الطفولة وغرس القيم: في تفكيك مجاز الزراعة دراسة نقدية في نظريات التنشئة الاجتماعية للقيم
Childhood and Instilling Values: Deconstructing an Agricultural Metaphor A Critical Study of Theories of Value Socialization
الملخّص
* أستاذ الدراسات الثقافية في قسم العلوم الاجتماعية/ كلية الآداب، جامعة البحرين، مملكة البحرين.
Abstract
One of the metaphors for socialization of values common to specialists and non - specialists alike is the metaphore of «instilling values». This study seeks to deconstruct the idea that the process of developing children's values is intentional, fluid, and harmonious, and undertaken by benevolent actors (or «good farmers») with shared noble intentions, when in reality the process is complex and manifold. The metaphor is also misleading and produces a series of delusions that require deconstruction: the delusion of a harmonious society, the delusion of a harmonious social institution, the delusion of harmonious values, and the delusion of the child as tabula rasa.
- غرس القيم
- التنشئة الاجتماعية
- المجاز
- الطفولة
- المجتمع
- Values
- Socialization
- Childhood
- Society
دراسة نقدية في نظريات التنشئة الاجتماعية للقيم
Childhood and Instilling Values: Deconstructing an Agricultural Metaphor
A Critical Study of Theories of Value Socialization
ملخص: تسعى الدراسة إلى تفكيك واحد من مجازات التنشئة الاجتماعية الشائعة بين الناس، متخصصين وغير متخصصين، ويُقصد بذلك مجاز «غرس القيم» الذي يوحي بأن عملية
تنشئة الأطفال قيميًا عملية مقصودة وسلسة ومنسجمة، يقوم بها فاعلون خيِّرون (أو فلاحون
طيبون) ذوو غايات نبيلة ومشتركة، في حين أن هذه العملية معقدة ومتشعبة. كما أن هذا المجاز لا يخلو من تضليل، وتتفرع منه سلسلة من الأوهام تحتاج إلى تفكيك، وهي: وهْم المجتمع المنسجم؛ وهْم المؤسسة الاجتماعية المنسجمة؛ وهْم القيم المنسجمة؛ وهْم الطفل «الإسفنج»، وهي كلها أوهام متشابكة إلى درجة يصعب الفصل بينها.
Abstract: One of the metaphors for socialization of values common to specialists and non - specialists alike is the metaphore of «instilling values». This study seeks to deconstruct the idea that the process of developing children’s values is intentional, fluid, and harmonious, and undertaken by benevolent actors (or «good farmers») with shared noble intentions, when in reality the process is complex and manifold. The metaphor is also misleading and produces a series of delusions that require deconstruction: the delusion of a harmonious society, the delusion of a harmonious social institution, the delusion of harmonious values, and the delusion of the child as tabula rasa.
يتوزع الاهتمام بمسألة القيم والطفولة بين علوم واهتمامات متعددة، وهي مسألة تقع في صلب مشاغل كثير من الناس، متخصصين وغير متخصصين، من آباء وأمهات وتربويين وعلماء اجتماع وعلماء نفس وسياسيين وصحافيين ودعاة دينيين وناشطين مجتمعيين... وغيرهم. واللافت أن هؤلاء كلهم يستخدمون مجازات كثيرة للإشارة إلى عملية نقل أو تمرير القيم من الآباء إلى الأبناء، مثل استعارات «بناء القيم» أو «ترسيخ القيم» أو «تشريب القيم»، إلا أن الحاصل أن ثمة استعارة أو مجازًا أساسيًا يتحكم بخطابات معظم هذه الفئات، ويتكرر كلما انفتح النقاش بشأن
مسألة الطفولة والقيم، وكأنه واحد من لوازمها الثابتة. وأنا أقصد هنا استعارة الفلاحة والزراعة، وذلك حين نتحدث عن «غرس القيم» في نفوس الأطفال. يكتب كاتب عربي مقالة يتساءل فيها: «هل أخفقت المدرسة المغربية في ترسيخ منظومة القيم والأخلاق؟»، ويحكم بأن المدرسة «لم تفلح في تشريب القيم الضرورية» للمتعلمين، ثم يختم مقالته بالمطالبة بتحويل المدرسة «إلى فضاء حقيقي لغرس بذور الشمائل والفضائل». ويكتب جورج نحاس، من جهته، عن أهمية المناهج الدراسية في غرس القيم السوية، ويكتب سعد رياض كتابًا يحمل عنوان غرس القيم عند الأطفال، وتضع رنا الصيرفي بين أيدي الآباء والأمهات دليلً عمليًا لغرس 53 قيمة إنسانية
في الأُسرة، ويكتب كاتب آخر ثماني عشرة مقالة للإجابة عن هذا السؤال: «كيف أغرس في أولادي القيم الإسلامية؟». ويتقدم باحث برسالة علمية لنيل درجة الماجستير في التربية حول «دور الإعلام التربوي في غرس القيم الأخلاقية». الثابت أن مجاز «غرس القيم» لا يقتصر على الاستخدام العربي، بل هو متداول على مستوى عالمي أيضًا. وفي هذا السياق، يتساءل أ. ب. شارما: «هل يستطيع المدرسون غرس القيم؟»، ويسعى أ. بالو إلى استكشاف «الاتجاهات الصاعدة حول غرس القيم»، ويجادل رولي راي بأن «غرس القيم »
(((إسماعيل الحلوتي، «هل أخفقت المدرسة المغربية في ترسيخ منظومة القيم والأخلاق؟»، موقع أخبارنا المغربية، 2014/4/16، شوهد في 016/12/5:2، في
http://www.akhbarona.com/mobile/education/72792.html
(((جورج ن. نحاس، «أهمية المناهج الدراسية في غرس القيم الدينية السوية»، ورقة مقدمة في مؤتمر الدوحة الثامن لحوار الأديان: دور الأديان في تنشئة الأجيال، قطر، 19 - 21 تشرين الأول/ أكتوبر.2010 (((سعد رياض، غرس القيم عند الأطفال: قصص ومهارات تربوية (القاهرة: مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، 0112)، ص.7
(((رنا الصيرفي، دليل عملي لغرس 53 قيمة إنسانية في الأُسرة ([المنامة]: تيمن، 0132)، ص.9 (((إبراهيم بن عبد العزيز الخميس، «كيف أغرس في أولادي القيم الإسامية (1 - 8»)1، موقع الألوكة الاجتماعية، شوهد في، في 016/12/5:2
http://www.alukah.net/social/0/2546/
(((عبد المجيد بن عيد بن صالح السناني، «دور الإعام التربوي في غرس القيم الأخاقية من وجهة نظر معلمي المرحلة الثانوية بالمدينة المنورة (دراسة ميدانية)»، رسالة ماجستير في التربية، الجامعة الإسامية، المملكة العربية السعودية، المدينة المنورة، 2010 -.2011
(7) A. P. Sharma, «Can Teachers Inculcate Values?,» University News, 15 May 1995, pp. 1 - 3. (8) A. Balu, «Emerging Trends on Inculcation of Values,» Indian Journal of Applied Research , vol. 5, no. 8 (August 2015), p. 527. (9) Roli Rai, «Inculcation of Values: A Necessity Today,» International Journal of Educational Research and Technology (IJERT), vol. 5, no. 1 (March 2014), p. 30.
يمثل «ضرورة ملحة في العصر الحديث، وتكتب فينا كريشنان عن «غرس القيم الأخلاقية في الأطفال في الوقت الصحيح». الحاصل أننا كثيرًا ما نسمع ونقرأ عن هذا الاستخدام المجازي المتداول الذي يشير إلى أن القيم تُغرس
أو تُزرع في نفوس الأطفال، تمامًا كما تُغرس البذرة في التربة الصالحة، الأمر الذي يوحي بأن عملية تنشئة الأطفال قيميًا عملية مقصودة وسلسة ومنسجمة، ويقوم بها فاعلون خيِّرون (فلاحون طيبون)
وذوو غايات نبيلة مشتركة، ويقومون برعاية مستمرة من البذر حتى النهاية، حيث تؤتي العملية أكُلها، في حين أن هذه العملية معقدة وأبعد ما تكون عن البساطة المفترضة التي ينطوي عليها مجاز الفلاحة والغرس. وهذا مجاز لا يخلو من تضليل، وتتفرع منه سلسلة من الأوهام التي تحتاج إلى تفكيك واحدًا تلو الآخر. لتوضيح هذا التعقيد، سيكون علينا أن نفكك مجموعة الأوهام التي ترتكز على استعارة «غرس القيم» الشائعة في نظريات التنشئة الاجتماعية، وسوف نحصرها في أربعة أوهام أساسية، وهي كالتالي: وهم المجتمع المنسجم؛ وهم المؤسسة الاجتماعية المنسجمة؛ وهم القيم المنسجمة؛ وهم الطفل «الإسفنج» أو التلقّي السلبي للقيم. وهي أوهام متشابكة إلى درجة يصعب الفصل بينها، ولهذا ربما يجدر أن تُدرَس مجتمعة ودفعة واحدة بدل تجزئتها، إلا أننا سنعمد إلى مقاربتها لأغراض الدراسة واحدًا تلو الآخر، وصولً إلى تجميعها في النهاية.
الوهم الأول: مؤسسات التنشئة الاجتماعية المنسجمة (الفلاحون الطيبون المتعاونون)
لا يمكن الحديث عن الطفولة والقيم من دون البدء بعملية التنشئة الاجتماعية، وهي مجموعة القنوات الأساسية والمؤثرات والقوى الاجتماعية التي تعلّم الأطفال أساليب الحياة و«منظومات القيم والمعايير والمعتقدات التي تشكل الأنماط والعناصر الأساسية في الثقافة». وهناك إجماع بين الدارسين على أن «اكتساب المعايير والقيم والمثل السائدة» هو أبرز وظيفة للتنشئة الاجتماعية، وأبرز غاية تسعى إليها. كما أن هناك إجماعًا على أن التنشئة الاجتماعية ليست مسؤولية حصرية من مسؤوليات الأسرة وحدها، بل مسؤولية عامة ومشتركة بين جميع المؤسسات والقوى الاجتماعية المؤثرة في المجتمع، من أسر ورياض أطفال ومدارس ووسائل إعلام وجماعات أصدقاء وأقران وشخصيات المجتمع مهمة في المجتمع وغيرها. إنها، باختصار، مهمة المجتمع برمّته. اهتمت المدرسة الوظيفية بقيادة تالكوت بارسونز، وهي واحدة من المدارس الأساسية في علم
(10) Veena Krishnan, «Inculcating Moral Values in Children at the Right Time,» Oman Daily Observer , 29/6/2014.
(((1 أنتوني جيدنز وكارين بيردسال، علم الاجتماع مع مدخات عربية، ترجمة وتقديم فايز الصياغ (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 0052)، ص.89 (((1 محمد الشناوي [وآخرون]، التنشئة الاجتماعية للطفل (عمّان: دار صفاء للنشر والتوزيع، 0012)، ص 16.17-
الاجتماع احتلت موقع الصدارة بين النظريات الاجتماعية وقتًا طويلً، بنظريات التنشئة الاجتماعية،
والدور الكبير الذي تؤديه مؤسسات التنشئة الاجتماعية (الأسرة، وسائل الإعلام، مؤسسات التربية والتعليم، الأقران...) في الحفاظ على النظام الاجتماعي عبر الإشراف والمساهمة في تنشئة الأطفال والأجيال الجديدة ليكونوا أعضاء منسجمين مع النظام الاجتماعي القائم. وتكاد هذه المدرسة تكون المسؤولة الأولى عن تعميم القناعة بأن هناك مؤسسات تنشئة اجتماعية تعمل بانسجام وتناسق في ما بينها من أجل تأمين الاستقرار والتماسك الاجتماعيين. ترى المدرسة الوظيفية أن «المجتمع نظام معقد تعمل شتى أجزائه سويًا لتحقيق الاستقرار والتضامن بين مكوناته». وهي «تشدد على أهمية الإجماع الأخلاقي في الحفاظ على النظام والاستقرار في المجتمع. ويتجلى الإجماع الأخلاقي هذا عندما يشترك أغلب الناس في المجتمع في القيم نفسها». يتصور هؤلاء أن «غرس القيم» عملية تتم بنجاح لأن هناك فلاحين طيبين ومتعاونين ويعملون بانسجام وتناسق من أجل تحقيق هذا الغرض النبيل والمشترك: النظام واستقرار المجتمع؛ فالأسرة تقوم بإكساب أطفالها القيم ذاتها التي يتلقّونها في رياض الأطفال والمدرسة لاحقًا، وهي القيم ذاتها المتداوَلة بين جماعات الأصدقاء والأقران، التي يسعى الإعلام بوسائله المتعددة، من صحافة وإذاعة وتلفزيون وسينما ومواقع تواصل اجتماعي، إلى غرسها في نفوس أبناء المجتمع، ويعتمدها قادة الرأي والشخصيات المؤثرة في المجتمع. إننا بالفعل أمام وصف رائع لحقل زراعي يعمل جميع أفراده وآلاته بسلاسة وانسجام وتناسق في ما بينها! لكنه وصف أبعد ما يكون عن الواقع الذي يتشكل من تنافس بين أطراف كثيرة، لكل منها مصالحه الخاصة التي تتعارض مع مصالح الآخرين، وربما كان التوفيق بين هذه المصالح المتعارضة متعذرًا. لا أريد أن أعطي انطباعًا بأن المجتمع، على الضد من تصور المدرسة الوظيفية، عبارة عن فوضى، وأنه لا يعرف النظام والانتظام بأي شكل من الأشكال، بل أريد أن أنبّه إلى مدى السذاجة الكامنة في
هذا التصور الذي يرى أن جميع مؤسسات التنشئة الاجتماعية تعمل بسلاسة وانسجام وتناسق؛ لأن هذا يفترض وجود مجتمع صغير وبسيط، حيث يمكن تأمين «إجماع أخلاقي» بين أبنائه. لكن الحاصل أن هذا النوع من المجتمعات واحد من أمرين: إما أنه لم يعد موجودًا وإما أنه في طور التلاشي فعلً؛ فالمجتمعات الحديثة مجتمعات معقدة، والقيم والمصالح فيها متعارضة إلى حد كبير، فما تؤكّده الأسرة يمكن أن ينسفه الإعلام أو المدرسة، وربما العكس صحيح. ويكفي أن نلقي نظرة سريعة على الأدبيات الضخمة عربيًا وعالميًا التي تناولت التأثيرات المتعارضة لكلٍّ من الأسرة والمدرسة
والتلفزيون... وغيرها. على صعيد آخر، تنهض المدرسة النمساوية على تصور للمجتمع يختلف عمّا تقدّم؛ فهي ترى أن «الكيان الجمعي» - المجتمع أو الأمة أو العرق - «لا يملك عقلً خاصًا به، وليس لديه أغراض، فالأفراد
(((1 جيدنز وبيردسال، ص.74
الذين يؤلفون هذا الكيان فقط هم من يملكون عقولً وأغراضًا. والكيان الجمعي لا يُقْدم على فعل»
مهما يكن هذا الفعل، بل الأفراد هم من يقْدمون على الفعل، وهم من يختارون، وهم من يتخذون القرارات بناء على تفضيلاتهم وقيمهم الخاصة. وبحسب لودفيغ فون ميزس، وهو أبرز المنظّرين في هذه المدرسة الذين كان لهم تأثير كبير في التوجه الليبرالي الحديث، فإن «الأفراد يعيشون ويفعلون داخل المجتمع، لكن المجتمع ليس أكثر من تجمع أفراد من أجل مسعى تعاوني. إنه موجود في أفعال الأفراد، وإنه لمن الضلال أن نبحث عنه خارج أفعال الأفراد. وحين نتحدث عن استقلال ذاتي للمجتمع، وعن وجود المجتمع المستقل، وعن حياته وروحه وأفعاله، فإن هذا مجاز يقود بكل سهولة إلى أخطاء بالغة». وهذا تصور ربما يقع على الضد من تصور المدرسة الوظيفية للمجتمع، لكن ميزس سرعان ما يلتقي مع المدرسة الوظيفية في تشديده على أن المجتمع هو عبارة عن نتاج ذلك الفعل البشري التعاوني، وأن المجتمع تعاون سلمي بين الأفراد. وبتعبير ميزس، فإن «المجتمع هو فعل مشترك وتعاون، حيث كل واحد من المشاركين يرى نجاح شريكه الآخر وسيلةً لتحقيق نجاحه الخاص». إننا لسنا بعيدين عن مجاز الفلاحة: فلاحون طيبون ومثاليون يعملون معًا وبتعاون سلمي من أجل هدف مشترك! إلا أن هذا التصور للمجتمع ينسحب ربما على «المجتمع الاقتصادي» الذي تنتظم حياته ومصالحه حول السوق وتبادل السلع والخدمات والمنافع. لكن المسألة في المجتمع مختلفة، ولهذا نجد أصداء آدم سميث تتردد في عمل ميزس حين يستعين في تأصيل لتصوِّره في شأن المجتمع بفكرة «تقسيم
العمل» بوصفها حجر الزاوية في الفعل التعاوني المشترك والسلمي بين البشر. وهي فكرة كان سميث هذا قد بلور في كتابه الأساس ثروة الأمممعالمها الأساسية، حين تنبه إلى حجم المنافع العظيمة التي نتجت من «تقسيم العمل» في تطور قوى الإنتاج وفي شؤون المجتمع العامة. وليس «تقسيم العمل» سوى نتاج التعاون المشترك بين الأفراد، وحاجة كل فرد في المجتمع إلى مساعدة الآخر، وهي مساعدة لا تصدر من الآخرين عن طيب خاطر، بل بدافع من سعي الأفراد وراء مصالحهم الخاصة؛ فنحن «لا ننتظر غداءنا أو عشاءنا من طيب خاطر القصاب، وصانع الجعة، أو الخباز، بل من اهتمامهم بمصالحهم الخاصة. ونحن عندما نتوجه إلى الآخرين لا نخاطب إنسانيتهم بل أنانيتهم». ولعل هذا ينطبق على السوق، لكن المجتمع لا يعمل، بالضرورة، وفق هذا الانسجام أو الانتظام الذي يشتغل به اقتصاد السوق الحرة كمجال يتولى التنسيق بين أفعال البشر وتعاونهم لتحقيق منفعة مشتركة. توجد السوق، داخل المجتمع، كقوة من بين قوى وكيانات كثيرة. وهذه القوى لا تشتغل، بالضرورة، كما تشتغل السوق كمجال للتنسيق بين المنافع المتبادلة، بل قد تشتغل بطريقة معاكسة لذلك، أي
1(((إيمون باتلر، المدرسة النمساوية في الاقتصاد: مقدمة موجزة، ترجمة محمد فتحي خضر (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 0132)، ص.21
(15) Ludwig Von Mises, Human Action: A Treatise on Economics (Auburn, Ala.: Ludwig Von Mises Institute, 1998), p. 143. (16) Ibid., p. 168.
(((1 آدم سميث، ثروة الأمم، ترجمة حسني زينه، ج 1 (بغداد؛ بيروت: معهد الدراسات الاستراتيجية، 0072)، ص.26
كمجال للصراع والتنافس بين قوى وتوجهات ومصالح متضاربة. وليس هناك من كيان مثل السوق ليتولى التنسيق بينها. نعم، ربما تتولى الدولة مسؤولية الضبط والتحكم ضمن حدود معينة، لكن إذا تجاوزت هذه الحدود، فإنها تحكم على المجتمع بالتلاشي، وعلى حيوية الفعل البشري بالذبول، لأن الدولة عندئذٍ ستقرر كل شيء نيابة عن الأفراد وعن المجتمع، وهذا تصور متطرف جدًا لدور الدولة. أما في الواقع، فإن المجتمع مجال للتعاون كما هو للتنافس والصراع بين أفراد وقوى وتوجهات كثيرة. يفترض هذا التصور، كذلك، سلامة النية الخيّرة والحياد والحرص على القيم العامة في جميع هذه
المؤسسات العاملة في المجتمع، في حين أن هذا ليس صحيحًا بالضرورة. وإذا استثنينا، موقتًا في الأقل،
الأسرة والمدرسة، فإن معظم المؤسسات في المجتمعات يتبع قوة من القوى الاجتماعية والأيديولوجية والسياسية والاقتصادية التي تخدم أجندتها ومصالحها الخاصة، والتي يمكن أن تتعارض مع متطلبات الأسرة والمدرسة. ولهذا يشتكي التربويون والأُسر من كثير مما تبثه وسائل الإعلام من مواد إعلامية تشتمل على العنف والجريمة والجنس... وغيرها. ولهذا السبب كذلك ينتقد الإعلام الليبرالي ونخبة المثقفين الليبراليين، على سبيل المثال، التوجهات المتزمتة للمؤسسات الدينية الفاعلة في المجتمع، وحتى بعض المؤسسات التربوية وبعض الأسر المتدينة، لما لها من دور سلبي في تعميم التعصب وعدم التسامح، ورفض الآخر، والسخط على المجتمع والدولة في نفوس الأطفال. وفي السياق ذاته يجاهر كثير من الأسر والأجهزة المحافظة اجتماعيًا وتربويًا بامتعاضه وغضبه على التوجهات المتحررة
في الصحافة والتلفزيون والمجلات والكتب والمسرح والسينما... وغيرها، وهي تفهم هذا التحرر بأنه انحلال أخلاقي وخروج عن «ثوابت» الدين والمجتمع. ليس المطلوب أن نرجح بين هذه التوجهات، بل أن نوضح حقيقة أن هذه التوجهات تقف وراءها قوى اجتماعية تساهم كلٌّ منها في عمليات التنشئة الاجتماعية القيمية لأطفالنا، الأمر الذي يكشف، بصورة جلية، أن هذه العمليات «ليست سلسة أو يسيرة بطبيعتها، فالمؤسسات أو العوامل الفاعلة المؤثرة، مثل العائلة والمدارس والأقران، قد يتعارض بعضها مع بعض»، بل ربما يعمل بعضها ضد بعض، وهو الأمر الذي يفسّر الشكوى المتكررة من طرف ضد الأطراف الأخرى لكونها تفسد قيم الأطفال، وكأن هناك عقدًا اجتماعيًا ملزمًا بين هذه الأطراف ينصّ على التزام الجميع بتقديم القيم الإيجابية
إلى الأطفال. والحاصل أنه لا وجود لمثل هذا العقد، لا بين الأسرة ووسائل الإعلام، وهو أمر واضح جدًا، ولا حتى بين الأسرة والمجتمع؛ إذ ربما تعطي الأسرة أولوية كبرى لقيمة ليست هي المطلوبة لخدمة المجتمع بالضرورة. وفي إحدى الدراسات الحديثة لمدرسة أكسفورد للتربية (2015)، تبين أن الناس في غالبيتهم العظمى يعطون في تربية أطفالهم قيمة عليا للسعادة والإنجاز الشخصي، وذلك
(1((جيدنز وبيردسال، ص.188
(1((للاطلاع على خلاصة الدراسة، انظر: Rajie Kabli, «Want To Raise Kind Kids? Harvard Says these 5 Techniques Will Help You Do That,» Collective Evolution, 6/11/2015, Accessed on 2/10/2016, at: http://www.collective-evolution.com/2015/11/06/want-to-raise-kind-kids-harvard-says-these-5-techniques-will-help- you-do-that/.
على حساب قيمة رعاية الآخرين والاهتمام بهم، وهي القيمة التي يحتاج إليها المجتمع بدرجة أكبر، والأمر يحصل بين الأسرة والمدرسة، وهكذا. والسؤال الذي طرحته واحدة من الندوات المهمة التي عقدها مكتب التربية العربي لدول الخليج في الرياض في عام 9861 كان: «ماذا يريد التربويون من الإعلاميين؟»، وهو سؤال يمكن تفريعه في جميع الاتجاهات: ماذا تريد الأسرة من المدرسة؟ ماذا يريد التربويون من الأسرة؟ ماذا تريد الأُسرة من الإعلام؟ ماذا يريد الإعلام من التربويين والأُسرة؟... إلخ.ُ
الوهم الثاني: المؤسسة المنسجمة (الفلاح الطيب وحيدًا)
عملية تنشئة الأطفال قيميًا عملية معقدة، بل إنها غير مضمونة، وذلك على خلاف ما يوحي به المجاز
الزراعي حين نتحدث عن المؤسسات الاجتماعية التي «تغرس» القيم في نفوس الأطفال. نعم، ربما تكون هذه العملية سلسة ومضمونة في حال تمكنت مؤسسة واحدة فقط، مثل الأسرة، من تأمين مساحة خاصة وحصرية لتنشئة أطفالها فيها من دون تدخّل من المؤسسات والقوى الأخرى. لكن
السؤال هو: هل هذا ممكن أصلً؟ هل تستطيع أسرة اليوم، مهما أوتيت من قوة وثراء، تأمين مثل هذه المساحة؟ بالتأكيد لا، فالعالم أصبح مفتوحًا في الاتجاهات كلها، ومع التقدم الكبير في تكنولوجيا
الاتصال، أصبح من المتعذر على الجميع تأمين مثل هذه العزلة لا داخل الأسرة ولا خارجها. في إبان عصر التلفزيون، كانت الأسر والمدارس دائمة الشكوى من تأثير هذا الجهاز السلبي في قيم أطفالها وتدنّي تحصيلهم الدراسي. وهو جهاز واحد يمكن فتحه وإغلاقه للخلاص من شره، لكن ماذا تفعل
الأسر اليوم وفي أيدي أبنائها أجهزة التواصل الذكية، من هواتف نقالة إلى حواسيب لوحية موصولة بالإنترنت، حيث يستطيع أي طفل في الثانية من عمره التجول بحرّية من موقع إلى آخر، ومن برنامج
إلى آخر، ومن لعبة إلى أخرى، ومن فيديو إلى آخر؟ إنها أشبه بلعبة خرجت عن السيطرة حيث لم يعد أحد قادرًا على التحكم بها إلا في نطاق ضيق جدًا. يفترض مجاز «غرس القيم» وجود فلاح طيب يعمل بمفرده، فهو من يحفر التربة ليثبت فيها بذوره، وهو من سيظل يحميها ويرعاها حتى تكبر وتؤتي ثمارها من دون أن يسمح لقوى الشر والظروف الطبيعية السيئة بأن تؤذيها. وبالمثل، فإن الآباء والأمهات حريصون جدًا على تعليم أبنائهم القيم الإيجابية في سن مبكرة، وهم يحوطونهم برعايتهم واهتمامهم حتى يكبروا وتكبر معهم هذه القيم وتترسخ. إنها لوحة ريفية رومانسية وادعة وجميلة، لكنها ليست واقعية، فالواقع أكثر تعقيدًا من ذلك، وجميع الأسر باتت تدرك حجم التعقيد في هذه العملية، وأن الاستمرار في أدوارها التقليدية تجاه الأطفال أصبحت مهمة شبه مستحيلة. وتجربة الأسر التي تكتشف فجأة ميول أطفالها «الإرهابية» تجربة كاشفة في هذا السياق. ويكفي أن نشير، على سبيل المثال، إلى منفّذ العمل الإرهابي في مسجد الرضا في منطقة الأحساء السعودية يوم الجمعة 92 كانون الثاني/يناير 0162؛ فعبد الله التويجري، والد الفتى الانتحاري منفّذ العملية، أبدى صدمته من العمل الإجرامي الذي أقدم عليه ابنه، وأنه يعتقد أن ابنه «تعرّض لعمل
سحري لا يعرف مصدره ولا يعرف كيف تمّ الدخول عليه، خصوصًا أن عبد الرحمن (منفذ العملية) لم يكن يخرج من المنزل كثيرًا أو يختلط بمشبوهين، ولم يسبق له السفر خارج السعودية». ويضيف الأب:
«لا أعرف كيف خُطِف ابني بهذا الشكل، ولا يمكن أن أصدق ما حدث، فهو خدوم ومطيع ويحب أخوته وأهل بيته». والحقيقة أن صدمة الوالد هنا تكشف عن هذه الحقيقة المُرّة، وهي أن الأُسرة لم
تعد قادرة على التأمين الكامل لقيم أطفالها من تلك التأثيرات التي أصبحت تنهال، وتتسلل أحيانًا إلى الداخل، من اتجاهات عدة. لكن التعقيد في هذه المهمة لا يكمن في هذا الجانب فحسب، بل ثمة جانب لا يقل عنه أهمية وينبغي
أن ننتبه إليه؛ فنحن حين نتحدث عن الأسرة العربية، خصوصًا في المجتمعات المحافظة، نفترض دائمًا
أنها مؤسسة منسجمة، وأن الأب والأم والإخوة والأخوات، فضلً عن الأجداد والجدات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات...إلخ، أن جميع هؤلاء يحملون القيم ذاتها، وأنهم يريدون أن يعلّموا
صغارهم قيمًا موحدة ومشتركة، في حين أن كثيرًا من الأسر يعاني، بالفعل، عدمَ الانسجام القيمي،
إما بحكم الفجوة الجيلية بين الأسر الجديدة وأصولها، وإما بحكم اختلاف التفضيلات تجاه أساليب الحياة المفضلة لدى الأفراد؛ فالأب والأم ربما يكونان منفتحين ويربيان أطفالهما على قيم الانفتاح
والتسامح والحرية والاستقلالية، في حين يكون باقي أطراف الأسرة الممتدة، من كبار السن أو غيرهم، على الضد من ذلك، فيحرصون على تعليم الأطفال قيم الولاء للجماعة والطاعة والخضوع والانصياع والامتثال والتزمت في الاعتقاد، وفي هذه الحالة سيتلقى الطفل مؤثرات قيمية متعارضة. وفي حالات كثيرة تكون الغلبة للطرف الثاني، وذلك لأسباب عدة، من بينها أن تعليم القيم في هذه الحالة عادة ما يكون مقرونًا بشكل من أشكال الضغط الاجتماعي المتكرر والمتواصل. وهذه حالة شائعة لدى بعض الأسر في المجتمعات المسلمة في ما يتعلق بإلزام الفتيات بارتداء الحجاب في سن مبكرة وربما حتى
قبل سن التكليف الشرعي، وكل من نشأ في أسرة متدينة ومحافظة لمس مثل هذا الضغط، كما في أُسرة لديها طفلة في سن السادسة، وفي كل مرة تلتقي هذه الطفلة أسرتها الممتدة، يجري تذكيرها بضرورة أن تأتي إليها وهي مرتدية حجابها، وعادة ما تُعقّد مقارنة بينها وبين فلانة، الطفلة الصغيرة الأخرى في العائلة التي ترتدي حجابها. بعد أيام، سيجد الأب والأم نفسيهما أمام طفلة تلحّ على ضرورة ارتداء
الحجاب حتى تكون مثل فلانة المفضّلة عليها، وحتى تتجنب النقد المستمر من أسرتها الممتدة. وما يحصل في اللباس يتكرر في القيم وأساليب الحياة، وإن بدرجات متفاوتة، لكون القيم تتطلب قدْرًا من الاقتناع الداخلي، على خلاف اللباس. نستطيع أن نلبس ما يرضي الآخرين لنتجنب نقدهم أو لنثير إعجابهم، لكننا لن نعتمد القيم التي ترضيهم. نعم، يمكن أن نتظاهر باعتماد قيم ما من أجل إرضاء الآخرين، لكن الأمر لا يتعدى التظاهر بذلك. بناء على هذا، ينبغي ألا نفترض أن هناك مؤسسة واحدة منسجمة تمارس التأثير بشكل موحد ومركز؛
فما يؤكده الأب والأم تنسفه الأسرة الممتدة (الأجداد والجدات والخالات والعمات...)، والعكس
صحيح. وما ينطبق على الأسرة، وهي أصغر المؤسسات ولها خصوصيتها الاجتماعية، ينسحب بالضرورة على باقي مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأخرى؛ فحين نقول إن الإعلام يمكن أن يتعارض
2(((«والد منفذ حادث الأحساء يكشف تفاصيل مثيرة عن نجله»، الشرق، 016/1/302، شوهد في 016/10/2:2، في
http://www.al-sharq.com/news/details/400370#.VrIPVE2KDVJ.
مع قيم الأسرة، فإن هذا لا يعني أن هناك إعلامًا واحدًا يعمل بصورة منسجمة ومركزة ضد قيم الأُسرة،
بل الصحيح أن هناك قنوات إعلامية كثيرة ومتعارضة في توجهاتها، رسمية وغير رسمية، ليبرالية ومحافظة، يسارية ويمينية، قومية/وطنية وطائفية، جادة وترفيهية، ملتزمة وأخرى تتلاعب بعقولنا وتعمد إلى تضليلنا، كما يقول هربرت شيللر. وفي ظل هذا التوسع الهائل في وسائل الإعلام والتواصل، صار من الصعب جدًا الحديث عن مؤثر إعلامي واحد وموحد يعمل بصورة منسجمة اسمه الإعلام؛ أصبح مثل هذا الحديث أقرب إلى الخرافة.
الوهم الثالث: القيم المنسجمة (لا يوجد سوى بذرة واحدة للغرس)
يتكامل مع الوهمين السابقين وهْم ثالث، وهو الافتراض القائل بأن ليس لدى الأُسرة وحتى المجتمع
سوى مجموعة قيم مشتركة ومتفَق عليها بين الجميع؛ إنه «الإجماع القيمي» الذي تفترضه المدرسة الوظيفية. وهو وهم تساهم في تعميمه المسوح الاجتماعية التي تجرى بشأن القيم. نعم، كلنا متفقون على أننا مختلفون في الطريقة المثلى لتربية أطفالنا، وفي نوعية القيم التي نربيهم عليها، لكن المسوح الاجتماعية تقول العكس عادةً، بمعنى أننا يمكن أن نكون مختلفين، لكن هذا ليس إلا مستوى أول وجزئيًا من الصورة، لأننا لو ألقينا نظرة كلية على كامل الصورة، فسوف نكتشف أننا ككيانات كبيرة
(مجتمعات وأمم ودول وأديان وأقاليم وقارات) نتشارك القيم ذاتها التي نربي أطفالنا عليها. يكفي أن نلقي نظرة سريعة على «مسح القيم العالمية WVS » حتى نعرف ذلك؛ فقد وجّه هذا المسح الذي
أُسس في عام 9811 حوالى 0 تتعلق بالقيم الشخصية في مسح «الموجة 25 سؤالً 6 بين 2010 -
014.»2 ومن تلك الأسئلة واحد ركز على تربية الأطفال. وطُلب من المستجوبين اختيار أهم خمس قيم من بين 11 قيمة يعتبرونها مهمة بشكل خاص لتعليمها لأطفالهم في البيت: المثابرة والتصميم، الإيمان الديني، العمل الجاد، المقدرة على التخيل، الاستقلالية، الطاعة، الإحساس بالمسؤولية، التعبير عن الذات، التوفير/الاقتصاد في الإنفاق، التسامح/الاحترام، الكرم وعدم الأنانية. والنتيجة أن هناك أممًا تستجيب نيابة عن الأفراد؛ فعلى سبيل المثال، كانت قيمة التسامح مهمة بشكل خاص
عند السويديين؛ إذ قال 82.5 في المئة منهم إنها قيمة مهمة لتعليمها لأطفالهم في البيت، في حين أن 91 في المئة فقط من النيجيريين اختاروا هذه القيمة كقيمة مهمة لأطفالهم. وفي إستونيا كانت قيمة المسؤولية هي المهمة، لأن 88.4 في المئة اختاروا ذلك، في حين أن القيمة المهمة لدى المصريين هي الإيمان الديني، لأن 83.4 في المئة اختاروا ذلك. لا يقف الأمر عند هذا الحد، فإذا ارتفعنا إلى مستوى أعلى من صعيد البلد، ووسعنا أفق الرؤية ليكون
(((2 انظر: هربرت آ. شيللر، المتاعبون بالعقول: كيف يجذب محركو الدمى الكبار في السياسة والإعان ووسائل الاتصال
الجماهيري خيوط الرأي العام؟، ترجمة عبد السام رضوان، عالم المعرفة؛ 432 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 9991)، ص.5 (((2 انظر نص استمارة الاستبانة الموزعة على المستجوبين في الموجة 6 من مسح القيم العالمية: « World Values Survey: Wave
6 (2010 - 2014),» Accessed on 2/10/2016, at: http://www.worldvaluessurvey.org/WVSDocumentationWV6.jsp.
على مستوى الإقليم الذي يضم مجموعة بلدان، فإن النتيجة ستكون باهرة أيضًا! فعلى سبيل المثال، تشترك البلدان الأنغلوساكسونية (مثل الولايات المتحدة وأستراليا ونيوزلندا) في أنها تمنح تفضيلً أعلى لقيمة التسامح (97 في المئة)، وتفضيلً أدنى لقيمة التعبير عن الذات (03 في المئة)، في حين أن البلدان الأوروبية تعطي تفضيلً أعلى لقيمة الاستقلالية، وتفضيلً أدنى للإيمان الديني. وفي بلدان أوروبا الشرقية ودول البلقان، يُفضَّل العمل الجاد بوصفه القيمة المفضلة بشكل عالٍ. أما بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن القيمة العليا فيها هي الإيمان الديني. ويذهب رونالد إنغلهارت وكريستيان ويلزل، وهما من العاملين في «مسح القيم العالمية»، إلى أبعد من ذلك، إلى إمكانية رسم خريطة ثقافية للعالم بالاستعانة بزوجين من القيم فقط: القيم التقليدية/القيم العلمانية العقلانية، والقيم المتبقية/قيم التعبير عن الذات. تلتقي نتيجة هذه المسوح مع تصور المدرسة الوظيفية للتنشئة الاجتماعية، وهي المدرسة التي كان لها التأثير الأبلغ في نظريات التنشئة الاجتماعية. إلا أن ما ينبغي أن نعرفه كذلك هو أن هذه المدرسة تعرضت لانتقادات شديدة وكثيرة منذ عقود، لأنها «تتجاهل التجاذبات والتوترات الاجتماعية توخيًّا
للإجماع، ومما أدى إلى اتهام هذه المدرسة بالترويج لأفكار محافظة عن العالم الاجتماعي»، فماذا نستنتج من مثل هذه المسوح الاجتماعية؟ الاستنتاج الأهم هو أن أبناء كل مجتمع (حتى لا نقول كل إقليم جغرافي) يعتمدون قيمًا مشتركة ومنسجمة ومتطابقة. وعلى هذا الأساس، فإن التنشئة الاجتماعية لقيم أطفالهم لن تكون موضع جدل أو إشكال، لأن الكل متفق على قيم موحدة ومنسجمة، وبهذه الطريقة يعيد الواقع الاجتماعي إنتاج
نفسه باستمرار ودونما انقطاع. لكن الواقع يقول إننا كأفراد وأسر مختلفون في نوعية القيم التي نرغب
في تنشئة أبنائنا عليها. ولكل فرد أو أسرة سلّم ترتيب وأولويات قيمية يختلف عن سواه تبعًا لاختلاف
متغيرات كثيرة، كاختلاف تركيبة الأسرة (نووية أو ممتدة)، وسن الآباء والأمهات ومستوى معيشتهم وتعليمهم، وتوجهاتهم الأيديولوجية والسياسية وطبقتهم الاجتماعية، وطبيعة العلاقة مع الأبناء، ودرجة القرب منهم... إلخ. هذا إذا ركّزنا نظرنا على الأسرة فحسب. يمكن مواجهة البحوث المسحية بعضها ببعض؛ ففي مقابل مسح القيم العالمية، ثمة مسوح اجتماعية كثيرة تؤكد أن القيم تتنوع داخل المجتمع الواحد بحسب متغيرات عدة؛ فبحسب المسح الذي أجراه مركز بو (Pew) للأبحاث في الولايات المتحدة الأميركية خلال الفترة (92 نيسان/أبريل - 27 أيار/مايو 014 2) على 4332 من البالغين الذين سئلوا عن أهمية تعليم 12 قيمة للأطفال، من المسؤولية والعمل الجاد إلى التسامح والإيمان الديني، تبيَّن أن المستجوبين يختلفون في شأن
(23) World Values Survey, Accessed on 2/10/2016, at: http://www.worldvaluessurvey.org/WVSContents.jsp.
(2((جيدنز وبيردسال، ص.191
(25) «Teaching the Children: Sharp Ideological Differences, Some Common Ground, Wide Gaps over Teaching Faith, Tolerance, Obedience,» Pew Research Center, 18/9/2014, Accessed on 3/10/2016, at: http://www.people-press. org/2014/09/18/teaching-the-children-sharp-ideological-differences-some-common-ground/.
تفضيلاتهم القيمية التي يرغبون في تعليمها لأطفالهم تبعًا لخلفياتهم الأيديولوجية؛ فالليبراليون يعطون أولوية كبرى لتعليم أولادهم التسامح، في حين تأتي قيم الإيمان والطاعة في أدنى سلّم أولوياتهم. وفي المقابل، يفضل المحافظون تعليم أولادهم الإيمان كأولوية أولى، ويأتي التسامح في آخر أولوياتهم. منذ عام 9631، شاعت «فرضية كوهن» التي تقول إن الآباء يختلفون في القيم التي يرونها مهمة لأطفالهم، وذلك تبعًا لاختلاف الطبقة التي ينتمون إليها. وبحسب هذه الفرضية، فإن الآباء من الطبقة الاجتماعية الدنيا يميلون إلى إعطاء قيمة أكبر للطاعة والامتثال للسلطة الخارجية، في حين يميل الآباء من الطبقة العليا إلى تفضيل قيمة التحكم الذاتي والتوجيه الذاتي والمسؤولية، وهي نتيجة قريبة من النتيجة التي توصلت إليها دراسة أخرى أجراها عالِم الاجتماع هونغ شياو في الولايات المتحدة الأميركية في عام 002.2 وبحسب هذه الدراسة، فإن «الآباء المنتمين إلى الطبقة الوسطى يقدّرون قيمة الاستقلالية، ولكن المرجّح أكثر أن يثمّن الآباء من الطبقة العاملة الامتثال إلى سلطة الجماعة على
حساب الاستقلالية الفردية». ذهبت إحدى الدراسات إلى أبعد من ذلك، فتوصلت، بعد أن شملت 915 عائلة، إلى «أن الآباء يعملون بقوة من أجل التأثير في قيم أطفالهم، إلا أن نجاحهم في ذلك محدود بشكل واضح. فالعلاقة بين قيم الآباء والأبناء أبعد ما تكون عن الانسجام»، وأن «مستويات الانسجام في قيم الآباء - الأبناء تتنوع تبعًا لمحتوى القيم الموضوعية؛ فالانسجام عالٍ عادة في القيم الدينية، ومنخفض في القيم الأخرى»، وهي القيم التي تضم التحكم الذاتي والنجاح الشخصي والتحدي والاستقلالية والكونية والتسامح والأمن واستقرار المجتمع وأمنه... وغيرها. يشير هاري سي تريانديس Triandis). C. H (، عالم النفس المتخصص بعلم النفس المتعدد الثقافات، إلى أن الثقافات تختلف في تفضيلاتها القيمية، مثل قيمة الاستقلالية؛ فالآباء «في الثقافات التي تؤكد
على الولاء للأُسرة، مثل الهند واليابان، هم من يختارون في أغلب الأحيان شركاء الحياة لأبنائهم المراهقين». وهذا الوضع مختلف جدًا في الثقافات الفردية، مثل الثقافة السائدة في الولايات المتحدة الأميركية. إلا أن تريانديس لا ينسى توجيه هذا التحذير: «من الخطأ افتراض وجود سمة موحدة لدولة أو ثقافة أو ثقافة فرعية بعينها»، وهو تحذير علينا أن نأخذه في الحسبان.
(26) Tom Luster, Kelly Rhoades and Bruce Haas, «The Relation between Parental Values and Parenting Behavior: A Test of the Kohn Hypothesis,» Journal of Marriage and Family, vol. 51, no. 1 (February 1989), p. 139.
(((2 دراسة هونج شياو ونتائجها مذكورة في: شارون كيه هول، تنشئة الأطفال في القرن الحادي والعشرين: علم الصحة النفسية
للأطفال، ترجمة أحمد الشيهي؛ مراجعة مروة عبد الفتاح شحاتة (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 0162)، ص.152
(28) Ariel Knafo and Shalom H. Schwartz, «Accounting for Parent - Child Value Congruence: Theoretical Considerations and Empirical Evidence,» in: Ute Schönpflug (ed.), Cultural Transmission: Psychological, Developmental, Social, and Methodological Aspects , Culture and Psychology (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 2008), p. 240.
(2((هول، ص.150 (3((المرجع نفسه، ص.150
الوهم الرابع: الأطفال «الإسفنج» (التربة التي تتلقى كل ما يرمى فيها)
تفترض استعارة «غرس القيم»، كذلك، أن الأطفال صفحات بيضاء، وهُم أشبه بقطع إسفنج تمتصّ القيم كلها التي تقدم إليهم، أي إنهم متلقون سلبيون، لأن التنشئة الاجتماعية للقيم لا تعرف سوى اتجاه واحد غير قابل للانعكاس: من الآباء إلى الأبناء. ويفترض مفهوم التنشئة الاجتماعية للقيم أن الأطفال يأتون إلى عالم جرى سلفًا تكوين كل شيء فيه، من المعنى إلى القيم إلى المعايير إلى القواعد والأعراف، إلى التوقعات إلى الأدوار الاجتماعية إلى المعتقدات الدينية، وهي الحمولة التي على الآباء تمريرها إلى أبنائهم. ووفق هذا التصور، ليس لدى الأطفال أي قدرة على الرفض والتمرد أو حتى الاستجابة السلبية أو المعكوسة أو عدم الاستجابة مطلقًا للمؤثرات التي يتعرضون لها، وللقيم التي تمرر إليهم. وإذا حصل شيء من هذا، فينبغي تفسيره بأنه خلل أو فشل في عملية التنشئة. وبحسب الوظيفيين، فإن الأولاد والبنات يتعلمون الأدوار المتصلة بجنسهم عبر التنشئة الاجتماعية التي تحبّذ
سلوكًا معينًا أو تنهى عنه. أما «إذا قام فرد بممارسات جنوسية لا تناسب نوعه البيولوجي - أي بسلوك منحرف - فإن تفسير هذا السلوك يكمن في قصور أو خلل في تنشئته الاجتماعية». والأمر كذلك مع التنشئة الاجتماعية القيمية؛ ففي حال اعتمد الأطفال قيمًا تختلف عن قيم آبائهم، يكون مردّ ذلك إلى قصور التنشئة الاجتماعية القيمية أو حتى فشلها. لا أحد ينكر أن الظروف الاجتماعية التي ننشأ فيها تترك آثارها الواضحة في هوياتنا وتصرفاتنا وقيمنا، لكن ينبغي ألا يعني هذا أننا كائنات سلبية تتلقى فحسب؛ ففي دراسة أجريت على 431 أمًا و 463 أبًا، تبيّن أن أطفال هؤلاء الآباء والأمهات، وكانوا في سن راوحت بين 11 و 17 عامًا، كان لهم تأثير واضح
في تنشئة آبائهم قيميًا، بمعنى أن عملية التنشئة أصبحت معكوسة، فالأطفال يمررون قيمهم إلى آبائهم،
وتحديدًا في ما يتعلق ب « فائدة التكنولوجيا الحديثة، وآرائهم في أسلوب الحياة التقليدية». وهناك من يتحدث عن تنشئة اجتماعية للقيم يقوم بها الأبناء لآبائهم، وخصوصًا في القيم المتعلقة بأزياء الملابس أو الموسيقى أو الثقافة الشعبية عمومًا؛ فاهتمام الأبناء بالأفكار الجديدة والثقافة الشعبية والموسيقى والأزياء يمكن أن ينتقل إلى قيم بعض الآباء، الأمر الذي يثبت أن التنشئة الاجتماعية ينبغي أن تُفهَم كنتيجة للتفاعل النشط والمتعدد الاتجاهات بين الآباء وأبنائهم وباقي المؤسسات الاجتماعية الأخرى، أكثر مما هي عملية في اتجاه واحد تنطلق من المؤسسات باتجاه الأطفال. صار التوجه الغالب الآن، لدى علماء الاجتماع، يميل بقوة للتشديد على أن عملية التنشئة الاجتماعية عملية معقدة ومتشعبة، وأنه ينبغي أن تُفهَم على أنها تجري في «سياق ثنائي الاتجاه». وفي دراسة
(((3 جيدنز وبيردسال، ص.188
(32) Martin Pinquart and Rainer K. Silbereisen, «Transmission of Values from Adolescents to their Parents: The Role of Value Content and Authoritative Parenting,» Adolescence , vol. 39, no. 153 (Spring 2004), pp. 83 - 100, Accessed on 2/10/2016, at: http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/15230068.
(((3 انظر: هول، ص.157
حديثة أجريت على 813 عائلة من شمال إيطاليا بشأن نقل القيم في العائلة ومدى تقبُّل الأطفال لها، تبيَّن أن «مستوى القبول متواضع في العوائل»، وهي النتيجة ذاتها التي أثبتتها دراسة أخرى حين لاحظت أن «الأدلة التجريبية على وجود تمرير قيمي مباشر بين الآباء والأبناء ضعيفة ومتواضعة، وتركز غالبًا على «التوجهات السياسية والاعتقادات الدينية وأساليب الحياة، لا على القيم أو التوجهات العامة في الواقع الاجتماعي»، وهي التي أصبح لدى الجميع تقريبًا حرية تكوينها. يقترح النموذج الثنائي الاتجاه في التنشئة الاجتماعية «أن الآباء ينجزون مسؤوليتهم بوصفهم فاعلين اجتماعيين، في سياق يقوم فيه الأطفال أنفسهم بمسؤوليتهم كفاعلين يمتلكون مصادر معتبرة للتأثير في آبائهم. وعلاوة على هذا، فإن التأثير الأبوي يحدث في سياق ثقافي وإيكولوجي أكبر، وذلك مع قيم بديلة تتنافس دائمًا مع الأهداف الأبوية». كما أن هذا النموذج يقدم «إطارًا إيجابيًا لدراسة التغير الجيلي وتحوّل القيم. في المنظور أحادي التأثير يفسر الاختلاف الجيلي على أنه نوع من ‹فشل› التنشئة، في حين أن المنظور ثنائي التأثير يرى أن الاختلاف بين الآباء والأطفال، أو بين أخوين في أُسرة واحدة، هو أمر متوقع». لنأخذْ واحدة من القيم التي تجد تقديرًا عاليًا عند الآباء في معظم المجتمعات الحديثة، وهي قيمة «التحصيل الدراسي». صحيح أن هناك دراسات تثبت أن تقدير الوالدين لقيمة النجاح والتحصيل الدراسي يؤدي إلى اعتماد الأبناء القيمة نفسها، لكن بمعزل عن هذه الدراسات، لنسألْ الأسئلة التالية: كم عدد الآباء الذين يقدرون قيمة التحصيل الدراسي وهم يعانون، في الوقت ذاته، تدنّي تحصيل أطفالهم الدراسي؟ كم عدد هؤلاء الذين يجدون مشقة في حث أطفالهم على مذاكرة دروسهم حتى ليلة اختباراتهم؟ ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أن تمرير القيم من الآباء إلى الأبناء ليس سهلً وسلسلً كما تُوهِم استعارة «غرس القيم». يُرجع بعض المعنيين هذا الانفتاح في نموذج التأثير من الأحادي إلى المتعدد، إلى العولمة والتحولات الكبيرة التي حدثت وسببت تضعضع التقاليد والمجتمعات التي كانت تسد أفق التغيير أمام الأفراد. وفي سياق استعراض آثار العولمة في طبيعة حياتنا اليومية، لاحظ أنتوني غيدنز أن العولمة أحدثت تأثيرات عميقة في حياة الأفراد، وأرغمت كثيرين على إعادة تعريف أنفسهم والجوانب الشخصية والحميمية في حياتهم، مثل العائلة والأدوار الجنوسية والعلاقات الجنسية والهوية الشخصية وتفاعلاتهم مع الآخرين... وغيرها. وبحسب غيدنز، أيضًا، فإن «بزوغ النزعة الفردية» الذي تسببت به العولمة يعني أن الأفراد أصبحوا «أكثر قدرة على تغيير مسارات حياتهم وخياراتها»، وذلك بعد أن
(34) Daniela Barni [et al.], «Value Transmission in the Family: Do Adolescents Accept the Values their Parents Want to Transmit?,» Journal of Moral Education , vol. 40, no. 1 (2011), p. 105. (35) Leon Kuczynski, Sheila Marshall and Kathleen Schell, «Value Socialization in a Bidirectional Context,» in: Joan E. Grusec and Leon Kuczynski (eds.), Parenting and Children's Internalization of Values: A Handbook of Contemporary Theory (New York: J. Wiley, 1997), p. 23. (36) Ibid., p. 39.
(((3 انظر: هول، ص.153
كانت «التقاليد والعادات في الماضي تمارس تأثيرًا قويًا على مسالك الناس وأساليب حياتهم».
وهذا ينسحب على الكبار والصغار؛ فبحسب جورج ريتزر، في كتابه الضخم عن العولمة، فإن للعولمة جوانب إيجابية بالنسبة إلى الأطفال ليس في «إمكانية توافر السلع الاستهلاكية للأطفال» فحسب، بل إن «أحد المكاسب الأخرى الأكثر أهمية هي القدرة المتزايدة للأطفال (من بين أشياء أخرى كثيرة)، نتيجة الاتجاه العالمي نحو النزعة الفردية، على صياغة حياتهم الخاصة بدلً من أن يتولى آخرون صياغتها نيابة عنهم».
خلاصة وتركيب
هل يسمح تفكيك هذه الأوهام أن نستنتج أنه لم يعد في مستطاع أحد أن يربّي أطفاله على قيم محددة بعد اليوم؟ بالتأكيد لا، فما زال الآباء والأمهات والمعلمون وفئات كثيرة في المجتمع يضعون مسألة التنشئة الاجتماعية للقيم على رأس أولوياتهم. وما زال الأطفال يعتمدون قيمهم بتأثير من الشخصيات المهمة في حياتهم، من آباء ومعلمين ونجوم مشهورين وقادة مجتمعيين... وغيرهم. لكن الجميع بدأ يشعر بأن عملية «نقل القيم» ليس بالبساطة والسلاسة التي تُصورها استعارة «غرس القيم»، وذلك بحكم التعقيد الذي يعيشه كل مجتمع حديث اليوم، الأمر الذي يجعل تأمين «الإجماع القيمي» داخل المجتمع حلمًا بعيد المنال، بل هو صعب المنال حتى داخل المؤسسة الواحدة، مثل الأسرة
والمدرسة والمؤسسة الإعلامية... وغيرها، بحكم أن الانسجام أو الاتساق الذي كان يميز حياة المجتمعات المحلية الصغيرة اختفى أو يكاد يختفي، وصارت المجتمعات تعيش في «عصر البلبلة» كما وصفه الروائي السوداني ومستشار اليونسكو الراحل الطيب صالح في ندوة «ماذا يريد التربويون من الإعلاميين» في عام 9861؛ فهناك اختلاط للحابل بالنابل، و«هناك بلبلة في دنيانا، في الطعام والشراب والمسكن والملبس والمدن والشوارع والإذاعة والتلفزيون والصحف. الرموز التي تعبّر عن
ذاتنا أصبحت خليطًا من أشياء متنافرة». أضف إلى هذا أنه ينبغي أن تُفهَم عملية «نقل القيم» بوصفها عملية دينامية متشعبة ربما تنجح وربما تفشل، وقد يكون نجاحها منقوصًا، ويجب ألا تفهم المسألة بهذه الحدية، لأن الحاصل أن سلوك الأطفال مع القيم لا يخلو من تفاوض وتسويات؛ إذ يمكن أن يتقبل الأطفال ما يُنقل إليهم من قيم، ويمكن أن يرفضوها، أو يتمردوا عليها، وربما يتعاملون معها بسخرية وتهكم، أو يتحايلون عليها، وقد أو يتمكنون هُم أنفسهم من تمرير بعض قيمهم إلى آبائهم. والخلاصة هي أن تلقّي الأطفال للقيم أصبح معقدًا.
(3((جيدنز وبيردسال، ص.136 3(((جورج ريتزر، العولمة: نص أساس، ترجمة وتقديم السيد إمام (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 0152)، ص.950 (4((الطيب صالح، « الذاتية الثقافية العربية بين التربية والإعلام »، ورقة مقدمة في ندوة ماذا يريد التربويون من الإعلاميين، مكتب
التربية العربي لدول الخليج، الرياض، 982.1 نقلنا العبارة من: مجلس وزراء العمل ومجلس وزراء الشؤون الاجتماعية بدول مجلس
التعاون لدول الخليج العربية، المكتب التنفيذي، التنشئة الاجتماعية بين تأثير وسائل الإعام الحديثة ودور الأسرة بمناسبة السنة
الدولية للأسرة 1994، سلسلة الدراسات الاجتماعية والعمالية؛ 25 (المنامة: المكتب التنفيذي، 9941)، ص.30
References
المراجع
العربية
كتب
باتلر، إيمون. المدرسة النمساوية في الاقتصاد: مقدمة موجزة. ترجمة محمد فتحي خضر. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة،.2013 جيدنز، أنتوني وكارين بيردسال. علم الاجتماع مع مدخات عربية. ترجمة وتقديم فايز الصياغ. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2005 رياض، سعد. غرس القيم عند الأطفال: قصص ومهارات تربوية. القاهرة: مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة،.2011 ريتزر، جورج. العولمة: نص أساس. ترجمة وتقديم السيد إمام. القاهرة: المركز القومي للترجمة،
سميث، آدم. ثروة الأمم. ترجمة حسني زينه. ج.1 بغداد؛ بيروت: معهد الدراسات الاستراتيجية،
الشناوي، محمد [وآخرون]. التنشئة الاجتماعية للطفل. عمّان: دار صفاء للنشر والتوزيع،.2001 شيللر، هربرت آ. المتاعبون بالعقول: كيف يجذب محركو الدمى الكبار في السياسة والإعان ووسائل الاتصال الجماهيري خيوط الرأي العام؟. ترجمة عبد السلام رضوان. عالم المعرفة؛ 43.2 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1999 الصيرفي، رنا. دليل عملي لغرس 53 قيمة إنسانية في الأُسرة. [المنامة]: تيمن،.2013 مجلس وزراء العمل ومجلس وزراء الشؤون الاجتماعية بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، المكتب التنفيذي. التنشئة الاجتماعية بين تأثير وسائل الإعام الحديثة ودور الأسرة بمناسبة السنة الدولية للأسرة 1994. سلسلة الدراسات الاجتماعية والعمالية؛.25 المنامة: المكتب التنفيذي،.1994 هول، شارون كيه. تنشئة الأطفال في القرن الحادي والعشرين: علم الصحة النفسية للأطفال. ترجمة أحمد الشيهي؛ مراجعة مروة عبد الفتاح شحاتة. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة،.2016
رسالة جامعية
السناني، عبد المجيد بن عيد بن صالح. «دور الإعلام التربوي في غرس القيم الأخلاقية من وجهة نظر معلمي المرحلة الثانوية بالمدينة المنورة (دراسة ميدانية)». رسالة ماجستير في التربية، الجامعة الإسلامية، المملكة العربية السعودية، المدينة المنورة، 2010 -.2011
أوراق مقدمة في مؤتمرات
نحاس، جورج ن. «أهمية المناهج الدراسية في غرس القيم الدينية السوية». ورقة مقدمة في مؤتمر الدوحة الثامن لحوار الأديان: دور الأديان في تنشئة الأجيال، قطر، 19 - 21 تشرين الأول/ أكتوبر
صالح، الطيب. « الذاتية الثقافية العربية بين التربية والإعلام ». ورقة مقدمة في ندوة ماذا يريد التربويون من الإعلاميين، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض،.1982
وثائق
الحلوتي، إسماعيل. «هل أخفقت المدرسة المغربية في ترسيخ منظومة القيم والأخلاق؟». موقع أخبارنا المغربية، 014/4/16.2 شوهد في 016/12/52، في:
الخميس، إبراهيم بن عبد العزيز. «كيف أغرس في أولادي القيم الإسلامية (1 - 8.»)1 موقع الألوكة الاجتماعية. شوهد في 016/12/5:2، في
الأجنبية
Grusec, Joan E. and Leon Kuczynski (eds.). Parenting and Children’s Internalization
Schönpflug, Ute (ed.). Cultural Transmission: Psychological, Developmental, Social, and Methodological Aspects. Culture and Psychology. Cambridge; New York:
Von Mises, Ludwig. Human Action: A Treatise on Economics. Auburn, Ala.: Ludwig
Balu, A. «Emerging Trends on Inculcation of Values.» Indian Journal of Applied
Barni, Daniela [et al.]. «Value Transmission in the Family: Do Adolescents Accept the Values their Parents Want to Transmit?.» Journal of Moral Education. Vol. 40, no. 1
http://www.akhbarona.com/mobile/education/72792.html.
http://www.alukah.net/social/0/2546/.
Books
of Values: A Handbook of Contemporary Theory. New York: J. Wiley, 1997.
Cambridge University Press, 2008.
Von Mises Institute, 1998.
Periodicals
Research. Vol. 5, no. 8 (August 2015).
(2011), pp. 105 - 121.
Luster, Tom, Kelly Rhoades and Bruce Haas. «The Relation between Parental Values and Parenting Behavior: A Test of the Kohn Hypothesis.» Journal of Marriage and Family. Vol. 51, no. 1 (February 1989), pp. 139 - 147. Pinquart, Martin and Rainer K. Silbereisen. «Transmission of Values from Adolescents to their Parents: The Role of Value Content and Authoritative Parenting.» Adolescence. Vol. 39, no. 153 (Spring 2004), pp. 83 - 100. Accessed on 2/10/2016, at: http://www. ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/15230068. Rai, Roli. «Inculcation of Values: A Necessity Today.» International Journal of Educational Research and Technology (IJERT). Vol. 5, no. 1 (March 2014), pp. 30 - 32.
Documents
Kabli, Rajie. «Want To Raise Kind Kids? Harvard Says these 5 Techniques Will Help You Do That.» Collective Evolution, 6/11/2015. Accessed on 2/10/2016, at: http:// www.collective-evolution.com/2015/11/06/want-to-raise-kind-kids-harvard-says- these-5-techniques-will-help-you-do-that-/. Sharma, A. P. «Can Teachers Inculcate Values?.» University News, 15 May 1995. «Teaching the Children: Sharp Ideological Differences, Some Common Ground, Wide Gaps over Teaching Faith, Tolerance, Obedience.» Pew Research Center, 18/9/2014. Accessed on 3/10/2016, at: http://www.people-press.org/2014/09/18/teaching-the- children-sharp-ideological-differences-some-common-ground/. «World Values Survey Wave 6 (2010 - 2014).» Accessed on 2/10/2016, at: http://www. worldvaluessurvey.org/WVSDocumentationWV6.jsp.