Return to Article Details Young Arab Women and the Promised Paradise: An Effort at Understanding Female Migration

الفتاة العربية والهجرة إلى الجنات الموعودة: محاولة في الفهم

Young Arab Women and the Promised Paradise: An Effort at Understanding Female Migration

ﻋﺎﺋﺸﺔ اﻟﺘﺎﻳﺐ | Aicha Teyeb *

الملخّص

يمثل هذا البحث محاولة تتناول بالدرس بعض جوانب العلاقة المأزومة بين ظاهرة هجرة الفتاة العربية غير المشروعة والتنمية في البلدان العربية. واجتهد التحليل في تصنيف الهجرة النسائية من البلدان العربية، محاولًا تبين خصائص كل صنفٍ وملامحه العامة كما ترتسم من خلال ما يتم تداوله في الساحة العربية والدولية من مؤشرات وأرقام وحوادث وأدبيات. واستبعد التحليل التفسيرات الأحادية لظاهرة الهجرة النسائية غير المشروعة، والقراءة التي تحصر أسبابها في بعد واحد دون غيره من الأبعاد الأخرى. وتم ترجيح تفسيرها بفرضية مصفوفة العوامل المختلفة والمتعددة المتشابك بعضها ببعض. وانتهى التحليل إلى التأكيد على أن الأجوبة عن أسئلة الهجرة العربية غير المشروعة، ولا سيما النسائية منها سيبقى مرتهنًا وإلى حد بعيد بالجواب عن أسئلة التنمية بألوانها المختلفة، وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية الشاملة.

Abstract

Abstract: Women’s migration from Arab countries is categorized in this study according to general characteristics and features depicted in prevalent indicators, statistics, events, and literature from both the Arab world and the international arena. In doing so, this research attempts to shed light on some aspects of the tortuous relationship between the phenomenon of irregular migration by Arab young women and development in Arab countries. One-sided analysis and explanations for the phenomenon of irregular migration undertaken by Arab young women, and interpretations of its causes that are limited to a single dimension, are excluded. The most likely interpretation of the phenomenon depends on a matrix of different and interrelated factors. The analysis concludes that the answers to questions around Arab illegal migration, by women in particular, depend to a great extent on various forms of development and their comprehensive economic, social, political, and cultural dimensions.

الكلمات المفتاحية:
  • الهجرة غير المشروعة
  • الهجرة النسائية
  • التنمية المعتلّة
  • مناطق النزاع وبؤر التوتر
  • التنظيمات المتطرفة
Keywords:
  • Irregular Migration
  • Women’s Migration
  • Unbalanced Development
  • Conflict
  • Extremist Groups

Arab Young Women Migration to the Promised Paradises: An Attempt to Understand

ملخص: يمثل هذا البحث محاولة تتناول بالدرس بعض جوانب العلاقة المأزومة بين ظاهرة هجرة الفتاة العربية غير المشروعة والتنمية في البلدان العربية. واجتهد التحليل في تصنيف

الهجرة النسائية من البلدان العربية، محاولً تبين خصائص كل صنفٍ وملامحه العامة كما ترتسم من خلال ما يتم تداوله في الساحة العربية والدولية من مؤشرات وأرقام وحوادث وأدبيات. واستبعد التحليل التفسيرات الأحادية لظاهرة الهجرة النسائية غير المشروعة، والقراءة التي تحصر أسبابها في بعد واحد دون غيره من الأبعاد الأخرى. وتم ترجيح تفسيرها بفرضية مصفوفة العوامل المختلفة والمتعددة المتشابك بعضها ببعض. وانتهى التحليل إلى التأكيد على أن الأجوبة عن أسئلة الهجرة العربية غير المشروعة، ول سيما النسائية منها سيبقى مرتهنًا وإلى حد بعيد بالجواب

عن أسئلة التنمية بألوانها المختلفة، وأبعادها القتصادية والجتماعية والسياسية والثقافية الشاملة.

Abstract: Women’s migration from Arab countries is categorized in this study according to general characteristics and features depicted in prevalent indicators, statistics, events, and literature from both the Arab world and the international arena. In doing so, this research attempts to shed light on some aspects of the tortuous relationship between the phenomenon of irregular migration by Arab young women and development in Arab countries. One-sided analysis and explanations for the phenomenon of irregular migration undertaken by Arab young women, and interpretations of its causes that are limited to a single dimension, are excluded. The most likely interpretation of the phenomenon depends on a matrix of different and interrelated factors. The analysis concludes that the answers to questions around Arab illegal migration, by women in particular, depend to a great extent on various forms of development and their comprehensive economic, social, political, and cultural dimensions.

Professor of Development Sociology, Al-Manar University, Tunisia.

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

تبرز المرأة العربية بأعمار شابة كمتغير بدا أكثر بروزًا من ذي قبل في مختلف أصناف الهجرة من مشرق البلدان العربية ومغربها، لكن تبقى ظاهرة هجرة النساء، على الرغم من ذلك، رقمًا شبه غائب عن مساحات البحث والدرس. وتكاد المكتبة العربية تخلو من دراسات معمّقمة تستهدف التناول العلمي للظاهرة. يمثل هذا البحث اجتهادًا في سد بعض جوانب ذلك الفراغ، ودعوة ضمنية للفت النتباه إلى ما أضحت تحتلّه الهجرة النسائية العربية بمختلف صيغها - الطوعية والقسرية والفردية والمرافقة - من مكانة متعاضمة في المعيش اليومي لعدد من النساء، ول سيما في مقتبل العمر من ناحية؛ وإلى ما أضحت تطرحه من أسئلة محرجة عن المكانة المرتبكة للنساء ومواقعهن الهامشية في المشهد التنموي لقتصادات عدد من الدول العربية، من ناحية ثانية. تسعى إشكالية هذا البحث المحورية إلى التساؤل عن العلاقة بين هجرة الفتيات العربيات غير المشروعة نحو أوروبا والدول الغربية بحثًا عن العمل وعن مستقبل أفضل، وهجرة الفتيات من عدد من الدول العربية في المغرب والمشرق إلى مناطق النزاع والنخراط في ما أضحى يسمى «هجرة الجهاد»، بوصفهما أشكالَ حراكٍ جغرافي وسوسيولوجي تحركه دوافع وأسباب، وينخرط في ثنائية الجذب والطرد التي تناولتها سابقًا أدبيات علم اجتماع الهجرة والنظريات الكلاسكية المفسرة للظاهرة. كما يسعى البحث أيضًا إلى التساؤل عن المدى الذي يمكن معه اعتبار تلك الأصناف من الهجرة في بعض جوانبها إشهارًا للرفض في وجه قصور التنمية بأبعادها المختلفة القتصادية والجتماعية والسياسية والثقافية؟ ويتساءل عن الحجم وأهمية تلك الظواهر، وتتبّع بعض ما يروّج حولهما من أرقام

وإحصاءات. مع الهتمام الخاص بحضور الفتاة في مشهد الهجرة غير المشروعة والقسرية من سورية والمنبثقة بعد التطورات السياسية والأمنية الحاصلة في المنطقة. يعتبر التمشّي المعتمد في التحليل أن للهجرة، والنسائية منها بشكل خاص، وجهًا واحدًا، وإن تعددت الصيغ والمسميات والأصناف والأشكال، وأن الجواب عن أسئلة الهجرة يبقى مرتهنًا وإلى حد بعيد بالجواب عن أسئلة التنمية بألوانها المختلف، وأبعادها القتصادية والجتماعية والسياسية والثقافية الشاملة. يتناول هذا البحث ظاهرة الهجرة غير المشروعة للفتاة العربية، سواءً نحو أوروبا أم نحو بؤر التوتر

والنزاع والنضمام إلى الجماعات والتنظيمات المتطرفة، من زاوية نظرية تجتهد في مقاربة الظاهرة على اعتبارها متعددة الأسباب ومتنوعة العوامل. ويجتهد البحث في تفكيك عناصر الموضوع من اعتبارها «ظاهرة اجتماعية كلية». والظاهرة الجتماعية الكلية هي أداة عمل منهجية استنبطها عالم الجتماع والأنثروبولوجيا الفرنسي مارسيل موس (Mauss M.)، تقوم على مبدأ دراسة الظواهر الجتماعية على أنها كل متعدد الوجوه والأبعاد ومتشابك الوظائف يشترك في تنشيطه المجتمع بكامله. استُخدم مفهوم الهجرة غير المشروعة في هذا البحث للإشارة إلى تحرك الفتاة العربية نحو أوروبا

اﻟﻔﺘﺎة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ واﻟﻬﺠﺮة إﻟﻰ اﻟﺠﻨﺎت اﻟﻤﻮﻋﻮدة: ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻓﻲ اﻟﻔﻬﻢ

عبر ركوب ما أصبح يسمى «قوارب الموت»، أملا في بلوغ الضفة الأخرى من المتوسط التي يتمثّلها الشاب المهاجر أو المهاجرة بوصفها «جنة موعودة» ستتغير حياته أو حياتها فيها بمجرد بلوغها لينعما فيها بالعمل والسكن اللائق وسائر مقومات الحياة الكريمة المفتقدة في الموطن الذي خلّفاه وراءهما. في الوقت نفسه استعرنا مفهوم الهجرة غير المشروعة لتوصيف نوعٍ آخر من الحراك غير النظامي نحو «الجنات الموعودة الأخرى»، لنشير من خلاله إلى ظاهرة هجرة الفتيات العربيات إلى مناطق النزاع وبؤر التوتر للانضمام إلى التنظيمات المتطرفة واستخدام الهجرة غير المشروعة عبر البحر نحو ليبيا وتركيا لبلوغ سورية والعراق. في ظل صعوبة إنجاز دراسات ميدانية في شأن الموضوع المختار للدراسة، وعلى أهمية ما يمكن أن تستنطقه الدراسة الميدانية من حقائق حوله، وما يمكن أن تجلبه من إضاءات عن الظواهر المطروحة للدرس ومكنوناتها السوسيولوجية العميقة، سوف يكون المنهجالمُتاح استخدامه حاليًا بالضرورة

وصفيًا تحليليًا، يعتمد على محاولة فهم الظاهرة المدروسة من خلال الجتهاد في الوصف عبر ما

يتوافر عنها من حقائق ومعطيات متاحة في المساحات المختلفة ومن الجهات المعنية برصد تلك الظواهر. وتجتهد مقاربتنا لظاهرة هجرة الفتاة غير المشروعة التحري قدر الإمكان في المتوافر من إحصاءات وتدقيق مصادرها، أملا في بلوغ أعلى قدر ممكن من الصدقية فيها. لعله يتيسر لنا بذلك رسم صورة أكثر وضوحًا عنها من منطلق ذلك الشتات المتناثر من بيانات وأرقام وأخبار ومعلومات

وحوادث ومشاهد غرق وإنقاذ ودم وعنف. وتسعى المنهجية المتبعة إلى محاولة تأصيل الممارسات الهجرية المدروسة في سياقاتها السوسيوتاريخية المحددة والمضبوطة بين نقاط الدفع والجذب.

ﻫﺠﺮة اﻟﻔﺘﺎة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻏﻴﺮ اﻟﻤﺸﺮوﻋﺔ ﻧﺤﻮ أوروﺑﺎ

ﺗﺎرﻳﺨﻴﺔ ﻇﺎﻫﺮة اﻟﻬﺠﺮة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻏﻴﺮ اﻟﻤﺸﺮوﻋﺔ ﻧﺤﻮ أوروﺑﺎ

برزت ظاهرة الهجرة غير المشروعة في سياق تغيرت ضمنه السياسات الأوروبية ومواقفها تجاه استقبال الوافدين إليها وقرارها الجماعي بغلق أبواب الهجرة النظامية في وجه العمالة غير الماهرة. وعلى الرغم من الإجراءات الأمنية المشددة على حدود البحر الأبيض المتوسط، فإن محاولت اجتياز الحدود الأوروبية خلسة ونسقها لم تتوقف. وتشهد على ذلك القصص المتواترة للمغامرين من الشبان المصرين على بلوغ سواحل أوروبا بشتى السبل، وتبقى أشهرها محاولة اجتياز الحدود البحرية الأوروبية عبر قوارب غير مهيأة للعبور تُستغل لحمل ما يفوق طاقتها من هؤلء الحالمين ببلوغ الضفة الأخرى للمتوسط. يبقى تزايد عدد المعتقلين منهم في عمق السواحل وعلى تخوم الحدود الإقليمية للدول المقصودة، وارتفاع عدد الذين يلقون حتفهم ضمن الحوادث شبه اليومية لغرق قوارب المهاجرين غير الشرعيين، أو عدد هؤلء الذين تُسوّى أوضاعهم القانونية بعد فترة إقامة غير قانونية في دول أوروبا، مؤشرات دالّة

على ارتفاع نسق تلك الهجرة على الرغم من غياب الإحصاءات الدقيقة الموثقة لها.

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

انبثقت الهجرة غير المشروعة لتبرز باعتبارها ظاهرة مجتمعية تتفاقم حدّتها من يوم إلى آخر، انخرطت فيها طوابير من الشبان والشابات الحالمين والحالمات عبثًا بغد أفضل. واستفحلت تلك الظاهرة كنتيجة حتمية لإصرار مختلف مواطن الستقبال السالفة للعمالة المهاجرة في أوروبا على اعتماد «الهجرة النتقائية» المُرحّبة بالمهاجرين المهَرة والمتصدية بشدة في الوقت ذاته لمتواضعي ومعدومي المهارة.

ﻫﺠﺮة اﻟﺸﺒﺎب اﻟﻌﺮب ﻏﻴﺮ اﻟﻤﺸﺮوﻋﺔ ﻧﺤﻮ أوروﺑﺎ

ل بد من التأكيد بداية على تنامي تيارات الهجرة غير المشروعة نحو أوروبا، وذلك إما بدخولها من دون استخدام الجوازات، أو عبور الحدود بشكل قانوني واختيار الستمرار في البقاء بعد انتهاء المدة المصرّح بها في التأشيرة الممنوحة. ويقدر على سبيل المثال عدد المغاربة المهاجرين بتلك الطريقة

بين 250.000 و 300.000 مهاجر، ما يعادل نسبة 10 - 15 في المئة من المهاجرين غير الشرعيين في العالم بحسب منظمة العمل الدولية. ويرصد سنويًا منذ عام 2009 نحو 20 ألف مواطن مغربي مقيم بطريقة غير نظامية في البلدان الأوروبية. ويتركز هذا النوع من المهاجرين أساسًا في إيطاليا وإسبانيا،

حيث سوّيت أوضاع نحو 134.393 مهاجرًا في المرحلة الأولى بين عامي 1986 و 1998، وفي المرحلة

الثانية وضعية 134.179 مهاجرًا بين عامي 1991 و 2000. يجب التصريح بعجز الباحث عن إيجاد رقم جملي يُوثق كثافة حركة الهجرة العربية غير المشروعة أو يُخبر عن تفصيلات القائمين بها ونوع مُمارسيها. لكنه يعثر في المقابل على كم من المقالت الصحافية الإخبارية المُوثقة بشكل حيني للحوادث والمحاولت وحالت الغرق والحوادث الحاصلة

في الصحافة المكتوبة أو الإلكترونية. ول بد من تأكيد واقع تناثر الإحصاءات الراصدة ظاهرة هجرة الشباب العرب غير المشروعة نحو أوروبا، بشكل يُظهر البون الشاسع بين نسق تسارع مجريات الظاهرة

وتطور حيثياتها وتراجع الإحصاءات والأرقام المشخصة لها. وهي حالة قصور كبيرة تتسبب في خللٍ أكبر في محاولت فهم الظاهرة ومسارات تفكيكها العلمي، ولعل أسئلة محيرة تُطرح عن الجهة التي يمكن أن تُنسب إليها مسؤولية ذلك الإخلال. وربما تفتح حالة الفراغ الرقمي والصمت العربي على مختلف الصعد الرسمية والبحثية - إقليميًا ووطنيًا - حول ظاهرة اجتماعية مؤلمة مثل هجرة الشباب غير

المشروعة على قراءات مختلفة يمكن أن تذهب بعيدًا بمحاولت الإجابة عن الأسباب والمستفيدين من استمرار نزيف الأرواح والطاقات الشبابية العربية المهدورة في أمواج المتوسط. يُشار إلى أن بعض الأرقام بيّن أن عدد الذين لقوا حتفهم في البحر الأبيض المتوسط من العابرين

الأفارقة خلال الفترة بين عامي 1989 و 2002 قدّر بنحو 8000 و 10000 ضحية، لكن يبقى تحديد عدد

1)) الأمم المتحدة، الإسكوا والمنظمة الدولية للهجرة، تقرير الهجرة الدولية لعام 2015: الهجرة والنزوح والتنمية في منطقة عربية

متغيرة ([د. م.]: الأمم المتحدة؛ المنظمة الدولية للهجرة، 2015)، ص.20

(2) Mohamed Khachani, Les Marocains d'ailleurs: La Question migratoire à l'épreuve du partenariat euro-marocain (Rabat: Association marocaine d'études et de recherches sur les migrations, 2004).

3)) جامعة الدول العربية، إدارة السياسات السكانية والهجرة، القطاع الجتماعي، التقرير الإقليمي لهجرة العمل العربية (القاهرة: القطاع الجتماعي، 2006)، ص.5

اﻟﻔﺘﺎة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ واﻟﻬﺠﺮة إﻟﻰ اﻟﺠﻨﺎت اﻟﻤﻮﻋﻮدة: ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻓﻲ اﻟﻔﻬﻢ

أو نصيب الشباب العرب بالضبط من ذلك الرقم أو من غيره غير واضح في معظم الحالت. ويعود ذلك في الأساس من جهة أولى إلى أن دول جنوب المتوسط، خصوصًا دول المغرب العربي ومصر أصبحت منذ مطلع الألفية مجالت لعبور الهجرة غير النظامية الآتية من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، وقدّر بعض الجهات عددهم سنويًا بين 65.000 و 80.000 مهاجر. ونظرًا من جهة ثانية، إلى طمس

الهويات الشخصية للمهاجرين غير الشرعيين الهالكين، كونهم غالبًا يركبون البحر من دون أوراق

ثبوتية شخصية، كمؤشر لحرق كل ما يربطهم بهوياتهم الأصلية التي هاجروا من أجل هجرها وطمسها، عبر النطلاق في رحلة بحث عن «هويات بديلة» يعتقدون أنها الأجدى بهم. وحتى ل تسهل عملية ترحليهم إلى بلدانهم الأصلية في حالة التعرف إلى أصولهم عند القبض عليهم. وهذا ربما ما يؤكد إتيمولوجيًا تسمية «الحرقة أو الحرقان أو الحريك»، كإشارة رائجة مجتمعيًا تحيل إلى المعنى الذي

يمنحه الفاعل الجتماعي - المقدّم على تلك المغامرة - لممارسته تلك. جدير بالملاحظة أن المنعطفات الراهنة لظاهرة الهجرة غير المشروعة في المنطقة العربية تؤكد تحول مصر ودول المغرب العربي في السنوات الأخيرة إلى نقطة انطلاق لعدد متزايد من الذين يدفعون مبالغ طائلة من أجل المجازفة بمحاولة الوصول إلى أوروبا. وأصبحت رحلات القوراب المنطلقة من مصر تشكل نسبة 10 في المئة من الواصلين إلى أوروبا بطريقة غير قانونية، بحسب المفوضية العليا للاجئين التابعة إلى الأمم المتحدة. يتصل السؤال الملحّ في هذا السياق بالمدى الذي تبرز فيها الفتاة العربية في هذا المشهد، وبمستويات

رصد المُتداول من أرقام لحجم مساهمتها في تيارات الهجرة غير المشروعة نحو أوروبا.

اﻟﻔﺘﺎة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻓﻲ ﻣﺸﻬﺪ اﻟﻬﺠﺮة ﻏﻴﺮ اﻟﻤﺸﺮوﻋﺔ: أي ﺣﻀﻮر؟

بدأت تيارت الهجرة النسائية من دول شمال أفريقيا تبرز بنسق لفت أكثر من ذي قبل بعد العقبات الجتماعية والقتصادية التي نتجت من تبني دول المنطقة سياسات التكيف الهيكلي التي فُرضت عليهم من البنك الدولي. وشملت الظاهرة في بداياتها منطقة المغرب العربي، وتُعمّم اليوم على عدد

من الدول العربية المشرقية. وأصبحت الظاهرة بارزة ابتداء من ثمانينيات القرن، حيث شرع عدد من النساء في تدشين مسارات الهجرة إلى الغرب بحثًا عن فرص أرحب للعمل وكسب الرزق. ويمكن بشكل عام القول إن تيارات الهجرة النسائية من دول المغرب العربي تحديدًا، شملت ثلاث دفعات رئيسة: - دفعة أولى: خصت عقد الستينيات وسجلت حضور المرأة بأشكال محتشمة في إطار السياسات الغربية المعتمدة للم شمل أسرة المهاجر والسماح بالتحاق أسرته به. - دفعة ثانية: عرفتها فترة السبعينيات، حين تزايد عدد الملتحقات بمسارات التجميع الأسري من

4)) المرجع نفسه، ص.6 5)) الجزيرة نت،.2016/9/21

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

زوجات وبنات المهاجرين، ما أدى إلى تغير هيكلي في البنية الديموغرافية للجوالي المغاربية المقيمة في المهجر. - دفعة ثالثة: ارتفع فيها نسق الهجرة النسائية المنفردة خارج أطر الروابط الأسرية، حيث تضاعف على سبيل المثال في إيطاليا عدد المغاربيات ثلاث مرات ونصف بين عامي 1992 و 1999، فارتفع عددهن من 12.453 إلى 44.378 مهاجرة. إل أن التساع الذي تحققه الهجرة النسائية في أيامنا الحالية نحو أشكال مستجدة وأصناف متباينة، يؤكد أن ظاهرة الهجرة النسائية، خصوصًا امتداداتها ومنعطفاتها الحالية نحو الهجرة غير المشروعة ل تزال منقوصة بحثًا ودراسة، ول تزال أغوارها في أمسّ الحاجة إلى السبر والستكشاف. لكن ذكورية الأرقام الراصدة حركة هجرة الشباب العرب غير المشروعة اليوم، ل يمكن لها أن تنفي بأي شكل من الأشكال الحضور الفعلي للفتيات العربيات في مضمون هذه الظاهرة وفي صلب حركتها وتموّجاتها. ومن المهم التأكيد على أن غياب الإحصاءات والأرقام الراصدة الحضور النسائي العربي ضمن حركة الهجرة غير المشروعة نحو الدول الأوروبية، ل يمكن أن يطمس ذلك الحضور أو يحجبه بأي صورة من الصور، حيث أصبح الحديث عن هجرة العربيات غير المشروعة نحو أوروبا اليوم متواترًا لأسباب مختلفة ومتعددة وتحت عناوين متباينة. إن يظل تناول ظاهرة الهجرة النسائية غير المشروعة نحو أوروبا محصورًا في العالم العربي في عدد من المقالت الصحافية أو بعض المبادرات الرسمية الضنينة حول الظاهرة أو بعض الملتقيات (خصوصًا في دول المغرب العربي)، فإن التناول العلمي الجدي لهذه الظاهرة يسجل حضوره بقوة وبأكثر وضوح في عدد من المبادرات البحثية المنبثقة من مراكز بحث أوروبية. ويجوز ذلك القول على الرغم من التأكيد على أن الهتمام الأوروبي بهجرة النساء العربيات ومن منطقة شمال أفريقيا، يبقى منصهرًا

ضمن اهتمام أكبر بهجرة النساء عمومًا من الدول الأفريقية المختلفة ودول جنوب المتوسط. إن هجرة النساء العربيات للعمل ليست بحجم هجرة الرجال، لكنها تبقى كذلك ظاهرة ل يُستهان بها، هذا ما أشار إليه التقرير الصادر عن الإسكوا في عام 2015، وبيّن أن نسبة الإناث بلغت 42.7 في المئة

من مجموع المهاجرين من المنطقة العربية لعام 2013، مع التأكيد على فوارق بسيطة بين مجموعة وأخرى من البلدان. وبيّن أن هجرة الإناث تراوحت بين حد أقصى من بلدان المغرب العربي (44.9 في

المئة) وحد أدنى من بلدان مجلس التعاون الخليجي 40 في المئة بفارق ضئيل بين المجموعتين. وأبرز التقرير أن البحرين تشهد أدنى نسبة لهجرة الإناث 32.3 في المئة، يليها اليمن 33.4 في المئة، ومصر 33.7 في المئة. وتسجل فلسطين أعلى نسبة لهجرة الإناث 1.775.348 مهاجرة، يليها المغرب بنحو 1.291.184 مهاجرة، ومصر بما يعادل 1.168.655 مهاجرة.

6)) جامعة الدول العربية، إدارة السياسات السكانية والهجرة، القطاع الجتماعي، ص.33 7)) الأمم المتحدة، الإسكوا والمنظمة الدولية للهجرة، ص.76 8)) المرجع نفسه، ص.75

اﻟﻔﺘﺎة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ واﻟﻬﺠﺮة إﻟﻰ اﻟﺠﻨﺎت اﻟﻤﻮﻋﻮدة: ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻓﻲ اﻟﻔﻬﻢ

لكن هذا التقرير لم يُفصل القول في مضمون هذه الأرقام الشمولية، ول يتبيّن الدارس إن كان هذا العدد يخص الهجرة النسائية النظامية، أم يشمل عدد المهاجرات بطرائق غير نظامية ومقيمات في دول الستقبال. ولم يُشر التقرير إلى أعمار المهاجرات وأوضاعهن العائلية أو ممارساتهن القتصادية في دول الستقبال الغربية. لكنه قدّم إلينا في الوقت نفسه مثالً عن بعض الدول العربية التي تتوافر فيها إحصاءات مفصّلة عن الهجرة بحسب الجنسية، وهي الكويت. وبيّنت الأرقام في حالة الكويت أن عدد النساء العربيات المسجلات في سوق العمل بلغ في عام 2012 نحو 42.606 امرأة، أي 9.6 في المئة من مجموع العمال المهاجرين العرب. ويمثلن 18.8 في المئة من مجموع العاملات المهاجرات إلى الكويت. حازت نسبة المهاجرات العربيات - بحسب التقرير - حصة 31.5 في المئة من المهاجرات إلى البلدان الأعضاء في منظمة دول التعاون والتنمية القتصادية، وبلغ عددهن 3 ملايين تقريبًا في عام 2006. ومثّل لم شمل الأسرة - بحسب التقرير - أكبر حوافز هجرة النساء من البلدان العربية. بناء على ما تقدم، تتأكد من جديد وكما سبقت الإشارة حالة القصور الكبير والفراغات البارزة في مشهد الإحصاءات المتوافرة عن ظاهرة الهجرة بشكل عام وظاهرة هجرة الفتاة غير المشروعة من المنطقة العربية أينما كانت وجهتها. وينبغي لذلك القصور أل يُثني - برأينا - جهد بحث وتدارس قضايا الهجرة النسائية العربية بكل عناوينها، بما فيها هجرة الفتيات العربيات غير المشروعة نحو أوروبا؛ بقدر ما يجب أن يشكل حافزًا للمضيّ قدُمًا في المناشدة البحثية بتوفير الإحصاءات والنتباه إلى أهمية رصد الظاهرة وعمل الجهات المختصة على مزيد من الهتمام بها.

ﻣﺮﻓﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﻫﺠﺮة اﻟﻔﺘﺎة ﻏﻴﺮ اﻟﻤﺸﺮوﻋﺔ: ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻓﻲ اﻟﺘﺼﻨﻴﻒ

اجتهادًا في محاولة تصنيف أشكال الممارسة الهجرية غير المشروعة لدى الفتيات من المنطقة العربية يمكن رصد ثلاثة أصناف من هذه الظاهرة ذات علاقة بتوزعها الجغرافي والجتماعي:

- الصنف الأول: هجرة الفتاة غير المشروعة من دول المغرب العربي

تنخرط المرأة من المغرب العربي اليوم ولو بأشكال أقل من الرجل في حركة الهجرة غير المشروعة باتجاه أوروبا، مدفوعات بالأسباب نفسها وحالمات بالفردوس الموعود نفسه. تحتل الهجرة المغاربية في عمومها اليوم نحو الدول الأوروبية النصيب الأكبر من عدد المهاجرين العرب وغير العرب في تلك الدول، وتشغل النساء في ذلك حيّزًا مهمًا، وبيّن بعض الإحصاءات المتوافرة عن عدد المولودين في الخارج من بين سكان الدول الأعضاء في منظمة التعاون القتصادي والتنمية في عام 2000 أن 4.5 ملايين من سكان هذه البلدان تتوزع أماكن ولدتهم على بلدان المنطقة

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

العربية. وتحتل المرأة الجزائرية نسبة 40 في المئة من العدد الإجمالي للمهاجرين الجزائريين. وورد في تقرير جامعة الدول العربية عن الهجرة المغاربية إلى أوروبا خلال مطلع عام 2005، أن عدد الجزائريين المقيمين في إسبانيا بصفة شرعية يقدر ب 17 ألف شخص وفقًا للإحصاءات الرسمية، فيما تضم فرنسا وحدها نحو 90 في المئة من المهاجرين الجزائريين إلى الخارج، بينهم نحو 20 ألف شخص ل يملكون الوثائق الرسمية. وأحصت المديرية العامة للأمن الوطني الجزائري خلال الخمسة أعوام الأخيرة نحو 8839 مهاجرًا غير شرعي. الحقيقة التي تحتاج إلى الإبراز هي وجود المرأة المغاربية في أغلب محاولت العبور السري نحو أوروبا. وأصبحت «قوارب الموت» تسجل حضورًا نسائيًا منفردًا أو صحبة الأطفال. ويُشار إلى أن

مراكب الهجرة غير المشروعة شهدت الحضور النسائي في البداية من خلال النساء الآتيات من دول جنوب أفريقيا واللاتي يتّخذن من دول المغرب محطة عبور موقتة في مسار هجرتهن. في هذا السياق يجب أن ننزل محاولت فهم الهجرة غير المشروعة في دول المغرب العربي أذكورية كانت أم أنثوية، التي انطلقت في بداياتها كما تقدّم مع شباب دول أفريقيا الوسطى والغربية الذين وجدوا في المنطقة منافذ بحرية موازية للعبور نحو أوروبا بعدما سُدّت في وجوههم المنافذ النظامية. أنتج تسارع نسق الطلب الجتماعي على الهجرة غير المشروعة في دول المغرب ارتفاعًا في نسق الستجابة غير المشروعة لذلك الطلب عبر انبثاق شبكات تسفير سرّية تنشط محليًا وإقليميًا ودوليًا،

أضحت تتركز في المنطقة وتنخرط بقوة في مسارات الجريمة المنظمة والتجار بالبشر. وتصنع لها

هياكل ووسطاء ووكلاء في سائر المناطق والمدن الساحلية المتاخمة للبحر، وأسست لها محطات «وموانئ موازية» للتسفير، تنطلق منها القوافل والرحلات، و«مراكز تجميع» يُهيّأ فيها الحالمون

والحالمات ببلوغ الجنّات الموعودة والحاملون والحاملات أرواحهم على أكُفهم. إن الهجرة غير المشروعة، ول سيما بوجهها الأنثوي تبقى بلا شك تجسيدًا مختلفًا ومغايرًا لصنوف

الحراك البشري المعهودة، على الرغم من أنها تبقى دائرة في فلك تلك الثنائية المعهودة المتصلة بجدلية الطرد والجذب. ولعل دخول المرأة والفتاة والأطفال القُصّر، كما سوف نرى في حالة مصر والمغرب الأقصى، إلى مسار رحلات المغامرة بالحياة في مقابل العيش الكريم، تجعل منها فعلا اجتماعيًا مغايرًا. لأن الرحلة الشاقة والمغامرة غير المأمونة عبر أمواج البحر كانت - إلى وقت قريب -

تستبعد حضور المرأة والفتاة وانخراطهن في تلك الظاهرة. وتبدو الهجرة غير المشروعة كونية النتشار، حيث انطلق الحديث في الساحات الفكرية العالمية عن تأنيث متنام لأدفاقها وتياراتها.

(9) European Commission, Directorate-General for Economic and Financial Affairs, Labour Markets Performance and Migration Flows in Arab Mediterranean Countries: Determinants and Effects , Volume 2: National Background Papers Maghreb (Morocco, Algeria, Tunisia) , Occasional Papers; no. 60 (Luxembourg: Office for Official Publications of the European Communities, 2010). (10) Natalia Ribas-Mateos et Véronique Manry (eds.), Mobilités au féminin: La Place des femmes dans le nouvel état du monde , hommes et sociétés (Saint-Denis: Institut Maghreb-Europe; Paris: Éd. Karthala, 2014), p. 145.

اﻟﻔﺘﺎة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ واﻟﻬﺠﺮة إﻟﻰ اﻟﺠﻨﺎت اﻟﻤﻮﻋﻮدة: ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻓﻲ اﻟﻔﻬﻢ

ربما يجوز الحديث عن تأنيث الهجرة غير المشروعة عربيًا ولو بقدر من التنسيب، وهذا ما أضحت تُفصح عنه صور النساء ضمن حالت الغرق والمنكوبين والناجين والمقبوض عليهم من المهاجرين غير الشرعيين. وما تبرزه كذلك الشهادات الحية للناجين. لكن ل رقم شهريًا أو سنويًا يرصد عربيًا عدد حالت المهاجرات بمعزل عن الأرقام الجملية للمهاجرين غير الشرعيين. ويبقى غياب المعطى الإحصائي السائد عند محاولة ضبط الملامح التقديرية لعدد الحضور الفعلي للفتاة والمرأة العربية في مشهد الهجرة غير المشروعة نحو أوروبا. ويؤكد بعض الأرقام الجزئية المتداولة على شبكة الإنترنت في حالة تونس على سبيل المثال، أن في شهر واحد (شباط/فبراير 2011) وصلت عشرون امرأة ومئتا قاصر إلى السواحل الإيطالية. وفي حزيران/يونيو 2011 نقل مركب للمهاجرين غير الشرعيين نحو تسعة عشر تونسيًا إلى جزيرة لمبادوزا الإيطالية، ستة منهم نساء. وفي آب/أغسطس 2012 ألقي القبض على أربع نساء كن على مركب متوجه إلى السواحل الإيطالية. وأما القصة التي علقت في أذهان كثير من التونسيين فهي قصة إمرأة حامل هاجرت إلى إيطاليا خلال عام 2015 على متن أحد مراكب الموت وكادت تؤدي المغامرة بحياتها وحياة جنينها قبل أن تصل إلى إيطاليا. وأفاد تقرير صادر عن وزارة العمل والشؤون الجتماعية الإيطالية لعام 2012 أن عدد التونسيين في إيطاليا يبلغ 76181 تونسيًا و 40470 تونسية. وتبلغ نسبة المهاجرات بطرائق غير شرعية من جملة المهاجرين غير الشرعيين التونسيين أكثر من الثلث، وتتراوح أعمارهن بين 35 و 49 عامًا. أما المنظمة العالمية للهجرة فجاء في تقريرها لعام 2012 أن نسبة النساء من مجمل المهاجرين التونسيين بلغت 49.3 في المئة. ومن اللافت أنه على الرغم من أن تقديرات عدد من المؤسسات البحثية والجهات غير الحكومية تشير إلى تزايد عدد التونسيات اللاتي يهاجرن بطريقة غير شرعية، إل أن السلطات الحكومية ل تزال تُصرّ على محدودية العدد الذي لم يتجاوز - بحسب التصريحات الرسمية - 4 نساء من بين نحو 500 مهاجر تونسي غير شرعي بين عامي 2011 و 2012. نخلص إلى القول إن هذا الصنف الأول من الهجرة النسائية غير المشروعة ارتبط بكل من المغرب وتونس والجزائر. يفترض جدلً أن الفتيات في أعمار شابة هن الأكثر ممارسة لهذه الهجرة من غيرهن. ومثّل هذا الحراك النسائي غير المشروع امتدادًا طبيعيًا لحركة هجرة نظامية مبكرة من هذه المناطق، خصوصًا نحو فرنسا. وارتبط في الوقت ذاته بتطور حركة هجرة عبور عدد من الأفريقيات اللاتي كان لهن السبق في تدشين مسارات هذا التحرك غير المشروع من دول المغرب نحو أوروبا. وتبقى الإحصاءات الرسمية غائبة تمامًا عن المشهد في ظل تنامي غير مسبوق لهذه الحركة تؤكده الدلئل والشواهد وتكذّبه التصريحات الرسمية.

11)) بحسب ما ورد في تصريح رسمي لرئيس المنتدى القتصادي والجتماعي، يُنظر: هدى المسعودي، ««الحارقات» في قوارب

الموت»، الصحافة اليوم،.2015/3/28 12)) المرجع نفسه.

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

- الصنف الثاني: هجرة الفتيات غير المشروعة من بعض دول المشرق

يمثل المشرق العربي التجمع السكاني الأكبر في المنطقة العربية، وتضم أقطاره السبعة مصر والعراق والأردن ولبنان وسورية وفلسطين واليمن، ما يقارب 178.6 مليون نسمة في عام 2013، ويُمثل بذلك نسبة 48.2 في المئة من مجموع سكان الوطن العربي. ويشهد المشرق بدوره ارتفاعًا بارزًا في إحصاءات الهجرة منه وإليه، حيث قُدّر عدد المهاجرين منه ب 4.2 ملايين نسمة بين عامي 2000 و 2013. على الرغم من تنوّع وجهة الهجرات المشرقية، تبرز المؤشرات الإحصائية توجّه أكثر عددها نحو دول الجوار ودول مجلس التعاون الخليجي، لكن التقارير تتحدث كذلك عن تعزيز مسارات التوجه نحو الدول الأوروبية في ظل انكماش أسواق العمل في الخليج ومنافسة اليد العاملة الآسيوية. وتبقى أغلبية أرقام الهجرة من دول المشرق جملية وعامة، ول يتبيّن من خلالها الدارس

حدود الهجرة النظامية من غيرها من أشكال الهجرة، ول توضح الأرقام حجم الهجرة النسائية ونسبتها من الأرقام العامة. يذكر أن الهجرة النسائية من دول المشرق سجّلت حضورها كمعطى اقتصادي واجتماعي برز على الساحة عقب ازدياد حجم الهجرة المشرقية ككل نتيجة تداعيات حرب الخليج في عام 1990، ونتيجة الأزمة القتصادية وحالة النكماش التي حلّت في عدد من دول المنطقة في إثر حوادث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، خصوصًا ضمن القتصادات القائمة على صناعة السياحة. وبرز الحضور النسائي كرقم ثابت ضمن تعدادات اللاجئين وطالبي اللجوء الفارين من مناطق النزاع في تلك الفترة. أما في وقتنا الحاضر، فتغادر المهاجرات إلى أوروبا بشكل رئيس من دول ذات مستوى معيشي منخفض أو دول فقيرة، أو من دول تشهد حروبًا أو تعاني أنظمة سياسية متسلّطة أو مجتمعات تسلّطية قمعية. لكن غياب نسب الإناث عن الإحصاءات المتداولة في ما يتصل بالهجرة من دول المشرق، وغياب التوزيع النوعي والعمري، ل ينفي بطبيعة الحال، كما أسلفنا، حضور المرأة، ول سيما في أعمار شابة ضمن مختلف تيارات تلك الهجرة بما فيها غير المشروعة. نجتهد في هذا المقام في إبراز بعض حيثيات ذلك الحضور من خلال اقتفاء أثر النزر القليل من المعطيات المتعلقة بالظاهرة التي تُسكب على ساحة الحوادث بين الحين والحين، تزامنًا مع حوادث حينية تتولى تسجيل حالت من الهجرة غير المشروعة في هذا القطر المشرقي أو ذاك، خصوصًا في الحالة المصرية التي سيركز التحليل عليها، بوصفها منطقة تصدير للمهاجرين غير الشرعيين ومنطقة عبور تنشط فيها حركات التسفير غير المشروع نحو أوروبا للمصريين ولعدد من شباب الجنسيات المشرقية الأخرى، مثل السودانيين والسوريين.

13)) جامعة الدول العربية، إدارة السياسات السكانية والمغتربين والهجرة، قطاع الشؤون الجتماعية، التقرير الإقليمي للهجرة

الدولية العربية الهجرة الدولية والتنمية، 2014 (القاهرة: القطاع الجتماعي، 2014)، ص.10 14)) يورميد للهجرة 2: الهجرة النسائية بين دول البحر المتوسط والاتحاد الأوروبي ([د. م.]: التحاد الأوروبي؛ يورميد، [د. ت.])، ص.33

اﻟﻔﺘﺎة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ واﻟﻬﺠﺮة إﻟﻰ اﻟﺠﻨﺎت اﻟﻤﻮﻋﻮدة: ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻓﻲ اﻟﻔﻬﻢ

ل ينفي تركيزنا ذلك على الحالة المصرية والسودانية والسورية انتشار حركة الهجرة غير المشروعة للشباب من الجنسين لدى الجنسيات المشرقية الأخرى، لكن عدم التوصل للكم الكافي من المؤشرات التي يمكن البناء عليها، حالت بيننا وبين التحليل الموثق في الوقت الراهن. ويكفي أن نعرض على سبيل المثال الرقم المُوَثّق للهجرة غير المشروعة للعراقيين إلى اليونان الذي تم تداوله،

والذي تحدث فيه رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في العراق عما ما يقارب 85.000 عراقي وصلوا إلى اليونان عن طريق البحر خلال النصف الثاني من عام 2015. ول شك في أن نسبة مهمة منهم من النساء. مع العلم أننا سوف نرجئ تناول ظاهرة الهجرة النسائية غير المشروعة من سورية لنفرد لها مبحثًا خاصًا

بها لحقًا، وذلك من منطلق اعتبارها نمطًا مختلفًا من أنماط الهجرة النسائية غير المشروعة بحكم نشوئه في سياقات مغايرة. وسنتناول ذلك بتفصيل أكثر في النمط الثالث من الهجرة النسائية غير المشروعة. تشهد ظاهرة الهجرة غير المشروعة من مصر نحو أوروبا على وجه التحديد تزايدًا غير مسبوق. أشار تقرير المنظمة الدولية للهجرة لعام 2016 أن بين كانون الثاني/يناير وأيار/مايو 2016، وصل نحو 1815 مهاجرًا مصريًا غير شرعي إلى السواحل الإيطالية. وأكد التقرير أن على مدى الأعوام الخمسة الماضية،

رصدت المنظمة الدولية للهجرة عبر مكاتبها فى الدول المستقبلة للمهاجرين اتجاهًا تصاعديًا فى عدد المصريين المهاجرين بطريقة غير شرعية إلى إيطاليا. وأشار التقرير أيضًا إلى أن عدد المهاجرين المصريين غير الشرعيين عقب 25 كانون الثاني/يناير 2011 بلغ 1989 مهاجرًا إلى إيطاليا فى العام

نفسه، وسجل هذا الرقم ارتفاعًا طفيفًا في الأعوام التي تلتها وبلغت ذروتها في عام 2014 ب 4095 مصريًا هاجروا بطريقة غير شرعية، ما جعل مصر تحتل المرتبة العاشرة من بين أعلى الدول المرسلة المهاجرين غير الشرعييين إلى إيطاليا. تتخذ الهجرة غير المشروعة من مصر وجهات أخرى غير إيطاليا، حيث وصل خلال عام 2015، ما يقارب من 1000 مهاجر مصري غير نظامي إلى اليونان. بينما كان هذا العدد ل يتعدى 238 حالة فقط في عام 2011. وبلغ العدد 307 مهاجرين في عام 2014، وتضاعف في عام 2015 ليصل إلى 974 مهاجرًا. وبدأت التقارير المصرية المحلية تشير إلى تزايد ظاهرة الهجرة غير المشروعة من مصر باتجاه

أوروبا وتنامي نشاط العصابات المؤمّنة لتلك الرحلات. وضبطت أجهزة الأمن المصري 630 قضية هجرة غير منظمة وصل عدد المتهمين فيها إلى نحو 1000 متهم في خلال عام 2007، وكُشف عن 50 تشكيلا عصابيًا يقوم بتهريب الشباب المصريين إلى الخارج في العام نفسه. أصبح الشباب المصري من الجنسين - بحسب ما تؤكده جهات عدة - أكثر عرضة للوقوع في

15)) سامي محمود وأسامة بدير، أوروبا والهجرة غير المنظمة في مصر: بين المسؤلية والواجب، سلسلة حقوق اقتصادية واجتماعية؛ 68 (القاهرة: مركز الأرض لحقوق الإنسان،.)2009 16)) المرجع نفسه.

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

شراك عصابات التهريب والجريمة المنظمة التي تعمل جاهدة على استقطاب أكبر عدد من هؤلء الحالمين بالغد الأفضل والراغبين في الخلاص من واقع عسر الحياة في الوطن في مقابل أي ثمن. ويلجأ هؤلءالشباب إلى سماسرة السوق ومكاتب السفريات غير القانونية ووسطاء الهجرة والفساد الإداري والجماعات الإجرامية المنظمة الذين يتقاضون مبالغ طائلة تختلف قيمتها من وقت إلى آخر، ومن وسيط إلى آخر، ومن وجهة وطريقة تسفير إلى أخرى. وتنتشر تلك المكاتب الوهمية على طول الحدود مع ليبيا وفي محافظات الصعيد، وتنشط في عدد من المدن المصرية بما فيها القاهرة. وفي دراسة أجراها المركز القومي للبحوث الجتماعية والجنائية المصري حدد عشر محافظات مصرية هي الأعلى تصديرًا للهجرة غير الشرعية: الشرقية، الدقهلية، القليوبية،

المنوفية، الغربية، البحيرة، وكفر الشيخ وذلك بالنسبة إلى الوجه البحري، فضلا عن الفيوم وأسيوط والأقصر في الوجه القبلي، ووفقًا للدراسة فإن أغلبية المهاجرين هي شباب بين عمر 18 و 35 عامًا. يبدو أن مصر، خصوصًا سواحلها الشمالية، تحوّلت إلى مرفأ لتصدير المهاجرين غير الشرعيين من

جنسيات مختلفة، وتحتل المرتبة الثانية بعد ليبيا كأشهر مراكز العبور غير المشروع نحو أوروبا. كما يبدو أنها أصبحت تمثل عجلة خلفية ومنطقة احتياط تعمل عصابات تهريب المهاجرين على الستنجاد بها في حالت تشديد الرقابة على عمليات وقوافل الهجرة غير الشرعية من الأراضي الليبية. واستنادًا إلى أرقام المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، فإن العدد الإجمالي للأفراد الذين أوقفوا لمحاولتهم عبور المتوسط من دون ختم خروج منذ بداية عام 2015 وصل في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه إلى 2.320 مهاجرًا. احتل السودانيون العدد الأكبر من بين اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين الذين

تم توقيفهم على الشاطئ الشمالي المصري بعدد بلغ 930، وتبعهم في المرتبة الثانية السوريون 507 مهاجرين، والصوماليون والإريتريون 475 و 178 مهاجرًا. ل تتحدث الإحصاءات المتداولة والمصرّح بها إقليميًا ومحليًا في منطقة المشرق العربي

بشكل صريح عن أرقام ثابتة لعدد المهاجرات بطريقة غير شرعية، على الرغم من الإشارة إلى وجودهن ضمن المقبوض عليهم، أو ضمن عدد الناجين من حوادث الغرق من العابرين سرًا

إلى أوروبا. لكن من المهم الإشارة إلى أن الحديث عن المهاجرات ضمن تيارات الهجرة غير الشرعية من مصر والمغرب الأقصى أيضًا، أصبح يقترن بظاهرة اجتماعية مستجدة ل تزال بدورها غائبة عن ساحة البحث العلمي، هي ظاهرة الهجرة غير المشروعة للأطفال القصّر باتجاه أوروبا. تتكثف في الآونة الأخيرة الإحصاءات الراصدة ظاهرة هجرة الأطفال القصّر غير المشروعة الذين أصبحوا بدورهم رقمًا ثابتًا في مشهد الهجرة غير المشروعة نحو أوروبا عبر البحر. وأفادت وزارة

17)) سلمى خطاب، «الذاهبون إلى الشمال... عودة موسم الهجرة غير الشرعية»، جريدة،.2016/5/14 الغد 18)) توم رولينز، «العبور الصعب من مصر إلى أوروبا»، موقع مدى مصر،.2015/10/29

اﻟﻔﺘﺎة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ واﻟﻬﺠﺮة إﻟﻰ اﻟﺠﻨﺎت اﻟﻤﻮﻋﻮدة: ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻓﻲ اﻟﻔﻬﻢ

العمل والسياسات الجتماعية الإيطالية بأن واحدًا من كل خمسة قُصّر في دور الرعاية الإيطالية مصري الجنسية؛ إذ بلغ عددهم 1312 قاصرًا من 6319 قاصرًا أجنبيًا؛ ما يمثل نسبة 22 في المئة

من العدد الكلي، حتى كانون الثاني/يناير 2014. وأبرزت أن أصغر المهاجرين طفل في السادسة من عمره وُجد بمفرده على أحد المراكب، مع التأكيد على وجود فتاة وحيدة. ووفقًا لوزارة الداخلية الإيطالية، فإن في خلال الشهور الخمسة الأوائل من عام 2016، وصل ما ل يقل عن 1150 مراهقًا مصريًا غير مصحوبين بذويهم إلى إيطاليا، مقارنة ب 94 مراهقًا فقط في الفترة نفسها من عام 2015. وتشير الإحصاءات إلى هجرة تسعة آلف طفل مصري سنويًا إلى إيطاليا بطريقة غير شرعية. انطلقت ظاهرة هجرة الأطفال القصّر غير المشروعة من مصر بحسب تصريحات صحافية لمسؤولين المصريين منذ عام 2008، وتكثفت بعد 25 كانون الثاني/يناير 2011 وما تلاها من حالة انفلات أمني. واللافت أن هذا النوع من الهجرة يتم بمرافقة الأهل وبمساعدة الأسر المصرية التي تتفق مع المهربين والسماسرة على تأمين عملية عبور الطفل القاصر نحو إيطاليا عبر السواحل المصرية، حيث يتم تخزين عدد كبير من الأطفال، مصريين ومن جنسيات أخرى صومالية وسورية وعراقية، تمهيدًا لتهريبهم إلى سرت الليبية الأقرب إلى مدينة «كلاباريا» الإيطالية التي يتطلب الإبحار إليها مدة سبعة أيام على متن المركب. عادة يكون أهالي الأطفال على دراية تامة بنص القانون الإيطالي الذي يجعل من الطفل القاصر (أقل من 18 عامًا) الداخل إلى الأراضي الإيطالية خلسة تحت حماية سلطتها ول يرحّل إلى بلاده مثل باقي المهاجرين غير الشرعيين، بل يودع في مراكز اجتماعية للإيواء ويدخلونه المدارس إلى أن يبلغ 18 عامًا، بعدها يُدمج فى المجتمع الإيطالي، ويُخيّر بين البقاء فى إيطاليا أو العودة إلى وطنه، والأغلبية تفضل

البقاء، حيث تحصل على أوراق إقامة رسمية. ومن أجل ذلك يجد الأهالي بتحريض من السماسرة وعصابات الإتجار بالأطفال في تسفير أبنائهم صفقة رابحة يتأكدون من خلالها أنه مسافر نحو حياة أفضل سينعم فيها برغد العيش ويساعدهم بعد فترة في مجابهة متاعب باقي الأسرة القابعة في مصر. تنتشر ظاهرة هجرة القُصّر غير المشروعة نحو أوروبا كذلك في المغرب الأقصى. أشارت الإحصاءات الإيطالية إلى وجود 1379 قاصرًا مغربيًا من دون مرافق في عام 2002. وفي إسبانيا يشير بعض المصادر

الصحافية إلى ارتفاع عددهم من 382 في عام 1998 إلى 705 في عام 1999 و 1134 في عام 2000. أكد بعض المصادر أن 4400 طفل مغربي غير مصحوب بأهله يعيش في إسبانيا في عام 2005 أغلبيتهم

19)) » سراب الشاطئ الآخر (تحقيق استقصائي)»، المصري اليوم،.2014/6/24 20)) المصري اليوم،.2015/10/10 21)) محمد العجرودي، «المنظمة الدولية للهجرة تحذر: مصر الأولى بين البلدان المرسلة للأطفال المهاجرين إلى إيطاليا»،

الأهرام،.2016/6/20 22)) جامعة الدول العربية، إدارة السياسات السكانية والهجرة، القطاع الجتماعي، ص.34

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

بين سن 15 و 16 عامًا. وبدأت أعمار القصّر المهاجرين سرًا في الأعوام الأخيرة تسجل حالت أخرى

بين 10 و 12 سنوات بحسب اليونسيف. تسجل حالت الهجرة غير المشروعة للقصّر كذلك حضورها في مشهد الهجرة غير المشروعة من تونس باتجاه إيطاليا. وتحدث بعض تقارير المنظمة الدولية للهجرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن تزايد حضور الأطفال غير المصحوبين المهاجرين سرًا إلى إيطاليا بعد 2011، وبلغ العدد بحسب

وزارة الداخلية الإيطالية 400 طفل.

- الصنف الثالث: الفتاة العربية وهجرة الهروب من بؤر التوتر

شمل الحديث عن الصنف الأول والصنف الثاني من هجرة الفتاة غير المشروعة من المنطقة العربية باتجاه أوروبا تناولً لظاهرة المغامرة بالحياة الراهنة طمعًا في حياة أفضل وأكثر استقرارًا في ظل شح الموارد المحلية المتاحة. نعرض هنا صنفًا ثالثًا ل يختلف في الشكل، لكنه يحمل مضمونًا مختلفًا على الأقل ظاهريًا في مستوى عوامل الدفع. ويعود ذلك إلى طبيعة الأسباب المباشرة الرابضة وراء قرار المغامرة بالحياة والرتماء في أحضان المجهول أملا في انجلاء الضيم بعد انجلاء غمامة الأفق المسدود، والنجاح في اجتياز البحر وبلوغ أرض السلام. إن هرب الفاعلين الجتماعيين رجالً ونساءً وشيبًا وشبابًا من ويلات الحروب والنزاعات المسلحة

وهجر الأوطان طلبًا للأمن، يُعدّ فعلاًاجتماعيًا مشروعًا، تبرره دوافعه وتضفي عليه محدداته معاني

ودللت مفهومة. لكن الحتماء بالموت هربًا من الموت، والمغامرة بالغرق في البحر، هربًا من الغرق في فوضى النزاعات المسلحة والدمار الشامل، وهو حال راكبي وراكبات البحر نحو أوروبا، يبقى فعلاًاجتماعيًا يحتاج إلى مزيد من محاولت الفهم واستقصاء الأبعاد وتلمس سبل التفهم

البسيكوسوسيولوجي لتلك الممارسات والأفعال. ظلت الفتاة والمرأة العربية، كما تقدم، أقل بروزًا في الأرقام المتداولة لحركة الهجرة غير المشروعة طلبًا

للعمل من المغرب والمشرق العربيين، على الرغم من أن ذلك لم يكن ينفي فعليًا حضورهن في عمق

ظاهرة الحراك غير المشروع نحو أوروبا. ويبدو الأمر في حالت الهروب من مناطق النزاع والفوضى مختلفًا نسبيًا، حيث يتوضح بصورٍ أكثر جلاءً حجم حضور المرأة في هجرة اللجوء. من المهم التذكير بأن المنطقة العربية تضم أكبر عدد من اللاجئين والنازحين في العالم من الجنسين. وأحدثت الضطرابات والحروب المندلعة في سورية وليبيا والعراق موجات مختلفة من الهجرة من

(23) UNICEF, «Migration en Espagne des enfants non accompagnés: Cas du Maroc: Lignes directrices d’une stratégie garantissant les droits des migrants mineurs non accompagnés,» at: https://www.unicef.org/morocco/french/Etude_ Migration_des_mineurs_Marocains_vers_l_Espagne.pdf.

24)) المنظمة الدولية للهجرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، «التعاون عبر المتوسط حيال هجرة الأطفال غير المصحوبين»، تقرير، في:

https://www.iom.int/sites/default/files/migrated_files/Country/docs/IOM-Flash-Report.

اﻟﻔﺘﺎة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ واﻟﻬﺠﺮة إﻟﻰ اﻟﺠﻨﺎت اﻟﻤﻮﻋﻮدة: ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻓﻲ اﻟﻔﻬﻢ

المنطقة العربية. وأدت الفوضى الناجمة عن عدم الستقرار وانتشار النزاعات المسلحة إلى تعمم أشكال مختلفة من الحراك وتنقل الأسر والأفراد ذكورًا وإناثًا. وغادر ليبيا على سبيل المثال في عام 2011 أكثر من 422.000 مواطن ليبي، في هجرة غير مشروعة نحو أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط. وبلغ عدد الوافدين نحو 137.631 لجئًا ومهاجرًا في عام 2014. تبقى أزمات الهروب من مناطق التوتر أكثر دللة وأشد وطأة في حالة اللاجئين والمهاجرين الفارين من ويلات الحرب في القطر السوري. وإلى حدود آذار/مارس 2015 خلّفت الأزمة السورية ما يقارب 3.932.931 لجئًا، مسجل معظمهم في لبنان والعراق وتركيا والأردن ومصر. هذا إلى جانب 217.724 طالب لجوء إلى أوروبا. في عام 2014 مثّل المهاجرون من ليبيا نحو 90 في المئة من الوافدين إلى أوروبا عبر المتوسط. في ارتفاع كبير في مقابل الأعوام السابقة، ارتباطًا بتردي الأوضاع الأمنية فيها. كما رصد وصول أكثر من 4000 مهاجر من مصر عبر البحر في عام 2014. أدت الفوضى وحمى النزاعات المسلحة بالمنطقة إلى تزايد حركات النزوح واللجوء وتأجيج موجات الهجرة غير المشروعة باتجاه أوروبا. وأضحى اللاجئون أكثر عرضة لتزايد التجار بالبشر وأكثر اقتناصًا من مجموعات الجريمة المنظمة. وكان النساء والأطفال الأكثر عرضة لذلك. وأشارت التقارير إلى أن الأزمة السورية زادت من حدة المخاوف في شأن الإتجار بالنساء والأطفال والتعرض للاستغلال الجنسي والزواج بالإكراه. يُذكر أنه يصعب تمييز اللاجئين من المهاجرين غير الشرعيين العابرين البحر والقاصدين أوروبا، حيث يستخدم العابرون من اللاجئين وكذلك من المهاجرين الممر الغربي للبحر الأبيض المتوسط، محاولين عبور الجزائر والمغرب نحو إسبانيا برًا أو بحرًا. وخلال عام 2014 بلغ عدد المهاجرين واللاجئين

الوافدين إلى أوروبا بطريقة غير نظامية عبر الطريق الشرقية للبحر الأبيض المتوسط 44.057 مهاجرًا،

منهم 27.025 من سورية. وفي أواخر عام 2014 تجاوز عدد المهاجرين السوريين 42.323 مهاجرًا،

ليصبحوا بذلك أكبر جنسية بلغت إيطاليا. ومع نهاية عام 2014، هرب أكثر من نصف سكان سورية 52.4 في المئة إلى مناطق أخرى طلبًا للأمن. وكان قرابة 57 في المئة من السكان الذين غادروا بيوتهم

ل يزالون يعيشون نازحين داخليًا على الأراضي السورية، في حين أن 28 في المئة باتوا لجئين في

الخارج، و 13 في المئة هاجروا إلى بلدان أخرى.

25)) الأمم المتحدة، الإسكوا والمنظمة الدولية للهجرة، ص.18 26)) المرجع نفسه، ص.18 27)) المرجع نفسه، ص.18 28)) المرجع نفسه، ص.19 29)) الأونروا، سورية الاغتراب والعنف: تقرير يرصد آثار الأزمة السورية خال العام 2014 (دمشق: المركز السوري لبحوث السياسات، 2015)، ص.39

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

قُدّر العدد الإجمالي للأفراد الذين هاجروا من سورية 1.55 مليون شخص مع نهاية عام 2014. وغادر خلال العام نفسه ما يُقارب - بحسب الأونروا - 163000 فرد في مقابل 525000 فرد في عام 2013. وبحسب رئيس المفوضية العليا لشؤون اللاجئين «جاء ثلث الرجال والنساء والأطفال الذين وصلوا عبر البحر إلى اليونان أو إيطاليا خلال عام 2015 من سورية». نشرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريرًا وثقت فيه أبرز حوادث موت السوريين غرقًا في أثناء الهجرة غير الشرعية، وأكدت غرق ما ل يقل عن 2157 سوريًا، معظمهم (75 في المئة) من النساء والأطفال في أثناء الهجرة غير الشرعية منذ نهاية عام 2011. وأشار التقرير إلى أن المشكلات والصعوبات التي يواجهها اللاجئون السوريون في دول الجوار دفعتهم إلى المخاطرة بحياتهم وأموالهم عبر اللجوء إلى طرائق غير مشروعة للهجرة، أدّت في كثير من الأحيان إلى مقتل كثير منهم. وذكر التقرير أن 28 حادثة هجرة غير شرعية سجلت حالت موت لسوريين بسبب الغرق، كان أبرزها حادثة وفاة 225 سوريًا غرقًا في 19 نيسان/أبريل 2015 قبالة السواحل الليبية. ل بد من القول إن ظاهرة الهجرة غير المشروعة أذكورية كانت أم أنثوية في المنطقة العربية تتداخل فيها حالة هجرة الفرار من بؤر الصراع والتوتر مع مفاهيم أخرى كالهجرة القسرية أو اللجوء. لكن تبقى الممارسة واحدة وإن تعددت المُسمّيات واختلفت الأشكال وتنوعت الممارسات. وتبقى كذلك الدللت والمعاني واحدة ما دامت الأسباب والدوافع واحدة على الرغم من تغير السياقات الطاردة وخصوصياتها السوسيوسياسية. نخلص إلى القول إن أرقام الهجرة غير المشروعة كلها، بأصنافها الثلاثة تحمل في أحشائها عددًا غير معلوم من الفتيات الشابات منفردات من دون أسر في معظم الحالت، كما رأينا ذلك بوضوح تام في الصنف الأول الذي شمل الهجرة غير المشروعة من دول المغرب العربي، أو مرافقات لأسرهن كما هي الحال في وضعية هجرة الهروب من بؤر التوتر. لكن عدد الفتيات والنساء في مختلف أصناف الهجرة غير المشروعة يبقى منصهرًا في عمق ذكورية الأرقام المتداولة. ربما يجوز القول إن جهد تبين النوع الجتماعي في رحلات الهجرة غير الشرعية من المنطقة العربية نحو أوروبا، خصوصًا في نهاياتها المأسوية، يبقى مهمة صعبة أو ربما يصبح ثانويًا في نظر من يشرفون

على عمليات الإنقاذ وانتشال الجثث، حيث يتحول ذلك الإنسان الذي أكره على هجر المكان وقطع أوصال النتماء إليه، مخلّفًا وراءه وطنًا جار عليه، يتحول إلى مجرد جثة يقع إدراجها ضمن الرقم الجملي للجثث والضحايا الذين تم انتشالهم، بغض النظر عن بيان جنسه أرجلا كان أم امرأة، وبصرف النظر عن تحديد سنّه أطفلا كان أم شابًا أم غير ذلك.

30)) الجزيرة نت،.2015/7/1 31)) الشبكة السورية لحقوق الإنسان، «من موت إلى موت: أبرز حوادث موت السوريين غرقا أثناء الهجرة»،.2015/5/23

اﻟﻔﺘﺎة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ واﻟﻬﺠﺮة إﻟﻰ اﻟﺠﻨﺎت اﻟﻤﻮﻋﻮدة: ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻓﻲ اﻟﻔﻬﻢ

اﻟﻔﺘﺎة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ وﻫﺠﺮة اﻟﻬﺮوب ﻧﺤﻮ ﺑﺆر اﻟﺘﻮﺗﺮ

إن ظاهرة هروب الفتيات والنساء من بؤر التوتر في المنطقة العربية كما تم تناولها في الصنف الثالث من تيارات الهجرة غير المشروعة العربية، تتوازى مع ظاهرة أخرى قوامها حراك أنثوي معاكس نحو تلك البؤر نفسها الطاردة الفتيات والنساء. بين حركة المد الطاردة للشباب ذكورًا وإناثًا من تلك المناطق المضطربة، وحركة الجزر الجاذبة عددًا آخر من الجنسين من تلك الفئة والشريحة العمرية نفسيهما، وحركة الهروب إلى تلك المناطق واللجوء إلى تنظيماتها المتطرفة، تتالى الأسئلة السوسيولوجية المحيّرة التي ليس من السهل الإجابة عنها. ول تتطلب برأينا تلك الأسئلة هرولة نحو محاولة الإجابة بقدر ما تتطلب محاولت للتشخيص المعمق لتلك المفارقة التي تجعل من مناطق عربية مثل سورية وليبيا والعراق - بما يتخللها من فوضى وعدم استقرار سياسي وأمني واجتماعي - مناطق تجذب وتستقطب وتستهوي شد الرحال إليها فئات وشرائح عريضة من الشباب والمراهقين من الجنسين ضمن حركة ل تقل وتيرتها أهمية ول دللة عن حركة هؤلء الهاربين منها بحثًا عن الملاذ الآمن بعد استحالة العيش فيها بنظرهم. تحتاج ظاهرة الهروب نحو مناطق النزاع وبؤر التوتر العربية - بمختلف ما يمكن أن ينسحب عليها من مُسميات تشمل مختلف أبعاد النضمام إلى التيارات المتطرفة الناشطة في مثل تلك المناطق - إلى محاولت فهم مركزة وجهد كبير في التفكيك ومحاولة إعادة التركيب للكثير من الإشكالت والقضايا والظواهر الراهنة ذات الصلة المركبة بواقع المعيوش الجتماعي للشباب العرب من الجنسين. ل مناص من القول إن دوائرنا وساحاتنا البحثية العربية ل تزال بعيدة عن المراكمة العلمية لمحاولت فهم تلك الظاهرة ومبادرات تفكيك عناصرها. وتبقى الجتهادات الفكرية والمقاربات الميدانية لتدارس الظاهرة ضنينة إن لم نقل معدومة، خصوصًا في توجهاتها النظرية المعتبرة للوجه النسائي أو الأنثوي الكامن في عمق تلك الظواهر وممارساتها المختلفة. مع محاولة نظر سوسيولوجية الأدوات والمرتكزات لظاهرة الحراك النسائي وانضمام الفتيات العربيات إلى تنظيم داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية أو ما يسمى «الهجرة الجهادية»، ل يمكن برأينا إل اعتبارها صنفًا آخر من صنوف ظاهرة الهجرة غير المشروعة. تبقى فرضيتنا التي نجتهد في برهنتها في هذا السياق هي اعتبار هجرة الفتيات العربيات وهروبهن نحو السياقات المنفلتة والنضمام إلى التنظيمات المتطرفة، صنفًا آخر من هجرة الفتيات غير المشروعة نحو «جنّات موعودة» بلون مختلف عن «الجنّات الموعودة» الجاذبة الفتيات والنساء الطامحات في بلوغ أوروبا عبر «قوارب الموت». وربما تختلف ممارسة «هجرة الجهاد» شكلا في بعض جوانبها عن باقي أصناف الهجرة غير المشروعة الأخرى، لكن مضامينها ومحركاتها ودوافعها تبقى برأينا واحدة وإن تعددت.

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

ﻫﺠﺮة اﻟﻔﺘﺎة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ واﻟﺘﻨﻤﻴﺔ ﻓﻲ اﻟﺒﻠﺪان اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ: اﻟﻌﻼﻗﺔ اﻟﻤﺄزوﻣﺔ

نهدف في هذا المبحث إلى محاولة تلمّس بعض سُبل فهم فحوى العلاقة المركبة والمرتبكة في الوقت

نفسه بين الهجرة والتنمية في سياقتنا العربية الراهنة. وذلك بمنظور يدعو إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة القائمة في دراساتنا وأدبياتنا المتداولة بين الهجرة والتنمية. ويطرح إمكانية تحميل التنمية بمعانيها الواسعة والشاملة وأبعادها المختلفة بما فيها غير القتصادي موضع اتهام ومسؤول أول عن النتشار غير المسبوق لظاهرة هجرة الفتاة غير المشروعة من بلداننا العربية بسائر أصنافها وأشكالها.

اﻟﻬﺠﺮة واﻟﺘﻨﻤﻴﺔ: ﻧﺤﻮ ﻛﺴﺮ ﻟﻠﺼﻮر اﻟﻨﻤﻄﻴﺔ

تنحصر وجوه العلاقة بين ثنائية الهجرة والتنمية في أدبياتنا العربية المتداولة، إلى اليوم، ول سيما في مستوى عدد من التقارير الإقليمية والوطنية في أبعاد وزوايا نظر معينة، تنظر إلى الطرف الثاني من هذه الثنائية وهو الهجرة، بوصفه المؤثر الإيجابي حصرًا والمتغير التابع الذي يغذي التنمية وينعشها. يركز عدد من أدبياتنا - عند طرحه إشكالية الهجرة والتنمية - على ذلك الجانب المُشرق من تلك

«الثنائية السعيدة» بين هجرة تضخ التحويلات في جسد الوطن المعتل فتنعشه وتحييه. وكأن بتلك الأدبيات ل تزال منحصرة في زمن العصور الذهبية للهجرة العربية، خصوصًا نحو أوروبا، إبان المواسم الأولى وموجات الرحيل الكبرى إلى دول الشمال في المنتصف الثاني من القرن العشرين. دول أوروبا الخارجة - في حينها - من ويلات الحروب والدمار، والمتعطشة للسواعد الكادحة والعضلات المفتولة من الشباب. ذلك الشباب الفقير المنتمي إلى دول وطنية أفقر منه، لم تتخلص كياناتها الهشة بعد من ويلات الستعمار حتى بعد رحيله، وما زالت تتلمس طريقها نحو البناء والتأسيس. يبدو أن الصورة النمطية للمهاجر العربي كما يراه جيرانه - الذين لم يكتب لهم خوض تجربة الهجرة - ذلك «المركنتيلي» الهارب من براثن الفقر المدقع، والمودع للجوع والعائد من أوروبا بالثروات والأموال الطائلة، صاحب المنزل الفاخر والسيارة الفارهة، هي الصورة ذاتها التي ل تزال تسيطر على اتجاهات البحث في ثنائية الهجرة والتنمية، ول تزال تستحكم بميكنزمات إنتاج عدد من النصوص والتقارير العربية حول قضاياها. ل تزال عناوين الهجرة والتنمية في بلداننا العربية إلى اليوم عناوين عامة عادة ما تتكلم على عائدات الهجرة واستثمارات المهاجرين، وعلى كل ما يمكن أن تجنيه «التنمية» بمفهومها القتصادي المحض من مكاسب ومغانم من جراء هجرة المهاجرين وتحويلاتهم. وتتغاضى - بوعي أو من دونه - عن جانب آخر في تلك العلاقة، ل يقل أهمية عن الجانب الأول، لكنه أقل إشراقًا وبهاءً وأكثر مأسوية

وإثارة للحرج. هو النظر العكسي إلى تلك العلاقة، والربط السببي بين التنمية، أو بالأحرى اختلالت التنمية ومسؤوليتها عن تضخم تيارات الهجرة اليوم بمختلف أصنافها وأشكالها المتقادمة والمستجدة. ربما تدفعنا المنعطفات الراهنة لظاهرة الهجرة العربية وأكثر من أي وقت مضى، قبل الحديث عن

اﻟﻔﺘﺎة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ واﻟﻬﺠﺮة إﻟﻰ اﻟﺠﻨﺎت اﻟﻤﻮﻋﻮدة: ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻓﻲ اﻟﻔﻬﻢ

المكاسب والإنجازات والمساهمة الإيجابية للهجرة في التنمية، إلى مساءلة تلك التنمية في البلدان العربية اليوم، والبحث بعمق أكثر في زواياها الخلفية المظلمة، وفي جوهر علاقتها المرتبكة بهجرة السواعد الشابة وعلاقتها بمتغير النوع الجتماعي وأشكالها غير المشروعة بما فيها هجرة الهروب نحو مناطق النزاع والنضمام إلى التنظيمات المتطرفة. يبدو أننا ما زلنا عاجزين عن تحطيم ما التصق بالهجرة من صور نمطية زاهية لمهاجر ستينيات القرن العشرين وسبعينياته في أذهاننا وأذهان شبابنا، وعن إحلال صورة أخرى أكثر بشاعة عن الهجرة متصلة بجثث المهاجرين من الذكور والإناث المتلاطمة عبر أمواج البحر، وصور مراكب الصيد المنقلبة على رؤوس راكبيها وراكباتها الحالمين والحالمات ببلوغ «الجنات الموعودة».

ﻫﺠﺮة اﻟﻔﺘﺎة ﻏﻴﺮ اﻟﻤﺸﺮوﻋﺔ: ﻓﻲ ﻣﺴﺎءﻟﺔ اŠ ﺳﺒﺎب

في محاولة لحصر مختلف الإجابات المتوافرة عن سؤال لماذا تهاجر الفتاة العربية سواء عبر مراكب الهجرة غير المشروعة نحو أوروبا، أم الهجرة نحو بؤر التوتر والنضمام إلى التنظيمات المتطرفة، تختلف محاولت الإجابة المطروحة على ساحة المتداول من الدراسات والتقارير والمقالت وتصريحات الخبراء والمهتمين في شأن الهجرة. في محاولة قراءة المتوافر من تلك الأدبيات، تتصدر الأوضاع القتصادية في البلدان العربية دائرة التهام الأولى، حيث يقع توجيه الأصابع في الأغلب إلى تردي الأحوال المعيشية وعرض نسب الفقر وبطالة الشباب ومختلف مظاهر انسداد الآفاق أمام الشباب من الجنسين، بما يدفعه - بحسب ذلك الرأي - نحو التفكير في سبل فردية للخلاص. فيُطرح بذلك قرار الهجرة نحو أوروبا أو في اتجاه بؤر

التوتر بأي شكل وبأي وسيلة على الشاب أو الشابة كأيسر الحلول وأنجعها. ل جدال في أن الأوضاع القتصادية المتردية والخانقة في الدول المختلفة المصدّرة للهجرة غير المشروعة نحو أوروبا وارتفاع مستويات الفقر والبطالة في صفوف الشباب، ول سيما من حاملي وحاملات الشهادات العليا، تبقى من الحواضن المحتملة وربما من المحركات الرئيسة لهجرة الحالمين بحياة كريمة وبغدٍ أفضل. ول أدل على ذلك من ارتفاع تلك المؤشرات في حالة تونس ومصر والمغرب على سبيل المثال بدرجة أكبر من باقي الدول العربية الأخرى باستثناء حالة سورية. وشهد مؤشر النمو القتصادي في تونس تباطؤًا بارزًا في خلال عام 2016 ولم يتجاوز هذا المؤشر معدل 2.3 في المئة في عام 2014. وظل ذلك المؤشر محافظًا على استقراره وركوده. وبلغت نسبة المديونية مستويات عالية في عام 2014، ما يقارب 25 مليار دينار تونسي، واستنزفت بذلك 40 في المئة من الناتج المحلي الخام. أما النسبة العامة للبطالة فبلغت في خلال الثلث الأول من عام 2015 نحو 15.2 في المئة. ويخفي هذا الرقم تفاوتًا كبيرًا بين الجهات، حيث يتجاوز معدل البطالة في المناطق الداخلية للبلاد 25 في المئة.

كما يخفي تفاوتًا بين الأصناف، حيث تتراوح نسبة بطالة أصحاب الشهادات العليا في عام 2014 بين 31 و 57 في المئة. كما تحجب تلك النسب في الوقت ذاته تفاوتًا نوعيًا بين الجنسين، حيث تصل نسبة

بطالة حاملات الشهادات العليا من الإناث إلى 41.9 في المئة في خلال عام 2014. وظلت دون ذلك

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

بالنسبة إلى الذكور بنسبة 21.7 في المئة. وتتحدث أغلب المؤشرات عن ارتفاع متزايد لرقعة الفقر على الرغم من عدم وجود أرقام مؤكدة، بعد تأكل الشرائح السفلى من الطبقة الوسطى وتدحرجها نحو فئة الفقراء نتيجة التحولت القتصادية وتداعياتها الجتماعية في ظل النسق التصاعدي لرتفاع الأسعار وتدهور المقدرة الشرائية. أعلن في السياق نفسه الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر عن تزايد نسبة المصريين تحت خط الفقر بالنسبة إلى عام 2015، من خلال تسجيل نسبة 26.3 في المئة من السكان ضمن تلك الشريحة، ما يعني أن أكثر من ربع المصريين دون خط الفقر. وأظهر تقرير «بحث الدخل والإنفاق والستهلاك» الذي يصدره الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري استمرار ارتفاع نسبة الفقر في مصر كل عام عن سابقه، حيث تمثل نسبة 26.3 في المئة في التقرير الأخير لعام 2013-2012، زيادة 1.1 في المئة عن العام السابق، بينما بلغت نسبة «الفقر المدقع» 4.4 في المئة من السكان. أشار الجهاز إلى أن عدد الشباب من الفئة العمرية بين 18 و 29 عامًا بلغ 20.7 مليون نسمة في كانون الثاني/يناير 2015 بنسبة 23.6 في المئة من إجمالي السكان، وأشار إلى أن معدل البطالة بين هؤلء الشباب بلغ 26.3 في المئة. وأشار أحد المديرين السابقين للبنك الدولي إلى أن معدل البطالة في مصر يتجاوز 25 في المئة، في الوقت الذي تشير فيه التقديرات الرسمية إلى أنها ل تتجاوز 13 في المئة

فقط.

تشير الإحصاءات المغربية إلى أن 14.2 في المئة من المغاربة يعانون الفقر، وإن 4.2 في المئة منهم يعيشون تحت عتبة الفقر بمدخول يومي ل يتجاوز الثمانية دراهم. كما أن 10 في المئة فقط من الأسر الغنية تستحوذ بمفردها على 32 في المئة من النفقات، بينما ل يستفيد 10 في المئة من الفقراء إل من 2.6 من كتلة النفقات. وتتزايد نسبة الفقر لدى النساء المغربيات لتصل إلى 18.9 في المئة، فيما بلغت لدى الرجال إلى 19.1 في المئة، أما الشباب والأطفال البالغون من العمر أقل من 21 عامًا، فيعتبرون الأكثر تعرضًا للفقر بالنظر إلى الصعوبات التي تعترضهم في مسارات الندماج في سوق العمل. وتجاوز معدل البطالة في المغرب في خلال عام 2014 نسبة 10 في المئة، مسجلاًارتفاعًا ب 0.8 نقطة على المستوى الوطني. وبلغت نسبة البطالة في أوساط الشباب البالغين من العمر بين 15 و 24 عامًا 20.2 في المئة بدلً من 19.5 في المئة، ولدى حاملي الشهادات 17.5 في المئة بدلً من 16.5 في المئة. من المهم القول إن على الرغم من تدني المؤشرات القتصادية عمومًا في عدد من الدول المصدرة للهجرة غير المشروعة وارتفاع نسبة الفقر والبطالة لدى الإناث بشكل خاص، إل أن التفسيرات

32)) محمد سميح الباجي عكاز، «أهم المؤشرات القتصادية لتونس في الربع الأول من سنة 2015»، موقع نواة، 2015/2/4، في:

nawaat.org.

33)) المصري اليوم،.2015/8/11 34)) الجزيرة نت،.2014/3/9 35)) مجلة المجتمع،.2016/1/15

اﻟﻔﺘﺎة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ واﻟﻬﺠﺮة إﻟﻰ اﻟﺠﻨﺎت اﻟﻤﻮﻋﻮدة: ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻓﻲ اﻟﻔﻬﻢ

القتصادية وحدها، ل يمكن أن تفسر لنا بأي حال من الأحوال - بمعزل عن عوامل أخرى - ظواهر الهجرة غير المشروعة للشباب أذكورًا كانوا أم إناثًا. ل يمكن للمقاربة القتصادية لتلك الظاهرة المعقدة أن تفي وحدها، برأينا، بغرض الفهم والتفسير. وإذا افترضنا جدلً تفسير الهجرة غير المشروعة بمتغير تدهور الأوضاع القتصادية فحسب، فإننا سنعجز عن فهم عوامل عدة أخرى متصلة بها. منها وجود عدد ل بأس به من العابرين من الشباب من الجنسين ل ينتمون إلى شرائح اجتماعية ضعيفة، بل سجلت الدراسات والحوادث في حالة الهجرة إلى أوروبا وبدرجة أشد في حالة الهجرة نحو مناطق النزاع وبؤر التوتر حالت عدة من ميسوري الحال ومن طبقات اجتماعية متوسطة وعالية. كما تبين كذلك أن ليس جميع المحاولين لركوب «قوراب الموت» عاطلين وعاطلات عن العمل وليسوا جميعهم فقراء، بل فيهم من ذوي الكفاءات من المهندسين والأطباء. ثم إن نسب الفقر تكاد تنتشر في دول عربية عدة، ومنها دول ترتفع فيها نسبة الفقر عن تونس ومصر والمغرب، لكن وتيرة الهجرة غير المشروعة بها أقل وغير موجودة بالحدة نفسها مثلما هو الشأن في حالة موريتانيا أو اليمن اللتين تغيبان عن ساحة التقديرات الإحصائية المتداولة عن الهجرة غير المشروعة. وعلى الرغم من أننا ل نمتلك معطيات دقيقة عن حالتي موريتانيا واليمن، ومدى مشاركة الإناث فيهما في تيارات الهجرة غير المشروعة سواء نحو أوروبا أم نحو بؤر التوتر، إل أننا نرجّح فرضية عدم استفحال تلك الظواهر فيهما. إن حصر تحليل أسباب ظاهرة الهجرة غير المشروعة في الأبعاد القتصادية، سيبقى قاصرًا عن فهم

بروز الظاهرة في سياقات اقتصادية أخرى مغايرة لسياقات بعض الدول العربية محدودة ومتوسطة الدخل المصدرة لموجات الهجرة غير المشروعة. وسيعجز التحليل عن الإجابة مثلا عن سؤال لماذا تهاجر الفتيات العربيات المنحدرات من عائلات ثرية نحو التنظيمات الإرهابية، ولماذا تختار الفتيات الهروب سرًا من دول الخليج المرفه، ومن البلاد الأوروبية؟ يلُاحظ أن في محاولت أخرى لتفسير هجرة الفتيات العربيات غير المشروعة سواءً نحو مناطق النزاع

وبؤر التوتر أم نحو أوروبا، يتم استحضار الأبعاد النفسية والتركيز عليها في محاولة لفهم الظاهرة؛ باعتبار أن العملية تكون بمنزلة هروب للفتاة من واقعها في رحلة بحث عن الذات وبحث عن بدائل للعيش أمام واقع مفعم بالهموم والمشكلات، «ل أمل فيه ول مستقبل حسب اعتقادهن، إن ضعف الشخصية التى يمارس عليها الضغط الجتماعي والعائلي والتسلط الذكوري يجعل الفتاة تميل إلى ممارسة السلطة وتكون لها ملامح الشخصية المضطربة نفسيًا واجتماعيًا. إن وجود نزعة العنف

والتعذيب والنتقام هي عملية إسقاط لما سلّط عليها في عائلتها أو المحيط الجتماعي، ما يدفعها على سبيل المثال إلى النضمام للتنظيمات المتطرفة». هنا يجد الباحث نفسه أمام المقاربة النفسية التي تستدعي الجانب الذاتي والتجربة الشخصية للمهاجرة

36)) بحسب تصريحات رئيسة مركز الدولي للدراسات الستراتيجية والأمنية والعسكرية بتونس لجريدة اليوم السابعالمصرية، في:

http://www.youm7.com/story/2016.

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

أو المرشحة للهجرة للهجرة غير المشروعة. ول شك في أن لهذه المقاربة أهميتها في طرح جوانب دفينة في موضوع هجرة الفتاة غير المشروعة وتسليط الضوء عليها. ول شك في أن هذه التأويلات المذكورة آنفًا تصح على حالت عدة من المهاجرات، لكن تقدير نسبتها من الحركة ككل تحتاج إلى جهد أكبر للتدليل عليها، والتأكد من صحتها كفرضية مركزية مؤسسة لخيار الهجرة لدى مختلف الفتيات المُقبلات عليها. ربما تطرح المقاربة النفسية بالضرورة، برأينا استدعاء الأبعاد النفس - اجتماعية أو السيكوسوسيولوجية عبر مساءلة مسارات التنشئة الجتماعية التي خضعت وتخضع لها الفتاة المستقطبة للهجرة وفتياتنا العربيات بشكل عام، والبحث عن مواطن الخلل والختلال في مسارات التنشئة الجتماعية التي يكبر شبابنا فيها وبين أحضانها وأنماطها ومستويات وعينا بها وإدراكنا حيثاياتها ومجريات سيرها وتأثيرها في المعيوش اليومي لأطفالنا ومراهقينا وشبابنا من الجنسين. تُطرح في هذا المستوى ذاته أسئلة عدة عن الهوية وتجليات الهويات المأزومة لدى الشباب العرب ذكورًا وإناثًا، ودور تلك الهويات في تنشيط حركة استقطاب الشباب المرشحين والمرشحات للهجرة غير المشروعة والإيقاع بهم. إنها أسئلة معقدة تتموضع ول شك في صميم الموضوع وفي صلب محاولت الفهم والتفهم وتفتح بدورها على أسئلة أخرى أكثر حرجًا عن طبيعة وخصائص علاقة الشباب والمراهقين ذكورًا وإناثًا بشبكات التواصل الجتماعي في بلداننا العربية. وحول أنماط حضورهم ضمن هذا الفضاء الرقمي المفتوح والمنفلت من الرقابة الأسرية والجتماعية عمومًا. وأصبح ذلك النطاق مجالً حيويًا للصيد في المياه العكرة من عصابات التطرف والإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة والإتجار بالنشر. إذا ما تم النتباه إلى صيحات الفزع التي بدت تعلو محذّرة من خطورة مواقع التواصل الجتماعي الأقرب إلى نفوس الشباب، ول سيما من الفتيات كالفيسبوك والتويتر، سيتم إدراك حجم الستغلال المتزايد لتلك العصابات للتغرير بالفتيات ودفعهن نحو حالة قصوى من الغتراب عن الأهل والوطن والستلاب الروحي والفكري تمهيدًا لجعلهن طي الإشارة في أي عمل يُطلب منهن بعد ذلك.

ﻫﺠﺮة اﻟﻔﺘﺎة ﻏﻴﺮ اﻟﻤﺸﺮوﻋﺔ واﻟﻮﺟﻪ اÄ ﺧﺮ ﻟﻠﺘﻨﻤﻴﺔ اﻟﻤﻌﺘﻠّﺔ

إن قراءة سوسيولوجية سريعة في خريطة توزع الهجرة غير المشروعة بصنفيها المذكورين على النطاق العربي، تؤدي للتأكيد على أن الممارسة تلقي بضلالها ولو بنسب متفاوتة وبأشكال متباينة ظاهريًا على دول المنطقة المختلفة، من المرفهة إلى ذات المستوى القتصادي المتوسط، إلى الضعيفة. ويظهر لنا التحليل في بعض الحالت علاقة عكسية بين اتجاهات التدهور أو التحسن النسبي في المؤشرات القتصادية، وارتفاع أو انخفاض عدد المنخرطات في تيارات الهجرة غير المشروعة. ما يدفع نحو التريث في الربط المباشر والحتمي بين الأوضاع القتصادية والهجرة المشروعة. على الرغم من التسليم بأهمية تلك العوامل في الدفع بوتيرة الظاهرة.

اﻟﻔﺘﺎة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ واﻟﻬﺠﺮة إﻟﻰ اﻟﺠﻨﺎت اﻟﻤﻮﻋﻮدة: ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻓﻲ اﻟﻔﻬﻢ

من خلال تتبع بعض محاولت التفسير الأخرى الممكنة والواردة لظاهرة هجرة الفتاة غير المشروعة وربما الهجرة العربية غير المشروعة عمومًا، تتنوع العوامل المفسرة، متراوحةً بين النفسي والنفس - اجتماعي والتقني والتنظيمي الذي يركز على القدرات التنظيمية لدى العصابات وخلايا التنظيمات المتطرفة على الستقطاب وتصيد الفرائس. كما يمكن أن تنفتح احتمالت التفسير إلى أبعد من ذلك في طبيعة التمفصل الجدلي بين الميكروسوسيولوجي أو المحلي والماكروسوسيولوجي أو الكوني، ول سيما بأبعادهما السياسية. تتضمن ظاهرة الهجرة غير المشروعة مثل تفسيرات أخرى ترى فيها مظهرًا من مظاهر رحلة مضنية

يخوضها المهاجر أو المهاجرة بحثًا عن وطن يؤويه ويؤويها ويستوعب أحلامهما ويُضمد جراجهما. رحلة بحث عن حاضن أيًا كان هذا الحاضن، حتى وإن كان الموت في أعماق البحر. وهذه النظرة العدمية إلى الشباب المهاجر، ربما تتحمل وزرها - في جانب كبير -أوطان لم تقدر أن تخلق لنفسها مواطنين يشعرون بنخوة النتماء إليها، ولم تعجز عن خلق الإحساس فيهم بالوطن فحسب، بل خلقت فيهم فهمًا معكوسًا لذلك الوطن، فهمًا سهّل على الشباب ذكورًا وإناثا فضائع ربط الأحزمة الناسفة وحمل السلاح وإراقة دماء الأهل والإخوة في ذلك الوطن نفسه. لكن تجنبًا لأي تفسير أحادي الجانب لظاهرة الهجرة غير المشروعة للفتاة العربية، نفسّرها بمصفوفة

العوامل المختلفة والمتعددة المتشابك بعضها ببعض. بما يجعل من الطرح العلمي لمصفوفة أو شبكة الأسباب والدوافع ل يقلل بأي قدر من أهمية عامل دون غيره، ويفترض تعدد الأسباب وتمفصلها، وتفاعل عناصرها بعضها مع بعض، حيث تتجلّى في وحدتها على أنها الصانع الأساس للظاهرة والمسؤول الأول عن بروزها وتطوّرها. هنا تُختزل تلك المعاني المقصودة كلها بمصفوفة العوامل والدوافع في مفهوم التنمية بمعانيها الشاملة والجامعة. ومعلوم أن مفهوم التنمية ل يمكن أن ينحصر بأي حال من الأحوال في جوانب زيادة الإنتاج وعدالة توزيعه ورفع القدرة الإنتاجية للدولة، لكنه يمتد ليشمل تطوير كل مقومات كيان الإنسان واستمراريته بما في ذلك تطوير مستواه العلمي، وتنمية حسه الثقافي ومدركاته الجتماعية والسياسية وقدرته على الإنتاج والإبداع، أي إن التنمية تمتد بذلك لتؤثر وتتأثر بمجمل المضامين القتصادية والجتماعية والثقافية في المجتمع. وهي تتعلق بعمليات هادفة محددة في الزمان والمكان متأصلة في إطارها الجغرافي ومحيطها الجتماعي والثقافي والحضاري وهادفة استراتيجيًا إلى خدمة المجتمع

والإنسان الذي يعمل من أجلها ويسعى إلى تحقيقها، ومُدركة سياقاتها المحلية والإقليمية والدولية. وتراهن التنمية على التغيير الإيجابي والهيكلي القادر على الستمرار والديمومة، وهي بذلك ليست قالبًا جامدًا أو آلية ثابتة بل هي متغيرة بتغير معطياتها وظروفها والعوامل المساهمة فيها والنتائج المرجوّة

منها. في حال عدم توافر مختلف هذه الأبعاد والدللت وعدم الوقوف الملموس على وحدتها وتشابكها في مستوى الواقع المدروس سوف تبرز التنمية المعتلة بوصفها الوعاء الأول لمتداد ظاهرة الهجرة

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

غير المشروعة عربيًا، والحاضن الأكبر لها بغض النظر عن مستويات العتلال أماديًا كان في تجلياته

القتصادية، أم معنويًا رمزيًا بتجلياته الفكرية والثقافية والعقائدية. وربما يمدنا الختلال التنموي في أبعاده الرمزية وبتجلياته الثقافية ببعض آليات تحليل ظاهرة هجرة الأوروبيات من أصول عربية نحو التنظيمات المتطرفة في سورية والعراق. نخلص إلى القول إن ظاهرة انخراط الفتيات العربيات في تيارات الهجرة غير المشروعة بصنوفها المختلفة تمثل «ظاهرة اجتماعية كلية» على حد عبارة عالم الجتماع والأنثروبولوجيا مارسيل موس يتقاطع فيها النفسي بالقتصادي، والجتماعي وبالسياسي.

انطلقت الإشكالية المحورية لهذا البحث من رحم التساؤل عن العلاقة الكامنة بين ظاهرة الهجرة غير المشروعة للفتاة العربية نحو أوروبا بحثًا عن العمل وعن مستقبل أفضل، وهجرة الفتيات من عدد من الدول العربية في المغرب والمشرق إلى مناطق النزاع والنخراط في ما أضحى يسمى «هجرة الجهاد». ويستمد هذا السؤال الإشكالي مشروعيته من اعتبار هذا الصنف الأخير يمكن أن ينخرط بدروه في ثنائية الجذب والطرد التي تناولتها سابقًا أدبيات علم اجتماع الهجرة والنظريات الكلاسكية المفسرة للظاهرة. بما أنه ل يعدو أن يكون في المستوى الظاهري - على الأقل - سوى شكل من أشكال الحراك الجغرافي والسوسيولوجي. وطرحت إشكالية البحث بعض جوانب العلاقة الممكنة بين ظاهرة الهجرة ومفهوم التنمية، ول سيما في مظاهره المعتلة، وفي أبعاده الشاملة. حاول التمشي السوسيولوجي المعتمد تناول ظاهرة هجرة الفتاة غير المشروعة من البلدان العربية. وهدف إلى تتبع صيغ وأشكال هجرة الفتاة العربية غير المشروعة ميدانيًا، مع محاولة ربطها بالسياقات

المحلية المفرزة لها. فتم تصنيفها من منطق جغرافي - سوسيولوجي إلى نمطين رئيسين: أولهما كان هجرة الفتاة العربية غير المشروعة نحو أوروبا. وقسم هذا الصنف الأول ثلاثة أصناف فرعية: الهجرة غير المشروعة من دول المغرب العربي نحو أوروبا، من بعض دول المشرق نحو أوروبا، ومن مناطق النزاع وبؤر التوتر نحو أوروبا. وتم في إطاره إبراز جملة من الدلئل على انتشار الظاهرة واستفحالها - على الرغم من افتقاد الدارس قاعدة إحصائية موثوق بها - بما لم يعد يسمح بتجاهلها وغض الطرف عنها. وهدف التحليل إلى رسم صورة تقرب هول تلك الظواهر ومأسويتها وهدرها المتواصل لطاقات شابة من الجنسين على مرآى ومسمع من الجميع. دونما تسجيل تحركات جادة تتصدى لنتشار تلك الثقافة العدمية التي أضحت دوائرها تتوسع في صفوف الشباب من الجنسين مشرقًا ومغربًا. أما الصنف الثاني، فشمل الهجرة غير المشروعة نحو مناطق النزاع وبؤر التوتر. وتم الجتهاد ضمنه في رسم بعض الصور والملامح العامة للمهاجرت العربيات الهاربات نحو التنظيمات المتطرفة واللاتي يتحولن إلى جهاديات بمجرد عبور الحدود وهجر الوطن. ويصبحن «أيقونات» تفوق شهرتهن الآفاق.

اﻟﻔﺘﺎة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ واﻟﻬﺠﺮة إﻟﻰ اﻟﺠﻨﺎت اﻟﻤﻮﻋﻮدة: ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻓﻲ اﻟﻔﻬﻢ

وتبيّن أنه وإن تعددت الصور والأمثلة فإن الملامح العامة ظلت واحدة. فتيات في أعمار شابة أغلبيتهن متعلمات تختلف الأوساط الجتماعية الطاردة لهن ومناطق قدومهن، يقع التغرير بهن باسم حياة أخرى في «جنات موعودة» قوامها فهم آخر للدين وتعاليمه. ويخضع الجميع لأساليب التعبئة ومسارت غسل العقول نفسها. وبقيت الشعارات ذات الأبعاد الثقافية والدينية والنفسية تحمل المضامين نفسها وتستنهض الهمم وتستنفرها بالمغريات والرموز نفسها. خلصنا من خلال تناول هجرة الفتيات العربيات نحو التنظيمات المتطرفة إلى تأكيد فرضية اعتبار هجرة وهروب الفتيات العربيات نحو السياقات المنفلتة والنضمام إلى التنظيمات المتطرفة، صنفًا آخر من هجرة الفتيات غير المشروعة نحو «جنات موعودة» بلون مختلف عن «الجنات الموعودة» الجاذبة الفتيات والنساء الطامحات في بلوغ أوروبا عبر «قوارب الموت». وربما تختلف ممارسة «هجرة الجهاد» شكلا في بعض جوانبها عن باقي أصناف الهجرة غير المشروعة الأخرى، لكن مضامينها ومحركاتها ودوافعها تبقى واحدة وإن تعددت. في سياق طرح بعض جوانب العلاقة المأزومة بين ظاهرة هجرة الفتاة العربية غير المشروعة والتنمية في البلدان العربية استبعدت التفسيرات الأحادية لظاهرة الهجرة غير المشروعة ورفض التفسيرات التي تحصرها في الأبعاد القتصادية أو غيرها من العوامل الأخرى وتم ترجيح تفسيرها بفرضية مصفوفة العوامل المختلفة والمتعددة المتشابك بعضها مع بعض. بما يجعل من الطرح العلمي لمصفوفة وشبكة الأسباب والدوافع ل يقلل بأي قدر من أهمية عاملا دون غيره، ويفترض تعدد الأسباب وتمفصلها وتفاعل عناصرها، حيث تتجلّى في وحدتها على أنها الصانع الأساس للظاهرة والمسؤول الأول عن بروزها ونشأتها عنها. ومن ثمة تم اعتبار التنمية المعتلة بوصفها الوعاء الأول لمتداد ظاهرة الهجرة غير المشروعة عربيًا، والحاضن الأكبر لها. وستبقى الأجوبة عن أسئلة الهجرة العربية غير المشروعة مرتهنًا وإلى حد بعيد بالجواب عن أسئلة التنمية بألوانها المختلفة، وبأبعادها القتصادية والجتماعية والسياسية والثقافية الشاملة. تظل مهمات النبش في التمفصلات القائمة ضمن مصفوفة العوامل القتصادية والجتماعية والنفسية والثقافية والسياسية الخاصة بظاهرة هجرة الفتاة العربية غير المشروعة مرتهنة إلى حد كبير بمدى نجاح ساحاتنا البحثية في عمليات التفكيك وإعادة بناء وتركيب المعاني المتصلة بأفعال الفاعلات الجتماعيات الممارسات لفعل الهجرة، وما يتخفى وراءها من بنيات واعية ل تزال تحتاج منا إلى الكثير من المكابدة والعناء لفك شفراتها واستيعاب منطقها المخالف للمنطق. وسيبقى كل ذلك مرتهنًا بدوره بمستويات إرادتنا الصادقة كباحثين ومختصين بالعلوم الجتماعية بمستويات تجديد أطروحاتنا الفكرية واستحداث أدوات بحث وتحليل ترقى إلى مستوى تعقد تلك التمفصلات، وتنتصر على عمق اتساع فجوات الفهم الفاصلة بيننا وبين قضايانا ومشكلاتنا الجتماعية.

ﺻﻴﻒ 2017 Summer

اﻟﻤﺮاﺟﻊ References

اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ

كتب

الأمم المتحدة، الإسكوا والمنظمة الدولية للهجرة. تقرير الهجرة الدولية لعام 2015: الهجرة والنزوح والتنمية في منطقة عربية متغيرة. [د. م.]: الأمم المتحدة؛ المنظمة الدولية للهجرة،.2015 الأونروا. سورية الاغتراب والعنف: تقرير يرصد آثار الأزمة السورية خال العام 2014. دمشق: المركز السوري لبحوث السياسات،.2015 جامعة الدول العربية، إدارة السياسات السكانية والمغتربين والهجرة، قطاع الشؤون الجتماعية. التقرير الإقليمي للهجرة الدولية العربية الهجرة الدولية والتنمية، 2014. القاهرة: القطاع الجتماعي،.2014 جامعة الدول العربية، إدارة السياسات السكانية والهجرة، القطاع الجتماعي. التقرير الإقليمي لهجرة العمل العربية. القاهرة: القطاع الجتماعي،.2006 محمود، سامي وأسامة بدير. أوروبا والهجرة غير المنظمة في مصر: بين المسؤلية والواجب. سلسلة حقوق اقتصادية واجتماعية؛ 68. القاهرة: مركز الأرض لحقوق الإنسان،.2009 المنظمة الدولية للهجرة. التقرير السنوي للعام 2013، الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. جنيف: المنظمة،.2014 يورميد للهجرة 2: الهجرة النسائية بين دول البحر المتوسط والاتحاد الأوروبي. [د. م.]: التحاد الأوروبي؛ يورميد، [د. ت.].

وثائق

الباجي عكاز، محمد سميح. «أهم المؤشرات القتصادية لتونس في الربع الأول من سنة 2015». موقع نواة، 2015/2/4:. في

nawaat.org.

المنظمة الدولية للهجرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. «التعاون عبر المتوسط حيال هجرة https://www.iom.int/sites/default/files/migrated_:الأطفال غير المصحوبين». تقرير. في

files/Country/docs/IOM-Flash-Report.

» الهجرة الدولية: الأمن وانعدام المساواة دفع العراقيين للهجرة لأوروبا». موقع الحزب الشيوعي

العراقي، 2016/8/17:. في http://www.iraqicp.com/index.php/sections/news/46951-2016.

اﻟﻔﺘﺎة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ واﻟﻬﺠﺮة إﻟﻰ اﻟﺠﻨﺎت اﻟﻤﻮﻋﻮدة: ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻓﻲ اﻟﻔﻬﻢ

اŠ ﺟﻨﺒﻴﺔ Books

European Commission, Directorate-General for Economic and Financial Affairs. Labour Markets Performance and Migration Flows in Arab Mediterranean Countries: Determinants and Effects , Volume 2: National Background Papers Maghreb (Morocco, Algeria, Tunisia). Occasional Papers; no. 60. Luxembourg: Office for Official Publications of the European Communities, 2010. Khachani, Mohamed. Les Marocains d’ailleurs: La Question migratoire à l’épreuve du partenariat euro-marocain. Rabat: Association marocaine d’études et de recherches sur les migrations, 2004. Ribas-Mateos, Natalia et Véronique Manry (eds.). Mobilités au féminin: La Place des femmes dans le nouvel état du monde. Hommes et sociétés. Saint-Denis: Institut Maghreb-Europe; Paris: Éd. Karthala, 2014.

Document

UNICEF. «Migration en Espagne des enfants non accompagnés: Cas du Maroc: Lignes directrices d’une stratégie garantissant les droits des migrants mineurs non https://www.unicef.org/morocco/french/Etude_Migration_des_

accompagnés.» At: mineurs_Marocains_vers_l_Espagne.pdf.