شباب الجيل الثالث للهجرة في بلجيكا: هويات تائهة ومتصدعة: دراسة حالة حي
Lost and Fractured Identities: The Third Generation Immigrant in Belgium: A Case Study of the Borgerhout Neighborhood in Antwerp
الملخّص
بعد الحوادث الإرهابية الخطرة التي عرفتها باريس وبروكسل حديثًا، زاد الاهتمام بالضواحي التي يعيش فيها الشباب من أصول مغربية في بلجيكا، الأمر الذي طرح مجددًا مسألة مدى اندماجهم في المجتمع البلجيكي؛ إنهم شباب يعيشون في ضواحي المدن البلجيكية، وقد ولدوا و/ أو ترعرعوا ودرسوا في بلجيكا، لم يتمكن معظمهم من النجاح في مساره الدراسي وهم عاطلون من العمل، ويعيش كثير منهم في جماعات متصدعة ومعزولة ثقافيًا عن ثقافة آبائهم ومحيطهم الاجتماعي. تنطلق هذه الدراسة الأولية من بحث ميداني يتناول حي "بورغراوت" في مدينة أنفرس، الذي معظم سكانه مهاجرون من أصول مغربية. وتتناول موضوع التمزق الهوياتي العنيف الذي يعيشه شباب الجيل الثالث، وبحثهم عن المعنى والأمان الهوياتي.
Abstract
Professor of Human Rights and Political Science, Mohamed I University, Oujda, Morocco.
- الجيل الثالث للهجرة
- الاضطراب الهوياتي
- التطرف
- الاندماج
- Third-Generation Immigrants
- Identity
- Extremism
- Integration
Lost and Fractured Identities: The Third
Generation Immigrant in Belgium: A Case Study
of the Borgerhout Neighborhood in Antwerp
ملخص: بعد الحوادث الإرهابية الخطرة التي عرفتها باريس وبروكسل حديثًا، زاد الهتمام بالضواحي التي يعيش فيها الشباب من أصول مغربية في بلجيكا، الأمر الذي طرح مجددًا مسألة
مدى اندماجهم في المجتمع البلجيكي؛ إنهم شباب يعيشون في ضواحي المدن البلجيكية، وقد ولدوا و/أو ترعرعوا ودرسوا في بلجيكا، لم يتمكن معظمهم من النجاح في مساره الدراسي وهم عاطلون من العمل، ويعيش كثير منهم في جماعات متصدعة ومعزولة ثقافيًا عن ثقافة آبائهم
ومحيطهم الجتماعي. تنطلق هذه الدراسة الأولية من بحث ميداني يتناول حي «بورغراوت» في مدينة أنفرس، الذي معظم سكانه مهاجرون من أصول مغربية. وتتناول موضوع التمزق الهوياتي العنيف الذي يعيشه شباب الجيل الثالث وبحثهم عن المعنى والأمان الهوياتي.
Abstract: Following the recent terrorist attacks in Paris and Brussels, there has been growing interest in the suburbs where young Belgians of Moroccan origin live. Once again has been raised the question of their integration into Belgian society. These young people living in the suburbs of Belgian cities were born and/ or raised and educated in Belgium, yet most of them have failed academically, are unemployed, and many live as part of fractured groups isolated from both their parents ‘culture and the wider society around them. This preliminary study is based on field work undertaken in the Borgerhout neighborhood in the city of Antwerp, whose population is predominantly of Moroccan origin. It highlights and examines the violent identity rupture experienced by third-generation youth and their quest for a meaningful and secure identity.
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
يعيش الشباب من أصول مغربية في بلجيكا منعطفًا جديدًا بعد الحوادث الإرهابية الخطرة التي عرفتها باريس وبروكسل حديثًا. وقد أثار تسليط الأضواء على الضواحي والغيتوات التي يعيشون فيها مجددًا سؤال الندماج «المجهض» في المجتمع البلجيكي. يعاني الجيل الثالث للهجرة مشكلات شائكة تؤثر في حاضره وفي آفاق المستقبل الذي يريد أن يرسمه لنفسه ولمحيطه العائلي والجتماعي. يتعلق الأمر بمشكلات الوصم الجتماعي، الستبعاد الجتماعي، التطرف الديني، التمزق الهوياتي، الفشل الدراسي... إلخ؛ إنها فئة من الشباب تعيش في ضواحي المدن البلجيكية، وقد ولدت و/أو ترعرعت ودرست في بلجيكا، ولم يتمكن معظم أفرادها من النجاح في مساره الدراسي، وهو عاطل من العمل وغير واثق في نفسه. وفي ظل غياب أي تماسك هوياتي لدى هذه الفئة من الشباب، فإن أفرادها يعيشون في شكل جماعات متصدعة ومعزولة ثقافيًا عن المجتمع وعن ثقافة آبائهم. وغالبًا ما ينظر إليهم على أساس أنهم «مشكلة»؛ فإذا أضيفت
معاناتهم الشديدة بسبب التمييز والوصم إلى الإحباط والتناقضات اللذين يعيشونهما، فستتحول بيئة معيشهم اليومي بيئة حاضنة للتطرف الديني والإجرام ومشاعر الحنق والغيظ وعدم الثقة في محيطهم.
ليس اعتباطًا أن أحياء مولمبيك Molenbeek) (وشاربيك Schaerbeek) (في بروكسل وبورغراوت في مدينة أنفرس صدّرت عددًا معتبرًا من المقاتلين إلى صفوف ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية في
العراق والشام (داعش)، كما أن ليس صدفة أن معظم من شارك أو ساهم في العمليات الإرهابية في باريس وبروكسل ينتمي إلى هذه الأحياء. الفرضية التي ننطلق منها هي أن ظواهر الفقر والتهميش وسياسات الإقصاء والتمييز، وحتى الثقافة الدينية الإسلامية السائدة لديهم، التي تنحو في بعض جوانبها نحو التطرف ورفض الآخر، ل تكفي لتفسير نزعتهم التمردية وتعثر اندماجهم الجتماعي وتحولهم فريسة سهلة في أيدي المتطرفين الدينيين، بل ينبغي التوجه نحو التمزق الهوياتي العنيف الذي يعيشونه، وبحثهم عن المعنى ونوع من الأمان الهوياتي؛ إنهم يصنعون انتماءات هوياتية وجماعاتية هشة عاجزة عن إشباع مشاعر اللاآمان وعدم الرضى لديهم وينتمون إليها. ونجادل في هذه الدراسة أنه كلما تعمق الشعور بالرتباك الهوياتي بفعل العزلة الذاتية أو الإقصاء الجتماعي، زاد تعثر قيم التعددية والعيش المشترك واندماج هؤلء الشباب في المجتمع البلجيكي. اª ﻃﺎر اﻟﻤﻨﻬﺠﻲ واﻟﻨﻈﺮي ﻟﻠﺪراﺳﺔ يدخل مشروع الدراسة ضمن البحوث الجتماعية التطبيقية، حيث يقوم على بحث ميداني يتناول دراسة حالة شباب حي بورغراوت من أصول مغربية. ويهدف إلى تحليل أوضاعهم وأصولهم الجتماعية والمشكلات التي يعانونها والقتراب من تمثلاتهم لأنفسهم ولهويتهم وللآخر المختلف عنهم دينيًا
وثقافيًا (الغرب، المجتمع البلجيكي... إلخ). أما على مستوى منهجية البحث، فاعتمدنا خطاطة عامة
مكوّنة من مجموعة مراحل، أهمها:
ﺷﺒﺎب اﻟﺠﻴﻞ اﻟﺜﺎﻟﺚ ﻟﻠﻬﺠﺮةﻓﻲ ﺑﻠﺠﻴﻜﺎ: ﻫﻮﻳﺎت ﺗﺎﺋﻬﺔ وﻣﺘﺼﺪﻋﺔ: دراﺳﺔ ﺣﺎﻟﺔﺣﻲ » ﺑﻮرﻏﺮاوت« ﺑﻤﺪﻳﻨﺔ أﻧﻔﺮس
- الملاحظة والزيارة المباشرة إلى حي بورغراوت. - ملء الستمارات وإجراء المقابلات الفردية مع عينة من مهاجري الجيل الأول الذين ل يزالون في قيد الحياة، ومع عينة من مهاجري الجيلين الثاني والثالث. - مرحلة العمل البيبليوغرافي وجمع كل ما كتب حول الموضوع وتوثيقه، خصوصًا على مستوى البحوث ووسائل الإعلام المرئية والمكتوبة. - مرحلة تحليل البيانات والمعطيات وقراءتها لستخلاص النتائج والخلاصات. نعتمد في هذا البحث المنهج المسحي الكشفي الذي يقوم على جمع البيانات الجتماعية من طريق أدوات بحثية كالستمارات والمقابلات، من أجل الحصول على المعطيات والمعلومات من عدد كبير من الفاعلين المعنيين ومن الفئات المستهدفة بالبحث. كما نعتمد على منهج دراسة الحالة Study) Case (في العلوم الجتماعية، والذي يهدف إلى دراسة تفصيلية مونوغرافية دقيقة لوحدة اجتماعية معينة قصد استجلاء مختلف أبعادها وجوانبها والكشف عنها، بغية الوصول إلى استنتاجات وتعميمات لها دللت على مستوى علاقة الفئة الجتماعية المدروسة بالمجتمع وبنياته الجتماعية والقتصادية والثقافية والسياسية. بالنظر إلى كون الثقافة واللغة السائدتين في هذا الحي هي الثقافة الأمازيغية الريفية (نسبة إلى منطقة الريف في شمال المغرب)، فإننا أجرينا المقابلات باللهجة الريفية في حي بورغراوت وفي مدينة الحسيمة والناظور في المغرب، حيث إن عددًا كبيرًا من ساكنة حي بورغراوت يعودون في الصيف
لقضاء عطلتهم السنوية في هذه المدينة. ويتوخى البحث منح صورة تقريبية لتصورات ومدركات شباب الجيل الثالث المهمش لواقعه ومحيطه ورؤيته بشأن الإسلام والتطرف الديني والعيش المشترك مع الآخر، وذلك في أفق محاولة فهم وتفهم نزعات كثير من أفراد هذه الفئة من الشباب نحو العزلة عن المجتمع الذي لم يجدوا فيه أنفسهم، أو نحو الرد العنيف على رفض المجتمع لهم من خلال التعلق بوهم النتماء إلى إسلام مثالي أرثوذكسي عابرٍ للحدود، تكون إحدى تجلياته القصوى الرغبة في النضمام إلى ما يسمى «داعش». وقد اختيرت عينة موزعة في ثلاث فئات لإجراء مقابلات معهم ولملء الستمارة: - الفئة الأولى: مكوّنة من خمسين شابًا بلجيكيًا من أصول مغربية، يقطنون في حي بورغراوت في
مدينة أنفرس وتراوح أعمارهم بين 17 و 30 عامًا، وهي فئة تمثل وفق الأدبيات الأكاديمية المتعارف عليها في مجال دراسات الهجرة، الجيل الثالث من المهاجرين، ولد معظم أفرادها في بلجيكا من والدين مغربيين متحدرين من منطقة الريف شمال المغرب ويحملون الجنسية البلجيكية (بعضهم ترعرع في المغرب والتحق بوالده وهو صغير السن). تعيش عينة الشباب المختارة على وقع البطالة والفشل الدراسي وغياب الآفاق، ما يجعل بعضهم فريسة سهلة للانحراف والإجرام والتجار وتعاطي المخدرات، وحتى للتطرف الديني. وتركيزنا على هذه العينة يجب أل يحجب عنا حقيقة نجاح باهر
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
حققه كثير من أبناء هذا الجيل في المجالت المختلفة. وقد تمكن كثير من الشباب، خصوصًا من الشابات، من شق طريقه بشكل متميز في المجتمع البلجيكي والنخراط بشكل إيجابي في الفضاء العام، أكان في مجال التعليم أم السياسة أم الثقافة أم الرياضة. - الفئة الثانية: مكوّنة من 50 شخصًا من المهاجرين من أصول مغربية تراوح أعمارهم بين 30 و 45
عامًا، وهم إما أبناء الجيل الأول من المهاجرين المغاربة وقد ولدوا في المغرب والتحقوا بآبائهم
في الثمانينيات حين كان عمر الواحد منهم بين 6 و 18 عامًا، وإما متعلمون حاصلون على شهادات
عليا في المغرب، اضطرتهم البطالة إلى الهجرة إلى الديار البلجيكية في تسعينيات القرن الماضي، إما تزوجوا من بلجيكيات ذوات أصول مغربية أو جاءوا لستكمال دراساتهم في جامعات بلجيكية. وهم يشكلون جيلا وسطًا وانتقاليًا بين الجيل الأول والجيل الثالث للمهاجرين. وتمكن كثير منهم من
الندماج بنجاح في سوق العمل، ونجح بعضهم في النخراط في الفضاء العام وفي العمل السياسي وفي المجتمع المدني، لكن قلة منهم تعاني عدم الستقرار في العمل ومشكلات اجتماعية وعائلية. - الفئة الثالثة: مكوّنة من 50 شخصًا فوق 60 عامًا في الأغلب، ويشكلون الجيل الأول للهجرة،
ومعظمهم الآن متقاعدون، وقد هاجروا من قرى الريف منذ نهاية الستينيات بشكل فردي، قبل أن يقوموا بإلحاق زوجاتهم وأبنائهم بهم منذ أواسط الثمانينيات. وقد أصبح معظمهم يشكل طبقة متوسطة في حي بورغراوت، ويمتلك محل سكناه ويستثمر في بعض الأعمال التجارية والخدماتية، وقد عاد بعضهم للاستقرار في المغرب، وكثير منهم استقر في بلجيكا، لكن له ارتباط عميق ومتواصل بالمغرب. تجدر الإشارة إلى أن هناك نقاش على المستوى المنهجي والأكاديمي بخصوص مسألة تصنيف المهاجرين وفق تحقيب جيلي، ول يوجد توافق بين الباحثين في مجال الهجرة بشأن هذا الموضوع، وإن كان هناك توجه نحو التمييز بين الجيل الأول والجيل الثاني والجيل الثالث للمهاجرين على أساس أن الجيل الأول من المهاجرين ولد في بلدانه الأصلية بينما ولد أبناء الجيل الثاني والجيل الثالث في أرض المهجر، أو قدموا إليه وهم صغار السن. لكننا نعتقد أن هذا التصنيف اختزالي بشكل كبير ل يأخذ في العتبار كثيرًا من الخصائص المرتبطة بديناميات هجروية معينة. حاولنا ما أمكن في مراحل البحث مراعاة معايير خلقيات البحث العلمي من خلال الحرص على احترام كرامة المستجوبين المشاركين في البحث وإطلاعهم على موضوع البحث وحماية خصوصياتهم وهوياتهم الشخصية، وعدم نشر أي صور لهم احترامًا لرغباتهم، وعدم ذكر أسمائهم الحقيقية في أثناء
سرد شهاداتهم. يلاحظ ندرة في البحوث باللغة العربية، التي خصصت لموضوع شباب المهجر في علاقته بقضايا الندماج والعنصرية والتطرف والتمزق الهوياتي. كما أن الموضوع يطرح عددًا من الأسئلة المؤرقة التي يصعب إيجاد أجوبة شافية عنها بشأن دوافع التطرف العنيف والسريع لأفراد من هذه الفئة من الشباب،
(1) Emmanuelle Santelli, «De la «deuxième génération» aux descendants d’immigrés maghrébins,» Temporalités , no. 2 (2004), pp. 29-43.
ﺷﺒﺎب اﻟﺠﻴﻞ اﻟﺜﺎﻟﺚ ﻟﻠﻬﺠﺮةﻓﻲ ﺑﻠﺠﻴﻜﺎ: ﻫﻮﻳﺎت ﺗﺎﺋﻬﺔ وﻣﺘﺼﺪﻋﺔ: دراﺳﺔ ﺣﺎﻟﺔﺣﻲ » ﺑﻮرﻏﺮاوت« ﺑﻤﺪﻳﻨﺔ أﻧﻔﺮس
وبشأن سخطهم على محيطهم الجتماعي والديني. من هنا تأتي أهمية هذه الدراسة التي ل تسعى إلى تقديم أجوبة بقدر ما تتوخى كشف الغطاء عن جزء من ملامح عوالم أفراد من هذه الفئة من الشباب، من خلال محاولة فهم السياقات المختلفة التي تحدد وضعياتهم الجتماعية، وكذا الديناميات التي يتفاعلون معها قصد البحث عن التقدير الذاتي وعن اعتراف المجتمع بهم، فضلا عن تحليل الضغوط والإكراهات الجتماعية والثقافية والنفسية التي يتعرضون لها في واقع حياتهم اليومية. نعتقد أن تناول مثل هذه الظاهرة من وجهة نظر العلوم الجتماعية ينبغي أن يتجاوز التفسيرات والقراءات الختزالية التبسيطية والسائدة بشدة اليوم، والتي تختزل الأمر في بُعد واحد، كالتركيز على
البعد الجتماعي فحسب (التهميش والإقصاء الجتماعين) أو البُعد الديني والثقافي (التطرف الديني)
أو الديموغرافي... إلخ؛ فهذا لم يؤدِّ إل إلى كثير من اللتباسات وإثارة المزيد من الأسئلة وعلامات الستفهام. ونحن في أمس الحاجة إلى نماذج تفسيرية تقر بتعددية العوامل والأبعاد في إطار مقاربة عابرة للتخصصات Transdisciplinaire))، الأمر الذي قد يساعدنا على قراءة جوانب من ظاهرة التصدع الهوياتي العنيف لدى أفراد من هذه الفئة من الشباب وفهمها واستيعابها. اﻟﺴﻴﺎق اﻟﻌﺎم يعتبر الإسلام الديانة الثانية في بلجيكا بعد المسيحية، وأغلبية المسلمين من المهاجرين أو أبنائهم أو أحفادهم. وقد جاء الوجود المعتبر للمسلمين في بلجيكا بعد إبرامها اتفاقين مع المغرب وتركيا لستقدام اليد العاملة في عام 1964، حيث كانت بلجيكا في حاجة إلى اليد العاملة. وقد اعترفت بلجيكا رسميًا بالدِين الإسلامي في عام 1974. وإلى حدود كانون الثاني/يناير 2015، يقدر عدد المسلمين في
بلجيكا ب 781.887 شخصًا، أي 7 في المئة من ساكنة بلجيكا، وهناك تزايد مطرد لعددهم حيث كانوا يشكلون في عام 2011 نحو 6.3 في المئة من ساكنة بلجيكا، و 6 في المئة في عام 2008. وربما يصل عددهم بحسب تقديرات مركز بيو للبحوث المتخصص في تتبع نمو الديانات في العالم إلى 10.2 في المئة في عام 2030. أما الأغلبية الساحقة من المسلمين في بلجيكا فهي من أصول مغربية، ومن ثم تركية، حيث يشكل الأشخاص من أصول مغربية 46 في المئة من المسلمين، ومن أصول تركية 26 في المئة، وقد حاز أكثر من 90 في المئة من هاتين الفئتين الجنسية البلجيكية أو لديهم جنسية مزدوجة.
(2) Jan Hertogen: «In België wonen 628.751 Moslims, 6,0% van de bevolking. In Brussel is dit 25,5%, in Wallonië 4,0%, in Vlaanderen 3,9%,» Non-Profit Data, 11/9/2008, at: http://www.npdata.be/BuG/100/; «Moslims in België van 6,3% naar 6,5% van de bevolking,» Blog Uit de Community, 8/10/2014, at: http://www.dewereldmorgen.be/blog/ janhertogen/2014/10/08/moslims-in-belgie-van-63-naar-65-van-de-bevolking, and «Moslims in België per gewest, provincie en gemeente. Evolutie 2011, 2013,» Non-Profit Data, 18/9/2015, at: http://www.npdata.be/BuG/318- Onderzoekscommissie/. (3) The Future of the Global Muslim Population: Projections for 2010-2030 , Pew-Templeton Global Religious Futures Project (Washington, DC: Pew Research Center Forum on Religion and Public Life, 2011), p. 124. (4) Corinne Torrekens et Ilke Adam (dirs.), Belgo-Marocains, Belgo-Turcs: (Auto) portrait de nos concitoyens (Bruxelles: Fondation Roi Baudouin, 2015), at: file:///C:/Users/Minfo/Downloads/3323%20POD%20BelgoMarocainTurcs%20 Final.pdf.
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
بدأت الهجرة المنتظمة من المغرب إلى بلجيكا في بداية الستينيات وأواسطها. وعرف عدد المهاجرين من أصول مغربية تطورًا وتزايدًا تصاعديًا قويًا، في خلال عشرين عامًا فقط؛ أي من عام 1992 إلى
بداية عام 2012 تضاعف عددهم إلى أكثر من الضعف، حيث وصل إلى 429.580 شخصًا، وبذلك
فهم يشكلون 3.9 في المئة من ساكنة بلجيكا. وقد سجل أكبر وجود لهم في منطقة بروكسل وفي المنطقة الفلامانية Flandre) (، وخصوصًا مدينة أنفرس موضوع دراستنا، التي عرفت أكبر نسبة ارتفاع
ديموغرافي لعدد المهاجرين من أصول مغربية في الأعوام الأخيرة، كما أن فيها إحدى أكبر الجوالي المسلمة في بلجيكا. وتعود هذه الحيوية الديموغرافية القوية إلى استمرار منتظم لتدفقات الهجرة نحو بلجيكا من المغرب، وللخصوبة المرتفعة للمهاجرين المغاربة المستقرين فيها. كما يعتبر المهاجرون المغاربة من أكثر المستفيدين من الجنسية البلجيكية منذ تعديل قوانين الجنسية البلجيكية في أواسط الثمانينيات، حيث يحتلون المراتب الأولى ضمن الحاصلين على الجنسية البلجيكية. وبذلك، فإن المواطنين البلجيكيين من أصول مغربية أصبحوا يمثلون رابع أكبر جماعة من المهاجرين بعد المهاجرين من أصول إيطالية وفرنسية وهولندية. على الرغم من الثقل الديموغرافي للمهاجرين من أصول مغربية، خصوصًا الشباب منهم الذي ولد
وترعرع في بلجيكا، فإنهم الأكثر معاناة من البطالة والتمييز في كثير من المجالت، ول سيما العمل والدراسة، كما تُسجل وسطهم نسبًا عالية من الإجرام والمستوى التعليمي الأكثر ضعفًا، فضلا عن أنهم
حاضرون بقوة في أشكال الإقصاء الجتماعي المختلفة. وتعتبر بلجيكا على مستوى الإدماج المهني Intégration Professionnelle) (للأجانب غير الأوروبيين المقيمين بها الأنموذج الأسوأ على مستوى دول التحاد الأوروبي؛ فبحسب أرقام المكتب الإحصائي الأوروبي في عام 2014، فإن 36.2 في المئة من هؤلء الأجانب، وهم في أغلبيتهم ذوي أصول مغربية تراوح سنهم بين 15 و 64 عامًا، لم يكونوا
يتوافرون على عمل. وبلغ مستوى البطالة بين الأجانب غير الأوروبيين في بلجيكا 30.7 في المئة في مقابل 21.3 في المئة كمتوسط في الدول الأوروبية، وهناك اليوم صعوبات كبيرة ومعوقات كثيرة لإيجاد فرص شغل، خصوصًا بفعل وجود أشكال تمييز ضد المواطنين من أصول أجنبية. ربما ولّد هذا الوضع، ول يزال يولّد، نوعًا من الغضب والستياء، بل وحتى نوعًا من «الحقد» لدى أفراد من هذه الفئة من الشباب من أصول مغربية على محيطهم وعلى المجتمع البلجيكي كله، وقد
5)) نقصد بالمهاجرين من أصول مغربية المواطنين المغاربة الذين هاجروا من المغرب أو الذين ولدوا بأرض المهجر لوالدين مغربيين أو أحدهما مغربي.
(6) Schoonvaere Quentin, Belgique - Maroc 50 années de migration: Etude démographique de la population d’origine marocaine en Belgique (Louvain: Université catholique de Louvain, Centre de recherche en démographie et sociétés, 2014), pp. 31 et 83. (7) Olivia Rutazibwa, «De la lutte contre le racisme ordinaire en Belgique,» Equal Times, 7/4/2015, at: http://www. equaltimes.org/de-la-lutte-contre-le-racisme?lang=fr#.WDRMMdLJxdg. (8) Ibid. (9) Georges Dallemagne, Vanessa Matz et Quentin Martens (coords.), La Belgique face au radicalisme: Comprendre et agir (Louvain: Presses universitaires de Louvain, 2016), p. 54.
ﺷﺒﺎب اﻟﺠﻴﻞ اﻟﺜﺎﻟﺚ ﻟﻠﻬﺠﺮةﻓﻲ ﺑﻠﺠﻴﻜﺎ: ﻫﻮﻳﺎت ﺗﺎﺋﻬﺔ وﻣﺘﺼﺪﻋﺔ: دراﺳﺔ ﺣﺎﻟﺔﺣﻲ » ﺑﻮرﻏﺮاوت« ﺑﻤﺪﻳﻨﺔ أﻧﻔﺮس
يفسر هذا، في جزء منه، نزوع بعضهم أو تحولهم بشكل سريع ومفاجئ نحو التطرف باسم الدين، وكذا سهولة استقطابهم من التنظيمات الجهادية، ول سيما من تنظيم ما يسمى «داعش». وطرحت هجمات باريس وبروكسل الإرهابية الأخيرة الكثير من الأسئلة المؤرقة بشأن دواعي إقدام شبان كانوا إلى وقت قريب يعيشون حياة عادية، على عمليات انتحارية زرعت الرعب في أوروبا وأعادت بحدة إلى ساحة النقاش الفكري سؤال الهجرة في علاقته بقضايا الندماج والهوية والتطرف الديني لدى الشباب. وفي إثر ذلك، سُلّطت الأضواء بشدة على الأحياء السكنية «ذات المشكلات الكبرى»، والتي تقطن فيها
نسبة عالية من المهاجرين، وتتمركز في مناطق بروكسل وهاسلت Hasselt)) وكانك Genk) (وأنفرس وفيرفييه Verviers) (وشارلوروا Charleroi) (. ويتميز بعض الأحياء في هذه المدن بنوع من «النغلاق الثقافي»، حيث تعيش الجماعات منعزل بعضها عن بعض، فضلا عن أنها تعرف مشكلات اجتماعية وأمنية، وتسجل فيها نسب مرتفعة من الهشاشة الجتماعية والفشل الدراسي وعدم الندماج المهني والجتماعي. وكانت هذه الأحياء حاضنة لتفريخ التطرف الديني وكثير من «الجهاديين» الذين ساهموا في العمليات الإرهابية في باريس وبروكسل، أو الذين اتجهوا إلى سورية والعراق للقتال إلى جانب تنظيم «داعش» أو جبهة النصرة. تعتبر بلجيكا من أوائل الدول الأوروبية التي شهدت التحاق مواطنيها بسورية والعراق، وذلك في عام 2012، وهي على المستوى الأوروبي أكبر مصدر للجهاديين إلى سورية والعراق مقارنة بعدد سكانها. وبحسب عدد من الإحصاءات، فحتى عام 2015 غادر نحو 400 مواطن بلجيكي، معظمهم من أصول مغربية، للقتال في سورية والعراق، قتل منهم أكثر من 50 شخصًا في ساحات المعارك، ومعظمهم
شبان ل يتجاوز أحدهم 23 عامًا، ومنهم عدد ل بأس به من النساء. وقد تمكن 150 منهم من العودة
إلى بلجيكا وسجن منهم 61 شخصًا. وكانت أهم المدن التي ذهب منها أكبر عدد من «الجهاديين»:
أنفرس وفيلفورد ومالين Malines) (وبروكسل ولييج. ومن اللافت صغر سن هؤلء، فمتوسط سن أحدهم بين 18 و 22 عامًا، كما أن نسبة القاصرين وسط الملتحقين أو المرشحين للالتحاق مثيرة للقلق.
فضلا عن ذلك، برزت بشكل تصاعدي ظاهرة الفتيات الصغيرات السن وظاهرة العائلات أو الإخوة الذي يتوجهون إلى القتال في سورية. وعلى الرغم من صعوبة وضع قواسم مشتركة لهم، فإن ما يثير كثيرًا من علامات الستفهام السرعة الفائقة التي يتحول فيها أفراد من هذه الفئة من الشباب نحو الفكر
المتطرف، وكذا السرعة التي تجري بها عملية استقطابهم ثم التحاقهم، فكل هذا قد يجري في أيام معدودة. وهذا ما يصفه بعض الأكاديميين والسياسيين بتعبير الردكلة العنيفة radicalisation (La violente) الذي أصبح موضوع كثير من التفسيرات والتحليلات.
(10) Christian Vandermotten [et al.], «Analyse dynamique des quartiers en difficulté dans les régions urbaines belges: Politique des grandes villes, intégration sociale,» ([2007]), at: https://www.mi-is.be/sites/default/files/documents/ atlas.pdf. (11) Dallemagne, Matz et Martens (coords.), p. 22. Rik Coolsaet, What Drives Europeans to Syria, and to IS?: Insights from the Belgian Case , Egmont Papers; 12)يُنظر:)
75 (Gent, Belgium: Academia Press, 2015), at: http://www.egmontinstitute.be/wp-content/uploads/2015/03/75.pdf.
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
ﻣﺪﻳﻨﺔ أﻧﻔﺮس: اﻣﺘﺤﺎن اﻟﺘﻌﺎﻳﺶ ﺑﻴﻦ ﻫﻮﻳﺎت ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ وﻣﺘﻌﺪدة تعتبر مدينة أنفرس (باللغة الفرنسية) (أنتويربن Antwerpen باللغة الفلامانية، أنتويرب Antwerp باللغة الإنكليزية) بامتياز مدينة رهان حقيقي بشأن مآلت تفاعلات عدد من القضايا المرتبطة بالهجرة في بلجيكا، منها على سبيل المثال: وضعية الشباب المتحدر من الهجرة، التعايش بين الأديان والهويات والثقافات المختلفة، الهجرة والإحساس بالنتماء إلى الوطن، التطرف الديني والهجرة، العنصرية والهجرة، الندماج الجتماعي وقيم العيش المشترك... إلخ، في حين أن عيون بلجيكا كلها مصوبة إلى هذه المدينة التي ترى الصحافة البلجيكية أنها في وضعية الحليب الموضوع على نار ساخنة، ول أحد يعرف متى «سيفيض»، وعمّا سيتمخض على مستوى تفاعلات الهجرة في هذه المنطقة. تعتبر أنفرس من أكبر مدن بلجيكا من حيث المساحة، وأصبحت في كانون الثاني/يناير 2015 الأكثر كثافة على المستوى السكاني في بلجيكا حيث وصل عدد ساكنتها إلى 601.257. وتتوافر على ثاني أكبر ميناء في أوروبا ورابع مرفأ في العالم، وتعتبر عاصمة منطقة الفلاندر والمركز القتصادي الرئيس فيها، وهي قريبة من الحدود الهولندية. وتشتهر المدينة بكونها العاصمة العالمية لصناعة الألماس وتجارته. وتشتهر بكونها مدينة كوسموبوليتية Cosmopolite)) تجسد في جزء منها المواطنة العالمية والتفاعل بين ثقافات ومهاجرين مختلفين، فبفضل موجات الهجرة المتتالية التي عرفتها أصبح يعيش فيها عدد من الجوالي الأجنبية: الهولنديون، المغاربة، الأتراك، اليهود، الأفارقة، الآسيويون (الهنود، الباكستانيون والصينيون... إلخ)، وتتعايش في المدينة أكثر من 150 جنسية مختلفة، ولهذا فإن شعار المدينة هو «المدينة لكل العالم» T stad is van iedereen!) (. وليس غريبًا أن تجد في
المدينة نفسها متاجر فلامانية ومغربية وتركية وباكستانية وصينية، فضلا عن متاجر يهودية (المخابز والحلويات والألماس) وهندية (الألماس)... إلخ، أو أن تسمع في آن واحد أحاديث في الشارع باللغات الفلامانية والإنكليزية والفرنسية والعربية والأمازيغية الريفية والتركية والييديشية (لغة اليهود الأشكناز). كما يمكنك أن تتنقل في المطاعم بسهولة بين الأكلات الفلامانية والحلويات والأكل الكاشير لليهود والكباب التركي والأكلات الصينية في الحي الصيني وأكلات السمك على الطريقة المتوسطية في المطاعم المغربية والأكلات النباتية الهندية. إضافة إلى ذلك، تعتبر المدينة بامتياز منطقة تماس بين ديانات وثقافات متنوعة ومختلفة: المسلمون والمسيحيون واليهود الشرقيون والجاينيون (نسبة إلى الديانة الجاينية Jainism) (الهندية) والبوذيون، كما يوجد في المدينة عدد من الكنائس والمساجد ومعابد اليهود، وفيها أكبر معبد للديانة للجانية خارج الهند في مقاطعة ويرليك Wilrijk) (. وعرفت المدينة منذ نهاية القرن التاسع عشر هجرات كبيرة نحوها من أوروبا الشرقية، كما شهدت في ستينيات القرن الماضي هجرات الأتراك والمغاربة إليها، ما جعل منها منطقة متميزة بهوية ثقافية ودينية متعددة الروافد؛ ففي المدينة نفسها، يوجد حي اليهود ويحتوي على
(13) https://fr.wikipedia.org/wiki/Anvers. (14) David Doucet, «Anvers, la tentation nationaliste,» Les inRocKuptibles (1 October 2012), at: http://www.lesinrocks. com/2012/10/01/actualite/anvers-la-tentation-nationaliste-11307829/.
ﺷﺒﺎب اﻟﺠﻴﻞ اﻟﺜﺎﻟﺚ ﻟﻠﻬﺠﺮةﻓﻲ ﺑﻠﺠﻴﻜﺎ: ﻫﻮﻳﺎت ﺗﺎﺋﻬﺔ وﻣﺘﺼﺪﻋﺔ: دراﺳﺔ ﺣﺎﻟﺔﺣﻲ » ﺑﻮرﻏﺮاوت« ﺑﻤﺪﻳﻨﺔ أﻧﻔﺮس
معابد ومدارس لليهود، وهي تحت حراسة أمنية مشددة (يقطن في أنفرس نحو 30 ألف يهودي). ويوجد بموازته حي بورغراوت حيث الوجود المكثّف للمسلمين المغاربة. وتعرف المدينة منذ ثمانينيات القرن العشرين مدًا شيعيًا بارزًا، حيث يتحول كثير من المغاربة السنة إلى المذهب الشيعي، كما تتعايش في
المدينة الكنائس الكاثوليكية والكنائس الشرقية الأرثوذكسية والكنائس البروتستانتية. هناك ارتفاع كبير في عدد المسلمين في أنفرس، وأغلبية الأطفال في المدارس البتدائية من المسلمين، حيث تصل نسبتهم إلى 52.4 في المئة، يليهم البروتستانت (26.4 في المئة) فالكاثوليك (18.7 في المئة). ومن مجموع طلاب العام المدرسي 2016-2015 البالغ 12.300 طفل في المدارس البتدائية، هناك 6.451 من المسلمين. وفي مقاطعة بورغاوت، 63 في المئة من الأطفال في المدارس البتدائية مسلمون، ما يعني أن أغلبية ساكنة مدينة أنفرس ستصبح بعد 10 أعوام من المسلمين. وتجدر الإشارة إلى أنه يمنع على المسلمات في مدارس أنفرس العمومية العلمانية athénée) (منذ أيلول/سبتمبر 2009 ارتداء الحجاب، لهذا فهن مضطرات إلى نزعه مجرد الدخول إلى المدارس وارتدائه بعد الخروج منها. منذ ثمانينيات القرن الماضي أصبحت أنفرس مدينة جذب للمثليين الجنسيين وللسياح منهم، حيث
يوجد لهم عدد من المقرات في وسط المدينة (مطاعم، مقاهٍ، حانات، مراقص... إلخ)، ويوجدون بشكل مكثف في وسط حي جامعة أنفرس، ويقيمون سنويًا في آب/أغسطس حفلاًاستعراضيًا معروفًا
Antwerpen Gay Parade) (في الشارع الرئيسي للمدينة. ويطالب أسقف أنفرس يوهان بوني (Johan Bonny) منذ عام 2014 الكنيسة الكاثوليكية بالعتراف بالمثليين ومباركة زواجهم. وتجدر الإشارة إلى أن بلجيكا هي ثاني دولة بعد هولندا أقرت زواج المثليين منذ عام.2003 مدينة أنفرس هي عاصمة الفلامانيين، وثمة صراع حاد بين الفلامانيين والوالونيين ذوي الثقافة الفرنكفونية، وثمة نزوع للفلامان نحو الستقلال والنفصال عن بلجيكا، خصوصًا بعد تحقيقهم صعودًا اقتصاديًا كبيرًا، ما أدى إلى وقوع أزمات سياسية حادة. وبالمقارنة مع الثقافة السائدة في منطقة بروكسل
ووالونيا التي تتميز بالنفتاح واستيعاب التعدد والختلاف، يلاحظ نوع من النكماش الهوياتي لدى الفلامانيين، حيث تصاعدت بحدة النزعات القومية الفلامانية في مدينة أنفرس ومنطقة الفلامان كلها، ما يولد نوعًا من التعايش الحذر والمتوجس بين الوالون والفلامان من جهة والمهاجرين من أصول مغربية من جهة أخرى. وتشهد منطقة أنفرس تصاعد قوة تيارات اليمين القومي المتطرف والمعادي للأجانب وللمسلمين تحديدًا، كحزب Belang Vlaams، وهناك فرع فلاماني لحركة بيجيدا (Pegida)
(15) Iman Lechkar, «Quelles sont les modalités d’authentification parmi les chiites belgo-marocains?,» dans: Brigitte Maréchal et Farid El Asri (éds.), Islam belge au pluriel , Islams contemporains (Louvain: Presses universitaires de Louvain, 2012), pp. 113-126. (16) «Belgique: Les Ecoles primaires d’Anvers ont une majorité d’élèves musulmans!,» Civilwarineurope, https://civilwarineurope.com/2016/03/06/belgique-les-ecoles-primaires-danvers-ont-une-majorite-
6/3/2016, at: deleves-musulmans/. (17) Johan Bonny, Église et famille: Ce qui pourrait changer , suivi de deux contributions de Philippe Bacq; préface de Bernard Housset (Namur; Paris: Fidélité; Paris: Salvator, 2014).
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
العنصرية في أنفرس، حيث نظّم أتباعه اجتماعات ومسيرات في شوارع أنفرس في عام 2016 رافعين شعارات معادية للمسلمين وللمهاجرين من قبيل «محمد غير مرحب به هنا». تصاعدت بشكل لفت موجات الرهاب من الإسلام Islamophobie) (والعنصرية ضد الأجانب في منطقة أنفرس، ول سيما ضد المهاجرين من أصول مغربية. وسبق لعمدة مدينة أنفرس بارت دي ويفر Bart De Wever) (، رئيس حزب التحالف الفلاماي الجديد Nieuw-Vlaamse Alliantie) (أن أثار ضجة كبرى بتصريحه في إحدى اللقاءات الإعلامية قائلا: «الجالية المغربية الريفية في أنفرس مغلقة جدًا على نفسها ولديها شعور عميق بعدم الثقة في السلطات، والإسلام داخلها غير منظم بتاتًا، ولديها قابلية شديدة للطروحات السلفية والتطرف. إني لم أشاهد مهاجرًا من أصول آسيوية يشتكي من التمييز
في العمل، وهم أيضًا غير حاضرين بقوة في إحصاءات الإجرام. في المقابل، نواجه مشكلات جمة في تنظيم الحركية الجتماعية للجالية الأمازيغية في أنفرس، التي تشكل 80 في المئة من الجالية المغربية في المدينة». وفي السياق نفسه، وصف عمدة المدينة المحجبات أنهن «حاملات خيم»، وظهرت ابنة أحد زعماء حزب المصلحة الفلامانية Vlaams Belang) (فيليب ديوينتر المعروف بتوجهاته اليمينية المتطرفة، في ملصق انتخابي، وهي تلبس البيكيني والبرقع في الوقت نفسه ومكتوب عليه بشكل مستفز: «الحرية أو الإسلام: عليكم أن تمتلكوا الجرأة لتختاروا». أوضحت دراسة واسعة النطاق تناولت المراهقين في أنفرس وغانت Gant) (، وهما من أكبر المدن الفلامانية، أن كل شاب فلاماني من أصل ثلاثة لديه نظرة سلبية حيال المسلمين وواحد من كل خمسة مقتنع أن الكثير من المسلمين مجرمون. وبالنسبة إلى الشباب المسلم فنصفه تقريبًا يرغب في إلغاء
زواج المثليين، وواحد من كل أربعة يعتقد أن استخدام العنف ضد المسلمين مشروع ومبرر، كما أن نصفه تقريبًا يعلن موافقته على اعتبار «أن اليهود مسيطرون»، وأن «اليهود يحرضون على الحرب».
ويخلص عالم الجتماع مارك إلكاردوس Mark Elchardus) (المشرف على الدراسة أن مسألة القتناع بالتعددية والختلاف قيمة غير مترسخة لدى شباب منطقة الفلاندر، سواء من أصول فلامانية أم أجنبية، وليس ثمة تسامح كبير بين مختلف الجماعات، وفكرة وجود بوتقة منسجمة ومتناغمة تجمع وتتفاعل داخلها الثقافات المختلفة بشكل يكون فيه احترام الآخر والحق في الختلاف أمر ما زال بعيد المنال. على الرغم من الواقع الكوسموبوليتي للمدينة، يلاحظ في المشهد الجتماعي للمدينة أن كثيرًا من الجماعات الإثنية والثقافية والدينية، خصوصًا اليهود والمغاربة والهنود والباكستانيين،
يتجذر داخلها الوعي المشترك بالعيش إلى حد بعيد في جماعات مغلقة على نفسها (Communautés closes) غير راغبة في، أو غير قادرة على، الندماج في المجتمع المحلي المتعدد ثقافيًا واجتماعيًا.
بذلك، تكوّنت مجتمعات صغرى منفصل بعضها عن بعض ومتقوقعة تكاد تتجمع حول مصالح آنية
وتتفاعل في ما بينها في الحدود الدنيا وفي مناسبات اجتماعية أو احتفالية قليلة. وتحيا كل جماعة على النغلاق والنكفاء، حيث يكون للحدود الجغرافية السياسية للأوطان الأم، وللخطاب الديني
(18) «Islam: 1 jeune Flamand sur 3 est intolérant,» Sudinfo.be, 8/2/2013, at: http://www.sudinfo.be/659783/article/ actualite/belgique/2013-02-08/islam-1-jeune-flamand-sur-3-est-intolerant.
ﺷﺒﺎب اﻟﺠﻴﻞ اﻟﺜﺎﻟﺚ ﻟﻠﻬﺠﺮةﻓﻲ ﺑﻠﺠﻴﻜﺎ: ﻫﻮﻳﺎت ﺗﺎﺋﻬﺔ وﻣﺘﺼﺪﻋﺔ: دراﺳﺔ ﺣﺎﻟﺔﺣﻲ » ﺑﻮرﻏﺮاوت« ﺑﻤﺪﻳﻨﺔ أﻧﻔﺮس
الأرثوذكسي الضيق والمتطرف أحيانًا، شأن في بلورة هذا الوعي، فيبقى الفرد أكثر ارتباطًا ببلده وأكثر تشبثًا بعاداته وتقاليده وفهم جماعته للقضايا الدينية ولرؤية الآخر المختلف عنه. لهذا كله، ستبقى مدينة أنفرس مدينة امتحان حقيقي لمختلف استحقاقات ورهانات الهجرة والتعايش بين الثقافات والديانات المختلفة، وكلما زاد توطيد قيم المواطنة والمساواة والعدالة والإنصاف جرى تجنب صدام سوء الفهم والتطرف من الجميع. الخريطة (1) موقع حي بورغراوت وسط مدينة أنفرس والأحياء المحيطة به
(19) «Belgique. Anvers ou le choc des extrémistes,» Courrier International (4 Décembre 2002).
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
الخريطة (2) موقع حي بورغراوت وسط مدينة أنفرس
ﺣﻲ ﺑﻮرﻏﺮاوت: ﻣﻔﺎرﻗﺎت وﻋﻮاﻟﻢ ﻣﻮازﻳﺔ يشكل حي بورغراوت إحدى المقاطعات التسع لمدينة أنفرس، ويتميز بكثافته السكانية العالية، حيث يعيش 11.842 شخص في كل كيلومتر مربع، ويوجد متر مربع لكل شخص في الفضاء العام، وبلغ عدد سكان الحي نحو 46 ألف نسمة في كانون الثاني/يناير 2013. وتنقسم المقاطعة إلى «بورغراوت داخل الأسوار القديمة» Borgerhout intramuros) (حيث المباني القديمة والشوارع الضيقة ووجود مكثّف للمهاجرين، خصوصًا المغاربة، وينتهي هذا الحي بمحاذاة شارع كبير وطويل يعرف انتعاشًا
تجاريًا كبيرًا وهو شارع Turnhoutsebaan. وتعتبر مقاطعة بورغراوت، مقارنة بالمقاطعات الأخرى،
المنطقة الأكثر شبابًا، حيث إن أكثر من 26 في المئة من ساكنتها تقل أعمارهم عن 18 عامًا، وسيعرف
في المستقبل القريب نسبة تشبيب كبيرة جدًا بسبب ارتفاع نسبة الخصوبة في هذا الحي بشكل كبير مقارنة بباقي المقاطعات (انظر الجدول.))1(
ﺷﺒﺎب اﻟﺠﻴﻞ اﻟﺜﺎﻟﺚ ﻟﻠﻬﺠﺮةﻓﻲ ﺑﻠﺠﻴﻜﺎ: ﻫﻮﻳﺎت ﺗﺎﺋﻬﺔ وﻣﺘﺼﺪﻋﺔ: دراﺳﺔ ﺣﺎﻟﺔﺣﻲ » ﺑﻮرﻏﺮاوت« ﺑﻤﺪﻳﻨﺔ أﻧﻔﺮس
الجدول (1) توزّع المهاجرين من أصول مغربية في سن أقل من 6 أعوام في المقاطعات في إقليم أنفرس (أنتويربن) (بالنسبة المئوية) مقاطعات أنفرس 2012
| 2015 | 2014 | 2013 | 2012 | مقاطعات أنفرس |
|---|---|---|---|---|
| 43.1 | 43.5 | 43.2 | 43.7 | بورغراوت (Borgerhout) |
| 29.2 | 30.7 | 30.5 | 30.4 | هوبوكن (Hoboken) |
| 27.5 | 27.8 | 27.7 | 27.4 | دورن (Deurne) |
| 19.8 | 19.3 | 18.5 | 16.2 | ويلريك (Wilrijk) |
| 19.7 | 20.0 | 19.9 | 20.0 | أنتويرب (Antwerpen) |
| 18.0 | 17.2 | 16.6 | 16.1 | ميركسم (Merksem) |
| 13.6 | 13.5 | 12.9 | 13.0 | بيرخم (Berchem) |
| 5.7 | 4.9 | 5.0 | 5.5 | بيزالي (Bezali) |
| 3.2 | 2.9 | 3.6 | 3.3 | إكرن (Ekeren) |
«Amazigh, een meerwaarde voor Antwerpen of de onderschatte rijkdom van een 3000: المصدر jarige cultuur,» Non-Profit Data, 29/3/2015, at: http://www.npdata.be/BuG/262-Amazigh./.
إضافة إلى ذلك، يقيم في هذا الحي أكبر عدد من المهاجرين من أصول مغربية، ويشكل المغاربة، خصوصًا الأمازيغ المنتمين إلى منطقة الريف، الأغلبية فيه، حيث يمثلون أكثر من 40 في المئة من ساكنة الحي، ويشكلون 71 في المئة من مجموع المجموعات الإثنية من غير التحاد الأوروبي القاطنة في الحي، لهذا يلقب بحي المغاربة. من الطبيعي أن يُشاهد عدد كبير من النساء المحجبات في هذا الحي والكثير من المخابر والمقاهي والمطاعم المغربية. ويؤوي الحي عددًا من المساجد، وبجوار بعضها توجد مدارس لتعليم القرآن واللغة العربية لأطفال المهاجرين المسلمين، خصوصًا في أيام العطلات وخارج أوقات الدراسة النظامية. ل يعد حي بورغراوت من الأحياء الفقيرة، أو أحياء الضواحي الحساسة والمهمشة الشبيهة بالغيتوات كما هو الشأن مع مولمبيك وشاربيك في بروكسل، وهو حي قريب من وسط المدينة وتتميز هندسته بالبناء العصري الحديث ووجود منازل وعمارات سكن لئقة ونظيفة ومنظمة بشكل جيد. كما أنه ليس من الأحياء التي توجد فيها مناطق رمادية يتفادى رجال الأمن الدخول إليها، كما ل يعرف ظاهرة التصفية
(20) At Home in Europe Project, Muslims in Antwerp (New York: Open Society Foundations, 2011), p. 33.
21)) بحسب إحصاءات المركز الإسلامي والثقافي في بلجيكا توجد في مقاطعة بورغراوت إلى حدود آذار/مارس 2015 ستة مساجد رسمية: السلام وبلال وحمزة وكبدانة والنبراس والنصر.
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
العنيفة للحسابات بين العصابات الإجرامية. لكن في المقابل، تنتشر تجارة المخدرات وما يرتبط بها من جرائم السرقة. وعلى الرغم من ذلك، فهذا ليس من الأحياء الراقية، بل من الأحياء المتوسطة، علمًا أن مقاطعات شمال أنفرس تعاني أكثر صعوبات المجمعات السكنية الضخمة والعمارات الكثيرة. في ثلاثينيات القرن الماضي، عرف هذا الحي ازدهارًا كبيرًا حيث بلغ عدد سكانه 50 ألف نسمة. لكن
بعد الحرب العالمية الثانية، تراجع بشكل كبير عدد سكان الحي، وأتاح الزدهار القتصادي للسكان من أصول فلامانية بشراء أو بناء منازل في البوادي، ما أفرغ الحي من ساكنته في الستينيات، وتصادف ذلك مع استدعاء بلجيكا اليد العاملة من المغرب حيث كانت البلاد في أمس الحاجة إليها. ونظرًا إلى
كون الحي قريبًا من محطة القطارات الآتية من بروكسل والمدن الفرنسية، ونظرًا إلى كونه المنطقة التي
كانت فارغة آنذاك، فقد بدأ يستقر فيه المهاجرون المغاربة الأوائل من الجيل الأول، والذين جاءوا في البداية فرادى من أعماق قرى الريف في شمال المغرب، وكانوا في الأغلب فلاحين ينتمون إلى الجماعات القبلية نفسها (هناك وجود كبير للمهاجرين من قبيلة بني توزين في الحي، والآتين من أقاليم الناظور والحسيمة والدريوش)، وفي وقت لحق انضمت إليهم زوجاتهم وأبناؤهم في إطار التجمع العائلي، حيث قرروا الستقرار والإقامة بشكل دائم في بلجيكا. ونظرًا إلى كون معظمهم لم
يسبق له أن عاش في مدن ومناطق حضرية، فقد واجه في البداية صعوبات كبيرة في الندماج في مدينة كبيرة ووسط مجتمع غربي أوروبي مختلف عنهم بشكل كبير على مستوى العادات والثقافة واللباس. في الثمانينيات والتسعينيات، التحق ببلجيكا الجيل الثاني، وكان معظمه من أبناء الجيل الأول الذين جاوزت أعمارهم ستة أعوام، فضلا عن مجموعة من الطلاب المعطلين من حاملي الشهادات الجامعية العليا. وبكدهم وعملهم بجد مستمر، تكوّنت طبقة متوسطة قوية من المهاجرين المغاربة من هذين الجيلين استطاعت شراء معظم المنازل في هذا الحي، ما جعل السكان من أصول فلامانية أقلية فيه. ويقيم في الحي مجموعة من المثقفين التقدميين والناشطين في الجمعيات المدنية، وغالبًا ما
يكون التصويت في الحي لمصلحة تيار الشتراكيين في النتخابات. تتعايش داخل الحي عوالم موازية ومتناقضة أحيانًا، وتسجل فيها أقل نسبة من التنوع الإثني والثقافي على مستوى ساكنتها، فأغلبية قاطني الحي مهاجرون من أصول مغربية، وتعيش فيه قلة من الأشخاص من أصول فلامانية. وعلى الرغم من أن هناك أماكن عدة تلتقي فيها الأغلبية بالأقلية، فإنه ل يوجد تفاعل وتواصل بينهم، فلكل عالمه المغلق الخاص به. وحتى في المهرجانات الحتفالية الكبرى التي تقام في الشارع الرئيسي الموازي للحي، كالحتفال التقليدي موكب العمالقة Reuzenstoet) (، ل نجد حضورًا بارزًا للمهاجرين من أصول مغربية، خصوصًا كمشاركين في الحتفال. وتوجد في
الحي نسبة من الفلامانيين كبار السن الذين يشتكون من وجود الشباب المغاربة في المساء والليل
(22) Frédéric Legrand, «Borgerhout, l’autre visage d’Anvers,» Chez Albert, 22/4/2013, at: http://www.chez-albert.fr/ Anvers-Borgerhout-NVA-Groen.html. (23) Ibid.
ﺷﺒﺎب اﻟﺠﻴﻞ اﻟﺜﺎﻟﺚ ﻟﻠﻬﺠﺮةﻓﻲ ﺑﻠﺠﻴﻜﺎ: ﻫﻮﻳﺎت ﺗﺎﺋﻬﺔ وﻣﺘﺼﺪﻋﺔ: دراﺳﺔ ﺣﺎﻟﺔﺣﻲ » ﺑﻮرﻏﺮاوت« ﺑﻤﺪﻳﻨﺔ أﻧﻔﺮس
بكثافة وبشكل جماعي في الأزقة، حيث يتحدثون بصوت مرتفع ما يزعج سكينتهم. وفي الواقع، إن الوجود المكثف للمغاربة في الحي والحضور البارز في الفضاء العام لأسلوب حياة مرتبط بهويتهم وثقافتهم المحلية يجعلان الكثير من الأشخاص من أصول فلامانية ينظرون إليهم بتوجس، إن لم نقل بعنصرية، وتنتشر بكثرة أحكام نمطية مسبقة وتعميمات تعسفية تتغذى من هواجس الخوف وعدم الأمن. ومثلا، كثيرًا ما يتردّد أن النساء المسنات من أصول فلامانية في هذا الحي يتأبطن محافظهن
بشكل جيد حين يخرجن، ول يرتدين في أعناقهن أي مجوهرات غالية تخوفًا من التعرض للسرقة. وفي هذا المنحى، يشير ووتر فان بيسيان Besien) Van Wouter (، الرئيس السابق لحزب الخضر الفلاماني، إلى أن «بعض السكان يشعرون أنهم مهددون ويرفضون المهاجرين وثقافتهم، فالمغاربة ل يتحدثون كلهم اللغة الفلامانية، وهم يأتون إلى هنا بلغتهم وعاداتهم وطريقة لباسهم وثقافة الشارع الخاصة بهم، ويتجولون بشكل جماعي في الأماكن العامة. إن حضورهم قوي، وهذا ما يزعج». استغل اليمين الفلاماني المتطرف هذا الوضع واستثمره بشكل جيد؛ ففي الأحد الأسود في النتخابات التشريعية لعام 1991، نجح حزب المصلحة الفلامانية Vlaams Belang) (في الحصول على 33 في المئة من الأصوات في بورغراوت وعلى 35.3 في المئة في النتخابات الجماعية لعام 2000. وكانت بداية الصعود اللافت لليمين القومي المتطرف في مدينة أنفرس. حتى وسط المهاجرين من أصول مغربية هناك عالمان موازيان ل يوجد تواصل حقيقي بينهما؛ فمن جهة، هناك أولئك الذين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة وقد نجحوا نسبيًا في تحقيق الرقي
الجتماعي، ويمتلكون منازلهم ولديهم وضعية مهنية مستقرة، ومن جهة أخرى هناك نسبة تعيش في هشاشة اجتماعية وعدم استقرار مهني وتعتمد على المساعدات الجتماعية. ويسجل حديثًا وجود عدد كبير من المهاجرين من أصول مغربية الآتين من هولندا لإقامة مشروعات تجارية في الحي، أو الآتين من إسبانيا لتحسين أوضاعهم القتصادية (يرغب الكثير منهم في الحصول على الجنسية البلجيكية من خلال الزواج بمغربيات حاصلات على الجنسية البلجيكية). ول ننسى وجود مجموعة من المهاجرين المغاربة الشبان الذين يعيشون في الحي في سرية في انتظار تسوية أوضاعهم القانونية. علاوة على ذلك، يجسد حي بورغراوت اليوم التناقضات التي يعيشها شباب الجيل الثالث للهجرة على مستوى الفشل الدراسي وصعوبة الندماج الجتماعي والتطرف الديني... إلخ، لذا يوصف ب «الحي الذي يثير المشكلات» حيث تحدث كثير من الصدامات والمناوشات بين الشرطة والشباب الذي يرى أن رجال الشرطة يتعامل معه بعنصرية، ويحدث أحيانًا إتلاف وتخريب وتكسير للممتلكات
(24) Laurent Dupuis, «41378 âmes, 96 nationalités, un défi interculturel,» La Libre , 10/8/2006, at: http://www.lalibre. be/archive/41378-ames-96-nationalites-un-defi-interculturel-51b88f98e4b0de6db9ae5c74. (25) Ibid. (26) Samira Bendadi, «Borgerhout n’est plus «Borgerokko»,» MO* Magazine , from MICmag Website, 13/11/2013, at: https://www.micmag.be/diasporas/borgerhout-n-est-plus-borgerokko.
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
العامة والخاصة، كما أن نسبة الفشل الدراسي مرتفعة. وكان هناك نفوذ كبير للتيارات السلفية الجهادية في حي بورغراوت، حيث عبّأت الشباب في عدد من المناسبات للقيام باحتجاجات، كما
حرضت وشجعت شباب بلجيكيين على الذهاب للقتال في سورية والعراق، ولعل أبرزها تنظيم «الشريعة من أجل بلجيكا»Belgium) 4 Sharia (. كان هذا الحي، ول يزال، محل وصم وقدح وسب من البلجيكيين، خصوصًا من أصول فلامانية،
فهو مثل مولنبيك بالنسبة إلى بروكسل. ويجسد في عيون البلجيكيين حالة توتر حاصلة بخصوص موضوع الهجرة. وفي عز توغل اليمين المتطرف في المدينة وتغلغله فيها لم يكن يطلق على الحي اسم بورغراوت، بل بورغيروكو Borgerokko) (وهو تركيب وخليط باللغة الفلامانية بين بورغراوت والمغرب Marokko) (، وهذا نوع من السخرية العنصرية على أساس أن من يدخل هذا الحي سيعتقد أنه في المغرب وليس في بلجيكا.
ﻫﻮﻳﺎت ﻣﺘﺼﺪﻋﺔ، ﺣﻴﺮة وﺷﻌﻮر ﺑﺎﻟﻔﺮاغ وﻋﺪم اﻻﻧﺘﻤﺎء
من خلال النتائج الأولية للدراسة تبين لنا أن معظم الشباب الذين تحدثنا معه واستمعنا إليه خلال دراستنا الميدانية لديه شعور عميق بالخواء وعدم الجدوى ويفتقد هدفًا في الحياة. هذا ما يترجمه التمزق الهوياتي الحاد الذي يعانيه هذا الشباب، فعلى الرغم من ولدته في بلجيكا ومواطنته البلجيكية، فإنه يحس دائمًا أنه غريب وأجنبي ول ينتمي إل شكلا إلى وطن يدعى بلجيكا. لكنه ل يشعر أيضًا بأن
ثمة رابط قوي يربطه بالمغرب، ويفتقد معظمه الإحساس بضرورة التواصل مع بلده الأصلي والوفاء لأصول آبائه وأجداده. لهذا، فهو ل يأتي إلى المغرب إل قليلا لفترات وجيزة. إنه شباب تائه ليس بلجيكيًا ول مغربيًا، ول يعرف في الأغلب من هو. وحين طرحنا سؤال من أنت؟ أحسسنا في عدد من
المرات من خلال نظرات بعضه بكونه يتعايش مع هويته بتردد وقلق وجودي، ما يجعله تائهًا يبحث عن مثل عليا وعن معنى لحياته وعن ملاذات آمنة تحميه من قساوة الشعور بالعزلة وعدم النتماء وعدم الستقرار العائلي والمهني والعاطفي. إن صدمة معاملة الشباب المغاربة أو النظر إليهم كأجانب، حتى ولو حاولوا الندماج بشكل كبير في المجتمع، وعدم تفهمهم تقاليد آبائهم وثقافة محيطهم العائلي، يجعل كثيرًا منهم متذمرًا ومستاء
يصارع من أجل العتراف به. وأحيانًا، يأتي الخلاص من خلال توهم النتماء إلى هويات شمولية عابرة الأوطان والجغرافيا والثقافات، أكان في شكل النتماء إلى هوية ثقافية إثنية ولغوية جامعة (الأمازيغية والريفية) أم النتماء إلى هوية افتراضية عالمية تجعلهم يندمجون في روح العصر من خلال وسائل التواصل الجتماعي وزيارة عدد من الأماكن في العالم، أو النتماء إلى هوية دينية خالصة ومجتمع
(27) Rapport de suivi de l’éducation et de la formation 2015 - Belgique (Luxembourg: Office des publications de l’Union européenne, 2015), p. 4. (28) Felice Dassetto, «Sharia4... all Éléments d’analyse et de réflexion à propos d’un groupe extrémiste,» essais et recherches en ligne, Centre interdisciplinaire d’études de l’Islam dans le monde contemporain, Juin 2012, at: https://cdn. uclouvain.be/public/Exports%20reddot/cismoc/documents/sharia_for_all_essais_dassetto_2012.pdf.
ﺷﺒﺎب اﻟﺠﻴﻞ اﻟﺜﺎﻟﺚ ﻟﻠﻬﺠﺮةﻓﻲ ﺑﻠﺠﻴﻜﺎ: ﻫﻮﻳﺎت ﺗﺎﺋﻬﺔ وﻣﺘﺼﺪﻋﺔ: دراﺳﺔ ﺣﺎﻟﺔﺣﻲ » ﺑﻮرﻏﺮاوت« ﺑﻤﺪﻳﻨﺔ أﻧﻔﺮس
إسلامي عالمي يتفاعلون مع قضاياه ومآسيه ويتقاسمون معه تقمص دور الضحية، معلنين التضامن معه، بل والستعداد أحيانًا لفعل أي شيء لتقديم المساعدة إلى المسلمين وتقليص معاناتهم. الشكل (1) من أنت؟
المصدر: الشكل من إعداد الباحث.
استنادًا إلى الشكل (1)، ثمة اضطراب وتمزق على مستوى النتماء الهوياتي للجيل الثالث (الفئة 1)، فأبناء هذا الجيل ينتمون إلى هويات متعددة، لكنهم يعانون أزمة هوية حادة تجعل معظمهم غير قادر على الختيار الواعي لما يريد أن تكون عليه هويته. كان طرح سؤال «من أنت؟» بمنزلة عنف رمزي ومعنوي حاد يمتحن مدى تماسك هؤلء النفسي، فكثير منهم كان يسترسل في تأكيد انتمائه إلى هويات متعددة، لكن تنتابه في ختام حديثه حيرة وحسرة لأنه ل يشعر بانتماء حقيقي عميق إلى أي منها، فيكون الجواب الأخير الذي يريحه بشكل موقت: «في الواقع ل أعرف من أنا». إن جواب «ل أعرف» تجسيد لأزمة هوية ومحاولة احتيال ذكي للهروب من السؤال المؤرق: هل الأولوية للوطن الأصل أم لوطن المولد؟ هل الولء للوطن أم للدين؟ إن هؤلء يعتبرون أنفسهم غرباء عن وطنهم بلجيكا، ول يشعرون بأنهم مواطنون بلجيكيون لهم كامل الحقوق مثل غيرهم، لذلك يعتقدون أن الجميع ينظر إليهم باعتبارهم أجانب غير مرغوب فيهم، كما ينتابهم باستمرار شعور بعدم النتماء إلى وطن يسمى بلجيكا، لذلك كثيرًا ما ينظرون إلى البلجيكيين
كغرباء عنهم ل شيء يربطهم أو يجمعهم بهم. يقول نور الدين، أحد شباب الحي، باستهجان شديد: «كانوا ينعتونني براعي الماعز والقرد في المدرسة، كنت بالفعل أشعر بأني مختلف عنهم، حتى المعلمين كانوا يشعروننا بذلك، اليوم ما عدت أبالي. نحن مهما فعلنا فسنبقى غرباء وأجانب بالنسبة إليهم، لكن أتعرف أنا يريحني ذلك، أنا ل أطيقهم، فهم السبب في ما نحن فيه اليوم. لقد
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
استغلوا آباءنا كثيرًا لكن اليوم لن نسمح لهم بذلك، فأنا بلجيكي رغمًا عنهم، وليرحلوا من هنا إذا
لم يعجبهم الأمر». حين يطرح على أحدهم سؤال الختيار بين أولوية انتمائه إلى الوطن بلجيكا أو النتماء إلى الإسلام: هل أنت بلجيكي مسلم أم مسلم بلجيكي؟ يكون الجواب من 92 في المئة من الشباب المستجوب ومن دون تردد «أنا مسلم بلجيكي» (انظر الشكل (2)). يمكن أن يفسر الأمر بعدم الإحساس بالنتماء إلى الوطن (بلجيكا) وبكون هؤلء لم يجدوا اعترافًا بذواتهم فيه. وكثيرًا ما يردد معظمهم أن «بلجيكا
تخلت عنا وما عادت تهتم بأمرنا»، «نحن لسنا في ديارنا»، وبالتالي يرسمون لأنفسهم تماهيًا مع هوية
أشمل من المواطنة تمنحهم معنى لحياتهم، هي النتماء إلى الأمة الإسلامية. يقول أيمن الشاب البالغ 19 عامًا، ويعمل بشكل موسمي وغير منتظم في مهن مختلفة: «في الواقع ل يمكنني الإجابة، ل أعرف
من أنا، أنا أمازيغي أتحدث اللهجة الريفية في المنزل، وكان علي أن أكون فلامانيًا في المدرسة وأن
أتحدث وأتعامل مثلهم، وفي الشارع أتكلم بالطريقة التي أريد، ل يفرض علي أحد شيئًا، لكن أل ترى أننا مسلمون، نعم الإسلام هي الهوية الحقيقية، أنا مغربي ول أشعر بأني بلجيكي، لكن انتظر، أعتقد أني مسلم قبل كل شيء، وهذا يكفي. التفكير في الأمر يزعجني كثيرًا». ليس اعتباطًا أن بعض الشباب الأوروبيين المسلمين الذين يلتحقون بتنظيم القاعدة أو ما يسمى داعش لديهم حساسية حيال ما يسمونه النتماءات الوطنية الضيقة وجعلوا أنفسهم «رحلا عابرين للهويات» ينشئون أوطانًا افتراضية فسيحة عبر شبكات الإنترنت من دون الحاجة إلى إقليم ترابي وإلى ولءات هوياتية وطنية. يقول أحد شبان أنفرس الذي ذهب للقتال في سورية: «سننتفض من أجل المسلمين أينما كانوا. لماذا؟ لأن وطننا واحد ودمنا واحد وحربنا واحدة». في المغرب، وتحديدًا في الريف (شمال المغرب)، يشعرون أيضًا بأنهم أجانب ول يمكنهم الندماج بسهولة في المجتمع المحلي. فأهل الريف في شمال المغرب ل يفهمون اللغة الفلامانية أبدًا، وحتى حين يستعملون لغة هجينة، أي خليطًا من الفلامانية والريفية والدارجة العربية، فإن تواصلهم يكون صعبًا مع كثير من المواطنين المغاربة، وبالكاد يُفهمون في بعض المناطق المغربية، وهم يشعرون
أنهم محل سخرية الجميع بسبب طريقة تحدثهم. لذا، فالتمزق الهوياتي مرتبط باللغة أيضًا لدى أبناء الجيل الثالث، فهم يتحدثون اللغة الفلامانية في مكان الدراسة وفي الفضاء العام، لكن في المنزل ومع الأصدقاء يتحدثون خليطًا من اللغة الفلامانية واللهجة الأمازيغية الريفية. كما أن كثيرًا من الأمهات
والآباء ل يجيدون الحديث بالفلامانية، ول يتحدثون إل اللهجة الريفية. هذا ما يجعل مثل هؤلء يواجهون مشكلات جمة حين ذهابهم إلى المغرب على مستوى التواصل مع أقرانهم من الشباب المغاربة. أما الجيل الأول من المهاجرين، فعلى الرغم من إقامة كثير منهم في بلجيكا منذ أكثر من نصف قرن تقريبًا، فإنه ل يجيد اللغة الفلامانية، لكن لديه القدرة على التواصل بها في حدود معينة،
(29) Marc Sageman, Le Vrai visage des terroristes: Psychologie et sociologie des acteurs du djihad , traduit de l’américain par Maurice Berrac, impacts (Paris: Denoël, 2005). (30) Montasser Alde’emeh, Pourquoi nous sommes tous des djihadistes , témoignages et documents (Paris: La Boite à pandore, 2015), p. 16.
ﺷﺒﺎب اﻟﺠﻴﻞ اﻟﺜﺎﻟﺚ ﻟﻠﻬﺠﺮةﻓﻲ ﺑﻠﺠﻴﻜﺎ: ﻫﻮﻳﺎت ﺗﺎﺋﻬﺔ وﻣﺘﺼﺪﻋﺔ: دراﺳﺔ ﺣﺎﻟﺔﺣﻲ » ﺑﻮرﻏﺮاوت« ﺑﻤﺪﻳﻨﺔ أﻧﻔﺮس
وقد بقي هؤلء متشبثًا بلغته الأم، وهي اللهجة الريفية. المفارقة هي أن هؤلء نجحوا في نسج علاقات تواصلية متينة وسلسة مع كثير من البلجيكيين من أصول فلامانية. الشكل (2) هل تفضل أن يقال لك مسلم بلجيكي أم بلجيكي مسلم؟
المصدر: الشكل من إعداد الباحث.
كثير من الشباب في مأزق، حائر بين ثقافة أجداده وآبائه والثقافة الأوروبية الغربية التي عليه أن يندمج فيها. لهذا يقرر بعضه القطيعة في كل التجاهات، مع أسلوب تدين الآباء وتفكيرهم، مع ثقافة المجتمع البلجيكي الذين يعيش وسطه، فهو يعيش صراعًا في داخله بين هويات مختلفة؛ لذا هو في بحث دائم
ومضنٍ عن أهداف وعن هوية يجد فيها كينونته الوجودية. كما أنه غير راضٍ عن انتمائه الهوياتي، ول يمتلك ثقة في هويته التي تتخطفها، في الآن الواحد، مشاعر انتماء ثقافية واجتماعية متنافرة في المستويات والتجاهات المختلفة. إنه نوع من الغتراب المزدوج: فهو ل يشعر بأنه بلجيكي، وفي الوقت نفسه ل يجد معنى حين يُذكّر بأصوله المغربية. لكن أعمق من ذلك تعاني نسبة من الشباب
الغتراب المركب ولديها إحساس بالضطراب وعدم النسجام مع ذواتها. هذا ما يسميه عالم النفس إريك إيريكسون Erik Erikson) (الرتباك الهوياتي la confusion identitaire)) المتجسد في الفشل في بناء هوية مستقلة ومتماسكة، ما يولد مظاهر الرتباك والقلق والتفكك الداخلي والنزواء وعدم القدرة على تحديد معنى للوجود. المفارقة الكبرى هي أننا عندما نتحدث إلى مهاجري الجيل الأول ل نشعر بوجود أزمة هويات، بل هناك تماسك في اقتناعهم بكونهم قادرين على العيش بهويات، ومع هويات متعددة، من دون أن يشكل ذلك مشكلة. في أثناء إجرائنا مقابلات عدة معهم، تبين لنا أن ثمة أزمة تواصل عميقة مع هذا النوع من الشباب تزيد من عزلته عن محيطه الجتماعي ومن اضطراب هويته وتمزقها وكأن لسان حاله يقول: «لماذا
(31) Philippe Moureaux, La Vérité sur Molenbeek (Paris: La Boîte à pandore, 2016), pp. 109, 147 et 149. (32) Erik H. Erikson, Adolescence et crise: La Quête de l’identité , traduit de l’américain par Joseph Nass et Claude Louis-Combet, champs; 60. Champ psychanalytique (Paris: Flammarion, 1993).
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
يتحدث الكل عنا، لماذا ل تتحدثون معنا؟ نحن في حاجة إلى من يستمع إلينا؟». لحظنا أن هذا الشباب غاضب من الصورة السلبية النمطية التي تحاصره من كل جانب، فالإعلام الأوروبي عمومًا، والبلجيكي خصوصًا، غالبًا ما يرى فيه «مشكلة» فيربطه بالإجرام وأعمال الشغب والتخريب والتطرف
والمخدرات وصخب السيارات... إلخ، ول يتردد الشباب من أصول فلامانية، خصوصًا عبر مواقع التواصل الجتماعي، في شتم الشباب المغاربة ووصفهم ب «رعاة الماعز» الذين عليهم أن يعودوا إلى الجبال من حيث أتى آباؤهم وأجدادهم. وفي المغرب، يعتقد هذا الجيل من الشباب أنه محل وصم وشبهة الإثراء السريع والتجار بالمخدرات والتباهي المفرط، خصوصًا حين يأتي في سيارات فارهة غالية الثمن أو ينظم حفلات زفاف فخمة.
اﻧﺴﺪاد اÉ ﻓﺎق وﺷﻌﻮر ﻗﺎﺗﻞ ﺑﻌﺪم اﻟﺠﺪوى
ثمة إحساس سلبي عام وسط فئة من شباب بورغراوت بالضياع وغياب الآفاق وبعدم العتراف بها بفعل فشلها الدراسي والمهني، وساهم اعتقاد هذه الفئة بفشلها في معترك الحياة في تعميق إحساس أفرادها بالغربة العاطفية والجتماعية والسياسية، ما يولد حالة عجز عن ربط العلاقات مع المؤسسات والمجتمع ومع الآخرين المختلفين عنهم، وفي ترسيخ شعور بالتهرب من المسؤولية وإزاحتها عن النفس. تقول الروائية رشيدة المرابط التي تتحدر من الحي نفسه: «ألحظ كمونًا وجمودًا وشبابًا لم
يتملك الأدوات اللازمة لتحقيق الرقي الجتماعي، وألحظ أيضًا ساكنة تتقوقع على نفسها، وبفعل عدم النجاح الجتماعي والقتصادي تتجه نحو الدين». وفي إطار غياب أفق لمجتمع إدماجي société inclusive) (، يبدأ البحث عن هوية جديدة تعوض عن غياب الوسائط الجتماعية (الأسرة، المدرسة، الجمعيات المدنية... إلخ)، عبر وسائل جديدة للتطبيع الجتماعي من خلال تطوير ثقافة الحي quartier) de culture la (وثقافة الشلة والعصابات الحضرية urbaines) bandes) التي تقوم بأعمال إجرامية تتعلق بالسرقة واستهلاك المخدرات وبيعها في الأحياء؛ الأمر الذي يمنحهم هوية جماعية تعويضية وبديلة يمتزج فيها العنف المادي واللفظي بالرغبة في امتلاك القوة والحظوة لدى الأصدقاء واكتساب نوع من التقدير وسط الشباب عبر ركوب جماعي للسيارات وإحداث صخب وضجيج في الشارع الرئيسي لمدينة أنفرس. وهذا ما يسمح لهم بالعيش وسط مجتمع موازٍ منعزل عن مجتمع الأغلبية وينتظم وفق قوانين وطقوس خاصة، وبذلك فإنهم يكونون من خلال ممارساتهم الجتماعية والثقافية بأنفسهم ما يمكن نعته بشبه غيتوات مشكّلة ذاتيًا construits) auto (Ghettos
يساهم في داخلها الأفراد بأنفسهم، جزئيًا، في تعميق التهميش والنغلاق على الآخرين. وقد يصل
الأمر إلى حد بناء مجتمع مصغر داخلي مضاد société) - Contre (من خلال تكريس أنماط سلوك اجتماعية وثقافية خاصة وشبكات تضامنية جماعية تركز على تقديس النتماءات والقيم الهوياتية والإثنية واللغوية في مواجهة أشكال الستبعاد والحتقار المختلفة التي - في اعتقادهم - يتعرضون لها من أغلبية المجتمع الذي يتحول في نظرهم إلى مجتمع خارجي غريب عنهم.
(33) Cité par: Bendadi, «Borgerhout».
ﺷﺒﺎب اﻟﺠﻴﻞ اﻟﺜﺎﻟﺚ ﻟﻠﻬﺠﺮةﻓﻲ ﺑﻠﺠﻴﻜﺎ: ﻫﻮﻳﺎت ﺗﺎﺋﻬﺔ وﻣﺘﺼﺪﻋﺔ: دراﺳﺔ ﺣﺎﻟﺔﺣﻲ » ﺑﻮرﻏﺮاوت« ﺑﻤﺪﻳﻨﺔ أﻧﻔﺮس
إن نزوع الشبان والشابات نحو التكتل في جماعات مع أقرانهم في الحي يمنحهم روابط اجتماعية تعوضهم عن هشاشة الرابط الجتماعي الذي يجمعهم بالمجتمع، وتكوين جماعات منسجمة متآلفة في ما بينها تبدو كأفراد لهم وزن وتقدير في الشارع والمقاهي التي يرتادونها، ما قد يساعدهم في مسار بحثهم عن معنى وقيم تجيب عن تساؤلتهم بشأن أصلهم وتدينهم وعلاقتهم بالآخرين ومكانتهم في المجتمع. إضافة إلى ذلك، إن عدم اندماج هؤلء في نسيج مجتمعي متماسك وإحساسهم باللاأمن الهوياتي والثقافي يجعلهم يستنجدون بأشكال مختلفة من العنف والشغب، أو يتشبثون بشكل قوي وحاد ومستميت أحيانًا بمجموعة من المظاهر التي تحيل على هويتهم وانتمائهم الجماعي الإثني والثقافي والديني (اللباس، طريقة الكلام، نبرة الكلام، حركات الجسد... إلخ)، ما يولد ثقافة جماعاتية Communautarisme) (، تصبح فيها التعبئة الهوياتية والدينية والإثنية سلاحًا لهؤلء المهمّشين للمقاومة وإثبات الذات وللحصول على العتراف المنشود. يشير عماد الشاب
العاطل من العمل الذي يمتلك روحًا قيادية وسط أصدقائه: «أنا وأصدقائي ل نقبل أن نتعرض لأي إهانة من أي كان، ول أن يُستهزأ بنا، حتى من الشرطة، نحن دائمًا معًا، نحن ريفيون ومسلمون، وعزة
أنفسنا فوق كل شيء. هنا في الشارع، عليك أن تكون قويًا حتى تكسب احترام الجميع واعترافهم بك. أصدقائي كلهم أصولهم من الريف ويتحدثون لغتي، لن نسمح للبلجيكيين والفلامانيين بأن يستغلونا كما استغلوا آباءنا، نحن ل نخشاهم». ربما تكون المرحلة القصوى في طريق البحث عن المعنى والجدوى هو تحويل هويات الشبان والشابات «الجريحة» إلى هويات قاتلة من خلال خطابات راديكالية عنيفة تخترقها، تدعوهم إلى الرحيل إلى «الجهاد». إن القلق والرتباك الهوياتيين بانسداد الآفاق يجعل معظم الشباب محاصرًا بهشاشة حادة وعميقة تجعله مستعدًا للتعبير عن ذاته بوساطة عنف عدمي انفجاري يفوق المنطق وحدود التمرد، فيرى نفسه بطلا خياليًا يجسد الخلاص الهوياتي في مواجهة الآخر. يبدو أن الإحساس الأليم بالفراغ وعدم الجدوى يجعل بعض الشباب يتشبث بالمخيال الستيهامي الجماعي البطولي ويستنجد به من خلال استدعاء طوبى «الخلافة الإسلامية» والعتزاز بالنتماء إلى الأمة الإسلامية الكبرى من خلال الإيمان بمشروع «داعش» أو جبهة النصرة واللتحاق ب «الجهاديين» في سورية والعراق. ويعتقد مثل هذا الشباب ويتخيل أن هذا سيمنح حياته دفئًا
(34) Ural Manco, «Identifications religieuses de jeunes schaerbeekois issus de l’immigration,» dans: Maréchal et El Asri (éds.), p. 82. Albert Bastenier, «Violence et insécurité aujourd’hui,» La Revue nouvelle , nos. 5-6 (Mai-Juin 2008), 35)يُنظر:) pp. 40-41, et Jordane de Changy, Felice Dassetto et Brigitte Maréchal (dirs.), Relations et co-inclusion: Islam en Belgique , compétences interculturelles (Paris: L’Harmattan, 2007), pp. 154-155. (36) Dallemagne, Matz et Martens (coords.), p. 36. (37) Albert Bastenier, «En Belgique, comme ailleurs, le terrorisme est le fruit d’incertitudes identitaires et politiques,» Le Monde , 31/3/2016.
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
ومعنى. وبالتالي، يعتقد أنه وجد ضالته في ما يعتبره «جهادًا» وملاذًا آمنًا لتحقيق إشباع هوياتي
وتقدير ذاتي فقده في حياته وسط المجتمع البلجيكي. يحكي لنا عبد الرحمان بتلقائية وهو يرشف
فنجالً من الشاهي المغربي في أحد المقاهي في بورغراوت: «كان أبي وإخوتي الأربعة الكبار دائمًا خارج المنزل، ل أراهم إل لحظات في الليل بعد عودتهم من العمل. لم أكن أحب المدرسة،
كنت أفضل التجوال في الأزقة مع رفاقي. انقطعت عن الدراسة، ثم عدت تحت ضغط والدي لأبدأ تكوينًا مهنيًا في النجارة. لم يكن الأمر مهمًا بالنسبة إلي فتركت التكوين بعد شهرين، جربت منذ
سن مبكرة كل شيء، تناولت الحشيش والجعة وأنواع الخمور المختلفة، زرت مرارًا فيلا تينتو
Villa Tinto) (، واتجرت حتى في المخدرات بكل أنواعها وقمت بأعمال سرقة، وأخيرًا اهتديت مع
مجموعة من الأصدقاء إلى الصلاة وتلاوة القرآن وتطبيق الشريعة في الحياة. بعد مدة، وجدت أن الأمر لم يكن مثيرًا، أرغب الآن في الذهاب إلى الجهاد في سورية لرفع الظلم عن إخواننا المسلمين
هناك. لقد شاهدت صورًا رائعة لشبان من الحي وهم يحملون بنادق في الشام، هذا ما أريده، فليس
لدي ما أفعله هنا في بورغراوت». يشير بعض التقديرات إلى أن نحو 70 شابًا وشابة من منطقة بورغراوت توجهوا إلى القتال في
سورية، وهذا ما اعتبرته عثمان الزهرة، رئيسة مجلس مقاطعة بورغراوت، بمنزلة «نداء استغاثة للشباب الذي ل يجد من ينصت إليه؛ إنه نداء كي يكون ذا قيمة وجدوى، ففي الأغلب ينظر إليه أنه ل شيء، ول سيما حين ينعت بالحثالة». ولحظنا أن كثيرًا من هؤلء لديهم هاجس أن يُشعروا
محيطهم العائلي والجتماعي الضيق بأنهم مفيدون ويمكنهم القيام بأمور تجعلهم محل تقدير الجميع واعتزازه. على الرغم من وجود نماذج عدة ناجحة في حي بورغراوت لشباب من أصول مغربية استطاعوا بكدهم وجهدهم تحقيق النجاح في مجالت عدة: الفن، الرياضة، الآداب، التدريس الجامعي، عالم الأعمال... إلخ، فغالبًا ما يشكو كثير من هذا الشباب غياب نماذج إيجابية في أوساط العائلة
والحي يمكن الحتذاء بها والسير على خطاها، حيث أكد 88 في المئة من الشباب المستجوب أنه غير منجذب لأي شخصية رياضية أو فنية أو سياسية أو دينية في بلجيكا (انظر الشكل (3))، لكنه في المقابل أكد إعجابه الكبير بلاعبي فريق برشلونة وريال مدريد، خصوصًا ميسي ورونالدو. وصرّح
كثيرون لنا أنهم يعلّقون صورهما في غرفهم. ول يخفى أن مدينة أنفرس، خصوصًا حي بورغراوت،
تشهد دائمًا اضطرابات ومناوشات بعد نهاية مباريات كرة قدم، خصوصًا تلك التي تجمع بين
برشلونة وريال مدريد. إنه نوع من التماهي النفعالي الجماعي، المتنفس لتفجير الطاقات وتفريغ مشاعر الإحباط والتعبير اللاواعي عن الرغبة الكامنة في تحقيق النتصار والنجاح في مواجهة
(38) Cédric Vallet, «Pourquoi autant de jeunes Belges vont combattre en Syrie,» Slate.fr, 29/4/2016, at: http://www. slate.fr/story/117197/pourquoi-autant-belges-syrie.
39)) فيلا تينتو هو أشهر مركز للدعارة في أنفرس.
(40) «Zohra Othman: «Lorsqu’on s’appuie sur les gens, les solutions émergent vite »,» Solidaire, 8/1/2016, at: http:// solidaire.org/articles/zohra-othman-lorsqu-s-appuie-sur-les-gens-les-solutions-emergent-vite.
ﺷﺒﺎب اﻟﺠﻴﻞ اﻟﺜﺎﻟﺚ ﻟﻠﻬﺠﺮةﻓﻲ ﺑﻠﺠﻴﻜﺎ: ﻫﻮﻳﺎت ﺗﺎﺋﻬﺔ وﻣﺘﺼﺪﻋﺔ: دراﺳﺔ ﺣﺎﻟﺔﺣﻲ » ﺑﻮرﻏﺮاوت« ﺑﻤﺪﻳﻨﺔ أﻧﻔﺮس
تحديات المعيش اليومي. على سبيل المثال، في مساء السبت الواقع فيه 4 حزيران/يونيو 2011، وبعد المقابلة الكروية التي جمعت بين منتخبي الجزائر والمغرب وانتهت بفوز الأخير بأربعة أهداف لصفر، اندلعت مواجهات مع الشرطة، خصوصًا في حي بورغراوت في إثر احتفالت صاخبة
بالنتصار أسفرت عن شغب وتخريب ممتلكات عامة واعتقال بعض الشباب من أصول مغربية. كما يعرف الشارع الرئيسي لبروغراوت ازدحامًا وإطلاق أبواق السيارات وصوت الموسيقى الصاخبة
والنطلاق بسرعة جنونية كلما كانت هناك انتصارات للمنتخب البلجيكي أو المنتخب المغربي في مباريات كأس العالم لكرة القدم. الشكل (3) هل لديك شخص معجب به في بلجيكا في أوساط العائلة أو في عالم الرياضة أو الفن أو السياسة أو الدين؟
المصدر: الشكل من إعداد الباحث.
أكد معظم الشباب ممن استمعنا إليهم أنهم ل يشعرون بأي مضايقات من السلطات الفلامانية أو البلجيكية في ما يخص حرية ممارسة شعائرهم الدينية، فلديهم ما يكفي من الأماكن لأداء صلواتهم بشكل جماعي ول يتعرضون لأي استفزازات (انظر الشكل (4))، كما توجد مدارس لتعليم القرآن واللغة العربية، لكن هؤلء يشتكون من منع الفتيات من ارتداء الحجاب في داخل المدارس، ومن تعرضهم للعنصرية في ما يخص فرص العمل وفي أثناء الدراسة كونهم مسلمين أو من أصول مغربية (انظر الشكلين (5 و 6)). وأكد استطلاع للرأي بعنوان «المسلمون في مدن التحاد الأوروبي» أن مدينة أنفرس تحتل المرتبة الأولى من حيث رضى المسلمين الذين يعيشون فيها مقارنة ب 10 مدن أوروبية: باريس ولندن ومارسيليا وبرلين وكوبنهاغن وروتردام وأمستردام واستوكهولم وليسستر وهامبورغ. ويشعر كل تسعة مسلمين من عشرة في أنفرس بأنهم مرتاحين في ممارسة طقوس دينهم.
(41) ««Des émeutes à Borgerhout après le match Maroc-Algérie,» Belga News, 5/6/2011, at: https://www.rtbf.be/info/ belgique/detail_des-emeutes-a-borgerhout-apres-le-match-maroc-algerie?id=6221343. (42) At Home in Europe Project: Muslims in Antwerp , and Les Musulmans en Europe (New York: Open Society Foundations, 2011).
الشكل (4) هل تمارس شعائرك الدينية من دون مضايقات؟
المصدر: الشكل من إعداد الباحث.
الشكل (5) هل تشعر بأنك تتعرض للعنصرية كونك مسلمًا؟
المصدر: الشكل من إعداد الباحث.
الشكل (6) هل تشعر بأنك تتعرض للعنصرية كونك من أصول مغربية؟
المصدر: الشكل من إعداد الباحث.
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
ﺷﺒﺎب اﻟﺠﻴﻞ اﻟﺜﺎﻟﺚ ﻟﻠﻬﺠﺮةﻓﻲ ﺑﻠﺠﻴﻜﺎ: ﻫﻮﻳﺎت ﺗﺎﺋﻬﺔ وﻣﺘﺼﺪﻋﺔ: دراﺳﺔ ﺣﺎﻟﺔﺣﻲ » ﺑﻮرﻏﺮاوت« ﺑﻤﺪﻳﻨﺔ أﻧﻔﺮس
يبدو أن اختلال مرجعيات الهوية وتوازناتها لدى شباب الجيل الثالث المتحدر من الهجرة ينتج أزمات عدة على مستوى الندماج الجتماعي والثقافي وحتى السياسي، لهذا ينبغي التركيز على الشعور بالنتماء لدى هذه الفئة من الشباب من خلال تعزيز الثقة في النفس والنهوض بقيم المواطنة والحق في الختلاف والعيش المشترك. وباعتراف كثير من الباحثين من المعارف والتخصصات المختلفة، فإن ثمة نقص اليوم في بلجيكا، وفي أوروبا كلها، على مستوى العتراف والهتمام برهانات التعدد الثقافي والهوياتي، ول بد للمجتمعات الأوروبية من أن تكون لها رؤية نقدية لذاتها حتى يتمكن هؤلء الشباب من الخروج من مستنقع العزلة والهويات الجريحة نحو عالم أرحب يتسع للجميع. إن ما يحدث من سخط وتطرف وسط بعض الشباب غير مرتبط بالسياسات والدين فحسب، لكن هو أيضًا نوع من السخط الموجه في كل اتجاه ومن دون هدف واضح، ربما يكون تعبيرًا احتياليًا عن تيهان
هوياتي ونفسي مرتبط بالوصم والشعور بالدونية وغياب المرجعيات والنماذج الإيجابية في الجماعات المحلية لهذه الفئة من الشباب. من يريد أن يبحث عن عوامل التطرف الديني لهذه الفئة من الشباب وعن أسباب قرارها القيام بتفجيرات إرهابية في قلب أوروبا أو مغادرة مسقط رأسها ودفء عائلاتها إلى أصقاع مجهولة بعيدة في سورية والعراق في التعبئة الدينية وفي التراث والفكر الديني وفي الفشل الدراسي والبطالة يكون واهمًا، عليه أن يتجاوز الأنسقة التفسيرية الختزالية نحو مقاربة متعددة الزوايا والأبعاد. فثمة عوامل عدة ومعقدة، منها غياب تقدير الذات والإحساس بالدونية، والشعور بالإحباط والسخط تجاه المجتمع، وكذا انتشار العنصرية والهشاشة الجتماعية. ومن المهم جدًا محاولة فهم رؤى هؤلء للعالم، لذواتهم ولهوياتهم ولمحيطهم وللآخر المختلف عنهم دينيًا وثقافيًا. إنه شباب ضائع ومقتلع من جذوره، وغير قادر على إيجاد توازنات إيجابية بين هويته الدينية والثقافية واللغوية من جهة، وثقافة البلد الذي أصبح ينتمي إليه. لكنه، في الوقت نفسه، شباب مسلم مغربي ينتمي إلى ثقافة عربية وأمازيغية، ومواطن بلجيكي وأوروبي، لكنه لم يتمكن من استيعاب هذه النتماءات وتحويلها إلى طاقة إيجابية تمنحه التقدير الذاتي والعتزاز بالنفس؛ إنه ل يعتبر نفسه جزءًا
من المجتمع البلجيكي، ول يرى نفسه في توافق مع جماعاته المحلية في الأحياء التي يقطن فيها ويعيش صراعًا عنيفًا مع جيل الآباء والأجداد على مستوى القيم وفهم الدين. لهذا كله، أصبح الأمر يتطلب بشكل ملح من جهة سنّ سياسات حقيقية فاعلة بعيدة الأمد للاعتراف بهذه الفئة من الشباب وإنصافها ودمجها الفعلي في النسيج المجتمعي المتعدد الروافد، ومنحها الثقة في محيطها المجتمعي من جهة، ومن جهة أخرى التفكير بعمق ويقظة في سبل إرساء وبناء أمن هوياتي وثقافي وديني يقيها شرور السلبية والعزلة والنغلاق والتطرف، ويجعلها تتطلع إلى المستقبل بعيون الأمل.
(43) Dallemagne, Matz et Martens (coords.), p. 35.
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
اﻟﻤﺮاﺟﻊ References
Books
Alde'emeh, Montasser. Pourquoi nous sommes tous des djihadistes. Témoignages et documents. Paris: La Boite à pandore, 2015. Bonny, Johan. Église et famille: Ce qui pourrait changer. Suivi de deux contributions de Philippe Bacq; Préface de Bernard Housset. Namur; Paris: Fidélité; Paris: Salvator,
Changy, Jordane de, Felice Dassetto et Brigitte Maréchal (dirs.). Relations et co- inclusion: Islam en Belgique. Compétences interculturelles. Paris: L'Harmattan, 2007. Coolsaet, Rik. What Drives Europeans to Syria, and to IS?: Insights from the Belgian Case. Egmont Papers; 75. Gent, Belgium: Academia Press, 2015. At: http://www. egmontinstitute.be/wp-content/uploads/2015/03/75.pdf. Dallemagne, Georges, Vanessa Matz et Quentin Martens (coords.). La Belgique face au radicalisme: Comprendre et agir. Louvain: Presses universitaires de Louvain, 2016. Erikson, Erik H. Adolescence et crise: La Quête de l'identité. Traduit de l'américain par Joseph Nass et Claude Louis-Combet. Champs; 60. Champ psychanalytique. Paris: Flammarion, 1993. The Future of the Global Muslim Population: Projections for 2010-2030. Pew- Templeton Global Religious Futures Project. Washington, DC: Pew Research Center Forum on Religion and Public Life, 2011. At Home in Europe Project. Les Musulmans en Europe. New York: Open Society Foundations, 2011. ______. Muslims in Antwerp. New York: Open Society Foundations, 2011. Maréchal, Brigitte et Farid El Asri (éds.). Islam belge au pluriel. Islams contemporains. Louvain: Presses universitaires de Louvain, 2012. Moureaux, Philippe. La Vérité sur Molenbeek. Paris: La Boî te à pandore, 2016. Quentin, Schoonvaere. Belgique - Maroc 50 années de migration: Etude démographique de la population d’origine marocaine en Belgique. Louvain: Université catholique de Louvain, Centre de recherche en démographie et sociétés, 2014. Rapport de suivi de l’éducation et de la formation 2015 – Belgique. Luxembourg: Office des publications de l’Union européenne, 2015. Sageman, Marc. Le Vrai visage des terroristes: Psychologie et sociologie des acteurs du djihad. Traduit de l'américain par Maurice Berrac. Impacts. Paris: Denoël, 2005.
ﺷﺒﺎب اﻟﺠﻴﻞ اﻟﺜﺎﻟﺚ ﻟﻠﻬﺠﺮةﻓﻲ ﺑﻠﺠﻴﻜﺎ: ﻫﻮﻳﺎت ﺗﺎﺋﻬﺔ وﻣﺘﺼﺪﻋﺔ: دراﺳﺔ ﺣﺎﻟﺔﺣﻲ » ﺑﻮرﻏﺮاوت« ﺑﻤﺪﻳﻨﺔ أﻧﻔﺮس
Torrekens, Corinne et Ilke Adam (dirs.). Belgo-Marocains, Belgo-Turcs: (Auto)portrait de nos concitoyens. Bruxelles: Fondation Roi Baudouin, 2015. At: file:///C:/Users/ Minfo/Downloads/3323%20POD%20BelgoMarocainTurcs%20Final.pdf.
Periodicals
Bastenier, Albert. «Violence et insécurité aujourd’hui.» La Revue nouvelle. Nos. 5-6 (Mai-Juin 2008), pp. 30-42. Santelli, Emmanuelle. «De la «deuxième génération» aux descendants d’immigrés maghrébins.» Temporalités. No. 2 (2004).
Document
«Amazigh, een meerwaarde voor Antwerpen of de onderschatte rijkdom van een 3000 jarige cultuur.» Non-Profit Data, 29/3/2015. At: http://www.npdata.be/BuG/262- Amazigh./. Bendadi, Samira. «Borgerhout n’est plus «Borgerokko».» MO* Magazine. From MICmag Website, 13/11/2013. At: https://www.micmag.be/diasporas/borgerhout-n-est- plus-borgerokko. Dassetto, Felice. «Sharia4... all Éléments d’analyse et de réflexion à propos d’un groupe extrémiste.» Essais et recherches en ligne, Centre interdisciplinaire d’études de l’Islam dans le monde contemporain, Juin 2012. « Des émeutes à Borgerhout après le match Maroc-Algérie.» Belga News, 5/6/2011. At: https://www.rtbf.be/info/belgique/detail_des-emeutes-a-borgerhout-apres-le-match- maroc-algerie?id=6221343. Hertogen, Jan. «In België wonen 628.751 Moslims, 6,0% van de bevolking. In Brussel is dit 25,5%, in Wallonië 4,0%, in Vlaanderen 3,9%.» Non-Profit Data, 11/9/2008. At: http://www.npdata.be/BuG/100/. ______. «Moslims in België per gewest, provincie en gemeente. Evolutie 2011, 2013.» Non-Profit Data, 18/9/2015. At: http://www.npdata.be/BuG/318- Onderzoekscommissie/. ______. «Moslims in België van 6,3% naar 6,5% van de bevolking.» Blog Uit de Community, 8/10/2014. At: http://www.dewereldmorgen.be/blog/ janhertogen/2014/10/08/moslims-in-belgie-van-63-naar-65-van-de-bevolking. «Islam: 1 jeune Flamand sur 3 est intolérant.» Sudinfo.be, 8/2/2013. At: http://www. sudinfo.be/659783/article/actualite/belgique/2013-02-08/islam-1-jeune-flamand-sur-3- est-intolerant.
ﺻﻴﻒ 2017 Summer
Legrand, Frédéric. «Borgerhout, l’autre visage d’Anvers.» Chez Albert, 22/4/2013. At: http://www.chez-albert.fr/Anvers-Borgerhout-NVA-Groen.html. Rutazibwa, Olivia. «De la lutte contre le racisme ordinaire en Belgique.» Equal Times, http://www.equaltimes.org/de-la-lutte-contre-le-racisme?lang=fr#.
7/4/2015. At: WDRMMdLJxdg. Vallet, Cédric. «Pourquoi autant de jeunes Belges vont combattre en Syrie.» Slate.fr, 29/4/2016. At: http://www.slate.fr/story/117197/pourquoi-autant-belges-syrie. Vandermotten, Christian [et al.]. «Analyse dynamique des quartiers en difficulté dans les régions urbaines belges: Politique des grandes villes, intégration sociale.» ([2007]). At: https://www.mi-is.be/sites/default/files/documents/atlas.pdf. «Zohra Othman: «Lorsqu’on s’appuie sur les gens, les solutions émergent vite».» Solidaire, 8/1/2016. At: http://solidaire.org/articles/zohra-othman-lorsqu-s-appuie-sur- les-gens-les-solutions-emergent-vite.