قبل النظرية يأتي التنظير أو كيف نجعل العلوم الاجتماعية أكثر جاذبية
Before Theory Comes Theorizing, or, How to Make Social Science More Interesting ****
الملخّص
تتعلق القضية الرئيسة، في هذه الدراسة، بما بات يعانيه علم الاجتماع، خصوصًا، والعلوم الاجتماعية، عمومًا، في الوقت الراهن؛ وهو قلّة الاهتمام بمجال النظرية. لقد أثبتت المناهج الكيفية والكمية على حدٍّ سواء فائدتها العظيمة على الصعيد التطبيقي (على العكس من النظرية). ونتيجةً لذلك، فرضت المناهج هيمنتها على العلوم الاجتماعية. وعلى الرغم من ذلك، لا تؤدي هذه المناهج المُهِمّةَ المُوكلةَ إلى النظرية. هناك طريقة واحدة مقترحة، لمُعالجة الاختلال الحالي بين المناهج والنظرية، وهذه الطريقة يمكن أن تجلب الانتباه لعملية التنظير، وهي العملية الفعلية التي تسبق الصَّوغ النهائيّ للنظرية. وبهذه الطريقة يمكن أن نُحَسّن من عمل النظرية.
Abstract
Abstract: Sociology and social science more generally are severely hampered by a lack of attention being paid to theory, but this current scenario does not have to remain unchanged. Swedberg writes a positive message and hints at the leaps that social science might take if the field engages more with questions of theory. He points students and practitioners to the works of Everett C. Hughes, C. Wright Mills, and others, as thinkers on the forefront of making this shift. Swedberg argues that a push toward theory not only redress the current problem of balance between theory and methods, but it will also make sociology and social science more interesting.
- النظرية
- التنظير
- الاستعارة
- القياس
- Theory
- Theorizing
- Metaphor
- Analogy
Translated by Hamied Al Hashimi ****** ***** ترجمة: حميد الهاشمي
ملخص: تتعلق القضية الرئيسة، في هذه الدراسة، بما بات يعانيه علم الاجتماع، خصوصًا، والعلوم
الاجتماعية، عمومًا، في الوقت الراهن؛ وهو قلّة الاهتمام بمجال النظرية. لقد أثبتت المناهج
الكيفية والكمية على حدٍّ سواء فائدتها العظيمة على الصعيد التطبيقي (على العكس من النظرية).
ونتيجةً لذلك، فرضت المناهج هيمنتها على العلوم الاجتماعية. وعلى الرغم من ذلك، لا تؤدي هذه المناهج المُهِمّةَ المُوكلةَ إلى النظرية. هناك طريقة واحدة مقترحة، لمُعالجة الاختلال الحالي
بين المناهج والنظرية، وهذه الطريقة يمكن أن تجلب الانتباه لعملية التنظير، وهي العملية الفعلية التي تسبق الصَّوغ النهائيّ للنظرية. وبهذه الطريقة يمكن أن نُحَسّن من عمل النظرية.
Abstract: Sociology and social science more generally are severely hampered by a lack of attention being paid to theory, but this current scenario does not have to remain unchanged. Swedberg writes a positive message and hints at the leaps that social science might take if the field engages more with questions of theory. He points students and practitioners to the works of Everett C. Hughes, C. Wright Mills, and others, as thinkers on the forefront of making this shift. Swedberg argues that a push toward theory not only redress the current problem of balance between theory and methods, but it will also make sociology and social science more interesting.
***** أستاذ علم الاجتماع - الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية - لندن.
****** Professor of Sociology at ICIS (International Colleges of Islamic Sciences), London.
إن رسالتي في هذه الدراسة إيجابية بصورة عامة؛ فأنا أعتقد أن العلوم الاجتماعية، وضمنها علم الاجتماع، يمكن أن تتخذ خطوة كبيرة إلى الأمام اليوم، وتصبح أكثر جذبًا للاهتمام.
سبق للعلوم الاجتماعية أن أنجزت مثل هذه الخطوة خلال القرن العشرين بدءًا من الحرب العالمية
الثانية. وكانت مركزة على المناهج، وتعلق الأمر، بشكل رئيس، بإدخال قياس الكمية أو تحديدها quantification) (إلى التحليل السوسيولوجي. في المقابل، لم تحقق النظرية تقدمًا مماثلً. صحيح أن مساهمات فردية كثيرة كانت قد أ نجزت منذُ
الحرب العالمية الثانية، كما يتضح من أعمال بعض الأفراد المتميزين، مثل غوفمان وبورديو وآخرين، لكن المهارات العملية للتعاطي مع النظريات ومحاولة صوغ نظرية بالنسبة إلى المتخصص العادي بعلم الاجتماع، لم يجرِ تطويرها بصورة مماثلة. ولعل هناك سببًا واحدًا لذلك، هو أن الطلاب لم
يُدرَّسوا النظرية بصورة فاعلة. مرة أخرى، نقارن ذلك مع المناهج، حيث يمكن الطلاب تلقّي دروس
فصلية في كلٍ من المناهج الكيفية والكمية على السواء، وبمجرد الانتهاء من هذه الفصول الدراسية، يبدأون تطبيق ما تعلموه في بحوثهم. كيف يمكننا أن نطور مقاربة لتدريس النظرية بطريقة فاعلة كما هي الحال مع الطريقة المتبعة حاليًا في
تدريس المناهج؟ أولً، وقبل كل شيء، يجب توضيح أن ذلك يتم من خلال مشروع جماعي؛ فهناك كثير من القضايا الصعبة التي يتعين علينا معالجتها. كما أننا بحاجة إلى وجهات نظر عدد كبير من الآخرين. وقد حاولت في خلال السنوات أو الست الماضية أن أساهم في هذا المشروع عن طريق ما أحمله في ذهني بشأن المشروع التنظيري. وأستخدم هنا مصطلح تنظير theorizing) (كتصور أولي لفهم كيفية إعداد نظرية ما كعمل موحد، وكيف يتم التعامل معها في البحث الإمبيريقي، وكيف يمكن أن تدرس بأسلوب فاعل. يضاف إلى ذلك أنني أستخدم فعل «التنظير» لأشدد على عناصر العملية إلى جانب التجربة والخطأ التي تميز محاولة التعاطي مع الجزء الخاص بالنظرية، حينما تقوم بإجراء بحث. وأفصل بين التنظير
و«النظرية»، التي تستدعي، بما هي اسم، انطباعات عن شيء أنجز واكتمل نهائيًا، ويوجد عادة في
صيغة منشورة. لكن قبل الدخول في النظرية، يتعيّن الدخول في التنظير، ومن هنا عنوان هذه الدراسة
«قبل النظرية يأتي التنظير». اتبعتُ في خلال السنوات الخمس أو الست الماضية نوعين من النشاطات، وحاولتُ أن أطور بعض الأفكار الاستهلالية حول كيفية التنظير. كما أنني درّست بعض الصفوف الدراسية عملية التنظير
باستخدام التمرينات، كما هي الحال في عملية تدريس المناهج. إن كلا النشاطين مرتبط في ذهني بشكل وثيق، وإذا كان التنظير لا يمكن تدريسه بطريقة فاعلة، فإن هناك شيئًا مفقودًا. قدمت في دراستي الأولى في عام 012 2 خطتي في العمل، فركزت على مصطلح التنظير، وحاولت
(1) Richard Swedberg, «Theorizing in Sociology and Social Science: Turning to the Context of Discovery,» Theory and Society , vol. 41, no. 1 (2012), pp. 1 - 40.
أن أُظهر تمايزه من النظرية، وحجتي في ذلك أن التنظير ينتمي إلى سياق الاكتشاف، بينما النظرية تنتمي إلى سياق التبرير. وقد تلتْ تلك الدراسة محاولة لإشراك مجموعة متعددة التخصصات من علماء العلوم الاجتماعية في هذا المشروع، فأدت المحاولة إلى إنتاج عمل بعنوان Theorizing in Social Science (التنظير في العلوم الاجتماعية). في غضون ذلك، قررت أيضًا أن أحاول تطوير أفكاري بتفصيل أكبر، فأنجزت كتابًا عنوانه The Art of Social Theory (فن النظرية الاجتماعية)
صدر في عام.014 2 اليوم، وبعد حوالى سنتين من تقديم مخطوطة كتابي، توافر لي الوقت لمزيد من التفكير والمضي قدمًا في تطوير أفكاري في ما يتعلق بالتنظير. وإحساسي هو أن التوجه العام لمشروع التنظير يسير
بصورة سليمة، أي أن التنظير هو عملية ممارسة يمكن أن تدرَّس وتعلَّم. لكنني أشعر أيضًا بأن كثيرًا
من المسائل المرتبطة بهذا الشأن تحتاج إلى مزيد من الفهم. ولذلك، في الصفحات الباقية من هذه الدراسة سأعطي الاعتبار أولً لمقاربتي العامة للتنظير. وللقيام بذلك، سأقدم نسخةً جديدة ومحدثةً لرؤيتي عملية التنظير، وأود اغتنام الفرصة لمعالجة موضوعين لا يشكلان جزءًا من عملية التنظير بحد
ذاتها، ولكنهما على صلة وثيقة بها. الأولله علاقة بالحاجة إلى تطوير أدبيات التنظير، وهو أمر لا وجود له حاليًا. والثانيذو صلة بكيفية تدريس التنظير، وهنا سأحاجّ بوجود علاقة وثيقة بين النظرية
الاجتماعية ونظرية التعليم.
ألفباء التنظير
يمكن، من وجهة نظري، عزل بعض العناصر (أو ربما حتى بعض الخطوات) التي تشكّل عملية التنظير. وما أعنيه بالتنظير هو العملية التي تسبق وضع النظرية في شكلها النهائي الذي يتخذ عادةً شكلَ كتاب أو ورقة بحثية. وباستدراك سريع لتجنب سوء الفهم العام، يجب أن أضيف مباشرة أن من المستحيل أن تكون هناك عملية تنظير من دون معرفة محكمة بعلم الاجتماع. فكّر في ذلك: إنك لا تنظر في علم الاجتماع فقط، بل في القانون والاقتصاد والتاريخ أيضًا... وهكذا. ولدى كلٍّ من هذه التخصصات أساليبه الخاصة والمتميزة في التنظير؛ ففي القانون، أنت تحتاج إلى تطوير العقل القانوني، وفي الاقتصاد تحتاج إلى تطوير مقاربة اقتصادية، وهلم جرًا. لذلك، حينما أتحدث عن التنظير في علم الاجتماع، فإنني أتكلم على نشاطات الطلاب الذين لديهم مسبقًا بعض المعرفة الأساسية بعلم الاجتماع ونظرياته. هل يجب أن يدرس هذا النوع من المعرفة بصورة منفصلة عن التنظير أم الاثنين معًا؟ ولمّا كانت مناقشة هذه المسألة ممكنة، فإن وجهة نظري
الشخصية تذهب إلى أن هذين الأمرين على صلة وثيقة أحدهما بالآخر، ولذلك من الأمثل تدريسهما معًا، أو أقله تدريسهما بطريقة تؤكد التكامل بينهما.
(2) Richard Swedberg (ed.), Theorizing in Social Science: The Context of Discovery (Stanford, California: Stanford Social Sciences, 2014). (3) Richard Swedberg, The Art of Social Theory (Princeton: Princeton University Press, 2014).
هناك طريقة لإعطاء إحساس سريع بالأهمية الكبيرة للتنظير، وهي الربط بينه وبين التمييز المعروف في فلسفة العلوم بين سياق الاكتشاف من جانب، وسياق التبرير من جانب آخر. إن الفكرة الأساسية من وراء هذا التمييز هي أن هناك لحظة فارقة في بحثك حينما تطور تبصرك الأساسي. لكنك لا تستطيع تقديم هذا التبصر بالشكل الذي يحدث فيه، كونه حدسيًا جدًا وغير مبلور بالنسبة إلى هذا (أي، ل
«سياق الاكتشاف». وحتى يكون هذا التبصر مقبولً لدى المجتمع العلمي، يجب أن يترجَم إلى لغة مختلفة، غالبًا في شكل فرضيات مقرونة بالبيانات («سياق التبرير»). من الثابت اليوم أنك تستطيع دراسة العملية الإبداعية بمساعدة العلم، بما في ذلك العلوم الاجتماعية. ومع ذلك، فإن النقطة التي أود التشديد عليها هنا، هي شيء مختلف؛ فالطلاب اليوم، وبنسبة مئة في المئة تقريبًا، يتعرضون للنظرية كما تظهر في سياق التبرير. وهذا يعني أنه يتاح لهم فقط معرفة النظرية
بعد اكتشافها وتحولها إلى نسخة صالحة للنشر. ففي كل مرة يتناولون فيها كتابًا أو يقرأون مقالةً، فإن هذه النسخة الرسمية من النظرية هي ما يصل إلى أذهانهم على نحو لاشعوري، وهذا يعني أن الطريقة الفعلية لاكتشاف نظرية وتطويرها تلك العملية المدهشة من التجربة والخطأ في بنائها، تظل مغيبة عن الطلاب. كما تنبغي الإشارة أيضًا إلى أن نمط المعرفة الذي لا يتعرض له الطلاب هو من نوع خاص جدًا؛ إنه نوع عملي من المعرفة، على غرار نوع المعرفة الذي تحتاج إليه لتعلُّم كيفية قيادة الدراجة الهوائية أو كيفية السباحة مثلً. لاحظْ أيضًا أن ما ينطوي عليه هو أيضًا نوع من المعرفة الشخصية، أي، معرفة يمكن أن يكتسبها فحسب الأفراد الذين يقومون فعليًا بركوب الدراجة أو بالسباحة - أو بالتنظير. يحدث التنظير في سياق الاكتشاف وفي سياق التبرير، فأنت تحتاج إلى أن تنظر من أجل إنتاج تبصّر في ما يتعلق بالمشكلة التي تبحث فيها. وفي هذه المرحلة، تحتاج إلى أن تكون قادرًا على معالجة نظرية - أي، على التنظير - كي تتمكن من إنتاج هذا التبصّر. لكنك بطبيعة الحال تحتاج إلى معرفة كيفية بناء النظرية وفقًا للقواعد المقبولة في هذه الحرفة (بناء النظرية). وهذه مهارة من السهل تعلُّمها إلى حد ما. وتوجد نماذج عدة متاحة للاطلاع في المقالات والدراسات في هذا الصدد، لكن طريقة التعاطي مع نظرية، حيث تساعدك على تطوير تبصّر فكرة وفهم جديد لظاهرة ما، تختلف بطبيعة الحال؛ فأنت تحتاج هنا إلى نوع عملي من المعرفة يُعتبر إيضاحه صعبًا بصورة أكبر. وإلى حد ما، تختلف هذه
المعرفة أيضًا من فرد إلى آخر، الأمر الذي يضيف صعوبةً إلى مجالي صوغها وتعليمها. مع ذلك، ثمة بعض العناصر في عملية التنظير يمكن عزلها عن الأغراض التدريسية، أو ربما وضعها في نوع من التسلسل، وهي المهمة التي سأنتقل إلى الحديث عنها الآن. لنكن دقيقين أكثر، لا يمكنك التنظير من دون معرفة كيفية استخدام المفاهيم والتماثلات وطرائق مختلفة للتفسير، وأكثر من ذلك. وقبل الغوص قليلً في هذه العناصر (أو الخطوات)، يجدر هنا ذكر نقطة أخرى هي أن من الممكن أيضًا البدء بمشروع بحث جديد من خلال إنتاج ما أسميه دراسة تمهيدية prestudy) (. والغرض من هذه الدراسة معرفة ما إذا كانت جهودك في الموضوع الذي تود البحث فيه سوف تثمر بالفعل، وتتيح
لك اكتشاف شيء جديد؛ فمن وجهة نظري الشخصية، إن من الحذر والمفيد أن تبدأ مشروع البحث بإجراء دراسة تمهيدية. بدلً من ذلك، يمكنك المضي قدمًا كما هو المعتاد بوضع تصميم البحث، وتنفيذه طبقًا لضوابط
التخصص. غير أن هناك أسبابًا وجيهة للاعتقاد أن هذه الطريق لن تقودك إلّ إلى نتائج من دون تبصّر جديد. وثمة سبب أيضًا هو أن كثيرًا من تصاميم البحوث يظهر إلى حيز الوجود لأن لدى الباحث
حدسا ما، ويعتقد بقوة أن حدسه سيؤدي إلى بعض النتائج المثيرة للاهتمام. لكن، وبناء على تجربتي الشخصية، يندر أن يحصل هذا، لأن الحدس الأصلي لا يقوم على معرفة كافية بما يدور بالفعل. نتيجة لذلك، فإن البيانات سوف لن تبرر الحدس الأصلي هذا، بل ستقود الباحث إلى اتجاهات غير مستعد
لها. وانطلاقًا من خبرة شخصية، أشير إلى أن الاستجابة الشائعة لهذا الوضع هي الإمساك بالفكرة الأصلية، في محاولة لتخليصها من أكبر قدر من البيانات المعاندة. عندما تبدأ بحثك بدراسة تمهيدية، عليك، في المقابل، الغوص أولً، وبعمق، في الظاهرة التي تود دراستها، لكن من دون اتّباع أي فكرة محببة أو حدس كبير، وكذلك من دون الحاجة إلى أن تكون نسقيًا أو تتبع القواعد المعتادة في كيفية إنجاز بحث سوسيولوجي. إن مواجهة موضوع بهذه الطريقة،
ومن كل جانب، وبأسلوب سريع وغير نظامي، تمنحك فرصةً أفضل كي تكتشف شيئًا جديدًا ما بشأنه. وحالما ينشأ لديك إحساس جيد بهذه الجدة، ستكون جاهزًا للتنظير وقول شيء لافت. إذا وجدت شيئًا جديدًا بالفعل خلال الدراسة التمهيدية، فإنك ستكون مستعدًا لصوغ خطة البحث،
واختبار ما إذا كانت نظريتك صحيحةً أم لا، وحيث إن الدراسة التمهيدية لا تستند إلى عينة تمثيلية أو تنفذ وفقًا لقواعد قائمة، فمن المحتمل أن يتلاشى تبصّرك بمجرد مواجهته بأسلوب نسقي بالبيانات.
لكن قبل الشروع في هذه الطريقة، فإن لديك الفرصة لإضافة شيء جديد. لاحظْ أيضًا أنك في حالة عدم التوصل إلى أي شيء يثير الاهتمام خلال الدراسة التمهيدية، فليس هناك ما يدعوك إلى المضي قدمًا في إنجاز دراسة مكتملة استنادًا إلى خطة بحث تقليدية. ما هي إذًا عناصر أو خطوات التنظير التي يمكن عزلها أو ربما تدريسها؟ الخطوة الأولى هي الملاحظة. وهذه قد تبدو غير متوقعة: ألا تنتمي الملاحظة إلى المناهج لا إلى النظرية؟ من وجهة نظري، هذا هو نصف الحقيقة، وهو نصف الحقيقة الذي يمكن أن يكون مدمرًا إن
لم يكن مصحوبًا بتبيان أن هناك جوانب في الملاحظة تنتمي بوضوح إلى النظرية. ثمة سبب يبرر انتماء الملاحظة إلى النظرية؛ ذلك أن علم الاجتماع علم تجريبي. ففي علم الاجتماع، نبتدئ دائمًا بالملاحظة، ومنها تنطلق المتابعة. وسبب ثان مفاده أن بعض الأجزاء المهمة في عملية
الملاحظة يستند إلى اعتبارات نظرية. القاعدة رقم واحد مؤداها أنك عند إجراء الملاحظة بمثل هذه الطريقة التي سوف تكون في مصلحة التنظير، يجب أن تكون بطبيعة الحال واسعة جدًا جدًا. وينبغي أن تشتمل على أهداف، وأن تعتمد على
جميع حواس الباحث، فضلً عن الناس الذين تدْرسهم. يجب عليك أيضًا أن تبذل جهدًا غير عادي للاستفادة من مجموعة واسعة من المصادر، من قبيل: الأفلام والشعر والأحلام والرسوم الجدارية والمقالات الصحافية، وما شاكل. والسبب في ذلك هو أن هدفك في هذه المرحلة هو أن تحاول العثور على شيء جديد لا أن تكون منهجيًا. ثمة نقطة نظرية أخرى مهمة عند الحديث عن الملاحظة، وقد ناقشها دوركهايم في واحدة من القواعد التي وضعها بشأن كيفية إجراء البحوث الاجتماعية، تلك هي أن عليك عدم إعادة إنتاج المقولات التي يستخدمها الناس في حياتهم اليومية في تحليلاتك، بل عليك أن تذهب ما وراء ذلك وتحدد «الوقائع facts)) الاجتماعية». النقطة النظرية الثالثة هي أن ليس كل ما تلاحظه تنطبق عليه صفة « الوقائع»؛ فهذه عادةً يجب أن تستخرج مما لاحظته، وهي عملية صعبة ومعقدة. وهذا الإجراء سبق أن ناقشه وليم وِيوِل ودعاه ب «تهافت الحقائق»، وتناوله مؤخرًا متخصصون بدراسات التكنولوجيا والمجتمع STS) (، وتحديدًا
بالدراسات المتعلقة بكيفية توظيف العلماء أدوات وإجراءات أخرى لإنتاج الوقائع أو «التمثيلات» representations) (التي يمكن أن تدْرس. فمثلما أنك قد تحتاج إلى مجهر إلكتروني لإنتاج بعض الوقائع ورؤيته، فإنك تحتاج أيضًا إلى أن تعرف كيف تنتج «وقائع اجتماعية» وتراها. في خلال عملية الملاحظة، من المهم أيضًا ألّ تحاول وضع نظرية. إن لدى معظم الناس نزعة القفز إلى الاستنتاج، خصوصًا حينما تكون لديهم ميول نظرية مفضلة. يجب أن تستند النظرية إلى نوع عميق وشامل من المعرفة بما تجري دراسته. وإلى أن تصل إلى هذه المرحلة، لا بد قطعًا من الامتناع عن وضع أي نظرية. لكن، لنقُل إنك وجدت شيئًا مهمًا، شيئًا لم تكن تتوقعه، وإن الأدبيات العلمية غفلت عنه، ويمكن أن
يكون ذلك تبصّرًا مهمًا أو بسيطًا، لكن أيًا يكن هذا التبصر، فإنك تحتاج في هذه المرحلة إلى تثبيت
هذا التبصّر الجديد، حيث لا يضيع. ومن طرائق القيام بهذا التثبيت أن تمنح الظاهرة الجديدة التي تعاملت معها اسمًا جديدًا. توجد استراتيجيات مختلفة لاختيار نوع الاسم؛ فبعضهم يفضّل اختيار كلمة شائعة بالفعل، تؤخذ من اللغة اليومية، بينما يجد آخرون أنه سيكون أكثر ملاءمة أن تستخدم كلمةً جديدة أو جديدةً نسبيًا،
تُقتبس من اللاتينية أو الإغريقية مثلً. ولاحظْ أيضًا أنك تُجري بحثًا عن ظاهرة اجتماعية، وبالتالي من الأمثل أن تمنحها اسمًا يعكس الصفة الاجتماعية، فيصبح من السهل إضافة رؤية إلى التقاليد
(4) Emile Durkheim, The Rules of Sociological Method , Translated by Sarah A. Solovay and John H. Mueller; ed. by George E.G. Catlin, 8 th ed. (New York: Free Press, 1964), pp. 15 and 31. (5) William Whewell, History of the Inductive Sciences: From the Earliest to the Present Time , vol. 2, new ed. (London: J. W. Parker, 1847), p. 33, and Catelijne Coopmans [et al.] (eds.), Representation in Scientific Practice Revisited , Inside Technology (Cambridge, Massachusetts: MIT Press, 2014).
السوسيولوجية. إذا اصطلحت على شيء مثلً، وسمّيته «عقاب الأمومة» فإنك لا تدري إنْ كان يشير
إلى شيء سوسيولوجي أم لا، في حين إذا سمّيت ما تدرسه «الاستلاب السياسي»، فإنك ترسخه في
الأدبيات السوسيولوجية. عندما أستخدم مصطلح الاستلاب السياسي، أكون قد قفزت إلى الأمام قليلً من مناقشة اسم إلى مناقشة مفهوم. والفرق بين الاثنين هو تقريبًا أن المفهوم العلمي يُبنى لأغراض خاصة، خلافًا للفظ
العادي العام. وعادةً ما يُبذل جهد تحليلي لفرز ما هو محوري في الظاهرة، وبالنسبة إلى المفاهيم
العلمية، يجب أيضًا أن تكون مصحوبةً بتعريفاتها. في هذه المرحلة من عملية التنظير، ربما يكون من المفيد أن تدخل مفهومًا مستخدَمًا من قبل (أو
مفاهيم عدة من هذا القبيل)، وذلك للتوصل إلى أفضل معالجة للظاهرة. فعلى سبيل المثال، إن المفهوم الحساس concept) sensitizing (، بحسب نظرية هربرت بلومر، يساعدك على تحقيق كلٍّ من التركيز على حقائق (سوسيولوجية) محددة ومواصلة تطوير المفهوم نفسه. وطبقًا لنظرية وول بشأن التوليف colligation) (، فإن المفاهيم العلمية تساعد على الربط بين الحقائق بمساعدة إحدى الأفكار، وهي تفعل ذلك، كما يقول، بالطريقة نفسها التي يربط بها الخيط عددًا من اللآلئ في القلادة. يمكن المرء في النهاية أن يستخدم أيضًا المفاهيم على النحو الذي استخدمه ماكس فيبر ونظريته عن النماذج المثالية (types ideal)؛ ففي هذه الحالة، تفترض أن لدى الفاعلين معرفة تامة، وأنهم يعون تمامًا ما يفعلون، وأنهم يتصرفون بطريقة عقلانية. ومن ثم تواجه هذه الافتراضات بالواقع الإمبيريقي،
وتحاول تفسير سبب التباعد بينهما. هذا النمط المثالي يجعلك تطرح أسئلة لم يكن لك أن تطرحها في مناسبة أخرى. يعمد علماء الاجتماع أحيانًا إلى نحت مفهوم ما أو تطوير آخر موجود أصلً، ويتوقفون عند هذا الحد. لكن في ما يتعلق بنظرية كاملة، فإنه أمر يتطلب الشيء الكثير. وثمة طرائق عدة مختلفة بشأن كيفية المضي قدمًا في ذلك. تستطيع، على سبيل المثال، استخدام استعارة ما، في محاولة لفهم
أفضل لماهية شيء ما وكيفية عمله. يمكنك أيضًا معرفة ما إذا كانت الظاهرة مشابهة لشيء آخر أم لا. ويستخدم علماء الاجتماع غالبًا المقارنات في تنظيراتهم، لكن حينما تستخدمها في قياس الشبه، يتعين
عليك توظيفها بطريقة خاصة جدًا، فلا تبحثْ كثيرًا عن أوجه الشبه والاختلافات، بل عن تشابه بنيوي
بين شيء ما مفهوم جيدًا وظاهرة تقوم على دراستها. من الممكن أيضًا المضي عند التنظير في مساعدة التصنيف؛ فغالبًا ما تشكّل الظواهر التي من النوع
نفسه، مع بعض التباين، باقة في كلمات لغة الحياة اليومية، وهناك طريقة للفصل بين الأشياء، تلك هي
(6) Herbert Blumer, «What Is Wrong with Social Theory?,» American Sociological Review, vol. 19, no. 1 (February 1954), pp. 3 - 10. (7) Whewell, p. 48.
استخدام التصنيف. الحب مثلً يأتي بأشكال عدة، وكذلك الحال مع المال والرأسمالية. إن الاستخدام الماهر للتصنيف يمكن أن يسهّل رؤية العناصر التي تتشكل منها ظاهرة ما، وكيفية تنوعها أيضًا. الخطوة الأخيرة في التنظير هي التوصل إلى تفسير؛ إذ إن هناك كثيرًا من الطرائق المختلفة لتفسير
الأشياء، اعتمادًا على العلم المعني بها. كما أن هناك غالبًا عددًا كبيرًا من النظريات المتنافسة بشأن
التفسيرات في داخل التخصص ذاته؛ ففي علم الاجتماع، على سبيل المثال، يأخذ بالحسبان معنى الفاعلين (كما في علم الاجتماع التأويلي عند ماكس فيبر، مثلً)، في حين أن بعض آخر لا يحسب حسابًا لهذا المعنى (كما في الديموغرافيا أو علم اجتماع الاختيار العقلاني، مثلً). ويتم التعامل أيضًا
مع عنصر العملية process) (بطرائق مختلفة؛ ففي بعض الأحيان يهمل إلى حد ما (كما هي الحال عند استخدام الارتباطات البسيطة)، ويوضع في المركز أحيانًا (كما هي الحال عندما تستخدم الآليات الاجتماعية). من الصعب التوصل إلى تفسير وجيه، ومن أجل أن تنجح، يجب عليك غالبًا أن تذهب أبعد من
قدرتك على التفكير المنطقي، وتعتمد أيضًا على الخيال والحدس. وهذا ينطبق، إلى حد ما، على باقي المراحل في عملية التنظير، لكن الأهمية إضافية هنا، حيث إن التفسير يشكل حجر الزاوية في أي نظرية. بعبارة أخرى، توجد أنماط عدة من التفكير تدخل في إنتاج التفسير؛ فهناك التخمين والتأمل وتخيل شيء ما غير موجود من قبل، وغالبًا ما يجري تجاهل هذا كله في التعليم العالي، لكن ربما يجب أن
تكون جزءًا منه. وما يُنسب غالبًا إلى موهبة فريدة لشخص استثنائي هو في الغالب نتاج طرائق تفكير
لم ينمِّها علماء الاجتماع العاديون، لأنهم، ببساطة، يعتقدون أنها خارج نطاق العلم.
وضع تقاليد للتنظير
من الواضح أن التنظير وما يندرج تحت النظرية يختلفان في نقاط مهمة متعددة؛ ففي التنظير، يكون التشديد على الممارسة الفعلية لعملية وضع نظرية عند العمل على مادة إمبيريقية. أما في النظرية، فيكون التشديد على النظريات القائمة، كما هي الحال في المقالات والبحوث المعمَّقة. من الواضح أيضًا أن من دون نظرية لن يكون هناك تنظير؛ ففي الأعمال السوسيولوجية القائمة، نعثر على المواقف التي تشكل أساس التخصص، وكذلك في المحاولات الأحدث لمواصلة تطوير تلك المواقف. وفي بعض الأحيان، يفضي العمل المتواصل في نظرية ما إلى جمع معلومات ذات أهمية للتنظير.
(8) Peter Hedström and Richard Swedberg (eds.), Social Mechanisms: An Analytical Approach to Social Theory , Studies in Rationality and Social Change (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1998), and Derek Beach and Rasmus Brun Pedersen, Process - Tracing Methods: Foundations and Guidelines (Ann Arbor: University of Michigan Press, 2013).
لكن، هناك إجمالً مواد قليلة جدًا تتعلق بالتنظير في الدراسات السوسيولوجية، ومن أسباب ذلك أن معظم علماء الاجتماع ينظر إلى أعماله على أنها تبلغ أقصى غايتها في الدراسة المنشورة، في حين ينظر إلى النصوص التي تسبق هذه الدراسة على أنها منقوصةً ويود المرء تجاوزها. صحيح أن الناس في هذه الأيام يهتمون كثيرًا بحفظ البيانات لأغراض دراساتهم، وهذا ينطبق على المتخصصين
بالدراسات الاجتماعية النوعية والكمية على حد سواء: وإن مناقشة تدمير أليس غوفمان بيانات دراستها المعنونة On the Run تشير إلى أن هذا الأمر ربما يكون هو المعيار حاليًا. لكن مجموعة
البيانات لا تطلعنا على شيء بخصوص نمط الممارسة المعروفة بالتجربة والخطأ التي تدخل في سيرورة إنتاج النظرية. في بعض الأحيان، يكون من الممكن العثور على سرديات السيرة الذاتية لعلماء اجتماع تتضمن بعض معلومات التي تهم التنظير. ومن الأمثلة على ذلك Sociological at Work (علماء الاجتماع في خضم العمل)، كما يوجد مزيد من الأعمال على هذه الشاكلة. وتتضمن بعض السرديات في هذين العملين معلومات حول كيفية التنظير، لكن الرغبة في تقديم سردية سيرة ذاتية للكيفية التي جاءت بها بعض الدراسات إلى حيز الوجود، تكون عادة أقوى من الاهتمام بوصف كيفية ظهور النظرية في أثناء عملية البحث. ويمكن إضافة أن كثيرًا من التنظير يتألف أيضًا من معرفة صامتة، حيث يميل الناس
الموهوبون بحق، على وجه الخصوص، إلى فعل الشيء الصحيح، من دون أن يكونوا قادرين على إعطاء سرد مفيد متعلق بكيفية عملهم. نكرر القول إن كثيرًا من الأعمال المعنية بالنظرية تلامس التنظير أحيانًا، لكن عادة ما يكون ذلك بطريقة
مرتجلة وطفيفة فحسب. وإن أنت تمكنتَ من تمشيط الأعمال الكاملة لفيبر أو بورديو مثلً، فإنك
حتمًا ستجد تبصّرات قيّمة حينما يتعلق الأمر بالتنظير. وهذه مهمة شاقة جدًا وتستغرق وقتًا طويلً.
ونحن أساسًا لا نعرف كثيرًا عن الطرائق التي اتّبعها علماء الاجتماع الرواد، ومنهم فيبر وبورديو، في
إنتاج نظرياتهم. لكن ثمة استثناء واحدًا لندرة المواد المتعلقة بالتنظير، وأعني بذلك الأعمال التي
أُنتجت في إطار ما يسمى حركة بناء النظرية؛ ففي ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، حاول عدد من علماء الاجتماع في الولايات المتحدة الأميركية توضيح الخطوط العامة لكيفية بناء نظرية ما، وشرع هؤلاء أيضًا في تدريس مقررات في هذا الموضوع. بداية، ظهر أن كل شيء يسير على ما يرام؛ إذ شارك في ذلك علماء اجتماع مثل آرثر ستينتشكومب وهربرت بلالوك Blalock). H (. لكن بعد
Alex Kotlowitz, «Deep Cover: Alice Goffman’s ‘On the Run’,» New York Times , 26/6/2014. Accessed on: (انظر مثل ((ً 30/7/2017, at: http://www.nytimes.com/2014/06/29/books/review/alice-goffmans-on-the-run.html?r50. (10) Robert N. Bellah [et al.], Sociologists at Work; Essays on the Craft of Social Research , Edited by Phillip E. Hammond (New York: Basic Books, [1964]). وللحصول على القائمة، انظر: Jennifer Platt, «Biographie in der Sozialgeschichte,» in: Christian Dayé und Stephan
Moebius (eds.), Soziologiegeschichte: Wege und Ziele , Suhrkamp Taschenbuch Wissenschaft; 2144 (Berlin: Suhrkamp,
Shanyang Zhao, «The Beginning of the End or the End of the Beginning?: The Theory Construction: (1((انظر مثلً Movement Revisited,» Sociological Forum , vol. 11, no. 2 (June 1996), pp. 305 - 318.
نحو عقد من الزمان، بدا أن كل شيء بلغ نهايته. وما عاد يُنشر مزيد من الكتب، ولا يدرَّس مزيد
من المقررات. وفي عام 9941، عُقد مؤتمر لاستكشاف أسباب حدوث مثل هذا الأمر، لكن لم يجرِ تشخيص سبب وجيه ومقنع. من وجهة نظري، إن ما حدث شيء يشبه ما يلي: كان ثمة أعمال قليلة جدًا عن التنظير آنذاك، وهو ما جعل المهمة صعبة جدًا، في حين أن بإمكاننا اليوم، على سبيل المثال، الاعتماد على كثير من الدراسات في العلوم الإدراكية التي تُعتبر مفيدة جدًا عند مناقشة جوانب التنظير المختلفة، والحال في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته لم تكن على هذا النحو. وربما كانت الذخيرة قد نفدت، وفي نهاية المطاف، حتى شخص خلّق مثل ستينتشكومب تخلى عن هذا الشأن. إلا أن كتابيه في هذا النوع
Constructing Social Theories (9681) (بناء النظريات الاجتماعية)، و Theoretical Methods in
Social History (1978) (المناهج النظرية في التاريخ الاجتماعي)، لا يزالان مفيدين جدًا بالنسبة إلى أي شخص مهتم بعملية التنظير. إن بعض الأعمال التي نفذت تحت عنوان بناء نظرية، لم يختف بقدر ما تغيرت هويته؛ إذ إن تلك الأعمال تحولت إلى ما نطلق عليه اليوم النظرية الصورية أو علم الاجتماع الرياضي. لكن هذا النوع من العمل لا يعالج كامل طيف الأسئلة المتعلقة بالتنظير، بل ينحصر، في كثير من الأحيان، في تلك التي لها صلة بالنمذجة. ومع ذلك، فإن أعمال أشخاص مثل جيمس كولمن Coleman). J (وديفيد ويلر وكثيرين غيرهما يجب ألا يتجاهلها المنظّرون. حقيقة أن هناك القليل من المعرفة عن التنظير اليوم تعني أن ثمة حاجة ماسة إلى مواد من هذا النوع. وهناك حاجة أيضًا إلى الكتب المدرسية والمقالات المتعلقة بالتنظير في كثير من جوانبها، وبعض هذه المواد من المؤمل أيضًا أن تظهر في وقت قريب. مرة أخرى، التنظير هو مشروع جماعي، لذلك فمن الأهمية بمكان أن يشترك فيه كثير من علماء الاجتماع المهتمين بالتنظير والمناهج، والمشتغلين بالدراسات الكمية، وكذلك الحال مع المشتغلين على الدراسات الكيفية، وهلم جرًّا. في الوقت نفسه، أود أن أشير إلى أن ثمة أعمالً قيّمة جدًّا لبعض الأشخاص، وأن تبصّرات آخرين
تحتاج إلى تعريف أوسع، وإلى مواصلة اكتشاف أيضًا، ومن هؤلاء الفيلسوف والموسوعي تشارلز ساندرز بيرس (1839 - 9141) الذي اشتهر بمساهماته في المنطق والسيميائية والبراغماتية. تعامل بيرس صراحة مع التنظير، كما فعل، على سبيل المثال، في محاضرة تحت عنوان Theorize to How
(12) Jerald Hage (ed.), Formal Theory in Sociology: Opportunity or Pitfall? , SUNY Series, the New Inequalities (Albany, NY: State University of New York Press, 1994), and Barry N. Markovsky, «Graduate Training in Sociological Theory and Theory Construction,» Sociological Perspectives , vol. 51, no. 2 (Summer 2008), pp. 423 - 445. (((1 انظر، مثلً: Zhao, «The Beginning of the End or the End of the Beginning?,» and David Willer, «The Prominence of Formal Theory in Sociology,» Sociological Forum , vol. 11, no. 2 (June 1996), pp. 319 - 331.
(كيف تنظِّر؟)، ألقاها في عام 9031 في كيمبردج، مساتشوستس. والتنظير أيضًا جزء من نموذجه العام بشأن كيفية ممارسة العلم، واستند في وضعه إلى ولعه الشديد بالعلوم الطبيعية. يوفر هذا النموذج العام إحساسًا جيدًا ليس بالطريقة التي ينظر بها بيرس إلى كيفية إنتاج مادة علمية
فحسب، بل أيضًا بفكرته المتعلقة بضرورة تطوير عادات التفكير المختلفة واعتمادها في مراحل التحقيق العلمي المختلفة. عليك - وفقًا لبيرس - الانطلاق من الملاحظة المركزة، ثم الاستمرار في ذلك إلى أن تجد نفسك مندهشًا، والدهشة تأتي من خلال اكتشاف شيء ما يجب ألّ يكون متوقعًا وفقًا لحالة المعرفة العلمية الراهنة. الخطوة التالية مختلفة جدًا: يتعين عليك الآن أن تأتي بفكرة تفسر الحقائق التي سببت لك المفاجأة - من خلال العملية التي سمّاها بيرس الاستخلاص. وهذه هي الخطوة الأكثر صعوبة وحساسية في
كامل عملية البحث، من وجهة نظره، حيث لا يمكنك، على سبيل المثال، أن تأتي بفكرة عن تفسير ما فقط من خلال التفكير الشاق، أو من خلال الاعتماد على المعرفة القائمة. ما تجد في طلبه هو، كما يضيف، شيء جديد، شيء لم يكن له وجود من قبل. الطريقة الوحيدة للحصول على فكرة هي الوصول بطريقة أو أخرى إلى الأجزاء الأقل وعيًا في
عقلك. ومفتاح ذلك يكمن في تدريب نفسك لتصبح قادرًا بشكل أفضل على الوصول إلى تلك
الأجزاء من عقلك، وتحويل هذا النوع من التفكير إلى عادة. وللوصول إلى الأجزاء قبل الواعية من عقلك، تحتاج إلى فعل أشياء، مثل الاسترخاء وأحلام اليقظة، بحسب بيرس. وعند القيام بذلك، فإن هناك ما يساعدك، من خلال حقيقة أن العقل البشري مبرمج مسبقًا، على التعاطي مع اثنتين من أهم المشكلات التي تواجه البشر: التكاثر والبقاء في قيد الحياة. يصر بيرس على أن الاستخلاص يكون مفيدًا فقط بشرطين: الأول، يجب أن تكون قابلً للاختبار تجريبيًا، والثاني، يجب أن يكون الاختبار ناجحًا. الجزء المتعلق بالاختبار سمّاه بيرس استقراء، وهذه
المرحلة يسبقها الاستنتاج الذي يحاول الباحث فيه أن يستنتج فرضيات من الفكرة الأصلية (أو من الاستخلاص) ليختبرها. لذلك، فإن خطوات بيرس الثلاث هي: الاستخلاص والاستنتاج والاستقراء. لقد وجدْتُ أن جهود بيرس مفيدة جدًا لي في بحثي حول التنظير، وحينما أواجه مشكلةً، فعادة ما أرى ما يقوله بيرس بهذا الخصوص؛ فطرح بيرس على سبيل المثال مفيد للغاية عندما يتعلق الأمر بمقاربة موضوعات صعبة من قبيل السببية، وطبيعة تشابه ما، وما شاكل ذلك، ودفاعه عن مزيد من التفكير البصري موح جدًا أيضًا.
(14) Charles S. Peirce, 1903 Lowell Lectures of 1903. Eighth Lecture, Abduction, MS 475, and Richard Swedberg, «On Charles S. Peirce’s Lecture «How to Theorize» (1903),» Sociologica , no. 2 (May - August 2012), pp. 1 - 27. (((1 للاطلاع على نظرة بيرس إلى علم الاجتماع، انظر: Richard Swedberg, «Charles Sanders Peirce: On the Sociology of Thinking,» in: Christofer Edling and Jens Rydgren (eds.), Sociological Insights of Great Thinkers: Sociology Through Literature, Philosophy, and Science (Santa Barbara, Calif.: Praeger, 2011). (16) Charles S. Peirce, «Guessing,» Hound and Horn , vol. 2, no. 3 (Spring 1929), pp. 267 - 285.
عندما تحتاج إلى التعاطي مع مسألة صعبة جدًا، يتعين عليك، في رأي بيرس، المضي قدمًا على النحو التالي: أولً، دوِّن جميع الحجج التي تؤيد موقفًا معينًا، ومن ثم إفعل الشيء نفسه مع الحجج المضادة. عندما تنتهي من إتمام ذلك، حاول استخراج الحقيقة، ومعرفة النهج الذي تحتاج إليه للوصول إليها. ومن ثم كرر هذا الإجراء ثلاث مرات من وقت إلى آخر. وبمجرد الانتهاء من ذلك، وإذا واصلت مغالبة المشكلة نفسها كل سنة لمدة تتراوح بين 6 و 12 سنة، فإنك سوف تحصل على وجهة نظر قوية في شأنها. وسبب الشروع في سلوك هذا الطريق الشاق والطويل هو «الحماقة،» بحسب ما يقوله بيرس تكرارًا. لقد تطرقت إلى تأكيد بيرس ما يتعلق بالحماقة لأشير إلى أن التنظير يمكن أن
يكون تجربة بائسة جدًا، نتيجةً للصعوبات التي ينطوي عليها. إن المعرفة الصلبة التي يمكن أن تطورها من خلال اتّباعك نصائح بيرس تُعتبر مفيدةً للغاية، لكن ما إن تواجهك مشكلة معيّنة، وتحتاج إلى الخروج باستخلاص ما، فأي شيء آخر يجب عليك فعله غير
محاولة الوصول، بطريقة أو أخرى، إلى منطقة ما قبل الوعي لديك؟ هناك طريقة أخرى، وفقًا لبيرس، للمضي قدمًا، تلك تكون باستخدام قدرتك على التفكير البصري. يقول بيرس إن ذلك يتم عن طريق
ترجمة مشكلتك إلى نوع خاص جدًا من التمثيل البصري representation) visual)، أي، نوع من الرسم التخطيطي الذي يسمح لك بالخروج بحل. هذه هي الطريقة التي يتابع العلماء وفقها عملهم غالبًا، حسبما يقول بيرس. ثمة شخص آخر يُعتبر ملهمًا أيضًا في ما يخص التنظير، ذلك هو فتغنشتاين. والموضوعة الرئيسة في
عمله مفادها أننا بحاجة إلى فهم أفضل لدور اللغة في الشؤون الإنسانية. وهذا أيضًا شيء جيد ومهم للغاية إذا كنت راغبًا في التنظير بشكل جيد في العلوم الاجتماعية. وعلى صلة بذلك، عليك أن تلاحظ
كيفية استخدام الناس اللغة بطريقة دقيقة جدًا. فمن وجهة نظر فتغنشتاين، من المهم أيضًا الامتناع عن التحليل حتى تكون قد لاحظت كفاية ما يجري: «لا تفكرْ بل انظرْ». بمجرد أن تنتهي من مرحلة الملاحظة، فإنك تحتاج إلى البحث عن تفسير للظواهر التي تشتغل عليها. ويعكس أسلوب فتغنشتاين في الكتابة هذا البحث بطريقة جذابة؛ ففي حين يكتفي الفلاسفة وعلماء العلوم الاجتماعية بطرح خلاصاتهم والمنطق الذي يوجههم، فإن ما يفعله فتغنشتاين يختلف عن
(17) Charles S. Peirce, Pragmatism as a Principle and Method of Right Thinking: The 1903 Harvard Lectures on Pragmatism , Edited and introduced, with a commentary by Patricia Ann Turrisi (Albany: State University of New York Press, 1997), pp. 205 - 207. (18) Ibid., pp. 206 - 207. Richard Swedberg, «Visualizing Theory?: On Theory Pictures and Theorizing Diagrams in Sociology,» 1(انظر:((Unpublished Paper, 2015, and Charles S. Peirce, «Prolegomena to an Apology for Pragmaticism,» Monist , vol. 16, no. 4 (1906), pp. 492 - 546. (20) Heather J. Gert, «Wittgenstein on Description,» Philosophical Studies , vol. 88, no. 3 (December 1997), pp. 221 -
(21) Ludwig Wittgenstein, Philosophical Investigations , Translated by G. E. M. Anscombe (New York: Macmillan, 1953), 66e.
ذلك. إنه يحاول قبل كل شيء الانقضاض على المشكلة من مناح عدة - من الأمام، ومن الجانب، ومن أي جانب يساعده على التوغل أكثر. هذه الأمور مسجلة كلها في نصوصه، بطريقة يبدو فيها حتى تفكيره مرئيًا للقارئ. لاحظ أيضًا أن هذا الأسلوب في العمل يسمح لفتغنشتاين بالمضي قدمًا والتنظير
على نحو أكثر فاعلية. وهناك خاصية أخرى مثيرة للاهتمام في أسلوبه التنظيري في الكتابة، هي أنه يمكن تقدير قيمتها تمامًا فقط إذا كان القارئ على استعداد للدخول إلى طريقة فتغنشتاين في التفكير والتعامل مع المشكلة التي يصارعها. وهنا إفادة نموذجية من فتغنشتاين تحتاج إلى تطوير من القارئ: حتى الوقت الحاضر، يعتقد الناس أن غاية وجود العلماء هي تعليمهم، وغاية وجود الشعراء والموسيقيين ومن على شاكلتهم هي لتسليتهم. وفكرة أن لدى هؤلاء الأخيرين شيئًا لتعليمه لهم لا تخطر ببالهم. يمكنا أن نتعلم أشياء من الفنانين، كما يقول فتغنشتاين، لكن هل يتضمن هذا أيضًا أشياء تساعدنا على التنظير بشكل أفضل؟ أنا أزعم أن هذه هي الحال، وأستطيع رؤية أن الحوار بين الفنانين وعلماء الاجتماع سوف يكون مفيدًا جدًا؛ فكلٌّ من علماء العلوم الاجتماعية والفنانين، على سبيل المثال، يلاحظ بعناية ما يريد أن يمثله، فهل أن طرائقهم في متابعة العمل، بعد أن تنتهي مرحلة الملاحظة، تختلف بصورة أساسية؟ أو هل لدى هؤلاء بعض الأشياء المشتركة، كما اعتقد غودمان، على سبيل المثال؟. يمكن المحاجة بأن التبصّرات بشأن التنظير التي يمكن العثور عليها في أعمال بيرس وفتغنشتاين، هي
تبصّرات ذات طابع عام، ولا تقتصر على علم الاجتماع، بل تشمل أيضًا كثيرًا من العلوم الأخرى،
وهذه حقيقة. لكن هناك أيضًا علماء اجتماع يشتغلون على التنظير في علم الاجتماع فقط، ومنهم إيفرت هيوز Hughes). C. (E (1897 - 9831) الذي اشتهر بعمله الميداني وبأنه خليفة روبرت بارك Park). R (في رئاسة مدرسة شيكاغو. لم يكتب هيوز شيئًا عن النظرية، لكن تعليقاته بشأن التنظير منتشرة في أعماله، وهذا ما أثار الانطباع بأنه غير مهتم بالنظرية، لكن ذلك خطأ. صحيح أن هيوز كان يزدري ما يندرج تحت عنوان «النظرية» في علم الاجتماع، لكنه مع ذلك درب نفسه على أنه منظِّر، خصوصًا من خلال قراءته كلًّ من فيبر وزمل؛
(22) Ludwig Wittgenstein, Culture and Value , Edited by G. H. von Wright, in collaboration with Heikki Nyman; Translated by Peter Winch (Chicago: University of Chicago Press, 1980), 36e. (23) Nelson Goodman, Languages of Art: An Approach to a Theory of Symbols , 2 nd ed. (Indianapolis, Ind.: Hackett,
(24) Howard S. Becker, Tricks of the Trade: How to Think about your Research While You're Doing it , Chicago Guides to Writing, Editing, and Publishing (Chicago, Ill.: University of Chicago Press, 1998), pp. 1 - 3, and Edward Shils and Steven Grosby (eds.), A Fragment of a Sociological Autobiography: The History of my Pursuit of a Few Ideas (New Brunswick, NJ: Transaction Publishers, 2006), p. 52.
وعلى مر السنين طور، وبصورة حاذقة جدًا، نسخته الخاصة للنظرية السوسيولوجية. هذا النوع من النظرية قريب جدًا، ومن نواح كثيرة، مما نسمّيه في دراستنا هنا تنظيرًا، وهو يتألف بصورة أساسية من
نصيحة عملية تخص كيفية استخدام النظرية عند محاولة فهم البيانات التجريبية. إضافة إلى كتابات هيوز، ثمة أيضًا مصدر آخر لأفكاره عن التنظير يعود إلى طالب من طلابه أدرك في وقت مبكر أن هيوز كان يحاول تطوير نوع عملي وخاص جدًا من المعرفة التنظيرية، وهو الطالب هوارد بيكر Becker). H)، والكتاب الذي يعرض فيه رؤية هيوز للتنظير هو Tricks of the Trade (1998) (حيل التجارة). من خلال العمل مع هيوز في مشاريع بحثية مختلفة، تيسرت لبيكر الفرصة لرؤيته في خضم العمل. ووفقًا لهيوز، يجب، مثلً، على عالم الاجتماع أن يأخذ بنظر الاعتبار دائمًا ما يقوله الناس ذوو النفوذ بتحفظ كبير («عليك الشك في كل شيء يقوله كل من في السلطة». ويعلم علماء الاجتماع أن السلطة تجعلك ترى الأشياء من منظور متحيز، لكن ما يهم حينما يتعلق الأمر بالتنظير هو صوغ تبصّرات مثل هذه بشكل مبادئ توجيهية عملية - كما يفعل هيوز هنا. وجدير بالإضافة هنا أن هذا الجزء المحدد من المشورة مهم أيضًا لسبب آخر: إنه يبين كيف أن موضوعًا ما مثل السلطة يمكن أن يوظف في مشروع التنظير. كان رأي هيوز أنه من أجل التعامل مع النظرية جيدًا في البحث التجريبي، تحتاج بصورة أساسية إلى نوعين من المعرفة: أوّلهما ما يسمّيه هيوز «العين السوسيولوجية ». وهذا النوع من المعرفة يجب أن يكون عميقًا جدًا إلى الدرجة التي تمكنك من الاعتماد عليه من دون التفكير بمشقة. وإذا تمكنت غريزيًا من تقريب صورة الاجتماعي - التفاعلات والبنى والجماعات والمؤسسات، وما إلى ذلك - فإنك تمتلك العين السوسيولوجية. والنوع الثانيهو المفاهيم. ومثل كثير من علماء الاجتماع، يبدو هيوز مهتمًا بتعليم الطلاب المفاهيم أكثر من اهتمامه بعرض نظريات مكتملة عليهم. وطبقًا له، من المهم أيضًا معرفة عدد كبير من المفاهيم إذا أردتَ أن تكون سوسيولوجيًا جيدًا. يقول هيوز أيضًا إنك لست بحاجة إلى معرفة عميقة بهذه المفاهيم، بل يكفيك فقط أن تعرف حول ماذا تدور. وثمة طريقة للحصول على هذه المعرفة البسيطة، هي أن تدرس فهرس الكتاب index) the (. ويستجيب الطلاب أيضًا بشكل إيجابي للمفاهيم الفضفاضة في صوغها أكثر من استجابتهم لتلك التي تُعرف بدقة وصرامة، حسبما يرى هيوز. كما يتضمن عمل س. رايت ميلز بعض النصائح القيّمة الموجَّهة إلى المهتمين بعملية التنظير؛
فهناك، قبل كل شيء، الملحق appendex) (في كتاب The Sociological Imagination (الخيال
(25) Becker, p. 91. (26) Everett Cherrington Hughes, The Sociological Eye: Selected Papers , With a new introduction by David Riesman and Howard S. Becker, Social Science Classics Series (New Brunswick: Transaction Books, 1984).
الاجتماعي) والمعنون «في مهارة الصنعة الفكرية». يحتوي الملحق على مقاربة مختلفة عن مقاربة كتاب «حيل التجارة» لنوع المعرفة الذي تحتاج إليه كي تتمكن من التنظير بصورة جيدة. لكن ميلز، مثل بيكر، يعطي القارئ النصيحة بشأن كيفية إنجاز الأشياء التي تُعتبر عملية بطبيعتها. (الخيال السوسيولوجي) عمل كلاسيكي، وغالبًا ما يشار إليه بصورة إيجابية جدًا. إن الأشخاص الذين
استهدفهم ميلز - أي بارسونز ولازارسفيلد وطلابهما - رحلوا جميعهم، وقلة من علماء الاجتماع هذه الأيام تشعر بأن الكتاب يستهدف أسلوب عملهم في مجال علم الاجتماع. وهذا أيضًا ما يتوقعه القارئ، لكن الغريب حقًا هو أن في خضم هذا الثناء كله على كتاب ميلز، فإنه عمليًا لم يلفت السوسيولوجي
إلى موضوعه المركزي: الخيال. وكما يتضح، فإن الخيال لم يدرس كثيرًا في العلوم الاجتماعية الأخرى
أيضًا، ومن ضمنها علم النفس. وهناك أسباب عدة تقف وراء ذلك، لكن النقطة التي أريد تأكيدها هنا هي أن من أجل التنظير بصورة حسنة، فإنك تحتاج إلى خيال؛ تحتاج إلى أن تعرف ما هو الخيال، وتحتاج إلى رعايته، وإن أردت، تحتاج إلى تحويله إلى عادة مثلما فعل بيرس. ووفقًا لما يراه سارتر، يسمح الخيال لنا بامتلاك إحساس بذلك الذي ليس موجودًا. وهذا تعريف واسع جدًا لكنه مفيد، بمعنى أنه عندما تقوم ببحث وتكون محاطًا بالوقائع، فإنك تحتاج بطريقة ما إلى أن تفهم معنى ذلك كله، والخيال أداة من الأدوات القليلة التي تساعدك على القيام بذلك. ثمة في عمل ميلز أفكار أخرى كثيرة تتعلق بالتنظير، وهي مثيرة للاهتمام، منها فكرته عما يجعل عملً ما يُحسب على الأعمال الكلاسيكية في العلوم الاجتماعية. والجواب اللافت الذي يعطيه ميلز هو
التالي: إن ما يجعل النظرية حقًا كلاسيكية هو قدرتها على إلهام الباحثين في إنتاج نظريات جديدة بمساعدتها؛ فكلاسيكيات كلٍّ من ماركس وفيبر ودوركهايم ألهمت بكثير من النظريات الجديدة. ووفقًا لميلز، فإن هناك علامة أخرى على قيمة العمل الكلاسيكي، وهي أن على الرغم من أن بعض النظريات الجديدة تُظهره مخطئًا، فإن تفنيد النظريات الكلاسيكية أو تجاوزها لا يجري من خلال هذه الجديدة، والسبب في ذلك أنها تظل ملهِمة للآخرين الساعين للتنظير وابتكار نظريات جديدة. شخص آخر عمل على التنظير وأجده ملهمًا هو جيمس ج. مارتش، ومساهمته يمكن الاطلاع عليها
An Introduction to Models in the Social Sciences من خلال عمل مشترك مع تشارلز ليف عنوانه
1975) ((مدخل إلى النماذج في العلوم الاجتماعية)، ويمكن وصفه بأنه كتاب يصلح لتدريس الطلاب كيفية بناء النظرية الاجتماعية؛ إذ يوجه إلى طلاب العلوم الاجتماعية بصورة عامة لا إلى المختصين بعلم الاجتماع حصرًا. الأسلوب الذي كتب به (المدخل)، اختاره المؤلفون بوعي من أجل أن يجعل
الطلاب يتعلمون التنظير؛ فغالبًا ما يوصى الطلاب بالتوقف عن القراءة وعدم الاستمرار حتى يتمكنوا
(27) C. Wright Mills, The Sociological Imagination (New York: Oxford University Press, 1959), pp. 195 - 226. (28) Jean - Paul Sartre, The Imaginary: A Phenomenological Psychology of the Imagination , Revisions and historical introduction by Arlette Elkaïm - Sartre; Translated and philosophical introduction by Jonathan Webber (London; New York: Routledge, 2004). (29) C. Wright Mills (ed.), Images of Man: The Classic Tradition in Sociological Thinking (New York: G. Braziller,
من الإجابة عن بعض الأسئلة التي يعتبرها المؤلفان جديرة بالاعتبار قبل الانتقال إلى الخطوة اللاحقة باتجاه الحل « توقفْ وفكرْ » Think) and Stop (. والسبب في ذلك، كما يرى المؤلفان، هو «قانون
غريشام للدراسة» Study) of Law s ’ Gresham). فالقراءة، كما يقولان، تطرد التفكير، لأنها تمثّل تكنولوجيا فكرية معروفة نحن كلنا متمكنون منها، في حين أن التفكير أصعب كثيرًا لجهة الانخراط
فيه وضبطه أيضًا. ما يريد مارتش وزميله المشارك في التأليف من الطلاب تعلمه بالتحديد هو، كيف تتأمل؟ فهما يؤكدان أن من أجل إنتاج علوم اجتماعية جيدة، من الجوهري أن تعرف كيف تتأمل - كيف تخمن، وتتخيل وتتوصل إلى أفكار جديدة ومدهشة. ومن الأهمية أن تكون هذه الأفكار منطقية ومتسقة، لكن ذلك ليس كافيًا، بل عليك أيضًا أن تعرف كيف تتكهن speculate))، ف «التكهن هو روح العلوم
الاجتماعية». إن كتاب «المدخل..» عمل قُصد به أن يكون «دليلً عمليًا للتأمل»، وهو يركز على النماذج
واستخداماتها. ويعتقد المؤلفان أن أفضل طريقة لتعليم الطلاب كيفية التنظير هي إشاعة ألفة بينهم وبين عدد قليل من النماذج القياسية في العلوم الاجتماعية. ويحاولان أيضًا تعليمهم المنطق القابع وراء هذه النماذج كي يكون الطلاب قادرين على استخدامها في تجاربهم الجديدة. يركز ليف ومارتش على عدد قليل ومعروف من النماذج التي تتعامل مع موضوعات مثل الانتشار والاختيار والتكيف. يمكن أن تكون المحاجة أن بتوظيفك مقاربة ليف ومارتش تجازف بعدم تعليم الطلاب كيفية بناء نماذج بأنفسهم، لينحصر الأمر في تطبيق عدد من النماذج القياسية فقط، وثمة صدقية مؤكدة في هذه التهمة. وصحيح أيضًا أن التنظير باستخدام النماذج يحمل معه بعض المخاطر؛ فهناك أحيانًا، وعلى سبيل المثال، ميل لدى بعض المشتغلين على النماذج إلى تجاهل دور المفاهيم الاجتماعية، وكذلك ميل إلى الإخفاق في ربط النموذج بالتقاليد السوسيولوجية ربطًا صحيحًا. من جانب آخر، ثمة مزايا لبناء نموذج؛ فالنموذج يحاول عادةً أن يغطي العملية الكاملة لظاهرة ما، ولنقُل بعبارة واضحة، بشفافية حول الأسلوب تتفاعل بها أجزاؤها. ومن الممكن أيضًا في كثير من الأحيان تجربة نموذج ورؤية ما إذا كان هناك شيء مثير للاهتمام يحدث عند المضي بمنطقه إلى أقصاه. أما مصدر الإلهام الأخير للتنظير، وأرى أنه بالغ القيمة، فهو العلوم الإدراكية؛ فخلال العقدين الأخيرين، عرف مجال العلوم الإدراكية بشتى تخصصاتها تطورًا سريعًا وبشكل كبير، الأمر الذي ولّد عددًا من
(30) Charles A. Lave and James G. March, An Introduction to Models in the Social Sciences (Lanham, Md.: University Press of America, 1975; 1993), p. 3. (31) Ibid., p. 2. (32) Aage B. Sorensen, «Mathematical Models in Sociology,» in: Annual Review of Sociology (Palo Alto, Calif.: Annual Reviews Inc., 1978), pp. 345 - 371.
التبصّرات المثيرة. ولم يستفد علماء الاجتماع من هذه التبصّرات، وهو ما يدعو إلى الأسف. إن علم الاجتماع بطبيعة الحال له أسسه المستقرة الخاصة به، ولا يوجد هناك سبب لإحلال العلوم الإدراكية محلها. وفي الواقع، غالبًا ما يكون ثمة حاجة إلى علم الاجتماع من أجل تصحيح الميل في العلوم
الإدراكية إلى تجاهل السياق وميلها كي تصبح كلية شاملة. لكن من الواضح أيضًا أن علماء الاجتماع أخفقوا في معالجة عدد من الموضوعات التي تُعتبر مهمة للتنظير، والتي عمل علماء العلوم الإدراكية عليها عقودًا عدة من الزمن، ومن هذه الموضوعات موضوعا المفاهيم والمماثلات. لقد طور علماء العلوم الإدراكية بعض التبصّرات المهمة في مجالات أخرى ينشط فيها علماء الاجتماع، لكنهم لم يقدموا ابتكارات فيها، ودراسات المعنى والذاكرة والانفعالات هي أمثلة على ذلك. قبل أن نقول شيئًا عن هذا التقدم، تجدر الإشارة أيضًا إلى أنه طبقًا لكثير من علماء العلوم الإدراكية، فإن لدى الكائنات البشرية استعدادًا فطريًا للتفسير يتبع مسارًا داخليًا في النمو ويتفاعل خلاله مع الواقع
الاجتماعي بطريقة معقدة. والتنظير هو، على ما يبدو، جزء من هذا الاستعداد. بينما يتمسك علماء الاجتماع عادة بالنظريات الكلاسيكية في ما يتعلق بالمفاهيم مثلً (أو فكرة أن المفهوم يجب أن يحقق شروطًا كافية ولازمة)، أثبت علماء العلوم الإدراكية أن هذه النظرية لا يمكن أن تفسر كيف تستخدم هذه المفاهيم في الواقع. باختصار، إن نظرية الألعاب اللغوية والنظريات المشابهة لها في العلوم الإدراكية هي الأفضل في الإمساك بما يجري في النظرية الكلاسيكية. ومن جانب آخر، فإن النتائج المترتبة بناء على المفاهيم العلمية واستخدامها هي موضوع لا بد من فهمه على نحو أفضل. كما أن علماء العلوم الإدراكية حاولوا لبعض الوقت فهْم كيف تستخدم الكائنات البشرية المماثلات وماذا تعني، وما الذي يؤخذ بالضبط من أحد الموضوعات (يسمّى المصدر)، وماذا يحدث
عندما يتم تطبيقه (وفق مخطط) في موضوع آخر (يسمى الهدف). ثمة عمل تجريبي كثير طُبّق على
المماثلات، كما أن هنالك بحثًا معرفيًا - تاريخيًا يتعلق بكيف أن شخصًا ما مثل ماكسويل حاول حل
المشكلات النظرية بمساعدة المماثلات. يدرس المتخصصون بعلم الاجتماع الانفعالات، وكذلك يفعل المتخصصون بالعلوم الإدراكية، وهم يفعلون ذلك بطرائق مختلفة إلى حد ما. وبينما يتميز المختصون بالعلوم الإدراكية بأنهم أكثر اهتمامًا
(33) Alison Gopnik, Andrew N. Meltzoff and Patricia K. Kuhl, The Scientist in the Crib: What Early Learning Tells us about the Mind (New York: William Morrow & Co., 2001). (34) Stephen Laurence and Eric Margolis, «Concepts,» in: Stanford Encyclopedia of Philosophy (First published 7/11/2005, Substantive review 17/5/2011), Accessed on 1/6/2014, at: http://plato.stanford.edu/entries/concepts/. (35) Dedre Gentner, «Analogical Learning and Reasoning,» in: Daniel Reisberg (ed.), Encyclopedia of Cognitive Science (London: Nature Publishing Company, 2003). (36) Nancy Nersessian, Creating Scientific Concepts (Cambridge, Mass.: MIT Press, 2008).
بالأبعاد البيولوجية، فإن السوسيولوجيين يتميزون بطرائقهم المرنة والمتنوعة. وعلى سبيل المثال، فإن داماسيو وآخرين أكدوا أن البشر الذين تضررت أدمغتهم في الباحات التي تتحكم بالانفعالات يفقدون شيئًا أساسيًا، وهذا ما يشير إلى أن الانفعالات تؤدي دورًا في جميع الأفعال التي يؤديها الكائن البشري، ومن ضمن ذلك كلٌّ من التفكير والتنظير، فنحن بحاجة إلى فهم أفضل لدور الانفعالات، وباختصار، لفهم أفضل للتنظير. منذ عهد فيبر، يهتم السوسيولوجيون أيضًا بموضوع المعنى، وهناك الآن أعداد هائلة من الأدبيات السوسيولوجية والأنثروبولوجية في هذا الموضوع، لكن الأعمال التحليلية التي نُفذت على البنية النظرية للمعنى قليلة، فالموضوع صعب جدًا، لكنه مهم جدًا أيضًا، فالمعنى أمر محوري للوجود البشري ولما يميز أجزاءً مهمة من العلوم الاجتماعية من العلوم الطبيعية. في بعض الأحيان، يتعاطى علماء العلوم الإدراكية مع المعنى بموقف سلوكي تقريبًا، لكن هناك استثناءات أيضًا. ثمة اليوم عدد قليل من علماء العلوم الإدراكية الذين يشتغلون على المعنى. فهُم، مثلً، يستكشفون حاليًا أهمية الإشارة إلى الأشياء كأسلوب في لفت الآخرين إلى شيء ما. وقد ثبت أيضًا أنك إن فهمت معنى شيء ما، فإنه سيكون من الأسهل تذكّره. وقدرة الإنسان على ملء الأجزاء المفقودة في النماذج الإدراكية هي مجال آخر مهم في أبحاثهم. تمثّل الذاكرة مجالً آخر، حيث يستطيع المنظّرون التعلم من البحوث الجارية في العلوم الإدراكية. ومن الممكن أيضًا أن يقودنا هذا إلى موضوع آخر، ألا وهو البُعد التربوي/التعليمي للتنظير. إن السبب في تداخل الاثنين أحيانًا هو أن التنظير يعتمد في المقام الأول على نوع خاص من المعرفة العملية، وهذه المعرفة تتناسب مع السهولة التي يمكن تعلمها وتذكّرها. في حين أن من المسلَّم به عمومًا أن علماء العلوم الإدراكية لم يطوروا علم التعليم الذي ينشده كثيرون، فإن بعض نتائج أعمالهم مهمة جدًا، ويمكن أن تُستخدم لتحسين الممارسات التربوية التعليمية. ومفاد إحدى هذه النتائج أن فرصة التعلم تكون أكبر إذا تمت عملية التعلم في بيئات مختلفة، وليست محصورة في مكان واحد، حتى لو كان مكان دراستك المفضل أو المكان المحبب إليك، مثل المكتبة العامة. وهناك تبصّر آخر مفاده أنك إن رغبت في أن تدرّس الطلاب شيئًا من قبيل خمسة أنواع مختلفة من (س)، فإنهم سيتعلمونها بشكل أفضل إذا ناقشت الخمسة معًا في الوقت نفسه، بدلً من
(37) Antonio R. Damasio, Looking for Spinoza: Joy, Sorrow, and the Feeling Brain (New York: Mariner Books, 2003). (38) Peter Gärdenfors, Lusten att förstå: Om lärande på människans villkor (Stockholm: Natur & kultur, 2013), and Peter Gärdenfors and Petter Johansson (eds.), Cognition, Education, and Communication Technology (Mahwah, NJ: L. Erlbaum Associates Publishers, 2005). (39) Benedict Carey, How We Learn: The Surprising Truth about When, Where, and Why it Happens (New York: Random House, 2014), pp. 61 - 62.
مناقشتها فرادى، الأول، فالثاني، فالثالث... وهكذا. والنتيجة الثالثة هي أن الاسترجاع لا التكرار هو ما يُعتبر الطريقة الناجعة للتعليم، فإذا أردت أن تتذكر شيئًا ما، ليس عليك العودة إلى كتابك وقراءة تأشيراتك عليه، بل يجب بدلً من ذلك أن تكون صبورًا وتحاول استدعاء ما قرأته من خلال ما يشبه، لنقُلْ، المشي إلى الوراء، في ذهنك.
ملاحظات ختامية
إنني أعتبر أن هذه الدراسة ستكون ناجحة إن هي دفعت القارئ إلى الشعور بأن التنظير يجب أن يحتل مرتبة متقدمة في جدول أعمال علم الاجتماع اليوم، وبصورة خاصة لو أن أحدًا لقي التشجيع للاعتماد على قدراته الخاصة بالتنظير؛ فالتنظير مشروع شخصي جدًا، بمعنى أنه الشيء الذي يتعين على أي أحد أن يقوم به بنفسه. وهو، باختصار، يأخذ بعدًا وجوديا متميزًا. إنه شيء ديمقراطي جدًا أيضًا، بمعنى أنه يجب من حيث المبدأ ألا تدع أحدًا ينظِّر لك، وأسباب ذلك مماثلة لتلك التي قدمها كانط في حجته الشهيرة حول «لماذا يجب ألا تدع أحدًا يفكر لك؟». لكن مرة أخرى نكرر أن التنظير مشروع جماعي أيضًا. والقضايا التي يثيرها جماعية بحسب معان كثيرة؛ فهي، على سبيل المثال، غالبًا ما تكون صعبة للغاية، وبالتالي فأنت بحاجة إلى مساهمة كثير من الناس
وعلى المدى البعيد. والأمر كذلك بحاجة إلى التقدم في عدد كبير من المجالات الأخرى، من نظرية المعرفة إلى التربية والتعليم، وغير ذلك. علاوة على ذلك، تُعتبر بعض أدوات التنظير جماعية أيضًا، بمعنى أنك تحتاج إلى التفاعل مع الآخرين من أجل أن تصبح أكثر مهارةً في توظيفك لها. إن الممارسات التعليمية على سبيل المثال تقع ضمن هذا التصنيف؛ إذ كيف لنا أن نطور التمارين المفيدة للتنظير التي يمكن استخدامها في الصفوف الدراسية، ما لم تتم من خلال عملية التجربة والخطأ الجماعية؟ عليك أولًان تصمم التمارين، ثم تستخدمها، ومن بعد ذلك إعادة تصميمها اعتمادًا على ما يحدث عند استخدامها، وهلم جرًّا. بصفة أعم، يتعين علينا القيام بكثير من العمل في مجال التنظير، وهو ما زال ينتظرنا. كما أن هناك عددًا كبيرًا من الموضوعات التي تجب معالجتها إذا أردنا أن ننتشل التنظير من واقعه ونمأسسه
بنجاح، وهذه بالتأكيد ليست مهمة فرد واحد. إن كل عالم اجتماع يحتاج إلى أن يكون قادرًا على التنظير، وكلما أدرك عدد متزايد من الناس ذلك، تسارع التقدم في مشروع التنظير. وستغدو العلوم الاجتماعية أكثر جاذبية!
Peter C. Brown, Henry L. Roediger and Mark A. McDaniel, Make it Stick: The Science of Successful Learning (4(انظر:((Cambridge, Massachusetts: Belknap Press of Harvard University Press, 2014), chap. 3. (41) Ibid., chap. 2. (42) Immanuel Kant, «An Answer to the Question: «What Is Enlightenment? (1784),» in: Kant's Political Writings , Edited with an introd. and notes by Hans Reiss; Translated by H. B. Nisbet, Cambridge Studies in the History and Theory of Politics (Cambridge, Eng.: Cambridge University Press, 1970).
References
المراجع
Books
Annual Review of Sociology. Palo Alto, Calif.: Annual Reviews Inc., 1978. Beach, Derek and Rasmus Brun Pedersen. Process - Tracing Methods: Foundations and Guidelines. Ann Arbor: University of Michigan Press, 2013. Becker, Howard S. Tricks of the Trade: How to Think about your Research While You’re Doing it. Chicago Guides to Writing, Editing, and Publishing. Chicago, Ill.: University of Chicago Press, 1998. Bellah, Robert N. [et al.]. Sociologists at Work; Essays on the Craft of Social Research. Edited by Phillip E. Hammond. New York: Basic Books, [1964]. Brown, Peter C., Henry L. Roediger and Mark A. McDaniel. Make it Stick: The Science of Successful Learning. Cambridge, Massachusetts: Belknap Press of Harvard University Press, 2014. Carey, Benedict. How We Learn: The Surprising Truth about When, Where, and Why it Happens. New York: Random House, 2014. Coopmans, Catelijne [et al.] (eds.). Representation in Scientific Practice Revisited. Inside Technology. Cambridge, Massachusetts: MIT Press, 2014. Damasio, Antonio R. Looking for Spinoza: Joy, Sorrow, and the Feeling Brain. New York: Mariner Books, 2003. Dayé, Christian und Stephan Moebius (eds.). Soziologiegeschichte: Wege und Ziele. Suhrkamp Taschenbuch Wissenschaft; 2144. Berlin: Suhrkamp, 2015. Durkheim, Emile. The Rules of Sociological Method. Translated by Sarah A. Solovay and John H. Mueller; ed. by George E.G. Catlin. 8 th ed. New York: Free Press, 1964. Edling, Christofer and Jens Rydgren (eds.). Sociological Insights of Great Thinkers: Sociology Through Literature, Philosophy, and Science. Santa Barbara, Calif.: Praeger,
Gärdenfors, Peter. Lusten att fo ̈ rsta ̊: Om la ̈ rande pa ̊ ma ̈ nniskans villkor. Stockholm: Natur & kultur, 2013. Gärdenfors, Peter and Petter Johansson (eds.). Cognition, Education, and Communication Technology. Mahwah, NJ: L. Erlbaum Associates Publishers, 2005.
Goodman, Nelson. Languages of Art: An Approach to a Theory of Symbols. 2 nd ed. Indianapolis, Ind.: Hackett, 1976. Gopnik, Alison, Andrew N. Meltzoff and Patricia K. Kuhl. The Scientist in the Crib: What Early Learning Tells us about the Mind. New York: William Morrow & Co.,
Hage, Jerald (ed.). Formal Theory in Sociology: Opportunity or Pitfall?. SUNY Series, the New Inequalities. Albany, NY: State University of New York Press, 1994. Hedström, Peter and Richard Swedberg (eds.). Social Mechanisms: An Analytical Approach to Social Theory. Studies in Rationality and Social Change. Cambridge; New York: Cambridge University Press, 1998. Hughes, Everett Cherrington. The Sociological Eye: Selected Papers. With a new introduction by David Riesman and Howard S. Becker. Social Science Classics Series. New Brunswick: Transaction Books, 1984. Kant’s Political Writings. Edited with an introd. and notes by Hans Reiss; Translated by H. B. Nisbet. Cambridge Studies in the History and Theory of Politics. Cambridge, Eng.: Cambridge University Press, 1970. Lave, Charles A. and James G. March. An Introduction to Models in the Social Sciences. Lanham, Md.: University Press of America, 1975; 1993. Mills, C. Wright (ed.). Images of Man: The Classic Tradition in Sociological Thinking. New York: G. Braziller, 1960. ______. The Sociological Imagination. New York: Oxford University Press, 1959. Nersessian, Nancy. Creating Scientific Concepts. Cambridge, Mass.: MIT Press, 2008. Peirce, Charles S. Pragmatism as a Principle and Method of Right Thinking: The 1903 Harvard Lectures on Pragmatism. Edited and introduced, with a commentary by Patricia Ann Turrisi. Albany: State University of New York Press, 1997. Reisberg, Daniel (ed.). Encyclopedia of Cognitive Science. London: Nature Publishing Company, 2003. Sartre, Jean - Paul. The Imaginary: A Phenomenological Psychology of the Imagination. Revisions and historical introduction by Arlette Elkaï m - Sartre; Translated and philosophical introduction by Jonathan Webber. London; New York: Routledge, 2004.
Shils, Edward and Steven Grosby (eds.). A Fragment of a Sociological Autobiography: The History of my Pursuit of a Few Ideas. New Brunswick, NJ: Transaction Publishers,
Stinchcombe, Arthur L. Constructing Social Theories. New York: Harcourt, Brace and World, 1968. ______. Theoretical Methods in Social History. Studies in Social Discontinuity. New York: Academic Press, 1978. Swedberg, Richard. The Art of Social Theory. Princeton: Princeton University Press,
______ (ed.). Theorizing in Social Science: The Context of Discovery. Stanford, California: Stanford Social Sciences, 2014. Whewell, William. History of the Inductive Sciences: From the Earliest to the Present Time. Vol. 2. New ed. London: J. W. Parker, 1847. Wittgenstein, Ludwig. Culture and Value. Edited by G. H. von Wright, in collaboration with Heikki Nyman; Translated by Peter Winch. Chicago: University of Chicago Press,
______. Philosophical Investigations. Translated by G. E. M. Anscombe. New York: Macmillan, 1953.
Periodicals
Blumer, Herbert. «What Is Wrong with Social Theory?.» American Sociological Review. Vol. 19, no. 1 (February 1954), pp. 3 - 10. Gert, Heather J. «Wittgenstein on Description.» Philosophical Studies. Vol. 88, no. 3 (December 1997), pp. 221 - 243. Markovsky, Barry N. «Graduate Training in Sociological Theory and Theory Construction.» Sociological Perspectives. Vol. 51, no. 2 (Summer 2008), pp. 423 - 445. Peirce, Charles S. «Guessing.» Hound and Horn. Vol. 2, no. 3 (Spring 1929), pp. 267 -
______. «Prolegomena to an Apology for Pragmaticism.» Monist. Vol. 16, no. 4 (1906), pp. 492 - 546. Swedberg, Richard. «On Charles S. Peirce’s Lecture «How to Theorize» (1903).» Sociologica. No. 2 (May - August 2012), pp. 1 - 27.
.______Theorizing in Sociology and Social Science: Turning to the Context of « Discovery.» Theory and Society. Vol. 41, no. 1 (2012), pp. 1 - 40. Willer, David. «The Prominence of Formal Theory in Sociology.» Sociological Forum. Vol. 11, no. 2 (June 1996), pp. 319 - 331. Zhao, Shanyang. «The Beginning of the End or the End of the Beginning?: The Theory Construction Movement Revisited.» Sociological Forum. Vol. 11, no. 2 (June 1996), pp. 305 - 318.
Document
Swedberg, Richard. «Visualizing Theory?: On Theory Pictures and Theorizing Diagrams in Sociology.» Unpublished Paper, 2015.