 – 1957) الذي عُرف باهتمامه بشؤون الإس ماا والثقافة العربية، وترجمته كتاب رحلة ابن جبير إلى اللغة الفرنسية، وشغله مهمات أستاذ في المدرسة الوطنية للغات الشرقية الحية في فرنسا. وفي كتابه المهم بشأن العمل الفرنسي في مجال التعليم في المغرب، سنجده يتميز ممّا سبقه من الكتّاب بمظهرين أساسيين: الأول

توصيف وتشخيص أنظمة التعليم في المغرب في سياق تغلغل الحماية، و الثانيتأطير الوصف بنظرة استعمارية واضحة تستند إلى أيديولوجية ليوتي، المقيم العام في المغرب خلال مرحلة 1912 - 1925، القائمة على التطور البطيء، أي الإدماج التدريجي للمغاربة في سياق الرأسمالية الاستعمارية من دون

(((1 المصدر نفسه، ص 661 و 322. (1912), 18, Archives marocaines A. Péretié, «Les Médersas de Fès,»

(19) Péretié, 317.

(((2 لوتورنو، ص.666 (((2 المصدر نفسه، ص.669-668 (((2 المصدر نفسه، ص.655-654

اقتلاع جذورهم أو «المساس بهويتهم»، والعمل على أن تكون المدرسة آلية لتقريب أبناء النخبة وإبعاد الطبقات الشعبية وتجميدها في الوضع الذي كانت عليه. تدل المفاهيم التي يوظفها ديمومبين في خطابه الكولونيالي على نزعة وظيفية سطحية من قبيل مفهوم التوازن الاجتماعي والفائدة الاجتماعية والنفعية. كما نجده يستخدم مفاهيم استعمارية، كالغزو الأخ قااي الذي تمارسه المدرسة، وغزو الأبدان الذي تمارسه المساعدة الطبية، ومفهوم المقاصد الحضارية لإخراج المغرب من الفوضى إلى النظام. يتجلى ضمان استغ لاا نظام الحماية للمغرب على الصعيد الاقتصادي، بحسب ديمومبين، في نشر التعليم الحديث لفائدة «الأهالي»، وهذا الإجراء سيُحْدث تناقضًا بين الحفاظ على التقاليد

والمؤسسات القديمة وإرادة إدراج المغاربة في صيرورة التغيير الاستعماري. ومن نتائج هذا التناقض التعدد الذي سيطرأ على حقل التعليم وعلى المجتمع في المغرب، حيث إن ديمومبين لم يدرك سوى التعدد لا عناصر الوحدة؛ فهناك الأمازيغ المتصفون بالصبر والتحمل، وغريزة الفوضى والخصوصية، وهم يمثلون عرقًا ذا حضارة خاصة لا يمكن ربطها بالدين الإس مااي. وهناك الإس ماا المتغلغل في الساكنة العربية، ع وااة على المخزن الشريف. وثمة تعدد وتنوع عرقي (عرب، أمازيغ، يهود، فرنسيون، أجانب) وتعدُّد ديني (إسلامي، يهودي، مسيحي) وتعدد لغوي (أمازيغي، عربي، فرنسي.) لكي ينجح نظام التعليم الكولونيالي في خدمة المشروع الذي انتُدب لأجله، من الضروري تنويع

المدارس وضمان تراتبها وفقًا للتراتب الإثني والطبقي القائم في المجتمع؛ ففي مقابل التعليم الإسلامي الذي يراه ديمومبين «بدائيًا» في خصائصه ومناهجه، لكونه ذا أساس ديني خاضع للمخزن

ويمثّل فيه القرآن المصدر الأساسي للمعرفة وللحياة، كما يشك ل مصدر التعليمات في الكتاب القرآني ومنطلق أنواع التعليم في الجامعة، وهي أعلى أنواع التعليم الاس مااي، يوجد التعليم الفرنسي الحديث والمتعلق بأنواع التعليم المختلفة والمخصصة للمغاربة بحسب الفئات التي ينتمون إليها. تتداخل المفاهيم مع الكيان الموصوف في المتخيل الاستعماري حينما يجري التعرض للكتّاب

القرآني (المسيد بالعامية)؛ فعلى مستوى المجال، يُعتبر هذا الكتّاب تابعًا لجامع أو زاوية أو لحبوس.

وعلى الصعيد الاجتماعي، ثمة كتاتيب في الأحياء الفقيرة في البوادي والمدن، وأ خرى تُنقل إلى

منازل الأسر الغنية لتعليم أبنائهاُ، وهذا يعني تخصيص فقيه لتعليم أبناء العائلة الكبيرة داخل الدار. أمّا بالنسبة إلى قبائل الرحل، فتُعتمَد خيام متنقلة لتعليم الأطفال. وعلى الصعيد البيداغوجي، يعمل

الفقيه (وهو الطالب في البادية) على تلقين الطفل مبادئ القراءة والكتابة وتحفيظه سور القرآن عن

(23) Roger Gaudefroy-Demombynes, L’Oeuvre française en matière d’enseignement au Maroc (Paris; Troyes; Barcelone: Les Presses modernes; Librairie orientaliste Paul Geuthner, 1928), 10. (24) Ibid., 10. (25) Ibid., 12. (26) Ibid., 18. (27) Ibid., 19.

ظهر قلب بصورة متدرجة، عن طريق كتابة مقاطع آيات قرآنية على اللوح الخشبي. وعلى وجه العموم، نجد الفقيه، بحسب ديمومبين، يعيش حياة بئيسة تدفعه إلى مزاولة أعمال أخرى كالحلاقة أو خياطة الملابس، إلى جانب ممارسته التعليم، والمشاركة في أنشطة على صعيد الحياة الاجتماعية، كالأفراح والمآتم والطقوس الدينية والاجتماعية المختلفة، وهذا النوع من أنواع التعليم ما عاد يرضي المغاربة المتنورين، كما لاحظ ديمومبين، من هنا كانت الدعوة إلى تجديد الكتّاب القرآني ابتداء من سنة 1920. وإذا كان الهدف من الكتّاب القرآني تخريج طفل مسلم جيد، فإن هذا الطفل لا يتمكن من قراءة القرآن إلا بعد مرور خمس أو ست سنوات، وإذا كان يعرف القراءة والكتابة والاستظهار، فإنه يبدي قصورًا في فهم نص جديد لأن التعليم يطور الذاكرة وليس الفهم وتكوين الذهن. أمّا بخصوص التعليم العالي الإسلامي، فقد أُبعدت العلوم الدنيوية من المساجد منذ العهد السعدي،

وتراجعت حرية التأويل عند الأساتذة والعلماء، وذلك بسبب الاكتفاء بسلطة الشارحين القدامى. واستمر إبان العهد العلوي الجمود نفسه، الأمر الذي فتح المجال للزوايا لكي تمارس فاعليتها القوية على حياة المغاربة، وبرز تعليم الزوايا الذي اختلف بحسب نوع الجماعة الدينية والطريقة المتبعة، وتعلم المريدون الأذكار والقواعد وتوقير ضريح الصالح. احتل جامع/جامعة القرويين المحدَث في القرن التاسع (سنة 862) محور التعليم العالي الإسلامي على حساب المدارس والمساجد، وتداخلت المعرفة في المقدس بحكم طبيعة المعرفة المنقولة. واشتهر الجامع/ الجامعة في العهد المريني بمكانته العلمية وبأساتذته وأعداد ط بااه، لكنه عرف تدهورًا ابتداء من القرن الخامس عشر، وظهرت معالم التراجع في القرن السابع عشر بسبب انطواء

المغرب على نفسه وطغيان التقليد على حساب التجديد العقلاني، والعوامل المحلية على حساب ما هو عام. لكن رغم ذلك، ظل الجامع/الجامعة يؤدي دورًا سياسيًا إزاء بيعة الس طين، واحتفظ

ببعض استق لاايته من منطلق أن علماء القرويين كان يُنظر إليهم بوصفهم ممثلين ل مأأة الإس مااية

وحاملين للبركة، وقد بلغ مجمل عددهم غداة الحماية 172 عالمًا. ويرجع ديمومبين إلى معطيات

بريتيي لوصف سيرورة الأستاذية في جامع القرويين، فكان توجه العلماء على وجه الإجمال ذا طابع أرثوذكسي بينما كان توجه بعضهم ذا طابع صوفي. ينص ديمومبين على أن المناخ الإسلامي للجامع لا يتيح تقدُّم التعليم، وهو بذلك يماثل بين التعليم الإس مااي والتعليم الأوروبي، ذلك أن الجامعات الأوروبية حققت نهضتها بالتخلص من سلطة الكنيسة في العصر الوسيط، وهذا هو المسار نفسه الذي ينبغي أن يسير فيه الجامع، لذلك توازي الكتاتيب المدارس الصغرى المرتبطة بالكنائس، كما تقترب دروس القرويين من دروس المدارس

(28) Ibid., 21. (29) Ibid., 27. (30) Ibid., 31. (31) Ibid., 36.

الكبرى تحت ظل كاتدرائية باريس، وبالتالي تغدو العلوم مؤدية إلى العلم الحقيقي، وهو دراسة اللاهوت. يستخدم ديمومبين مصطلح «الانحطاط» لتوصيف وضع الجامع/الجامعة في بداية القرن العشرين بحكم عدم مجاراته الحضارة الحديثة، ويطرح مشروعية الدعوة الإص حية لإعادة هيكلته وفق متطلبات العصر الحديث. ويقوم العمل الإصلاحي على إدخال الإدارة الحديثة والمناهج العصرية، وتنظيم وضع الأساتذة والط ب وتقنينه، وتكوين أساتذة جدد، والاهتمام بتعليم المرأة، ومثل هذا الإصلاح لا يتأتى إلا بإشراك المخزن والعلماء والطلاب، لكن ديمومبين أشار إلى مقاومة المكونين الأخيرين نتيجة تحكم الاستعمار في العملية الإصلاحية. وضع نظام الحماية هيكلية إدارية محدودة لتنظيم التعليم المحْدث، وذلك بإنشائه في سنة 1913

مصلحة خاصة بالتعليم لفائدة الأهالي، ومن ضمن ذلك إيلاء أبناء الأعيان، أي النخبة المحلية، رعاية خاصة، ففُتحت لهم مدارس خاصة، مثل كوليج مولاي إدريس في فاس سنة 1914 وكوليج مولاي يوسف في الرباط سنة.1916 تضمّن «التعليم الفرنسي العربي» المناهج عينها التي كانت معتمَدة في المدارس التونسية، وكان

يقوم على تعليم مزدوج: قسم متعلق بالعربية وتعليم القرآن، وقسم آخر خاص بالفرنسية. ويستعرض ديمومبين في الكتاب بالتفصيل مناهج وبرامج مجمل أنواع التعليم التي قام بتدريسها معلمون من الجزائر وتونس، وذلك من أجل ممارسة مراقبة دقيقة لما يجري تعليمه لأبناء الأهالي. وكان الهدف من التعليم تحسين شروط الوجود الاجتماعي للأهالي، وتعليمهم في إطار الحضارة الفرنسية وليس تثقيف الطفل أو تكوين شخصيته. أنشئت مدارس أبناء الأعيان سنة 1916، وكانت خدماتها التعليمية لقاء رسوم مالية كل شهر، ثم جرى الاستغناء عن الرسوم المالية خ لاا سنة 1926، وكان الهدف تكوين أبناء النخبة للحصول على مهن إدارية وتجارية. وفي سنة 1920 تبلور التوجه الكولونيالي العام لتنظيم التعليم في إطار

مخطط إداري وبيداغوجي، وفي هذا الإطار أ حدثت مدارس حضرية ومدارس قروية ومدارس أمازيغية وأخرى مهنية، إلى جانب مدارس فرنسية إس مااية ومدارس لليهود و«كوليجات » (مدارس إعدادية) إسلامية.

(((3 يعتبر ديمومبين في معرض تحليله التعليم في العصر الوسيط في أوروبا أنه ينبغي لعلوم النحو والبلاغة والمنطق (Trivium)، إضافة إلى علوم الحساب والهندسة والفلك والموسيقى (Quadrivium)، أن تقود إلى العلم الحقيقي، أي إلى دراسة اللاهوت. انظر: 42.Ibid.,

(33) Gaudefroy-Demombynes, 42. (34) Ibid., 47 et 51. (35) Ibid., 57. (36) Ibid., 59.

تتجلى منافع التعليم بالنسبة إلى الطفل، بحسب ديمومبين، في تلقّيه تعليمًا متكيفًا بحسب الوسط

الذي يعيش فيه، وفي ممارسته حياته محليًا بواسطة المنطقة ولأجلها: « تعليم متنوع جدًّا وأداتي دائمًا

وعملي ». لأجل ذلك، ينسجم التعليم الكولونيالي مع التوزع الطبقي للمغاربة؛ فهناك الأعيان وأغنياء

المدن والحضريون البروليتاريون الحِرفيون والقرويون الذين يتعاطون الفلاحة، وكل فئة تحتفظ بتعليمها الخاص؛ فالمدارس الحضرية (43 مدرسة سنة 1927) تقود أبناء الفئات الشعبية نحو التعليم المهني

ليصبحوا عمالً في ما بعد، وهي مدارس تضمن «التوازن الاجتماعي»، خصوصًا أنها تضمن تعليمًا

إسلاميًا وعربيًا، وتعليمًا فرنسيًا، وأنشطة عملية. بناء عليه، تشتد الحاجة إلى الكتّاب القرآني الذي ينبغي

أن يكون إلى جوار المدرسة الفرنسية الإسلامية حتى يكون الفقيه خاضعًا لمراقبة بيداغوجية مستمرة. من أهم المعوقات التي كانت تقف في وجه السياسة الاستعمارية وتمنع تحقيق أهدافها، نجد مادتي اللغة العربية والدين الإس مااي؛ فقد عمل نظام الحماية على تخفيض الزمان الدراسي الخاص بالمادتين في المدارس العمومية، وكان يمنع تدريس العربية تقريبًا في المدارس الأمازيغية لإحلال

اللغة الفرنسية محلها وتكليف معلمين فرنسيين بتدريسها للأهالي بطريقة نفعية. ساد تصور استعماري كان يحرص على عدم تلقين التلاميذ المغاربة من المعارف غير تلك التي يتطلبها محيطهم الضيق، مخافة حفز الوعي لديهم بالثورة على الاستعمار إذا هم حصلوا على شهادات عليا. ويبرَّر ذلك بوصم عنصري هو قصور ذهنية الأهالي عن تقبّل المعارف المجردة، وفق ما ذهب إلى ذلك

كتاب هاردي وبرونو. ثم إن الانتقاص من دور اللغة العربية راجع، في منظور ديمومبين، إلى أنها ليست اللغة المشتركة لعموم ساكنة المغرب، فضلً عن أن العلاقات التجارية تتطلب لغة الحضارة الحديثة. وإذا كان التعليم المهني لم يعرف النجاح المطلوب بسبب ضآلة حصة التعليم من ميزانية الحماية بحيث لم تكن تتجاوز 7.4 في المئة سنة 1930، فإن الانتقال من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد الحديث خلخل أوضاع الحرفيين، الشيء الذي تطلب عمالً من نوع جديد تلقّوا تعليمًا نفعيًا مهنيًا،

وهو ما تتطلع إليه الرأسمالية الاستعمارية. لذلك وجبت تقوية الحس العملي، أي قدرة المغاربة على

مقاومة مظاهر النفور والكراهية التي أفرزها التجديد والتحديث، وبعبارة أ خرى ضرورة التخلص من التقليد، وتكوين « ذهنية مختلفة جدًا ». المدارس الأمازيغية مدارس قروية في المناطق التي تشهد تداولً لسانيًا أمازيغيًا. وقد قامت السياسة

الاستعمارية في هذا الإطار على عزل الساكنة الأمازيغية عن الساكنة العربية، وتقريب الساكنة الأولى من التقاليد الفرنسية، والحفاظ على الاخت فااات العرقية والثقافية بين المكونين، واستبعاد تدريس

(37) Ibid., 65. (38) Ibid., 71. (39) Ibid., 74. (40) Benzakour, Gaadi et Queffélec, 49. (41) Gaudefroy-Demombynes , 99.

القرآن واللغة العربية، وأن تصبح الفرنسية لغة الإدارة والاقتصاد بالنسبة إلى الأمازيغ، واحتواء الأمازيغية في إطار التفاعل الاجتماعي من دون ترقيتها إلى لغة نظرًا إلى تعدد لهجاتها. وبلغ عدد

المدارس الأمازيغية حتى سنة 1927 ستًّا وعشرين مدرسة. أمّا المدرسة الأمازيغية التي أ نشئت في

مدينة أزرو سنة 1927، فقد أصبحت إعدادية أمازيغية سنة 1929. كانت المدارس الفرنسية العمومية المخصصة للفرنسيين والأجانب مطابقة لمدارس المتروبول، ومجهَّزة أحسن تجهيز، وخاضعة لتكوين فعال ومراقبة بيداغوجية نشطة. أمّا المدارس اليهودية، فكان

عدد تلامذتها في سنة 1912 ما مجموعه 5359 تلميذًا موزعين بين المناطق الفرنسية والمناطق الشمالية الخاضعة للاستعمار الإسباني. وقد قام التحالف الإسرائيلي العالمي بدعم تطوير المدارس وبنائها، ومساعدة التلاميذ الفقراء، وكان ثمة تنسيق بين إدارة الحماية والتحالف الإسرائيلي لتمويل التعليم اليهودي والارتقاء به من التعليم الديني (التلمود) إلى التعليم الحديث، وتوجيه التعليم لخدمة الطائفة اليهودية التي كان عدد أفرادها غداة الحماية قرابة 100 ألف يهودي. ومن الملاحَظ أن عدد

التلاميذ اليهود، وهم من طائفة تشك ل أقلية ديموغرافية وإثنية، كان أكبر من عدد التلاميذ المغاربة وهم الذين ينتمون إلى الأغلبية المجتمعية، ويعزى ذلك، بحسب ديمومبين، إلى عمل التحالف الإسرائيلي من جهة وخصائص العرق والذهنية اليهودية من جهة أخرى.

التعليم والحرف والتجارة: نحو تاريخ اجتماعي للمعرفة والتعليم في المغرب

لا يمكن إدراج مقالات جاك بيرك (1910- 1995) وأبحاثه ضمن الكتابة الكولونيالية، رغم أنه أنتج دراساته ضمن إطارها الزمني والتاريخي، وعمل مراقبًا مدنيًا في الإدارة الكولونيالية ابتداء من

سنة 1934، واستغل عمله لإنجاز أبحاث مهمة بشأن العالم القروي المغربي. وفي سنة 1946 أعد تقريرًا خاصًا دان فيه ممارسات نظام الحماية الظالمة في المغرب، الشيء الذي عرّضه للإبعاد نحو

منطقة نائية في الأطلس الكبير، لكن ذلك لم يمنعه من أن يُجري بحثًا ميدانيًا (سكساوة). والملاحَظ

أن تفكير بيرك متعدد الأبعاد: سوسيولوجي وأنثربولوجي وتاريخي وفلسفي؛ إذ امتدت أبحاثه إلى المستوى المغاربي والعربي عامة. واتسمت كتاباته بملامح إنسانية واجتماعية، ولعل ذلك راجع إلى كونه مثقفًا اهتم بنصرة قضايا الشعوب المقهورة والمستعمرة، من هنا تميُّز تفكيره السوسيو أنثربولوجي

المتحرر من النزعة الاستعمارية والناقد لها.

(42) Ibid., 121. (43) Ibid., 123. (44) Mohamed Benhlal, Le Collège d’Azrou: Une élite berbère civile et militaire au Maroc, 1927-1959 , préface de Daniel Rivet, terres et gens d’islam (Paris: Karthala; Aix-en-Provence: IREMAN, 2005), 115. (45) Ibid., 189. (46) Ibid., 207. (47) Wadi Bouzar, «Jacques Berque et son «autre»,» Confluences Méditerranée 2, no. 41 (Printemps 2002), 182.

يتميز بيرك بمنهجيته القائمة على التفهم الداخلي لثقافة المجموعات الاجتماعية، ولمنطق سلوك الفاعلين على مستوى البواعث والمقاصد في سياق التغيرات التاريخية، مدركًا التفاعلات العميقة بين المجموعات الاجتماعية المتصارعة في الزمان والمكان. لذلك، تبرز لديه بالملموس كفاءة التنقيب عن الوثائق وقراءتها وترجمة معانيها بدقة، والاستقصاء الواسع والمنقطع النظير لمعطيات الميدان المتحولة باستمرار. من هنا، شكلت كتابة بيرك منعطفًا فكريًا وسوسيولوجيًا لكونها أوجدت تناقضات

في صميم الكتابة الكولونيالية، وأبانت عن مأزقها. ينطلق عمل بيرك من محاولة إرساء تاريخ اجتماعي للمجموعات الاجتماعية المغاربية، فاعلين

ومؤسسات. ونراه يركز على القرن الخامس عشر وما بعده، وصول إلى القرن العشرين، راصدًا نخب العلماء، والمؤسسات وتفاعلاتها التاريخية وانعكاساتها؛ ففي مجال التعليم، نجده لا يدرس الظاهرة التعليمية في تطوراتها ونكوصها بمعزل عن الظواهر الأخرى المرتبطة بها، عكس عمل ديمومبين الذي درس التعليم الكولونيالي، نافيًا نقيضه الجدلي الذي هو التعليم الحر الذي أنشأته الحركة الوطنية ردًّا

على طبقية وإثنية التعليم الكولونيالي. ثم إننا نجده يدرس مكون الفقه في براديغم المعرفة في التعليم العالي الإسلامي باعتباره محورًا تاريخيًا لعلاقات المعرفة والاقتصاد منذ القرن الثالث عشر، لمّا كانت

القرويين خاضعة لثقافة الأندلس حتى القرن الخامس عشر، حين بلورت القرويين شخصيتها المتميزة مع الحكم المريني، ثم تراجع الجامع/الجامعة إلى غاية القرنين التاسع عشر والعشرين نتيجة اختزال المعرفة إلى الفقه، وانتقال الدراسة العالمة من الأصول إلى النوازل. والأهم هو بروز مدرسة فاس الفقهية في القرن الرابع عشر والشاذلية في القرن الخامس عشر، وانتظام القرويين مركزًا للأرثوذكسية المالكية. تكمن ميزة بيرك على صعيد التحليل التاريخي الاجتماعي في كونه يرصد الظواهر في التاريخ، ويربط أيضًا بين الظواهر المتداخلة عرضانيًا. لذلك نجده يرصد تطور التعليم في إطار علاقته بما هو حضري،

أي بالمدينة، بمعنى ما هو حرفي وتجاري، حيث كان العلم من خ لاا الفقه يراقب التجارة وأعمال الحرف، ومن ثم كان الفقه، الذي تحول إلى مؤسسة عدلية، جسر عبور بين الوسطين الحضري والقروي. وكانت العلاقة بين الظواهر الثلاث متوازنة نسبيًا إلى أن دخل نسق قيم رأسمالي مضاد

للنسق التقليدي فأفضى إلى تفكيكه، وبذلك تناقض جسم المدينة (أي فاس) وروحها. اصطبغ التعليم العالي الإس مااي في فاس بخصائص الحياة الحضرية، حيث إن ت زااُم المعرفي والقدسي هو الوجه الآخر لاقتران المعرفي بما هو حضري ومديني؛ ففاس، بحسب بيرك، تتطهر بالأضرحة التي لا تحصى والمنتظمة في إطار توزيعٍ متعدد الأجزاء، كل جزء يحيل إلى مسجد

(48) Jacques Berque, Ulémas, fondateurs, insurgés du Maghreb: XVIIe siècle , bibliothèque arabe. Collection hommes et sociétés (Paris: Sindbad, 1982). (49) Jacques Berque, «Ville et université: Aperçu sur l’histoire de l’école de Fès,» Revue Historique de droit français et étranger 27 (1949), 76. (50) Mohamed Kerrou, «Jacques Berque et les villes de l’Islam,» Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée 107-110 (September 2005), https://remmm.revues.org/2834

للخطبة؛ ففي جامع/جامعة القرويين، حيث يتدرب فيها مئات الطلاب على أيدي أساتذة أجلاء، تتكون تلك البنية الروحية التي تحولت إلى ع قااات اجتماعية وتفاع ت إنسانية. وإن الاندفاعة الروحية الصاعدة من هذا الإجماع الذي كوّنته القرويين هي بمثابة انبجاس للماء من حوض يتجلى

من خلال أعمال صالحة في الحياة اليومية للأشخاص وفي تاريخهم الجماعي. تُلهم هذه الاندفاعة الروحية التقاليد واللغة وتوحّد المواقف، وتهدئ الصراعات الاجتماعية وتعليها.

كما أن الهبات والصدقات تستجيب للخدمات البلدية، وهي ترفع من جيل إلى جيل صرح المدينة التاريخية. ويتساءل بيرك كيف يمكن برجوازية فاس، التي تغذت بنزاعات الماضي وبالتقليد المركانتيلي وبمعمار العلامة، على خلاف المعمار الهندسي الأوروبي، أن تقاوم الأزمنة الجديدة، وخاصة ما يتعلق بانتقال القوة الاقتصادية من فاس إلى الدار البيضاء؟ هكذا استغلت فاس إعلان احترام الدين لمواجهة السياسة الفرنسية، ووظفت مجد جامعتها القديمة. ورغم توقف دواليب عجلة الإنتاج بها، ظلت مركزًا ل«الانفعالات والاحتجاجات». وبالتالي، لا

يمكن فهم تدهور أدوار الجامعة من دون ربط ذلك بركود الحِرف وتراجع التجارة، بحسب بيرك. في ظل هذه النظم التقليدية الثلاثة، التي تقهقر كل واحد منها لأسبابه الخاصة ومن خ لاا علاقاتها المتبادلة، تقوم الاستمرارية الحضرية. استرعت انتباه بيرك أهمية التعرض لملامح الطلاب الاجتماعية في جامعة القرويين، فمنهم الحضريون والمنحدرون من المدينة والمشكّلون أقلية قياسًا بالأغلبية المنحدرة من البوادي (البلاد)، والذين يُنعتون

- كما سبق الذكر - بالأفاقيين. لكن الكاتب يدقق في الفوارق الاجتماعية بين هذين النوعين من الشباب في العادات والهيئة الخارجية اللتين تفصلان بين القرويين البسطاء والشباب الفاسي المنزعج، بما هو كوني، والذي تخلى عن دراسة القانون والتشريع الإسلامي لدراسة الآداب تقليدًا للمشرق. إن التصريح بعدم تدخّل سلطات الحماية في جامعة القرويين لا يخفي تدخّلها غير المباشر، ولا الفعل الملموس للوسط الاجتماعي؛ ذلك أن ضغط الأزمنة الحديثة على هذه المؤسسة تفوّق كثيرًا

على الآثار القديمة، ويظهر ذلك في اختفاء الفقهاء القدامى (بلخياط وأحمد بن الجيلالي وبلقرشي) ليحل محلهم فقهاء « سقاهم الدم الجديد » وظلوا مع ذلك في عناد مع الابتكار والتجديد. من هنا يأتي

استحضار النظام الجديد الجامعَ /الجامعة الذي وض ع لتجاوز أزمته، ليكون بمثابة تسوية بين القديم

والجديد. وهكذا، تم تنظيمه على أساس أس ك دراسية (ابتدائية وثانوية وعليا) تمتد اثنتي عشرة

سنة، وأُعدت برامج الدروس والكتب المدرسية وتقنين الامتحانات.

(51) Jacques Berque, Le Maghreb entre deux guerres (Paris: Editions du Seuil, 1962), 177. (52) Ibid., 177. (53) Ibid., 186. (54) Ibid., 191. (55) Ibid., 191.

يرى بيرك أن الأمر يتعلق بتغيير شامل تحقق بفضل بيداغوجيا متنوعة تصارع التفوق القديم للشريعة/الفقه. ويرى أيضًا أن الانق ب في البيداغوجيات الصامدة يؤدي إلى انق ب في الأنفس

والضمائر، وبالتالي يستخلص أن المساجد العتيقة معرضة لمصير محزن يتراوح بين نقد ق دمها

وعتاقتها وقِدم بضاعة مدرّسيها، وزيف التحديث الذي يلحق بها؛ هذا الوضع هو ما حاولت الحركة

الوطنية احتواءه ببرنامج الإصلاحات الصادر سنة 1934.

الخطاب السوسيولوجي والتعليم

يعتبر لوسيان باي (1907 - 1972) من أهم الدارسين السوسيولوجيين في عهد الحماية لنظام التعليم في المغرب ولتطوراته في العصر الحديث. شغل منصب مدير التعليم في المغرب بين سنتي 1938 و 1943 وكان مديرًا للتعليم في تونس كذلك، ووزيرًا للتعليم في فرنسا بين سنتي 1961 و 1962. تفرغ لدراسة

واستقصاء تطورات أنظمة التعليم في المغرب منذ نشأتها إلى غاية الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، أي في المرحلة العصيبة من تاريخ الحماية في المغرب، متوسل بمنهج سوسيو تاريخي وبمفاهيم ذات بُعد دوركهايمي ووظيفي، ومعتمدًا على أبحاث استقصائية خاصة بتجميع إحصاءات

عامة وجزئية بشأن التعليم في مناطق مغربية مختلفة، وتقارير مديري المدارس، وإنجاز أبحاث ميدانية تخص تمثلّات التلاميذ المهنية ومهن الآباء وأسباب الانقطاع المدرسي، وتقديم معطيات كمية تتعلق بتطور أعداد المتمدرسين المغاربة وغيرهم، بحسب الأسلاك الدراسية وأنماط المدارس. يجمع باي بين الوصف والتفسير، بمعنى أنه يرصد نظام التعليم الإس مااي من الكتّاب القرآني إلى التعليم العالي والتفسير، ويتعلق بتحليل المعطيات الكمية وسلوك الأسر والجماعات إزاء التمدرس. لذلك نجده يستعرض التحولات الكبرى التي عرفها نظام التعليم في المغرب بدءًا بالتعليم الإسلامي ومؤسساته (المسجد والكتّاب القرآني والزاوية)، علاوة على منهاج التعليم ومواده، ومكانة المدرس والفقيه والنخبة الجامعية في المجتمع المغربي. انتقل باي إلى رصد التحول الرئيسي في العصر الحديث، وهو إرساء نظام الحماية التعليمَ الحديث

الاستعماري في المغرب، وهو النظام الذي قضى بإصلاح مكوّنات المجتمع من خلال تطوير النخبة

المحلية لتكوين الدولة الحديثة في المغرب، وتعرض للتجربة الاستعمارية في الجزائر وتونس ومدغشقر، واستخلص عقم التجربة الجزائرية التي انتهت إلى اقت عاا مؤسسات التعليم الإس مااي وتعويضها بمؤسسات تعليمية فرنسية. وفي ما بعد، تبيّنت مع ليوتي، المقيم العام الأول للحماية

في المغرب، أهمية مراجعة السياسة الاستعمارية ومخالفة السياسة المعتمدة في الجزائر، وذلك بإقامة نظام جديد يسمح بقيام تعليم مهني من دون القضاء على التراتبات التقليدية والمؤسسات

(56) Ibid., 193. (57) Lucien Paye, Introduction et évolution de l’enseignement moderne au Maroc: Des origines jusqu’à 1956 , ed., introd. et notes par Mohamed Benchekroun (Rabat: Arrissala, 1992), 178.

الموروثة، والعمل على تشكيل أنماط تعليمية تنسجم مع هذه التراتبات، وهو ما لم تعرفه بلدان مستعمَرة كالجزائر وتونس. اهتم باي في دراسته بتحليل «مذهب التعليم» والوسط الاقتصادي والاجتماعي الذي وضع فيه التعليم الاستعماري من منظور ثنائية القروي والحضري، وثنائية الاقتصاد التقليدي والاقتصاد الحديث. ولامس تطور فئات الشباب في المغرب في ث ثااينيات القرن العشرين واتجاهاتها بين التحديث والإصلاح، كما رصد دور المخزن في مجال التعليم وتعليم الفتاة. من أهم الإشكالات التي درسها باي آليات إرساء التعليم الحديث في المغرب، والمعوقات التي اعترضته من منظور السلطة الاستعمارية، وضرورة احتوائها من أجل تطوير الاقتصاد الاستعماري، والفهم السوسيولوجي لذلك انطلاقًا من ربط التعليم بالاقتصاد بأبعاده التجارية والصناعية والفلاحية. هكذا، يتصور باي أن مقتضيات تجديد النظام المدرسي في المغرب بأنماطه المختلفة تختلف عن التوجه المعتمَد في الجزائر وتونس، وذلك لأن الحاجة إلى تعليم نفعي وعملي تكون فعالة، خصوصًا

حينما يكون التعليم مناسبًا للوسط ومتطلبات البلاد، سواء تعلق الأمر بالتعليم الابتدائي أو بالتعليم

الإعدادي (الكوليج)، ومن هنا ضرورة الابتعاد - بحسب الكاتب - عن أي تعليم «كتبي موسوعي». إن تحسين الاقتصاد بسرعة وسهولة، وفق ما تريده الدولة المستعمِرة، يتطلب، بحسب باي، «استقرارًا »

اجتماعيًا وسياسيًا، لذلك نجده يقول « إن القواعد السوسيولوجية والسياسية والسيكولوجية التي يقوم

عليها الصرح/النظام المدرسي المغربي هل توحي بالصابة والاستمرارية أمام دوام التراتب الاجتماعي واستمراره، وتمايز الساكنة العربية والأمازيغية، وخصائص النمط السيكولوجي (...) لدى الطفل المغربي، وضرورة تعليم ملموس وعملي ». يتضح من هذا القول أن مكونات المجتمع تصبح في منظور باي معوقات أمام تحديث التعليم والمجتمع، وهو بذلك يظل وفيًا للأطروحة الاستعمارية. في إطار تعرضه للتعليم التقليدي وعملية إرساء التعليم الحديث، يلامس الكاتب الأحداث الكبرى المؤثرة في مسار التعليم، وخاصة الدور الذي أدته الحركة الوطنية المغربية في المغرب من خلال برنامج الإصلاحات لسنة 1934، وفي الأساس فاعلية لجنة العمل المغربية الرامية إلى تمكين الشعب المغربي من الوسائل التي تتيح له تعلم الديمقراطية في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتوجيه النقد الصارم إلى سياسة الحماية في مجال التعليم، خاصة على مستوى عدم تكافؤ الفرص بين المغاربة والفرنسيين والأجانب واليهود، بما يتعارض مع مفهوم التطور البطيء لليوتي. ويعترف باي بمحدودية التعليم في الوسط القروي ذي الطابع الف حي، والطابع المهني كذلك، « لأن هاجس الفعالية العملية)...(لا يستجيب سوى بطريقة ناقصة لأذواق الساكنة، وبالأحرى

(58) Ibid., 179. (59) Ibid., 198. (60) Ibid., 201 et 206. (61) Ibid., 278 et 280.

لحاجاتهم ». أمّا في ما يتعلق بالمدارس الأمازيغية، فيجد الكاتب مرجعها في مدارس القبائل

الجزائرية، في محاولة للجمع بين التقاليد الأمازيغية غير الإسلامية والمؤسسات الفرنسية. وينتقد باي سطحية المتحمسين لفرْنسة الجماهير بصورة سريعة في الوسط الأمازيغي نتيجة عدم ملاءمة نمط

تعليمي فقير المضمون واختزالي، إضافة إلى محدودية سياسة التهدئة، خاصة بعد أحداث الظهير البربري سنة 1930، وهو ما يدل على أن الشعور الديني أكثر عمقًا لدى الأمازيغ، على خ ف ما تصوره الكتّاب السابقون (مثل بول مارتي وموريس لوغلاي) الذين يجهلون التعقيد البالغ الذي يسم المجتمع الأمازيغي؛ ذلك أن فقيه الكتّاب القرآني في المناطق الأمازيغية يُعتبر « عنصرًا قويًا في نشر

العربية ». ويتضح بحسب الكاتب أن ولاء الساكنة القروية والحضرية للتعليم القرآني ولاء مستمرًا

يتناقض مع الأوهام الاستعمارية، كما أن دعوة الحركة الوطنية إلى توحيد نظام التعليم المغربي يرجع إلى أن المحرك الأساسي لذلك يكمن في اللغة العربية والدين الإسلامي. من معوقات تطور التمدرس الحديث، بحسب باي، هشاشة الاقتصاد؛ إذ «إن أشكال الحياة الاجتماعية وتقنيات الإنتاج والتبادل تظل في حالات عديدة بدائية»، وما دام تطور الاقتصاد (أي الرأسمالية) ضرورة حتمية لتطور نظام التعليم الحديث في المغرب، فإن الحاجات التي عبَّر عنها

الشباب المتمدرس بعد ثلاثينيات القرن العشرين، وخاصة ما يتعلق بإصلاح التمدرس وتنظيم بكالوريا مغربية والحق في ولوج التعليم العالي للحصول على مهن فعالة ومنتجة، كانت تشك ل قلقًا وهاجسًا

متواصلين عند السلطات الاستعمارية، نظرًا إلى ما نجم عن ذلك من تحوّل عميق وسريع في بنية

المغرب الإدارية والسياسية. يتمسك باي، مثله مثل ديمومبين، بمفهوم التوازن الاجتماعي والاقتصادي، ولا يرى في اخت لاا التوازن بين النظام القديم والنظام الرأسمالي الحديث إلا خطرًا محدقًا بالنظام الاستعماري،

خصوصًا أن التعليم الكولونيالي في الوسطين القروي والحضري لم تكن له فعالية في الاقتصادي الجبلي والبدوي لتجاوز حالات البؤس والفقر وتدهور الاقتصاد الحرفي وانحطاطه بفعل التحديث الاستعماري. وبالتالي، يظهر أن الكاتب، الذي حاول منهجيًا نسج كتابة سوسيولوجية وإثنوغرافية

وبلورة تقنيات إحصائية وشهادات وثائقية، لم يقو على التحرر من أسر المفاهيم الكولونيالية السابقة ومن مفعول السحر الرمزي الذي مارسه ليوتي على الباحثين والكتّاب ومحترفي كتابة التقارير في المرحلة الاستعمارية.

(62) Ibid., 244. (63) Ibid., 290. (64) Ibid., 298 et 303. (65) Ibid., 130. (66) Ibid., 476. (67) Ibid., 620. (68) Ibid., 625 et 626.

هكذا، يتضح أن الخطاب السوسيولوجي الكولونيالي بشأن التربية والتعليم في المغرب يُعَدّ رديفًا

أيديولوجيًا للسياسة الاستعمارية، باستثناء كتابات سوسيولوجية محدودة خاصة بالنظر إلى أعمال

بيرك. وقد تطور هذا الخطاب تاريخيًا بالانتقال من الخطاب الإثنوغرافي مع هاردي وبرونو ولوتورنو

- حيث ينظر إلى التعليم الإسلامي المغربي بمنظور أورو مركزي واستعلائي- إلى الخطاب التاريخي

الاجتماعي الذي اهتم بالنظر إلى التعليم في تاريخيته، وصول إلى الخطاب السوسيولوجي مع باي وأندريه أدام في ما بعد، وهو الخطاب الذي تميز بمحاولة التعمق في دراسة آثار التداخل بين التعليم الإسلامي والتعليم الكولونيالي الحديث على المستويات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. اقترن تطور الخطاب بتوسع الرأسمالية الاستعمارية وتوطُّد نظام الحماية، وحاجة هذا الأخير إلى احتواء تناقضات سياساته، وذلك بتفعيل المأسسة العلمية وتوظيف علم الاجتماع لرصد تلك التناقضات واستقصائها، وتقديم التوجيهات اللازمة لإدارة الحماية، خاصة ما يتعلق بمأزق المدارس الأمازيغية الاستعمارية، ومدارس الحركة الوطنية التي عُرفت بالمدارس الحرة، وتصاعد وعي النخب

الوطنية ومختلف الفئات الاجتماعية لمواجهة السياسة الاستعمارية، ولا سيما منذ بدء عقد الثلاثينيات من القرن العشرين إلى غاية استقلال المغرب سنة.1956

خاتمة

من خ لاا عرض محتوى أهم الكتابات الفرنسية التي نُشرت خ لاا النصف الأول من القرن العشرين، وهي تتعلق بالتعليم والتربية في المغرب، اتضح أنها بلورت مفاهيم استعمارية وتصورات أيديولوجية تبرر وتشرعن المخطط الاستعماري الذي استهدف استغ لاا الإنسان والمجال من جهة، وحاول إرساء الرأسمالية الاستعمارية من جهة أخرى. وكان التعليم هو المحرك الرئيسي لإنجاح مخطط الحماية، وذلك بإرساء أنماط تعليمية إثنية وطبقية ومناطقية تخالف ادعاء الخطاب الاستعماري باحترام الهوية والمؤسسات الموروثة. ويبدو جليًا أن عملية إرساء المخطط

الاستعماري في مجال التعليم كان يقتضي إعادة بناء الحس العملي للمغاربة ليتوافق مع النظام الجديد، أي تغيير التركيبة الذهنية والسيكولوجية للناشئة، وهو المفهوم المركزي عند معظم الكتّاب الكولونياليين. من أهم الخ صات التي يتعين تسليط الضوء عليها هي، ع وااة على الضعف الشديد لحصيلة التعليم الكولونيالي في المغرب بالنسبة إلى المغاربة قياسًا بالفرنسيين والأجانب، نجد تراكم الكتابة

الاستعمارية حول التعليم، والاعتماد المتبادل بين الكتّاب في صوغ الوقائع والمواقف وإعادة

الخطابات الوصفية وتكرارها، وتخل ف هذه الكتابة وعزلتها عن التطورات الحاصلة في حقلي السيوسيولوجيا والعلوم الاجتماعية في القرن العشرين، وانغلاقها داخل مفاهيم وأطروحات تطورية ووظيفية متجاوزة. وصوغ هذه الكتابة في مستوياتها الإثنوغرافية والسوسيولوجية للوقائع مهم في حد ذاته أحيانًا، إلا أنه يظل مؤطرًا بالأيديولوجيا الاستعمارية التي تمنعه من أن يكون متصفًا

بالعلمية المطلوبة. ويستدعي هذا المعطى الأخير نقد الخطاب الكولونيالي بخطاب المجتمع

حول ذاته، ولا أدل على ذلك من الأهمية التي تكتسيها كتب التراجم للفقهاء والكتّاب والمؤرخين المغاربة، لكونها تتعرض لظواهر تعليمية، كتعدد المدارس في الجبال والبوادي وفي المدن الصغرى، وليس فقط في العواصم، كما أنها ترصد سيرورة الانتقال نحو الأستاذية والنخبة العلمية في تاريخ المغرب. حقًّا ثمة تفاوت لدى الكتّاب والباحثين من حيث درجة اعتناق الأيديولوجيا الاستعمارية، وهو ما نلحظه متضخمًا عند هاردي وبرونو وديمومبين، في حين يظل الحضور الأيديولوجي باهتًا لدى

لوتورنو لغلبة الوازع العلمي والتوثيقي في الكتابة، وكذلك في العمل الإثنوغرافي الجاد الذي تناول فيه لبيرتيي مدارس فاس. لعل كتابات بيرك تُعَدّ نقيضًا ل يأأديولوجيا الاستعمارية، واستحضارًا للحظة العلمية في الخطاب،

وتميزًا إنسانيًا وفهميًا لآخر، مدركًا أن التعليم الإس مااي نتاج حضارة، وأنه بنية اجتماعية لا حالة

بدائية أو أولية. وقد أنتج بيرك، الذي يسمَّى « رجل الضفتين »، أعماله في ظرفية تاريخية طغى فيها

الخطاب الاستعماري. ويبدو أن الانغماس في المسؤوليات داخل الإدارة الاستعمارية لدى بعض الباحثين ساهم في نقل الكتابة السوسيولوجية والإثنوغرافية من التعاطي العلمي الموضوعي إلى احتراف تزييف الوعي، أي وعي الذات ووعي الآخر، وهو ما ن حظه في عمل باي الذي لا تندرج انتقاداته للسياسة الاستعمارية إلا في إطار إص ح نظام الحماية لا التعرض لأساسه الأيديولوجي والثقافي، رغم أنه عاصر أفول المد الاستعماري واكتشف أن مواجهة المستعمر تحققت من داخل حركية سياسية ومجتمعية نشأت من المؤسسات المسماة «بدائية»، وتولدت على هامش مدارس الحماية من خ لاا التنظيمات المضادة ليس في المغرب فقط، وإنما في مجموع بلدان المغرب العربي أيضًا، رغم الاختلافات الجزئية للسياسات التعليمية الكولونيالية التي سادت فيها. References

المصادر والمراجع

العربية

الخطيبي، عبد الكبير. «مراحل السوسيولوجيا بالمغرب، 1967-1912:.» في الحوليات المغربية لعلم الاجتماع. الرباط: معهد العلوم الاجتماعية،.1970 السوسي، محمد المختار. المعسول. ج 1. الدار البيضاء: مطبعة النجاح،.1960 فاوبار، محمد. المدرسة والمجتمع في المغرب. الدار البيضاء: دار النجاح الجديدة،.2011 لوتورنو، روجي. فاس قبل الحماية. ترجمه إلى العربية محمد حجي ومحمد الأخضر. ج 2. بيروت: دار الغرب الإسلامي،.1986

الأجنبية

Badie, Bertrand. Culture et politique. 3ème éd. rev. et augm. Paris: Economica, 1993. (Collection politique comparée) Bayart, Jean-François. L’Illusion identitaire. Paris: Fayard, 1996. (L’Espace du politique) Benhlal, Mohamed. Le Collège d’Azrou: Une élite berbère civile et militaire au Maroc, 1927-1959. Préface de Daniel Rivet. Paris: Karthala; Aix-en-Provence: IREMAN, 2005. (Terres et gens d’islam) Benzakour, Fouzia, Driss Gaadi, et Ambroise Queffélec. Le Français au Maroc: Lexique et contacts de langues. Préf. de Danièle Latin. Bruxelles; [Paris]: De Boeck Université- Duculot; [Montréal; Paris]: AUPELF-UREF, 2000. (Actualités linguistiques) Berg, Bruce L. Qualitative Research Methods for the Social Sciences. 4 th ed. Boston: Allyn and Bacon, 2001. Berque, Jacques. Le Maghreb entre deux guerres. Paris: Editions du Seuil, 1962. ______. Ulémas, fondateurs, insurgés du Maghreb: XVIIe siècle. Paris: Sindbad, 1982. (Bibliothèque arabe. Collection hommes et sociétés) ______. «Ville et université: Aperçu sur l’histoire de l’école de Fès.» Revue Historique de droit français et étranger 27 (1949). Bouzar, Wadi. «Jacques Berque et son «autre».» Confluences Méditerranée 2, no. 41 (Printemps 2002): 181-190. Brunot, Louis. Au seuil de la vie marocaine: Les Coutumes et les relations sociales chez les marocains. Casablanca: Farairre, 1950. Citron, Suzanne. Enseigner l’histoire aujourd’hui: La Mémoire perdue et retrouvée. Paris: Les Éditions ouvrières, 1984. Eickelman, Dale F. «The Art of Memory: Islamic Education and its Social Reproduction.» Comparative Studies in Society and History 20, no. 4 (October 1978): 485-516. Elias, Norbert. La Dynamique de l’Occident. Trad. par Pierre Kamnitzer. Paris: Calmann-Lévy, 1975. (Archives des sciences sociales) Etemad, Bouda. La Possession du monde: Poids et mesures de la colonisation, XVIIIe- XXe siècles. Bruxelles: Editions complexe, 2000. (Questions à l’histoire) Gaudefroy-Demombynes, Roger. L’Oeuvre française en matière d’enseignement au Maroc. Paris; Troyes; Barcelone: Les Presses modernes; Librairie orientaliste Paul Geuthner, 1928.

Grossier, Alfred, Bertrand Badie, and Marc Sadoun, dirs. L’Autre. Paris: Presses de sciences po, 1996. Gruzinski, Serge. La Colonisation de l’imaginaire: Sociétés indigènes et occidentalisation dans le Mexique espagnol: XVIe- XVIIIe siècle. Paris: Gallimard, 1988. (Bibliothèque des histoires; 69) Hamon, Philippe. Texte et idéologie: Valeurs, hiérarchies et évaluations dans l’œuvre littéraire. Paris: PUF, 1984. (Ecriture; 19). 10.3917/puf.hamon.1997.01 Hardy, Georges. L’Ame marocaine d’après la littérature française. Paris: E. Larose,

______. Les Colonies françaises. Le Maroc: Choix de textes précédés d’une étude. Paris: H. Laurens, 1930. ______. Histoire sociale de la colonisation française. Paris: Larose, 1953. ______, et Louis Brunot. L’enfant marocain: Essai d’ethnographie scolaire. Editions du «Bulletin de l’enseignement public au Maroc», Janvier 1925, no. 63. Paris: E. Larose, 1925. ______, et Paul Aurès. Quoi? Comment? Pourquoi? Choix de leçons de choses à l’usage des écoles primaires du Maroc: Livre du Maitre. Editions du «Bulletin de l’enseignement public du Maroc», Janvier 1924, no. 55. Paris: E. Larose, 1924. Kerrou, Mohamed. «Jacques Berque et les villes de l’Islam.» Revue des mondes musulmans et de la Méditerrané e 107-110 (September 2005). https://remmm.revues. org/2834 Kok-Escalle, Marie-Christine. Instaurer une culture par l’enseignement de l’histoire: France 1876-1912: Contribution à une sémiotique de la culture. Berne: P. Lang, 1988. (Publications universitaires européennes. Série 3, histoire, sciences auxiliaires de l’histoire; 364) Laroui, Abdallah. Islam et modernité. Paris: La Découverte, 1987. (Armillaire) Le Stéréotype: Crise et transformations. Colloque de Cerisy-la-Salle, 7-10 Octobre 1993, organisé par le centre de recherche sur la modernité, université de Caen; actes publ. sous la dir. d’Alain Goulet. Caen: Presses universitaires de Caen, 1994. Littératures et temps colonial: Métamorphoses du regard sur la Méditerranée et l’Afrique: Actes du colloque d’Aix-en-Provence, 7-8 avril 1997. Organisé par le Centre des archives d’Outre-mer, [Mémoires méditerranéennes et l’IREMAM, Institut de recherches et d’études sur le monde arabe et musulman]; sous la dir. de Jean-Robert Henry et Lucienne Martini. Aix-en-Provence: EDISUD, 1999. Marty, Paul. Le Maroc de demain. Paris: [s. n.], 1925.

Memmi, Albert. Portrait du colonisé; Précédé du Portrait du colonisateur. Préface de Jean-Paul Sartre. Paris: J.-J. Pauvert, 1966. Pageaux, Daniel-Henri. La Littérature générale et comparée. Paris: A. Colin, 1994. (Collection cursus. Série littérature) Paye, Lucien. Introduction et évolution de l’enseignement moderne au Maroc: Des origines jusqu’à 1956. Ed., introd. et notes par Mohamed Benchekroun. Rabat: Arrissala, 1992. Péretié, A. «Les Médersas de Fès.» Archives marocaines 18 (1912). Putnam, Hilary. «La Sémantique est-elle possible?.» In Centre d’études du lexique, La Définition. Paris: Larousse, 1990. (Langue et langage) Rachik, Hassan, et Rahma Bourqia. «La Sociologie au Maroc: Grandes étapes et jalons thématiques.» Sociologies (2011). http://sociologies.revues.org/3719. Rivet, Daniel. Lyautey et l’institution du protectorat français au Maroc: 1912-1925. Paris: L’Harmattan, 1988. 3 vols. Said, Edward W. Culture et impérialisme. Trad. de l’anglais par Paul Chemla. Paris: Fayard; Le Monde diplomatique, 2000. Savarese, Eric. L’ordre colonial et sa légitimation en France métropolitaine: Oublier l’autre. Paris; Montréal: L’Harmattan, 1998. (Logiques politiques)