تقرير عن مؤتمر
The Civic Role of Arab Universities
الملخّص
تقرير عن مؤتمر "الدور المدني للجامعات العربية". الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية بالتعاون مع معهد عصام فارس للسياسات (في الجامعة الأمريكية بيروت)، 21-22 نيسان/أبريل 2016
Abstract
Report on «The Civic Role of Arab Universities» Conference Le banese Association for Educational Studies i n a ssociation with Issam Fares Institute (American University of Beirut), April 21 - 22, 2016
- مجتمع مدني
- علوم تربوية
- جامعات عربية
- Conference
- Arab Universities
- Civic Role
الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية بالتعاون مع معهد عصام فارس للسياسات (في الجامعة الأميركية في بيروت) 21 - 22 نيسان / أبريل 2016
Report on «The Civic Role of Arab Universities» Conference
Lebanese Association for Educational Studies In association with Issam Fares Institute (American University of Beirut), April 21 - 22, 2016
يأتي مؤتمر «الدور المدني للجامعات العربية»، الذي عقدته الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية بالتعاون مع معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية، في الجامعة الأميركية في بيروت، في 21 - 22 نيسان/أبريل 0162، تتويجًا لمشروعٍ بحثي حول هذا الموضوع، أداره الباحث الرئيسي عدنان الأمين، المخضرم في الدراسات التربوية، وخاصة الدراسات المتعلقة بالتعليم العالي. وقد اعتمد البحث على النشاطين، المكتبي (تحليل مضمون للمواقع الإلكترونية لبعض الجامعات العربية وبعض السجات الأخرى للجامعات) والميداني. هذا المؤتمر هو من المؤتمرات العربية غير العادية، لأسباب ثاثة: أولً، إنه مؤتمر غير شِللي، كونه مبنيًا على دعوة عامة لتقديم المقترحات؛ إذ وصل إلى لجنة المؤتمر أكثر من 791 ورقة مقترحة جرت غربلتها ليصبح الرقم 51 ورقة فقط (انظر التحليل الرائع لهذه الغربلة، وبالتالي للخداع البحثي الذي يقوم به بعض الباحثين العرب في العلوم الاجتماعية)، إضافة إلى الباحثين الذين شاركوا في
المشروع البحثي. ثانيًا، جرى تأمين الترجمة الفورية باللغتين العربية والإنكليزية، وهذا نادر، وخاصة في سياق الجامعة الأميركية في بيروت. ثالثًا، نُقلت أعمال المؤتمر إلكترونيًا بصورة مباشرة، وبثّت لاحقًا عبر ال «يوتيوب». شكّلت الورقة الخلفية الناظم الأساسي للمؤتمر؛ فبحسب الأمين، هناك سببان يدعوان إلى التفكير في دور يسمّيه «الدور المدني» للجامعات، وهو دور يضاف إلى دوريها الكاسيكيين، أي التعليم والبحث. السبب الأولهو النزعة الاقتصادية، النيوليبرالية، التي تجتاح مؤسسات التعليم العالي عبر العالم، وهي نزعة تعطي الأولية للتنافس ولمتطلبات السوق. وقد تطور النقد إلى نزعة مضادة عبر «إعان تالوار» (Talloires Declaration) بشأن «الأدوار المدنية والمسؤولية الاجتماعية للتعليم العالي» (0052)، وكذلك «تحالف الجامعات العربية نحو المشاركة المدنية - معاً»، كشبكة فرعية إقليمية لتالوار. أما السبب الثاني، فهو سياسي، ويقصد الأمين غلبة الاعتبارات السياسية في حكامة الجامعات، أي خضوع القرارات الإدارية والمالية، وحتى الأكاديمية، لاعتبارات تفرضها السلطة السياسية، بما في ذلك التعاقد مع الأساتذة وتعيينهم وترقيتهم، وبه يتغذى الجو الجامعي سياسيًا، وهذا يشمل الخطاب والبرامج والأنشطة وغيرها، وسيادة التعليم التلقيني، والتضييق على الحريات الأكاديمية. والسياسة لا تأتي من فوق فحسب، بل تأتي من صفوف الأساتذة والطاب أيضًا، مع تزايد النزاعات السياسية في الجامعة. تناول المؤتمر، المؤلَّف من 72 ورقة بحثية (12 ورقة من الفريق البحثي و 51 ورقة من خارجه) في محاور خمسة، سأفصّل في ما جاء في بعض الأوراق التي رأيت أنها مهمة.
خطاب الجامعات عن الديمقراطية
يُقصد بهذا الخطاب الحديثُ عن حرية التعبير والحريات الأكاديمية والمشاركة، فضا عن تعبير الديمقراطية نفسه. وقد اعتبر منير السّعيداني (المعهد العالي للعلوم الإنسانية - جامعة تونس المنار) أن خطاب الديمقراطية خافت في معظم الجامعات العربية، وأن ثماني جامعات عربية فقط تقدّم برنامجًا دراسيًا مخصوصًا في الديمقراطية، منها صفاقس (برنامجان)، والأميركية في القاهرة (برنامجان)، وأسيوط و 6 أكتوبر واليسوعية وبير زيت، برنامج واحد لكلّ منها. ورأى أن كلما كنا في جامعة عريقة وتحرّرية في نظامها التعليمي وموجودة على الأغلب في المشرق العربي (مصر ولبنان وفلسطين والأردن..)، كنا أقرب إلى خطاب جامعي في الديمقراطية واضح وحاسم وذي صبغة استراتيجية. وربما منظوره أكثر تشاؤمًا من الباحثة روضة بن عثمان التي تنظر بعين الرضى نسبيًا إلى الجامعات في تونس، إذ ترى أنها «تدمقرطت» بدافع من اتحادات الأساتذة والطاب. ويبيّن عادل الشجاع (جامعة صنعاء) أن في بعض الأحيان، عندما تعكس الجامعة الوضع العام الحاضن للحريات العامة التي كفلها الدستور، كما في الحالة اليمنية، يشكل الميراث الأيديولوجي
عند القيادات العلمية التي لم تتسم بالنضج الفكري ولم تلتزم بأخاقية المهنة وقوانينها عائقًا أمام نشر الفكر الديمقراطي في الجامعة. طبعًا، الوضع الحالي في الدول التي تشهد صراعات ما بعد الانتفاضات العربية هو وضع أكثر تعقيدًا، وهذا ما سلّطت رئيسة الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية ندى منينمة الضوء عليه في الكلمة الافتتاحية، قائلة إن المنطقة تمرّ بظروف سياسية صعبة وتشهد نزاعات ومظاهر تطرّف، وإن المؤتمر يسعى إلى دراسة العاقة بين أحوال الجامعات والأوضاع السياسية في البلدان العربية. وقد قدّم لنا محمد صالح رحيل (جامعة سرت) في هذا السياق شهادة قاتمة عن الجامعات في ليبيا بعد خمس سنوات من سقوط نظام الدكتاتور القذافي. ولعل قصة رحلته إلى بيروت، عبر منطقة محفوفة بأخطار «داعش»، أكبر دليل على قتامة الوضع هناك. فبالنسبة إليه، يضع النظام التشريعي لعمل الجامعات الليبية جملة من القيود والعقبات القانونية على طريق العملية العلمية، وهو ما يعوق هذه المؤسسات عن القيام بدورها بفاعلية؛ فهو يمارس عليها دورًا رقابيًا صارمًا تجاه أعمالها، بما يتنافى مع استقاليتها، فضلً عن تفويض المؤسسات الرسمية العليا صاحيات مطلقة في التعيين، أو إقالة الهيئات العلمية والإدارية في الجامعات الليبية في أي وقت، وهي التي تسن لها لوائحها الداخلية.
المواطَنة وحقوق الإنسان
بينت هويدا عدلي رومان (المركز القومي للبحوث الاجتماعية – مصر) في ورقتها عن موقع قيمة المواطَنة لدى الجامعات العربية، أنه نادرًا ما رُبط بين المواطَنة والديمقراطية، على الرغم من أن التطور التاريخي الحقيقي للمواطَنة ارتبط على نحو أساسي بالتطور الديمقراطي؛ فالديمقراطية بجوهرها وآلياتها هي الضامن الأساسي لحماية حقوق المواطَنة. ولعل سبب ذلك هو طبيعة الأنظمة الاستبدادية في كثير من الدول العربية. كما أظهرت أن خطاب جامعات المغرب العربي كان محكومًا بفكرة سائدة عند تناوله الهوية الوطنية، وهي الهوية الجامعة التي يُشدَّد فيها على انتماء المواطن ومسؤوليته في خدمة باده وتنمية مجتمعه، ولم يجرِ التعرض للتعدد الهوياتي الموجود في هذه المجتمعات إلا في أضيق الحدود. كما بينت أن قيمة العدالة متدنية مقارنة بالتنوع والتسامح والحوار، وأن طرح الجامعة الأميركية في القاهرة هو أكثر الطروحات نضجًا في تناوله قضية الحوار والتسامح مقارنة بباقي الجامعات. أما جامعة الأزهر، فكان مفهوم الحوار لديها منحصرًا في الحوار مع الآخر الحضاري، وهو ما يعكس الإشكالية التاريخية بين الأنا والآخر في الثقافة العربية الإسامية. هناك مقررات متناثرة حول المواطَنة والتربية على المواطَنة. لكن مقررات حقوق الإنسان هي الأكثر انتشارًا في الجامعات العربية، ويبقى السؤال عن مدى فعالية تعليم هذا المقرر؛ فقد تناول خالد محمود (كلية التربية – جامعة الإسكندرية) دور الجامعات المصرية في التربية على حقوق الإنسان، وقال إن المجلس الأعلى للجامعات استجاب لتضاعف الاهتمام بتعليم حقوق الإنسان عالميًا منذ أواخر التسعينيات، واعتمد في سنة 0042 استحداث مقرر جديد تحت اسم «حقوق الإنسان» ليكون مقررًا إجباريًا في الجامعات كافة. وقامت جميع الجامعات المصرية بتطبيق القرار،
لكن إعطاء الأهمية اختلف بين جامعة وأخرى؛ إذ وضعت جامعة الزقازيق لمادة حقوق الإنسان مقررًا إجباريًا يتعين على الطالب أن ينجح فيه، ولا يحتسب ضمن معدله الدراسي في جميع الكليات، بينما يحتسب في جامعات أخرى. وعلى أي حال، هناك تطورات إيجابية مع الزمن؛ فعلى سبيل المثال، كان في العراق قبل سنة 0032 مادة الثقافة الوطنية والقومية باعتبارها فلسفة النظام السياسي البعثي، من خال كتب علمية لمراحل الدراسة الجامعية الثاث: الأولى والثانية والثالثة، بينما افتقدت مادة حقوق الإنسان الإلزامية التي دُرست في ما بعد المركزية والتوحيد في المفردات الدراسية، وتُركت للأقسام العلمية حرية تحديد ما تراه مناسبًا.
ثقافة القانون
خصص عدنان الأمين ورقة مهمة لثقافة القانون في الجامعات العربية، من خال دراسة خطاب 36 جامعة، حيث رصد ضعف خطاب ثقافة القانون، وعزا ارتفاع حضوره أحيانًا إلى الصدفة المحضة. ولاحظ أن مامح الثقافة القانونية لعدد من الجامعات تتغير مع الانتقال من الخطاب إلى المناهج. ومن أبرز الجامعات التي تصبح في الطليعة في المناهج، بعد أن كانت في أدنى السلّم في الخطاب: جامعة تونس المنار وجامعة صفاقس وجامعة أسيوط والجامعة الأردنية وجامعة أبو ظبي. جامعة واحدة فقط تتراجع مكانتها بقوة في المناهج مقارنةً بالخطاب، هي الجامعة اللبنانية. إذا كان الخطاب يجسد المناخ الجامعي والبرامج تجسد الإعداد من أجل المهن، فإن المناخ الجامعي يحتضن التعسف من فوق حينًا ومن تحت في أحيان أخرى. وهذا يصح على أغلب الجامعات العربية، في القطاعين الحكومي والخاص على حد سواء. والأمثلة التي يستحضرها الأمين كثيرة، ومنها قضية نصر حامد أبو زيد في مصر، والتعيينات وتفرُّغ الهيئة التعليمية في لبنان وعراق ما بعد سنة 0032، وحكم الحزب الواحد في سورية وعراق ما قبل سنة 0032، وسيطرة العشائر والمخابرات في الأردن. ويوضح خالد صاح (جامعة الإسكندرية) في هذا السياق الوضع الحالي الحرج في مصر من حيث انخفاض الحرية الأكاديمية المتاحة للطاب، وضعف درجة ممارسة الطاب الأنشطة الطابية والسياسية، وتدخّل إدارات الكليات في ممارسة الأنشطة المختلفة، وتحريم الاشتغال بالأمور السياسية، ومنع الاجتماعات والتظاهر، ووجود معوقات أمام ممارسة الطاب حرياتهم الأكاديمية، وهي من أبرز حقوق الطاب.
الالتزام المدني وخدمة المجتمع
بينت غادة الجوني (الجامعة اللبنانية) أن الالتزام المدني في الجامعات العربية بدأ يحضر كخطاب في كثير من الجامعات العربية، وكان ذلك بدفع من «إعان تالوار» و«تحالف الجامعات...». ولكن المفهوم لم يجسَّد إجرائيًا على المستوى المطلوب لتحقيق أهداف هذا الإعان، ولم يُرتِّب على الجامعات التزامات جدّية تؤدّي إلى تقديم نموذج عن الجامعة الملتزمة مدنيًا. ولاحظت الجوني تضاؤلً تدريجيًا في حجم ورود المعاني عند الانتقال من الخطاب إلى البرامج ومن ثم إلى المقررات.
وكما مفهوم الالتزام المدني، فإن مفهوم خدمة المجتمع حاضر في خطاب معظم الجامعات العربية، بل هناك وحدات متخصصة بخدمة المجتمع في عدد من البلدان والجامعات (الجامعات الحكومية في مصر). وقد بينت ورقة علي سالم عريفة (كلية بوكسهل - الكويت) أن هناك اتجاهين في فهم الموضوع: أحدهما يقوم على المعنى التطوعي وخدمة المجتمع المحلي، والآخر يقوم على التزام الجامعة بخدمة المجتمع ككل، وكاهما خافت في العالم العربي. بدأ المؤتمر في جلسته الأولى بثاث أوراق عن قصص نجاح تتعلق بمساهمة مراكز الأبحاث الجامعية في تطوير السياسات. الورقة الأولىمن ريما نقاش (الجامعة الأميركية في بيروت)، ودور أحد مراكز هذه الجامعة في تكوين ملف علمي حول موضوع مهم جدًا للصحة العامة، وهو منع التدخين، والمتمثّل في ثاث حمات: حملة مناصرة لدى الرأي العام، وحملة ضغط (lobbying) لدى النواب خال ثاثة أعوام حتى صدور القانون رقم 741 الصادر بتاريخ 92 آب/ أغسطس 0122، وأخيرًا حملة من أجل نشر ثقافة تطبيق القانون المذكور. وكان طارق متري، مدير معهد عصام فارس، قد تطرق في كلمته الافتتاحية للمؤتمر إلى دور الجامعة الأميركية في بيروت في حثّ طابها على العمل والتطوع المدني، وإلى دور المعهد، باعتباره مؤسسة وسيطة، في حثّ الباحثين على إصدار توصيات في أبحاثهم تساعد في رسم السياسات العامة. وهذا يتفق مع واحدة من نتائج أبحاثي، وهي ضرورة وجود مؤسسات وسيطة لربط البحث بحاجات المجتمع المحلي. الورقة الثانية من موسى شتوي (الجامعة الأردنية) الذي عرض تجربة مركز السياسات الاستراتيجية في هذه الجامعة في صناعة السياسات، وكيف أن هذا المركز فرض هوامش من الاستقالية بالنسبة إلى الحكومة، على الرغم أن الجامعة عامة. أما الورقة الثالثة، فكانت لهبة أبو شنيف التي تناولت مساهمة مركز غرهارت للعطاء الاجتماعي والمشاركة المدنية والمسؤولية الاجتماعية في الجامعة الأميركية في القاهرة في تشكيل «الجيل الجديد» من القياديين وقادة المجتمع المدني، وفي تعزيز البيئة المائمة للمواطَنة الاجتماعية المسؤولة. هذه القصص يجب ألّ تخفي الوضع العام الذي تشوب بيئته معوقات سياسية ومؤسساتية؛ ففي حالة البحرين، بيّن موسى فتيل (كلية البحرين للمعلمين) أن غالبية مؤسسات التعليم العالي الخاصة تشير بشكل غير مباشر إلى خدمة المجتمع في وضع قيمها، إلا أن ذلك يتعارض مع ما ذكرته تقارير وحدة مراجعة أداء مؤسسات التعليم العالي، التابعة لإطار الوطني للمؤهات وضمان جودة التعليم والتدريب، عن مؤسسات التعليم العالي الخاصة؛ فهي لا تخصص ميزانية مالية محددة لأنشطة خدمة المجتمع، كما يتعارض ذلك أيضًا مع خطط خدمة المجتمع الموضوعة من هذه
المؤسسات، إضافة إلى أن جميع مؤسسات التعليم العالي الخاصة تطرح فعاليات وأنشطة ترتبط بمجال خدمة المجتمع، إلا أن هذه الفعاليات والأنشطة غير مخطط لها ضمن استراتيجية المؤسسة. وقد أشارت تقارير الإطار الوطني للمؤهات وضمان جودة التعليم إلى أن غالبية مؤسسات التعليم العالي لم تضع خططًا واضحة لأنشطة خدمة المجتمع. ويستنتج بالتالي أن بُعدَ خدمةِ المجتمع يرتبط باستراتيجيات مؤسَّسات التعليم العالي الخاصّة، بشكل أو بآخر؛ إذا ما نظرنا إلى ما هو مكتوب في رؤى هذه المؤسَّسات ورسائلها وقيمها، إلا أن الواقع الفعلي مغاير لما هو مكتوب في هذه الاستراتيجيات. كان عرض آيات نور الدين (طالبة دكتوراه - الجامعة اللبنانية) متميزًا؛ فهي درست أنواع الأنشطة الطابية في كلية العلوم في الجامعة اللبنانية (الحدت) التي حصلت خال العام الجامعي 015 - 2014.2 وبينت أن أنشطة هذه الكلية توزّع بين الجهات المنظّمة: تتقاسمها، من غير تساوٍ، جهات عدّة، لا يلزم الباحثَ الكثيرُ من الجهد ليستنتج أن للتعبئة التربوية الحزبية «حصّة الأسد» فيها (وخاصة من حزب الله وحركة أمل)، حيث يكثر فيها التلقيني والوعظي أكثر منه الحواري والنقدي. إذًا، تُظهر نور الدين بانوراما لأنشطة طابية متنوّعةِ الماهيات تُنظّم داخل الكليّة، وتحمل في تفصياتها الهوية الثقافية لمنظّميها. وتصبح الأنشطة مضمارًا لتنافس لتلك الهويات الثقافية المختلفة. أخيرًا، بيّنت ورقة ليلى يوسف (الجامعة العربية المفتوحة - لبنان) من خال دراستها ستة جامعات لبنانية أن خدمة المجتمع المحلي تتجاوز موضوع الغَيْرِيّة (altruism)، فهي تساهم برفع رأس المال الاجتماعي لدى الطلبة المتطوعين، وتسّهل لهم إيجاد عمل بعد التخرج.
تعليم الإنسانيات والعلوم الاجتماعية وبيداغوجيا التقصي والمداولة
إن تعليم الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، أو ما تسمى «الآداب الحرة» (Liberal Arts) في التعليم الأنغلو-سكسوني، هو جزء لا يتجزأ من الدور المدني للجامعات العربية، فمن دون تعليم هذه العلوم كاختصاصات وكمقررات تعلَّم لسائر الطاب، يصبح الخريجون مجرد أدوات وسلع في سوق العمل، أو يأتمرون بأمر السلطات السياسية من دون نقاش، ولأن تعلّمها يؤسس لمفاهيم مدنية، كالديمقراطية والمواطَنة وثقافة القانون. وكما يبين كمال أبو شديد (جامعة سيدة اللويزة)، فإن الآداب الحرة تؤسس لبداغوجيا التقصي والمداولة من خمسة معان: التعلم التعاوني؛ حل المشكات؛ التفكير النقدي؛ التطبيقات؛ المناقشة/المناظرة. ويلفت أبو شديد الذي أجرى دراسة على خطاب 36 جامعة عربية، النظر أيضًا إلى أن 1.7 في المئة فقط من كلمات خطب هذه الجامعات تناولت مثل هذه المعاني. ومن خال دراسة الحالة الليبية، لفت محمد صالح رحيل الانتباه إلى أن المفاهيم بحزمتها (الديمقراطية وحرية التعبير والشفافية، والتسامح واحترام حقوق الآخرين والتنوع وقضايا المرأة) لم تشكل لا في الفترة السابقة ولا الآن مواد للبحث والنقاش في أدبيات العلوم الاجتماعية، ضمن المقررات
الدراسية لأقسام علم الاجتماع في ليبيا بشكل عام، وفي جامعة سرت على وجه الخصوص؛ فمفهوم الديمقراطية كما تعرضه أدبيات المقرر العلمي في قسم علم الاجتماع غير مطروح للنقاش إلا ضمن المقرر الوحيدة (علم الاجتماع السياسي). وحتى في ثنايا هذا المقرر، يقتصر نقاش هذا المفهوم على الجوانب النظرية، من دون الحديث عن التطبيق إلا في إطار ما سمحت به المنظومة السياسية سابقًا وتسمح به حاليًا. تثبّت ذلك أكثر من خال ورقة خالد عبد الفتاح، الذي بيّن أن كثيرًا من الجامعات العربية يعلم العلوم الإنسانية، إلا أن الموضوع ضعيف الحضور في الخطاب الجامعي نفسه؛ أي أن القيادات في الجامعات العربية غير مدركة أهمية تعليم هذه المعارف، وربما لديها تبخيس ضمني لها. واقع الحال أن هناك مشكات جدية في تعليم الإنسانيات، وهي مشكات ليست ناجمة فقط عن القيادات الجامعية بل عن الذين يعلّمون هذه المعارف أيضًا. يقول محمد صالح رحيل في ورقته عن تعليم العلوم الاجتماعية في ليبيا، أن المقررات في العلوم الاجتماعية غدت تخدم أغراض المؤسسات السياسية الرسمية التي تسن القوانين وتقدم بالتمويل وتضع الشروط، وأن ذلك ترافق مع ضعف المنظمات المدنية في المجتمع. وقدمت ها أبي صالح (الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية) شواهد من الطاب على طريقة تعليم تقليدية يقوم بها أساتذة العلوم السياسية في إحدى الجامعات الحكومية. وقد لفت أحد المشاركين النظر إلى سيطرة الكراسات المطبوعة في عدد من الجامعات الحكومية في مصر، والتي يجري حفظ الأجوبة منها عن أسئلة الامتحانات. وفي دراسة حالة أخرى من داخل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة، تساءل كلٌّ من أيمن الحسيني وهند الغزالي (كاهما من طاب معهد القاهرة للعلوم والآداب الحرة)، هل كان هناك من بيئة تعلُم مدنية من خال دراسة سياق نشأة الكلية ومنظور تدريس عِلم السياسة، فيبدآن بلفت النظر إلى تمييز الكلية باحتوائها على أساتذة ذوي توجهات فردية متنوعه، فهناك من يهتم بالمقاربة القانونية، وآخرون بالمقاربة السلوكية (علي الدين هال) وكذلك المنظور الإسامي (حامد ربيع وناديا مصطفى) الذي يؤسس لمدرسة الإسام الحضاري. ولكن هذا المنظور الأخير واجه في نشأته مقاومة كبيرة خاصة من نظيرته السلوكية، التي تعتبر أن العلم الذي يدرس الظواهر السياسية بغير ما هو سلوكي وملحوظ ويمكن قياسه ليس بالعلم. وردّت ناديا مصطفى على هذا الإقصاء قائلة: «إذا تحول منظور/ توجه/رؤية/ موقف الأستاذ إلى أحادية احتكارية تُقدّم للطلبة على أنها الموقف/ العلم، فإن ذلك يُعَ دّ كسرًا للمدنية وكسرًا للتعددية». ويستخلص الباحثان أن هذه التعددية الفردية لم تضمن توظيفه في إطار مؤسسي، فلم تدعم الجامعة التعددية الفكرية بشكلها المؤسسي، وذلك بسبب أن تصور الكلية لدورها في المجتمع ظل رهين تصور خاص بها أوجدته الدولة، بما في ذلك فتح فرعين باللغتين الفرنسية والإنكليزية كتعليم خاص يدفع الطاب لقاءه أقساطًا باهظة، وهو ما أثّر في مفاهيم المساواة وتكافؤ الفرص بين الطاب جراء متطلبات السوق التنافسية.
ينعكس ضعف تعلم الآداب الحرة نفسه من خال دراسات قام بها بعض المشاركين في المؤتمر؛ فمن الجزائر، بينت زهرة جقريف (جامعة قسنطينة 3) ضعف الوعي الذي أظهره الطاب بشأن الثقافة المدنية بأبعادها المختلفة، والقيم المرتبطة بها، وأشارت إلى حجم الضغوط النفسية التي يمكن أن يعانيها الطاب في ظل غياب هذه القيم التي يتطلعون إليها داخل جامعاتهم التي لا تؤمن بمبادئ الديمقراطية والمواطنة والشفافية ولغة الحوار، وتنتهج سياسة التمييز، وتغليب المنفعة الخاصة على حساب المنفعة العامة، واغتصاب القانون، والتعدي على حقوق الطاب وإدخالهم في حالة من الصمت والخوف والاستسام وتحمّل الظلم الذي يقع عليهم، وعدم حصولهم على حقوقهم الأساسية داخل جامعاتهم على الأقل. وأظهرت من خال وجود فوارق ذات دلالة إحصائية بين الاتجاهات نحو القانون بين طاب تخصص العلوم السياسية والإعام وتخصص إدارة الأعمال لمصلحة طاب تخصص إدارة الأعمال، وبين تخصص العلوم السياسية والإعام وتخصص الهندسة المعمارية، ولمصلحة تخصص الهندسة المعمارية، رغم كونه من المواد التعليمية الأساسية في منهاج طاب تخصص العلوم السياسية والإعام، هو ما يمكن اعتباره وعيًا مكتسبًا لدى طاب الهندسة المعمارية، وكذلك إدارة الأعمال من خال التفاعل والتواصل مع الآخرين في إطار ما يُعرف بنظرية التعلم الاجتماعي، وذلك أكثر من العلوم السياسية والإعام، رغم التركيز على القانون في الجانب التعليمي، وهو ما يدل على أهمية تعلّم قيم الثقافة المدنية وتعزيزها عن طريق الماحظة والاحتكاك والتفاعل والتواصل مع الآخرين. ولكن ما لم تقله جقريف هو أن الدخول على تخصصات مثل الهندسة والبزنس يتطلب رأس مال ثقافيًا أوليًا أكبر من ذلك الذي يحتاج إليه أولئك الذين يدخلون الى العلوم السياسية والإعام، وهو ما يمكّن من تفسير مثل هذه الفوارق. تطرح ورقة آن كليمنت سؤالً راديكاليًا من وحي الباحث الفلسطيني أندريه مزاوي، في ما إذا كان ينبغي تغيير نظام التعليم العالي من داخله وليس من خارجه، وكأنها تقول أننا بحاجة إلى «جامعة مضادة» بدلً من التفكير في الإصاح من خال وصفات جاهزة نظّرت لها المعايير الدولية للتعليم. وبيّنت كليمنت أن هذه الجامعة/الشبكات التعليمية يمكن أن تكون خارج الجامعات المحلية، أو على الأقل في الهامش. لقد ألقت كليمنت الضوء على ظاهرة تم تجاهلها على نطاق واسع، وهي ظاهرة مجموعات القراءة التي ظهرت في مصر في أعقاب ثورة 52 يناير. تقوم هذه الورقة على فرضية استخلصتها من هذه التجربة ومن خال الرؤية التي تقدمها نظرية «التحرر الذهني» لجاك رانسيير التي طورها في كتابه المعلم الجاهلومفهوم دي سيرتو «القراءة كصيد غير مشروع»، بأن مجموعات القراءة المتعددة تلك ساهمت إلى حد كبير في إعادة تعريف كلٍّ من طبيعة تجربة التعلم للمشاركين وطبيعة فهمهم ماهية المعرفة. وكان لا بد من التحالف مع مجموعات فكرية ناشئة ومؤسسات نشر شبابية جديدة كدار مدارات. وهنا لا بد أن أذكر تجربة شخصية لي هي كيف قامت دار مدارات بتنظيم محاضرة لي في القاهرة في سنة 0152 حول «استخدام الأنظمة الاستبدادية الشرق أوسطية (العربية والإسرائيلية)
لحالة الاستثناء لبسط سيطرتها على المجتمع»، على أحد مدرجات واحد من المشافي الجامعية، حيث حضر حوالى 002 شاب وشابة جُمعوا من خال صفحة «فيسبوك». لقد استطعت الحديث بحرّية في الوقت التي ألغيت في جامعة القاهرة دائرة مستديرة كنت قد نظمتها بسبب توجيهي دعوة إلى عمرو حمزاوي للمشاركة فيها، مع العلم أن حمزاوي أستاذ في هذه الجامعة. إذًا ما توصفه كليمنت يعبّر عن الأزمة الراهنة التي تعيشها الجامعات العربية ليس فقط في مصر ولكن في كثير من الدول العربية أيضًا. وربما الدليل على بهتان الحريات الأكاديمية هو الطريقة التي تُدرس بها هذه الحريات في الجامعات؛ فقد وجدنا كثيرًا من الدراسات «الأكاديمية» التي تستطلع رأي أعضاء هيئة التدريس، وتستخدم قياسات إحصائية، بحيث يخفي الرقم حجم مأساة ضعف هذه الحريات، وغالبا من دون أمثلة ومن دون استخدام الحس العام أو الماحظة المنهجية والإثنوغرافيا. وأظهرت مقالات عبد الخالق عبد الله الصحافية، وتقارير بعض منظمات حقوق الإنسان، وبعض السيَر الذاتية، وسعد الدين إبراهيمأنها المرجع الوحيد على توصيف حالة الحريات الأكاديمية وتحليلها. من هنا تتجلى أهمية مشروع عدنان الأمين البحثي وهذا المؤتمر اللذين قدما مواد خامًا وصفية أساسية، إضافة إلى التحليل. وهنا لا بد لي أن ألفت النظر إلى حدية بعض النقاشات التي ظهرت في المؤتمر والناتجة من عدم رضى بعض المشاركين عن نتائج تحليل خطابات قيادات الجامعة، حيث بدت وكأنها تتبنى الالتزام المدني للجامعات، بينما رأوا أن هناك تنافرًا حادًا بين هذه الخطابات وانتشار الديمقراطية معنى وسلوكًا وإيتيقًا في أنشطة الحياة الجامعية وفي محتويات الدرس (على حد تعبير السعيداني). وقد تدخّل المنظم الرئيسي للمؤتمر عدنان الأمين طالبًا من الحضور الصبر، وواصفًا تحليل المضمون بأنه ليس إلا أداة بحثية ضرورية لكشف بعض أوجه الواقع. أما أنا، فقد استأت من بعض المشاركين الذين كانوا يختبئون وراء تحليل الخطاب وكأنه يعبّر عن الواقع كله. لذا، وجدت أن نقاش أوراقهم كان أغنى من الورقة نفسها. References
المراجع
كتب
إبراهيم، سعد الدين. سيرة سعد الدين إبراهيم. مختارات ميريت. مذكرات. 2 ج. القاهرة: دار ميريت، حنفي، ساري وريغاس أرفانيتس. البحث العربي ومجتمع المعرفة: رؤية نقدية جديدة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2015
عبد الله، عبد الخالق. اعترافات أكاديمي متقاعد. بيروت: دار الفارابي،.2014
دوريات
الأمين، عدنان. «الخداع البحثي في العلوم الاجتماعية». إضافات: المجلة العربية لعلم الاجتماع. العددان 33 - 34 (شتاء - ربيع.)2016
رسائل وأطروحات
أبو حيمد، ندى عبد الرحمن عبد العزيز. «الحرية الأكاديمية في الجامعات السعودية: دراسة ميدانية». إشراف محمد بن عبد الله المنيع. رسالة ماجستير، جامعة الملك سعود، عمادة الدراسات العليا، كلية التربية، قسم الإدارة التربوية، 007.2 شوهد في 016/1/122، في: