Return to Article Details The Problem of Building a Unified National Army in a Regionally Divided Society

إشكالية بناء جيش وطني موحّد في مجتمع منقسم مناطقيًا

The Problem of Building a Unified National Army in a Regionally Divided Society

سمية عبد القادر شيخ محمود *

Sumaya Abdulkadir Sheikh Mahmud **

الملخّص

تتناول هذه الدراسة إحدى أهم قضايا إعادة بناء الدولة الصومالية بعد تفككها وانهيار مؤسستها إبّان سقوط النظام في التسعينيات وهي قضية بناء جيش وطني موحد، لأن الجيش يمثل القوة، ووجود قوة تمثل المناطق كلها من شأنها إعادة الثقة بين المجتمع المنقسم مناطقيًا، ما قد يسهل بناء باقي مؤسسات الدولة. اتبعت في هذه الدراسة المنهج التاريخي والوصفي وكذلك أداة المقابلة لجمع معلومات الدراسة من ذوي العلاقة بموضوع البحث. خلصت الدراسة إلى وجود إشكالات عدة تعرقل بناء الجيش، منها ما هو سياسي واجتماعي وفني ومادي، واقترحت إجراءات عدّة لتجاوزها.

Abstract

** Master’s Student in History and Culture at Fatani University in Thailand, specializing in Post - Conflict State Reconstruction.

الكلمات المفتاحية:
  • جيش موحد
  • مجتمع منقسم
  • بناء الدّولة
  • الحكومة الفيدرالية
Keywords:
  • Unified Army
  • Divided Society
  • State Building
  • Federal Government

ملخص: تتناول هذه الدراسة إحدى أهم قضايا إعادة بناء الدولة الصومالية بعد تفككها وانهيار مؤسستها إبّان سقوط النظام في التسعينيات وهي قضية بناء جيش وطني موحد، لأن الجيش

يمثل القوة، ووجود قوة تمثل المناطق كلها من شأنها إعادة الثقة بين المجتمع المنقسم مناطقيًا، ما قد يسهل بناء باقي مؤسسات الدولة. اتبعت في هذه الدراسة المنهج التاريخي

والوصفي وكذلك أداة المقابلة لجمع معلومات الدراسة من ذوي العلاقة بموضوع البحث. خلصت الدراسة إلى وجود إشكالات عدة تعرقل بناء الجيش، منها ما هو سياسي واجتماعي وفني ومادي، واقترحت إجراءات عدّة لتجاوزها.

Abstract: This study deals with one of the most important issues for the rebuilding of the Somali state after the collapse of the regime in the 1990s, and the ensuing disintegration and breakdown of the state’s institutions: the building of a unified national army. As a power the army represents all the regions and serves to restore confidence within a regionally divided society. It may also facilitate the building of other state institutions. The study adopts a descriptive - historical method and uses interviews with key figures. It identifies political, sociological, technical, and material difficulties hindering the formation of the army, and makes recommendations to overcome it.

مقدمة

غالبًا ما تُثار مسألة إعادة بناء الجيوش وتوحيدها في مجتمعات ما بعد الحرب الأهلية

كالمجتمع الصومالي، وتعتبر جزءًا من عملية إعادة بناء الدولة؛ فمؤسسة الجيش كانت

أول مؤسسة جرى حلّها بعد إسقاط نظام محمد سياد بري في مستهل التسعينيات، وصدرت من رئيس الوزراء الموقت للجيش أوامر بتسليم سلاحه إلى الجبهات التي أسقطت النظام، وتوالت بعدها ظاهرة إسقاط مؤسسات الدولة الواحدة تلو الأخرى، وبقيت البلاد في حالة فراغ تام للسلطة على المستويات كلها مدة عقد من الزمان، انقسمت خلالها الصومال إلى ثلاثة كانتونات رئيسة، هي صوماليلاند التي أعلنت الانفصال من جانب واحد، وبونتلاند التي سمّت نفسها إدارة بحكم ذاتي إلى حين استقرار الأوضاع، وباقي الصومال الذي تتنازع فيه مجموعة من أمراء الحرب. ومع انشقاق صفوف الميليشيات وتطور الصراع في الصومال، ظهرت كانتونات أخرى، أسست كلها على أسس قبلية، حيث تحاول كل قبيلة التزام محافظاتها وحماية مكتسبات ما بعد الحرب الأهلية. وقد أثّر هذا الانقسام المناطقي في عملية إعادة مؤسسات الدولة عمومًا، ومؤسسة الجيش خصوصًا؛ وفرض شكوكًا عميقة بين الأطراف الصومالية، ما جعل الحكومات المتعاقبة تفشل في وضع استراتيجية لدمج جيوش هذه الكانتونات. ومن هذا العجز الحكومي تأتي أسئلة شتى، منها: ما الذي يعوّق الحكومة الصومالية عن دمج القوات تحت منظومة واحدة هو الجيش الوطني الصومالي؟ كيف يمكن التغلب على أسباب الإعاقة؟ تحاول هذه الدراسة عرض إشكالية بناء جيش موحَّد للصومال في ظل الانقسام المناطقي؛ جيش ولاؤه الأول للوطن لا للعشائر والمناطق.

جمهورية الصومال: التقسيم الاستعماري للأراضي الصومالية

تقع جمهورية الصومال في شرق أفريقيا، وقد أسست في 1 تموز/يوليوُ 9601 مكوَّنةً اتحاد إقليم الصومال البريطاني وإقليم الصومال الإيطالي. وهي شبه جزيرة، يحدّها من الشمال خليج عدن واليمن، ومن الشمال الغربي جيبوتي، ومن الغرب إثيوبيا، ومن الشرق المحيط الهندي، ومن الجنوب الغربي كينيا. تقدر مساحتها بحوالى 637.540 كلم 2، ويصل طول سواحلها إلى أكثر من 0003 كلم. يتميزّ الشعب الصومالي بتجانسه العرقي واللغوي والديني؛ إذ يتحدّث السكان البالغ عددهم 12.6 مليون نسمة لغة واحدة هي الصومالية، ويدينون بدين واحد هو الإسلام، وعلى مذهب الإمام الشافعي. كانت دولة الصومال قبل تأسيسها كباقي دول آسيا وأفريقيا التي أنشأها الاستعمار، عبارة عن كيانات سياسية متنوعة، تمظهرت في مجموعة ممالك وسلطنات تضمّ كلّ منها مجموعة من

(1)  Population Estimation Survey, 2014 (Nairobi: United Nations Population Fund, Somalia Country Office, 2014), p. 22.

العشائر، مثل سلطنة أجوران التي حكمت معظم مناطق وسط الصومال الحالي وجنوبه بين منتصف القرن الثالث عشر الميلادي وأواخر القرن السابع عشر، وامتّدت مساحتها من قلّفو في أعالي وادي شبيللي إلى سواحل المحيط الهندي، ومن مَريغ في وسط الصومال حتى الحدود الكينية في جنوب غرب البلاد. واتخذت هذه السلطنة من مدينة مركا عاصمة لها، وكان يُطلق على الزعيم لقب إمام أو أمير. وقد انهزمت السلطنة في أواخر القرن السابع عشر أمام مقاتلين متحالفين مع عشيرة غليدي، ليبدأ عهد جديد بزعامة سلطنة غيلدي، وفي وقت لاحق، أحكم الزنجباريون سيطرتهم على سواحل بنادر الكبرى ومناطق نفوذ سلطنة أجوران. أما في الشمال، فكان فيها واحدة من أشهر الممالك الصومالية، وهي سلطنة عدَلْ، وعاصمتها زيلع، ومن أشهر قادتها الإمام الغازي أحمد بن إبراهيم، المعروف ب « أحمد غُرَيْ»، وهو الذي قاد جهاد مسلمي شرق أفريقيا ضد

الحبشة المسيحية في القرن السادس عشر، وقد اعتبرت معارك آنذاك امتدادًا للحروب الصليبية في المشرق العربي؛ إذ إن الحبشة حصلت على دعم من البرتغاليين، بينما حصل المسلمون الصوماليون على دعم من العثمانيين ومن قبلهم المماليك، حكّام مصر. وفي القرن التاسع عشر، سلّمت الدولة العثمانية السواحل الشمالية الصومالية إلى سلطة خديوي مصر. وفي

مستهل القرن التاسع عشر، أسست مملكة مجيرتينا في شمال شرق البلاد، ومُدّ نفوذها إلى وسط

الصومال، وكان زعيمها يُلقّب ب «بُوقُر» أي الملك. ومن أشهر حكّام تلك المملكة عثمان محمود، الذي تزوّج القائد محمد عبد الله حسن ابنته، وقدّم 277 ناقة مهرًا لها، إلى جانب كثير من الهدايا

لعائلة الملك. وفي عام 8401، انشق علي يوسف عثمان عن المملكة وأسس سلطنة هوبيو في وسط الصومال. على الرغم من وجود هذا العدد من الممالك والسلطنات وأشكال الحكم المختلفة، لم يكن الرّعاة

الصوماليون يُمنعون من حق المرور والانتقال من مملكة إلى أخرى بحسب المواسم؛ فعلى سبيل المثال، جرت عادة الرعاة في الشمال على الهجرة إلى مراعي هَوْد - المُلحق بإثيوبيا حاليًا - في

الفصل الجاف، وهي المراعي التي تكون خلال ذلك الموسم في أفضل حالاتها، ليعودوا إلى أراضيهم بعد أن تورق مراعيهم في الفصل الماطر. أما في الجنوب، فاعتاد الرعاة على الانتقال إلى ضفاف نهري جوبا وشبيللي الدائمي الجريان، ثم العودة إلى مناطقهم الساحلية بعد موسم الأمطار. غير أن الوضع تغيّر بعد مؤتمر برلين؛ إذ عقدت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا معاهدات حماية

(2) Mohamed Haji Mukhtar, Historical Dictionary of Somalia , African Historical Dictionary Series; no. 87, New ed. (Lanham, Md.: Scarecrow Press, 2003), p. 35.

(((كانت بنادر قبل الترسيم الذي أقرّه محمد سياد بري تضمّ محافظة شبيللي الوسطى، ومحافظة شبيللي السفلى. أما بعد الترسيم،

فقد أصبحت بنادر تشير فقط لمدينة مقديشو.

(4) Ibid., p. 33. (5) Ibid., p. 55.

(((هوبيو الآن بلدة واقعة في جنوب محافظة مدغ. (((محمد عبد الغني سعودي، قضايا إفريقية، عالم المعرفة؛ 4 المجلس الوطني للثفافة والفنون والآداب 3 (الكويت:، 1980)، ص.229

مع العشائر الصومالية بين عامي 8858891 و 1، ثم عقد الإمبراطور ملينيك الثاني الحبشي في عام 9031 اتفاقية مع الإيطاليين يتقاسم بموجبها الأراضي الصومالية مع مملكة إيطاليا. وهكذا تقطّعت أوصال الشعب الصومالي، وأصبح من الصعب عليه أن يتخطى الحدود بحثًا عن مراعي أفضل في المواسم الجافة؛ فإيطاليا فرضت سيطرتها على جنوب الصومال ووسطه، وأطلقت عليهما اسم الصومال الإيطالي، بينما أعلنت بريطانيا مناطق شمال الصومال وإقليم جوبا لاند والمحافظات الشمالية الشرقية الصومالية التابعة لكينيا الآن محمية بريطانية، وأطلقت على الشمال اسم الصومال البريطاني، وعُرفت المحافظات الصومالية في كينيا باسم انفدي. واحتلت فرنسا جيبوتي أو ما عُرف بالساحل الصومالي والصومال الفرنسي، وأطلقت عليه لاحقًا اسم أرض العيسى والعفر لمحو صلتها بالصومال. وأخيرًا، لم تنس إثيوبيا قضم الأراضي الصومالية، فادّعى الإمبراطور ملينك الثاني أن الإقليم الصومالي الغربي (أوغادينيا) أرض إثيوبية. وفي عام 9601، نال إقليم الصومال البريطاني والإقليم الصومالي استقلاليهما، وأعلنا الوحدة تحت اسم جمهورية الصومال، وكان ذلك أول عهد الصوماليين بحكم موحد في كامل هذين الإقليمين.

سقوط النظام وانقسام الصومال مناطقيًا

يُعرف عقد الثمانينيات ب «العقد الصعب»؛ إذ ظهرت حركات تمرد، يقودها منشقون عن الحكومة أكثرهم عسكريون، وقادوا حرب عصابات التجأت جميعها إلى دولة إثيوبيا (الجارة المعادية للصومال)، وشنوا من أراضيها هجماتهم على النظام الذي صمد أمامها طوال عقد من الزمن، قبل أن يضطر رأس النظام سياد بري إلى الهروب من مقديشو. لكن الجبهات لم تستطع الاجتماع لتقرير البديل من النظام الساقط، بل لم يستشعر الجناح السياسي «المدني» لحركة المؤتمر الصومالي الموحد ضرورة الاجتماع بالجبهات والحركات الأخرى، مراهنًا على أن من يسيطر على العاصمة يسيطر على البلاد. وتصرّف وكأنه يمثل الدولة الصومالية لا بصفته فصيلً من الفصائل المناهضة للنظام، فاجتمع في مقديشو في شباط/ فبراير 9911، ونصّب رجل الأعمال علي مهدي محمد رئيسًا موقتًا، وعيّن بدوره عمر عرته غالب رئيسًا للوزراء. وكان من أبرز قرارات هذا الأخير حلّ الجيش وتوزيع السلاح على الميليشيات. وأما منسوبو الهيئات الأمنية، فاختلف مصيرهم؛ فمنهم من أصبح قائدًا أو مقاتلً في الميليشيات العشائرية، وانتهى المطاف بآخرين في أوروبا وأميركا الشمالية ودول الجوار كلاجيئن، ومنهم من بقي يحلم بإعادة بناء الدولة والانضمام إلى الجيش من جديد، ومنهم من فضّل الانخراط في صفوف المدنيين، وهكذا انتهى ما كان يسمى الجيش الصومالي.

(((صلاح الدين حافظ، صراع القوى العظمى حول القرن الأفريقي، عالم المعرفة؛ 49 (الكويت: المجلس الوطني للثفافة والفنون والآداب، 9821)، ص 185 -.189

(9) Northern Frontier District.

(1((مقابلة جماعية لضباط صومالين، أجرتها الباحثة عبر البريد الإلكتروني، مقديشو،.2016/5/15

بدأ مع هذا القرار مسلسل تفكك البلاد وانقسامها فعليًا؛ إذ لم يرُق قرار تنصيب علي مهدي محمد

رئيسًا موقتًا للقائد العسكري لحركة المؤتمر الصومالي الموحد، العقيد محمد فارح عيديد. وانقسمت الحركة إلى تحالفين، أحدهما بزعامة الرئيس الموقت والآخر بزعامة عيديد. وشهدت العاصمة معارك دموية استمرت أشهرًا بين عشيرتي أبغال (علي مهدي) وعشيرة هبر غدِر (عيديد)، وكلتاهما من قبيلة

هويا. بدأ التحالف الذي كان العقيد عيديد يقوده بالتوسع والسيطرة على المدن والمحافظات في جنوب الصومال ووسطه، فكوّنت كل عشيرة ميليشيات مسلّحة للدفاع عن أبنائها وممتلكاتهم، بل إن مقديشو وحدها أصبحت مقسمة بين تسع ميليشيات، كانت في الأصل إما تابعة لتحالف عيديد وإما لتحالف علي مهدي، ولم يعد سكّان العاصمة قادرين على التّنقل بحرية بين أحياء المدينة المقطعة الأوصال. أما الحركة الوطنية الصومالية في الشمال، فأعلنت انفصالً أحادي الجانب، وتأسيس جمهورية صوماليلاند المستقلة، بعد ثلاثة أشهر من تنصيب علي مهدي رئيسًا موقتًا، بذريعة أن الحرب القائمة في الجنوب ستطول، وأن أحدًا لم يُشركهم في قرار تنصيب الرئيس الموقت. في ظل هذه الأجواء، أعادت الجبهة الصومالية الديمقراطية للإنقاذ لملمة صفوفها، وتصادف ذلك مع إسقاط منغيستو هيلاسلاسي في إثيوبيا، وخروج القائد السابق للجبهة عبد الله يوسف أحمد من محبسه، وعودته إلى البلاد. وواجهت الحركة تحديات عديدة، أبرزها استعادة القائد السابق منصبه في الحركة، وإقصاء القائد عبد الله أبشر - قائد الشرطة في عهد آدم عبد الله عثمان - وإنهاء احتكار جماعة الاتحاد الإسلامي مدخول ميناء بوصاصو، ثم التّصدي لمحاولات عيديد الرامية إلى الاستيلاء على مدينة جالكعيو، وصدّها، إلى أن عقد الطرفان معاهدة سلام في عام 9931، واتفقا على تقسيم المدينة إلى قسمين، قسم لعشائر دارود وقسم لعشيرة هبر غدر، على أن تكون المرافق العامة مشتركة. وظل الاتفاق ساريًا حتى تأسيس ما سمّي ولاية غلمدوغ في عام 014.2 وبعد فشل مؤتمر القاهرة في سنة 9981، اجتمع قادة الجبهة الصومالية الديمقراطية للإنقاذ مع زعماء عشائر داورد لتقرير مصير مناطقهم في ظل سوء إدارة الوسطاء الدوليين للأزمة الصومالية، وتمخض الاجتماع عن تأسيس إدارة متمتعة بحكم ذاتي تحت اسم بونتلاند. وهكذا أصبحت البلاد واقعيًا منقسمة إلى ثلاثة كانتونات رئيسة: صوماليلاند وبونتلاند، وجنوب البلاد

ووسطها. وبقي الصومال مدة عشر سنوات دولة بلا سلطة تنفيذية أو قضائية أو تشريعية، واستحق أن يصبح نموذجًا للأناركية.

(11) Friederike Teutsch, Collapsing Expectation: National Identity and Disintegration of the State of Somalia , Occasional Papers; 78 (Edinburgh: Centre of African Studies, Edinburgh University, 1999), Accessed on 17/4/2016, at: http://www.cas.ed.ac.uk/__data/assets/pdf_file/0018/27342/No_078_Collapsing_Expectation-_National_ Identity_and_Distingr.pdf. (12) Abdullahi Yusuf Ahmed, Halgan iyo Hagardaamo: Taariikh Nololeed = Struggle and Conspiracy: A Memoir (Stockholm: Scansom Publishers, 2012), p. 235.

محاولة إعادة بناء جيش موحَّد في ظل الانقسام المناطقي

حاول المجتمع الدولي طوال عقد من الزمن بناء دولة صومالية، عبر رعاية مؤتمرات للسلام بلغ عددها 4 1 مؤتمرًا، انتهت جميعها إلى الفشل. ويعدّ مؤتمر عرته (في عام 0002) من «أنجح» تلك المؤتمرات

الفاشلة؛ إذ أدى إلى اختيار عبدي قاسم صلاد رئيسًا موقتًا، على الرغم من مقاطعة صوماليلاند للمؤتمر وانسحاب بونتلاند من جلسات أعماله، ثم بدأت أولى محاولات إعادة تأسيس الجيش الصومالي، وكان يتكوّن وقتها من مسلحين مستقلين لا ينتمون إلى أي ميليشيات، ومجموعة من ضباط الجيش السابقين من فترة نظام سياد بري، لكنها لم تفعل أي شيء لفرض الأمن في شوارع مقديشو، ما أدى إلى بقاء الحكم صوريًا حتى انتهاء فترة الرئيس عبدي قاسم صلاد. مع اقتراب فترة حكم عبدي قاسم صلاد من نهايتها، سارع المجتمع الدولي إلى دعوة الفصائل الصومالية إلى مؤتمر للسلام في ألدوريد الكينية، خشية أن تجتذب حالة الفوضى وغياب الدولة أعضاء الحركات الجهادية، ولا سيما القاعدة، وعلى وجه الخصوص بعد حوادث 11 أيلول/سبتمبر 0012 في الولايات المتحدة، ليجدوا في الصومال ملاذًا آمنًا وساحة للتدريب والتخطيط لعمليات ضد الولايات المتحدة. انتهى مؤتمر ألدوريد إلى الفشل، لكن إصرار المجتمع الدولي ظهر حين نُقلت المحادثات إلى امبغاتي. وبعد مداولات شاقة، قررت الفصائل عدم استبعاد أمراء الحرب والميليشيات، وإشراكهم في السلطة، فجرى توقيع على ميثاق اتحادي تمهيدًا لفدرلة الصومال. وأخيرًا، اختار المجتمعون زعيم ولاية بونتلاند

عبد الله يوسف رئيسًا انتقاليًا لمدة خمس سنوات، ابتداءً من تشرين الأول/أكتوبر.004 2 حاول عبد الله يوسف أن ينقل الحكومة من المنفى إلى الوطن، لكن أمراء الحرب الذين شغلوا مناصب وزارية توعدوه بالحرب إن هو عاد إلى مقديشو. لم يُصغ الرئيس الانتقالي إلى وزرائه، وتواصل مع أمير الحرب محمد حَبيب (محمد طيري) الذي يسيطر على جوهر، عاصمة محافظة شبيللي الوسطى، وطلب منه استضافة الحكومة في منطقة نفوذه، وهذا ما كان فعلً. استشعر يوسف امتعاض الناس من كونه الرئيس وتخوفهم منه، فمنهم من كانوا يعتبرونه ممثل إثيوبيا في الصومال، ومنهم من كانوا يرون فيه شخصًا معاديًا للإسلاميين، مستحضرين حربه مع جماعة الاتحاد الإسلامي السلفية في التسعينيات، بينما رأى آخرون أن من الخطر أن يكون الرئيس من دارود، خوفًا من انتزاع الأملاك التي استحوذوا عليها خلال الحرب الأهلية، أو توجسًا من حملة انتقام بعد المجازر التي ارتكبتها ميليشيات هويا المتمركزة في جنوب الصومال ووسطه ضد مدنيين من دارود. كان يوسف يدرك أن جمع القبائل تحت حكومة يرئسها والانتقال إلى مقديشو أمر صعب، وسيواجَه حتمًا بحرب شاملة عن هو اقترب من مقديشو،

(13) Bronwyn E. Bruton and Paul D. Williams, Counterinsurgency in Somalia: Lessons Learned from the African Union Mission in Somalia, 2007 - 2013 , JSOU Report; 14 - 5 (MacDill Air Force Base, Florida: JSOU Press, 2014), p. 5. (14) Mohamed Mubarak, «Somali Military Has More Problems than Lack of Guns,» African Arguments, 26/2/2014, Accessed on 6/7/2016, at: http://africanarguments.org/2014/02/26/somali-military-has-more-problems-than-lack-of- guns-by-mohamed-mubarak/. (15) Bruton and Williams, p. 6.

فبدأ محادثات مع الاتحاد الأفريقي من أجل تزويد حكومته بقوات أفريقية لحمايتها ولمساعدته على فرض حكومته. واستأنف وحكومته عملية بناء الجيش الصومالي، لكن الميليشيات المسيطرة على مقديشو ومحافظات الجنوب عمومًا من عشائر هويا لم تُبدِ رغبة في الانضمام إلى جيش الحكومة.

وبعد صعود نجم اتحاد المحاكم الإسلامية ذات الصلة الوثيقة بقبيلة هويا، فضّل بعض أمراء الحرب الذين ساموا الشعب سوء العذاب، الانتقال إلى صفوف اتحاد المحاكم لمحاربة الحكومة الفدرالية الانتقالية، ومنهم الجنرال يوسف انوعدي، عضو مجلس شورى المحاكم وزعيم ميليشيات عشائرية تسيطر على شبيللي السفلى، والجنرال غوبالي، زعيم ميليشيات عشائرية اسمها تحالف وادي جوبا. وأصبحت تركيبة الجيش في عهد عبد الله يوسف مكونة من ضباط سابقين في جيش سياد بري، وقوات ولاية بونتلاند، ورجال المليشيات التابعة لمحمد حبيب (المسيطر على جوهر)، وميليشيات من بيدوا، العاصمة الموقتة التي استضافت الحكومة بعد طردها من جوهر. شنّ مقاتلو اتحاد المحاكم الإسلامية هجومًا على بيدوا، حيث مقر الحكومة، فاستنجدت هذه الأخيرة بإثيوبيا التي تدخّلت

في الصراع وحسمته لمصلحة الحكومة، وطردت فلول اتحاد المحاكم، واستطاعت تحرير القصر الجمهوري «فيلا صوماليا» من أيدي أبناء عيديد. وهكذا استقرت الحكومة في «فيلا صوماليا» أول مرة منذ مضي أكثر من ست عشرة سنة على حالة التنازع. بعد التدخل الإثيوبي في الصومال، شهدت بنية حركات التمرد تغييرًا جذريًا، من حركات عشائرية إلى

حركات تحمل أيديولوجيا إسلاموية، فظهرت حركة الشباب المجاهدين برئاسة أحمد غودني، وحزب الإسلام برئاسة حسن ضاهر أويس، وكلتاهما حركة سلفية جهادية، شارك مقاتلوهما في المعارك التي خاضها فارح عيديد ضد قوات يونيسوم في عام 9931، لكن لم يكن وجودها لافتًا بصفتها حركة ذات انتشار واسع وقوة ضاربة. وظهر أهل السنّة والجماعة، وهم من الصوفية التقليدية، في وسط الصومال لمقاومة حركة الشباب، وتلقى مقاتلوها التدريب في إثيوبيا، ومعسكر رأس كمبوني بقيادة أحمد إسلام (أحمد مدوبي)، وهي حركة عشائرية أعلنت الولاء لحزب الإسلام ثم تحوّلت إلى صفوف

حركة الشباب. وأخيرًا، قررت مواجهة حركة الشباب بالتعاون مع كينيا. ولعل السبب الرئيس في

هذا التحول هو تغيّر هوية العدو؛ ففي الثمانينيات والتسعينيات، كان العدو نظامًا استبداديًا وظّف

القبيلة واستخدمها أداة لقمع القبائل، فكان من الطبيعي ظهور حركات ذات خلفيات عشائرية، أما بعد التدخل الإثيوبي، فكان العدو إثيوبيا، والاتحاد الأفريقي الذي أرسل بعثة لحفظ السلام ولدعم الحكومة الانتقالية، في عام 2007، فاستدعى بعض الإسلامويين الهوية الجامعة للأمة الصومالية، وهي الإسلام، للتحريض ضد الحكومة المدعومة من «الكفار». وفي عام 0092، تولى شيخ شريف

(16) Sally Healy and Mark Bradbury, «Endless War: A Brief History of the Somali Conflict,» Accord , issue 21 (2010), p. 14. (17) Mubarak, «Somali Military». (18) Mathieu Guidère, Historical Dictionary of Islamic Fundamentalism , Historical Dictionaries of Religions, Philosophies, and Movements (Lanham, Md.: Scarecrow Press, 2012), p. 324. (19) «AMISOM Background,» AMISOM (African Union Mission in Somalia), Accessed 9/6/2016, at: http://amisom - au.org/amisom - background/.

شيخ أحمد الحكم، بعد استقالة عبد الله يوسف، وبدأ بدوره محاولة إعادة بناء الجيش الصومالي. وفي هذه المرة، انضمت ميليشيات كثيرة ومن العشائر كلها، واستُثنيت القبائل غير المسلحة لأنه كان على المجند أن يحضر سلاحه معه، ومن لا سلاح لديه يظل خارج مؤسسة الجيش التي لا تزال قيد البناء. ولم يتغيّر الوضع كثيرًا بعد انتهاء الفترة الانتقالية ووصول حسن شيخ محمود على الرئاسة

في عام 012.2 يبدو مما سبق أن عملية إعادة بناء الجيش الصومالي من جديد لم تشهد نجاحًا؛ فالصومال لا يملك حتى الآن جيشًا موحدًا ومواليًا للدولة وحاميًا للوطن والمواطن، ما يعني وجود مشكلات جمّة تعيق

إنشاء جيش صومالي موحد.

إشكالية بناء جيش صومالي موحد

يتبيّن من خلال تأمل ودراسة محاولات إعادة بناء الجيش المتعثرة طوال عقد ونصف عقد من الزمن،

وتكرار الأخطاء ذاتها، أن أمام إعادة بناء جيش صومالي موحد تنضوي تحت رايته القوى المسلحة كلها في البلاد، إشكاليات يمكن اختصار أبرزها في ما يلي:

إشكاليات سياسية

خلال مؤتمرات السلام التي عُقدت بين الفصائل الصومالية، لم تناقَش مسألة إعادة بناء الجيش، بل كيفية تقاسم السلطة والنفوذ. وحتى هذه لم يجر التّوافق عليها فعليًا، ولا يزال الخلاف حول كيفية

تقاسم السلطة وإدارة الدولة قائمًا، ما يعني أن عملية إعادة بناء الجيش لا يمكن أن تنجح في ظلّ

عدم الإجماع على رؤية وطنية واحدة. وتتجّلى الإشكاليات السياسية في أمرين: الأول عدم سيطرة الحكومة على كامل أراضي الجمهورية؛ فصوماليلاند تطالب بمحادثات ندية بينها وبين الصومال، باعتبارهما دولتين مستقلتين، وبونتلاند تتوجس من الحكومة، وتتهمها بانتهاك الدستور، الأمر الذي لا يمكن نفيه في الحقيقة،. أما حركة الشباب، فتسيطر على بلدات وقرى كثيرة، ولديها القدرة على اختراق أشد الأماكن تحصينًا في العاصمة وتنفيذ عمليات دموية فيها. وثمة نشاط ملحوظ لمسلحي أهل السنّة والجماعة الذين يفرضون سيطرتهم على أجزاء من محافظات وسط الصومال. في ظل

حكومة كهذه، تُعتبر عملية بناء الجيش مبادرة خطِرة في حدّ ذاتها؛ إذ لا يمكن تجنيد المواطنين من جميع الفصائل والانتماءات المناطقية والعشائرية، وبالتالي يصعب أن يوصف هذا الجيش بالوطني أو الموّحد. ويتّضح ذلك من تأمل تركيبة الجيش الحالي الذي يبلغ عدد أفراده 11 ألفًا، موزّعين في ستة ألوية، ينتمي أفراد خمسة منها إلى قبيلة واحدة هي قبيلة هويا المتمركزة في العاصمة، التي ينتمي إليها الرئيس الحالي.

(20) Mubarak, «Somali Military». (21) Peter Albrecht, «The Politics of Peacekeeping: A Question of Trust: The African Union and the Somali Army,» DIIS Policy Brief, Danish Institute for International Studies , November 2015, Accessed on 6/12/2016, at: http://pure.diis. dk/ws/files/310783/PB_AMISOM_SNA_WEB.pdf.

والأمر الثانيهو غياب الإرادة السياسية؛ إذ لا تبدو الحكومة راغبة في بناء جيش وطني موحد، لأن ذلك يعني أن بعض السياسيين سيخسر دعم عشائره التي قد تفقد نفوذها في مناطق استراتيجية كالعاصمة مثلً. وقد أشار الضباط الذين أجريت معهم مقابلة من أجل هذه الدراسة إلى هذه المسألة، وجعلوها من أبرز الأسباب التي تعوّق توحيد الجيش، كما ذكروا أن الميليشيات القبلية التي تمثّل

أغلبية أفراد الجيش ترى أن الوضع الحالي يصبّ في مصلحتها، وينبغي عدم تغييره، بينما تخشى

الولايات الفدرالية أن يكون تأسيس الجيش أمرًا يهدد باندلاع الحرب الأهلية من جديد.

إشكاليات اجتماعية

منها، استغلال الجيش في قهر القبائل الأخرى؛ إذ اتُّهمت القوات العسكرية بتهجير المواطنين وتقتيلهم باسم الدولة، كما حدث في شبيلي الوسطى وشبيللي السفلى. ثم هناك إشكالية انتهاك حقوق الإنسان، كالاغتصاب الجماعي للنازحات، وقطع الطريق أمام باصات النقل العام لأخذ أتاوى غير شرعية.

إشكاليات فنية

يفتقر الجيش الصومالي إلى جميع أنواع التسهيلات التي يتطلبها أي جيش نظامي؛ فهو لا يملك حتى ثكن عسكرية، أي أن أفراده يأتون إلى مقار قوات الأميسوم، أو مراكز الاشتباك، ثم يعودون إلى بيوتهم، وكأنّهم موظفون عاديون. وليس لديه أيضًا أي مركبات عسكرية أو طائرات هليكوبتر، أو حتى أجهزة اتصالات لاسلكية، على عكس ما هو متوافر لقوات الأمسيوم. واستغلت حركة الشباب المجاهدين عدم وجود ثكن للجنود، وغياب آلية لحصر أعدادهم وحفظ المعلومات الخاصة بهم، وأحدثت اختراقات كثيرة لصفوف الجيش، ونفذّت اغتيالات ضد شخصيات سياسية بارزة، واقتحمت مباني شديدة التحصين. يضاف إلى ذلك كله الحظر المفروض على استيراد الصومال للأسلحة، وضآلة الرواتب وتأخرها، ما أدىإلى لجوء الجنود على بيع أسلحتهم وعتادها في الأسواق.

إشكاليات خارجية: الاتكالية

لا تستشعر الحكومة الصومالية ضرورة بناء جيش لا يستثني أي فصيل أو منطقة؛ ذلك لأنها تعتمد في حماية مقارها على قوات الأميسوم المفوضة من الأمم المتحدة منذ عام 007.2 ويستند كل مسؤول في الحكومة على مجموعة مقاتلين يُمنحون صفة رسمية لحمايته، ويُستبدلون مع تغيير المسؤول. وأصبح عدم جدية الحكومة في تأسيس جيش موحد ذريعة لقوات الأميسوم؛ إذ أدرجت في استراتيجيتها للخروج من الصومال شرط تأسيس جيش موحد ذي قيادة واحدة، وهو أمر لا يبدو أن الحكومة تفكر فيه في الوقت الحالي.

(((2 مقابلة جماعية مع ضباط صوماليين، أجرتها الباحثة عبر البريد الإلكتروني، مقديشو، 2016/5/15

(23)  Paul D. Williams, «One Somalia, One Army? Building an Effective Somali National Security Force,» Africa up Close, 7/4/2014, Accessed on 12/6/2016, at: https://africaupclose.wilsoncenter.org/one-somalia-one-army-building-an- effective-somali-national-security-force/.

من الإشكالات الكبيرة التي تعرقل بناء جيش وطني موحد غياب رؤية تصوغ رسالة الجيش وعقيدته؛ فلئن كانت عقيدة الجيش الصومالي قبل الحرب الأهلية الالتزام بقضية الوحدة الصومالية ودعم حركات المقاومة القومية في كينيا وإثيوبيا، فإن مهمته الأساسية كانت حماية الحدود من تهديدات دول الجوار، ولا سيما إثيوبيا. لكن تلك العقيدة شهدت تحوّلً كبيرًا؛ فإثيوبيا وكينيا الآن دولتان حليفتان،

والعدو هو حركة الشباب المجاهدين، وإذا تراجع خطر الحركة - وقد انحسر خطرها فعل - فلن يبقى للجيش شيء يفعله، وبالتالي يجب تقليص العدد وإيجاد بدائل لمن يخرجون من الخدمة العسكرية، وهذا يبدو صعبًا بسبب قلة الموارد المالية الصومالية.

توحيد الجيش في مجتمعات ما بعد الحرب الأهلية: نموذج رواندا

ليست جمهورية الصومال الدولة الوحيدة التي انهارت مؤسساتها؛ فقد شهد العالم منذ سقوط الاتحاد السوفياتي ظاهرة تفكك الدول، ونشوء دول أصغر، كما حصل في البلقان ويوغسلافيا، وحتى في الاتحاد السوفياتي السابق. كما أنها ليست الدولة الوحيدة التي شهدت حربًا أهلية؛ بل سبقتها بلدان كثيرة في أفريقيا، كسيراليون ورواندا وجمهورية الكونغو... وغيرها. ويمكن الصومال أن يستفيد من تجارب تلك الدول، فتجربة رواندا - على سبيل المثال - يمكنها أن تقدّم نموذجًا يحتذي الصومال به؛ إذ تجمع البلدين قواسمُ مشتركة، كالموقع الجغرافي، فرواندا دولة شرق أفريقية، شهدت مثل الصومال انقسامًا حادًا في أول التسعينيات، وتشترك الدولتان أيضًا في الواقع الاقتصادي، فكلتاهما تعتبر فقيرة وقليلة الموارد، ولا يمكنها ظاهريًا بناء جيش موحد من غير دعم خارجي. لكن رواندا، التي شهدت إبادة جماعية لمكون من مكوناتها بدرجة أشد بشاعة مما شهدته الصومال، استطاعت بفعل الإرادة السياسية إعادة بناء نفسها وجيشها. فالجبهة الوطنية الرواندية التي تمثّل الأقلية (التوتسي)، انتصرت في الحرب الأهلية، واستلمت إدارة البلاد، ونجحت في وقف الإبادة الجماعية. وكان لدى قادتها إيمان بضرورة التغيير السياسي والاجتماعي، عبر تغيير رواندا من مجتمع منقسم عرقيًا إلى مجتمع موّحد.

واستشعر قادتها كذلك بخطر أمني يمكن أن يدهم حكومتهم الجديدة، وهو خطر القوات المسلحة الرواندية (الهوتو، وهم الأغلبية)، وتبين لهم أن السبيل الوحيد لمواجهة هذا الخطر المحتمل، ولمنح الحكومة مزيدًا من الشرعية، هو بناء جيش موحد، يضّم في صفوفه أعداء الأمس، ويعاد تأهيل مقاتليهم ليصبحوا ضمن الجيش الوطني الرواندي، وتكون مهمّتهم الأولى والأساسية هي الدفاع عن الوطن. ووضعت الحكومة معايير لمن يُقبل انضمامهم في الجيش، مثل: امتلاك الخبرة العسكرية (أن يكون من القوات المسلحة الرواندية)، ومن ضمنهم الضباط والمقاتلون في صفوف هذه القوات، وأن يكون لديه استعداد للخضوع لعملية تأهيل عسكري.

(24) Ibid. (25) Roy Licklider, New Armies from Old: Merging Competing Militaries after Civil Wars (Washington, DC: Georgetown University Press, 2014), p. 91.

واجهت عملية توحيد الجيش الرواندي إشكالية قريبة من الإشكالية التي تواجه الآن الحكومة الاتحادية الصومالية؛ فضباط الجيش الوطني الرواندي أظهروا رغبة في الانتقام من القوات المسلحة الرواندية، ومعاقبتهم على جرائم الإبادة الجماعية، ورفضوا فكرة إعادة تأهيلهم وضمّهم إلى الجيش، لكن قادة الجبهة الوطنية، وعلى رأسهم باولي كاغامي، استطاعوا لجم هذه الموجة، ولم يقدّموا أي تنازل عن خيار توحيد الجيش الرواندي. وأبدى ضباط القوات المسلحة الرواندية ومقاتلوها من جهتهم تمنعًا ومقاومة لفكرة الخضوع لإعادة التأهيل على أيدي أعدائهم السابقين، واصطدمت عملية دمج الجيشين بانعدام الثقة بين الطرفين. لكن الحكومة استطاعت كبح هذه المقاومة، بتشكيل لجنة الوحدة الوطنية التي تضمن تمكّن الجبهة الوطنية من مراقبة عملية إدماج الجيشين. وواجهت رواندا أيضًا مشكلة قلة الموارد، ولكن الحكومة فضّلت عدم الاعتماد كليًا على المساعدات الخارجية، ولا سيما في

عملية إعادة بناء الجيش وتوحيده، وعززت مشاركة المؤسسات المحلية في سير هذه العملية. وقد أثّر ذلك في معنويات الشعب الرواندي، وأشعره بأنه صاحب المبادرة، وغير خاضع للإملاءات الخارجية. وحصرت الحكومة الرواندية مهمة بعثة الأمم المتحدة في إكمال المبادرات الوطنية المحلية، لأنها لا تثق بمنظمة فشلت في التجاوب لوقف الإبادة الجماعية، وما لبثت أن طالبتها بمغادرة البلاد في عام 997 1، لوضع حدّ لتدخلاتها في عملية بناء الدولة والجيش. على النقيض من حكومة الجبهة الوطنية الرواندية، تبدو الحكومة الصومالية مفتقرة إلى الرؤية الوطنية، وغير مستعدة للتقدّم بمبادرة من أجل دمج القوات الحكومية التي تتألف في أصلها من مقاتلي ميليشيات جنوب الصومال، مع قوات ربما كانت أكثر كفاءة منها، وتضم بين صفوفها كفاءات الجيش الصومالي القديم، وجنودًا لم يشاركوا في الحروب الأهلية، لكنهم يفتقرون إلى الانتماء الوطني، لأنهم نشأوا في ظل قُطْر صومالي منقسم مناطقيًا. كما أن الاعتماد شبه المطلق على المساعدات الخارجية

في تدريب الجنود وتأهيلهم، إضافة إلى تفويض قوات أجنبية بحماية المقرات الحكومية، يقلل من شعور المسؤولين بأهمية تكوين جيش وطني موحد، يمثّل الوحدة الوطنية، ويشكّل دفعة نحو الأمام لاستكمال عملية بناء الدولة. إن على الحكومة الصومالية أن تقرأ التجربة الرواندية، وتعتمد على المؤسسات التقليدية كالقبيلة في إعادة بناء الجيش الوطني الموحد؛ فهذه المؤسسة نجحت في عقد مصالحة مجتمعية في صوماليلاند وبونتلاند، وهي الجهة التي تحمي هذه الكانتونات من الانزلاق إلى مصادمات عنيفة بين أبناء الكانتون الواحد.

شروط بناء جيش وطني موحد في ظلّ الانقسام المناطقي

يتطلّب نجاح جهود بناء هذا الجيش شروطًا أساسية، لكنها ليست بالضرورة سهلة التطبيق، لأن ما ينبغي توافره بداية هو ما وصفه روي ليكليدر ب « الالتزام المكلف»، أي أن تلتزم الأطراف كلها بالسلام،

(26) Ibid., p. 92. (27) Ibid., p. 93.

وتجازف في سبيل بناء جيش موحد يضمّ في صفوفه أبناء الوطن كافة، وهذا أمر مكلف لأنه يهدد بإضعاف الأطراف بعضها أمام بعض. ولعل رواندا تضرب في «الالتزام المكلف» مثلً؛ فبعد تعرّض

التوتسي للمجزرة الكبيرة المعروفة، استطاعوا لملمة شتاتهم، وشنّوا هجومًا على الهوتو، وانتصروا

عليهم، ومع ذلك أعادوا بعد تسلّمهم الحكم بناء الجيش، وكان أغلب أعضائه من الهوتو - مرتكبي المجزرة والمهزومين لاحقًا. ومن تلك الشروط ما يلي: عقد مصالحة وطنية حقيقية وشاملة: لم تعقد مصالحة وطنية صومالية حتى الآن، وهذا أثرّ سلبًا في

الأوضاع السياسية والأمنية، على الرغم من التسويات السياسية الهشة التي لم يُكتب لها النجاح حتى الآن. ومن دون هذه المصالحة، لن تعود الثقة بين أبناء الصومال، أو بين المواطنين والحكومة. الحوار بين الحكومة ورؤساء الولايات: اختار الصوماليون النظام الفدرالي، ومن الصلاحيات الحصرية للحكومة الفدرالية صلاحية الدفاع، ما يعني أن من غير الدستوري أن يكون لكل ولاية قواتها الخاصة. ومع أن تشارك السلطة في السياسة يعني وجود ممثلين من جميع القبائل، فإن توحيد الجيش يعني دمج قوات الفصائل كلها في منظومة واحدة هي «الجيش الوطني». لذلك، على الحكومة أن تعقد حوارات جادة مع رؤساء الولايات الفدرالية لتوحيد قوات الولايات الفدرالية ودمجها في صفوف الجيش الصومالي الموحَّد، ولافتتاح مقار لتجنيد المتطوعين وتسجيلهم مستقبلً، لأن من شأن ذلك

أن يؤدي إلى أن تصبح القوات المسلحة رمزًا للوحدة الوطنية، وأن تعزز الثقة بين السياسيين من جميع المناطق. وقد حاولت ولاية بونتلاند أن تجعل أفراد قوات الدفاع البونتلاندي ينضمون إلى الجيش الصومالي، لكن الحكومة تحفظت على ذلك. الاستفادة من طريقة بناء نواة الجيش الوطني الصومالي قبيل الاستقال؛ إذ أصدرت الحكومة المحلية - كما كان الصوماليون يسمّونها - المرسوم التشريعي رقم 15، في 6 نيسان/ أبريل

9601، لتأسيس جيش وطني. وفي 12 نيسان/أبريل من العام نفسه، أي قبل الاستقلال بأسابيع قليلة، أعلنت الحكومة تأسيس الجيش الصومالي (Xooga Dalka Somalia، أي قوات الدولة الصومالية). وتكوّن الجيش من الأفراد الذين أوقفت إيطاليا تدريبهم، وقوات من الشرطة، وعُيّن

وقتها اللواء عبد الله حِرْسِي قائدًا عامًا للجيش الصومالي الوطني، وكان من قوات الشرطة المعروفة

بالجندرمة. بدأت عمليات التجنيد في ذاك العام من جميع المحافظات الست التي كانت تشّكل إقليم الصومال الإيطالي، وكان التجنيد طوعيًا، وسُمح بتجنيد 003 فرد من كل محافظة، ما عدا بنادر

التي جنّد منها 005 فرد، وبلغ عدد المتطوعين للانضمام على الجيش وقتها ألفي رجل، وأضيف إليهم لاحقًا جنود القوات الذين دربتهم بريطانيا في الإقليم الصومالي تحت إدارتها، بعد إعلان الوحدة مع هذا الإقليم تحت الوصاية.

(28) Ibid., p. 7. (29) Ibid., p. 15.

(3((مقابلة جماعية مع ضابطين سابقين في الجيش الصومالي، أجرتها الباحثة عبر البريد الإلكتروني،.2016/5/15

(31) Mukhtar, p. 230.

إعادة تأهيل وفتح المعاهد والأكاديميات العسكرية: على الحكومة أن تفكر في المستقبل وفي عدم الاكتفاء بتلبية حاجات الوقت الحالي فقط؛ فالحكومة التالية تُعتبر حكومة تأسيسية، ومن واجبها أن تضع الأسس لمؤسسات الدولة التي انهارت ولم تعد تعمل منذ سنة 9911، وأن تفكر في تخريج دفعات جديدة مؤهلة عقائديًا وعسكريا وقانونيًا وحقوقيًا، بدلً من إضاعة الوقت والمال في محاولات

لا تتعدى تأهيل مليشيات أغلب أفرادها أميون، في أماكن ودول مختلفة، لتكون جيشًا وطنيًا يعتمد

عليه، عن طريق إعادة تأهيل الأكاديميات والمعاهد الأمنية والعسكرية؛ فقد تخلصت الحكومة الصومالية في الثمانينيات من عبء تدريب قواتها في الخارج عن طريق تأسيس أكاديميات مختصة لتدريب وتأهيل أفراد الهيئات الأمنية، ومنها الجيش، مثل أكاديمية الرفيق سياد بري للعلوم العسكرية، وهي تقوم بتأهيل خريجي الثانويات وضباط الصف مدة سنتين للانخراط في الجيش أو الشرطة أو قوات مكافحة الشغب أو الشرطة الإصلاحية التابعة للسجون، وأكاديمية أحمد غُرَي للضباط، التي

تزوّد الجيش بقيادات مؤهلّة، ومعهد محمد عبد الله حسن، الذي أسس في سنةُ 9821، وهو مخصص للضباط الكبار، ويُعرف أيضًا بالمعهد الاستراتيجي القومي. بناء وتأسيس مقار تدريبية وثكن عسكرية، وذلك لحلّ مشكلة التسرب وعدم الانضباط، وللوقاية من اختراق حركات متمردة معادية للحكومة، مثل حركة الشباب المجاهدين. إعادة تعريف العقيدة العسكرية في ما بعد الحرب الأهلية: ينبغي ألّ يقتصر عمل الجيش الصومالي على محاربة الإرهاب المتمثّل في حركة الشباب، لأن الحدود الوطنية مهددة بالفعل من كينيا وإثيوبيا، وعلى الحكومة عدم التّخلي عن حماية السيادة الوطنية لمصلحة قضية الإرهاب. إعادة توجيه ولاء الجيش، حيث إن أغلب القوات الجاري تدريبها حاليًا يدين بالولاء لزعماء المليشيات

السابقة، أو لعشائرهم، وهذا ما ينبغي وضع حد له، وذلك عن طريق دمج جميع القوى المسلحة في فِرق وكتائب، ونشرها في محافظات لا تنتمي إليها عشائرها، على غرار ما كان ساريًا في فترة ما قبل الحرب الأهلية. الشفافية: على الحكومة أن تكشف عن ميزانية الدفاع؛ إذ يشكو أفراد الأمن والشرطة والجيش عدم الحصول على رواتبهم بانتظام، بينما لا تصرح الحكومة بميزانية الجيش، ولا بما تتلقاه من الدول الداعمة لها، من معونات مادية للجيش. كما ينبغي أن تضع معايير عادلة لترقية أفراد الجيش، لأن منح الرتب العسكرية لم يعد يخضع لأي معايير، إذ تجد من يبدأ رتبته العسكرية الأولى من لواء، بعد أن كان رجلً مدنيًا، أو زعيمًا لمليشيا عاثت في الأرض فسادًا. ختامًا.. توصلت المقالة هذه، من خلال البحث والتتبع، إلى ما يلي:

(((3 مقابلة شخصية مع مدير سابق لأكاديمية الرفيق سياد بري، طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، أجرتها الباحثة عبر واتسآب،

- إن بناء حيش صومالي موحد أمر لا بدّ منه، وهو مسؤولية الجميع، سواء الحكومة الفدرالية أم حكومات الولايات؛ - على الأطراف الصومالية الاعتماد على الجهود الذاتية في بناء الجيش الموحد، لأن الأطراف الأجنبية الداعمة لن تبني لها الجيش الذي يريده الصوماليون، وبالتالي يُستحسن الاكتفاء بالاستعانة بها ماديًا

ولوجستيًا فحسب، وفي أضيق الحدود. - إن حركة الشباب المجاهدين عدو موقت، ويجب ألا تقتصر مهنة الجيش على محاربته، بينما يُهمل

حماية الحدود والسيادة الوطنية. - ضرورة إبقاء الجيش حياديًا، أي عدم استغلاله من أجل مصالح قبلية، واستخدامه أداة لقمع قبائل

أخرى ونهب مواردها وأراضيها. - ضرورة تثقيف أفراد الجيش تثقيفًا قانونيًا وحقوقيًا، إلى جانب إخضاعهم للتدريب العسكري. References

المراجع

العربية

حافظ، صلاح الدين. صراع القوى العظمى حول القرن الإفريقي. عالم المعرفة؛ 49. الكويت: المجلس الوطني للثفافة والفنون والآداب،.1982 سعودي، محمد عبد الغني. قضايا إفريقية. عالم المعرفة؛ 4.3 الكويت: المجلس الوطني للثفافة والفنون والآداب،.1980

الأجنبية Books

Ahmed, Abdullahi Yusuf. Halgan iyo Hagardaamo: Taariikh Nololeed = Struggle and Conspiracy: A Memoir. Stockholm: Scansom Publishers, 2012. Bruton, Bronwyn E. and Paul D. Williams. Counterinsurgency in Somalia: Lessons Learned from the African Union Mission in Somalia, 2007-2013. JSOU Report; 14-5. MacDill Air Force Base, Florida: JSOU Press, 2014. Guidère, Mathieu. Historical Dictionary of Islamic Fundamentalism. Historical Dictionaries of Religions, Philosophies, and Movements. Lanham, Md.: Scarecrow Press, 2012. Ismail, Abdirashid A. Somali State Failure: Players, Incentives and Institutions. Economics and Society; 212. Lanham, Md.: Scarecrow Press, Inc., 2012. Licklider, Roy. New Armies from Old: Merging Competing Militaries after Civil Wars. Washington, DC: Georgetown University Press, 2014.

Mukhtar, Mohamed Haji. Historical Dictionary of Somalia. African Historical Dictionary Series; no. 87. New ed. Lanham, Md.: Scarecrow Press, 2003. Population Estimation Survey, 2014. Nairobi: United Nations Population Fund, Somalia Country Office, 2014. Teutsch, Friederike. Collapsing Expectation: National Identity and Disintegration of the State of Somalia. Occasional Papers; 78. Edinburgh: Centre of African Studies, Edinburgh University, 1999. Accessed on 17/4/2016, at: http://www.cas.ed.ac.uk/-data/ assets/pdf_file/0018/27342/No_078_Collapsing_Expectation-_National_Identity_and_ Distingr.pdf.

Periodical

Healy, Sally and Mark Bradbury. «Endless War: A Brief History of the Somali conflict.» Accord. Issue 21 (2010).

Documents

Albrecht, Peter. «The Politics of Peacekeeping: A Question of Trust: The African Union and the Somali Army.» DIIS Policy Brief, Danish Institute for International Studies, November 2015. Accessed on 6/12/2016, at: http://pure.diis.dk/ws/files/310783/PB_ AMISOM_SNA_WEB.pdf. «AMISOM Background.» AMISOM (African Union Mission in Somalia). Accessed 9/6/2016, at: http://amisom-au.org/amisom-background/. Mubarak, Mohamed. «Somali Military Has More Problems than Lack of Guns.» African Arguments, 26/2/2014. Accessed on 6/7/2016, at: http://africanarguments. org/2014/02/26/somali-military-has-more-problems-than-lack-of-guns-by-mohamed- mubarak/. Williams, Paul D. «One Somalia, One Army? Building an Effective Somali National Security Force.» Africa up Close, 7/4/2014. Accessed on 12/6/2016, at: https:// africaupclose.wilsoncenter.org/one-somalia-one-army-building-an-effective-somali- national-security-force/.