سوسيولوجيا الهجرة والتحضر أمام اختبار البراديغم البنائي
Sociology of Migration and Urbanization in View of the Structural Paradigm Test
الملخّص
الكتاب: الثقافة والمجال: دراسة في سوسيولوجيا التحضر والهجرة في المغرب الكاتب: عبد الرحمان المالكي الناشر: مختبر سوسيولوجيا التنمية الاجتماعية/ جامعة سيدي محمد بن عبد الله في فاس/المغرب سنة النشر: 2015 عدد الصفحات: 309
Abstract
** Professor of Anthropology and Sociology at the Faculty of Arts and Sciences, University of Ibn Tofail, Kenitra, Morocco.
- الثقافة
- سوسيولوجيا التحضر
- الهجرة في المغرب
- Sociology of Urbanization
- Culture
- Migration in Morocco
الكاتب: عبد الرحمان المالكي مكان النشر: فاس/ المغرب سنة النشر 2015: عدد الصفحات: 309
يهدف هذا المقال إلى إبراز
مسارات انعكاس المسلَّمات النظرية والإبستيمولوجية للبراديغم البنائي على نتائج وخاصات الدراسات التي تتبناها في مجال سوسيولوجيا الهجرة والتحضر، وذلك من خال قراءة نقدية تحليلية لكتاب الثقافة والمجال: دراسة في سوسيولوجيا التحضر والهجرة في المغرب
لمؤلفه عالم الاجتماع عبدالرحمان المالكي.
تمهيد
لا شك في أن متتبّع إنتاجات علماء الاجتماع
المغاربة في السنوات الأخيرة سيسجِّل اهتمامًا
الكتاب: الثقافة والمجال: دراسة في سوسيولوجيا التحضر والهجرة في المغرب الناشر: مختبر سوسيولوجيا التنمية الاجتماعية/ جامعة سيدي محمد بن عبد الله
متزايدًا بظاهرة التحضر السريع التي يعرفها المغرب، وذلك بمحاولة تشخيص المتغيرات الشارطة التي تشكّلها وتهيكلها وتحددها، أي عبر رصد محدداتها السوسيولوجية العامة، واستجاء أبعادها وحواملها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والإيكولوجية المختلفة. لعل من نافلة القول أن هذا الاهتمام المتزايد يعكس اهتمامًا مجتمعيًا خاصًا بهذه الظاهرة،
وطلبًا مكثفًا للسوق الثقافية على الأبحاث
التي تتناولها. وهو، بالتالي، نوع من المواكبة العلمية لأهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية
والثقافية والسياسية التي مست المغرب في السنوات الأخيرة، والتي من أهم مؤشراتها وصول نسبة التحضر فيه إلى 60.3 في المئة سنة 0142 في مقابل 55.1 في المئة سنة 0042، وتعدُّد أشكاله وتضخُّمها، وتفاقم السكن «السري»، وتناسل مدن الصفيح، وهجرة قروية كثيفة... إلخ. في مساق هذا المناخ الاجتماعي العام،
الذي شكّل محركًا ومحفزًا كبيرًا لاهتمام
علمي يستهدف إنتاج معرفة علمية مطابقة عن شرطيات التحضر وتفاعاته المعقدة، باعتباره سيرورة ديموغرافية (الهجرة القروية) وسوسيولوجية (الاندماج الاجتماعي والثقافي بالمدينة أي استيعاب الثقافة الحضرية)، تندرج مساهمة الباحث السوسيولوجي عبد الرحمان المالكي بالكتاب، موضوع هذه المراجعة. نذكر أننا لا نسعى من خال هذه الورقة إلى تلخيص هذا العمل أو مناقشة أفكاره بإسهاب وتفصيل، بل نهدف، هنا والآن، إلى مساءلة خلفيته النظرية والمنهجية بتركيز دال وهادف، لفتح حوار علمي حول بعض الإشكالات التي تطرح نفسها على الباحث المهتم بقضايا التحضر ومسائل الهجرة. إنها قراءة بهدف منهجي واضح يسعى إلى رصد الإطار النظري والإبستيمولوجي للدراسة وتحليله، وإبراز مستتبعاته على نتائجها وتخريجاتها العامة.
أطروحة الكتاب وإشكاليته
بنفَس سوسيولوجي عميق ذي غاية تفسيرية لا إخبارية أو إرشادية، حاول المؤلف أن يعالج إشكالية العاقة بين الثقافة والمجال،
أي مسارات الانتقال من التحضر الكمي إلى التحضر الكيفي، انطاقًا من فرضية مركزية مؤداها أن التحضر الكمي الذي تعرفه المدينة المغربية الحديثة بفعل الهجرة القروية (فاس نموذجًا) يتحول تدريجيًا إلى تحضر كيفي
تختفي فيه الفوارق القروية/الحضرية. حاول المؤلف من خال هذه الفرضية أن يكثف إجابته التقريبية والموقتة هاته عن الأسئلة الفرعية التالية: • هل هناك سلوك وثقافة خاصة يتميز بهما سكان المدن من سكان القرى؟ • هل يتأثّر سكان القرى بهذه الثقافة حين ينتقلون إلى المدينة؟ وكيف؟ ومتى؟ • هل هناك أوساط حضرية خاصة (أحياء)، لكلٍّ منها ثقافته الخاصة، أم هناك ثقافة حضرية واحدة هي السائدة (أوهي التي ستسود)؟ • هل يساهم المجال (الإيكولوجيا) في تكييف سلوك المهاجر الوافد إليه، أم العكس، أي إن هذا الوافد الجديد (المهاجر القروي) هو الذي يؤثر في هذا المجال، ويكيّفه بحسب قيمه
وأنماط عيشه الخاصة؟ في ما يشبه خاصة عامة، هي بمثابة اختبار تأكيدي لصدق الفرضية التي انطلق منها المؤلف، نقول إنه ينتهي إلى تأكيد أن التحضر المجالي (اتساع مساحات المدن ومداراتها الحضرية) والديموغرافي (ارتفاع عدد ساكنة هذه المدن باستمرار) لا بد من أن يتحول إلى تحضر ثقافي كذلك (أي اكتساب، ومن ثم اعتماد، منظومة سلوك وقيم جديدة تختلف عن المنظومة السائدة في البادية).
خلفية الكتاب النظرية والإبستيمولوجية
إن انتقال القارئ من التصفح السريع لمحتويات الكتاب، الذي يجعله، با شك، يستشعر فورًا
العناية الفائقة في ترتيب موضوعاته وتبويبها، إلى القراءة المتأنية والمتروية لنصوصه، لا بد أن يستوقفه وضوح مقاصده وجاء مقدماته وانعكاس خلفيته النظرية وحمولته المنهجية على نوعية خاصاته وطبيعة نتائجه؛ وضوح منهجي أضفى على الكتاب قيمة بيداغوجية وتكوينية مهمة وصفاء نظريًا نعتقد أن مفتاح
فهمهما لا نجده فقط في قدرة الباحث على الانضباط والالتزام بشروط وأعراف الممارسة العلمية الجادة، بل نجده أيضًا في تلك التجربة التدريسية والبيداغوجية الكبيرة التي راكمها طوال حوالى ثاثة عقود في رحاب جامعة ظهر المهراز في فاس. إنها تجربة يبدو أنها منحته قدرة كبيرة على التمييز والوضوح والدقة , discernement () nuance، ووهبته جرأة مماثلة على الحسم بين الاصطفافات النظرية والمصادرات الإبستيمولوجية والاختيارات الميتودولوجية، في موضوعات لا نسعى من خالها إلى الوصول إلى الحقيقة بل الانتقال فقط «من معرفة أقل صحة vraie moins إلى معرفة أكثر صحة vraie plus، أو لنقُل مع غاستون باشار، إلى معرفة معدّلة rectifiée ». وبالتالي، يجب
ألّ نخلط، من خالها، بين الرغبة في موضعة l’objectivation)) الواقع الاجتماعي والسعي إلى تحقيق الموضوعية. ما هي إذًا أهم المحطات التي يمكن أن تشكل مبيِّنًا لكشف هذا الوضوح النظري
والإبستيمولوجي لدى عبد الرحمان المالكي؟
تجنّب الخلط المفاهيمي أو هاجس الدقة والإجرائية
إيمانًا بأن «وضوح المفاهيم المستعملة لا يوصل بالضرورة إلى إدراك الواقع، لكن على الأقل يخلص الباحث من التساؤلات الزائفة»، يتوقف المالكي برهة عند بعض المفاهيم المتشابهة، والتي تُستعمل أحيانًا مرادفات، ليدقق في معانيها. كما أنه يعمل، درءًا
لكل التباس أو غموض قد يشوب استعمالها، على تحويل بعض المفاهيم الأنقليسية (anguilles - notions) التي تنفلت من بين أيدينا، إلى مفاهيم إجرائية، بغية الالتفاف على حمولتها النظرية الكثيفة وحقلها الدلالي الواسع. وبذلك يميز الباحث – مثا - بين الهجرة (migration) والحراك mobilité))؛ بين الهجرة النازحة émigration)) والهجرة الوافدة immigration))؛ بين المهاجر والزائر؛ بين الوسط - البيئة والوسط الاجتماعي؛ بين الاندماج الكمي والاندماج المجالي؛ بين المجال الطبيعي (الفيزيقي) والمجال الاصطناعي والمجال الاجتماعي؛ بين المجال الذاتي والمجال الموضوعي؛ بين الثقافة والتثاقف، وأخيرًا بين الواقعة الاجتماعية والفعل
الاجتماعي.
البراديغم البنائي أو الفاعل قبل البنية
غني عن البيان أن من أهم الإشكالات النظرية والإبستيمولوجية التي رافقت ظهور العلوم الإنسانية بشكل عام والسوسيولوجيا بشكل خاص، إشكالية عاقة الفرد بالمجتمع، أي عاقة الفاعل بالبنية، وعاقة الحرية
بالضرورة، وعاقة الفاعلية الإنسانية بالحتمية القدرية، وعاقة إرادة الناس بإكراهات الواقع وضروراته. يمكن اختزال أبعاد هذه الإشكالية وعالمها في حزمة من الأسئلة التالية: لفهم ظاهرة اجتماعية معينة، هل يجب الانطاق، في إطار عمليات البناء والتحليل، من محدداتها العامة والشاملة التي تنتجها، أي من الواقع في كليته، أم الانطاق من السلوكات الفردية ومن المعنى الذي يضفيه الفاعلون عليها؟ هل المحددات الاجتماعية، أي الجماعات الاجتماعية والممارسات الاجتماعية والتمثات الجمعية، كفيلة وحدها بتفسير سلوك كل فرد، أم يجب الإمساك بتجربته المعيشة، وبمنطقه الخاص ومبادراته واختياراته وحسابه العقاني المؤسَّس
على لغة الربح والخسارة، وباستراتيجيته الخاصة... إلخ؟ هل موضوع علم الاجتماع هو الواقعة الاجتماعية أم الفعل الاجتماعي؟ هل موضوع علم الاجتماع شيء أم ذاتٌ حاملة للمعنى؟ هل الإنسان كائن (معطى) موضوعي أم ذاتٌ لها حياة داخلية وسريرة روحية غير قابلة للقياس والتجريب؟ هل الإنسان معطى يمكن التنبؤ بأفعاله وقياسها أم أنه كائن دلالي لانهائي؟ هل الذات آلة منهجية أم أنها ذاتٌ فاعلة في دراسة موضوعها وفي تكوينه؟ هل توجد المعطيات في الواقع أم نحن نبنيها؟ هل الحقيقة هي التطابق بين الفكرة والواقع أم بالفكرة فقط نمسك بالواقع؟ هل الحقيقة عقانية أم تجريبية موضوعية؟ هل نتوصل إلى الحقيقة عن طريق الدحض réfutation)) أم عن طريق هيرمينوطيقا الكشف (dévoilement)، أم عن طريق التكميم الإحصائي والتفسير بتحويل
الظاهرة الاجتماعية إلى عدد رياضي، أم عن طريق الفهم والتأويل؟ هل يمكن العلم أن يتخلص من الحس المشترك؟ هل يوجد علم خالص تغيب فيه المعرفة اليومية بشكل مطلق؟ أفرزت الإجابات عن هذه الأسئلة عمومًا
تصورين إبستيمولوجيين وميتودولوجيين مختلفين في التعامل مع الواقع الاجتماعي وكيفيات الإمساك به: التصور الميكروسوسيولوجي: يؤكد الكاتب أن التحليل السوسيولوجي يجب أن ينطلق من الفرد؛ فهو الذي يمنح الظاهرة الاجتماعية شكلها وبناءها. وبالتالي، يجب أن يركِّز التحليل على الوحدات الصغرى، والتفاعات المرتبطة بالعاقات بين الأفراد، والمفاوضات التي تجري بين الفاعلين الاجتماعيين لاستجاء تضارب أسباب الفعل الفردي وتعدد دلالاته الاجتماعية بالنسبة إلى الفرد، أي استجاء المعنى الذي يضفيه الفاعل على سلوكه. فهذا التصور يعترف بقدرة الفرد على المبادرة والاختيار والحساب العقاني؛ إنه يعطي الأولوية للفاعل ومنطق فعله
في تشكّل البناء الاجتماعي على حساب أسس المجتمع الأنثروبولوجية العامة، لأن الأفراد هم، في منظور هذا التصور، من يمتلكون قدرة كبيرة على إعادة تملّك هذه الأسس (قيم، معايير، معتقدات، تابوهات اجتماعية...إلخ) وإعادة تأويلها وصوغها من جديد لجعلها تتناسب مع أهداف الفاعل. بعبارة أخرى، يمتلك الأفراد قدرة كبيرة على المناورة والمراوغة وخرق هذه الأسس بشكل «مقبول» اجتماعيًا، لأنهم ليسوا
بآلات أوتوماتيكية مبرمجة بواسطة المجتمع، ولا نتاجًا خالصًا لتنشئتهم الاجتماعية، بل
هم قادرون على صنع تاريخهم والتأثير في بيئتهم.
التصور الماكروسوسيولوجي: يقر بأسبقية المجتمع على الفرد، لأن هذا المجتمع واقع موضوعي يربى وينشأ اجتماعيًا. فلدراسة
ظاهرة معينة، يجب أن يُبدأ باستجاء خصائص
المجتمع الشاملة وتبيان خصائصه، أي التعرف إلى المحددات والشروط السوسيواقتصادية والثقافية العامة التي تفرز هذه الظاهرة؛ فالسلوكات الاجتماعية لا يمكن اختزالها في الحصيلة العامة لمجموع السلوكات الفردية، لأن الكل يفيض عن مجموع أجزائه، أي أن الكل ليس هو محصلة مجموع هذه الأجزاء، بل شيء أكبر من ذلك. لهذا، فإن هذا التصور يعطي المجتمع قدرة تفسيرية كاملة، ويماهي بين الفاعل والنسق، ويفترض أن الفعل الاجتماعي ليس سوى تنفيذ لمعايير وقيم مؤسساتية وأدوار يستدخلها الأفراد ويستبطنونها. وبالتالي، ينبغي أن ينطلق التحليل السوسيولوجي من دراسة الأشكال الاجتماعية الكبرى والبنى والأنساق والمنظمات والمؤسسات الكبرى، لإبراز دورها في تشكيل مضامين السلوكات الفردية وتحديدها، وتشكيل معاني هذه السلوكات وتحديدها، لأن المجتمع يشمل الفرد ويتجاوزه. أمام هذين التصورين، يبدو موقف الباحث المالكي واضحًا: إنه ينتصر للتصور الأول، أي
لدلتاي وماكس فيبر وجورج زيمل وألفرد شوتز وجورج هربرت ميد وهربرت بلومر وهوارد بيكر وارفنك كوفمان وكارفينكل ورايمون بودون... إلخ، على حساب ماركس ودوركهايم وكلود ليفي ستراوس وبيير بورديو... إلخ. إنه ينتصر لاتجاه الفينومينولوجي بمدارسه المختلفة، مثل التفاعلية الرمزية الاتجاه الاثنوميتودولوجي،
والفردانية المنهجية، على حساب الاتجاه الوضعي والماركسي والوظيفي والبنيوي، لكن من دون السقوط في الفردانية الراديكالية التي تفترض أن الفرد يتحرك في فراغ بنيوي اجتماعي ومؤسساتي. لماذا؟ لأن الباحث المالكي يسلّم بكون «الوقائع الاجتماعية تنبثق من الأفعال والتمثات الفردية»، وبالتالي، فإن موضوع علم الاجتماع عنده يصبح، استتباعًا، هو الفعل الاجتماعي وليس الواقعة الاجتماعية، أي ليس «الواقع» وإنما التمثات التي يكوّنها
الأفراد عنه. إنه لا يسلّم بوجود واقع اجتماعي مستقل عن وعي الأفراد وإرادتهم، بل يرد الواقع الاجتماعي إلى التمثل الذي يكون لدى الأفراد تجاهه؛ فالمجتمع، في نظره، ليس نسقًا خالصًا من النظام ordre)) والسيطرة، بل هو
مجموعة من القواعد والإكراهات يتعلم الفاعل استعمالها أو الالتفاف عليها عوض احترامها، لأن ليس هناك ترابط ضروري بين مأسسة القيم وتنشئة الفاعلين الاجتماعية. وهكذا، يصبح العمل السوسيولوجي عما إنتاجيًا وليس عما تسجيليًا للواقع،
يبتغي وصف «السيرورات السياقية الأولية»
) les processus primaires de contextualisation (
المختلفة، وتحليل أشكال المنطق الاجتماعي المتحكمة في الممارسات الاجتماعية في وضعية معينة) situ in). وبهذا، فإن رفضه النزعة العلموية، التي تنتج في الغالب خطابًا تقنيًا يلغي الذات القادرة على
التساؤل والنقد والمبادرة والرفض والاختيار والتخطيط والتفكير... إلخ، جعله يفضّل المقاربة الكيفية على حساب المقاربة الكمية، أو لنقُل البحث عن «التنوع» في مقابل البحث
عن «التكرار»، مستبعدًا فكرة التراتب والتفاضل بين المعرفة العلمية العالمة والمعرفة اليومية التي تشكل إحدى مسلَّمات البراديغم الوضعي. بتعبير آخر، تجاوز الفصل الإبستيمولوجي بين السوسيولوجيا العالمة والسوسيولوجيا التلقائية الذي يقود إلى اعتبار الأولى هي الأصدق والثانية عبارة عن كام غير ممحَّص؛ فانطاقًا
ممّا يُعرف ب «مبرهنة طوماس» de théorème (
) Thomas التي تقول «إذا ما اعتبر الناس بعض الوضعيات كوضعيات واقعية، فإنها ستكون واقعية بنتائجها»، يؤكد المالكي أن ما يقوله الناس في أحاديثهم «ليس عاريًا عن الصحة،
لكونه عاديًا ويوميًا، وربما ساذجًا، ولكون اللغة
التي قيل بها تنقصها الباغة والبيان. إن المبدأ الذي ينبغي أن ينطلق منه الباحث السوسيولوجي في تعامله مع المقابات المنجزة هو أن ما يقوله المبحوث حقيقة، أي حقيقته هو على الأقل، والتي يتصرف على ضوئها ويؤمن بها والتي قد يحدث أن تتعارض أوتتنافى مع تصوراتنا وقناعاتنا حول نفس الموضوع». المعرفة اليومية إذًا تفكر، وهي أكثر تعقيدًا وأكثر عقانية مما نعتقد، لأنها تستند إلى منطق عملي خاص. إنه استنتاج دال يتقاطع المالكي من خاله مع رواد التفاعلية الرمزية والاتجاه الاثنميتودولوجي الذين اشتغلوا على منطق المقولات المؤسسة للتجربة والتفكير في اليومي.
البراديغم البنائي والهجرة
بعد أن تعرفنا، في ما سبق، إلى طبيعة خلفية الدراسة ومرتكزاتها النظرية والإبستيمولوجية، يبدو مفيدًا طرح التساؤل التالي: ما انعكاسات اعتماد البراديغم البنائي constructiviste))
واستتبعاته، وهو البراديغم الذي يقود حتمًا
إلى أنطولوجيا نسبوية (relativiste) تسلِّم بتعدد الوقائع وتعقدها ويقود، بالاستتباع، إلى إبستيمولوجيا ذاتوية subjectiviste))، تؤكد أن معنى فعل معين لا يمكن استجاؤه إلا في
سياق العاقة بين الماحِظ والماحَظ، على
مسارات التفكير والبحث في الهجرة القروية إلى فاس ونتائجهما؟ أو لنقُل كيف انعكست مصادرات هذا التصور على خاصات هذه الدراسة؟ - رفض النزعة التنميطية التجانسية للمهاجرين القرويين بالقطع مع تلك الرؤية التي تعتبر أن الهجرة القروية متجانسة، وغير متمايزة، وتخضع للمحددات الاجتماعية نفسها؛ فرغم تشابه وضعيتهم السوسيواقتصادية، ياحظ الباحث أن المهاجرين القرويين هم أبعد من أن يشكّلوا كتلة أو شريحة اجتماعية منسجمة على مستويات المسار البيوغرافي وتاريخ الهجرة والتمثات للمدينة والتطلعات والانتظارات... إلخ. - تأكيد أن الهجرة ليست عملً أو فعلًاعتباطيًا،
ولكنها قرار مدروس ومحسوب، وذلك من خال المقارنة بين مزايا الهجرة إلى المدينة ومثالب هذه الهجرة؛ فالمهاجر - يقول المالكي - حين يقرر الهجرة، «ينخرط في بناء استراتيجية خاصة ودقيقة من خالها يتمكن من الانتقال من مجال حياتي إلى مجال حياتي آخر مختلف عنه تمامًا. ولكن هذا الانتقال لا يحدث على
شكل طفرة أو قفزة في المجهول، لأن المهاجر ليس هو المتشرد أو التائه بل هو إنسان اقتصادي بالدرجة الأولى، يقوم بأفعال عقانية وغائية بالمعني الفيبيري».
- إن الاقرار بالبُعد التعددي للواقع، واعتماد
النظرة المشكالية Kaléidoscopique)) التي تُسلِّم بتعدد محددات الفعل الاجتماعي (الإكراهات، القيم، المصالح، الانفعالات، الانتظارات...)، وتعدد أوجه الفاعل - خاضع نسبيًا للمجتمع ومستقل نسبيًا عنه، تقوده
انفعالاته ورغباته تارة، ومصالحه تارة أخرى، ويكون في بعض الأحيان عقانيًا ولامعًا ويظل
في أحيان أخرى سجين ذاتيته - قادا الباحث إلى استبعاد التفسير السببي الأحادي لفعل الهجرة. وهكذا، يقول، «إن أسباب الهجرة تتعدد بتعدد المهاجرين، ومن الصعب القول بأن هذا المهاجر أو ذاك قرر النزوح من قريته لسبب اقتصادي أو عائلي محض. ولذلك تحدثنا عن شبكة من الأسباب بالنسبة للمهاجر الواحد». وفي سياق دفاعه عن التعدد السببي وتحذيره من الوقوع في شرك التصورات الاختزالية لفعل الهجرة، يضيف قائا: «إن السبب الذي يتم ايراده كعامل مباشر وحاسم لاتخاذ قرار الهجرة وتنفيذه، غالبًا ما يأتي على لسان
المبحوثين كعامل مركّب، أي إن المستجوب يسرد في نفس الوقت عدة أسباب متتالية، وبعضها يؤدي للبعض أو ينتج عنه، إنها عوامل تتداخل وتتعاقب»؛ فسبب الهجرة يظل، في نظره، وبصورة دائمة، «سببًا مركّبًا» من الصعب
أن نعزل فيه النفسي عن السوسيواقتصادي، والذاتي عن الموضوعي، وبالتالي لا بد من الاعتراف، وفق منظور تكاملي ونظرة شمولية، بالأهمية النسبية التي يحتلها كل عامل من هذه العوامل في صنعها. إن الخصائص الموضوعية التي تميز المجال القروي والمجال الحضري لا تشكّل وحدها
فعل الهجرة، بل هناك أيضًا تصورات الأفراد وتمثاتهم لهما، إضافة إلى رأس مالهم الاجتماعي داخل المدينة، أي الزيارات السابقة للمدينة، وعاقات الصداقة والعائلة التي يتوفرون عليها. هذا يعني أن الاعتماد على) répulsion / attraction) نظرية الطرد والجذب لا يكفي وحده لتفسير واقع الهجرة، بل لا بد من الاستنجاد بنماذج تحليلية أخرى، مثل نظرية الشبكات ورأس المال الاجتماعي. لماذا؟ لأنه إذا كانت الأسباب الإيكولوجية الاقتصادية أسبابًا مركّ بة في واقع الأمر، يقول الباحث،
«فكذلك الشأن بالنسبة لما نصنفه هنا كأسباب اجتماعية عائلية. فمن الأكيد أنها بدورها تتحول في لحظة من اللحظات كلحظة البحث عن الشغل أو التشغيل الفعلي إلى أسباب اقتصادية. ولكن ما نسجله بالنسبة للعوامل الاجتماعية العائلية هو أن الهجرة بسببها تتخذ شكل مفاعيل تضعيفية (multiplicateurs effets) من خال تشكل وعمل الشبكات الهجرية. فغالبًا ما يعتمد المهاجر الجديد على المهاجرين
السابقين لتنفيذ قرار الهجرة. فالمهاجر الأول يصبح ممهدًا ونموذجًا بالنسبة لأفراد الأسرة
الآخرين أو للأصدقاء». إذا كان الأمر كذلك، فإن مسالة «تقطيع» واقعة الهجرة إلى مراحل ثاث أو مقاطع ثاثة (ما قبل الهجرة، فعل الهجرة، ما بعد الهجرة)، يضيف المالكي، هي فقط، وفي الأساس، عملية منهجية تستدعيها غاية التحليل والتوضيح التي يقتضيها كل بحث مماثل. طبعًا، نجد نوعًا من
التقاطع مع رؤية عبد المالك الصياد الذي يؤكد أن الهجرة نسق معقد من «متغيرات الانطاق» و«متغيرات الوصول»، وبالتالي لا يمكن القيام بسوسيولوجيا الوفود (émigration ’ l)
من دون القيام، في آن واحد، بسوسيولوجيا النزوح (immigration ’ l) لأنهما وجهان لعملة واحدة. من الافت أن هذا التقاطع لا يبدو فقط في طريقة مقاربة فعل الهجرة، بل يبدو أيضًا في تدعيم المالكي بعض الاستنتاجات التي انتهى إليها الصياد بشأن بعض ثوابت التجربة الهجرية، سواء كانت داخلية أو دولية.
في بعض ثوابت التجربة الهجروية
يبدو أن خاصات المالكي تتكامل نسبيًا مع
استنتاجات عبد المالك الصياد بشأن بعض مامح التجربة الهجرية التي يمكن التوقف عندها، مثل: - أسطورة العودة، أو وهم المؤقت (l’illusion du provisoire) الذي يتحول إلى دائم: في حديث عن الهجرة القروية إلى فاس، يقول المالكي: «وبما أن المدينة تتغير مع الزمن، فمن الطبيعي أن يغير المهاجر نظرته إليها كذلك. بل إننا ناحظ نوعًا من الارتداد للوراء ومحاولة إيهام النفس بأن الهجرة العكسية ممكنة (شريطة التوفر على أرض سقوية)». إنه الاستنتاج نفسه الذي توصل إليه الصياد عند دراسته الهجرة الجزائرية إلى فرنسا، عندما أكد أن فكرة العودة عنصر مهيكل لوضعية المهاجر؛ إنها متضمنة بشكل جوهري في التسمية وفي فكرة) émigration - immigration النزوح- الوفود (ذاتها. إنها في نظره أحد أهم الأوهام الجماعية الازمة لنضج فكرة التفكير في مغادرة بلد
الانطاق أولً، وفي تحقق هدا المشروع ثانيًا،
أي انتقاله من حال الكمون إلى حال التحقق،
وبعد ذلك في إعادة إنتاج الظاهرة داخل بلد الوصول وتضخيم حجمها. بكلمات أخرى، يخفي التشبث بوهم العودة الطبيعةَ الحقيقية للهجرة باعتبارها هجرة دائمة. - التذرع بالعمل travail) du alibi ’ l): في قراءة تصورات المهاجرين للفوارق بين العمل في المدينة والعمل في القرية، يؤكد المالكي أن
الهجرة القروية إلى المدينة هي أولً، وقبل كل شيء، هجرة من أجل العمل. ويضيف قائا: «فالعمل في المدينة يمتاز عن العمل في البادية بالتنوع وتعدد فرصه وكونه سها بالمقارنة مع العمل الفاحي الشاق. فالعمل تم اعتباره من بين العوامل الجاذبة للمدينة والطاردة من البادية». وقد توصل الصياد إلى الخاصة نفسها عندما اعتبر أن العمل هو إحدى الأكاذيب الجماعية المازمة للهجرة؛ إنه ذريعة معنوية) moral alibi (يبرر بها المهاجر الجزائري في فرنسا ما يسمّيه «خيانته» الأساسية أو «خطأه
الأصلي» المتمثل في مغادرته أهله وذويه. والدليل على هذا هو ارتفاع منسوب المعاناة النفسية لدى المهاجر الذي يفقد عمله لسبب من الأسباب، لأن مبرر هجرته، أمام نفسه وأمام الآخرين، هو العمل الذي يخفف عادة من أزمة الضمير التي تطارده دائمًا بسبب مغادرة أهله.
وبالتالي، يؤكد الصياد أن مؤسسة الضمان الاجتماعي عادة ما تخطئ، في أثناء تعرض المهاجر لحادثة شغل، عندما تحاول التكتم على حجم أضراره الجسدية وقياسها من دون أن تلتفت إلى آثار هذه الحادثة في بنائه النفسي والهوياتي الذي تتعمق أزمته لأنه فقد مبرر وجوده في فرنسا.
- التقييم الإيجابي للمشروع الهجري: في هذا الصدد يقول المالكي: «لاحظنا أن الغالبية العظمى من المهاجرين يبدون رضاهم عن هجرتهم ويعتبرون أنهم بحراكهم قد تمكنوا من إنقاد أنفسهم وعائلتهم». من الافت أن هذا الرضى عن الذات يتكرر عادة، بصيغ مختلفة، في شهادات وتصريحات أغلب المهاجرين الدوليين أيضًا رغم قساوة الظروف التي قد يعيشونها في باد المهجر. في هذا السياق، يعتبر عبدالمالك الصياد أن التقييم الإيجابي للمشروع الهجري والدفاع عنه ربما لا يعدوان أن يكونا نوعًا من التبرير الاجتماعي الذي يظل في نهاية المطاف نوعًا من الأوهام والأكاذيب الجماعية التي تظل أحد الشروط الأساسية لإعادة إنتاج الهجرة، لأن اعتراف المهاجر بفشل مشروعه الهجري هو اعتراف بعجزه عن أن يكون «رجلً» (أي صبورًا ومقدامًا وذا مروءة)
بعيدًا عن أهله وذويه (أي بعيدًا عن دواره وحيّه
وقريته ومدينته ووطنه.. إلخ).
خاتمة
لا شك في أن كل محاولة لبلورة نظرية سوسيولوجية واحدة وكلية تأخذ بعين الاعتبار جميع الأشكال المعقدة للهجرة، وتحولاتها محكوم عليها بالفشل لأنها ستكون فارغة من كل محتوى تفسيري دال؛ فسوسيولوجيا الهجرة، كما يقول ستيفان كاستيل، يجب أن تقاوم إغراء الرغبة في بلورة النظرية الكبرى البعيدة المدى لتركز على تعقد الفعل الاجتماعي وتناقضاته وآثاره غير المتوقعة، أي الاكتفاء بالنماذج النظرية ذات المدى المحدود، بالبراديغمات وببناء التصنيفات/النمذجات (Typologies). هذه الأشكال التنظيرية الثاثة
تستدعي رصدًا دائمًا للوقائع وتجميعًا مستمرًا
للمعطيات في إطار زماني ومكاني محدد، قبل القيام بأي محاولة تعميمية تجاه أسباب الهجرة وآثارها. إذا كان الأمر كذلك، فباحتكامه، انطاقًا من البراديغم البنائي، إلى المعطيات والوقائع المتعلقة بالهجرة القروية إلى مدينة فاس، وتقاطع استنتاجاته مع خاصات بعض الدراسات حول الهجرة الدولية، يكون المالكي قد وضع حجرة مهمة في معمار ذلك البناء النظري المطلوب الذي يسمح بتشخيص المحددات والحوافز المتحكمة في كل حركة هجرية، وبتفسير مراحلها وتقاطعاتها المختلفة، والتنبؤ بنتائجها بعيدًا عن وهم النظرية الكبرى. ختامًا، إذا كانت فضيلة كل كتاب جدير بالقراءة
لا تقاس فقط بكثافة المعارف التي يضيفها إلينا، بل أيضًا وأساسًا بما يثيره في أنفسنا
من أسئلة، فكتاب الثقافة والمجاليعلمنا، بوضوحه المنهجي ودقته التحليلية، أن الوعي السوسيولوجي يبتدئ بدرس في المنهج والمنهاج، ومن فاته الدرس هذا فاته الفكر والتفكير السوسيولوجي، ويجعلنا، استتباعًا،
نتساءل: أليس تعريف السوسيولوجيا انطاقًا من زاوية نظرها الخاصة vue, de point () perspective، ومن نموذج العلمية الذي تنشده، أي انطاقًا من القواعد الذهبية للبرهان raisonnement)) السوسيولوجي بنسيجه) Texture discursive) الاستطرادي الخاص به (أي منهجها) يفرض علينا نفسه أكثر من تعريفها انطاقًا من حقول أو مجالات تدخلها
) conception domaniale ou territoriale (
(أي موضوعها)؟
الهوامش
نذكّر القارئ بأن هذا الكتاب ليس آخر إصدار لعبد الرحمان المالكي، بل أعقبته دراسة أخرى نُشرت في بداية هذه السنة. انظر: عبد الرحمان المالكي، مدرسة شيكاغو ونشأة سوسيولوجيا التحضر والهجرة (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.)2016 أي عكس السوسيولوجيا المهنية caméraliste)) التي
تخبر وترشد renseigner)) أكثر مما تفسر (expliquer).
(3) Pierre Bourdieu, Jean-Claude Chamboredon and Jean-Claude Passeron, Le Métier de sociologue: Préalables épistémologiques , contient un Entretien avec Pierre Bourdieu recueilli par Beate Krais, 5ème éd. (Berlin; New-York: Mouton de Gruyter; [Paris]: [EHESS], 2005), p. 20.
عبد الله العروي، مفهوم الإيديولوجيا، ط 5 (الدار
البيضاء: المركز الثقافي العربي، 9931)، ص.129 (((5 نسبة إلى سمك الأنقليس الزئبقي والمهاجر.
المراجع
العربية
كتب
العروي، عبد الله. مفهوم الإيديولوجيا. ط 5. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1993 المالكي، عبد الرحمان. الثقافة والمجال: دراسة في سوسيولوجيا التحضر والهجرة في المغرب. فاس: كلية الآداب - ظهر المهراز، مختبر سوسيولوجيا التنمية الاجتماعية،.2015 ________. مدرسة شيكاغو ونشأة سوسيولوجيا التحضر والهجرة. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2016
الأجنبية
Bourdieu, Pierre, Jean-Claude Chamboredon and Jean-Claude Passeron. Le Métier de sociologue: Préalables épistémologiques. Contient un Entretien avec Pierre Bourdieu recueilli par Beate Krais. 5 ème éd. Berlin; New-York: Mouton de Gruyter; [Paris]:
Sayad, Abdelmalek. La Double absence: Des illusions de l ’ émigré aux souffrances de
Castles, Stephen. «La Migration du XXIe siècle comme défi à la sociologie.» Migrations société. vol. 17, no. 102: Le Grand tournant: De l ’ émigration à l ’ immigration
(6 المالكي، الثقافة والمجال، ص.144 (7 المرجع نفسه، ص 183 -.184 (8 المرجع نفسه، ص.164 (9 المرجع نفسه، ص.165 (1 المرجع نفسه، ص 176 -.177
(11) Abdelmalek Sayad, La Double absence: Des illusions de l’émigré aux souffrances de l’immigré , préf. de Pierre Bourdieu, liber (Paris: Ed. du Seuil, 1999), p. 15.
(1 المالكي، الثقافة والمجال، ص.197 (13) Sayad , p. 114. (1 المالكي، الثقافة والمجال، ص.207 (1 المرجع نفسه، ص.184
(16) Stephen Castles, «La Migration du XXIe siècle comme défi à la sociologie,» Migrations société, vol. 17, no. 102: Le Grand tournant: De l’émigration à l’immigration en Europe et ailleurs (Novembre- Décembre 2005), pp. 19 - 44.
References
Books
[EHESS], 2005.
l ’ immigré. Préf. de Pierre Bourdieu. Liber. Paris: Ed. du Seuil, 1999.
Periodical
en Europe et ailleurs (Novembre-Décembre 2005), pp. 19 - 44.